والقسم الثاني: من الجدات: من أدلت بمحض ذكور، يعني ذكور خُلّص ليس بينهم إناث، كأم الأب، وأم أبي الأب، وأم أب أب الأب. ذكر لك ثلاثة أنواع انتبه أم الأب هذه وارثة بالإجماع، يعني الإجماع الأئمة الأربعة لا خلاف في أن أم الأب وارثة، واضح؟ [وأم أبي] وكذلك أمهاتها المدليات بمحض الإناث يعني وإن علون أم أم أم أب، أم أم أم الأب ... إلى آخره كلهنّ وارثات بشرط أن لا يكون ثم فاصل بين الإناث بذكرٍ. وأما الثانية وهي أم أبي الأب وهذه ترث عند الأئمة الثلاثة عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد حتى المذهب عندنا ترث خلافًا للمالكية فلا ترث عندهم، أم أبي الأب هذه قلنا: ترث عند الأئمة الثلاثة ولا ترث عند المالكية، ومثلها في ذلك أمهاتها المدليات بإناث خُلّص، هذا النوع الثاني.
الثالث ليس القسم الثاني النوع الثالث في الجدات المذكورات في القسم الثاني: أم أبي أبي الأب هذه ترث عند الشافعية والحنفية، دون المالكية والحنابلة، الحنابلة لا ترث وهكذا بمحض الذكور، يعني كأم أبي أبي أبي أبٍ إذًا القسم الثاني من أدلت بمحض ذكور يعني بذكور خُلّص وذكر الناظم ثلاث أنواع لهذا القسم:
- أم الأب، وترث بإجماع.
- أم أبي الأب ترث عند الثلاثة خلافًا للمالكية.
- أم أبي أبي الأب هذه ترث عند الشافعية والحنفية، دون المالكية والحنابلة.
القسم الثالث من أحوال الجدات: من أدلت بإناث إلى ذكور، يعني إناث والخاتمة بذكور، أي لا بإناث خلص، ولا بذكور خُلص مثل ماذا؟
أم أم أبي انظر أدلت بإناث أم أم إلى ذكور أب، كأم أمي أبي وكأم أم أبي أبٍ وهكذا، أم أم الأب هذه مجمع على إرثها، وأم أم أبي أبٍ هذه وارثة عند غير المالكية يعني عند ثلاثة ترث إلا المالكية.
القسم الرابع: عكس الثالث يعني من أدلت بذكور إلى إناث، أم أبي الأم وهذه هي التي احترز عنها بقوله:
وَكُلُّ مَنْ أَدْلَتْ بِغَيْرِ وَارِثِ ... فَمَا لَهَا حَظٌّ مِنَ الْمَوَارِثِ
يعني جدة فاسدة، ليس لها حظ من الإرث، وهي غير وارثة عندنا كالحنيفة والمالكية والحنابلة، إلا على القول بتوريث ذوي الأرحام.
إذًا هذه أربعة أقسام على ما ذكرناه في اختلاف المذاهب الأربعة، وسيأتي خلاصة المذهب إن شاء الله تعالى.
وَتَسْقُطُ الْبُعْدَى بِذَاتِ الْقُرْبِ ... في الْمَذْهَبِ الأَوْلَى فَقُلْ لِي حَسْبِي
هذا البيت لو جعله فيما يتعلق بقوله:
فَالسُّدْسُ بَيْنَهُنَّ بِالسَّوِيَّةْ ... في الْقِسْمَةِ الْعَادِلَةِ الشَّرْعِيَّةْ
стр. 212
(وَتَسْقُطُ الْبُعْدَى) لأنه هو متعلق به، الجدات إذا كن من جهة واحدة من جهة الأم فقط واجتمعن ليسا في درجة واحدة، إحداهما قربى والثانية بعدى، إذًا البعدى تسقط بالقربى هذا الذي عناه هنا. (وَتَسْقُطُ الْبُعْدَى) يعني من الورثة الجدة (الْبُعْدَى بِذَاتِ الْقُرْبِ)، (وَتَسْقُطُ) من الورثة ... (الْبُعْدَى) هذه صفة لموصوف محذوف أي الجدة البعدى، وتسقط الجدة (الْبُعْدَى بِذَاتِ الْقُرْبِ) يعني بالجدة صاحبة القربي، ذات بمعنى صاحبة، سواءٌ كانتا من جهة الأم كأم أم وأمها إتفاقًا لأنها مُدلية بها بأم الأم فتسقط بها، أو كانتا من جهة الأب والبعدى مدلية بالقربى كأم أب وأمها اتفاقًا أيضًا لأنها أدلت بها فتسقط بها، أو كانتا من جهة الأب والبعدى لا تدلي بالقربى أم الأب وأم أبي الأب على الأصح المنصوص في زوائد الروضة. إذًا:
وَتَسْقُطُ الْبُعْدَى بِذَاتِ الْقُرْبِ ... في الْمَذْهَبِ الأَوْلَى .........
عند الثلاثة لا إشكال فيه اتفاقًا، وإنما في المذهب الأولى يعني الخلاف عند الشافعية، وأما عند الحنابلة قولاً واحدًا أنها تسقط، وكذلك عند المالكية وعند الحنفية، وإنما في المذهب الأولى يعني في القول الأول عند الشافعية لأن في هذه المسألة قولين: تسقط، لا تسقط. والمرجح عندهم أنها تسقط اتفاقًا للثلاثة. إذًا قوله: (في الْمَذْهَبِ الأَوْلَى). يعني في القول الأرجح عند الشافعية، وأما عند الأئمة الثلاثة فمحل وفاق لا خلاف بينهم في أن البعدى تسقط بذات القرب، وهذا فيما إذا كان من جهة واحدة، أن قربى كل جهة تحجب بعداها، هذا الضابط في باب الفرائد، قربى كل جهة تحجب بعدها. وأما الوجه الثاني عندهم أنها لا تحجبها بل يشتركان في السدس، لأنها قال هنا: أنها لا تحجبها أي بعدم إدلائها بها بل يشتركان في السدس. (في الْمَذْهَبِ الأَوْلَى) يعني الأرجح المفتى به في بعض هذه المسائل، وأما في بعضها فاتفاقًا فتسقط البعدى بالقربى اتفاقًا كما قررتُ لك فجريان الخلاف في هذه المسائل باعتبار المجموع لا باعتبار الجميع (فَقُلْ لِيْ حَسْبِيْ) يعني يكفي كأنه استشعر أنه أطال في هذا الباب فيكفي هذه المسائل، فقل: أيها الناظر في هذا النظم (لِيْ حَسْبِيْ) يعني يكفيني ما حصل من ذكر المسائل في أصحاب الفروض أو في الجدات فـ (حسب) اسم فعل بمعنى يكفي، (ففيما ذكرته لي) كفاية للمبتدئ، ولا يقصر عن إفادة المنتهي ومن أراد التبحّر في ذلك فعليه بالكتب المطوّلة:
وَقَد تَّنَاهَتْ قِسْمَةُ الْفُرُوضِ ... مِنْ غَيْرِ إِشْكَالٍ وَلاَ غُمُوضِ
стр. 213
(وَقَد تَّنَاهَتْ) قد للتحقيق (تَّنَاهَتْ) تفاعل هنا ليس على بابه كما أشار الشارح إلى ذلك بقوله: أي انتهت، (تَّنَاهَتْ) يعني بلغت الغاية في النهاية ليس هذا المراد، وإنما المراد أنها انتهت (وَقَد تَّنَاهَتْ قِسْمَةُ الْفُرُوضِ) أي ما يؤخذ منه قسمة الفروض. فالذي انتهى بيان الفروض ومستحقيها لا قسمة الفروض، قسمة الفروض هذا يكون عمليًّا وإنما بيان الفروض وبيان مستحقي الفروض هو الذي انتهى، فمراده (قِسْمَةُ الْفُرُوضِ) أي ما يؤخذ منه (قِسْمَةُ الْفُرُوضِ) وهو معرفة من يرث ومن لا يرث، ومعرفة الفروض وأصحابها ... إلى آخره هذا الذي يكون أصلاً، ثم بعد ذلك تقسم، هذا كم له وهذا كم له؟
إذًا (قِسْمَةُ الْفُرُوضِ) أي ما يؤخذ منه (قِسْمَةُ الْفُرُوضِ) حال كونها (مِنْ غَيْرِ إِشْكَالٍ) يعني من غير التباس، يقال: أشكل الأمر التبس، (وَلاَ غُمُوضِ) هذا لازم لما قبله غمض الشيء والكلام غموضًا خَفِيَ يعني من غير التباس ومن غير خفاء (وَقَد تَّنَاهَتْ قِسْمَةُ الْفُرُوضِ) أي: انتهت (مِنْ غَيْرِ إِشْكَالٍ وَلاَ غُمُوضِ)، وهو كذلك لأن الرحبية من المنظومات الواضحة البيّنة التي لا تحتاج إلى كثرة كلام.
مَن يرث من الجدات عند الحنابلة ثلاثة فقط:
- الأولى: أم الأم وإن علت بمحض الإناث، وقلنا: هذا مجمع على توريثها.
- الثانية: أم الأب كذلك يعني وإن علت بمحض الإناث، وهذه مجمع على توريثها.
- الثالثة: أم أبي الأب.
عند الحنابلة غير هذه الثلاثة لا ترث فقط، وهذا هو ظاهر السنة، أن غير هذه الثلاثة لا يرثن البتة، وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، أما أم أبي أم فإنها من ذوي الأرحام، وكذا كل جدة تُدلي بغير وارث إجماعًا لا ترث، وأما أم أبي أم فإنها من ذوي الأرحام، والخلاف في ذوي الأرحام هذا معلوم، ولا خلاف بين العلماء في توريث أم الأم، وأم الأب، وإنما الخلاف في الثالث فقط وهي أم أبي الأب والصحيح أنها ترث، ودليل الحصر في الثلاثة لماذا حصرنَّ في ثلاثة ما رواه سعيدٌ في سننه عن ابن عيينة عن منصور عن إبراهيم النخعي أن النبي ﷺ ورّث ثلاث جدّات.
قول ثلاث يدل على ماذا؟ على الحصر.
أن النبي ﷺ ورّث ثلاث جدات، ثنتين من قبل الأب، وواحدة من قبل الأم، أم الأم هذه واحدة، أم الأب وأم أبي الأب ثنتين من قبل الأب، وأخرجه [أبو عبيد، والدارقطني] (١) قال في الإرواء: وإسناده صحيح مرسل. وأخرجه البيهقي والمرسل مختلف فيه، لكن عند كثير من الأوائل السلف أنه معمول به قبل وجود فتنة الكذب ونحو ذلك، لكن يؤيده الإجماع الآتي.
стр. 214
وأخرج البيهقي من مرسل الحسن البصري أيضًا قال الحافظ يعني أخرجه البيهقي من مرسل الحسن البصري أيضًا. إذًا من ومرسل إبراهيم النخعي ومن مرسل الحسن البصري أن الوارثات من الجدات ثلاثة. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: وذكر البيهقي عن محمد بن نصر أنه نقل اتفاق الصحابة والتابعين على ذلك. ما هو ذلك؟ أنه لا يرث إلا ثلاث جدات: أم الأم، وأم الأب، وأم أبي الأب، إلا ما روي عن سعد بن أبي وقاص أنه أنكر ذلك ولا يصح إسناده عنه. يعني ما روي عن إنكار سعد بن أبي وقاص لا يثبت عنه البتة، فالمذهب عندنا يرث الجدات الثلاث، وإن علون أمومة السدس. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ولا يرث غير ثلاث جدات، أم الأم، وأم الأب، وأم أبي الأب وإن علون أمومةً وأبوةً إلا المدلية بغير وارث كأم أبي الأم. ووجه الاستدلال من الأثر السابق قوله: ورَّث ثلاث جدات. وقال: كذلك في الأثر: كانوا يورثون ثلاث جدات. فدل على التحديد بثلاث وأنه لا يرث أكثر منهن وأن المدلية بأبٍ بين أمين غير وارثة، من أدلت بأبٍ بين أمَّين يعني بين أنثيين، ذكر بين أنثيين هذه ليست وارثة ونص عليها الناظم:
وَكُلُّ مَنْ أَدْلَتْ بِغَيْرِ وَارِثِ ... فَمَا لَهَا حَظٌّ مِنَ الْمَوَارِثِ
حالات الجدة تلخيصًا لما سبقه، وقلنا: هذا في المذهب.
إن انفردت واحدة من الثلاث أخذت السدس كاملاً بلا نزاع إذًا إذا لم يكن ثَمَّ أم، فإن وُجدت الأم حجبتها، إن انفردت واحدة يعني لم يوجد إلا جدة واحدة ومن الأم أو أم الأب، أو أم أبي الأب حينئذٍ انفردت أخذت السدس، إلا إذا وُجدت الأم بتحجبها، فإن وُجدت الأم حينئذٍ لا ترث، وإن اجتمع اثنتان أو ثلاث فننظر فإما أن يتحاذين بمعنى أن يتساوين في درجة القرب من الميت كأم أم أم، وأم أم أب، وأم أبي أبٍ انظر كلهن في درجة واحدة، ثلاث ثلاث، يعني تعد الدرجة تعرف تعد كم بينهم أم أم أم ثلاث، أم أم أبٍ ثلاث، أم أبي أبٍ تقول: هؤلاء استوين في الدرجة حينئذٍ الحكم يأخذن السدس يشتركن في السدس كاملاً. يعني (فَالسُّدْسُ بَيْنَهُنَّ بِالسَّوِيَّةْ) كما ذكر الناظم أو تساوين في درجة البعد من الميت فالسدس بينهن لخبر قضى للجدتين في الميراث بالسدس، وقس الأكثر منهما عليهما، ولعدم المرجح لإحداهن على الأخرى، ولأنهن ذوات عدد، واستوى كثيرهن وواحدتهن كالزوجات، جاء النص في الزوجة والزوجات مثلهن، فكذلك الجدات إذا كن وارثات فكل واحدة منهن حينئذٍ تستحق تطلب السدس لكن لما لم تكن منفردة حينئذٍ تُشَرَّك مع غيرها، وإن لم يتساوين فمن قربت من الجدات فالسدس لها وحدها مطلقًا، سواء كانت من جهة الأم، أو من جهة الأب لأنهن أمهات يرثن ميراثًا واحدًا من جهة واحدة، فإذا اجتمعن فالميراث لأقربهن كالآباء والأبناء والإخوة، (وَتَسْقُطُ الْبُعْدَى) من كل جهة للقربى، سواء كانت القربى من جهة الأم والبعدى من جهة الأب أو بالعكس.
إذًا هذا هو المذهب دون تفصيل على ما ذكره الناظم رحمه الله تعالى.
ثم قال رحمه الله تعالى بعد أن انتهى من بيان ما يتعلق بالإرث أو النوع الأول وهو الفرض:
وَاعْلَمْ بِأَنَّ الإِرْثَ نَوْعَانِ هُمَا ... فَرْضٌ وَتَعْصِيْبٌ عَلَى مَا قُسِّمَا
стр. 215
بين لك الفرض وأصحابه، ثم انتقل إلى بيان النوع الثاني وهو التعصيب فقال: (بَابُ التَّعْصِيب)
لما أنهى الكلام على الفروض ومستحقيها شرع في بيان العصبات فقال: (بَابُ التَّعْصِيب) أي هذا باب بيان التعصيب، وما يتعلق به من حيث التعريف ومن حيث الأحكام.
