Полный текст (289 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
ينجس الكافر حياً وميتاً الكلام في النص لآن الكلام في هذا الحديث، - حينئذٍ - (لا ينجس) هذا حكم معلق على ماذا؟ على مشتق على وصف وتعليق الحكم بمشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق يعني الحكم هنا معلل والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً كأنه قال (المؤمن) لعلة لكونه مؤمن متصف بالإيمان قريب من رحمة الله (لا ينجس) مفهومه مفهوم مخالفة من لم يؤمن نجس إذاً الكافر نجس وهذا صحيح - حينئذٍ - يكون العموم هنا في مفهوم المخالفة يعم الكافر حياً وميتاً دلت النصوص لجواز نكاح الكتابية وكذلك أكل طعامهم النبي ﷺ أكل مع اليهودي وتعامل مع اليهود وإلى آخره دلت هذه النصوص الواردة في التعامل مع الكفار على أنه في حال الحياة طاهر بقي ماذا؟ بقي الموت؛ - حينئذٍ - نقول الكافر في حال الحياة طاهر وأما إذا مات رجع إلى دلالة هذا النص فنحكم عليه بكونه نجساً قال ابن قدامة في هذا الحديث [ويحتمل أن ينجس الكافر بموته - بل هو مدلول النص - لأن الخبر إنما ورد في المسلم ولا يقاس الكافر عليه لأنه لا يصلى عليه ولا حرمة له كالمسلم]، وأما في حال الحياة قد ذهب بعضهم كأبي حنيفة وابن حزم إلى أنهم أنجاس استدلالاً بقوله تعالى (إنما المشركون نجس) لكن المراد هنا بالآية النجاسة المعنوية وليست النجاسة الحسية ولذلك أباح الله طعامهم ونساءهم فدل على أنهم على طهارتهم في حال الحياة ولذلك دخلوا المسجد في عهد النبي ﷺ وكذلك ربط ثمامة في المسجد فدل على أنهم على طهارة لو كانوا أنجاساً ما جاز أن يدخلوا المساجد - حينئذٍ - نقول في حال الحياة هم طاهرون وأما إذا مات فنرجع إلى دلالة النص، إذاً (ولا ينجس الآدمي بالموت) يستثنى من الكافر والكافر ينجس بالموت على الصحيح والله أعلم، (وما لا نفس له سائلةً - سائلةٌ يجوز الوجهان - متولد من طاهر) (وما) هذا معطوف على ماذا؟ على الآدمي (ولا ينجس الآدمي) ولا ينجس (ما لا) وما هنا اسم موصول يصدق على حيوان يعني كأنه قال لا ينجس حيوان لا نفس له؛ النفس هنا المراد بها الدم يعني ليس له دم ليس المراد ليس له دم الدم ضروري بل قيل هو الروح لكن المراد إذا قطع أو ذبح أو نحو ذلك لا يسيل الدم يعني لا يجري هو فيه دم لكن لا يجري ليس له دم مسفوح، فالنفس الدم فإن العرب تسمي الدم نفساً ومنه قيل للمرأة نفساء لسيلان دمها عند الولادة ويقال نفست المرأة إذا حاضت، إذاً (وما لا نفس) أي دماً (له) الضمير يعود إلى (ما) للحيوان (سائلة) كالبقي والعقرب وهو (متولد من طاهر) هذا شرط في الحكم عليه بكونه طاهراً لأنه ليس بنجس (متولد من طاهر) المتولد من طاهر يعني الذي أصله الطهارة بخلاف الذي أصله النجاسة فما كان متولد من طاهر هذا لا خلاف فيه والمتولد من النجس جمهور أهل العلم على أنه طاهر خلافاً للمذهب فإنه لا يطهر وهذا مبني على مسألة الاستحالة يعني لو وجد نجاسة ميتة مثلاً فتحول بعض الدم أو بعض اللحم إلى دود هذا دود متولد من ماذا؟ من نجس؛ ما حكمه؟ إن قلنا أن الاستحالة لا تطهر وهي المذهب حكمنا عليه بكونه نجس وإن قلنا بكون الاستحالة مطهرة حكمنا عليه بكونه طاهراً وكذلك مثلاً الصراصير التي توجد في الحمامات
стр. 247
ونحوها قد تتولد من نجاسة إن حكمنا عليها بكونها نجسة بأن الاستحالة لا تطهر فهي نجسة فإن وقعت في الماء نجسته وإذا ماتت فيه نجسته وإذا حكمنا بكون الاستحالة مطهرة - حينئذٍ - لو وقعت وماتت في الماء لا نحكم بنجاسته لأنها طاهرة إذاً (ما لا نفس له سائلة) يعني ليس له دم تجري إذا ذبح مثلاً (متولد من طاهر) لا ينجس بالموت وهذا المذهب فلا ينجس الماء اليسير بموتهما فيه هذا الذي ينبني عليه، قال ابن هبيرة [واتفقوا على أنه إذا مات في الماء اليسير ما لا نفس له سائلة كالذباب ونحوه فإنه لا ينجسه - يعني لا ينجس الماء - إلا في أحد قولي الشافعي] والأصل في هذه المسألة مسألة الحيوان الذي ليس له دم سائلة الأصل أنه ورد حديث في الذباب فقط وقيس عليه ما عداه جاء في الصحيح (إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه) يفهم منه ماذا؟ أولاً وقع وهو حي إذاً لم ينجس الشراب وهو قليل قطعاً أنه قليل إذاً الذباب في حال الحياة طاهر لأنه لو كان نجس دلت النصوص على أن الماء القليل بمجرد الملاقاة ينجس وهنا قال (إذا وقع الذباب في شراب أحدكم) إذاً (فليغمسه) إذاً أول ما وقع نقول حكمنا عليه بكونه وهو حي أنه طاهر قوله فليغمسه وقال (في شراب أحدكم) الشراب على نوعين شراب بارد وشراب ساخن حار - حينئذٍ - لو غمسه في الشراب الحار قضا عليه إذاً مات فإذا مات هل أمر النبي ﷺ بإراقة هذا الشراب؟ الجواب لا - حينئذٍ - دل على أنه بعد موته ميتته طاهرة وليست نجسة لأن النبي ﷺ قال (فليغمسه) ومع إطلاقه الشراب قد يكون حاراً ساخناً فيموت وهذا النبي ﷺ لا يأمر به لأنه إفساد له لو كانت الميتة نجسة فدل هذا النص على أن الذباب ليس بنجس في حال الحياة كذلك بعد الموت، قال ابن القيم في هذا الحديث [وفيه دلالة ظاهرة على أنه لو مات في ماء أو مائع أنه لا ينجسه لأنه طاهر وهذا قول جمهور العلماء ولا يعرف في السلف مخالف في ذلك وعدي هذا الحكم إلى كل ما لا نفس له سائلة] يعني استنبطوا لما الذباب هل له خاصية معينة بالغمس هل يفيد الشراب شيئاً يحتمل هذا وذاك لكن وجدوا أن الذباب ليس له دم تسيل فقاسوا عليه كل ما لا نفس له سائلة - حينئذٍ - مثله الصراصير وكذلك العقارب والنمل وكله يقاس على هذا ليس فيه نص خاص وإنما من باب القياس [وعدي هذا الحكم إلى كل ما لا نفس له سائلة]، قول المصنف (وما لا نفس له سائلة) مفهومه ما له نفس سائلة أنه ينجس لكن هنا لابد من إخراج ما نص عليه سابقاً الآدمي لأن الآدمي نص على أنه ليس بنجس (ولا ينجس الآدمي بالموت وما لا نفس له سائلة متولد من طاهر) خرج الآدمي ما له نفس سائلة من الحيوان غير الآدمي على قسمين: الأول ما ميتته طاهرة وهو السمك وسائر حيوان البحر الذي لا يعيش إلا في الماء فهو طاهر حياً وميتاً لأنه لو كان نجس لم يبح أكله، ثانياً ما لا تباح ميتته غير الآدمي كحيوان البر المأكول وغيره وحيوان البحر الذي يعيش البحر كالضفدع والحية والتمساح ونحو ذلك وكل ذلك ينجس بالموت وينجس الماء القليل إذا مات فيه والكثير إذا غيره، إذاً (ما لا نفس له سائلة متولد من طاهر) المراد به ما لم
стр. 248
يأتي النص بكونه نجساً أو أنه حي، ثم قال المصنف رحمه الله تعالى (بول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه ومني الآدمي ورطوبة فرج المرأة) كل ذلك حكم عليه بأنه طاهر (وبول ما يؤكل لحمه) إذاً مفهومه أن بول ما لا يؤكل لحمه أن الحكم يختلف لأنه خصه بماذا؟ بموصوف وهو ما يؤكل لحمه، إذاً فرق بين الحيوان مأكول اللحم والحيوان غير مأكول اللحم (بول ما يؤكل لحمه) ومثل البول (روثه) بالرفع عطفاً على ماذا؟ - ما يؤكل لحمه روثه - إن عطفته على اللحم - ما يؤكل لحمه روثه - معطوف على البول انتبه!، بول وروث ومني ما يؤكل لحمه هذا المراد ولو أخر المصنف لكان أجود، (وبول ما يؤكل لحمه) انظر النحو كيف (روثه) بالرفع قد يظن الظان أنه معطوف على (لحمه) ولحمه نائب فاعل يؤكل لحمه نائب فاعل لو عطفت عليه روثه لقولت يؤكل روثه وإذا عطفت على البول - حينئذٍ - صار محكوماً عليه، الكلام بول وروث ومني ما يؤكل لحمه؛ ما حكمه؟ طاهر، أما الإبل فجاء النص فيه على جهة الخصوصية وما عداه فهو مقيس عليه (بول ما يؤكل) (بول ما) أي حيوان (يؤكل لحمه) ذكرنا أن في الإبل النص وفي غيرها مما يؤكل لحمه فبالقياس (وروثه) كبوله (ومنيه) وله مني لقوله تعالى (والله خلق كل دابة من ماء) (كل دابة) عام والإبل دابة والقط دابة إذاً كل ما يصدق عليه أنه دابة قال (من ماء) يعني من مني فله مني، إذاً هذه الثلاثة الأشياء نحكم عليها بكونها طاهرة؛ لماذا؟ قالوا لأن النبي ﷺ أمر العرنيين قبيلة من العرب أن يلحقوا بإبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها فلما أمرهم بذلك دل على أن - الألبان واضحة طاهرة - أبوالها طاهرة؛ لماذا؟ لأنه لا دواء فيما حرمه الله تعالى، فلو كانت الأبوال نجسة معلوم أن نجس محرم الشرب ولم يأذن الله عزوجل للعباد أن يتداووا بما هو محرم - حينئذٍ - لما أمرهم النبي ﷺ وأذن لهم أن يشربوا أبوال الإبل لأجل الدواء علمنا أنها طاهرة هذا يستلزم الطهارة ولذلك قال الشارح [والنجس لا يباح شربه] قد يقال أنه للضرورة قال لو أبيح للضرورة لأمرهم بغسل أثره إذا أرادوا الصلاة فلما ترك دل على أنه طاهر وصلى النبي ﷺ في مرابض الغنم وأذن بالصلاة فيها ولا تخلو من أبعالها وأبوالها؛ وكذلك البراءة الأصلية، إذاً الأصل في بول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه الأصل أنه طاهر، ولذلك قال الشوكاني رحمه الله تعالى [والظاهر طهارة الأبوال والأزبال من كل حيوان يؤكل لحمه تمسكاً بالأصل واستصحاباً للبراءة الأصلية والنجاسة حكم شرعي ناقل عن الحكم الذي يقتضيه الأصل والبراءة فلا يقبل قول مدعيها إلا بدليل يصلح للنقل عنهما ولم نجد للقائلين بالنجاسة دليل] ليس عندهم دليل واضح بين وإن كان هذا منسوب القول بالنجاسة منسوب للجمهور شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى [يقول هذا القول محدث لا سلف له من الصحابة] مع كونه قول الجمهور، (ومني الآدمي) كذلك طاهر لقول عائشة رضي الله تعالى عنها (كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ ثم يذهب ويصلي فيه) إذاً لم تغسلهّ إذ لو كان نجساً لغسلته والحديث متفق عليه، قال شيخ الإسلام [وأما كون عائشة تغسله تارة - من
стр. 249
ثوب رسول الله ﷺ وتفركه تارة هذا لا يقتضي تنجيسه] يعني هو طاهرة كونه يغسل لا يدل على النجاسة؛ بدليل ماذا؟ أمرين؛ الأول: أن المخاط والبصاق مثلاً وما يكون من سائر الإنسان قد يغسل فالغسل - حينئذٍ - لا يستلزم التنجيس، ثانياً: أنه قد ورد رواية أخرى وهي أنها تفركه؛ ولو كان نجساً لوجب غسله لهذين الأمرين هو طاهر، ولذلك قال [وأما كون عائشة تغسله تارة وتفركه تارة فهذا لا يقتضي تنجيسه فإن الثوب يغسل من المخاط والبصاق والوسخ وهذا قول غير واحد من الصحابة ابن عباس وغيره] إذاً مني الآدمي طاهر هذا المذهب مطلقاً لكن استثنوا ما سبق التنصيص عليه وهو أن المني إذا خرج دون دفق ولذة حكم عليه بأنه نجس والثاني - النوع الثاني من المني النجس على المذهب - أنه لو استجمر ثم أمنى حكم على المني بأنه نجس؛ لماذا؟ لأنه لاقا نجاسة لا في محلها يعني تعدى خرجت تجاوز الموضع - حينئذٍ - حكم عليه بكونه نجساً، في هذين الموضعين المني على المذهب يعتبر نجساً، (ورطوبة فرج المرأة) كذلك طاهر فرج المرأة المراد به مسلك الذكر حكمه حكم الظاهر وهو طاهر، والرطوبة التي تخرج من المعدة نجسة بالاتفاق والمراد هنا الرطوبة التي تخرج من فرج المرأة، قال هنا [للحكم بطاهرة منيها مطلقاً وهو قول الشافعي وتقدم قول الشيخ وقال القاضي ما أصاب منه في حال الجماع نجس لأنه لا يسلم من المذي قال في المبدع وهو ممنوع فإن الشهوة إذا اشتدت خرج المني وحده] على القول السابق بأن مجرد الملاقاة لا ينجس إلا الماء - حينئذٍ - لا نحكم على سائر المائعات إلا بالتغير وإذا كان كذلك فإصابة قطرة أو قطرتين من المذي للمني لا نحكم عليه بكون نجساً وكذلك الشأن في الرطوبة التي قد تواجه مذي أو نحو ذلك فلا نحكم عليه بالنجاسة، (ورطوبة فرج المرأة) طاهر، وعنه نجس عن الإمام أحمد رواية أخرى أنها نجسة وجاء في بعض الروايات للنبي ﷺ في ذاك الراجل الذي قال له (لعلنا أعجلناك؛ اغسل ذكرك) هذا أمر ودل على أنه قد يحكم عليها بالنجاسة (ورطوبة فرج المرأة) طاهر والكلام في حكم الرطوبة هنا ليس هو الكلام في حكم النقض فمن حكم بكونها طاهرة لا يلزم منه أن يحكم بكونها غير ناقضة للوضوء فالجمهور على كونها طاهرة ولكنها ناقضة للوضوء هذا هو الصحيح أنها ناقضة للوضوء وأما الطاهرة فهذا فيه شيء من الإشكال، ثم قال (وسؤر وما دونها في الخلقة طاهر) (سُؤر) بضم السين مع الهمزة بضم السين مهموز المراد به بقية الطعام وكذلك الشراب يعني يصدق على الطعام ويصدق على الشراب، ولذلك قال في الشرح [والسؤر بضم السين مهموز بقية طعام الحيوان وشرابه] (الهِرة) بالكسر المراد به القط (وما دونها في الخلقة) يعني وما هو أقل منها في الخلقة يعني أقل حجماً العبرة بالحجم هنا فالقطة المتوسطة وما دونها في الخلقة يعني كالفأر ونحوه ما حكمه؟ قال (طاهر) ويستثنى ما سبق وهو ما كان متولد من نجس فما كان متولد من نجس على المذهب فهو نجس فلا يستثنى ليس داخل في الحكم لأنه قال هناك (وما لا نفس له سائلة متولد من طاهر) فإن كان متولد من نجس حكمنا عليه بكونه نجس وليس داخل معنا هنا فسؤره نجس لأنه نجسه وكذلك
стр. 250
سؤره سواء كان طعاماً أو شراباً يعتبر نجساً والحكم إنما هو معلق بالطاهر إذاً سؤر الهرة وما دونها في الخلقة ويستثنى ما سبق وهو ما لم يكن متولد من نجساً فهو طاهر، لحديث أبا قتادة في الهر (إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات) هذا تعليل فنفى أنها نجسة لما رآه تشرب من الماء ثم توضأ بعدها فكأنه أنكره أو زوجته أنكرت ذلك قال (إنها ليست بنجس) فإذا لم تكن نجسة - حينئذٍ - سؤرها ليس بنجس وهذا قد يؤخذ منه تأييد المذهب وهو أن ما كان دون القلتين بأنه ينجس بمجرد الملاقاة لأنه نظر هنا إلى الظاهر هرة نجسة في ظنها ثم أخذت أو شربت من الماء فلو لم يكن لها تأثير مطلقاً لما كان الإنكار، إذاً (إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات) انظر نظروا إلى الهرة من حيث الخلقة ونفي الحكم بالنجاسة - حينئذٍ - عمموا الحكم فيما دونها مع أن العلة التي ذكرها النبي ﷺ ليست هي متعلقة بحجم الهر أو أكبر أو دون ذلك وإنما دفعاً للمشقة لأن التطواف المراد به ما يدخل البيوت بكثرة أو ما يلابس الناس بكثرة هذا الاحتراز منه وعنه من حيث النجاسة فيه مشقة ولذلك العلة الصحيحة أن يقال فيما هنا أنه التطواف لأن إن بعد النفي تدل على التعليل كما أن إن بعد الأمر أو النهي تدل على التعليل (إنها ليست بنجس) لماذا؟ لإنها - حينئذٍ - صار علة فعلق النبي ﷺ العلة هنا ليس على حجمها وإنما على مشقة الاحتراز عنها ومنها - حينئذٍ - ما كان مثل الهرة كالحمار الأهلي ونحوه مما يركبه الناس ونحوه مما لا يمكن التحرز منه وعنه - حينئذٍ - يكون حكمه حكم الهرة وهذا هو الصحيح، (وسؤر الهرة وما دونها في الخلقة طاهر) فنقول أن الصحيح أن العلة ليست هي حجم الهرة وإنما العلة هي التطواف فكل ما كان كثير تطواف على الناس ويشق التحرز عنه - حينئذٍ - نحكم عليه بكونه طاهر، ثم قال المصنف رحمه الله تعالى (وسباع البهائم والطير والحمار الأهلي والبغل منه نجسة) (سباع البهائم) مراده غير الكلب والخنزير وغير الهر وما دونها في الخلقة يعني يستثنى مما سبق من أول الباب فالكلب ليس بداخل وإن كان من سباع البهائم وكذلك الخنزير ليس بداخل والهر وما دونها في الخلقة ليس بداخل، (وسباع البهائم والطير) الطير اسم جنس يقع على الواحد ومنها السباع كذلك التي أكبر من الهر خلقة والمراد بالسباع هي التي تأكل وتفترس (والحمار الأهلي) لا الوحشي (والبغل منه) يعني إذا كان نتاجاً عن الحمار الأهلي أي من الحمار الأهلي لا الوحشي (نجسة) فالحكم على كل ما ذكر بأنه نجس وكذلك جميع أجزائها وفضلاتها لأنه ﵊ لما سئل عن الماء وما ينوبه من السباع والدواب فقال (إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء) ما هو المسئول عنه؟ ينوبه من السباع والدواب؛ والسباع يشمل سباع البهائم ويشمل سباع الطيور فكل ما هو من هذه الطائفة التي تأكل وتفترس - حينئذٍ - الحكم أنها نجسة ولأنه أجاب بأنه إذا كان الماء قلتين لم ينجس شيء يعني من تلك السباع فدل على أنها نجسة، فمفهومه أنه ينجس إذا لم يبلغهما، وقال في الحمر يوم خيبر (إنها رجس) هذا أكلها وليس المراد أنها يعني عرقها وما
стр. 251
يخرج منها أنه نجس والصحيح في الحمار الأهلي أنه داخل فيما سبق ولذلك كان يركب وكان يعرق وكان النبي ﷺ يركبه والصحابة ولم يأتي حرف واحد بكون النبي ﷺ بين أنه نجس ولذلك قال ابن القيم [ودليل النجاسة لا يقاوم دليل الطهارة فإنه لم يقم على تنجس سؤرها دليل وغاية محتج به لذلك قول النبي ﷺ (إنها رجس) الرجس هو النجس وهذا لا دليل فيه لأنه إنما نهاهم عن لحومها - عن أكلها - وقال (إنها رجس) ولا ريب أن لحومها ميتة لا تعمل الذكاة فيه فهي رجس ولكن من أين أن تكون في حال حياتها حتى يكون سؤرها نجس] والصحيح أن الحمار الأهلي والبغل منه أنه ليس بنجس بل هو طاهر للأصل وثانياً للعلة السابقة لأنه مما يستعمله الناس ولذلك عن الإمام أحمد رواية أخرى أن الحمار الأهلي والبغل أنه طاهر واختاره الموفق وابن تيمية وجماعة وهو مذهب مالك والشافعي قال في الإنصاف [وهو الأصح والأقوى دليلاً لأن ﵊ يركبهما ويركبان في زمانه وفي عصر الصحابة فلو كان نجسين لبين النبي ﷺ ذلك] لكن إذا قيل بأن العلة التطواف إذاً في المدن الآن في المدن لا يركبون الحمير؛ هل تبقى العلة أم تزول؟ الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً - حينئذٍ - إذا كان في القرى وفي الأرياف يستعملون هذه الحمير في الركوب ونحوها لا شك أن الحكم واضح بين وأما إذا كان في نحو المدن هذا يحتاج إلى نظر في إعادة ما ذكر
والله أعلم
وصلى وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
стр. 252
عناصر الدرس
* باب الحيض، وشرح الترجمة.