التعصيب مصدر عَصَّبَ يُعصِّبُ تَعْصِيبًا لأنه فعَّل، وفعّل كَلَّّمَ يُكَلِّمُ تَكْلِيمًا، عَلَّمَ يُعَلِّمُ تَعْلِيمًا. إذًا التعصيب هذا مصدر، وعَصَّبَ بتشديد الصاد فعَّل يُعَصِّبُ تَعْصِيبًا، تَعْصِيبًا هذا لا حاجة لأن يذكره الشارح لأنه هو المحدث عنه كان الأولى حذفه فهو عاصب، هل اتفقا عَصَّبَ يُعَصِّبُ تَعْصِيبًا فهو عَاصِب؟ يتفق؟ فهو مُعَصِّب [نعم أحسنت] هذا الذي يتفق، لكن عَاصِب هذا مصدر عَصَبَ كضَرَبَ فهو عَاصِب، وإن كان هذا المشهور عن ألسنة الفرضيين، يقولون: عاصب ويقولون باب التعصيب حينئذٍ أخذوا التعصيب من عصّب وأخذوا عاصب، عاصب. ويقولون: باب التعصيب، حينئذٍ أخذوا التعصيب من عصّب، وأخذوا عاصب من عَصَبَ، وهذا لا إشكال فيه. لكن قوله: فهو عاصبٌ قد يوحي أو يشير إلى أنه عاصب اسم فاعل مأخوذ من عَصَّبَ وليس الأمر كذلك، بل هو مُعَصِّب، فهو عاصب بيان لاسم الفاعل وكان حق العبير مُعَصِّب لأنه هو اسم فاعل لعَصَّبَ، وأما عَاصِب فهو اسم فاعل لعَصَبَ كضَرَبَ عَاصِب، مثل قَتَلَ فهو قاتل، وضَرَبَ فهو ضارب عَصَبَ فهو عَاصِب، أما مُكَلِّم ومُعَلِّم ومُعَصِّب هذا لفعّل، يأتي على وزن مُفَعِّل لأنه من غير ثلاثي، كل ما كان ليس أصله ثلاثيًّا حينئذٍ يأتي على مُفْعلْ هذا هو الأصل، ويجمع العاصب على عَصَبَة، عاصب اسم فاعل يُجمع على عَصَبَة هذه يبين لك اصطلاحات الفرضيين، يجمع العَاصِبُ على عَصَبَة مثل طَالِبُ وطَلَبَة، عَاصِب عَصَبَة، والعَصَبَة جمع يجمع كذلك على عَصَبَات، فعصبات جمع الجمع، مثل قَصَبَة وقَصَبَات، وجمع الجمع هذا سماعي ليس قياسيًا، جمع الأول عَصَبَة هذا لا إشكال فيه أنه قياسي، وأما جمع الجمع كله في لسان العرب كله سماعي يعني ليس له ضوابط، بل قيل: بأن جمع التكسير كله سماعي، وقيل بعضه قياسي، ثم اختلفوا فيه على كلام طويل عريض، ويجمع الْعَصَبَة وهو جمع على عَصَبَات كقَصَبَة وقَصَبَات، وعَصَبَات جمع الجمع، ويسمى بالعصبة الواحد وغيره، يقال زيد عصبة والزيدان عصبة والزيدون عصبة، واحد، مثل قولك زيدٌ عدلٌ والزيدان عدل والزيدون عدل هل بينهما فرق؟ نعم بينهما فرق، زيدٌ عدلٌ الزيدان عدلٌ مصدر والمصدر يخبره عن الواحد والاثنين والجمع، وأما عصبة قلنا: هذا جمع فكيف يستوي؟ هذا قد يقال: بأن له استعمالين يعني ثَمَّ تعارض بين ما بدأ به الشارح وبين قوله الأخير، ويسمى بالعصبة الواحد وغيره، يعني يطلق على الواحد عصبة فيقال: زيد عصبة، وعلى الاثنين الزيدان عصبة وعلى الجمع فيقال الزيدون عصبة، كما نقول: زيد عدل والزيدان عدلٌ والزيدون عدلٌ. وظاهر هذا أنه اسم جنس إفرادي، وهذا يخالف قوله ما سبق أنه جمع لعاصب إلا أن يقال: إن فيه استعمالين يستعمل جمعًا، ويستعمل اسم جنس إفرادي.
стр. 216
إذًا ليس هو السابق وإنما هكذا ابتداءً عصبة نوعان: عصبة جمع لعاصب، وعصبة اسم جنس إفرادي. من أجل أن يصح التعبير لأن الذي يخبر به عن الواحد والاثنين والجمع ويستوي اللفظ دون تغيير له بإلحاق علامة التثنية أو إلحاق علامة جمع هو الجنس الإفرادي، وأما الذي يكون جمعًا فلا يصح هذا، إنما نقول: زيد عصبة والزيدان عصبتان والزيدون عصبات. هذا الذي يناسبه، وأما اتحاد اللفظ فحينئذٍ لا بد أن يكون اسم جنس إفرادي.
إذًا عصبة له استعملان جمع وليس بجمع، وهذا لا إشكال فيه مثل فُلك يكون جمعًا ويكون مفردًا، والأمر واضح، وقُفُل ونحوها، قُفُل وقُفل، لا، قُفُل هذا مفرد وقفل جمع ثم يتحدان إذا خُفِّفَ الثاني قُفُل قُفْل يُنْظَر فيه.
والعصبة في اللغة قرابة الرجل لأبيه، العصبة عرفنا أنه اسم لذوات، وقرابة في الأصل أنها مصدر فهي معنىً، حينئذٍ لا يصح الإخبار عن المبتدأ بذي المعنى، أي ذوو قرابة الرجل فلا بد من حذف المضاف، العصبة لغة قرابة الرجل ذوو قرابة الرجل، لا بد من الإتيان بذو وجمعها، أي ذوو قرابة الرجل، فهو على تقدير مضاف ليصح الإخبار به عن العصبة، فإن القرابة معنى من المعاني، والعصبة اسم للذوات فلا يصح الإخبار إلا بتقدير هذا المضاف، ويصح أن تكون القرابة بمعنى الأقارب، وحينئذٍ اتحدا من حيث إطلاقه على الذوات. إذًا القرابة مصدر ولا يصح الإخبار به عن الذوات وهو العصبة، حينئذٍ لا بد من حذف مضاف ذوو قرابة، أو نجعل القرابة هنا ليس المراد بها المصدر وإنما أطلق وأريد بها الأقارب وهم ذوات. قرابة الرجل لأبيه. هذا تقييد احترازًا من قرابة الرجل لأمه لأنه ليس عصبات إنما هو خاص بالرجل، أي دون أمه لضعف قرابتها حيث أدلوا برحم أنثى، وأيضًا في الغالب أنه من قبيلة أخرى منفكة عن الميت. إذًا العصبة في اللغة قرابة الرجل لأبيه سمّو بها يعني سمي أقارب الرجل بالعصبة، لأنهم عصبوا به أي أحاطوا به، فالعصبة حينئذٍ مأخوذة من العصْب بمعنى الإحاطة، وعَصَبَ بمعنى أحاط يتعدّى بالباء، وبمعنى شدّ يتعدى بنفسه، وكل ما استدل حول شيء فقد عصب به أي أحاط به، ومنه العصائب أي العمائم يعني منه، من العصب بمعنى الإحاطة العصائب أي العمائم، سميت بذلك لإحاطتها بالرأس، وقيل: سمو بها يعني بهذا اللفظ أقارب الرجل بالعصبة لتَقَوِّي بعضهم ببعض، يعني بعض الأقارب يتقوى بالبعض الآخر على القديم، من العصب وهو من الشدِّ والمنع، بعضهم يشدّ بعضًا، يقال: عصبت الشيء عصبًا شددته، والرأس بالعمامة شددته، ومنه العصابة يُشَدُّ الرأس بها، وقيل غير ذلك. إذًا لماذا سمو عصبة؟
فيه قولان:
- إما من الإحاطة من عصب بمعنى الإحاطة لأنهم أحاطوا بالميت.
- أو مأخوذ من الشد والمنع.
ومدار هذه المادة وهي العين والصاد والباء على الشدِّ والقوة والإحاطة والمنع، وكلها لا مانع أن يقال: بأنهم سمو عصبة لهذه المعاني.
стр. 217
إذًا عرّف المصنف هنا الشارح العصبة لغة قرابة الرجل لأبيه، أورِدَ على هذا أُعتُرض على هذا التعريف بأن فيه قصورًا لأنه لا يشمل الآباء ولا الأبناء مع أن الإحاطة لا تتم لا بهم، فالأبناء من تحت والآباء من فوق والإخوة وبنوهم والأعمام وبنوهم في الجوانب القريبة والبعيدة، ولذلك قيل: العصبة - تعريف آخر - من يرثُ بلا تقدير. لأن الإرث على نوعين: إرث بالفرض وهو مقدر، وإرث بالتعصيب وهو غير مقدر. وهذان الحدان مذكوران في كتب الفرائض وكل من عرّف التعصيب ففي حده خلل، والأولى أن يُعدّىَ فيقال العصبة أو من يرث بالعصبة ثلاثة أقسام النوع الأول وهم كذا وكذا، والنوع الثاني وهم كذا وكذا ... لذلك قال قائل:
وليس يخلو حدّه من نقد ... فينبغي تعريفه بالعدِّ
فيقال: العصبة بالنفس اثنا عشر، والعصبة بالغير، والعصبة مع الغير، أما محاولة أن تضع له تعريف هذا لا يسلم منه اعتراض.
والعصبة اصطلاحًا:
قال الناظم هنا:
وَحُقَّ أَنْ نَشْرَعَ في التَّعْصِيبِ ... بِكُلِّ قَوْلٍ مُوْجَزٍ مُصِيبِ
هذا تقدمة.
فَكُلُّ مَنْ أَحْرَزَ كُلَّ الْمَالِ ... مِنَ الْقَرَابَاتِ أَوِ الْمَوَالِي
أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ ... فَهْوَ أَخُو الْعُصُوْبَةِ الْمُفَضَّلَةْ
стр. 218
وحَقَّ وحُقّ يجوز فيه الوجهان حَقَّ بالفتح أي وجب صناعةً، وفحَقَّ بفتح الحاء مبنيًّا للفاعل بمعنى وجب، حقّ الشيء يَحِقُّ بالكسر أي وجب، حَقَّ يَحِقُّ من باب ضَرَبَ يَضْرِبُ أي وَجَبَ، وإنما وجب صناعةً أن نشرع في التعصيب لماذا؟ لأن العادة عند الفرضيين جرت بذلك يقسمون الإرث إلى نوعين (وَاعْلَمْ بِأَنَّ الإِرْثَ نَوْعَانِ) ثم يشرعون في الفرض، ثم بعد الانتهاء من الفرض يبدؤون بالتعصيب، حينئذٍ صار الواجب هنا واجب صناعة كما نذكره في مقدمات البسملة وغيرها، وإنما وجب صناعة أن نشرع في التعصيب لأن العادة جرت بذلك بذكر التعصيب بعد ذكر الفروض، ويصح أن يقرأ بضم الحاء مبنيًّا للمفعول لأنه يستعمل متعدِّيًا فيصح بناؤه للمفعول كما في قول النحاة تقدير زيدٌ أبوك عطوفًا أي أُحِقُُّهُ عطوفًا إذًا يجوز فيه الوجهان حَقَّ حُقَّ ولا إشكال فيه. (أَنْ نَشْرَعَ) أن وما دخلت عليه تأويل مصدر فاعل أو نائب فاعل، إذا قيل حُق فهو نائب فاعل، وإذا قيل حَقّ فهو فاعل، أن نشرع ونبدأ في التعصيب، يعني في بيان التعصيب وحينئذٍ يكون حذف المضاف، في بيان ذي التعصيب، يعني أصحاب الإرث بالتعصيب، ولذلك قال الشارح في الإرث به، وعليه ففي النظم توسُع بحذف الجار مع الباء (به) حذفها (بِكُلِّ قَوْلٍ مُوْجَزٍ مُصِيبِ) نشرع بكلّ. إذًا بكل جار ومجرور متعلق بقوله: نشرع، (بِكُلِّ) هل الاستغراق هنا مراد بمعنى أنه لا يترك شيئًا البتة، أو عرفي يعني بالمجموع؟ لا شك أنه الثاني، فحينئذٍ الاستغراق هنا الذي أفادته كلّ استغراق عرفي لأنه بحسب ما تيسر له، وإلا فالاستغراق الحقيقي غير ممكن (بِكُلِّ قَوْلٍ) قول مصدر بمعنى مقول بمعنى اسم المفعول، بكلّ مقول تيسر له، حينئذٍ نجعل الكلية هنا عرفية لا حقيقية، وصف هذا القول بأنه موجَز بفتح الجيم أي موجَز فيه، فهو من باب الحذف والإيصال، ويصح كسر الجيم موجِز على أنه اسم فاعل لكن يكون الإسناد مجازيًّا أي من موجِزٍ قولٍ موجزٍ صاحبه، يعني الصاحب هو الذي يوجِز، وأما موجَز فهو وصف للقول، وموجِز بالكسر فهو وصف للناظم نفسه، والموجَز المراد به المختصر، وهذا بناءً على أنّ الإيجاز والاختصار مترادفان كما سبق في أول النظم. (مُصِيبِ) اسم فاعل من أصاب، وأصله مُصْوِب بوزن مُكْرِم نُقلت حركة الواو للساكن قبلها، ثم قلبت الواو ياء لسكونها إثر كسرة، مُصِيب من الصواب ضد الخطأ، ولذلك قال الشارح: ليس بخطأ.
فَكُلُّ مَنْ أَحْرَزَ كُلَّ الْمَالِ ... مِنَ الْقَرَابَاتِ أَوِ الْمَوَالِي
стр. 219
(فَكُلُّ) يعني إذا أردت بيان العصبة فأقول كل مَن حينئذٍ تكون الفاء فصيحة، فالفاء فاء الفصيحة، ويصح أن تكون استئنافية قاله البيجوري، واعترض إتيانه في التعريف هنا لأنه أراد أن يعرف العصبة اصطلاحًا جاء بكلّ، ومعلوم أن كلّ ليست من [ها] لا تدخل الحدود، لأن الحدود يراد بها الماهية، والماهية تكون في الذهن، وكلّ تكون لضبط الأفراد، وإفراد تكون في الخارج، كيف يعرف ما في الذهن بشيء في الخارج؟! هذا فيه اعتراض، واعترض إتيانه بكلّ لأن التعريف لبيان الماهية وكل للأفراد فلا يصح الإتيان بها في التعريف، فأجيب أنه ضابط لا تعريف. كلّ ما صُدِّر بلفظ كلّ فهو ضابط، وهذا ضابط نفسه. إذًا ضابط كل ما صدر بلفظ كل فهو ضابط، واضح وليس بتعريف، ولذلك يسمى بعض الكتب الكليات وليست من القواعد كما سبق في شرح الفرائد. وأجيب بأنه ضابط لا تعريف، وقيل: التعريف ما بعد كلّ. نعم أجاب بعضهم بأن التعريف ما بعد كلّ. وإنما دخلت عليه للدلالة على أن التعريف محيط بأفراد المعرف، لأنها مفيدة للإحاطة فتدل على أنها لم يخرج عن هذا التعريف شيء من أفراد المعرف. ... (فَكُلُّ مَنْ أَحْرَزَ) كلّ مضاف ومَن مضاف إليه، كلّ مبتدأ أليس كذلك؟ أين خبره؟ [أحسنت] البيت الثاني.
فَكُلُّ مَنْ أَحْرَزَ كُلَّ الْمَالِ ... مِنَ الْقَرَابَاتِ أَوِ الْمَوَالِي
أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ ... .......................