* الدماء التي تخرج من الرحم ثلاثة باتفاق.
* قوله: "لا حيض قبل تسع سنين، ولا بعد خمسين، ولا مع حمل"، والصحيح خلافه.
* أقل مدة الحيض، وأكثره، وغالبه.
* ما هو أقل طهر بين حيضتين؟
* الحيض يمنع وجوب الصلاة وفعلها، ويمنع فعل الصوم فقط.
* قوله: "ويحرم وطؤها في الفرج"، والواجب على من فعل.
* ماذا يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟
* قوله: "إذا انقطع الدم ولم تغتسل لم يبح غير الصيام والطلاق".
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد
قال المصنف رحمه الله تعالى (باب الحيض) أي هذا باب بيان حقيقة الحيض وما يتعلق به من الأحكام إن كان يذكرون معه الاستحاضة والنفاس إلا إن الاستحاضة والنفاس إنما هو دم مرض الاستحاضة مرض والنفاس في حكمه وأما دم الحيض فهو صحة وهو الأصل، الأصل في المرأة هو الصحة، وهذا الباب هو خاتمة أبواب الطهارة ذكرنا السبب تقديم المصنف رحمه الله تعالى باب إزالة النجاسة على باب الحيض مع أنه متعلق بالغسل لأن الحيض موجب من موجبات الغسل ذكرنا أن الحيض خاص بالنساء وأما إزالة النجاسة فهي عامة للرجال والنساء وما كان عاماً فهو مقدم على الخاص، وقال النووي رحمه الله تعالى [وأعلم أن باب الحيض من عويص الأبواب - يعني باب عويص - ومما غلط فيه كثيرون من الكبار لدقة مسائله واعتنى به المحققون وأفرده بالتصنيف في كتب مستقلة] لأن الأحاديث الواردة فيه في باب الحيض أو ما يتعلق بالحيض أحاديث معدودة بمعنى أنها ليست بالكثيرة وكل لما قلت الأدلة كثر الخلاف ولذلك كل لما كثرة الأدلة قل الخلاف العكس بالعكس، إذا وجدت خلافاً بين أهل العلم وكثرت الأقوال في الغالب - أن النص أو الآية - إما أنه لا يكون هناك نص أو يكون هناك لكنه ليس واضح الدلالة، لأن أهل العلم الأصل فيهم أنهم وقافون مع دلالة النص، فإذا جاء خلاف طويل عريض فاعلم أنه إما أنه لا نص أو أنه ثَمَّ نص إلا أنه ليس واضح الدلالة هذا هو الغالب وقد يكون ثَمَّ خلاف والنصوص واضحة بينة، وإنما كان باب الحيض من عويص الأبواب لكثرة تفريعاته، وحاول أهل العلم أن يجعلوا له ضوابط، قال ابن رشد رحمه الله تعالى [اتفق المسلمون على أن الدماء التي تخرج من الرحم ثلاثة - يعني الدماء التي تتعلق بها الأحكام وتخرج من الرحم ثلاثة - الأول: دم الحيض وهو الخارج على جهة الصحة - يعني دليل على الصحة ليس بعلامة مرض - الثاني: دم استحاضة وهو الخارج على جهة المرض وأنه غير دم الحيض - ليس هو دم الحيض ألبته - لقول النبي ﷺ (إنما ذلك عرق وليس بالحيضة) (إنما ذلك) المشار إليه دم الاستحاضة (وليس بالحيضة) إذاً فرق بين دم الاستحاضة والحيض - الثالث: دم نفاس وهو الخارج مع الولد] وعلى المذهب قبله بيوم أو يومين وأما المشهور أنه وهو من المفردات المشهور أنه مع الولد، إذاً هذه ثلاثة أنواع دم حيض ودم استحاضة ودم نفاس، ثَمَّ نوع رابع وقع فيه نزاع وهو دم فساد ما يسمى بدم الفساد؛ هل هو عينه الاستحاضة أم أنه غيره؟ محل نزاع والصحيح أنه هو يعني لا فرق بين دم الاستحاضة ودم الفساد فكل منهما دم عرق علل النبي ﷺ (إنما ذلكم عرق وليس بالحيضة) إذاً تقابلا - حينئذٍ - يدخل دم الفساد في دم الاستحاضة هذا هو الصحيح أن الدماء محصورة فيما ذكر، قال ابن تيمية رحمه الله تعالى [والأصل في كل ما خرج من الرحم أنه حيض] هذا أصل مهم الباب لا بد أن يبنى على أصل إذا قيل الدماء ثلاثة حيض ونفاس واستحاضة؛ طيب أيها أصل؟ لا بد من التأصيل - حينئذٍ - نستفيد من ذلك أنه إذا
стр. 253
وقع شك هل هذا دم حيض أو استحاضة وليس عندنا ما يميز أحدهما عن الآخر نرجع إلى الأصل ما هو الأصل؟ الأصل هو دم الاستحاضة قد قيل به - حينئذٍ - قلنا هذا دم استحاضة وليس بحيض وعلى رأي ابن تيمية رحمه الله تعالى أن الأصل هو دم الحيض - حينئذٍ - نرجح أنه هو دم حيض، إذاً معرفة الأصل مهم جداً في هذا الباب لذلك من أراد أن يضبط هذا الباب فليضبط هذا الأصل لأن فيه خلاف بين أهل العلم، هل الأصل في الذي خرج من الرحم أنه دم حيض أو استحاضة؟ ينبني عليه أنه إن لم توجد قرينة هنا محل الإشكال في باب الحيض تتردد المرأة أو يتردد المفتي هل هذا دم حيض أو استحاضة ثَمَّ قرائن ترجح هذا وقرائن ترجح الآخر وقد لا يستطيع أن يرجح - حينئذٍ - نرجع إلى الأصل لأن الشك لا يبنى عليه حكم ما هو الأصل؟ قلنا الأصل هو دم استحاضة إذاً تصلي وتصوم وإذا قلنا الأصل بأن دم الحيض إذاً تترك الصلاة وتترك الصوم إذاً هذا ينبني حكم عظيم الحكم على الدم بكون دم حيض أو دم استحاضة ينبني عليه فعل الصلاة وترك الصلاة وهذا شيء كبير جداً، قال ابن تيمية رحمه الله تعالى [والأصل في كل ما خرج من الرحم أنه حيض حتى يقوم دليل على أنه استحاضة] إذاً نستصحب الأصل أنه حيض إلا إذا دلت قرينة على أنه استحاضة فنرجع إلى الاستحاضة؛ لماذا؟ ما الدليل؟ قال [لأن ذلك هو الدم الأصلي الجبلي وهو دم ترخيه الرحم ودم الفساد دم عرق ينفجر وذلك كالمرض] إذاً دم الفساد والاستحاضة دم مرض ودم الحيض دم صحة، وأيهما الأصل في الإنسان الصحة أم المرض؟ الصحة - حينئذٍ - ولا نقول بأنه مريض إلا إذا وجدت علامة المرض والأصل أنه صحيح كذلك الحيض الأصل أنه علامة على الصحة - حينئذٍ - دم الاستحاضة علامة على المرض فإذا وجدت قرينة تدل على أنه دم استحاضة رجحناه أنه دم استحاضة وإذا لم توجد قرينة رجعنا إلى الأصل وهو أنه دم حيض، والأصل الصحة لا المرض فمتى رأت الدم جارياً من رحمها فهو حيض تترك لأجله الصلاة، إذاً باب الحيض وما يتعلق به من الأحكام وسيذكر الاستحاضة تبعاً كذلك النفاس في آخر الباب، الحيض أصله لغة السيلان مصدر سل يسيل سيلاً سيلان إذاً المعنى اللغوي هو السيلان من قولهم حاض الوادي إذا سال إذاً لا بد من علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي فلا بد أن يوجد السيلان في الدم الذي يحكم عليه بأنه حيض إذا لم يسل الدم لا نحكم عليه بأنه حيض، ولذلك إذا قالت المرأة رأيت نقطة أو نقطتين أو ثلاث نقاط متفرقة ما حكمه؟ ليس بحيض؛ لماذا؟ لانتفاء المعنى اللغوي هنا انتفى لا بد أن يكون ثَمَّ سيلان يعني يجري سيلان المراد به الجري معلوم أنه جري يعني يسيل سيلاً إذا لم يكن سيلان - حينئذٍ - حكمنا عليه بأنه ليس بدم حيض هذا أصل تجعله كذلك في باب الحيض، من أجل ضبط الباب هذا الباب عويص كما قال النووي رحمه الله تعالى ولذلك قال الإمام أحمد [كنت في كتاب الحيض تسع سنين حتى فهمته] يعني بكل ما ورد فيه من أحاديث وأقوال أهل العلم يعني فقه مقارن هذا المراد لأن ضبطه يعتمد على ضبط الواقع، إذاً أصله في اللغة السيلان فالحيض لا يطلق على النقطة والنقطتين، وأما في الشرع فعرفه هنا المصنف الشارح [دم طبيعة وجبلة يخرج من
стр. 254
قعر الرحم في أوقات معلوم خلقه الله لحكمة غذاء الولد وتربيته] دم هذا جنس يدخل فيه الثلاثة الأنواع السابقة دم الحيض ودم النفاس ودم الاستحاضة فهو جنس يدخل فيه كل الأنواع الثلاثة، قوله [طبيعة وجبلة] جبلة المراد به الخلقة وهو المراد به الطبيعة فالعطف عطف تفسير بمعنى واحد إذاً دم الطبيعة هو عينه دم الجبلة يعني أمر فطرت عليه المرأة خلقت وهي تحيض هكذا يعني من شأنها أن تحيض وقوله دم طبيعة أخرج دم الاستحاضة وأخرج دم النفاس؛ لماذا؟ لأن دم الاستحاضة ليس بدم طبيعة بل هو مرض ودم النفساء هو في حكم المرض لأنها مريضة فهي في حكم المرض - حينئذٍ - وقوله [دم طبيعة وجبلة] خرج به النوعان الآخران [يخرج من قعر الرحم] هذا بيان لمخرج الدم من أين يخرج؟ [يخرج من قعر الرحم] هذا بيان لمخرج الدم وليس داخل في الحد وإنما أرادوا أن يبينوا حقيقة دم الحيض وأن يبينوا وقت الحيض ومكانه، [في أوقات معلومة] [في أوقات] هذا إشارة إلى أنه لا يكون مستمراً - حينئذٍ - لو كان مستمراً لا يكون حيضاً يعني استمر بها الشهرين والثلاث والأربع بل السنة والسنتين كما سيأتي أن بعضهم قد يجري بها الدم ست سنين - حينئذٍ - نقول هذا ليس بدم حيض لأن دم الحيض يأتي وينقطع وأما إذا استمر فاستمراره علامة على أنه ليس بدم حيض واضح في [أوقات معلومة] إشارة إلى أنه لا يكون مستمراً بخلاف الاستحاضة والأوقات المعلومة المراد بها أقل سن تحيض له وأكثر سن تحيض له ومتى ينقطع وأقل الحيض من حيث الزمن يوم وليلة أكثره خمسة عشر يوماً ونحو ذلك [خلقه الله لحكمة غذاء الولد وتربيته] هذا بيان لعلة الخلق، والمستحاضة من عبر دمها أكثر الحيض ومن فرق بين دم الاستحاضة ودم الفساد قدموا الفساد أعم من ذلك والذي ينفرد به وهو المذهب عندنا من أجل ضبط المذهب أن المبتدءة بالدم قبل أن يثبت أنها حائض الدم الذي أول ما يأتيها هذا يعتبر دم فساد يعني مبتدءة التي يأتيها قبل أقل سن تحيض له كخمس سنين وسبع سنين وثماني سنين وتسع سنين إذا لم تتم هذا يسمى دم فساد وأما دم الاستحاضة - فحينئذٍ - يكون متصلاً بدم الحيض يعني هو دم الحيض إن استمر صار استحاضة وأما إذا كان منفصلاً فلا يسمى دم استحاضة وإنما يكون دم فساد فلو جاءها في غير موعد الحيض هذا يسمى دم فساد ولا يسمى دم استحاضة على المذهب لأنهم يفرقون بين النوعين والصحيح أنهما بمعنى واحد ودم النفاس سيأتي في محله، قال المصنف رحمه الله تعالى (لا حيض قبل تسع سنين) الفقهاء أرادوا أن يحددوا أقل سن تحيض له المرأة وأكثر سن ينقطع الدم ولا يكون دم حيض وأقل زمن للعادة وأكثر زمن وأقل زمن للحيض وأكثر زمن على أقوال شهيرة الخلاف في هذه المسائل هو الذي جعل باب الحيض من عويص الأبواب والصحيح في المسائل كلها أنه لم يرد تحديد لا في أقل ما تحيض به المرأة بسن أو أكثر ولا لأقل ما يكون زمناً للحيض ولا أكثر وإنما العبرة بوجود الدم فإذا تقرر كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن الأصل هو دم الحيض - حينئذٍ - متى ما رأت الدم فهو دم حيض سواء جلس معها ساعة ثم انقطع فهو حيض سواء أتاها وعمرها سبع سنين ثماني سنين تسع سنين عشر سنين نقول هذا يعتبر دم حيض؛ لماذا
стр. 255
لأن الشارع أطلق عليه بأنه أذى (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض) إذاً متى ما وجد الأذى تعلقت به الأحكام الشرعية وهذا هو علة الحكم يعني كونه أذى ترتبت عليه الأحكام الشرعية وهو قوله (فاعتزلوا النساء) وكذلك ترك الصلاة والصيام ونحوها - حينئذٍ - الحكم يدور مع علته متى ما وجد الأذى تعلقت به الأحكام متى ما انتفى انتفت الأحكام؛ هل بين الشارع أن أقل سن يصدق على الخارج أنه أذى أم لم يرد؟ لا شك أنه الثاني وإنما نظر الفقهاء كل بحسبه سواء كان أبا حنيفة أو مالكاً أو الشافعي أو أحمد كل نظر باعتبار الوجود ولذلك أكثر ما يحتجون به ليس من نصوص الشريعة وإن كان بعضهم يستند إلى بعض الأقوال عن عائشة أو علي أو غير ذلك لكن المعتمد أكثر عندهم هو الوجود يعني نظر فلان من الناس بأن من حوله كلهن قد حاضت لتمام تسع سنين إذاً قال هذا الذي يعلق به الحكم وجد أن من حوله من كبار السن خمسين سنة وتوقف الحيض قال هذا هو الحكم، إذا الوجود بمعنى الواقع وهذا الوجود يسمى استقراء عند أهل العلم ولا شك أن الاستقراء تتعلق به الأحكام لا شك أنه تتعلق به الأحكام لكن الاستقراء التام يعني هذا الفقيه الذي حكم بكون أقل سن تحيض له المرأة تمام تسع سنين إن استقرأ بنات العالم كله - حينئذٍ - يسلم له وأما إذا كان من كان حوله فقط نقول هذا استقراء ناقص والاستقراء الناقص لا يصلح أن يكون مستنداً لإثبات حكم شرعي وإنما يكون الاستقراء التام وكل ما ذكر في كتب أهل العلم من الوجود المراد به الاستقراء الناقص وعليه لا يبنى عليه حكم ألبته، ولذلك يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى [لا حد لأقل سن تحيض فيه] ليس له أقل سن وهذا هو الصحيح؛ لماذا؟ لأن الشارع حكم بكون المرأة تبلغ بوجود الدم ولم يحدد له سناً معيناً - حينئذٍ - متى ما رأته حكمنا عليه بأنه دم حيض ولو بنت خمس سنين ست سنين حكم عليه بأنه دم حيض لأنه أذى ويصدق عليه ما علق الله عزوجل عليه هذا الوصف ترتبت الأحكام الشرعية [لا حد لأقل سن تحيض فيه المرأة ولا لأكثره فمتى رأت الأنثى الحيض فهي حائض وإن كانت دون تسع سنين أو فوق خمسين ولذلك لأن أحكام الحيض علقها الله على وجوده] يعني وجوده هو بعينه في المحل (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض) إذاً متى ما خرج الأذى من المحيض الذي هو محل الخروج الذي هو الرحم - حينئذٍ - حكمنا بوجود الأحكام الشرعية [لأن أحكام الحيض علقها الله سبحانه على وجوده ولم يحدد الله سبحانه ولا رسوله سن معيناً فوجب الرجوع فيه إلى الوجود الذي علق عليه الأحكام وتحديده بسن معين يحتاج إلى دليل من الكتاب أو السنة ولا دليل في ذلك] ولذلك لو اعتمد الباب على هذه الترجيحات لصار الباب من أسهل الأبواب ولكن لما أردوا أن يجعلوا حداً لأقل سن - حينئذٍ - لا بد من نظر في الوجود ولا بد من نظر فيما ورد عن الصحابة إلى غير ذلك وكل ما ورد إنما يتكلم عمن حوله فحسب وهذا لا تثبت به الأحكام الشرعية والصحيح ما رآه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن العبرة بوجود الدم متى ما رأته الأنثى حكمنا عليه بأنه دم حيض فهي حائض فوجبت عليها الصلاة والصيام ونحو
стр. 256
ذلك ولو كانت دون تسع سنين ولو رأت المرأة الكبيرة إذا بلغت ستين وسبعين رأت الدم على عادته كما هو حكمنا عليه بأنها حائض وكذلك الحامل كما سيأتي ولكن لا بد أن نمر على كلام المصنف لنعرف وجه ما ذكره، (لا حائض قبل تسع سنين) شرعاً أو حساً؟ شرعاً؛ لأن الحس قد يوجد يعني خروج الدم قد يوجد من بنت ست سنين سبع سنين ثمان سنين لكن لا يحكم عليه بأنه دم حيض بل هو دم فساد - حينئذٍ - متى ما حاضت لتمام تسع سنين أو نقول بتعبير أدق متى ما خرج الدم دون تمام تسع سنين فلا يسمى حيضاً في الشرع وإنما يسمى دم فساد وهذا الذي يعنون به أنه دم فساد (لا حيض) أي شرعاً لا حساً أما الحس فقد يوجد (قبل تسع سينين) يعني قبل تمام تسع سنين ليس تمام الثامنة فتدخل في التاسعة وإنما المراد أنها تدخل في التاسعة وتكمل التاسعة بمعنى أنها لو دخلت في التاسعة وبقي عليها يوم واحد لتتم التاسعة وتدخل في العاشرة وجاءها الدم على المذهب دم فساد ولا يسمى حيضاً؛ لماذا؟ لأن الحكم معلق هنا لتمام تسع سنين؛ وهل هذا تحديد أم تقريب؟ قالوا تحديد المذهب أنه تحديد فلو جاءها قبل أن تتم تسع سنين بيوم واحد قالوا هذا ليس بدم حيض بل هو دم فساد، (لا حيض قبل تسع سنين) يعني قبل تمام تسع سنين إذاً أقل سن تحيض له الأنثى أو يمكن أن تحيض هو تمام تسع سنين فإن رأت دم لدون ذلك فليس بحيض بل هو دم فساد؛ ما الدليل على أنه دم فساد وليس بدم حيض؟ قال لأنه لم يثبت في الوجود؛ ما معنى لم يثبت في الوجود؟ يعني الفقيه الذي حكم بهذا القول لم يره من أحد ممن حوله وإلا ما أدراه هو في العراق مثلاً ما أدراه عن بنات تسع سنين أو عشر أو دون ذلك وهنا في المغرب هذا في السابق وإلى الآن يعجز الإنسان أن يعرف مثل هذه الأحكام المتعلقة بمثل هذه التي في الغالب أنها خفية إذاً لأن لم يثبت في الوجود، ولقول عائشة رضي الله تعالى عنها ورد أنها قالت (إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة) وروي مرفوعاً عن ابن عمر لكنه ضعيف لم يثبت وكذلك قول عائشة إن صح وكان مرادها تحديد أقل سن نقول هذا مبناه على الوجود لأن عائشة ما تدري إلا عمن حولها نحن نحكم بحكم شرعي على كل أنثى في الوجود يعني في الواقع - حينئذٍ - هذا لا يمكن أن يأخذ إلا من جهة الشارع إن لم يكن دليل نص لا بد من استقراء تام وهذا ممتنع سابقاً ولاحقاً وبعدها يعني بعد تمام تسع سنين قد يكون حيضاً ليس بمطلقاً وإنما قد يكون حيضاً؛ لماذا؟ لأنها مقيدة زمن الحيض بيوم وليلة فإذا تمت العاشرة ولم يظهر الدم ثم ظهر لتمام عشر ساعات على المذهب ليس بحيض مع أنها دخلت في السن الذي يمكن التحيض فيه ولذلك عبر الشارح هنا [وبعده - يعني بعد تمام تسع سنين - فحيض] لكن بشرط إن صلح؛ متى يصلح؟ أن يتجاوز يوم وليلة وأما إذا دخلت في السن التي يمكن أن تحيض فيه وجاءها الدم لدون أقل الحيض فليست بحائض يعني لم تبلغ بعد، قال الشافعي [رأيت جدة لها إحدى وعشرون سنة] جدة إحدى وعشرون سنة؛ كيف جاءت هذه؟ يعني بلغت لتمام تسع سنين ثم تزوجت وعلى العاشرة وضعت بنتها حاضت لتمام تسع سنين وتزوجت فتمت العاشرة وهي حائض ووضعت إذاً تمت واحد وعشرين سنة هذا الأثر رواه البيهقي في السنن