إلى هنا انتقى الحدّ (فَهْوَ أَخُو الْعُصُوْبَةِ الْمُفَضَّلَةْ) الجملة هنا (فَهْوَ أَخُو الْعُصُوْبَةِ الْمُفَضَّلَةْ) حينئذٍ يكون جوابًا للمبتدأ، والفاء واقعة في الخبر (فَكُلُّ مَنْ أَحْرَزَ) أحرز يعني حاز بمعنى جمع، أحرز كلّ المال، وهذا التعريف إنما يصدق على العصبة بالنفس لأنه هو الذي يصدق عليه أنه إذا انفرد جمع كل المال أخذ كل المال، ولذلك قيده الشارح هنا عند الانفراد، فكل من جمع وأحرز وحاز كل المال عند الانفراد عن الفروض يعني لا يكون ثَمَّ صاحب فرض معه، إذا لم يكن من الورثة إلا ابنٌ فقط، نقول: الابن هذا ليس من أصحاب الفروض التي سبقت معنا، حينئذٍ يجوز كل المال نقول: هذا عصبة بالنفس.
بيّن من أحرز من القرابات أو الموالي لأن العصبة نوعان:
- عصبة بنسب.
- وعصبة بسبب
الأول منه القرابات، والثاني الذي هو بسبب الموالي، جمع مولى كما سبق معنا أن المعتِق وكذلك المعتِقة ممن يرث سبب وهو [ها] العتق، ماذا قال في الأسباب؟
.................. ... كُلٌّ يُفِيْدُ رَبَّهُ الْوِرَاثَهْ
وَهْيَ نِكَاحٌ وَوَلاَءٌ وَنَسَبْ ... .......................
ضيعتم .. #٥٩.١٨، نكاح السبب الأول، وولاء هذا السبب الثاني.
стр. 220
إذًا يرث بسبب هو الولاء. إذًا قوله: (مِنَ الْقَرَابَاتِ) هذا بيان لمن أحرز بأنه يرث بالعصبة وهو من القرابات، أو من الموالي يعني بسببه. قوله: (الْقَرَابَاتِ). قيل: ليس بعربي، لأنه جمع قرابة هي في الأصل مصدر، ولا يثنى ولا يجمع، المصدر لا يثنى ولا يجمع، ما يقال: عدلان وعدول هذا الأصل فيه إلا إذا أُوِّل باسم الفاعل، إذا أوّل باسم الفاعل جُمِعَ، إذا أوّل باسم المفعول جُمِعَ، وأما باعتباره مصدر كما هو للدلالة على المعنى فلا يثنى ولا يجمع، حينئذٍ قرابات جمع قرابة، وقلنا: قرابة هذا مصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع كيف جمع؟ قالوا: هذا ليس بعربي. إلا إذا تنوع بأنواع صح جمعها، فحينئذٍ نقول: هذا عربي، وصح تنوعه وصح جمعه. وأجيب: بأن القرابة أنواع فلذلك جمعت. نعم هو هذا، وبأن محل المنع إذا يعني المصدر على مصدرية، و (ما) هنا بمعنى اسم الفاعل فالقرابة بمعنى القريب، والقرابات بمعنى الأقارب، نعم المصدر على معناه يعني بالدلالة على المصدرية لا يثنى ولا يجمع، ولكن إذا ضُمِّن معنى شيء آخر أو فسر أو أوّل بشيء آخر كاسم الفاعل واسم المفعول حينئذٍ جُمع ومنه القرابة، من القرابات جمع قرابة أي الأقارب، لذلك قال الشارح هكذا.
(أَوِ الْمَوَالِي) من المعتِقِين وعصبتهم إجماعًا، وهذا محل إجماع أن العصبة بالنفس قد يكون بنسب وقد يكون بسبب. لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]. بمعنى ماذا؟ ﴿وَهُوَ﴾ يعود على الأخ ﴿يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ قالوا: وغير الأخ كالأخ. يعني من باب القياس. وهذه الآية استدل بها أهل العلم وأجمعوا على مدلولها ولذلك قال: إجماعًا. لقوله تعالى قوله تعالى هذا بيانًا لمستند الإجماع ليس هو دليل آخر من حيث هو، إنما هو جماع لمدلول الآية، فورّث في هذه الآية الأخ جميع ما للأخت ﴿إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ﴾، ﴿إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ﴾ حينئذٍ ورث الأخ كل ما للأخت، وهذا هو حقيقة التعصيب بأنه أحرز كل المال إذا لم يكن ثم وارث ﴿إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ﴾، والابن وابنه والأب والجد أولى من الأخ لقرابته، وقيس عليه بنو الإخوة والأعمام وبنو هم والموالي بجامع التعصيب، وهذا كله مجمع عليه، يعني منهم من نص عليه الدليل، ومنهم من أُلحق بالقياس، ثم القياس مجمع عليه.
إذًا هذا جزء من العصبة بأن من أحرز كل المال من القرابات أو الموالي عند انفراده بمعنى إذا لم يكن ثَمَّ صاحب فرض فهو عاصب:
أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ ... فَهْوَ أَخُو الْعُصُوْبَةِ الْمُفَضَّلَةْ
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 221
عناصر الدرس
* تابع أنواع العصبة وأحوال إرثهن.
* تعداد العصبة بالنفس وأحكامهن.
* حكم اجتماع عاصبين فأكثر.
* جهات العصبة بالنفس.
* العصبة بالغير وعددهن.
* العصبة مع الغير وعددهن.
* العصبة مع النساء.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
شرحنا الدرس الماضي في التعصيب وعرفنا أنه النوع الثاني من أنواع الإرث، ويرث الوارث إما من جهة الفرض، وقد سبق بيان أصحاب الفروض وشروط مستحقيها، ونحو ذلك. وشرع الناظم رحمه الله تعالى في بيان النوع الثاني من أنواع الإرث وهو التعصيب:
وَاعْلَمْ بِأَنَّ الإِرْثَ نَوْعَانِ هُمَا ... فَرْضٌ وَتَعْصِيبٌ عَلَى مَا قُسِّمَا
(بَابُ التَّعْصِيب) عرفنا أنه مصدر .. إلى آخره
ثم قال الناظم:
وَحُقَّ أَنْ نَشْرَعَ في التَّعْصِيبِ ... بِكُلِّ قَوْلٍ مُوجَزٍ مُصِيبِ
ثم عرف التعصيب بأنه.
فَكُلُّ مَنْ أَحْرَزَ كُلَّ الْمَالِ ... مِنَ الْقَرَابَاتِ أَوِ الْمَوَالِي
أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ ... فَهْوَ أَخُو الْعُصُوبَةِ الْمُفَضَّلَةْ
ذكرنا أن التعصيب عرفه في اللغة بأنه قرابة الرجل لأبيه، وعرفه بعضهم من يرث بلا تقدير وكلا التعريفين كغيرها من التعريف فهي منتقدة.
وليس يخلو حده من نقد ... فينبغي تعريفه بالعدّ
وعليه نقول أقسام العصبة، العصبة تنقسم إلى قسمين:
- عصبة بنسب.
- عصبة بسبب. نوعان:
سبب هذا محصور فيه الولاء، يعني السيد المعتِق والمعتِقة.
وأما عصبة بنسب هذه هي التي يندرج تحتها الأنواع الثلاثة عند الفرضيين وهي:
- عصبة بالنفس.
- وعصبة بالغير.
- وعصبة مع الغير.
الناظم رحمه الله تعالى عرّف أو بدأ بالنوع الأول وهو العاصب بنفسه، يعني الذي لا يحتاج إلى واسطة، متى ما وجد حينئذٍ أخذ المال بالتعصيب، كالابن مثلاً حينئذٍ لا يفتقر إلى غيره، فلو هلك هالك عن ابن لا يوجد إلا ابن واحد فقط، حينئذٍ ليس له فرض وإنما يرث بالتعصيب، فكل المال يكون له وهذا الذي عناه بقوله:
فَكُلُّ مَنْ أَحْرَزَ كُلَّ الْمَالِ ... مِنَ الْقَرَابَاتِ ..............
يعني كل من جمع المال إذا انفرد، يعني إذا لم يكن معه صاحب فرض، لأن أحوال العصبة نوعان:
- عصبة منفردة بأنه لا يوجد معه صاحب فرض البتة، فهذا يحرز كل المال إذا لم يكن معه صاحب فرض.
- النوع الثاني: أن يكون معه صاحب فرض. حينئذٍ له حالان: إما أن يبقى شيء بعد أصحاب الفروض حينئذٍ يكون له، وهو الذي عناه بقوله: (أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ).
الحالة الثاثلة من الحالة الثانية: أن ألا يبقى له شيء بعد الفروض. حينئذٍ يسقط ليس له شيء إلا الابن، الابن لا يسقط البتة وإنما يعصب غيره كما سيأتي. إذًا قوله:
(فَكُلُّ مَنْ أَحْرَزَ كُلَّ الْمَالِ). هذا مقيد بكونه عند الإنفراد، والمارد بكونه عند الإنفراد ألا يوجد معه صاحب فرض البتة، يعني لا يوجد من يرث بالنصف أو الثلث أو الثلثين ونحو ذلك فإن وجد حينئذٍ انتقل إلى الحالة الثانية وهي إن بقي له شيء أخذه وإلا سقط إلا الابن (مِنَ الْقَرَابَاتِ أَوِ الْمَوَالِي) عرفنا أن المراد بالقرابات هنا جمع قرابة، والمراد به الأقارب أو من الموالي جمع مولى وهذا يُعَصِّبُ بسبب ليس بنسب، فرق بين النسب والسبب، وسبق أن السيد المعتِق إنما يرث بسبب وهو الولاء:
стр. 222
أَسْبَابُ مِيرَاثِ الْوَرَى ثَلاَثَةْ ... كُلٌّ يُفِيْدُ رَبَّهُ الْوِرَاثَةْ
وَهْيَ نِكَاحٌ وَوَلاَءٌ وَنَسَبْ ... ...............................
هذه ثلاثة أسباب لا إرث.
وَهْيَ نِكَاحٌ وَوَلاَءٌ وَنَسَبْ ... مَا بَعْدَهُنَّ لِلْمَوَارِيْثِ سَبَبْ
يعني ما بعد هن من الأسباب المتفق عليها، وإلا ثَمّ أسباب مختلف فيها. إذًا (مِنَ الْقَرَابَاتِ أَوِ الْمَوَالِي) أشار إلى نوعين بنسب أو سبب وعرفنا دليله فيما سبق (أَوْ [كَانَ مَا] يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ) هذا ما يتعلق بالعاصب بنفسه (أَوْ كَانَ) أو عطف على أحرز فالمعنى حينئذٍ أو لم يحرز كل المال بل (كَانَ مَا يَفْضُلُ) إما أن يحرز كل المال يجمع كل المال وذلك عند الإنفراد (أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ) يعني إن معه كان صاحب فرض وبقي شيء آخذه حينئذٍ يكون عاصبًا بنفسه، (أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ) يفضل يقال فضل الشيء فضلاً زاد على الحاجة وبقي يعني أو كان ما يبقى (بَعْدَ الْفَرْضِ) يعني بعد جنسه، والمراد بالفرض الفرائض لأنه قد يكون صاحب فرض، قد يكون اثنين، قد يكون متعددين، ولذلك قال الشارح: الشامل للواحد وما زاد عليه لأن (أل) هنا للجنس للجنسية حينئذٍ يصدق بالواحد وبالمتعدِّد (لَهْ) هذا يعود على من (فَكُلُّ مَنْ أَحْرَزَ كُلَّ الْمَالِ)، (أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ) يعني للعاصب بنفسه.
أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ ... فَهْوَ أَخُو الْعُصُوبَةِ الْمُفَضَّلَةْ
(فَهْوَ) هذا راجع لكل، كل من أحرز (أَخُو الْعُصُوبَةِ) أي ملازمها والمتصف بها كما في قولهم أخو الحِلْم يعني صاحب الحِلْم والملازم والمتصف بالحلم، وكذلك شأن الأخ يصاحب أخاه ويلازمه. إذًا (فَهْوَ) نقول الضمير هنا راجع لقوله: (فَكُلُّ مَنْ أَحْرَزَ). (فَهْوَ أَخُو الْعُصُوبَةِ) يعني صاحبها صاحب العصوبة، أي نوع من العصبة؟ نقول: العصوبة بنفسه، العاصب بنفسه وفي اصطلاح الفرضيين العاصب إذا أطلق انصرف إلى العاصب بنفسه، ولا يدخل معه لا بالغير ولا مع الغير (فَهْوَ أَخُو الْعُصُوبَةِ) بالنفس، والمراد بالبيت العصوبة بالنفس أي بنفسه لا بغيره ولا مع غيره لأن الحكم الأول وهو إحراز كل المال عند الإنفراد مخصوص بالعصبة بالنفس، لأنه يرد السؤال لماذا قلنا فهو أخو العصوبة يعني بنفسه؟ لماذا لا يكون بغيره ومعه؟ نقول الحكم الأول وهو قوله: (فَكُلُّ مَنْ أَحْرَزَ كُلَّ الْمَالِ). هذا لا يكون في العصبة بالغير ولا العصبة مع الغير، فدل على أن هذا الحكم خاص بالعصبة بالنفس، لأن الحكم الأول وهو إحراز كل المال عند الإنفراد مخصوص بالعصبة بالنفس، (أَخُو الْعُصُوبَةِ)، بالنفس (الْمُفَضَّلَةْ) مُفَضَّلَة مُفَعَّلَة أي التي فضّلها الفرضيون على غيرها من أنواع العصوبة أو المفضلة على الفرض لأن بعضهم يرى كما سبق أيهما أقوى هل الفرض أم التعصيب؟ ذكرنا الخلاف فيما سبق:
أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ ... فَهْوَ أَخُو الْعُصُوبَةِ الْمُفَضَّلَةْ
стр. 223
إذًا عرّف لنا الناظم العاصب أو العصبة بالنفس بأنه ما اشتمل على حكمين أو من وجد فيه أمران، أولاً يعني ضابطه متى نحكم عليه بأنه عاصب بنفسه؟
إذا أحرز كل المال عند عدم وجود صاحب فرض. ثُمَّ إن وجد صاحب فرض وبقي شيء أخذه هذا العاصب، حينئذٍ يكون قد ذكر حكمين من أحكام العصبة بالنفس، بقي واحد سيأتي نصه.