стр. 257
وفي سنده أحمد بن طاهر بن حرملة قال الدار القطني [كذاب] وقال ابن عدي [حدث عن جدة عن الشافعي بحكاية بواطيل يطول ذكرها] يعني لم يثبت عن الشافعي ولو ثبت لا يعارض القول الراجح لأننا نقول يمكن أن تحيض لسبع سنين ولثمان سنين متى ما رأت الدم - حينئذٍ - تكون حائضاً، إذاً أقل زمناً تحيض له الأنثى هو تسع سنين يعني تمام تسع سنين والصحيح ما ذكرناه سابقاً وأما أكثر سن تحيض فيه النساء فهو خمسون سنة ولذلك قال (ولا حيض) يعني شرعاً (ولا بعد خمسين) يعني بعد تمام الخمسين بأن تدخل في الستين - حينئذٍ - إذا وجدت الدم أو رأته ولو كان على صفته بعادته ووقته وزمنه فلا يسمى دم حيض بل هو دم فساد؛ لماذا؟ لكون السن الذي يقف عنده الحيض شرعاً قد وجد وهو خمسون سنة لقول عائشة (إذا بلغت المرأة خمسين سنة خرجت من حد الحيض) ذكره أحمد قال الألباني رحمه الله تعالى [لم أقف عليه ولا أدري في أي كتاب ذكره أحمد] يعني كأنه يشير إلى أنه لم يثبت عن عائشة رضي الله تعالى عنها ولو ثبت فدليله الوجود والوجود هنا استقراء ناقص فلا تثبت به الأحكام الشرعية لو ثبت نقول هذا استقراء ناقص لأن مداره على الوجود عائشة رضي الله تعالى عنها من حولها من أقربائها مثلاً كلهن قد انقطع الحيض لتمام خمسين سنة يلزم أنه في كل مكان من بلغت خمسين ينقطع عندها الدم الجواب لا ليس بلازم إذاً ثبت هذا الأثر أو لا، لا يعتبر مستنداً صحيحاً لثبوت الأحكام الشرعية، إذاً (ولا بعد خمسين) يعني بعد تمام خمسين والصحيح أنه متى ما رأت الدم ولو بلغت السبعين وهو كما هو على حاله فهو حيض، (ولا مع حمل) يعني الحامل لا تحيض وهذه مسألة وقع فيها نزاع كبير، هل الحامل تحيض أو لا؟ المذهب أن الحامل لا تحيض فمتى ما رأت الدم ولو كان بصفاته وزمنه فلا يكون حيضاً بل هو دم فساد، ولذلك قال [فإن رأت دماً فهو دم فساد] ما الدليل؟ الدليل قال أحمد (إنما تعرف النساء الحمل بانقطاع الدم) وهذه رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن الحامل لا تحيض ولآن الأطباء يوافقون يكاد يجمعون على هذا، وعنه رواية أخرى أن الحامل تحيض وفاق لمالك والشافعي واختاره ابن تيمية رحمه الله تعالى وصحاب الفائق قال في الفروع [وهو أظهر] وصوبه في الإنصاف وهو الصحيح أن الحامل متى ما رأت الدم بوصفه فهو دم حيض؛ لماذا؟ لأنه على الأصل فالأصل في الدم الذي يخرج من الرحم أنه دم حيض ثم النصوص العامة الدالة على أن كل أنثى تحيض كما جاء في النص (هذا شيء كتبه الله على بنات آدم) (على بنات آدم) هذا لفظ عام يشمل الحامل وغير الحامل، (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى) هذا السؤال عام يعني لم يكن ثَمَّ تفصيل بين الحامل وغيرها - حينئذٍ - حكم الله بأن الخارج من المحيض مكان الحيض بأنه أذى فمتى ما وجد ذلك الأذى ترتب عليه الحكم الشرعي إذاً بقاء على الأصل نقول الحامل تحيض، وقال [وقد وجد في زماننا وغيره أنها تحيض مقدار حيضها قبل ذلك ويتكرر في كل شهر على صفة حيضها] وقال الحافظ [هو دم بصفات دم الحيض وفي زمان إمكانه فله حكم دم الحيض فمن ادعى خلافه فعليه البيان] إذاً الذي يقول بأنها لا تحيض هو الذي عليه البيان والأصل بقاء ما كان على
стр. 258
ما كان كما أنها تحيض قبل الحمل فإذا رأت الدم بصفاته وزمنه نقول هذا حيض، وأما الأطباء وإجماعهم فلا عبرة به لا عبرة به فلا يلتبس على بعض من ينظر في هذه المسألة يقول الأطباء قد حكوا الإجماع والاتفاق أن الحامل يستحيل أنها تحيض؛ نقول أولاً الشرع لم يأمرنا بالرجوع إلى الأطباء ثَمَّ مسائل قد يرجع فيها إلى الأطباء إذا لم يكن ثَمَّ دليل واضح بين في الشرع - حينئذٍ - نرجع إلى الأطباء هل هذا مضر أم لا؟ فإن أفتى الطبيب بفتواه العلمية بأنه مضر رتبنا عليه الحكم الشرعي ولذلك كمثال الآن مثلاً نقول العدسات التي تلبسها المرأة ولو للزينة ما حكمها؟ نقول ننظر فيها الأصل الإباحة ما لم يكن تشابهاً أو تشبهاً بالحيوانات ونحوها فالأصل الإباحة إلا إذا ثبتت المضرة ومن الذي يحكم بالمضرة الطبيب - حينئذٍ - نقول الذي له مجال في النظر في هذه المسألة هم الأطباء فإن أثبتوا الضرر فيها حكمنا بالتحريم وإن لم يثبت الضرر حكمنا بالإباحة على الأصل؛ لماذا نرجع للأطباء؟ لأنه لم يرد نص في الشرع بأن هذه العدسات محرمة وإذا لم يكن كذلك فالأصل هو الإباحة هذا الأصل فيها إذاً نرجع إلى الأطباء لعدم وجود النص وأما النصوص الدالة على العموم بأن كل أنثى تحيض فهذه أكثر من أن تحصى فهي عامة وإذا كانت عامة ودخلت فيها الحوامل - حينئذٍ - نقول نرتب الحكم العام أو الحكم المرتب على اللفظ العام على الحامل فنقول الشرع قد دل بأن الحامل تحيض ولو معنا حديث (هذا شيء كتبه الله على بنات آدم) (شيء) ما هو؟ الحيض؛ (هذا) المشار إليه الحيض (شيء كتبه الله على بنات آدم) نقول هذا لفظ عام يشمل كل أنثى سواء كانت حامل أو لا، إذاً حكم الشارع بأن الحامل تحيض لأنه أحد أفراد بنات آدم إذاً وجد النص وإذا وجد النص - حينئذٍ - لا نلتفت إلى الأطباء بوجه من الوجوه، إذاً لا مع حمل يعني لا حيض مع حمل والمسألة خلافية والصحيح أن الحامل تحيض لعموم النصوص وأما المذهب هو ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى، فإن رأت دم على القول بأنها لا تحيض فهو دم فساد يجب عليها أن تصلي ولا تترك له العبادة ألبته ولا يمنع يزوجها من وطئها، ثم قال (وأقله يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوماً) هذا كذلك التحديد لأقل ما يسمى حيضاً يعني عرفنا أن الحيض هو السيلان؛ هل كلما سال الدم حكمنا عليه بأنه حيض؟ على القول الراجح نعم متى ما سال الدم ولو ساعة واحدة حكمنا عليه بأنه حيض وهذا قد يوجد ولذلك عند الإمام مالك رحمه الله تعالى قدر أقل الحيض بدفعة واحدة دفعة واحدة يعني مرة واحدة بأن يدفع دفعاً يسيل مرة واحدة حكم بأنه حيض وهو كذلك لما ذكرناه سابقاً بأن المعنى اللغوي لا بد أن يكون موجوداً في المعنى الشرعي ولم يرد في النص تحديد أقل ما يسمى حيض ألبته - حينئذٍ - المرجع يكون إلى الوجود هكذا قال الفقهاء والصحيح أنه لا يرجع إلى الوجود وإنما ينظر إلى كل واحدة على حده وحكم شخص بما يكون على الشخص الآخر نحتاج إلى دليل واضح بين وليس عندنا، إذاً متى نحكم على سيلان الدم بأنه حيض ونثبت هذه بأنها عادة للمرأة؟ على المذهب أن أقل سيلان للدم لا بد أن يجري ويسيل يوماً وليلة ولا سال يوماً كاملاً يعني يوماً فقط دون
стр. 259
ليلة قال هذا ليس بحيض بل هو دم فساد يعني أربع وعشرين ساعة فلو جرى الدم ثلاث وعشرين ساعة ونصف قال هذا دم فساد يعني إذا انقطع هذا دم فساد؛ لماذا؟ لأنه لم يرد أو لم يصل إلى أقل زمن الحيض - حينئذٍ - قالوا هذا ليس بدم حيض (وأقله) أي أقل زمن يصلح أن يكون دمه حيضاً (يوم وليلة) هذا المذهب ومذهب الشافعية كذلك (يوم وليلة) يعني أربع وعشرين ساعة لقول علي رضي الله تعالى عنه الآتي وكذلك الوجود (وأكثره) يعني أكثر ما يصدق عليه أنه حيض (خمسة عشر يوماً) وهذا المذهب عندنا وعند المالكية [(خمسة عشر يوماً) بلياليها لقول عطاء (رأيت من تحيض خمسة عشر يوماً)] هو رأى الأمة كلها أو رأى من رآه؟ رأى من رآه إذاً لا يصدق هذا القول على غير من رآه عطاء رحمه الله تعالى، إذاً مثل هذه الأقوال هي مستند كثير من الفقهاء وإلى لا يوجد نص ألبته في تحديد الأقل أو الأكثر، إذاً أقله يوم وليله في قول علي الآتي (وأكثره خمسة عشر يوماً) لقول عطاء [رأيت من تحيض خمسة عشر يوماً] وبعضهم استدل بقول علي [ما زاد على خمسة عشر استحاضة وأقل الحيض يوم وليله] وهذا إن صح عنه كذلك نقول مبني على الوجود يعني وجود النساء اللاتي رآهن علي رضي الله تعالى عنه وهذا ليس بحكم لازم لكل الأمة لأننا نقرر حكم شرعياً عاماً على كل أنثى في كل أرض - حينئذٍ - لا شك أن المناخ ونوعية الأكل كما يقول بعض الفقهاء ونحو ذلك لها أثر في الحيض وهذا لا شك أنه يختلف من مكان إلى مكان فمن رآها علي رضي الله تعالى عنه ليست هي التي تكون في شرق الأرض أو غربها [ما زاد على خمسة عشر استحاضة وأقل الحيض يوم وليله] واستفاض عن كثير من السلف أنه وجدوه عياناً يعني ما قاله علي رضي الله تعالى عنه، وعنه [لا حد لأكثره كما أنه لا حد لأقله] لأن النبي ﷺ قال (إذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة فإذا ذهب قدرها) ما حدد النبي ﷺ وإنما أحالها إلى ما تعرفه هي من نفسها لا من جارتها وإنما من نفسها (فإذا ذهب قدرها فاغتسل وصلي) ولم يقيد ذلك بقدر بل وكله إلى ما تعرفه من عادتها هذا هو الصحيح في أقل ما يقال بأنه أقل الحيض أو أكثره، قال ابن تيمية [ما أطلقه الشارع عمل بمقتضى مسماه ووجوده ولم يجز تقديره وتحديده فلا حد لأقل الحيض ولا لأكثره ما لم تصل مستحاضة ولا لأقل سن ولا لأكثره واختاره كثير من الأصحاب وكثير من أهل العلم] وهو الصواب كما ذكرناه سابقاً، إذاً هذا المسائل كلها مرجوحة على ما سبق، (وغالبه ست أو سبع) غالب الحيض يعني ما يكون من زمن عرفنا أقله يوم وليله وأكثره خمسة عشر يوماً الغالب في النساء أن تكون عادتها إما ست أو سبعاً (وغالبه) أي غالب الحيض (ست) يعني ست ليالي بأيامها (أو) هذه للتنويع يعني قد تكون المرأة ست أو سبع في نفسها أو ست باعتبارها وسبع باعتبار غيرها الثاني؛ أو للتنويع هنا (أو سبع) ليالي بأيامها وفاقاً لقوله ﷺ لحمنة بنت جحش (تحيض - أي اقعدي - أيام حيضتك ودع الصلاة في علم الله ستة أيام أو سبعة ثم اغتسل وصلي أربع وعشرين - أربع وعشرين هذه قعدت كم؟ ستة - أو ثلاث وعشرين ليلة - صلي ثلاث وعشرين هذه قعدت سبعة أيام - وأيامها فإن ذلك
стр. 260
يجزئك) وقوله (ستة أو سبعة) للتنويع يعني من النساء من تكون غالب عادتها ستة ومنهن من تكون سبعة، (وأقل طهر بين حيضتين ثلاث عشرة يوماً) وهذا يكون بين خمسة عشر واليوم يعني إذا جاء الحيض للمرأة ثم رأت الطهر - حينئذٍ - بين حيضة وحيضة هذا يسمى طهراً أقله بحيث لو جاء الدم قبل تمامه لا يعد حيضاً كم مقداره قالوا ثلاث عشرة يوماً بمعنى لو جاءتها العادة ثم طهرت واغتسلت ثم مقدار خمسة أيام ورجع الدم ولو كان بصفاته قال هذا ليس بدم حيض؛ لماذا؟ لأنها طهرت خمسة أيام وأقل طهر إنما يكون ثلاثة عشر يوماً فلا بد أن يكون بين انقطاع الدم وبين وجود الدم الآخر الحيض الآخر لا بد أن تستوفي ثلاث عشر يوماً بمعنى أنه لا يكون أقل وقد يكون أكثر قد تطهر وتبقى شهرين أو ثلاثة لا تحيض وهذا موجود قد تبقى سنة ولا تحيض - حينئذٍ - أقل ما يصدق عليه أنه طهر؟ هو ثلاثة عشر يوماً، وهذا كذلك دليله الوجود والصحيح أنه لا أقل للطهر ولا لأكثره؛ لأكثره هذا يكاد يكون مجمع عليه لأنه وجود من النساء من لا تحيض أصلاً فهي طاهرة مطلقاً وأما أقل طهر بين حيضتين فهذا مبني على أقل وأكثر الحيض والصحيح إذا رجحنا بأنه قد تحيض يوم وليله ثم تطهر يومين أو ثلاث ثم قد ترى الدم بصفاته نقول هذا حيض كذلك؛ لماذا؟ لأنه لم يرد تحديد لأقل طهر بين حيضتين فمتى ما رأت الدم ثَمَّ حكم الله عزوجل - سواء طهر - ولذلك سيأتي التلفيق وهي أن ترى يوماً دماً ويوماً طهراً أو يوم دماً ويومين طهراً - حينئذٍ - لفقوا لها عادة من هذه الأيام التي يتخللها طهر فإذا كان كذلك - حينئذٍ - نقول قد يأتي الدم يوم وليله وتثبت عادتها على ذلك ثم طهر اليوم واليومين ثم يعاودها الدم فنحكم عليه بأنه دم حيض بناء على الأصل السابق أن الأصل الذي يخرج من رحم المرأة على ما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أنه حيض ثم الحيض له صفات كما سيأتي فمتى ما وجدت هذه الصفات ترتب عليه الحكم، احتج أحمد بما [روي عن علي أن امرأة جاءته وقد طلقها زوجها فزعمت أنها حاضت في شهر ثلاث حيض - زعمت أنها حاضت في شهر واحد ثلاث حيض - فقال علي لشريح قل فيها - يعني احكم - فقال شريح - هذا لأنه مخالف للعادة هذا وجوده قليل جداً فلما كان وجوده قليلاً جداً - حينئذٍ - احتجنا إلى بينة وإلا الأصل أنه قد يحصل هذا لما ذكرناه سابقاً تحيض يوماً وليلة ثم تطهر خمسة أيام ستة أيام ثم تحيض ثم تطهر إلى آخره انتهت عدتها في أسبوعين وهذا ممكن لكنه قليل لذلك قال - إن جاءت ببينة من بطانت أهلها - يعني خواصهم العارفين ببواطن أمورها - ممن يرضى دينه وأمانتها وشهدت بذلك وإلا فهي كاذبة] بناء على الغالب كبف حاضت ثلاث مرات في الشهر؟ حاضت يوم وليله ثم طهرت اغتسلت ثم طهرت ثلاثة عشر يوماً ثم حاضت الحيضة الثانية اليوم الخامس عشر ليوم وليله ثم طهرت ثلاثة عشر يوماً هذه عشرين حاضت فيها حيضتين ثم حاضت ثم طهرت - حينئذٍ - وجدت الثلاث الحيض في شهر واحد؛ إذاً أقل حيض بين الأولى والثانية والثانية والثالثة هو ثلاثة عشر يوماً لأنه لا يمكن أن يتأتى ذلك إلا بمثل هذا نقول هذا لا يفهم منه تعميم الحكم على ما ذكر وإن وجد في المرأة التي حكم فيها إلا أنه
стр. 261
ليس بحكم عام وهذا وجود والوجود استقراء ناقص فلا تترتب عليه الأحكام الشرعية، إذاً أقل طهر بين حيضتين ثلاثة عشر يوماً نقول هذا قول مرجوح بل قد يكون أقل من ذلك، قال [إن جاءت ببينة من بطانت أهلها ممن يرضى دينه وأمانته وشهدت بذلك وإلا فهي كاذبة فقال علي قالون أي جيد - رومية -] (ولا حد لأكثره) أي أكثر الطهر بين الحيضتين لأنه قد وجد من لا تحيض أصلاً لكن غالبه بيقت الشهر وهذا أمر يكاد يكون متفق عليه أن الطهر لا حد لأكثره قد تطهر شهرين وثلاث بل والسنة، قال الشارح [والطهر زمن الحيض خلوص النقاء بأن لا تتغير معه قطنة احتشت بها] الطهر كما سيأتي يعني متى تحكم المرأة بأنها طهرت؟ إذا عرفنا أقل الطهر؟ إما القصة البيضاء وإما جفاف الموضع بأن تحتشي قطنة في الموضع فتخرج كما هي قالوا هذا يدل على أن الموضع قد نقا من الدم ولذلك قال [خلوص النقاء] أي الطهر في أثناء الحيض فراغ الدم [بأن لا تتغير معه قطنة احتشت بها]، ثم قال رحمه الله تعالى (وتقضي الحائض الصوم لا الصلاة ولا يصحان منها بل يحرمان ويحرم وطؤها في الفرج فإن فعل) هذه أحكام مترتبت على الحيض يعني متى ما وجد الحيض ثَمَّ أحكام وهذا يجعل المرء يتأنى في ضبط هذه المسائل لأنه بترتب عليها فعل صلاة أو تركها فالعجلت مذمومة (وتقضي الحائض الصوم) إذا قيل (تقضي الصوم) معناه أنه وجب لأن القضاء لا يكون إلا لما تعلقت به الذمة وهو كذلك، إذاً الحيض يرد السؤال الحيض هل يمنع وجوب الصوم؟ لا يمنع وجوب الصوم - حينئذٍ - يتعلق الحكم الشرعي وهو الوجوب بذمتها وقام المانع وهو وجود الدم من فعل الصوم عندنا أمران وجوب الصوم فعل الصوم وجوب الصلاة فعل الصلاة؛ الحيض يمنع فعل الصوم لا وجوبه ما الدليل؟ قضاء الصوم بالإجماع قضاء الصوم دليل على أنه قد تعلقت به الذمة (لا الصلاة) دليل على أن الحيض يمنع وجوب الصلاة وفعل الصلاة إذ لو وجبت الصلاة لتعين القضاء فلما سقط القضاء دل على أنه لم تجب عليها الصلاة، إذاً عندنا أمران وجوب الصوم فعل الصوم وجوب الصلاة فعل الصلاة، وجوب الصلاة وفعل الصلاة يمنعها الحيض ولا إشكال فيه وأما الصوم ففيه تفصيل أما الوجوب فلا يمنعه الحيض بل هو واجب وأما الفعل فيمنعه ولذلك قال (وتقضي الحائض الصوم) لأن الحيض لا يمنع وجوبه فتقضيه إجماعاً ولذلك قالت عائشة رضي الله تعالى عنها (كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ فكنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) إذاً التعليل هنا بجهة الأمر من النبي ﷺ ومن هنا أخذ الأصوليون أنه لا قضاء إلا بأمر جديد بمعنى أن الأدلة الدالة على فعل العبادة لا تدل على القضاء بل لا بد من أمر جديد بمعنى وهذه مسألة مهمة جداً ينبني عليها مسائل عديدة قوله عزوجل (أقيموا الصلاة) هذا أمر بأداء الصلاة؛ هل أقيموا الصلاة أمر بصلاة مطلقاً أو في زمن معين؟ في زمن معين إذاً الصلاة المأمور بها إيقاعها في زمن معين له ابتداء وانتهى؛ إيقاع الصلاة لا في الزمن المعين هل هي مأمور بها أو لا؟ ليست مأمور بها فمن أوجب القضاء لمن أخرج الصلاة عن وقتها متعمداً أوجبه بلا دليل شرعي؛ لماذا؟ لأن الدليل المقتضي للفعل لا يلزم
стр. 262
منه القضاء
والأمر لا يستلزم القضاء ... بل هو بالأمر الجديد جاء
لأنه في زمن معين ... يجي لما عليه من نفع بني
وخالف الرازي - في ذلك -
- حينئذٍ - لا بد منه ولذلك عائشة رضي الله تعالى عنها فقهة هذه المسألة وقالت (كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) هذه قاعدة أصولية مهمة (كنا نؤمر بقضاء الصوم) مع وجود قول الله تعالى (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) إذاً (فليصمه) هذا أمر لمن استطاع أن يصوم في الشهر فإن أخرجه أخرج الصوم عن الشهر المحدد له ابتداء وانتهاء بلا عذر شرعي لا يؤمر بالقضاء لا يجب عليه أن يقضي وليس هذا تخفيفاً عليه بل هذا تشديد لأنه لو قيل له إيتي به بدلاً بعد شهر رمضان وهو قد فرط وأفطر بدون عذر شرعي - حينئذٍ - سهول عليه قال إما الأداء وإما القضاء نقول لا؛ لا يشرع لك القضاء؛ القضاء هذا بدعة ليس من الشرع في شيء؛ لماذا؟ لأن الشارع أمر بإيقاع الصوم في وقت محدد ولا شك أن له حكمة في تحدبد وقت العبادة ابتداء وانتهاء - حينئذٍ - إخراج العبادة عن وقتها يكون من باب القياس، في الذي يصلي مثلاً بعد خروج وقت العصر يصلي العصر بدون عذر شرعي سوَّا بين الزمن الثاني والزمن الأول يعني جعله ماذا؟ جعله وقت للصلاة والله عزوجل قد حدد انتهاء الصلاة - حينئذٍ - كونه يصلي في الوقت الثاني نقول هذا قياس قاس الزمن الثاني على الزمن الأول نقول ما هي العلة؟ ليس عندنا علة نعم ليس عندنا علة هذا كمن يقف يوم عرفة لا في عرفة قال لا بأس بالعزيزية نقف قال هذه السنة خلها بالعزيزية يجزئ أو لا؟ ما يجزئ قطعاً - مترددين ليش - ما يجزئ بالإجماع ما يجزئ؛ لماذا؟ لأنه إذا جوز الوقت في غير عرفة يكون من باب القياس يعني سوَّا بين الأرضين قاس هذه الأرض على هذه الأرض ثم سحب الحكم الشرعي حكم الأصل للفرع قال كما جاز في عرفة جاز هنا يكون قياس نقول هذا ليس من باب القياس لعدم وجود العلة لأنها تعبدية؛ لماذا حدد الله عزوجل هذه البقعة؟ الله أعلم بها؛ لماذا حدد ابتداء صلاة الظهر وانتهائها بالوقت المعين؟ الله أعلم - حينئذٍ - نقول من جوز فقط قاس، إذاً (وتقضي الحائض الصوم) وهذا محل وفاق (لا الصلاة) - وحينئذٍ - نقول الحيض يمنع فعل الصوم لا وجوب الصوم والحيض يمنع وجوب الصلاة وفعل الصلاة إذ لو وجبت لقضية وأما قول من يقول أمر بقضاء الصوم لأنه خفيف لا يتعدد والصلاة كثيرة وفيه مشقة هذا تعليل فاسد وإنما نقول بالقاعدة هذه التي ذكرناها أن الشارع لم يرد ذلك ابتداء فلا بد من نظر الأصل التي تبنى عليه الأحكام الشرعية، (ولا يصحان منها) يعني لو صامت أو صلت وقت الحيض لا يصح لأنها منهية عن الصوم وقت جريان الدم فإن صامت فالنهي يقتضي فساد المنهي عنه فالصوم باطل يعني لو أرادت أن تصوم قضاء يعني ليس رمضان قال مادام أنه لا يجوز لها الصوم فتصوم قضاء أو تصوم نذراً أو نحو ذلك - فحينئذٍ - نقول الصوم فاسد باطل، والصلاة لو تذكرت صلاة مقضية يعني احتاجت إلى قضائها فائته وأرادت أن تصليها وقت الحيض نقول الصلاة فاسدة لأنها منهية عن الصوم والصلاة وقت الحيض والنهي يقتضي فساد المنهي عنه فلا تصح، إذاً (ولا يصحان) أي الصوم والصلاة (منها) أي من الحائض لأن
стр. 263
خروج الدم يوجب الحدث فمنع استمراره صحت الطهارة كالبول (بل يحرمان) عليها يعني يحرم عليها فعل الصوم وفعل الصلاة كالطواف وقراءة القرآن الطواف هذا محل خلاف بين أهل العلم؛ هل يشترط الطهارة من الحديثين للطواف؟ فيه نزاع والصحيح أنه يشترط لا بد من الطهارة الصغرى والطهارة الكبرى يعني الحائض لا يحل لها أن تطوف ألبته أن تطوف وهي حائض سواء كان الطواف واجباً كحج أو عمرة أو كان نفلاً وكذلك قراءة القرآن على المذهب وذكرنا فيما سبق أن قراءة القرآن الصحيح أنها تقرأ وهذا هو الصحيح وإنما مس المصحف هي التي تمنع منه الحائض وأما قراءة القرآن فلا بأس بها يعني لم يدل دليل على منع الحائض من قراءة القرآن كما أنه لم يدل دليل على منع الجنب من قراءة القرآن والصحيح أن الجنب يقرأ القرآن ولا حرج في ذلك وذكر البخاري تعليقاً عن عباس أنه كان يقرأ حزبه وهو جنب كذلك ورد عن عدد من السلف الصالح وعدم الدليل يدلنا على الرجوع إلى الأصل لأن الأصل هو الإباحة وإباحة قراءة القرآن مع الجنابة أو غيرها فكما جاز مع الحدث الأصغر جاز مع الأكبر والذي يفرق بين هذا وذاك يحتاج إلى دليل ولذلك منعوا الجنب وجوزوا المحدث حدثاً أصغر؛ لماذا؟ لأن لم يرد دليل على منعه فيجوز ولو لم يكن متوضأ أن يقراء القرآن عن غيب نقول كذلك الجنب إن منعوا إيتي بدليل والأحاديث الواردة كلها ضعيفة كلها هالكة كما ذكرناه سابقاً، ثم قال (ويحرم وطؤها في الفرج) (يحرم) هذا تحريم وهل المراد به التحريم هنا أنه من الكبائر أو من الصغائر؟ في الإقناع [ووطؤها في الفرج ليس بكبيرة] هو محرم لكن لا يستلزم أنه كبيرة ليس كل محرم كبيرة والعكس صحيح [ووطؤها في الفرج ليس بكبيرة وهكذا في الفروع والمبدع]، (ويحرم وطؤها) يعني جماعها (في الفرج) خاصة وهو مخرج الحيض علق الحكم على محل دل على أن ما سواه لا يحرم (يحرم وطؤها في الفرج) خصص (في الفرج) هذا متعلق بقوله (وطؤها) ووطؤها علق عليه الحكم وهو التحريم إذاً مفهومه أن غير الفرج لا يحرم ويستثنى من ذلك الدبر بالإجماع إذاً الفرج هو مخرج الحيض مفهومه - مفهوم مخالفة - أنه لا يحرم في غير المخرج مطلقاً ويستثنى الدبر فهو محرم مطلقاً والدليل قوله تعالى (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض) (في المحيض) أي في مكان الحيض هذا المراد وليس المراد به في زمن الحيض (المحيض) أصلاً مَفْعِل مَحْيِض مفعل وزنه الصرفي مفعل محيض ومفعل يأتي اسم زمان ويأتي اسم مكان - انظر اللغة هنا - يأتي اسم زمان ويأتي اسم مكان يعني تصور أنك لو حملته على اسم الزمان ماذا يكون المعنى (فاعتزلوا النساء في المحيض) أي في زمن الحيض؛ في الزمن أو في المكان؟ إن قلت في الزمن يعني امتنع كل شيء الوطؤ في الفرج وغيره وإذا قلت (فاعتزلوا النساء في المحيض) في المكان المخصوص مخرج الدم إذاً الذي ورد النهي عنه هو المخرج ما عداه يبقى على الأصل هو الإباحة والصحيح أن المراد بالمحيض هنا اسم المكان مكان، إذاً (ويحرم وطؤها في الفرج) قال تعالى (فاعتزلوا) هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب (فاعتزلوا النساء) يعني الحُيَّض من إطلاق العام وإيرادة الخاص (في المحيض) أراد بالاعتزال
стр. 264
ترك الوطء لقوله ﷺ (أصنعوا كل شيء إلا النكاح) (أصنعوا) لما سئل عما يأتي من الحائض قال (أصنعوا كل شيء إلا النكاح) ومعلوم أن الاستثناء معيار العموم إذاً النكاح المراد به الجماع يعني الإيلاج في الفرج ما عدا ذلك قال (أصنعوا كل شيء) وليس هنا الأمر للوجوب وإنما المراد به الإباحة لأنه جاء في جواب سؤال رواه الجماعة إلا البخاري وفي لفظ (إلا الجماع) تفسير للنكاح وهو ظاهر الدلالة [وقال الشيخ - ابن تيمية يعني ابن قاسم إذا قال قال الشيخ فالمراد به ابن تيمية - المراد اعتزال ما يراد منهن في الغالب وهو الوطء في الفرج لأنه قال (هو أذى فاعتزلوا) فذكر الحكم بعد الوصف بالفاء] (قل هو أذى فاعتزلوا) الفاء هذه تدل على العلية يعني لماذا أمر بالاعتزال؟ لأجل الأذى والأذى أين محله؟ في الفرج خاصة وليس في موضع آخر [فذكر الحكم - الذي هو الاعتزال - بعد الوصف - الذي هو الأذى - بالفاء فدل على أن الوصف هو العلة - يعني الأذى - لاسيما وهو مناسب للحكم فأمر بالاعتزال في الدم للضرر والنجس وهو مخصوص بالفرج فيختص الحكم بمحل سببه وقال ابن قتيبة المحيض الحيض نفسه] إذاً (فاعتزلوا النساء في المحيض) أي الفرج فإن خالف عصا قال الله عزوجل (فاعتزلوا) وهو لم يعتزل ماذا عليه؟ ماذا يترتب عليه؟ الصحيح أنه يترتب عليه أنه قد ارتكب محرماً - فحينئذٍ - الاستغفار والتوبة وإن واظب وداوم - حينئذٍ - صارت الصغيرة كبيرة يفسق وهل يترتب على فعله كفارة أما لا؟ من مفردات مذهب الحنابلة أنه يترتب عليه كفارة ولذلك قال (فإن فعل) بأن أولج قبل انقطاعه (فعليه دينار أو نصفه كفارةً - بالنصب -) (فإن فعل) بأن أولج قبل انقطاع الدم قال (فعليه) يعني فيلزمه على هنا ظاهرة في الوجوب إذاً الكفارة واجبة وليست الكفارة هنا وحدها وإنما المراد التوبة والاستغفار مع الكفارة فعليه وجوباً (دينار أو نصفه) عرفنا هذه من المفردات يعني نصف الدينار على التخيير (كفارةً) بالنصب لحديث ابن عباس (يتصدق بدينار أو نصفه كفارةً) هكذا الرواية الصحيحة هكذا قال الشارح ومداره على عبدالحميد بن عبدالرحمن بن الخطاب قيل لأحمد في نفسك منه شيء قال نعم لأنه من حديث فلان وقال لو صح كنا نرى عليه الكفارة قال الخطابي لا يصح متصلاً مرفوعاً وقال هو وابن كثير وغيرهما قال أكثر العلماء لا شيء عليه ويستغفر الله يعني لا شيء عليه من الكفارات وأما الاستغفار متعين عليه والذمم بريئة إلا أن تقول الحجة بشغلها والأثر قد وقع الاضطراب في إسناده ومتنه إذاً نرجع إلى الأصل؛ الأصل براءة الذمة فلا يلزمه كفارة إن أخرجها من باب الاستحباب فلا إشكال وأما أنه يلزمه ويجب عليه فلا، إذاً (فإن فعل فعليه دينار أو نصفه) نصف الدينار والدينار المراد به المثقال من الذهب يعني كيف يعرف يسأل المثقال من الذهب كم سعره ويخرجه وهو الدينار أو نصف المثقال يسأل كم سعره اليوم ويخرجه (كفارةً) قال (فإن فعل) بأن أولج قبل انقطاعه يعني قبل انقطاع الدم بعضهم يفرق بين الإيلاج قبل الانقطاع وبعد الانقطاع قبل الاغتسال هو لا شك أنه الجماع قبل انقطاع الدم أشد يعني من حيث التأثيم وأما بعد الانقطاع قبل الاغتسال فهو أخف
стр. 265
مع التحريم ولذلك بعضهم فسر قول ابن عباس عليه يتصدق بدينار قبل انقطاعه أو نصفه بعد انقطاعه قبل الاغتسال وكلاهما محرم وإن كان بعضها أشد تحريم من بعض، (ويتسمتع منها بما دونه) هذا تصريح بالمفهوم السابق لأنه قال (ويحرم وطؤها في الفرج) خاصة إذاً ما عداه يجوز ولذلك قال (ويستمتع منها) يعني له ويجوز أن يستمتع (منها) أي من الحائض (بما دونه) أي دون الفرج بما فوق الإزار وما دون الإزار مطلقاً من القبلة واللمس والوطء دون الفرج لأن المحيض اسم لمكان الحيض الوارد في الآية قال ابن عباس [فاعتزلوا نكاح فروجهن ويسن ستر فرجها عند مباشرة غيره] هذا من باب الاستنان، قال ابن القيم رحمه الله تعالى [حديث أنس ظاهر في أن التحريم إنما وقع على موضع الحيض خاصة وهو النكاح أصنعوا كل شيء إلا النكاح وأباحة ما دونه وأحاديث الإتزار لا تناقضه لأن ذلك أبلغ في اجتناب الأذى وهو أولى] يعني يستحب له أن يلقي شيء على موضع الأذى ثم له المباشرة بعد ذلك، (وإذا انقطع الدم ولم تغتسل لم يبح غير الصيام والطلاق) (إذا انقطع الدم) والمراد بالانقطاع هنا الانقطاع الذي التي تتعلق به الأحكام وهو الانقطاع الكثير وهذا مختلف في تحديده وأولى ما يمكن أن يقال بأنه انقطاع نصف اليوم من باب الاجتهاد من أجل أن تضبط المسائل بمعنى أنه هل كل انقطاع يكون طهراً؟ الجواب لا لأن المرأة قد تطهر أثناء الحيض لمدة ساعة يجف عندها الدم أو ساعتين أو ثلاث أو أربعة هل هذا يعتبر نقاء فتغتسل أم أنه انقطاع بين أثناء الحيض؟ الثاني وإنما يعتبر انقطاع كلياً إذا كان نصف كنهار كامل أو ليلة كاملة - حينئذٍ - إذا انقطع الدم بعد صلاة الفجر فلا تغتسل للظهر وتصلي إنما تنتظر حتى تغرب الشمس - حينئذٍ - يتعين عليها أن تحكم بأن هذا الانقطاع هو الطهر إلا إذا رأت القصة البيضاء - حينئذٍ - تغتسل وتصلي إذاً (إذا انقطع الدم) ليس كل انقطاع وإنما المراد به الانقطاع الكثير إما أن يقيد بأنه يوم نهار يعني كامل أو ليلة كاملة أو إن جعلناه لمرجع المرأة نفسها ما غلب على ظنها أنه انقطاع كثير كما قلنا في الدم ما ستفحش في النفس اليسير والكثير فإن قلنا الانقطاع اليسير لا يخرجها عن كونها حائضاً إذاً إذا قدرة بأن هذا الانقطاع يسير وبأن هذا الانقطاع كثير لها تعتبر ذلك وهذا قد يكون طرداً للأصول السابقة، إذاً الانقطاع التي تتعلق به الأحكام الانقطاع الكثير الذي يوجب عليها الغسل والصلاة فأما الانقطاع اليسير في أثناء الدم فلا حكم له لأن عادة المرأة أنه ينقطع تارة ثم يجري ينقطع الدم تارة ثم يجري (إذا انقطع الدم) أي دم الحيض (ولم تغتسل) بعد ما الذي يباح لها من المحرمات؟ قال (لم يبح غير الصيام والطلاق) أم الصلاة فلا يباح لها انقطع الدم، إذاً لا تصلي حتى تغتسل لو صلت قبل غسلها قلنا هذا حدث أكبر ولا تصح عندنا تعبير بلفظ طاهر المرأة طاهر هذا اللفظ يصدق على وصفين: انقطاع الدم قبل الاغتسال ولذلك المرأة تقول طهُرت ولم تغتسل هل يصح هذا الوصف؟ نقول نعم يصح؛ لكن المراد به نوع معين وهو انقطاع الدم - حينئذٍ - يصح أن يقال بأنها طاهر، وعندنا وصف آخر بأن يقال طاهر والمراد به الاغتسال يعني الانقطاع
стр. 266
وزيادة على ذلك أن تغتسل بعض الأحكام الشرعية المترتبة على وجود الدم كالتحريم الصلاة لا تحل الصلاة إلا بالانقطاع والاغتسال لكن الوجوب؛ بالانقطاع أو الاغتسال؟ وجوب الصلاة يعني انقطع الدم ثم أذن المغرب ولم تغتسل هل نقول الصلاة ليست واجبة؟ لا وجبت الصلاة لأنها طاهر وإنما بقي عليها ما هو بيدها الانقطاع الدم ليس بيدها - حينئذٍ - لا يمكن أن تجعل نفسها طاهرة وأما إذا انقطع الدم - حينئذٍ - صارت الطهارة بيدها كالوضوء لو قلنا بأنها لا تجب عليها الصلاة لكونها لم تغتسل مع انقطاع الدم قلنا لا تجب على من كان محدثاً حدثاً أصغر ولم يتوضأ وهذا فاسد، هنا قال (ولم تغتسل لم يبح غير الصيام) ولا يشترط الغسل فلو تطهرة على أذان الفجر - حينئذٍ - نقول يجوز لها أن تصبح وهي غير مغتسلة؛ لماذا؟ لأن الدم هو موجب عدم صحة الصوم فلما انقطع - حينئذٍ - نقول صح الصوم منها وأما الاغتسال فليس شرط في صحة الصوم بل هو شرط في صحة الصلاة (والطلاق) يعني يجوز الطلاق بعد انقطاع الدم لحديث (مؤره فليطلقها طاهراً أو حاملاً) والمرأة تطهر بانقطاع الدم قوله (فليطلقها طاهراً) هذا عام يعني يشمل المرأة الطاهر إذا لم تغتسل ويشمل المرأة الطاهر إذا اغتسلت - حينئذٍ - نقول النص يعتبر عاماً (وإذا انقطع الدم ولم تغتسل لم يبح غير الصيام والطلاق) وأما الصلاة وقراءة القرآن والطواف هذه لا بد من الاغتسال وأما قبل الاغتسال فيجوز للزوج أن يطلقها ولا يكون آثماً ولا يكون طلاقاً بدعياً وإنما يكون طلاقاً بدعياً إذا أوقع الطلاق وقت جريان الدم وهل يقع ألا لا هذه مسألة خلافية طويلة؟
ثم شرع المصنف في بيان المبتدأة والمستحاضة ونحو ذلك والكلام متصل بعضه ببعض
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
стр. 267
عناصر الدرس
* المبتدأة وأحكامها.