الدليل على ذلك قوله: ﷺ «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر». وهذا مجمع عليه، ولذلك قال الشارح إجماعًا لقوله، دليل الحكم المستفاد مما تقدم وهو كونه يحرز كل المال عند الإنفراد أو كونه يأخذ ما فضل بعد الفروض، وسنده قوله ﷺ : «ألحقوا». هذا أمر والأمر للوجوب «ألحقوا الفرائض». يعني جنس الفرائض السدس والنصف والثلث والثلثين «بأهلها». يعني بأصحابها مع استيفاء الشروط السابقة «فما بقي». يعني بعد الفرض إن زاد شيء «فهو لأولى رجل ذكر». لأولى يعني لأقرب رجل حينئذٍ التقسيم هنا «فما بقي فهو». هذا دليل على أن القسمة ثنائية صاحب فرض، ثم من يأخذ ما بقي بعد أصحاب الفروض، وهذا النوع الثاني هو التعصيب «فهو لأولى رجل». أي لأقرب رجل فالمراد بالأولى الأقرب لا الأحق لأنه لو قال: «فهو لأولى رجل». يعني: أحق رجل من الذي يحدد؟ أحق قد يصدق على البعيد قد يصدق على القريب من الذي يميز؟ ولم يأت شيء من الشرع ولذلك يفسر قوله: «فهو لأولى». يعني لأقرب وهذا متميز إذا اجتمع قريب وبعيد حينئذٍ النص دل على أنه يعطى القريب، فالمراد «بالأولى». الأقرب لا الأحق إذ لو كان بمعنى الأحق لخلا من الفائدة أو عن الفائدة، لأنا لا ندري من هو الأحق بخلاف الأقرب فإنه معروف، والتقييد بالرجل هنا للأغلب وإلا فالمعتِقة عصبة:
وَلَيْسَ في النِّسَاءِ طُرًّا عَصَبَهْ ... إِلا الَّتِي مَنَّتْ بِعِتْقِ الرَّقَبَةْ
стр. 224
إذًا يوجد التعصيب في النساء وهو خاص بالمعتقة، إذًا قوله ﷺ : «رجل». أخرج المرأة، والمعتِقة؟ نقول: هنا ذكر من باب الأغلب، فحينئذٍ ما ذُكر من باب الأغلب لا حكم له لا مفهوم له ليس له مفهوم، فليس تعليق الحكم بالرجل هنا للإخراج فالأنثى حينئذٍ لا تكون معصبة البتة، نقول: الأنثى تكون معصبة بالإجماع كالمعتِقة، بل هو خاص بالمعتقة وحينئذٍ يكون قوله: «رجل». هنا لا مفهوم له، فالتقييد بالرجل للأغلب وإلا فالمعتقة عصبة. قوله: «فهو لأولى رجل ذكر». ذكر هذا بدل من قوله رجل، لماذا ذكره؟ لأن الرجل في الأصل إنما يكون في مقابلة المرأة البالغة أو يطلق على الذكر البالغ من بني آدم، حينئذٍ أيهما أخص وأيهما أعم؟ رجل أمر ذكر؟ الذكر أعم لأنه يشمل البالغ ومن هو دونه، لو قال: «فهو لأولى رجل». أختص الحكم بماذا؟ بالبالغ دون من هو دونه، لكن لما فهم أو قد يفهم ويتوهم هذا الحكم بأن الحكم خاصٍ بالبالغ حينئذٍ أردفه النبي ﷺ بقوله: «ذكر». حينئذٍ يكون عامًا (فَهْوَ أَخُو الْعُصُوبَةِ) بالنفس (الْمُفَضَّلَةْ) على غيرها من أنواع العصوبة وعلى الفرض كما اختار هو. قال الشارح: وهذا تعريف للعاصب بالحكم، والتعريف بالحكم دوريٌ كما هو معلوم عند العقلاء. يعني قوله: (مَنْ أَحْرَزَ كُلَّ الْمَالِ). (أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ) هذا حكمٌ حكم العاصب وليس هو العاصب، ونحن نريد معرفة العاصب، والتعريف بالحكم يلزم منه الدور كما يقول هناك النحاة الفاعل هو الاسم المرفوع، ما هو الاسم المرفوع؟ هو الفاعل نقول: حينئذٍ إذا إدخال للحكم في الحد:
وعندهم من جملة المردود ... أن تدخل الأحكام في الحدود
على كلٍّ هذا المقام مقام تعريف للشرع حينئذٍ لا تنطبق الحدود التي يذكرها المنطقيون على مثل هذه المواضع، فكل ما يسّر وذكر فيه أحكام وفُهِم منه المراد بأن العاصب هو كذا وكذا حينئذٍ استوفى الحد ولا تقف مع هذه التنطعات، وهذا تعريف للعاصب بالحكم والعاصب إذا أطلق كما ذكرنا المراد به العاصب بنفسه. بالحكم الذي هو إحراز كل المال عند الإنفراد وكون ما يفضل بعد الفرض له والتعريف بالحكم دوري كما هو معلوم عند العقلاء، يعني: المناطقة.
وأجيب بأنه تعريف لفظي فهو لمن يعرف الحكم ويجهل التسمية بلفظ عاصب يعرف الحكم ولكن يجهل التسمية بكونه عاصب يعني يعرف أن زيد ابن وإذا لم يكن معه فرض فحينئذٍ أخذ كل المال، يعرف الحكم لكن ما يدري أنه يرث بالتعصيب وأن هذا عاصب، على كلٍّ فيه بعد، وأحكام العاصب بنفسه ثلاثًا ذكر الناظم منها اثنين:
الأول: أنه إذا انفرد حاز جميع المال.
والثاني: إذا اجتمع مع أصحاب الفروض أخذ ما أبقت الفروض.
وترك الثالث وهو أنه إذا لم يبق شيء سقط وهذا معلوم من قوله: (أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ). يعني: له ما يفضل بعد الفرض إذا لم يبق شيء ليس له شيء، إذًا الحكم الثالث داخل في الحكم الثاني فهو معلوم منه.
стр. 225
والحكم الثالث وهو أنه إذا استغرقت الفروض التركة سقطت إلا الإخوة الأشقاء في المشركة وهذا استثناء بحسب الظاهر وإلا فالأشقاء في المشركة كما سيأتي انتقلوا للفرض فليسوا حينئذٍ عصبة، وإلا لأخت في الأكدرية، والأكدرية هذه ستأتي إن شاء الله بعد باب الجد والإخوة وكذلك ليست هي عاصبة بالنفس وإنما هي عاصبة بالغير، لأن الجد يكون معها. وهاتان المسألتان ستأتيان. وإنما ترك المصنف هذا الثالث للعلم به من الثاني ما هو الثاني؟ يعني من مفهومه قوله: (أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ). إذًا ترك الحكم الثالث لأنه مفهوم من الحكم الثاني أي من مفهومه فإنه قال: ... (أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ). ويفهم منه أنه إذا لم يفضل بعد الفرض شيء سقط وهذا واضح بين، والعاصب بغيره النوع الثاني، والعاصب مع غيره في النوع الثالث من العصبة كالعاصب بالنفس في هذه الأحكام، يعني إذا انفرد أخذ كل المال، وإذا بقي شيء مع أصحاب الفرائض أخذ الباقي، وإذا لم يبق شيء سقط هكذا يقول. ومع غيره كالعاصب بالنفس في هذه الأحكام.
استثنى الحكم الأول وهو أنه إذا انفرد أخذ كل المال لماذا؟
لأن العاصب بالغير لا بد من التعدّد، عاصب بالغير، عاصب مع الغير إذًا لابد من التعدد، لا يتصور فيه الإنفراد، وأما العاصب بالنفس فهذا يتصور فيه الإنفراد، كالجد لوحده، والابن لوحده، والأخ الشقيق وابن الأخ الشقيق لوحده، حينئذٍ يتصور فيه الإنفراد، وأما العاصب بالغير الباء للإلصاق والعاصب مع الغير مع هنا للمعية فلا بد من وجود شخص آخر يعصبه، ولذلك قال هنا: كالعاصب بالنفس في هذه الأحكام إلا الحكم الأول. قال زكريا الأنصاري: وفي كون الحكم الثاني يشترك فيه أقسام العصبة نظر، لأن العاصب بغيره لا يأخذ الباقي وحده لأنه يقول: (أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ) يعني يأخذ أصحاب الفرائض حقوقهم، وما بقي آخذه، هل العاصب بالغير يأخذ الباقي كله أو جزء الباقي؟
جزء الباقي، وكذلك العاصب مع الغير هل يأخذ كل الباقي أو جزء الباقي؟ جزء الباقي.
إذًا كيف يقال بأنه يأخذ كل الباقي، وهذا فيه تأويل يعني من باب إطلاق الكل مرادًا به الجزء. واعترضه زكريا الأنصاري كما أورده البيجوري هنا وفي كون الحكم الثاني يشترك فيه أقسام العصبة نظر لأن العاصب بغيره لا يأخذ الباقي وحده، بل مع العاصب بنفسه، ويمكن تصحيح ذلك بتأويل، يعني لا بد من التأويل. قال الباجوري: أي بأن يقال المراد أنه يأخذ الباقي وحده ولو في الجملة، فإن العاصب بغيره يأخذ جزاءً من الباقي. على كلٍّ هما مشتركان في الباقي، والمراد الباقي الذي له حق فيه، حينئذٍ سواء كله أو كان جزءًا منه. كلا العبارتين متقاربتان. ثم شرع الناظم رحمه الله تعالى في تعداد العصبة بالنفس، والعصبة بالنفس لا يكون إلا من الذكور كما أن الشأن في العصبة بالغير والعصبة مع الغير لا يكنّ إلا إناثًا، إذًا عرفنا أن العصبة بالنسب ثلاثة أقسام:
- عصبة بالنفس.
- وعصبة بالغير.
- وعصبة مع الغير.
стр. 226
العصبة بالنفس تعدادهم أولى من التعريف، وإنما نعددهم نقول: هو الابن، وابنه .. إلى آخره، ثم نقول: وأحكام العاصب بالنفس ثلاثًا. وهذا أولى ما يقال في هذا المقام، لأن كما ذكرنا المقام مقام بيان أحكام الشرعية، وأما التعريف وما ينتقد به من التعريفات السابقة فهذا شأنه الطرح، العصبة بالنفس مَنْ هُم؟
هم المجمع على إرثهم من الرجال إلا الزوج والأخ من الأم، الزوج صاحب فرض، والأخ من الأم صاحب فرض. إذًا لا يكون الزوج معصبًا، ولا يكون الأخ من الأم معصبًا. إذًا من عداهم قد يكون صاحب فرض ويكون معصبًا، وقد لا يكون إلا معصبًا، وقد سبق معنا أقسام الورثة باعتبار التعصيب وعدمه، قلنا: أربعة:
- منهم من قد ينفرد بالفرض ولا يكون معصبًا.
- ومنهم من يكون معصبًا دون فرض.
- ومنهم من يكون تارة يرث بالفرض وتارة بالتعصيب ويجمع بينهما، كالأب والجد، وتارة لا يجمع بينهما، فالأقسام حينئذٍ تكون أربعة، خرج الزوج والأخ من الأم بقي ماذا؟ بقي ثلاثة عشر، أليس كذلك؟
وَالْوَارِثُوْنَ مِنَ الرِّجَالِ عَشَرَةْ ... أَسْمَاؤُهُمْ مَعْرُوفَةٌ مُشْتَهِرَةْ
قلنا: أسماؤهم عشرة بالإجمال، وخمسة عشر بالبسط، أخرج الزوج والأخ للأم، بقي ثلاثة عشر وهم: الابن: وابن الابن وإن نزلا، والأب، والجد من قبل الأب وإن علا والأخ الشقيق، والأخ لأب، وابن الأخ الشقيق وإن نزل، وابن الأخ لأب وإن نزل، والعم الشقيق، والعم لأب وإن علو، وابن العم الشقيق، وابن العم لأب وإن نزل، وذو الولاء. فجملة الذكور هؤلاء.
أحكام العصبة بالنفس ثلاثة:
الأول: على ما ذكرناه سابقًا، أن من انفرد منهم حاز جميع المال لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]. فورَّث في هذه الآية الأخ جمع مال الأخت ﴿وَهُوَ﴾ أي الأخ ﴿يَرِثُهَا﴾ يعني الأخت ورثه كل المال، ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ والابن وابنه والأب والجد أولى من الأخ لقربهم، وقيس عليه بنو الأخوة والأعمام وبنوهم والموالي بجامع التعصيب.
- على كلٍّ هؤلاء الثلاثة عشر مجمع على أنهم معصبون بالنفس، والحديث السابق «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر». قال فلأقرب رجل، فالمراد بالأولى الأقرب، والتقييد بالرجل للأغلب وإلا فالمعتقة عصبة، وقوله: «ذكر». بدل من رجل، وفائدته أن الرجل يطلق في مقابلة المرأة وفي مقابلة الصبي، قيل «ذكر». إشارة إلى أنه في مقابلة المرأة فالمراد به الذكر لا البالغ، إذًا «رجل». ليس له مفهوم فهو مبين للمراد، وظاهر الحديث اشتراط الذكورة في العصبة المستحقة للباقي يعني قوله: «فهو لأولى رجل ذكر». والمرأة نقول: ليست بداخلة. والصواب أنه لا مفهوم له، قيل كما أجاب البيجوري هناك: أن عموم هذا المفهوم مخصوص بالنص والإجماع الدالين على أن العصبة بالغير ومع الغير تستحق الباقي، فحينئذٍ لا يكون خاصًا بالمعتٍق كما ذكرت بل داخل فيه العصبة بالغير والعصبة مع الغير.
الحكم الثالث: أنه إذا استغرق الفروض يعني أصحاب الفروض التركة سقط إلا الأخوة الأشقاء في الْمُشَرَّكة وإلا الأخت الواحدة لغير أم في الأكدرية.
شرع الناظم في عدّهم ولكن لم يستوف ما ذكر لأنه أراد التمثيل، قال:
стр. 227
كَالأَبِ وَالْجَدِّ وَجَدِّ الْجَدِّ ... وَالاِبْنِ عِنْدَ قُرْبِهِ وَالْبُعْدِ
(كَالأَبِ) الكاف التمثيل لأنه لم يستوف لم يستقص، بل ذكر بعضًا وترك آخرين، (كَالأَبِ) واضح أنه مُعَصّب هو يرث بالفرض ويرث بالتعصيب، (وَالْجَدِّ) أب الأب وجد الأب، يعني أبي أبي الأب، وجد الجد وهو أبو أبي أبي الأب وإن علا (وَالاِبْنِ) كذلك ابنه لأنه قال: (عِنْدَ قُرْبِهِ) يعني بلا واسطة، وهو الابن الصلب الابن فقط (وَالْبُعْدِ) يعني وعند بعده يعني وإن نزل ابن ابن الابن حينئذٍ يكون معصِّبًا، فالابن وإن نزل فهو من العصبات، (وَالاِبْنِ عِنْدَ قُرْبِهِ) الابن أخره هنا عن الأب والجد مع كونه أقوى سيأتي في الجهات أن البنوة مقدمة على الأبوة، وهنا أخر الابن لماذا؟ لأنه قيل: بأنه ليس بعصبة، يعني مختلف فيه، وهذا الخلاف ضعيف لا يلتفت إليه، (وَالاِبْنِ) وأخره عن الأب والجد مع أنه أقوى منهما لأنه قيل إنه ليس بعاصب. (عِنْدَ قُرْبِهِ) يعني من الميت، يعني قرب الابن من الميت وهو الابن الصلب يعني الابن فقط ابن الميت، (وَالْبُعْدِ) وهو ابن الابن بعده يعني بعده عن الميت، وهو ابن الابن وإن سفل بمحض الذكور فخرج ابن بنت الابن كما تقدم.
قال هنا:
كَالأَبِ وَالْجَدِّ وَجَدِّ الْجَدِّ ... وَالاِبْنِ عِنْدَ قُرْبِهِ وَالْبُعْدِ
ثم قال:
وَالأَخِ وَابْنِ الأَخِ وَالأَعْمَامِ ... وَالسَّيِّدِ الْمُعْتِقِ ذِي الإِنْعَامِ
стр. 228
(وَالأَخِ) أطلقه الناظم فحينئذٍ هل يشمل الأخ لأم؟ نقول: لا، لماذا؟ لأنه مقيد بما سبق، لأنه ذكر الأخ لأم من الورثة للسدس، أليس كذلك؟ (وَوَلَدُ الأُمِّ يَنَالُ السُّدْسَا) إذًا هو من أصحاب الفروض، وهنا ذكر أصحاب العصبات يعني الذين يعصبون بأنفسهم إذًا يكون ذاك مقيدًا لما ذكر هنا، فحينئذٍ يختص الأخ هنا بالأخ الشقيق، والأخ لأب دون الأخ لأم، (وَالأَخِ) أطلقه الناظم لكن أراد به الأخ الشقيق أو لأب بقرينة ذكره الأخ لأم في أصحاب الفروض. (وَابْنِ الأَخِ) كذلك أطلقه الناظم لكنه مقيد بما ذكره سابقًا كذلك فابن الأخ حينئذٍ يقيد بالأخ الشقيق والأخ لأب. ابن الأخ الشقيق وابن الأخ لأب، (وَالأَعْمَامِ) وأما ابن الأخ لأم فهو من ذوي الأرحام [أحسنت] (وَالأَعْمَامِ) يقال فيه ما تقدم يعني أطلقه لكنه مقيد بالأعمام لأبوين أو لأب، لا لأم لأن الأعمام لأم وهم إخوة أبيه هؤلاء من ذوي الأرحام [نعم أحسنت]. قال: وكأعمام الميت أعمام أبيه وأعمام جده (وَالسَّيِّدِ الْمُعْتِقِ) المراد به ما يشمل السيدة المعتقة (وَالسَّيِّدِ الْمُعْتِقِ ذِي الإِنْعَامِ) يعني صاحب الإنعام، المراد بالإنعام هنا العتق. ولذلك ذكرناه فيما سبق (وَهَكَذَا بَنُوْهُمُ جَمِيعَا) أي ومثل هذا المذكور السابق في كون من ذُكِر من العصبات بالنفس (بَنُوْهُمُ) بإشباع الميم (جَمِيعَا) أي حال كون بنيهم جميعًا، فهو حال في اللفظ لكنه توكيد في المعنى، كأنه قال: بنوهم أجمعون. ولا يستدعي أن يكون المراد مجتمعين بنوهم أجمعون [بالرفع] حينئذٍ لا بد أن يكونوا مجتمعين؟ أو يشمل النوعين مجتمعين ومنفردين؟ لا، لا يستدعي أن يكون المراد مجتمعين، لأن كل واحد عصبة عند انفراده وكذا عند اجتماعه مع غيره ولو حجب به، لأن كلامنا في مجرد تسمية العصبة.
إذًا قوله: (بَنُوْهُمُ جَمِيعَا). أي: أجمعون، هل يستدعي ذلك أن يكونوا مجتمعين من أجل أن يكونوا عصبة أو لو كانوا منفردين؟ ولو كانوا منفردين.
إذًا قوله: (جَمِيعَا). هذا حال لكنه في معنى التوكيد (فَكُنْ لِمَا أَذْكُرُهُ سَمِيعَا)، (فَكُنْ) الفاء فاء الفصيحة يعني إذا علمت ما ذكرته لك (فَكُنْ لِمَا أَذْكُرُهُ) من الأحكام السابقة (سَمِيعَا) سميعًا فعيل بمعنى فاعل أي سامعًا لكن السمع هنا مقيد ليس مجرد وصول المعلومة إلى الأذن فحسب. وإنما لا بد أن يكون سمع تفهم وإذعان وقبول.
إذًا ذكر في هذه الأبيات الثلاثة بعضًا مما يكون عصبة بالنفس، ولا يعترض عليه بأنه ترك شيئًا لأنه أراد التمثيل، وإن كان الأولى للاستيعاب، لكن من تركه حينئذٍ هو داخل في قوله: (فَكُلُّ مَنْ أَحْرَزَ كُلَّ الْمَالِ) ... إلى قوله: (أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ). فينطبق عليه الحد أو الضابط السابق، فحينئذٍ يكون عصبة بنفسه، فإما أن يعرف بالحد أو الحكم، وإما أن يعرف بعده وذكر بنفسه وهذا واضح بَيِّن.
стр. 229
قال هنا: (وَهَكَذَا بَنُوهُمُ جَمِيعَا) أي بنو الأعمام وبنو المعتِقين وإن نزلوا بمحض الذكور. قال المرديني في شرح ((المنظومة)): وفيه نوع تصور حيث اقتصر على ابن المعتِق وسكت عن باقي عصبته المتعصبين بأنفسهم. إذا قال: (وَهَكَذَا بَنُوهُمُ). أي: ما ذكر السابق وذكر سيد المعتق، إذًا ابن المعتق، طيب عصبته المعصبون بأنفسهم؟ هل هم داخلون أم هو خاص بابن المعتق فقط؟ قال فيه: الظاهر أنه خاص بابن المعتق. وليس لأمر كذلك ففيه قصور. قلنا: لا، ليس فيه قصور، لماذا؟ لأن المصنف لم يقصد الاستيعاب، وإنما ذكر بعضًا وترك آخرين، حينئذٍ لا اعتراض. قال الشارح: ويمكن الجواب عنه بأنهم دخلوا في قوله سابقًا (أَوِ الْمَوَالِي). نعم قد يقال، لكن الأولى من هذا أن يقال بأن الكاف في قوله: (كَالأَبِ). للتمثيل ليس استقصائية وإنما هي تمثيلية فلا اعتراض على الناظم رحمه الله تعالى.
ثم قال:
وَمَا لِذِي الْبُعْدَى مَعَ الْقَرِيبِ ... في الإِرْثِ مِنْ حَظٍّ وَلاَ نَصِيبِ
إذًا عرفنا العصبة بالنفس وعرفنا أحكامهم الثلاثة، قال هنا: ثم أعلم أنه إذا اجتمع عاصبان فأكثر فتارة يستويان، إذا لم يكن إلا عاصب واحد واضح حكمه واضح، إما أنه يأخذ كل المال، أو يأخذ ما بقي بعد الفروض، ولكن الإشكال يبقى متى؟ يبقى إذا اجتمع عندنا عاصبان فأكثر، ثم أعلم أنه إذا اجتمع عاصبان فأكثر فتارة يستويا أو يستوون إذا كانوا جماعة ثلاثة فأكثر في الجهة والدرجة والقوة، الجهة جهات العصبة بالنفس عند الحنابلة ست جهات:
الأولى: البنوة على الترتيب، يعني المقدم يُسقط الذي يليه، البنوة أولاً، ثم الأبوة، ثم الجدودة مع الإخوة، ثم بنو الإخوة، ثم العمومة، ثم الولاء، المتقدم يُسقط ما بعده، فلو وجد ابن مع أب الابن يحجب الأب على الأصل وسيأتي، لو وجد أب مع جدٍّ حجبه، كذلك إخوة مع بني الإخوة، بنو الإخوة مع العم، العم مع ذي الولاء، حينئذٍ كل متقدم يحجب ما بعده، فتحفظ هذه الجهات لأنها تفيد في الإسقاط، وباب الحجب مبني على هذه الجهات، هذا عند الحنابلة ست فقط، وعند المالكية والشافعية سبع جهات هي ما سبق نفسها لكن يزيدون السابعة بيت المال، وعند أبي حنيفة خمس جهات فقط البنوة، ثم الأبوة، ثم الأخوة، ثم العمومة، ثم الولاء. بإدخال الجد وإن علا في الأبوة، وإدخال بني الأخوة وإن نزلوا بمحض الذكور في الأخوة. إذًا على مذهب الحنابلة الجهات ست بإسقاط بيت المال فلا اعتبار له. قال: إذا اجتمع عاصبان فأكثر فتارة يستويان أو يستوون في جهة كل منهما ابن، أو كلِّ مهما جد، أو كل إخوة .. إلى آخره.
والدرجة المراد بالدرجة القرب من الميت، والقوة المراد بالقوة هنا ما كان ذا قرابتين يعني من جهتين كالأخ الشقيق فهو أقوى من الأخ لأب لأن الأخ لأب هذا قريب للميت لكنه من جهة واحدة فهو أضعف، وكذلك الأخ الشقيق من جهتين فهو أقوى، إذًا علاقة هذا الوارث العاصب بالميت من كونه من جهة واحدة أو من جهتين هو المراد بالقوة، فيشتركان أو يشتركون في المال إذا كانوا مستوين في هذه الجهات في الجهة والدرجة والقوة حينئذٍ استووا في المال، فلو هلك هالك عن ثلاثة أبناء كلهم استووا في المال، لماذا؟
стр. 230
أولاً: لكونهم عصبة بالنفس، ثم تعددوا، ثم لم يختلفوا بل استووا في الدرجة والجهة والقوة، فكل منهم ابن، إذًا داخل في الجهة الأولى البنوة الدرجة واحدة يعني لم يوجد ابن وابن ابن، لو وجد ابن وابن ابن ابن الابن هذا محجوب بالأول، كذلك بالقوة كل منهما صلتهم واحدة بالميت، إذًا لو وجد ثلاثة أبناء حينئذٍ ورثوا المال بالتساوي، ولذلك قال: فيشتركان أو يشتركون في المال، وهذا معلوم أنه إذا لم يكن ثَمَّ صاحب فرض، أما إن وجد صاحب فرض حينئذٍ ما بقي بعد الفرض، أو ما أبقت الفروض. وتارة يختلفون في شيء من ذلك إما في الجهة وإما في الدرجة وإما في القوة، يحصل خلاف إذًا إذا أنفقوا في الجهة والدرجة والقوة اشتركوا في المال مناصفة ن يعني إذا كانوا ثلاثة أبناء لكل واحد منهما الثلث، وإذا اختلفوا مثال الاختلاف في الجهة ما لو اجتمع ابن وأخ هذا اختلاف في ماذا؟ في الجهة، لأن البنوة مقدمة على الأخوة، أليس كذلك؟ ابن وأخ هلك هالك وترك ابنًا وأخًا شقيقًا مثلاً أو أخ لأب حينئذٍ نقول: يشتركان في المال؟ لا، نقول: الابن يحجب الأخ. لماذا؟ لأنه مقدم عليه في الجهة، إذ جهة البنوة مقدمة على الأخوة، ومعنى هذا أنه يحجبه يعني يسقطه ليس له شيء البتة، هذا مثال في اختلاف الجهة.
مثال الاختلاف في الدرجة، ما لو اجتمع ابن وابن ابن، هلك هالك وترك ابنًا ومعه ابنه حينئذٍ اجتمع عندنا اثنان في جهة واحدة استويا في الجهة بمعنى أن كلاً منهما داخل في القسم الأول وهو البنوة لأن الابن وإن نزل، لكن اختلفا في الدرجة يعني الواسطة بينهم وبين الميت إن تعددت الواسطة حينئذٍ ما تعددت الواسطة فيه فهو مؤخر عما لم تعدد الواسطة فالابن الابن الصلب هذا مباشر وابن ابنه هذا بينهما واسطة، إذًا يسقط الثاني، لماذا؟ مع كونهم اشتركا في الجهة إلا أنهم اختلفا في الدرجة، فالابن مقدم على ابن الابن فيحجبه يسقطه يعني ليس له شيء. ومثال الاختلاف في القوة مثل ماذا؟ أنتم [أحسنتم] الأخ الشقيق مع الأخ لأب، هلك هالك وترك أخوين أحدهما أخ شقيق والثاني أخ لأب لأخ لأب كم له؟ ليس له شيء يسقط، لماذا؟ هل استويا في الجهة؟ نعم، هل استويا في الدرجة؟ نعم، أخ، أخ، هل استويا في القوة؟ لا، هذا ذو قرابتين شقيق أقوى من جهتين، وهذاك شطر النسب - كما سيأتي - حينئذٍ يسقط طيب إذا اختلفوا ما الحكم؟
قال: وتارة يختلفون في شيء من ذلك فيحجب بعضهم بعضًا - فما كان مقدمًا في الجهة حجب من بعده، ومن كان مقدمًا في الدرجة حجب من بعد، والأقوى يحجب الضعيف - فيحجب بعضهم بعضًا وذلك مبني على قاعدة عند الفرضيين يكاد أن يكون ثم إجماع عليها وهي ما جمعه الناظم بقوله:
فبالجهة التقديم ثم بقربه ... وبعدهما التقديم بالقوة اجعلا
(فبالجهة التقديم) يعني التقديم بالجهة، فالتقديم بالجهة يعني أول ما يُراعى في المنع وعدمه الجهة تنظر إلى الجهة، (فبالجهة التقديم) أي فالتقديم في الإرث بالجهة عند الاختلاف فيها، إذا اختلفوا في الجهة حينئذٍ تقدم ما حقه التقديم وتسقط ما حقه التأخير، واضح هذا؟
стр. 231
(فبالجهة التقديم) عند الاختلاف في الجهة المقدم يُسقط ما بعد، أي فالتقديم في الأرث بالجهة عند الاختلاف فيها (ثم) - للترتيب هذه مراده - ثم إن حصل اتفاق في الجهة (بقربه) يعني بقرب العاصب - الضمير هنا معلوم من المقام - (بقربه) أي ثم التقديم بقرب العاصب في الدرجة عند الاختلاف فيها، فإن استووا حينئذٍ نأتي إلى الحالة الثالثة (وبعدهما) يعني بعد الجهة والقرب (اجعلن التقديم بالقوة) عند الاختلاف فيها التقديم هذا مفعول ويش إعرابه؟ (اجعلن التقديم) مفعول لأجله؟ تنصب مفعولين، اين الأول وأين الثاني؟ اجعل أنت هذا فاعل، .. نون التوكيد نعم .. اجعلن التقديم بالقوة، بالقوة هو المفعول الثاني متعلق بمحذوف، والتقديم هو المفعول الأول، (اجعلن التقديم بالقوة) يعني عند الاختلاف فيها.
وحاصل القاعدة: أنه عند الاختلاف في الجهة كما لو اجتمع ابن وأخ يقدم بالجهة، وعند الاتحاد فيها مع الاختلاف في الدرجة كما لو اجتمع ابن وابنه يقدم بقرب الدرجة، وعند الاتحاد في الجهة والدرجة مع الاختلاف في القوة كما لو اجتمع أخ شقيق وأخ لأب يقدم بالقوة على ما ذكرناه سابقًا.
فبالجهة التقديم ثم بقربه ... وبعدهما التقديم بالقوة اجعلا
الناظم رحمه الله تعالى أشار إلى هذه المراتب الثلاثة بالجهة أولاً، ثم القرب، ثم القوة، لكن الشارح لم يرض بأنه أتى بالأحوال الثلاثة أو المراتب الثلاث، قال: وذكر المصنف بعضها الذي هو التقديم بالدرجة، وهذا بناءً على خلافهم في هذا البيت، هل المراد به الدرجة فقط أو الدرجة والجهة. من قال بأن المراد بهذا البيت الدرجة فقط كالشارح حينئذٍ ترك الجهة، ومن حمله على الجهة والدرجة حينئذٍ لم يترك شيئًا من الأحوال الثلاثة. على كلٍّ اختلاف لفظي:
وَمَا لِذِي الْبُعْدَى مَعَ الْقَرِيبِ ... في الإِرْثِ مِنْ حَظٍّ وَلاَ نَصِيبِ
(وَمَا لِذِي) وما هذه نافية ملغاة، يعني لا تعمل عمل ليس هي ملغاة، لأن الخبر تقدم على اسمها، وقوله: (مِنْ حَظٍّ). وما حظ من هذه زائدة، و (حَظٍّ) بالجر هذا مبتدأ، أليس كذلك؟
مبتدأ مرفوع بالابتداء ورفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهروها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائدة، و (مِنْ) هذه للتنصيص تنصيص في العموم، والعموم مفهوم من كون النكرة في سياق النفي، زيدت من لتنصيص على العموم، كقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]. خالق هذا مبتدأ، لكنه مجرور في اللفظ ومن هذه زائدة، سمها صله سمها توكيد .. إلى آخر ما نذكره دائمًا. إذًا (ما) هذه نافية ملغاة لأن الخبر هنا تقدم على اسمها حينئذٍ تكون ملغاة، (وَمَا الذِي الْبُعْدَى) يعني (وَمَا الذِي الْبُعْدَى) وما لدرجة البعدى مع الدرجة القريبة في الإرث من حظ ولا نصيب، واضج؟
стр. 232
وما لذي الجهة البعدى من الجهة القريبة في الإرث من حظ ولا نصيب، إذًا الجهة القريبة تُسقط الجهة البعيدة، والدرجة القريبة تُسقط الدرجة البعيدة، وهذا الذي عناه بهذا البيت كما ذكرناه (وَمَا الذِي) يعني لصاحب الدرجة البعدى وإن كانا في الدرجة البعدى قوية فلا ينظر حينئذٍ للقوة، يعني لا ينظر إلى ما بعده مع الوارث القريب، مع هذا حال متعلق بمحذوف حال، حال كونه مع القريب - يعني مع الوارث القريب فهو صفة لموصوف محذوف - (الْقَرِيبِ) درجة أو جهة، يحتمل النوعين، والبعدى يحتمل الجهة والدرجة، و (في الإِرْثِ) يعني في الموروث (مِنْ حَظٍّ) عرفنا إعرابه (وَلا نَصِيبِ)، النصيب هو الحظ والعطف هنا عطف تفسير. إذًا مراده بهذا البيت أنه يُقدم بالجهة القربى على ما كان في الجهة البعدى، وكذلك الدرجة القربى مقدمة على الدرجة البعدى، على ما ذكرناه في البيت السابق. (وَمَا الذِي) الدرجة (وَمَا الذِي) قلنا: هذا خبر مقدم، والأولى جعله شاملاً للجهة أيضًا لأن الشارح هنا قيده بالدرجة، (وَمَا الذِي) الدرجة (الْبُعْدَى) مع الدرجة الوارث القريب في الإرث من حظ ولا نصيب. إذًا أسقط الجهة والأولى جعله شاملاً للجهة أيضًا وقصره الشارح على الدرجة لأن القربى والبعدى في الاصطلاح إنما يقال في درجات جهة واحدة، نعم هو هذا، البعدى والقريب والقربى هذا الوصف إنما يتعلق بالدرجات في اصطلاح الفرضيين، إما أن ننظر إلى الاصطلاح، وإما أن ننظر إلى المعنى اللغوي، إذا نظرنا إلى الاصطلاح حينئذٍ خصصنا البيت بالدرجة، وإذا نظرنا إلى المعنى اللغوي عممنا حينئذٍ من أجل تعميم الفائدة هنا ننظر إلى المعنى اللغوي فنقول: (وَمَا الذِي الْبُعْدَى) جهة أو درجة (مَعَ الْقَرِيبِ) درجة أو جهة (في الإِرْثِ مِنْ حَظٍّ وَلاَ نَصِيبِ) لحجبه بالأقرب منه درجة، وإن كان الأقرب درجة ضعيفًا، مثل ماذا؟ ابن أخ لأب، وابن وابن أخ شقيق الجهة متحدة، أليس كذلك؟ والقوة مختلفة، لكن أيهما أقرب درجة؟ ابن أخ لأب أقرب درجة من ابن ابن أخ شقيق يحجبه أو لا؟ يحجبه، ولو كان الثاني أقوى من الأول؟ ولو كان الثاني أقوى من الأول، لماذا؟ لأن المراعاة هنا للجهة أولاً، ثم للدرجة، ثم للقوة.