* المستخاضة وأحكامها.
* الصفرة والكدرة وأحكامها.
* النفاس مدته وأحكامه.
الحمد رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد
سبق بعض الأحكام المتعلقة بالحيض وأن هذا الباب إنما هو من الدماء التي تخرج من رحم المرأة وعرفنا أنها ثلاثة على الصحيح: دم حيض ودم نفاس ودم استحاضة والدم الرابع مختلف فيه وهو دم الفساد والصحيح أن دم الفساد داخل في مفهوم دم الاستحاضة -حينئذٍ- يكون دم الاستحاضة هو المتصل بالحيض وكذلك قد يكون مستقلاً عنه ولا يصلح أن يكون حيضاً، وعرفنا تعريف الحيض وبعض الأحكام المتعلقة به، شرع المصنف في بيان متى يحكم على المرأة بأنها حائضاً يعني سبق أن أقل الحيض يوم وليله وسبق أن أقل سنٍ تحيض له المرأة؛ كم؟ تسع سنين على المذهب قلنا الصحيح أنه لا يقدر في الحالين بل قد تحيض قبل تسع سنين ولو لثمان أو سبع أو ست وقد تحيض لأقل من يوم وليله بشرط أن يكون سيلان بمعنى أنه النقطة والنقطتان لا يعتبر حيضاً متى ما سال الدم كما قال الإمام مالك ولو دفعتاً-دفعتاً-يعني مرة واحدة سال سيلاناً يعتبر -حينئذٍ- حيضاً وإذا انقطع -حينئذٍ- تطهر تغتسل وتصلي تكون قد بلغت إذاً الصحيح في الحالين في أقله من حيث السن وفي أقله من حيث الزمن أنه لا يتحدد ودليلهم الذي ذكروه قلنا هذا منتقض لوجود غير من ذكر يعني قيل بأنه لا تحيض قبل تسع سنين قلنا وجود من حاضت بل وحملت قبل تسع سنين هذا يدل على أنها حائض فالوجود في العدم ينفى بالوجود في الوجود فإذا قيل بأنه لم يوجد من حاضت قبل تسع سنين ننفيه بالوجود أليس كذلك؟ ننفيه بالوجود وكذلك إذا قيل بأن أقله يوم وليله طالبنا بالدليل وإذا لم يكن دليل -حينئذٍ- رجعنا إلى الأصل قال الله عزوجل (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى) عبر عنه بأنه أذى وهذا الذي يخرج أقل من يوم وليله هو أذى -حينئذٍ- صدق عليه الوصف فيترتب عليه الحكم الشرعي، متى نحكم على الحيض بأنه حيض؟ إذا تقرر بأنه ليس كل دم يعتبر حيضاً إذاً لا بد من أحكام وكل ما سيذكروه المصنف هنا من المبتدأة وما يتعلق بها إنما هو اجتهاد والصحيح في المسألة لأن المسألة فيها شيء من الدقة وعويص المسائل، صارت المسألة متى ما رأت الدم بصفته وسال سيلان حكمنا عليه بأنه حيض ولو لساعة واحدة فإذا انقطع إما بالقصة البيضاء أو الجفوف -حينئذٍ- اغتسلت وصلت فنحكم عليها بأنها قد بلغت وأنها قد وجبت عليها الصلاة والصوم ونحو ذلك هذا هو الصحيح في المبتدأة لكن ما سيذكره المصنف إنما هو اجتهاد وليس عليه دليل واضح بين بل فهمه لعامة المسلمين فيه نوع مشقة طبعاً مشقة كبرى فلا يستطيع العامي أو المرأة التي لم تكن متعلمة أن تفهم هذه المسائل التي سيذكرها، قال رحمه الله تعالى (والمبتدأة) مَبتدأة بفتح الهمزة يعني التي ابتدأها الحيض وابتداء الشيء أول وقت ظهوره (والمبتدأة) يعني التي ابتدأها الحيض وهذا لا يمكن أن تكون مبتدأة بالحيض أو بالدم الذي يصلح أن يكون حيضاً إلا بعد تمام تسع سنين وأما قبل تمام تسع سنين فلا يقال بأنها مبتدأة لأن قررنا فيما سبق على كلام المصنف أنه يعتبر دم فساد ولا يعتبر دم حيضاً؛ لماذا؟ لأن الدليل عندهم قائم على أن أقل
стр. 268
زمن تحيض له المرأة هو تسع سنين تمام تسع سنين فإذا خرج منها الدم قبل تمام تسع سنين لا تكون مبتدأة لأننا نقطع بأنه دم فساد (والمبتدأة) أي في زمن يمكن أن يكون حيضاً وهي التي رأت الدم ولم تكن حاضت رأت الدم لأول مرة ولم تكن حاضت يعني من قبل فهو أول دم يطرقها قال الشارح [في زمن يمكن أن يكون حيضاً] هذا احتراز عن زمن لا يمكن أن يكون حيضاً وهو قبل تمام تسع سنين وهذا القيد هو ليس بوارد وإنما هو تصريح بما فمهم من السابق لأن قرر فيما سبق (لا حيض قبل تسع سنين) إذاً إذا رأت قبل تسع سنين نقول هذا الزمن ليس بصالح أن يكون حيضاً وعليه هذا القيد من باب التأكيد وليس الاحتراز لأنه لا يرد على المصنف أن المبتدأة يحتمل أنها ابتدأها الحيض قبل تسع سنين نقول لا أخرجها يعني قعد لنا قاعدة في أول الأمر بأن أقل زمن هو تسع سنين إذاً ما كان قبل تمام تسع سنين لا يسمى حيضاً، (والمبتدأة) أي في زمن يمكن أن يكون حيضاً وهي التي رأت الدم ولم تكن حاضت يعني قبل رأيت الدم أول ما يأتيها الدم قد تمت عندها تسع سنين ما حكمها؟ قال (تجلس أقله ثم تغتسل وتصلي) (تجلس) يعني تدع الصلاة والصوم لا تصلي ولا تصوم -حينئذٍ- كيف لا تصلي ولا تصوم؟ نقول هي قد تصلي وتصوم لأن من كان دون البلوغ إذا لم تحض لا تمنع من الصلاة بل يجوز لها أن تصلي بل يستحب لها أن تصلي ولو كانت دون البلوغ -حينئذٍ- إذا رأت الدم وشككنا فيه هل هو حيض أم لا؟ قال المصنف (تجلس) يقال لمن لم يفعل الشيء جلس عنه قالوا ما أجلسك عن الحج العام يعني في هذا العام؛ جلس عن العبادة يعني دعها تركها أي تدع الصلاة والصيام ونحوهما بمجرد رأيته يعني بمجرد رأيت الدم متى ما رأت الدم بعد تمام تسع سنين تركت الصلاة؛ ما نوع هذا الدم؟ على المذهب عند الحنابلة أنه يشمل أربعة أشياء: سواء كان الدم أسود أو كان الدم أحمر أو كان صفرة أو كان كدرة ولذلك قال [ولو حمرة أو صفرة أو كدرة] أما الدم الأسود فقولاً واحداً في المذهب عند الحنابلة أنها تجلس وأما الثلاث الأخرى فهذه الثلاث مختلف فيها والصحيح فيه أنها تجلس الدم بنوعيه أياً كان نوعه وأما الصفرة والكدرة هذه لا تجلسها لأنها هي ليست بحيض وإنما هي ملحقة بحيض كما سيأتي (الصفرة والكدرة في زمن العادة حيض) وأما قبلها أو بعدها الحيض بعد الانقطاع هذه ليس من الحيض في شيء فدل ذلك على أن الصفرة والكدرة لذاتهما ليست بحيض وإنما الحيض هو الدم هذا هو الأصل بقطع النظر عن نوعه سواء كان رقيقاً ثخيناً سواء كان ذا رائحة كريهة أم لا كان أسود بني إلى أحمر رقراق ونحو ذلك كله الدم بأنواعه هذا الأصل أنه دم حيض ألحق به الصفرة والكدرة في زمن العادة فقط يعني إذا كان في أثناء عادتها انقطع الدم الأحمر ثم جاءت الصفرة والكدرة وهي لازالت في عادتها نقول الصفرة والكدرة في زمن الحيض حيض وأما قبله أو بعده ولم يتصل به فلا حكم له إذا تقرر ذلك إذا ابتدأها الدم ولم يخرج الدم وإنما خرجت الكدرة والصفرة -حينئذٍ- لا يعتبر حيضاً ألبته وهذا هو الصحيح في المسألة خلافاً لمذهب الحنابلة، قال (تجلس) أي تدع الصلاة والصيام بمجرد رأيته منذ أن ترى الدم تركت الصلاة والصوم (تجلس أقله)
стр. 269
يعني أقل الحيض يعني يوم وليله ثم تغتسل ولو لم ينقطع الدم، المبتدأة لها أربعة أحوال: التي أول ما-إذا أردنا العموم على كلام المصنف-يأتيها الدم لها أربعة أحوال: إما أن تراه أقل من يوم وليله هذه صورة وإما أن تراه يوم وليلة فينقطع هذه صورة وإما أن تراه يوم وليلة ويزيد لكنه دون خمسة عشر يوماً يعني دون أكثره هذه صورة ثالثة وإما الصورة الرابعة أن تراه ويزيد على أكثر الحيض يعني تجاوز خمسة عشر يوماً هذه أربع صور سينبني عليها الكلام إذا رأته دون يوم وليلة علمنا أنها ليست مبتدأة في الحيض؛ لماذا على كلام المصنف؟ لأنه أقل الحيض يوم وليلة وهذه رأته ثلاث وعشرين ساعة أو رأته يوماً فقط أو رأته ليلة فقط -حينئذٍ- لا يعتبر دم حيض هذه الصورة الأولى وهي خارجة من كلام المصنف أن ترى الدم دون أقل الحيض يعني دون يوم وليلة، الصورة الثانية أن تراه يوم وليلة ثم ينقطعاً هذا قطعاً حيض على القول الراجح وعلى المذهب لكنه جاء أربعاً وعشرين ساعة ثم انقطع -حينئذٍ- تغتسل قطعاً؛ لماذا؟ لأنها طاهر وإذا كانت طاهراً -حينئذٍ- وجب عليها الغسل (حتى يطهرن فإذا تطهرن) دل على أن الطهر نوعان طهر بانقطاع الدم ولو لم تغتسل وطهر بعد الاغتسال (حتى يطهرن) يعني بانقطاع الدم (فإذا تطهرن) دل على أن التطهر الثاني زائد على الطهارة الأول إذاً تغتسل وتصلي وتصوم، الصورة الثالثة أن يستمر معها يوم وليلة ويزيد لكن سبق معنا أن أكثر الحيض كم؟ خمسة عشر يوماً يزيد عن اليوم وليلة ثلاثة أيام أربعة أيام عشرة ثلاثة عشر خمسة عشر وينقطع هذا نقول فيه ماذا؟ زاد عن يوم وليلة وانقطع لدون أكثره، الصورة الرابعة أن يتجاوز الخمسة عشر يعني يبدأ معها الدم ويستمر عشرين يوم هذه صورة رابعة يسمونها المستحاضة، هنا قال (تجلس أقله ثم تغتسل) هذا دخل تحته صورتان انقطع لأقله هذا لا إشكال فيه؛ ماذا تصنع على المذهب هو لم ينص عليها لكنها معلومة؟ ماذا تصنع؟ نقول تجلس تدع الصلاة يوماً وليلة فإذا انقطع اغتسلت وصلت وصامت ثم في الشهر التالي تفعل ما فعلته في الشهر الأول ثم في الشهر الثالث تفعل ما فعلته في الشهر الأول يعني تترك الصلاة يوماً وليلة في الثلاثة الأشهر في الشهر الرابع نحكم عليها بأن عادتها يوم وليلة إذا كان متحد في الابتداء والانتهاء يعني اتفق الدم في زمنه يوم وليلة في الشهر الأول ولا نحكم عليه بأنه حيض على المذهب ثم في الشهر الثاني وكذلك لا يحكم عليه بأنه حيض ثم في الشهر الثالث فإذا اغتسلت قيل لها هذا حيض وعادتك هي يوم وليلة، إذا زاد عن يوم وليلة وانقطع لدون أكثر الحيض هذا الذي ذكره المصنف قال (ثم تغتسل) لأنه آخر حيضها حكماً يعني مراده ولو سال الدم لو جرا معها خمسة أيام قلنا أربع وعشرين ساعة تغتسلين؛ والدم؟ قال هذا نحكم بأن الدم إنما انقطع حكماً لا حساً عند انتهاء يوم وليلة؛ لماذا؟ لكون أقل الحيض يقيناً هو يوم وليلة وما زاد فيه فهو مشكوك فيه -حينئذٍ- اليقين لا يرفع بالشك وعليه تدع الصلاة يوم وليلة وتصلي وتصوم فيما زاد عن اليوم والليلة ولذلك قال (ثم تغتسل وتصلي) وتصوم كذلك يعني تغتسل بعد اليوم وليلة ونحكم على حيضها قد انقطع حكماً لا حساً وتصلي
стр. 270
وتصوم لكن قالوا تصلي الفرض فقط وتصوم الفرض فقط كما لو جاءها في شهر رمضان -حينئذٍ- حددوا لها نوعاً معين من العبادة التي هي فرض؛ لماذا؟ قالوا لأن العبادة في ذمتها بيقين وما زاد على أقل الحيض مشكوك فيه فلا تترك الواجب بالشك أقل الحيض بيقين عندهم يوم وليلة -حينئذٍ- إذا انتهت اليوم وليلة قالوا وجب عليك الصوم والصلاة وهذا الدم الذي يجري؟! قالوا نحكم عليه بأنه ليس بحيض والأصل أنك مطالبة بالصلاة والصوم -حينئذٍ- تصومين وتصلين ولو جرا الدم ونحكم على هذا بأنه ليس بدم حيض لأنه مشكوك فيه واليقين أنك مطالبة بالعبادة وهي واجبة لكن قد بلغت باليوم والليلة وما زاد على ذلك فمشكوك فيه-فحينئذٍ-الواجب لا يسقط بالشك، إذاً (تجلس أقله ثم تغتسل) لأنه آخر حيضة يعني تغتسل بعد مضي الأقل وإن كان مع سيلان الدم فلا يضر (وتصلي) وتصوم يعني تصلي الفرض وتصوم الفرض قال في الحاشية [وإنما أمرناها بالعبادة احتياطاً لبراءة ذمتها لأن الظاهر أنه حيض] هذا المذهب هذا غريب [الظاهر أنه حيض] لأنه متصل باليوم والليلة لكن براءة لذمتها نأمرها بالصلاة والصوم، ثم قال (فإن انقطع لأكثره) يعني انقطع الدم لأكثر الحيض الذي هو خمسة عشر يوماً (فما دونُ) بضم النون لأنه حذف المضاف ونوي معناه فبني على الضم مثل أما بعدُ أما بعد هذه مثلها (فما دونُ) بضم النون لقطعه عن الإضافة يعني الصورة الثانية (فإن انقطع لأكثره فما دون) يعني أربعة عشر يوم خمسة عشر يوم إلى قبل ذلك؛ ماذا تصنع؟ اغتسلت مرة أخرى وحكمنا على الدم بأنه انقطع حساً وحكماً في المرة الأولى حكمنا على الدم بأنه انقطع حكماً لا حساً لأن الدم جاراً والمرة الثانية نحكم على الدم بأنه انقطع حساً وحكماً -حينئذٍ- وجب عليها الغسل (اغتسلت) مرة أخرى (عند انقطاعه) حساً أيضاً وجوباً لصلاحية أن يكون حيضاً فلا تكون طاهراً بيقين إلى بالاغتسال من هذا الدم -حينئذٍ- يباح وطؤها بخلاف الاغتسال الأول فإنه يجب عليها فعل الصوم والصلاة لكنها لا توطأ والصحيح أنها تعتبر حائضاً مطلقاً كما سيأتي إذاً (اغتسلت عند انقطاعه) وتفعل ذلك في الشهر الثاني والثالث لأن العادة لا تثبت عادة في المذهب إلا إذا تكرر الدم ثلاث مرات ثلاثة أشهر في المرة الرابعة نحكم عليه بأنه حيض، إذاً القصة أنها تحيض لأكثر من يوم وليلة ثم يستمر بها الدم إما إلى اليوم العاشر أو الثاني عشر أو الخامس عشر نوجب عليها غسلين الغسل الأول عند انتهاء اليوم والليلة ونوجب عليها الصلاة والصوم ولو مع جريان الدم ثم إذا انقطع لليوم الخامس عشر طهر الموضع أوجبنا عليها غسلاً آخر ووجبت عليها الصلاة إذاً أوجبنا عليها غسلين؛ ما الدليل على إيجاب غسلين؟ ليس إلا الاجتهاد أما الغسل الثاني فلا إشكال فيه لقوله تعالى (فإذا تطهرن) (حتى يطهرن) يعني انقطع الدم (فإذا تطهرن) قد أوجب عليها الغسل الثاني تفعل هذا الشيء الشهر الثاني والشهر الثالث، (فإن تكرر ثلاثاً فحيض) يعني نحكم على هذا الدم بأنه دم حيض وعادتك كذا -حينئذٍ- الأشهر الثالث إما أن تتفق وإما أن تختلف؛ كيف تتفق؟ يعني ينقطع الدم في الشهر الأول لليوم السابع ويأتي الشهر الثاني وينقطع الدم لليوم السابع
стр. 271
والشهر الثالث ينقطع اليوم السابع -حينئذٍ- نقول تكرر ثلاث مرات متفقة أو مختلفة؟ متفقة إذاً نقول في الشهر الرابع عادتك سبعة أيام ينبني عليه أنه لو زاد عن السابع في الشهر الرابع قلنا اغتسلي عند نهاية السبع لأن عادتك قد انتهت واضح هذا، هذا إن اتفقت، إن اختلفت رأته في الشهر الأول سبعة أيام والشهر الثاني عشرة أيام وفي الشهر الثالث خمسة عشر يوم إذاً في الثلاث الأشهر قد انقطع لدون أكثر الحيض؛ ما هي عادتها؟ قالوا هنا اتفقت واختلفت أشهر الأول سبعة والشهر الثاني عشرة والشهر الثالث خمسة عشر اتفقت واختلفت؛ اتفقت في ماذا؟ ما هو العدد المكرر في الثلاثة الأشهر؟ السبعة وما زاد عن السبعة-الثلاثة-عشرة أو ما زاد إلى الخامسة عشر نقول هذا يلغا ونحكم على أن العادة إنما هي سبع؛ هذا متى؟ عند عدم الاتفاق، إذاً (فإن تكرر) الدم (ثلاثاً) في ثلاثة أشهر ولم يختلف سبعة أيام في الشهر الأول سبعة أيام في الشهر الثاني وكذلك في الشهر الثالث (ف) هو (حيض) يعني كله حيض بشرط ولم يختلف فإن اختلف -حينئذٍ- ننظر إلى القدر المشترك ونجعله هو حيض أو العادة التي يجب الجلوس لها في الشهر الرابع فإن اختلفت على المثال المذكور إذا جاء الشهر الرابع -حينئذٍ- نقول لها عادتك سبعة أيام فإذا انقطع الدم لسبعة أيام فبها ونعمت فإن زاد عن سبعة أيام ولو زاد على أكثر الحيض نقول هذا يعتبر استحاضة فوجب الغسل عند نهاية اليوم السابع ثم تصوم وتصلي (فإن تكرر ثلاثاً) أي في ثلاثة أشهر ولم يختلف (تكرر) المذهب عندنا لا بد أن يكون ثلاثاً (ف) هو (حيض) وثبتت عادتها فتجلسه في الشهر الرابع هذا كله من أجل أن نكتشف عادة لها الشهر الأول لا تثبت فيه العادة والشهر الثاني لا تثبت فيه العادة والشهر الثالث لا تثبت فيه العادة وإنما الرابع بتمام الثلاثة الأشهر قالوا هذا يدل على أن العادة ثبتت قالوا لقوله ﵊ (تدع الصلاة أيام أقرائك) وهي جمع وأقل الجمع ثلاثة فلا تثبت العادة بدونها لأن معتبر له التكرار اعتبر في الثلاث كالأقراء وهذا فيه نظر لأن المراد بالأقراء هنا أيام الحيض (تدع الصلاة أيام أقرائك) إذا كانت سبعة أيام اليوم الأول اليوم الثاني الثالث الرابع هذه كلها أيام حيض وهي أيام أقراء جمع قُرء أو قَرء المراد به الحيض على كل الظاهر أن العادة إنما تثبت بما تراه المرأة دماً -حينئذٍ- إن اتفقت فهي عادتها وإن لم تتفق نقول هذه ليست لها عادة منضبطة وما خرج يعتبر دماً وهذا أشبه ما يكون بمفردات المذهب ولذلك عند الحنفية والمالكية والشافعية أن الدم الذي تراه حيض مطلقاً فتترك له الصلاة والصيام مادام أنه لم يتجاوز أكثر الحيض يعني متى ما رأت المبتدأة الدم وانقطع لدون أكثر خمسة عشر يوم أو خمسة عشر فما دون كله يعتبر حيضاً وهذا أقرب من المذهب؛ لماذا؟ لأنه كما سبق أن الأصل في الدم الذي يخرج من الرحم إنما هو دم حيض فإذا كان كذلك خرج سبعة أيام وخرج في الشهر الثاني عشرة أيام وخرج في الشهر الثالث خمسة عشر يوماً مادام أنه دون أكثر الحيض -حينئذٍ- يعتبر كله حيض والمذاهب الثلاثة على هذا وهو أصح ولكن تحديده بخمسة عشر هذا الذي يكون فيه شيء من النظر لأن