стр. 233
فمن كان أقرب درجة من الميت حجب من بعده ولو كان المحجوب أقوى من الأول، كالمثال الذي ذكره الشارح ابن أخ لأب مع ابن ابن أخ شقيق استويا في الجهة، فالجهة واحدة، إذًا اتحدت جمعتهم ننتقل إلى الثاني وهو الدرجة، بقطع النظر عن القوة، فنقول: درجة ابن أخ لأب أقرب من درجة ابن ابن أخ شقيق، حينئذٍ الثاني ليس له شيء ولو كان أقوى إجماعًا، وهذا محل إجماع، لكونه أبعد منه درجة وإن كان أقوى من الأول، وكابن وابن ابن، الأول يحجب الثاني، اشتركا في الجهة واختلفا في الدرجة، وأيهما أقوى؟ الابن أقوى من ابن الابن، وإن لم يدل به، وكأب وجدّ، الأب يحجب الجد، لأنه أقرب من الجد، وكابن أخ شقيق وابن ابن أخ شقيق أو لأب، ابن أخ شقيق وابن ابن أخ شقيق استويا في الجهة وفي القوة واختلفا في الدرجة، إذًا يقدم الأقرب على الأبعد، وكعم شقيق أو لأب وابن عم شقيق أو لأب، العلم الشقيق مقدم على ابن العم سواء كان شقيقًا أو غيره، لو عندنا عم لأب وابن عم شقيق أيها أقوى؟ الثاني ابن عم شقيق هذا أقوى من الأول لكن يحجبه؟ لا، فعم لأب يحجب ابن العم الشقيق ولو كان الثاني المحجوب أقوى من الأول، فلا شيء للثاني مع الأول في جميع الصور.
وَالأَخُ وَالْعَمُّ لأُمٍّ وَأَبِ ... أَوْلَى مِنَ الْمُدْلِي بِشَطْرِ النَّسَبِ
стр. 234
هذا الشروع في التقديم بالقوة مع الاتحاد في الجهة والدرجة، (وَالأَخُ) لأم وأب (وَالْعَمُّ) لأم وأب، فقوله: (لأُمٍّ وَأَبِ) قيد للاثنين (وَالأَخُ) لأم وأب يعني الشقيق (والعلم) الأم والأب (أَوْلَى) يعني أحق (مِنَ الْمُدْلِي) بالميت (بِشَطْرِ النَّسَبِ) يعني بنصف النسب من العصبات فلا يرد الأخ لأم، لأنه خرج بما سبق. إذًا العم الشقيق أوى من العم لأب مقدم عليه، والأخ الشقيق مقدم على الأخ لأب باعتبار ماذا؟ باعتبار القوة لأن الأول أقوى من الثاني، والمارد بالقوة والضعف هنا من كان ذا قرابتين من جهتين أقوى ممن كان بشطر النسب، فالثاني الذي عبر عنه الناظم بشطر النسب المراد به نصف النسب، وهذا لا يرد الأم وإن كان ظاهر العبارة يرد الأخ لأم يصدق عليه بأنه مدلي بشطر النسب لأنه من جهة الأم، لكن هذا كما ذكرنا سابقًا خرج بقوله: (بَابُ التَّعْصِيب). والذي يُذكر هنا هم العصبة، كلام المصنف يقتضي أن المدلي بشطر النسب له حق وليس كذلك لأنه لا حق له بالكلية مع المدلي بالجهتين، ولذلك قيل أفعل التفضيل على غير بابها (أَوْلَى مِنَ الْمُدْلِي بِشَطْرِ النَّسَبِ) إذًا يشتركان من باب زيد أعلم من عمرو، كلٌّ منهما عنده علم إلا أن هذا أكثر من هذا، فقوله: (أَوْلَى مِنَ الْمُدْلِي بِشَطْرِ النَّسَبِ). إذا جعلنا أفعل التفضيل على بابها حينئذٍ يرث المدلي بشطر النسب وليس مراد، وهذا من التنطع في اللفظ فقط، لأنه لا حق له بالكلية مع المدلي بالجهتين، ولذلك قيل أفعل التفصيل على غير بابها، لكن يرد عليه قول من قال: إن أفعل التفضيل متى اقترن بمن لا يكون إلا على بابه. على كلٍّ من أدلى بشطر النسب إذا وُجِدَ مع من أدلى بالشطرين لاحظ له بالإجماع، وهذا من باب التدقيق كما ذكرناه. (وَالأَخُ وَالْعَمُّ لأُمٍّ وَأَبِ)، (أَوْلَى) يعني أحق (مِنَ الْمُدْلِي) للميت (بِشَطْرِ النَّسَبِ)، (وَالْعَمُّ لأُمٍّ وَأَبِ). قال الشارح: وابن الأخ لأم وأب، وابن العم لأم وأب بمعنى أن الحكم في الأخ الشقيق كذلك الحكم لابنه، والحكم في العم الشقيق كذلك الحكم لابنه، فإذا اجتمع ابن أخ شقيق مع ابن عم شقيق حينئذٍ الأول مقدم على الثاني، هكذا؟ ابن أخ الشقيق مع ابن أخ لأب، ابن الأخ الشقيق مقدم، طيب ابن عم شقيق مع ابن عم لأب الأول، أما ابن العم الشقيق مع ابن الأخ الشقيق حينئذٍ ابن الأخ مقدم لأن الأخوة مقدمة على العمومة فالجهة مقدمة هنا، (أَوْلَى مِنَ الْمُدْلِي بِشَطْرِ النَّسَبِ) وهو الأخ لأب في الأولى، والعم لأب في الثانية .. إلى آخر ما ذكره. قال هنا تلخيصًا لما سبق: إذا علمت ذلك فإذا اجتمع عاصبان فمن كانت جهته مقدمة يعني عند الاختلاف في الجهة فهو مقدم وإن بعد، يعني فلا ينظر لقرب ولا بعد بل للجهة عند الاختلاف فيها، إن اتحدا في الجهة نظرنا إلى الدرجة والقوة، وأما إن حصل اختلاف في الجهة فالنظر حينئذٍ يكون للجهة لا نلتفت إلى درجة ولا إلى قوة، وإنما النظر يكون للجهة، إن اختلفا في الجهة فالحكم بالجهة، فمن كانت جهته مقدمة حجب من بعده.
стр. 235
ولذلك قال هنا: فإذا اجتمع عاصبان فمن كانت جهته مقدمة عند الاختلاف في الجهة فهو مقدم وإن بَعُدَ على من كانت جهته مؤخرة، فلا ينظر لقرب ولا بعد بل للجهة عند الاختلاف فيها، فابن ابن ابن أخ شقيق أو [لأب] مقدم على العم لأن جهة الأخوة مطلقًا والبنوة مقدمة على العمومة، فحينئذٍ كل اختلاف في الجهة أخ أو ابن أخ شقيق أو لأب مقدم على العم بجميع تفاصيله شقيق لأب ابن عم شقيق ابن عم لأب مقدم لماذا؟ لكون جهة الأخوة وبني الأخوة هذه مقدمة على العمومة وبنيها، فإن اتحدت جهتهما حينئذٍ نظرنا إلى الدرجة فالقريب درجة أي عند الاختلاف في الدرجة وإن كان ضعيفًا وإن كان القريب من جهة الدرجة ضعيفًا في القرابة كما ذكرناه مقدم على البعيد من جهة الدرجة وإن كان قويًّا، يعني لا يلتفت إلى القوة لو قال: من كان أقربهم درجة مقدم على البعيد مطلقًا سواء كان البعيد ضعيفًا أو قويًّا فلا نظر إلى القوة، فإن اتحدت درجتها أيضًا كما اتحدت جهتهما، فالقوي وهو ذو القرابتين كما الأخ الشقيق وابنه، مقدم على الضعيف وهو ذو القرابة الواحدة. سماه ضعيفًا لأنه لا يفعل شيء مع ذاك هو ضعيف، مقدم على الضعيف وهو ذو القرابة الواحدة كما سبق تمثيله، وذلك معنى قوله .. إلى آخره.
بعبارة أخرى وبقاعدة أخرى تضبط لك المسألة نقول: إذا اجتمع عاصبان فأكثر فلهما حالات:
- فتارة يستويان.
- أو يستوون في الجهة والدرجة والقوة. وحينئذٍ يشتركان أو يشتركون في المال أو فيما أبقت الفروض.
- وتارة يختلفان أو يختلفون في الجهة والدرجة والقوة فيُسقط بعضهم بعضًا، وذلك مبني على أصلين يعني كل ما سبق مبني على أصلين:
الأول: أن كل من أدلى إلى الميت بواسطة حجبته تلك الواسطة. فابن الأخ الشقيق أو لأب لا يرث مع الأخ الشقيق أو الأخ لأب، لماذا؟ لأن ابن الأخ الشقيق أدلى بالأخ الشقيق فلا يرث معه، وكذلك ابن الأخ لأب لا يرث مع الأخ لأب، ابن الأخ لأب لا يرث مع الأخ لأب، لماذا؟ لأنه أدلى به يعني هو الواسطة بينه وبين الميت، وابن الابن وإن نزل لا يرث مع الابن وهكذا .. كل من أدلى إلى الميت بواسطة حجبته تلك الواسطة إلا ولد الأم بالاتفاق وليس بوارد هنا لأن الكلام هنا في العصبات، والجدة لأب فإنها ترث عند الإمام أحمد مع الأب والجد أيضًا كما ذكرناه سابقًا.
الأصل الثاني: إذا اجتمع عاصبان فأكثر قُدِّمَ من كانت جهته مقدمة وإن تراخى على من كانت جهته مؤخرة، فابن الابن وإن نزل مثلاً مقدم على الأب، فلولا أن له فرضًا لسقط، هذا الذي ذكرناه. الابن مقدم على الأب يحجبه هذا الأصل، لكن الأب له فرض فإذا حجبه من جهة التعصيب رجع إلى الفرض فلا يسقط، لولا أن له فرضًا لسقط فإن كانوا أو كانا من جهة واحدة فالقريب وإن كان ضعيفًا مقدم على البعيد وإن كن قويًّا، فابن الأخ لأب مقدم على ابن ابن الأخ الشقيق لأنه أقرب درجة، وإن تساويا أو تساووا في القرب فالقوي مقدم على الضعيف، فالأخ الشقيق مقدم على الأخ من الأب، والقوي هو ذو القربتين، والضعيف هو ذو القرابة الواحدة كما ذكرناه في البيت الذي سبق.
стр. 236
ثم قال الناظم أو المصنف منبهًا لقاعدة هذه القاعدة هي في العصبات قد تأتي في أصحاب الفروض، يعني ليس خاصة بالعصبات، بل قد تأتي في أصحاب الفروض فقط، فحينئذٍ يقدم فيهم بالجهة، ثم بالقرب، ثم بالقوة. يعني على ما سبق فمثال التقديم فيهم بالجهة تقديم البنت أو بنت الابن على ولد الأم، هذا تقديم بالجهة، البنت أو بنت الابن على ولد الأم، ومثال التقديم فيه بالقرب تقديم البنتين على بنتي ابن لم يعصبا، ومثال التقديم فيه بالقوة تقديم الأختين الشقيقتين على الأختين لأب لم يعصبا، أما إذا عصبا حينئذٍ انتقل إلى النوع الثاني العصبة بالغير أو مع الغير. إذًا هذه القاعدة وهي التقديم بالجهة ثم بالدرجة بالقوة توجد بين العصبات، كذلك توجد بين أصحاب الفروض فقط، وفي أصحاب الفروض مع العصبات كذلك حينئذٍ تكون معه كما قال هنا: أي فيقدم فيهم بالجهة، ثم بالقرب، ثم بالقوة، فمثال التقديم بالجهة تقديم لأب أو الجد على الأخوة لأم، ومثال التقديم بالقرب تقديم الابن على بنت الابن، ومثال التقديم بالقوة تقديم الأخ الشقيق على الأخ لأب.
إذًا إذا تأملت هذه كلها لا تختلف عن المسائل السابقة وعليها - يعني على هذه القاعدة مع قاعدة أخرى ينبني باب الحجب - باب الحجب الآتي ينبني على هذه القاعدة يعني أصحاب الجهة مقدمة على الدرجة مقدمة على القوة أن كلّ من أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة إلا ولد الأم، ينبني باب الحجب على هذه القاعدة مع القاعدة السابقة، كل من أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة إلا ولد الأم، أي كابن الابن مع الابن، وكأم الأم مع الأم فلا فرق بين أن يكون كل من المدلي والمدلى به عصبة أو صاحب فرض أو صاحب فرض مع عصبته. إذًا قواعد عامة هذه ليست خاصة بباب التعصيب هذا المراد، يعني تطبق في باب التعصيب وهي كذلك في باب الفروض، وهي كذلك في باب الحجب.
ثم قال: ولما أنهى الكلام عن القسم الأول من العصبة انتقل إلى النوع الثاني وهو العصبة بالغير. ثم قال:
وَالاِبْنُ وَالأَخُ مَعَ الإِنَاثِ ... يُعَصِّبَانِهِنَّ في الْمِيرَاثِ
(وَالاِبْنُ) ومثله ابن الابن مع الإناث يعصبانهن في الميراث، (وَالأَخُ) مع الإناث يعصبانهن في الميراث، هذا النوع الثاني وهو المسمى العصبة بالغير، والعاصب بغيره كل أنثى عصبها ذكر، هكذا أضبطها الفرضيون كل أنثى عصبها ذكر. إذًا لا يتصور فيه الإنفراد، وهذا كما ضبطه بعضهم بأنه خاص بذوات النصف والثلثين.
стр. 237
والعصبة بالغير أربعة كما سيأتي (وَالاِبْنُ) ومثله ابن الابن هكذا قال الشارح، ومثله ابن الابن دليل على أنه لم يدخله فيه حقيقة، وقيل إنه يدخل فيه مجازًا، فالابن يشمل الابن الصلب ويشمل ابن ابنه كذلك، لكن دخوله فيه إما من جهة اللغة أو من جهة القياس، ومن جهة اللغة إما حقيقة أو مجازًا على خلاف ذكرناه فيما سبق. لكن ذاك الخلاف في الولد أليس كذلك؟ هل يشمل ولد الولد أو لا؟ أما الابن هنا هذا قال مثله ابن الابن، حمل الابن على الابن الحقيقي، ويحتمل أن المصنف أراد ما يشمل الابن المجازي وهو ابن الابن، والأخ شقيقًا كان أو لأب، لأن الأخ لأم لا يرد هنا (مَعَ الإِنَاثِ) حال كونهما الابن والأخ مع الإناث، يعني ابن مع أنثى، وأخ شقيق مع أنثى. وقوله: (الإِنَاثِ). (أل) هذه للجنس حينئذٍ تصدق بالواحدة والمتعددة (مَعَ الإِنَاثِ) الواحدة فأكثر المساوية أو المساويات للذكر في الدرجة والقوة والجهة أيضًا، يعني قد تكون هذه الأنثى مساوية للابن أو مختلفة معه، ولذلك قال: المساوية والمساويات للذكر في الدرجة والقوة والجهة أيضًا، إن وجد هذا القيد بكون هذا الأخ وهذا الابن مساوٍ للأنثى في هذه الأحوال الثلاثة الدرجة والجهة - واضحة - والقوة حينئذٍ يعصبها، فلا ترث بالنصف ولا ترث بالثلث، وإنما تحال إل النوع الثاني وهو التعصيب.
(يُعَصِّبَانِهِنَّ في الْمِيرَاثِ) فتكون الأنثى منهن مع الذكر المساوي لها عصبة بالغير. انظر هنا قول الشارح: أو المساويات للذكر. لم يقل للأخ لأن المعصب قد يكون غير أخ، المعصب قد يكون ابن الابن، ابن العم ولذلك قال: للذكر ولم يقل للأخ. إذًا العصبة بالغير أربعة أنواع، العصبة بالغير يعني بواسطة الغير ليس بالنفس، يعني ذاك الابن يعصب نفسه بنفسه يرث الباقي أو يرث كل المال ليس معه أحد، فلا يشترط لإرثه بالعصبة أن يكون معه غيره واضح هذا؟ العصبة بالنفس يعني بذاته دون اشتراط آخر يكون معه، وأما بالغير فلا بد عن غيره، وشرط في الغير أن يكون معينًا ليس على إطلاقه. إذًا العصبة بالغير أربعة:
стр. 238
ذوات النصف والثلثين، البنت، وبنت الابن، والأخت الشقيقة، والأخت لأب. كل واحدة منهن مع أخيها يعني إن وجد بنت مع أخيها عصبها لا ترث النصف وإنما ترث بالتعصيب ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فالبنت بنت الصلب واحدة فأكثر تعصب بالابن واحد فأكثر لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]. حينئذٍ يرث بالتعصيب، إذًا البنت يعصبها أخوها الذي يكون في درجتها، وبنت الابن فأكثر يعني واحدة فأكثر بابن الابن فأكثر سواء كان أخاها وابن عمها المساوي لها في الدرجة أو النازل عنها إذا احتاجت إليه يعني لولا لسقطت كما سيأتي في الحجب، وذلك كما لو أخذت بنات الصلب الثلثين، فإن وجدت بنت الابن سقطت، لكن ولو وجد أخوها عَصَّبَهَا، يعني لو عندنا بنات الابن ثلاث فأكثر، ثنتين فأكثر على قول الجمهور حينئذٍ أخذن الثلثين، وبنت الابن تسقط ليس لها شيء، لأنها إنما ترث السدس تكملة للثلثين، وهذا إنما تأخذه مع البنت إذا أخذت النصف تأخذ السدس تكملة للثلثين، لكن لو وجد جمع وأخذن الثلثين سقطت إلا إذا وجد أخوها، ويسمى الأخ المبارك، يعني لولاه لسقطت فجاءه هو حظ ونصيب وكذلك من على أخته بحظ ونصيب من المال. إذًا بنت الابن هذه واحدة فأكثر بابن الابن فأكثر سواء كان أخها أو ابن عمها المساوي لها في درجة أو النازل عنها إذ احتاجت إليه، يعني لولاه لسقطت. والأخت الشقيقة فأكثر بالأخ الشقيق فأكثر. لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦]. ولا يعصب الأخ من الأب الأخت الشقيقة يعني الأخت الشقيقة والأخ لأب كل منهما يعصب الآخر لكن الأخت الشقيقة لا يعصبها الأخ لأب إجماعًا لأنه لا يساويها في النسب لكونها أقوى منه، والأخت لأب فأكثر بالأخ لأب فأكثر للآية المتقدمة.
إذًا كل واحد من هذه الأنواع الأربعة البنت وهي صاحبة النصف، وبنت الابن كذلك، والأخت الشقيقة، والأخت لأب كل واحدة منهن مع أخيها إن وجد أخوها عصبها فلا ترث بالفرض، وإنما تنتقل إلى التعصب. إذًا العصبة بالغير أربعة أنواع:
البنت، وبنت الابن، والأخت الشقيقة، والأخت لأب.
стр. 239
كل واحدة منهن مع أخيها الموازي المساوي لها في الدرجة، وتزيد بنت الابن عليهن يعني كونها يعصبها أخوها بأنه يعصبها ابن ابن في درجتها، والمراد بابن الابن هنا في كلام الشارح ابن عمها المراد به ابن العم، لأنها ماذا؟ بنت الابن ابن الابن أخوها، لو جعل على ظاهرة، ابن الابن وهي بنت ابن إذًا صار أخاها، وهو يقول: تزيد على البقية بأنه يعصبها مع كون أخيها يعصبها، حينئذٍ تزيد بابن الابن وهو ليس كذلك صار تكرارًا، وإنما مراده بابن الابن هنا ابن عمها فقوله: وتزيد بنت الابن عليهن في التعصيب بالغير بأنه يعصبها ابن ابن في درجتها بأن كان ابن عمها لأنه هو الذي تزيد بتعصيبه على الباقي، وأما إن كان أخاها فقد تقدم ولا تزيد به. مطلقًا سواء كان لها شيء من الثلثين أو لا، ويُعَصِّبُها ابن ابن أنزل منها بأن كانت عمته أو عمة أبيه أو جدة إذا لم يكن لها شيء من الثلثين، وتزيد الأخت الشقيقة يعني في التعصيب بالغير يعصبها أخوها الأخ الشقيق، وتزيد الأخت الشقيقة وكذلك الأخت لأب مع كون الشقيقة يُعَصِّبُها أخوها الشقيق والأخت لأب يعصبها أخوها الأخ الأب كذلك يعصب الثنتين الجدّ كما سيأتي في باب الجد والإخوة، لأنه بمنزلة الأخ في الإدلاء بالأب. وهذا سيأتي كذلك في .. .
قال الشارح: والأصل في ذلك، يعني الدليل على ذلك كله العصبة بالغير البنت وبنت الابن والأخت الشقيقة والأخت لأب كل واحدة منهن مع أخيها وتزيد بنت الابن بابن عمها وتزيد الأخت الشقيقة أو لأب بأن يعصبها الجد الدليل على ذلك كله قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. هذا دليل لتعصيب الابن فأكثر البنت فأكثر وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. هذا دليل لتعصيب الأخ فأكثر الأخت فأكثر، الأول الابن وبنت الابن، والثاني الأخت فأكثر الأخ فأكثر، وقياس أولاد الابن على أولاد الصلب هذا دليل لتعصيب ابن الابن فأكثر بنت الابن فأكثر. على كلٍّ المسألة هذه كلها مجمع عليها كلها محل وفاق.
ثم انتقل إلى بيان النوع الثالث وهو العصبة مع الغير. وقيل بأن هذا اصطلاح عصبة بغير وعصبة مع غير مجرد اصطلاح فقط للتفريق، وإلا يقال بأن العصبة بغير إناث ويعدون بالأربعة، وكذلك يقال العصبة مع الغير وهما صنفان كذلك من الإناث، وهذا من المزايا بين النوعين، العاصب بنفسه لا يكون إلا ذكرًا، والعاصب مع الغير أو بالغير لا يكون إلا أنثى.
стр. 240
والعاصب مع الغير ضبطوه كل أنثى تصير عصبة باجتماعها مع أخرى، وهذا نوعان العصبة مع الغير صنفان نوعان فقط، وهما الأخت الشقيقة فأكثر، والأخت لأب فأكثر، أخت شقيقة فأكثر يعني ثنتين فأكثر، والأخت لأب فأكثر مع البنت فأكثر أو بنت الابن فأكثر. وهذا الذي عناه الناظم بقوله: (وَالأَخَوَاتُ). مطلقًا شقائق أو لأب (إِنْ تَكُنْ بَنَاتُ) إن وجد بنات فهن معهن مُعَصَّبَات، حينئذٍ لا ترث البنت النصف ولا ترث السدس، وكذلك الأخت الشقيقة أو الأخوات الشقائق لا يأخذن النصف ولا يأخذن الثلثين بل ينتقلن إلى الإرث بالتعصيب. (وَالأَخَوَاتُ) هذا مبتدأ قوله: (إِنْ تَكُنْ). إن شرطية وتكن هذه تامة بمعنى توجد (بَنَاتُ) يعني جنس البنات ليس الجمع شرطًا هنا بل بنتًا واحدة فأكثر (فَهُنَّ) الفاء واقعة في جواب الشرط هن (مَعْهُنَّ) الضمير الأول يعود إلى الأخوات، والضمير الثاني معهن يعود على البنات (مُعَصَّبَاتُ) بفتح الصاد حينئذٍ يكون ذكر الأخوات أولاً ثم البنات ثم ذكر ضميرين أعاد الضمير الأول للأول والثاني للثاني، لف ونشر مرتب [نعم أحسنت] ويجوز أن يكون قوله: ... (فَهُنَّ) أي البنات (مَعْهُنَّ) أي الأخوات (مُعَصَّبَاتُ) بالكسر حينئذٍ يكون فيه لف ونشر مشوش ليس مرتبًا.
стр. 241
إذًا قوله: والعصبة مع الغير وهو اثنان فقط يعني باعتبار كون الأخوات الشقيقات أو لأب وهو الذي عناه الناظر بقوله: (وَالأَخَوَاتُ) أي جنس الأخوات الصادق بالواحدة فأكثر وأطلق الناظم هنا الأخوات فشمل الشقيقات أو لأب، والمراد كما ذكرنا الواحدة فأكثر (إِنْ تَكُنْ) يعني توجد بالإسكان (بَنَاتُ) واحدة فأكثر، أو بنات ابن كذلك واحدة فأكثر (فَهُنَّ) أي الأخوات، (مَعْهُنَّ) أي البنات هكذا فسرها الشارح ويجوز العكس (مُعَصَّبَاتُ) بفتح الصاد وهذا معنى قول الفرضيين الأخوات مع البنات، فحينئذٍ لا فرض البتة. (وَالأَخَوَاتُ) أي جنس الأخوات الصادق بالواحدة مع جنس البنات الصادق بالواحدة عصبة والأصل في ذلك الدليل حديث ابن مسعود وهذا سبق معنا هناك ﵁ السابق في باب السدس حيث قال: (وما بقي فلا أخت). فدل ذلك على أنها عصبة لأن الذي يرث الباقي هو العصبة (أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ) قلنا: هذا حكم وبه يميز العاصب عن غيره، وأما الذي يرث بالتحديد سدس ثلث ... الخ فهذا فرض، وأما إذا قيل: والباقي للأب. حينئذٍ ورث الأب بالتعصيب فما بقي فللأخت دل ذلك على أنها عصبة، وهذا بشرط ألا يكون مع الأخت أخوها إن كان معهم حينئذٍ انتقلت إلى العصبة بالغير. أخت شقيقة أخت أخ شقيق حينئذٍ يُعَصِّب الأخ الشقيق أخته ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ وهذا بشرط أن لا يكون مع الأخت أخوها، فإن كان معها أخوها فهو عصبة بالغير لا مع الغير، لأن الأخ أقوى من البنت فيعصب أخته. قال هنا تتمةَ: حيث صارت الأخت الشقيقة عصبة مع الغير بأن كانت مع البنت أو بنت الابن، متى تكون الأخت الشقيقة عصبة مع الغير؟ إذا اجتمعت في مسألة مع البنت أو مع بنت الابن، صارت كالأخ الشقيق يعني بمنزلته، فحينئذٍ الأخ الشقيق يحجب، وكذلك الأخت الشقيقة صارت بمنزلته فتحجب ما يحجب الأخ الشقيق، ولذلك قال هنا: فتحجب الإخوة لأب ذكورًا كانوا أو إناثًا، إذًا الأخت الشقيقة إذا ورثت تعصيبًا مع الغير بأن وجد معها بنت أو بنت ابن حينئذٍ حجبت الإخوة للأب ذكورًا كانوا أو إناثًا، لأنها بمنزلة الأخ الشقيق والأخ الشقيق يحجب الإخوة لأب. ومن بعدهم من العصبات كبني الإخوة والأعمام وبينهم يعني لأنه جهته مقدمة على جهة من بعده، وحيث صارت الأخت للأب عصبة مع الغير صارت كالأخ لأب، متى تكون عصبة مع الغير الأخت لأب؟ إذا كانت مع بنت أو بنت ابن صارت عصبة بالغير، كذلك تعامل معاملة الأخ .. لا، صارت بمنزلة الأخ للأب، نحن الآن نتحدث عن الأخت للأب، إذا ورثت بالتعصيب مع الغير بأن وجدت مع بنت أو بنت ابن حينئذٍ صارت بمنزلة الأخ لأب ليس الأخ الشقيق، فتحجب بني الإخوة ومن بعدهم من العصبات كالأعمام وبني الأعمام، هذا ما يتعلق بالنوع الثالث، وهو العصبة مع الغير، وهو صنفان: الأخت الشقيقة فأكثر، والأخت لأب فأكثر مع البنت فأكثر أو بنت ابن فأكثر.