стр. 272
الصحيح لا حد لأكثره وهذا أقرب من المذهب، قال (فهو حيض) يعني كله حيض اليوم وليلة وما زاد عليها (وتقضي ما وجب فيه) يعني إذا ثبت أن عادتها سبعة أيام وهذا إنما يتصور فيما زاد على اليوم وليلة أو لم تكن العادة متفقة قلنا تغتسل ليوم وليلة أليس كذلك؟ ثم تصوم وتصلي الصلاة لو صلت وهي حائض فلا إعادة لأن تبين أن الصلاة باطلة لو صامت فرضاً أو اعتكفت نذراً أو طافت في حج ونحوه وقد حكمنا عليه بأنه دماً مشكوك فيه إذا ثبت بعد ثلاثة أشهر أن ذاك الزائد على اليوم وليلة حيض قضت ذاك الصيام وذاك الطواف وذاك الاعتكاف؛ لماذا؟ لأنه تبين أنه فعل على جهة الفساد -حينئذٍ- لا يجزئها ولذلك قال (وتقضي ما وجب فيه) يعني عبادة واجبة (فيه) أي في المجاوز لأقل الحيض لأن قلنا تترك يوم وليلة لا تصوم ولا تصلي ثم تغتسل ولو سال الدم-طيب-بعد أربعة أشهر حكمنا على أن الدم الذي زاد عن يوم وليلة بأنه حيض اكتشفنا بعد أربعة أشهر أنه حيض والصوم الذي صامته في هذا تبين أنه باطل والاعتكاف تبين أنه باطل وكذلك الطواف تبين أنه باطل إذاً الذمة لم تبرأ ووجب عليها الإعادة ولذلك قال (وتقضي ما) أي عبادة (وجب فيه) أي في المجاوز لأقل الحيض أي ما صامت فيه من واجب وكذا ما طافته أو اعتكفته (فيه) -واضح هذا المسألة فيها إشكال؟ -على كل الصحيح أنه متى ما رأت الدم تركت الصلاة والصوم وإذا انقطع -حينئذٍ-اغتسلت وصلت وصامت هذا الصحيح، ثم قال هذه الصورة الثالثة (وإن عبر أكثره) يعني تجاوز الدم خمسة عشر يوماً المسألة السابقة فيما إذا انقطع لخمسة عشر فما دون لم يتجاوز أكثر الحيض نحن عندنا أقل الحيض وأكثر الحيض؛ أقل الحيض يوم وليلة وأكثر الحيض خمسة عشر يوماً -حينئذٍ- ما كان دون أقل الحيض ليس بدم، ما زاد عن خمسة عشر يوماً هذا يسمى استحاضة، (وإن عبر) يعني جاوز الدم (أكثره) أي أكثر الحيض (ف) هي (مستحاضة) وهذه التي تسمى المبتدأة المستحاضة يعني أول ما جاءها الدم استمر معها عشرين مباشرة بدء معها الدم في اليوم الأول من الشهر ولم ينقطع إلى اليوم العشرين إذاً ما نقطع إلى خمسة عشر يوماً هذا يعبر عنه بأنه بدأها الدم وجاوز خمسة عشر يوماً سواء انقطع للسادس عشر أو العشرين أو الثلاثين أو مضى معها السنة أو سنتين أو ثلاث هذه تسمى مستحاضة، والمستحاضة كما عرفها هنا مأخوذة من الاستحاضة وهو سيلان الدم في غير وقته من العرق العاذل، وعرفها بعضهم بأنها من جاوز دمها أكثر مدة الحيض، واستحاضة المرأة تستحاض فهي مستحاضة وفي الحديث (إني استحاض فلا أطهر أفدع الصلاة؟ فقال: لا إنما ذلك عرق) وجاء كذلك (إن بعض أزوج النبي ﷺ اعتكفت وهي مستحاضة) وفي حديث (أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين) وهو متفق عليه، إذاً هو سيلان الدم في غير وقته وهنا قال من جاوز دمها أكثر مدة الحيض؛ هل بينهما فرق؟ سيلان الدم في غير وقته التعريف الآخر من جاوز دمها أكثر مدة الحيض؟ نعم بينهما فرق؛ التعريف الثاني يشترط في الاستحاضة أن تكون متصلة بالدم -حينئذٍ- إذا بدأها الدم ووصل إلى الخامس عشر ثم استمر الاستمرار هذا وعدم الانقطاع نحكم على الدم الثاني المتجاوز بأنه استحاضة وأما على تعريف صاحب
стр. 273
الروض سيلان الدم في غير وقته من العرق العاذل هذا لا يدل على الاتصال فلو جاءها الدم الحيض ثم انقطع طهرت ثم رجع معها يوماً وليلة على التعريف الثاني لا يسمى استحاضة الدم الذي رجع لا يسمى استحاضة؛ لماذا؟ لأنه انقطع عن دم الحيض لم يتصل به وعلى تعريف صاحب الروض يسمى استحاضة وعلى التعريف الأول يسمى دم فساد هذا الفرق بين دم الفساد وبين دم الاستحاضة الاستحاضة يكون متصل بدم الحيض والفساد أن يكون قبل الحيض وينقطع أو يكون بعد انقطاع الحيض ثم يأتي الدم هذا يسمى فساد والصحيح أن كلاً منهما استحاضة ولذلك قال النووي [المستحاضة من ترى الدم على أثر الحيض-يعني مباشرة -على صفة لا يكون حيضاً وذات الفساد هي من يبتدئها دم لا يكون حيضاً]-طيب- (إن عبر أكثره فهي مستحاضة) قال المصنف هنا [من العرق العاذل] وهذا مأخوذ من حديث النبي ﷺ (إنما ذلك عرق) فالحيض يخرج من عرق في قعر الرحم والاستحاضة من عرق في أعلى الرحم يعني أقرب إلى المخرج وأما الحيض فهو من القعر والحيض دم طبيعة والاستحاضة مرض ويسمى الآن نزيفاً الحيض له أوقات محدودة معلومة في الغالب وأما الاستحاضة فليس لها أوقات محدودة دم الحيض له صفات كما سيأتي ودم الاستحاضة ما لم يوجد فيه صفات دم الحيض إذاً (إن عبر أكثره) فهي مستحاضة؛ ماذا تصنع؟ المبتدأة المستحاضة لها حالان إما أن تكون مميزة أو لا؟ المبتدأة المستحاضة؛ من هي المبتدأة المستحاضة؟ التي بدأها الدم وعبر أكثره هذه المبتدأة المستحاضة، عندنا مستحاضة معتادة ومستحاضة مبتدأة، الحديث الآن في المستحاضة المبتدأة التي أول ما يطرقها الدم يتجاوز خمسة عشر يوماً هذه لها حالان: إما أن تكون مميزة أو لا؛ كيف مميزة؟ يعني الدم عندها ليس على صفة واحدة يتبدل يتغير -حينئذٍ- تسمى ماذا؟ مميزة لكن ليس كل تمييز يكون صالحاً كما سيأتي، إذاً المستحاضة المعتادة قال المصنف (فإن كان بعض دمها أحمر وبعضه أسود ولم يعبر أكثره ولم ينقض عن أقله فهو حيضها) -اقرؤوا العبارة جيداً- (فإن كان بعض دمها أحمر وبعضه أسود) يعني (فإن كان) لها تمييز كما قال الشارح [(فإن كان) لها تمييز] دم الحيض له علامات: أولاً: اللون فدم الحيض أسود والاستحاضة أحمر؛ دم الحيض أسود أو يكون بني مائل إلى أسواد، الثانية: الرقة فدم الحيض غليظ ثخين ودم الاستحاضة رقيق، الثالثة: الرائحة دم الحيض منتن كريهة له رائحة كريهة بخلاف الاستحاضة ليس له رائحة، الرابعة: التجمد دم الحيض إذا ظهر لا يجمد إذا خرج وسال لا يجمد بخلاف دم الاستحاضة فإن يجمد، الخامسة: الألم الذي يسمى المغص عند النساء، هذه كم علامة؟ ما هي؟ اللون والرائحة والرقة والتجمد والألم، يكفي في الحكم على الدم بأنه حيض بوجود واحدة علامة فقط يعني قد يوجد الألم ويكون أحمر؛ هنا وجدت علامة أو لا؟ وجدت علامة لا يشترط اجتماع العلامات الخمس وإلا ليس بحيض لو قيل بهذا ما وجدت حائض لأنه لا يجتمع الخمس العلامات في موضع واحد أو في حالة واحدة وإنما قد يوجد الألم ولا تكون له رائحة كريهة ولا يكون ثخيناً ولا يكون أسود، قد يكون أسود ولا يوجد معه ألم إذاً المراد وجود واحد، ولذلك مثل المصنف بعلامة واحدة
стр. 274
لأنه إذا وجد كذلك -حينئذٍ- نقول هذا الدم دم حيض، قال (فإن كان بعض دمها أحمر وبعضه أسود) أي النوعين علامة للحيض؟ الأسود؛ لكن هل كل أسود يصلح أن يكون حيضاً؟ الجواب لا؛ بشرط أن يكون الأسود أن لا يقل جريانه وسيلانه عن يوم وليلة ولا يزيد عن خمسة عشر يعني ما وجدت فيه علامة الحيض نطبق فيه قاعدة أقل الحيض وأكثره فإن جرا الأسود أقل من يوم وليلة لا يصلح إذاً هذا دم أسود لكنه ليس بحيض إذاً تأخذ ليس كل دم أسود يصلح أن يكون حيضاً؛ لماذا؟ لأنه يشترط فيه أن يطبق عليه قاعدة أقل الحيض وأكثر الحيض؛ فإذا جرا الدم ستة عشر يوماً وهو أسود لا يصلح أن يكون حيضاً-أنتم معي أو لا-إذا جرا الدم الأسود أكثر من ستة عشر يوماً نقول يا بدر لا يصلح أن يكون حيضاً؛ لماذا؟ لأنه يشترط في هذه العلامة أن لا تجاوز أكثر الحيض يعني لا نعتبره علامة إلا إذا تجاوز جريانه وسيلانه يوم وليلة-خمس وعشرين ساعة-وأن لا يزيد عن خمسة عشر يوماً فما بين الزمنين فهو دم صالح إذاً الأسود قد يكون صالحاً لتمييز وقد لا يكون صالحاً، ولذلك قال المصنف (فإن كان بعض دمها أحمر وبعضه أسود) لم يقل دمها الأسود حيض مباشرة-لا قال- (ولم يعبر) يعني الأسود الضمير يعود إلى الأسود (ولم يعبر) هو أي الأسود أن يجاوز (أكثره) أي أكثر الحيض (ولم ينقص عن أقله) لا بد من تقييده بأقل زمن للحيض وأكثره (فهو) أي الأسود (حيضها) إذاً عندنا شرطان عدميان: الشرط الأول (لم يعبر أكثره) يعني لم يتجاوز خمسة عشر يوماً؛ الشرط الثاني (لم ينقص عن أقله) عن يوم وليلة -حينئذٍ- نقول هذا الدم الأسود (هو حيضها) مثاله لو ابتدأها الدم في أول الشهر يعني واحد واستمر معها إلى يوم عشرين نقول هذه مبتدأة مستحاضة أولاً تحكم عليه بأنها مبتدأة مستحاضة؛ لماذا مبتدأة؟ لأن الدم أول مرة يطرقها؛ لماذا مستحاضة؟ لكون الدم قد جاوز أكثر الحيض؛ كيف نصنع؟ ننظر في الدم على المثال الذي ذكره المصنف (فإن كان بعض دمها أحمر وبعضه أسود) وجدنا الأسود أنه استمر معها من اليوم الخامس إلى اليوم الخامس عشر وقبل ذلك وبعده هو دم أحمر يعني خرج معها الدم الأحمر خمسة أيام ثم انقلب فصار أسود إلى اليوم الخامس عشر ثم رجع إلى الأحمر نقول هذا دمها متميز وهذا الدم الأسود صالح لأن يجعل حيضاً؛ لماذا؟ لأن عشرة أيام عشرة أيام معناه ماذا؟ تجاوز أقل الحيض أربعاً وعشرين ساعة ولم يعبر أكثر الحيض لأنه عشرة أيام وأكثر الحيض خمسة عشر يوماً إذاً نقول عادتك عشرة أيام لأن الدم هذا دم صالح لأن يجعل حيض وما قبله وما بعده فهو دم أحمر لا يلتفت إليه بله دم استحاضة فلا يمنع من الصلاة والصوم،-طيب-جاءها الدم عشرين يوماً استمر معها خمسة أيام أحمر ثم إلى اليوم العشرين انقلب أسود؛ من اليوم الخامس إلى اليوم العشرين؛ كم يوم الأسود خمسة عشر يوماً؛ يصلح أن يكون حيضاً؟ يصلح أن يكون حيضاً إذاً نقول من اليوم الخامس إلى اليوم العشرين هذا يعتبر دم حيض فتترك الصلاة والصيام، جاءها الدم يوم واحد الأسود ثم قبله وبعده فإذا به دم أحمر؛ يوم واحد يعني نهار واحد نقول هذا الدم ليس صالح بأن يجعل حيضاً؛ لماذا؟ لأنه أقل من أربع وعشرين ساعة ولا يصلح الدم
стр. 275
أن يكون حيضاً إلا إذا تجاوز أربع وعشرين ساعة ولم يتجاوز خمسة عشر يوماً واضح، إذاً (فإن كان بعض دمها أحمر وبعضه أسود ولم يعبر أكثره-يعني أكثر الحيض-ولم ينقص عن أقله فهو حيضها) قال الشارح [وكذا إذا كان بعضه ثخيناً-يعني وبعضه رقيقاً-أو منتناً-وبعضه غير منتن-وصلح حيضاً فهو حيضها] يعني العلامة ليست خاصة بالدم الأسود؛ فإن بعض دمها ثخيناً ويعضه رقيقاً ننظر في الثخين لأنه من علامات دم الحيض إن زاد عن أقل الحيض ولم يعبر أكثره نقول هذا الثخين ولو لم يكن أسود هذا الثخين يعتبر دم حيض؛ لماذا؟ لكونه وجدت فيه علامة الحيض -حينئذٍ- تترك الصلاة والصيام، قال (تجلسه في الشهر الثاني والأحمر استحاضة) (تجلسه في الشهر الثاني) يعني مباشرة؛ متى ما عرفنا أن هذا الدم الذي وجدت فيه علامة الحيض وصلح أن يكون حيضاً لاعتبار الزمنين الأقل والأكثر تجلسه في الشهر الثاني ولا ننتظر الشهر الثالث والرابع لأن التكرار يشترط فيه ثلاث إذا أردنا تثبيت العادة وأما في المستحاضة ففي الشهر الثاني مباشرة تجلس ذلك الدم -حينئذٍ- إذا استمر بها خمسة عشر يوماً أو عشرة أيام نقول عادتك في الشهر القادم عشرة أيام لهذا الدم المتميز سواء تقدم الدم أو توسط أو تأخر يعني تدور مع هذه العلامة في التقدم والتوسط والتأخر، (تجلسه) يعني تجلس الأسود كله من كل شهر لأن التمييز أمارة من نفسه فلا تحتاج إلى ضم غيره إليه، ولذلك قال [ولو لم يتكرر أو يتوالى] [ولو لم يتكرر] يعني لا ننتظر التكرار ولو لم يتوالى يعني لا يشترط في العشرة الأيام التي يكون فيها الدم أسود أن تكون متصلة بل لو جاءها الدم الأسود يومين ثم صار أحمر رقراقاً ثم رجع الدم الأسود يومين ثم صار أحمر ثم رجع أسود نلفق بين هذه الأيام التي جاء فيها الدم الأسود وننظر هل هي أقل من الحيض أو كثر؟ فيكون الحكم تابعاً لها، يعني لا يشترط في الدم الأسود أو الدم الثخين أو الدم المنتن أن يكون متصلاً بل ننظر إلى عدد الأيام التي جاءها الدم أسود -حينئذٍ- نقول جاءها أربعة أيام خمسة أيام عشرة أيام ولو كانت متفرقة وهذا ليس بأكثر الحيض -حينئذٍ- يعتبر حيضاً لها والأحمر والرقيق وغير المنتن استحاضة تصوم فيه وتصلي هذه المستحاضة المميزة التي لها تمييز، فإن لم تكن مميزة هنا تأتي المشكلة إن لم تكن مميزة يعني دمها كله على صفة واحدة أنت الآن لا تتصور عشرين يوم كل المثال هذا من باب التيسير وإلا قد تستحيض المرأة سنة كاملة -حينئذٍ- نقول الدم هذا إن جرا على حالة واحدة أحمر ليس فيه أسود ألبته أو كله منتن من أوله إلى آخره هذا لا يصلح أن يكون حيضاً أو وجد فيه ما فيه علامة من علامات الحيض ولم يتوفر فيه الشرطان السابقان العدميان -حينئذٍ- نقول هذه مبتدأة مستحاضة غير مميزة؛ ماذا تصنع؟ (وإن لم يكن دمها متميزاً) بأن كان كله على صفة واحدة إما أسود شهر كامل كله أسود؛ نقول هذا أسود هل يصلح علامة للحيض؟ الجواب لا؛ أو كله أحمر هذا لا يصلح أن يكون علامة أو كله منتناً أو كان متميزاً ولم يصلح المتميز بأن يجعل علامة للحيض (جلست) يعني المبتدأة عن الصلاة ونحوها أقل الحيض من كل شهر رجعنا إلى الأول يعني (إن لم يكن دمها
стр. 276
متميزاً) منذ أن يطرقها الدم ابتدأ معها يوم السبت وحدة في الشهر تجلس يوم وليلة وتغتسل ثم تصلي الشهر كامل ثم يأتي الشهر الثاني في نفس الموعد تجلس يوم وليلة ثم تغتسل وتصلي ثم في الشهر الثالث كذلك تفعل يوم وليلة وتغتسل وتصلي في الشهر الرابع تجلس غالب الحيض يعني ستة أو سبعاً هنا لما لم يكن لها تمييز رددنها إلى عادة غالب النساء إما عموماً أو أقاربها كما سيأتي، قال (وإن لم يكن دمها متميزاً جلست غالب الحيض) ستة أو سبعاً بتحرٍ على الصحيح من المذهب يعني؛ هل تتخير بنفسها تتشهى أم تنظر فيمن حولها ستة أو سبعاً؟ هذا ينبني عليه ترك صلاة في اليوم السابع تنظر في أمها وأختها وأقاربها فما كان غالباً هو الذي تجلسه إن كان الغالب في عادة أمها وأخواتها الأكثر منهن تجلس سبعة جلست سبعة وإن كان الغالب فيهن أن تجلس ستة جلست ستة فتحري هنا ليس بنفسها بذاته بهواها-يعني تختار على كيفيها ستة أو سبع؛ لا-وإنما تنظر فيمن حولها، (غالب الحيض) ستة أو سبعاً بتحر (من كل شهر) يعني من أول وقت ابتدائها إن علمته إن علمت متى ابتدأها الدم عرفت أنه في اليوم العاشر من الشهر -حينئذٍ- نقول لها أول شهرك هو اليوم العاشر، المرأة يختلف شهرها عن التقاويم يعني لا يتحد مع الشهور الهلالية وإنما أول يوم في الشهر عندها هو أول يوم يأتيها الحيض الفقيه إذا قيل شهر المرأة كما يقول الفقهاء فالمراد به أول يوم أتاها الحيض -حينئذٍ- اجتمع لها شيئان حيض وطهر فإذا ابتدأها الدم في اليوم العاشر نقول أول يوم من شهرك هو العاشر في إذا جئت في الشهر الرابع تجلسين أغلب الحيض تبتدئين العد من العاشر الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر ست أيام أو سبعة ثم تغتسل وتصلي وتبقى على هذا ولو سال الدم معها أشهراً؛ فإن نسيت ما تدري متى أول ما طرقها الحيض نسيت؛ ماذا تصنع؟ ترجع إلى الشهر الهلالي فالرجوع إلى الشهر الهلالي إنما يكون عند نسيان أول دم طرقها ولذلك قال الشارح [من كل شهر من أول وقت ابتدأها إن علمته] يعني إن علمت ابتدأها بالدم جلسته من أول ابتدأها من كل شهر يكون شهرها [والمراد شهر المرأة وهو ما يجتمع له فيها حيض وطهر صحيحان-لا الشهر الهلالي-وإن لا فمن أول كل هلالي] يعني الشهر-التقويم-فترجع إليه إن نسيت أول الشهر، إذاً المبتدأة إن كانت مستحاضة فلها حالان: إما أن تكون مميزة وإما أن تكون غير مميزة؛ إن كانت مميزة بأن صلح الدم بأن يجعل حيضاً -حينئذٍ- رجعت إلى التمييز من الشهر الثاني وجلسته؛ إن لم تكن مميزة جلست غالب الحيض ستة أو سبعاً من أول شهرها إن علمته ومن أول الشهر الهلالي إن نسيته، قال في الحاشية [الحاصل أن للمبتدأة ثلاثة أحوال] يعني مستحاضة وغيرها هذا تلخيص جيد ترى يلخص لك المسألة [إما أن لا يجاوز دمها أكثر الحيض] المسألة الأولى يعني المبتدأة كلها من أول القصة للسابق كله ملخص في هذه الأسطر الثلاث [إما أن لا يجاوز دمها أكثر الحيض أو يجاوز] إما أن يجاوز أو لا يجاوز إما أن يتعدى خمسة عشر يوماً أو لا [والثانية] التي يجاوز دمها أكثر الحيض [هي المستحاضة] وتسمى المبتدأة المستحاضة [وهي قسمان] المستحاضة؛ إذاً صار عندنا كم قسم المبتدأة؟ ثلاثة
стр. 277
أقسام مبتدأة لم يجاوز دمها أكثر الحيض مبتدأة جاوز وهي المستحاضة ولها تمييز مبتدأة جاوز دمها وهي غير مميزة هي ثلاثة أقسام إذاً المبتدأة كلها ثلاثة أنواع [والثانية هي المستحاضة] التي جاوز دمها أكثر الحيض [وهي قسمان: مميزة وغير مميزة] وعرفنا المراد بالتمييز وبغير التمييز [ففي الأولى والأخيرة تجلس الأقل-أقل الحيض-حتى يتكرر ثم تنتقل إلى المتكرر في الأولى والغالب في الآخرة] انتبه [ففي الأولى] ما هي؟ التي لم يجاوز دمها أكثر الحيض [والأخيرة] التي هي مستحاضة غير مميزة [تجلس الأقل] أقل الحيض [حتى يتكرر] ثلاثة أشهر [ثم] التي لم يجاوز دمها أكثر الحيض [تنتقل إلى] المتفق عليه أو الأقل عند الاختلاف [والغالب في الآخرة] واضح هذا [الأولى] التي هي مبتدأة ولم يجاوز دمها أكثر الحيض قلنا هذه تجلس أقله يوماً وليلة ثلاثة أشهر ثم في الرابع تجلس ما تكرر سواء اتفق أو لا؛ إذاً تجلس الأقل وتغتسل ثم ينقطع الدم وتغتسل ثلاثة أشهر في الشهر الرابع تجلس المتفق عليه سواء انقطع عنده أو تجاوز ويعتبر الأقل، المستحاضة غير المميزة قلنا هذه تجلس ثلاثة أشهر أقل الحيض كسابقه لكن ترد في الشهر الرابع إلى ماذا؟ إلى غالب الحيض ولذلك قال [وهي قسمان: مميزة وغير مميزة ففي الأولى] المراد بها التي لم يتجاوز دمها أكثر الحيض [والأخيرة] التي هي المستحاضة وغير مميزة [تجلس الأقل] أقل الحيض في النوعين [حتى يتكرر] يعني ثلاثة أشهر [ثم] يفترقان [تنتقل إلى المتكرر في الأولى] التي لم تجاوز دمها أكثر الحيض [والغالب] يعني غالب الحيض ستة أو سبعاً [في الآخرة] [وفي الوسطى] التي هي المستحاضة المميزة [تجلس المميزة التمييز الصالح من غير تكرار] هذا تلخيص جيد جداً لما سبق واضح، ثم قال (والمستحاضة المعتادة ولو مميزة تجلس عادتها) (والمستحاضة المعتادة) انتهينا من المبتدأة انتهى الحديث المبتدأة نوعان: مستحاضة وغير مستحاضة انتهى الكلام، الآن استقرت عادتها عرفنا أن هذه المرأة تكرر عندها الحيض ثم بعد سنين استحاضة جرا معها الدم سنة سنتين ثلاث هذا تسمى ماذا؟ مستحاضة معتادة، لما أنها الكلام على المستحاضة المبتدأة شرع في أقسام المستحاضة المعتادة وهي التي لها عادة قبل الاستحاضة؛ وسميت معتادة؟ لأنها تعرف أنها تحيض خمسة مثلاً يعني عادتها خمسة أيام وهي عادة مستقرة ثم بعد ذلك طرأ معها الحيض فواصل مع عادتها لأنها تعرف أنها تحيض خمسة مثلاً من ابتدائه وتطهر في باقية ويتكرر حيضها ثلاثة أشهر وإلا فلا تسمى معتادة يعني بعض النساء عادتها تكون ثابتة مستقرة يعني يأتيها الدم في أول الشهر يوم وحدة وينقطع يوم سبعة تجلس عشرات السنين بعضهن هكذا يأتيها في اليوم الأول وينقطع في اليوم السابع هذه يعبر عنها بأنه معتادة يعني لها عادة منضبطة ما لم يكن كذلك فلا تسمى معتادة يعني إذا كان يأتيها في الشهر في اليوم الأول وبعد شهرين يأتيها في اليوم الثالث وحياناً تنتظر ما يأتيها في الشهر والشهر الذي يليه هذه ما تسمى معتادة ليس لها عادة؛ لماذا؟ لأن التي لها عادة تكون ثابتة مستقرة وهذه ليست لها عادة ولذلك قال [وإن لا تسمى معتادة] هذه المستحاضة المعتادة قال المصنف هنا
стр. 278
(والمستحاضة المعتادة) أي هي التي تعرف شهرها ووقت حيضها وطهرها منه هذه تحتها قسمان؛ قال (ولو مميزة تجلس عادتها) (ولو مميزة) يعني لو كان لها دم صالح لأن يجعل حيضاً كأن يكون أسود ولم ينقص عن أقل الحيض ولم يتجاوز أكثر الحيض مع وجود علامة التمييز ولها عادة ثابتة مستقرة تعارض أمران -حينئذٍ- ماذا نصع؟ اختلف العلماء منهم من قدم التمييز على العادة ومنهم من قدم العادة على التمييز والمذهب وهو الصحيح أن العادة محكمة يعني هي التي تقدم على التمييز ولذلك قال (ولو كانت مميزة) يعني لها دم صالح لأن يجعل دم حيض ولكن لا نلتفت إلى هذا التمييز؛ لأننا التمييز نلجأ إليه عند الضرورة وهي عند عدم معرفة العادة وأما إذا عرفت العادة واستقرت -حينئذٍ- صارت محكمة وقاضية على التمييز، إذاً المستحاضة المعتادة أراحت نفسها وأراحت الفقهاء تجلس عادتها التي تعرفها وتغتسل عند نهايتها ثم ما بعده فهو استحاضة تصوم وتصلي، (والمستحاضة المعتادة ولو) قلنا هذه لو إشارة خلاف والصحيح أن المميزة ترجع إلى العادة وهو الصحيح الذي ذكره المصنف (ولو مميزة) يعني (ولو) كانت المستحاضة المعتادة (مميزة) بأن يكون لها دم صالح لأن يجعل حيضاً؛ ماذا تصنع؟ (تجلس عادتها) يعني تبقى الأيام التي تحفظها وتعرفها تترك الصلاة والصوم ثم إذا انتهت وانقضت اغتسلت وصامت وصلت لحديث (امكثي قدر ما تحبسك حيضتك) إذاً ردها النبي ﷺ إلى العادة (امكثي قدر) يعني عندها علم بعادة (قدر ما تحبسك حيضتك) وهل استفصل النبي ﷺ هل أنت مميزة أم لا؟ الجواب لا؛ وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، ولذلك قلنا ولو مميزة ولم يسألها النبي ﷺ هل أنت مميزة أم لا؟ إنما ردها إلى العادة مباشرة (امكثي قدر ما تحبسك حيضتك) فرد إلى العادة ولم يستفصل مع قيام الاحتمال وهذا هو الصحيح والنص واضح بين، ثم تغتسل بعد عادتها وتصلي، (وإن نسيتها عملت بالتمييز الصالح) نسيت العادة ما تدري كم؛ المرأة تنسى ماذا طبخت أمس -حينئذٍ- إذا أصابتها غفلة ونسيت كم عادتها؟ والنسيان له أنواع كما سيأتي -حينئذٍ- نردها إلى التمييز (وإن نسيتها) أي نسيت عادتها (عملت بالتمييز) ليس مطلقاً وإنما التمييز (الصالح) لأن يجعل حيضاً كالأسود مثلاً بأن لم ينقص عن أقل الحيض ولم يتجاوز أكثره بأن لا ينقص الدم الأسود ونحوه عن يوم وليلة ولا يزيد عن خمسة عشر يوماً على الصحيح في المذهب، إذاً عملت بالتمييز الصالح إن كان لها تمييز، (فإن لم يكن لها تمييز) هذا نوع ثالث؛ إذاً مستحاضة معتادة عالمة بعادتها نردها إلى العادة ولو كان لها تمييز مستحاضة معتادة نسيت عادتها ولها تمييز صالح لأن يجعل حيضاً رددنها إلى التمييز؛ مستحاضة معتادة نسيت عادتها وليس لها تمييز هذه ثلاثة أنواع، (فإن لم يكن لها تمييز) يعني تمييز صالح ونسيت عدده ووقته العدد والوقت؛ هذه المستحاضة الناسية لها ثلاثة أحوال سيذكرها المصنف على التوالي؛ التي لها عادة ونسيت العادة ولا تمييز لها أو لها تمييز لكنه غير صالح؛ الحالة الأولى أن تنسى عدده وموضعه تنسى العدد يعني كم يوم؟ وموضعه هل هو في أول
стр. 279
الشهر أو في أوسطه أو في آخره نسيت الأمرين هذه يسمونها المتحيرة لأنها تحيرت في نفسها وحيرت الفقهاء أمرها مشكل؛ الثاني أن تنسى العدد دون الموضع ما تدري ستة سبعة عشرة ضيعت لكن تعرف أنه في أول الشهر أو تعلم أنه في أول العشر الوسطى أو تعلم أنه في أول النصف الثاني الخامس عشر تعلم الموضع ابتدأه لكن كم ما تدري هذه يسمونها ماذا؟ ناسية للعدد ذاكرة للموضع؛ الثالثة أن تنسى موضعه دون عدده تعلم أنها تحيض سبعة أيام لكن ضيعت ما تدري في أول الشهر أو في أوسطه أو في آخره؛ إذاً كم حالة العبرة هنا في العدد والموضع إما أن تنسى النوعين العدد والموضع أو تذكر أحدهما وتنسى الآخر، الحالة الأولى (فإن لم يكن لها تمييز) صالح ونسيت الوقت والعدد فالصحيح من المذهب كما قال المصنف هنا (فغالب الحيض) (فغالبَ) بالنصب يعني فتجلس غالب الحيض؛ كم؟ ستاً أو سبعاً؛ متى تجلسه؟ كم ذكرنا سابقاً إن علمت أوله يعني أول دم حاضت له رددناها إليه وإلا فمن أول كل شهر هلالي يعني وحدة من الشهر؛ تجلسه من أول مدة علم الحيض فيها وضاع موضعه وإلا فمن أول كل هلالي؛ إن علمت متى بدأها وطرقها الدم رددناها إليه وإن لم تعلم ونسيت كذلك -حينئذٍ- جعلناه من أول كل شهر، فأنا أفول لمن نسيت عادتها ولم يكن لها تمييز نسيت العدد والوقت إذا جاء أول يوم طرقك الحيض فجلس ستاً أو سبعاً باعتبار عادت نسائها يعني أقاربها فما كان هو الأكثر جلسته وإن نسيت أول موضع أول يوم حاضت فيه -حينئذٍ- نقول لها من أول يوم في الشهر فإذا جاء اليوم الأول وحدة في الشهر نقول لها أجلسي ستة أيام أو سبع ثم بعد ذلك عند نهاية الست أو السبع اغتسلي وصومي وصلي، (كالعالمة بموضعه الناسية لعدده) يعني ثَمَّ صورتان الحكم واحد إن نسيت الموضع العدد والوقت تجلس غالب الحيض إن علمت الموضع ونسيت العدد (كالعالمة بموضعه) يعني موضع الحيض (الناسية لعدده) نسيت العدد كم نردها إلى غالب الحيض إما ستاً أو سبعاً -حينئذٍ- ففي هاتين الصورتين الحكم واحد إن نسيت الموضع والعدد نقول هذه تجلس ستة أيام أو سبعاً إن نسيت العدد وتذكرت الموضع تجلس ستة أيام أو سبعاً ويختلفان في ماذا؟ في الموضع لأن الأولى نسيت موضعه والثانية عالمة بموضعه يعني تعلم أن عادتها تأتيها في أول يوم من العشر الأوسط يعني الحادي عشر لكن نسيت كم -حينئذٍ- نردها إلى غالب الحيض ستاً أو سبعاً؛ من أول الشهر؟ لا؛ من أول يوم تذكرته وهو اليوم الحادي عشر أو كان تقديرها بالعلم بموضعه في أول يوم من العشر الأخير من الشهر يعني اليوم الحادي والعشرين أو أول يوم من النصف الشهر الثاني -حينئذٍ- نردها إلى اليوم السادس عشر وهكذا، هنا علمت الموضع لكنها نسيت العدد والأولى نسيت الموضع والعدد يشتركان أن كل منهما تجلس غالب الحيض ستاً أو سبعاً ويختلفان في تحديد الموضع، (وإن علمت عدده ونسيت موضعه ولو في نصفه جلستها من أوله) هذه الحالة الثالثة من أحوال الناس؛ نسيت ماذا؟ الموضع وعلمت العدد تعلم أنها تحيض عشرة أيام لكنها نسيت الموضع -حينئذٍ- لها حالان: لها صورتان: إما أن تنسى مطلقاً لا تدري أول الشهر أو أوسطه أو آخره هذه رددناه لأول يوم علمته أو لأول كل شهر
стр. 280
هلالي أن تعلم أنه في النصف الأخير نقول لا ليس من أول الشهر وإنما في النصف الثاني على الرأي المصنف في الحالتين نردها إلى أول الشهر ولذلك قال (ولو في نصفه) يعني علمت أن عادتها ودورتها تأتيها في النصف الثاني من الشهر يعني في السادس عشر على القولين أو الصورتين المصنف يرى أنها تدر ترد إلى أول الشهر والصحيح التفريق بأنها من علمت أنها تحيض في النصف الثاني يجعل النصف الثاني هو أول الشهر لأنه أقرب وأما أول الشهر سواء كان أول يوم طرقها الدم أو أول كل شهر هلالي نقول هذا بعيد وردها إلى الأقرب أولى من ردها إلى البعيد فقوله (ولو في نصفه) نقول هذا محل نظر بل الصحيح أنها ترد إلى النصف فإذا تذكرت أو نسيت الموضع علمت العدد وقالت الموضع لعله في أول الشهر نصف الشهر -حينئذٍ- ترد إلى نصفه وأما وإذا لم يكن كذلك -حينئذٍ- حكمها كحكم سابقتها (وإن علمت) يعني المستحاضة (عدده) أي عدد أيام حيضها يعني علمت أنها تحيض خمسة أيام من الشهر مثلاً (ونسيت موضعه من الشهر) هل هو في أوله أو في أوسطه أو في آخره (ولو) هذه إشارة خلاف ولو كان موضعه من الشهر (في نصفه) قلنا الأصح أنها تجلس من أول النصف لأنه أقرب من أول الشهر قال (جلستها) أي جلست أيام عادتها (من أوله) أي أول الوقت الذي كان الحيض يأتيها فيه إن علمته وإن لم تعلم رددنها إلى أول كل شهر هلالي (كمن لا عادة لها ولا تمييز) (كمن) من هي التي لا عادة لها ولا تمييز؟ المبتدأة قلنا هذه ترد إلى ماذا؟ إلى أول الشهر لكن تجلس غالب الحيض وهنا تجلس العدد الذي علمته فالتشابه أو الحمل هنا على المبتدأة التي لا تمييز لها ولا عادة إنما المراد جزئية معينة وهي ردها إلى أول الشهر شهرها أو أول كل شهر هلالي وأما العدد الذي تجلسه هذه عالمة بعددها وتلك ليس لها عادة حتى ترد إليه (كمن) أي كمبتدأة (لا عادة لها ولا تمييز) فتجلس من أول ابتدائها من أول وقت ابتدائها على ما تقدم يعني ليس مطلقاً، إذاً الحاصل أن المستحاضة المعتادة كم حالة لها؟ إما أن تعلم المستحاضة المعتادة الضابطة لعادتها ترد إلى عادتها ولو كانت مميزة المستحاضة المعتادة العالمة بعادتها يعني بعدده وبوقته ولو كان لها تمييز ترد إلى العادة؛ النوع الثاني مستحاضة معتادة ناسية؛ ناسية لماذا؟ لها ثلاث صور: إما أن تنسى العدد والموضع وإما أن تنسى العدد لا الموضع وإما أن تنسى الموضع لا العدد؛ -حينئذٍ- إذا نسيت الموضع والعدد جلست غالب الحيض ستاً أو سبعاً؛ (كالعالمة بموضعه الناسية لعدده) الصورة الثانية علمت الموضع ونسيت العدد إذاً الناسية للعدد لها صورتان إما أن تنسى الموضع أو لا فتجلس غالب الحيض؛ الصورة الثالثة إن علمت العدد ونسيت الموضع -حينئذٍ- تجلس عادتها المعلومة سبعة أيام عشرة أيام خمسة عشر يوماً لكن تجلسه من أول شهرها إن علمته وإلا من أول كل شهر هلالي؛ ولو في نصفه؟ على المذهب نعم والصحيح أنها تجلس أول النصف، ثم قال المصنف بعض المسائل المتعلقة بما سبق إذا فهمت السابق اتضح باب الحيض (ومن زادت عادتها أو تقدمت أو تأخرت فما تكرر ثلاثاً حيض) هذا ما يسمى بالطوارئ على الحيض؛ المرأة إذا ثبتت عادتها سبعة أيام من كل شهر قد
стр. 281
يطرأ عليه بعض التغيرات إما أن تزيد وإما أن تنقص وإما أن تتغير يعني تكون في أول الشهر فتأتي في أوسطه أو تأتي في الأوسط وتأتي في آخره يتغير محلها على الصحيح متى ما زادت أو نقصت أو تأخرت أو تقدمت فما رأته من دم صالح بأن يكون حيضاً فهو حيض إذاً لا إشكال على القول الراجح لا إشكال تقدمت أو تأخرت زادت أو نقصت المذهب فيه تفصيل؛ إن زادت عادتها يعني عادتها سبعة أيام مستمرة على هذا جاءها شهر ثمانية أيام -حينئذٍ- اليوم الثامن هذا لا بد أن يتكرر ثلاثة أشهر من أجل أن نحكم عليه بأنه حيض أم لا؟ وقبل الثلاثة الأشهر فهو مشكوك فيه تصوم وتصلي إذاً تغتسل مرتين عند نهاية اليوم السابع تغتسل لأن هذه عادتها أصلاًَ واليوم الثامن تصلي وتصوم إذا انقطع اغتسلت مرة ثانية أوجبوا عليها غسلين والشهر الثاني والشهر الثالث الشهر الرابع إن ثبت استقرت عادتها ثمانية أيام يعني حصل عندها تغيير في العدد انتقلت عادتها من سبعة أيام إلى ثمانية أيام -حينئذٍ- ترجع وتقضي الصوم الذي صامته في ذلك اليوم الثامن في الشهر الأول والثاني والثالث وإن طافت لزمها إعادة الطواف إن كان واجباً وعلى الصحيح أنه لو كانت عادها سبعة أيام فزاد معها اليوم الثامن أو التاسع أو العاشر نقول الأيام هذه كلها تعتبر حيضاً تجلس ولا تغتسل عند نهاية السابع فإذا انقطع الدم -حينئذٍ- قال الله تعالى (حتى يطهرن) يعني بانقطاع الدم فجعل انقطاع الدم علامة على الطهر (حتى يطهرن فإذا تطهرن) -حينئذٍ- يأتي الاغتسال، كذلك إن نقصت يعني عادتها سبعة أيام ورأتها بعد ذلك خمسة أيام اليوم السادس والسابع الأصل أنه عادة -حينئذٍ- تترك الصلاة وتترك الصوم حتى يتكرر ثلاثة أشهر يعني تغتسل لنهاية الخامس فإن تكرر ثلاثة أشهر حكمنا على عادتها بأنها صارت خمسة أيام، إن تقدم أو تأخرت بأن جاءتها عادتها على ما هي عليه يعني من اليوم الأول إلى اليوم الخامس ثم في نهاية الشهر قبل عادتها المستقرة جاءها الدم بصفته -حينئذٍ- قالوا تجلس بشرط أن لا يكون أقل الطهر ثلاثة عشر يوماً تجلس وتترك الصلاة ثم تغتسل وتصلي ويتكرر ثلاثة أشهر ثم بعد ذلك نحكم على العادة بأنها تأخرت من أول الشهر إلى آخره والصحيح كما ذكرنا في المسائل كلها أن العبرة بخروج الدم فمتى ما رأته-فحينئذٍ-يكون حيضاً، (ومن زادت عادتها) مثل أن يكون حيضها خمسة من كل شهر فيصير ستة (أو تقدمت) مثل أن تكون عادتها من أول الشهر فتراه في آخره (أو تأخرت) فلا تلتفت إليه حتى يتكرر ثلاثاً في الصور الثلاث عكس التي قبلها (فما تكرر) من ذلك (ثلاثاً) فهو (حيض) ولا تلتفت إلى ما خرج عن العادة قبل تكرره؛ على كل هذا قول مرجوح والصحيح ما ذكرناه، (وما نقص عن العادة طهر وما عاد فيها جلسته) يعني من الأحكام المتعلقة بالعادة (ما نقص عن العادة طهر) يعني عادتها سبعة أيام نعم أنا ذكرت النقصان فيما سبق أخطأت من زادت أو تقدمت أو تأخرت النقصان ذكره في مسألة مستقلة (ما نقص عن عادتها) -حينئذٍ- انقطع الدم متى ما انقطع الدم تعلق به الغسل فوجب الغسل -حينئذٍ- نقول هذا الذي رأته من انقطاع الدم يعتبر طهراً (وما نقص عن العادة طهر) فإن كانت عادتها ستة فانقطع لخمس
стр. 282
اغتسلت عند الخامس وصامت وصلت لأنها تعتبر طاهرة (وما عاد فيها) أي في أيام عادتها كما لو كانت عشر فرأت الدم ستاً ثم انقطع يومين ثم عاد في التاسع والعاشر (جلسته) يعني إذا كان لها عادة محكمة عشرة أيام فجرا الدم معها خمسة أيام ثم انقطع يوماً وليلة أو انقطع يومين وجب عليها أن تغتسل عند نهاية الخامس وتصلي يومين وتصوم إن عاد قبل خروج أيامه نقول هذا الدم يعتبر ملحقاً بالدم الذي قبل الطهر فتجلسه قبل الطهر فتجلسه مرة أخرى هذا واضح بين ولا إشكال فيه (وما عاد فيها) أي في أيام عادتها ولم يجاوز خمسة عشر يوماً لأنه لو جاوز خمسة عشر يوماً عندهم يعتبر استحاضة كما لو كانت عشرة يعني عادتها عشرة أيام فرأت الدم ستاً ثم انقطع يومين ثم عاد في التاسع والعاشر جلسته فيهما لأنه صادف زمن العادة كما لو لم ينقطع، ثم قال رحمه الله تعالى (والصفرة والكدرة في زمن العادة حيض) فتجلسهما وهذا فيه فائدة في قوله في زمن العادة وهو أنه إذا لم تكن الصفرة والكدرة في زمن العادة فلا تجلسهما وهو كذلك (والصفرة) قالوا شيء كالصديد يعلوه صفرة يعني ماء أصفر كماء الجروح تعرفه النساء (والكدرة) كاللون الماء الوسخ الكدر ماء ممزوج بحمرة وليس على لون من ألوان الدماء فإذا رأتهما في زمن العادة فهو حيض تجلسهما يعني لو كانت لها محكمة ستة أيام وما جرا معها الدم وإنما جرا معها صفرة وكدرة ما الحكم؟ هي تقول ما رأيت الدم وإنما رأيت ماء أصفر نقول هذا حيض؛ لماذا؟ لأنه جاء في زمن الحيض فنحكم عليه بأنه حيض قد يلفق بينه وبين الحيض-بين الدم-فيأتيها دم يومين ثم ينقلب فيصير ماء أصفر ولازال في زمن العادة ثم يرجع الدم؛ هل نقول طهرت بين الدمين؟ الجواب لا؛ لماذا؟ لأن الصفرة والكدرة في زمن العادة حيض سواء خرج معها دم أو خرج قبلها أو بعدها أو لم يخرج دم فهي حيض مطلقاً يعني بدون تفصيل يعتبر حيضاً مطلقاً ولو لم تخرج إلا هي فنحكم عليها بأنها حيض وهذا مذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي والأوزاعي وإسحاق وغيرهم، قال ابن رشد [لا خلاف أن الصفرة والكدرة حيض ما لم ترى ذلك عقيب طهرها] يعني إذا طهرت انقطع الدم ثم جاءها الماء الأصفر أو الماء الممزوج بالحمرة نقول هذا لا عبرة به لأن العبرة إنما هي بكونها تراه في زمن العادة فإن رأته قبل العادة ولم يتصل به دم فليس بدم حيض إذا انقطع الدم فاغتسل جف الموضع أو رأت القصة البيضاء ثم رجع إليه الصفرة والكدرة نقول هذا لا عبرة به إذاً فيه تفصيل ولذلك قال المصنف (والصفرة والكدرة في زمن العادة حيض) فتجلسهما لا بعد العادة ولو تكررتا لقول أم عطية (كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيء) رواه أبو داود (كنا) يعني في زمن النبي ﷺ فأقر النبي ﷺ هذا الحكم فدل على أن الصفرة والكدرة تعتبر من الحيض لكن نستثني المبتدأة السابقة لأنها ليس لها حيض مجرد خروج الصفرة والكدرة لا نعتبره حيضاً؛ لماذا؟ لأنها ليست بحائض وإنما إذا استقر حيضها وكانت مميزة -حينئذٍ- ما تصل به فيحكم عليه بأنه حيض ولذلك مفهوم قولها أن الصفرة والكدرة قبل الطهر حيض وهو إجماع والطهر انقطاع الدم فالذي يأتي الحائض عقب انقطاع الحيض هو
стр. 283
الطهر الصحيح وما تراه الحائض من النشاف في أيام الحيض طهرٌ وإن لم ترى معه بياضاً فعليها أن تغتسل وتصلي، والطهر عند الفقهاء له علامتان؛ علامة مجمع عليها وهي القصة التي تسمى القصة البيضاء وهو أمر معلوم عند النساء قَصة بفتح القاف ماء أبيض يتبع الحيض يشبه ماء الجص النورة والجفوف وهي علامة مختلف فيها وهي علامة صحيحة على الصحيح أنها ثابتة وهي المراد بالجفوف أن تدخل الخرقة يعني في محل مخرج الدم فتخرجها جافة ليس عليها شيء من الدم ولا من الصفرة ولا من الكدرة وأما الرطوبات الأخرى فهذه قد تخرج لأن المرأة في الغالب أنها لا يجف الموضع عن الرطوبات، إذاً الصفرة والكدرة في زمن العادة حيض فإن لم يكن في زمن العادة فلا عبرة بها، ثم قال المصنف-كلها أحكام هذه سهلة واضحة- (ومن رأت يوماً دماً ويوماً نقاء فالدم حيض) هذا ما يسمى بالتلفيق يعني يلفق لها عادة ترى يوم دم ويوم طهر اليوم الثالث ترى دم اليوم الرابع طهر وهكذا ننظر في الدماء أولاً ننظر إلى المجموع كله اليوم الذي يبتدأها الدم إلى آخر يوم انقطع انقطع معها الدم إن تجاوز خمسة عشر يوماً -حينئذٍ- هذه مستحاضة لها أحكام المستحاضة إن لم يتجاوز خمسة عشر يوماً بأن رأت سبعة أيام دم وسبعة أيام طهر مفرقة يوم ويوم وبالمجموع كله أربعة عشر يوماً سبعة وسبعة -حينئذٍ- نقول أيام الدم حيض وأيام الطهر طهر يعني ترى الدم فتغتسل وتصلي ثم تجلس يوماً كاملاً طاهرة ثم إذا رجعها الدم فهو حيض تترك الصلاة والصوم وتغتسل وتصلي ثم طهر يوماً كاملاً وهكذا فتجمع لها من هذه الأيام المتفرقة عادة فنقول عادتك كذا (ومن رأت يوماً) أو أقل أو أكثر (دماً ويوماً) أو أقل أو أكثر (نقاء فالدم حيض) وله أحكام الحيض من حيث إيجاب الصوم إن تعلق به لكن دون فعله والصلاة تسقط وغير ذلك من الأحكام السابقة وهذا ما يسمى بالعادة الملفقة حيث بلغ مجموعه أقل الحيض فأكثر، (والنقاء طهر) له أحكام الطهر تغتسل فيه وتصوم وتصلي ويكره وطؤها فيه والصحيح أنه لا يكره مادام أنها صلت حلت كما قال ابن عباس إذا صلت حلت يعني مادام أننا أوجبنا عليها الصلاة هي حلال لزوجها؛ أيهما أعظم؟ الصلاة؛ فإذا جاز لها أن تصلي -حينئذٍ- جاز لزوجها أن يطأها (ما لم يعبر أكثره) أي يجاوز مجموعهما الدم والطهر (أكثره) أي أكثر الحيض فيكون استحاضة يعني نجمع الأيام التي طهرت فيها والأيام التي جاءها فيها الدم إن كان المجموع كله الطهر والحيض لم يتجاوز خمسة عشر يوم فما كان دماً جلسته وما كان طهراً صلت فيه واغتسلت وإن جاوز أكثر الحيض رددناه إلى أحكام المستحاضة، ثم قال مبيناً أحكام المستحاضة (والمستحاضة ونحوها) ممن به سلس البول يعني ممن حدثه دائم ولذلك المسألة التي تذكر في السلس وغيره سلس الريح أو سلس المذي أو غيرهما إنما الأصل فيه هو ما جاء في المستحاضة يعني هو من باب القياس (والمستحاضة ونحوها) كيف تفعل؟ قال (تغسل فرجها وتعصبه وتتوضأ وقت كل صلاة وتصلي فروضاً ونوافل ولا توطأ إلا مع خوف العنت ويستحب غسلها لكل صلاة) أحكام واضحة وكلها صحيحة إلا واحدة (تغسل فرجها) يعني بالماء على الأصل لأن هذا الدم نجس سواء كان حيضاً أو غيره الأصل أنه نجس
стр. 284
لإزالة ما عليه من الخبث (وتعصبه) يعني تشده بعصابة ونحوها يعني بخرقة ويسمى تلجماً واستثفاراً يمنع الخارج حسب الإمكان يعني تجعل شيء إما قطناً في داخل الرحم أو ما يكون مما يحفظ الفرج من خروج شيء من الدم ونحوه وهذه ليس مسألة توقيفية وإنما تختلف من زمن إلى زمن ومن عصر إلى عصر (تغسل فرجها) بالماء (وتعصبه) يعني تشده بخرقة ويسمى تلجماً واستثفاراً عصباً يمنع الخارج حسب الإمكان ويكون ما تعصبه به شيئاً طاهراً كأن تجعل خرقة كالدبان تتلجم بها لقوله ﵊ (أنعت لك الكرسف-يعني القطن-تحشين به المكان) يعني من أجل أن لا يخرج شيء من الدم (قالت: إنه أكثر من ذلك) يعني يدفع القطن القطن لا يكفي في كفه (قال تلجم) وقال لأسماء بنت عميس (اغتسلي واستثفري وأحرمي) استثفري يعني مثل التلجم تجعل خرقة تعصب بها أشبه ما يكون بالحزام يعني ويكون على الفرج تعصبه يعني تشده مثل الحزام هذا قديم والآن الناس تتطورت؛ فإن غلب الدم وقطر بعد ذلك لم تبطل طهارتها يعني إن كان الدم مستمراً معها أشهر وسنين -حينئذٍ- لو خرج شيء بعد عصابته لا يضر؛ هذا متى؟ إذا كان مستمراً وأما إذا لم يكن مستمراً فكل ما انقطع وجب التجديد ولذلك قال المصنف الشارح [ولا يلزم إعادتهما لكل صلاة ما لم يفرط فيه] يعني ما لم تتساهل [ولا يلزم إعادتهما] يعني الغسل غسل الفرج والعصب [لكل صلاة] وهذا متى؟ إذا كان مستمراً في الأشهر والسنين وأما إذا كان ينقطع -حينئذٍ- لا بد من استئنافه، إذاً تغسل الموضع تعصب (وتتوضأ لوقت كل صلاة) يعني لدخول وقت كل صلاة إن خرج شيء هي لا بد لأنها مستحاضة ولكن من باب التعليل فقط (وتصلي) ما شاءت مادام الوقت باقياً حتى الجمع بين الفريضتين سواء كانت ما تصليه (فروضاً أو نوافل) يعني مادام أننا حكمنا عليها بأنها طاهر -حينئذٍ- العبرة بخروج الدم فإذا توضأت وطهارتها طهارة ضرورة -حينئذٍ- صلت ما شاءت من الفروض والنوافل، فإن لم يخرج شيء لم يجب الوضوء على الصحيح من المذهب وإن اعتيدت انقطاعه زمناً يتسع للوضوء والصلاة تعين فعلهما فيه لأنه أمكن الإتيان بها كاملة وهذا يقال فيما يقال فيمن به سلس بول والحكم واحد يعني ينظر فيه إن كان هذا السلس له وقت انقطاع ووقت استمرار يعني يستمر معه في الساعة الأولى من وقت الصلاة -حينئذٍ- هذا لا يحل له أن يصلي في أول الوقت وإنما يتأخر حتى ينقطع فإذا انقطع -حينئذٍ- غسل الموضع وتوضأ وصلى إن كان مستمراً معه أربعاً وعشرين ساعة -حينئذٍ- يضع شيئاً على الموضع المخرج لأن لا يخرج البول ثم توضأ وصلي ما شاء إذا خرج الوقت ودخل الوقت الآخر نقول لا يلزمه إعادة الوضوء؛ لماذا؟ لأن الخارج هو عينه فلما لم يحدث انقطاع للوضوء الأول مع بقائه دل على أن الوضوء الثاني لا فائدة منه ألبته وإنما يبقى على ما هو عليه هذا متى؟ إن استمر به الخارج سواء كان استحاضة أو سلساً أو نحو ذلك واضح إذاً مسألة سلس البول هذا مما يسأل عنها الكثير وكذلك الشأن في الاستحاضة إن كان ينقطع -حينئذٍ- هذا الانقطاع إن بقي في آخر الوقت قدر والوضوء والصلاة تعين عليه التأخير ولا يجوز له أن يتوضأ ويصلي ولا تجب عليه الجماعة بل يصلي في بيته
стр. 285
وحده ولا إشكال فيه لأن الجماعة واجب لغيره والطهارة واجب للصلاة لذاتها فينتظر إلى آخر الوقت مثل يأذن العصر الثلاثة ونصف ينتظر إلى الثالثة فينقطع ثم بعد ذلك يتوضأ ويصلي ولو صلى وحده أما إن كان مستمر معه يدخل الوقت ويخرج والسلس معه -حينئذٍ- يتلجم ويتوضأ ويصلي إذا خرج وقت الظهر وجاء وقت العصر إن كان مستمراً لا يلزمه إعادة الوضوء ولا يلزمه أن يغسل الموضع بل يصلي على ما هو عليه لأن الوضوء السابق منسحب حكمه على الوقت اللاحق وهذا الشأن كذلك في المستحاضة إن كان يستمر معها الدم يوماً كاملاً ثم ينقطع نقول اليوم الذي استمر معها الحكم هكذا وأما إذا انقطع في الليل مثلاً فصلاة المغرب والعشاء لا بد من طهارة مستقلة، (ولا توطأ) يعني المستحاضة (إلا مع خوف العنت) يعني المشقة منه أو منها (ولا توطأ) يعني لا يأتيها زوجها لا تجامع إذا استمر معها شهراً أو سنة أو سنتين قالوا يمنع زوجها من اتيانها وهذا قول ليس عليه دليل مادام أنها صلت حلت كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه والصحيح أنه يجوز لزوجها الوطء وهو مذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية لقوله تعالى (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أن شئتم) (نساؤكم) عام يعني كل طاهرة جاء النص في الحيض (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض) هذا ليس بحيض إذاً لا يحرم على الزوج أن يأتي زوجته المستحاضة (ولا توطأ) الصحيح أنه يجوز له وطؤها (إلا مع خوف العنت) يعني خشي الفجور أو المشقة أو الوقوع في الزنى والعنت أيضاً الوقوع في الأمر الشاق، ثم قال (ويستحب غسلها لكل صلاة) هذا المذهب أنه يستحب وذهب بعض الفقهاء إلى الوجوب وهو قول ضعيف (ويستحب غسلها) أي غسل المستحاضة (لكل صلاة) وليس بواجب وهو مذهب الأئمة الثلاثة أنه لا يجب الغسل عليها إلا عند إدبار الحيض وقيل يجب وهو قول ضعيف لأن النبي ﷺ ماذا؟ لم يأمر أم حبيبة بأن تغتسل لأنه قالت له (استحيضت) يعني سألت النبي ﷺ بأنها استحاضة فأمرها أن تغتسل فكانت تغتسل عند كل صلاة هذا من فهمها وأما أمر النبي ﷺ أمرها عند إدبار الحيض يعني الغسل هذا للحيض فإذا أدبر الحيض سواء كان بالعدد أو التمييز على ما سبق وجب -حينئذٍ- الغسل وما بعد ذلك لا يجب بل يستحب (ويستحب غسلها لكل صلاة) يعني كل ما دخل وقت فرض اغتسلت وتوضأت وليس بواجب عند أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم لأن النبي ﷺ لم يأمرها أن تغتسل لك صلاة وإنما أمرها بالغسل مطلقاً فكانت هي تغتسل لك صلاة بل الواجب الوضوء لكل صلاة عند الجمهور لأمره ﷺ المستحاضة الوضوء عند كل صلاة رواه البخاري والترمذي وغيرهما، ثم قال المصنف (وأكثر مدة النفاس أربعون يوماً) هذا النوع الثالث من أنواع الدماء سبق الحيض والاستحاضة وهذا دم النفاس دم النفاس بكسر النون هو دم ترخيه الرحم للولادة وبعدها يعني الدم الخارج بسبب الولادة ثم قد يخرج قبله بأمارة وقد يخرج معه مع الولد يعني وقد يخرج بعده فأحواله على المذهب ثلاثة؛ قد يخرج قبل الولد بيوم أو يومين لكن بشرط أن يكون معه الألم الذي يسمى بالطلق-وحينئذٍ-الدم
следующие страницы →