ثم قال:
وَلَيْسَ في النِّسَاءِ طُرًّا عَصَبَهْ ... إِلا الَّتِي مَنَّتْ بِعِتْقِ الرَّقَبَةْ
стр. 242
يعني لما فهم مما سبق أن جميع الذكور عصبات إلا الزوج والأخ لأم، وهو لم يذكر الزوج وإنما ذكر المصنف بالتمثيل لم يذكر إلا ذكرًا، كالأب والجد وجد الجدّ والابن عند القرب والبعد، الخ لم يذكر إناثًا هل يفهم منه بكونه لم يذكر أنثى أن التعصيب مقصور على الذكور فقط؟
لا، لا يفهم منه، قد يفهم منه حينئذٍ احتاج على أن ينص على النساء قد يكن فيهن من ترث بالتعصيب، لما فهم مما سبق أن جميع الذكور بذكر المصنف لهم بالتمثيل للعاصب إلا الزوج والأخ لأم فليس عصبة لذكر المصنف لهما في أصحاب الفروض مع كونه لم يذكر الزوج في باب التعصيب وأن جميع النساء صاحبات فرض إلا المعتِقة فهي عصبة لذكر المصنف لهن في أصحاب الفروض مع كونه عد في التعصيب الذكور فقط يعني يفهم من عد الذكور فقط أن النساء كلهن أصحاب فروض، وليس الأمر كذلك لأن المعتقة صاحبة تعصيب صرح بذلك في النساء فقال:
(وَلَيْسَ في النِّسَاءِ طُرًّا عَصَبَهْ ** - طُرًّا طَرًّا - إِلا الَّتِي مَنَّتْ بِعِتْقِ الرَّقَبَةْ)
(وَلَيْسَ في النِّسَاءِ) النساء هذا اسم جمع لا واحد له من لفظه له واحد من معناه وهو امرأة و (في) هنا بمعنى من (وَلَيْسَ في النِّسَاءِ) ليس من النساء، كلهن (طُرًّا)، طَرًّا بفتح الطاء يكون مفعول مطلعًا عامله محذوف يقدر من المعنى لأن طَرًّا بمعنى قطعًا، أقطع قطعًا، حينئذٍ صار مفعولاً مطلقًا، والعامل محذوف يقدر من المعنى، أي أقطع بذلك قطعًا يعني بلا خلاف، وبضمها (طُرًّا) فهي حال في اللفظ توكيد في المعنى فكأنه قال في النساء: جميعهن طُرًّا بمعنى جميعًا (طَرًّا) بمعنى قطعًا ففرق بينهما، وبضمها أي جميعها، (وَلَيْسَ في النِّسَاءِ - طُرًّا، طرًّا عَصَبَهْ يعني بنفسها، أما مع الغير وبالغير فهو كما سبق (إِلا الَّتِي مَنَّتْ) إلا الأنثى (الَّتِي) التي صفة لموصوف محذوف، إلا الأنثى (الَّتِي مَنَّتْ) من المن وهو الإنعام، يعني أنعمت بعتق الرقبة، أي الذات ليست الرقبة فقط وإنما هو من إطلاق الجزء مرادًا به الكل، فهو مجاز مرسل علاقته الجزئية والكلية، (إِلا الَّتِي مَنَّتْ بِعِتْقِ الرَّقَبَةْ)، أي: أنعمت بعتق الرقبة الرقيقة من ذكر أو أنثى، فهي عصبة للعتيق لثبوت الولاء عليه بالمباشرة، ولمن انتهى إليه بنسب أو ولاء على تفصيل مذكور في الولاء، وسيأتي بعضه في آخر الباب. نص الشارح هنا على أقسام الورثة الأربعة.
الورثة أربعة أقسام:
١ - قسم يرث بالفرض وحده من الجهة التي ينتمي بها وهو سبعة: الأم، وولداها، والجدتان، والزوجان.
٢ - قسم يرث بالتعصيب وحده كذلك، وهم جميع العصبة بالنفس غير الأب والجد.
٣ - وقسم يرث بالفرض مرة، وبالتعصيب أخرى، ولا يجمع بينهما مرة، وهن ذوات النصف والثلثين. كما سلف.
٤ - وقسم يرث بالفرض مرة، وبالتعصيب مرة ويجمع بينهما مرة وهو الأب والجد. وقد سبق شرحه في أول أصحاب الفروض.
والله أعلم وصلِّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 243
عناصر الدرس
* الحجب لغة واصطلاحا.
* أنواع الحجب ومن يحجب غيره.
* القريب المبارك والقريب المشؤوم.
* باب المُشَرَّكة.
* أركان المشركة وحكمها.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
انتهينا من باب التعصيب، وما يتعلق بالعصبة بأنواعها الثلاث.
ثم قال الناظم رحمه الله تعالى: (بَابُ الْحَجْب). أي: هذا باب بيان ما يتعلق بمسائل الحجب. والحجب هنا المراد به ذو الحجب، يعني: صاحب الحجب، باب بيان الحجب يعني: باب بيان ذي الحجب وهو المحجوب، وهو باب عظيم في الفرائض يحرم على من لم يعرف الحجب أن يُفتي في الفرائض هكذا قال الفقهاء: من لم يتقن هذا لا يحل له الفتوى في باب الفرائض. مع غيره يعني: من الأبواب السابقة لكن لعظم هذا الباب وشدة ما يتعلق به حينئذٍ خصَّه بهذه العبارة، وإلا الحكم عام.
باب الحجب. الحجب لغةً المنع، الحاجب حينئذٍ يكون في اللغة هو المانع، إذا كان الحجب هو المنع فحينئذٍ الحاجب هو المانع، ولذلك قلنا: باب الحجب، ليس المراد الحجب نفسه، وإنما المراد الحاجب. من الذي يحجب غيره، ومن الذي يكون محجوبًا بغيره. من الذي يَحْجِب، ومن الذي يُحْجَب. فالورثة على نوعين منهم من يَحْجِب ويُحْجَب .. إلى آخر ما سيأتي في الأقسام الأربعة.
إذا الحجب في اللغة المنع، فالحاجب حينئذٍ يكون في اللغة هو المانع.
واصطلاحًا عند أرباب الفرائض الحجب هو: منع من قام به سبب الإرث من الإرث بالكلية أو من أوفر حظيه. أو هنا للتنويع، أراد بهذا الحدّ أن يجمع بين النوعين، لأن الحجب نوعان:
- حجب حرمان.
- وحجب نقصان.
وثَمَّ حجب مضي معنا في أول النظم وهو حجب الأوصاف، الذي يُعبر عنه بـ موانع الإرث [أحسنت] يسمى موانع الإرث، وهو الذي يُعبر عنه في هذا المقام بـ حجب الأوصاف لكنه ليس هو المراد، وإنما المراد به نوع أخص.
منع من قام به سبب الإرث، منع، أخذ في الحدّ المنع لأنه هو المعنى اللغوي لمادة حجب، من قام به سبب الإرث كالقرابة، فمنع من لم يقم به سبب الإرث لا يُسمى حجبًا اصطلاحًا، يعني: الشخص الذي يصح أن يوصف بأنه مُنع أو حُجب من الإرث هو الذي وُجد فيه سبب مقتضي للإرث، يعني: إما قرابة، وإما نكاح وإما .. . إما قرابة، قرابة هي النسب، ولاء هي الثاني.
إما قرابة وهي النسب، أو نكاح، أو ولاء. إن وجد سبب من هذه الأسباب الثلاث، ثم اتصف أو مُنع من الإرث هذا الذي يُسمى محجوبًا، وأما من لم يقم به واحد من الأسباب الثلاثة لا يُسمى محجوبًا لأنه ليس بوارثٍ، وإنما حجبه يكون متعلقًا بالورثة الذين مضوا معنا، ولذلك قال: من قام به سبب الإرث. يعني: من اتصف بسببه من الأسباب الثلاثة السابقة، إما أن يمنع من الإرث بالكلية الإرث المراد به هنا الموروث بالكلية، يعني: لا حظ له في الإرث البتة، وهذا يُسمى حجب حرمان. يعني يحرمه ويمنعه من الإرث بالكلية، كالابن مع ابن الابن، أيهما يرث؟ الابن يرث، وابن الابن يسقط، لماذا؟ لأنه محجوب، هكذا تعبر، لأنه محجوبٌ بأبيه فلا يرث مع من أدلى به كما سبق.
ابن الابن هل هو من الورثة؟ نعم قام به سبب وهو النسب القرابة. إذا قام به سبب الإرث ومع ذلك هو ممنوعٌ ومحجوبٌ من الإرث بالكلية ليس له نصيب البتة، هذا يُسمى حجب حرمان.
стр. 244
أو هذا نوع ثاني من نوعين الحجب من أوفر حظيه. أي: من أعظم نصيبيه، وهذا يسمى حجب نقصان، وهذا يكون فيما إذا كان للشخص فرضان مثلاً، سيأتي التعصيب إلى آخره، وهو أنواع. مثلاً الزوج أو الأم ترث الثلث، وترث السدس. متى ترث الثلث؟ إذا لم يوجد فرع وارث ولا عدد من الإخوة جمع من الإخوة. إذا ترث الثلث، إذا وُجد جمع من الإخوة انتقلت إلى السدس، حُجِبَتْ أو لا؟ حُجِبَتْ من أوفر حظيها من أعظم .. ، أي الحظين أعظم الثلث أم السدس؟ الثلث أعظم من السدس. [كيف السدس] الثلث أعظم من السدس حينئذٍ حجبوها من الثلث ونزلت إلى السدس. فنقول: هذا حجب نقصان، لم يمنعوها من الإرث بالكلية كما هو الشأن في ابن الابن منع بأبيه، لا حظ له البتة لا قليل ولا كثير، ما شم رائحة الإرث. وأما الأم هنا حينئذٍ تنزل من الثلث وهو الكثير إلى القليل وهو السدس بسبب وجود جمع من الإخوة. حينئذٍ نقول: الجمع من الإخوة حجبوا الأم من الثلث إلى السدس. وهذا هو النوع الذي أشار إليه بقوله: أو للتنويع من أوفر حظيه. أي: من أعظم نصيبيه وهذا يسمى حجب نقصان. إذا اشتمل هذا الحد على النوعين، الحجب وهو حجب الحرمان وحجب النقصان.
قال الشارح: وهو قسمان يعني: الحجب من حيث هو بالمعنى الأعم لأن ذكرنا أن الموانع تسمى ماذا؟ حجب أوصاف. إذا ثم معنى عام ومعنًى خاص، المعنى العام يشمل الموانع وما ذكره من الحجب: حجب الحرمان والنقصان. وثَمَّ حجم بمعنى الخاص الذي عرفه الشارح معنا هنا وهو الذي أراده الناظم بباب الحجب هو النوع الخاص، وأما الحجب من حيث هو بالمعنى الأعم فهو قسمان حجب بالأوصاف أي: بسببها وهي الموانع السابقة الرق والقتل واختلاف الدين، وحجبٌِ بالأشخاص يعني بسبب الأشخاص، وهو المراد عند الإطلاق. يعني فمتى أطلق الحجب فالمراد به الحجبُ بالأشخاص نقصانًا لا حرمانًا، وهو المقصود بالترجمة هنا، لأن ما سبق عنون له الناظم هناك في الموانع حينئذٍ لا داع إلى إعادتها مرة أُخرى.
وهو قسمان - أي حجب الأشخاص -. حجب الأشخاص قسمان:
- حجب نقصان.
- وحجب حرمان.
إذًا قولنا في تعريف الحجب منع من قام به سبب الإرث من الإرث بالكلية أو من أوفر حظيه. هذا تعريف لحجب الأشخاص، وأما الأوصاف فقد مضى معنا. وهو قسمان - أي: الحجب بالأشخاص - حجب نقصان، حجبٌ يترتب عليه النقصان حينئذٍ نقول: هو من قام، أو هو منع من قام به سبب الإرث من أوفر حظيه.
حجب النقصان: منع من قام به سبب الإرث من أوفر حظيه، ويدخل على جميع الورثة، وهو سبعة أنواع. عند الفرضيين حجب النقصان سبعة أنواع، يعني: من باب التقسيم العام فقط، قد لا ينبني عليه شيء من حيث العمل لكن من باب ترتيب المسائل فقط يقال هو سبعة أقسام منها أربعة انتقالات، ومنها ثلاثة ازدحمات.
أما الانتقالات الأربعة فهي:
الأول: انتقال من فرضٍ إلى فرضٍ أقل منه. كما ذكرنا شأن الأم من الثلث إلى السدس، هذا فيه حجب نقصان وهو انتقال من فرضٍ إلى فرضٍ أقل منه، وهذا يكون في حق من له فرضان نعم وهو كذلك، يكون في حق من له فرضان، يعني من ثبت له في الشريعة الفرضان، وهم خمسة: (الزوجان، والأم، وبنت الابن، والأخت من الأب).
стр. 245
الزوجان، الزوجة لها فرضان الزوجة الربع والثمن، والزوج النصف والربع، والأم ... وبنت الابن ... [أحسنتم] بنت الابن واحدة النصف والسدس.
وَبِنْتُ الاِبْنِ تَأْخُذُ السُّدْسَ إذا ... كَانَتْ مَعَ الْبِنْتِ مِثَالاً يُحْتَذَى
مضى معنا، والأخت من الأب النصف؟ السدس، [أحسنتم].
الثاني: انتقال من تعصيب إلى تعصيب أقل منه. وهذا يكون في حق العصبة مع الغير كانتقال الأخت من النصف بالتعصيب إذا كانت مع البنت إلى الثلث بالتعصيب إذا كانت مع أخيها إذ لو كان معها أخوها كان الباقي بينهما ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] وهذا سبق البارحة معنا.
الثالث: انتقال من فرضٍ إلى تعصيب أقل منه وهذا في حق ذوات النصف فإن لكل واحدةٍ منهن عند الإنفراد النصف، وإذا كان معها مُعَصِّبُها #١٠.٠٧ نعم بنت الابن تؤخذ النصف عند عدم المعصب وهو أخوها، إن وجد أخوها انتقلت من الفرض إلى التعصيب. وهذا في حق ذوات النصف فإن لكل واحدةٍ منهن عند الإنفراد النصف، وإذا كان معها مُعَصِّبُها اقتسما ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ فانتقلت من النصف فرضًا إلى الثلث بالتعصيب مع ابنٍ، إلى الثلث بالتعصيب ليس فرضًا لأن نقول: إذا وجد أخوها حينئذٍ صار بثلاث رؤوس ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ ثلاثة لأن له سهمان. إذا صار لها كم؟ الثلث من بين الثلاثة، هذا مرادهم به.
الرابع: انتقاله من تعصيب إلى فرضٍ أقل منه، عكس ما قبله. وهذا يكون في حق الأب والجد فقط، كانتقال الأب والجد مع الابن من أرث جميع المال تعصيبًا إلى السدس فرضًا، إذا وجد الابن حينئذٍ انتقل الأب والجد من الإرث بالتعصيب لجميع المال إلى سدس فرضًا.
أما الازدحامات فهي ثلاثة:
مزاحمةٌ في الفرض، وهذا يكون في حق سبعةٍ من الورثة، وهم: (الجدة، والزوجة، والعدد من البنات، وبنات الابن، والأخوات من الأب، والعدد من أولاد الأم).
مزاحمة يعنى ما يشترط فيه العدد، أو ما قد يكون فيه العدد، إذا قيل: لكل إخوة لأم لهم الثلث ليس واحد قد يكونوا عشرة، إذا زاحموا بعضهم، قد يكون ثلاثة لهم الثلث كل واحد له نصيب أكثر، إذا كانوا خمسة قل نصيبهم، عشرة قل نصيبهم، وهلم جرا فصارت فيه مزاحمة.
ثانيًا: فمثلاً البنات فإن بعضهن يزاحم بعضهن في الثلثي.
الثاني: مزاحمة في التعصيب، وهذا يكون في حق كل عاصبٍ، كما في البنتين فإن بعضهم يزاحم بعضًا في التعصيب.
ثالثًا: مزاحمةٌ في العول. العول سيأتي في آخر المنظومة، هو لم ينظم ذلك لأنه ليس قائلاً به، بالعول وهذا يكون في حق أصحاب الفروض إذا تزاحموا في الفريضة الواحدة لأنه ليس بعضهم أحق بالإرث من بعضٍ فيلحق النقص جميعهم حتى يتمكن من قسمتها. زوج وأم وأخت لغير أم، الزوج كم له؟ النصف، والأم؟ الثلث، وأخت لغير أم إما شقيقة أو لأب؟ النصف نعم صارت المسألة من ست. النصف للزوج كم؟ ثلاثة، والثلث للأم الثلث للأم كم، كيف نأتي في باب الحساب؟ ستة على ثلاثة؟ نعم إذا الثلث للأم اثنان، ثلاث واثنين خمسة، الأخت لأب أو الشقيقة لها النصف كم ثلاثة، ثلاث وخمسة صار عول، هذا سيأتينا في آخر الباب.
إذا حجب النقصان سبعة أنواع؛ أربع انتقالات، وثلاث مزاحمات.
стр. 246
وحجب الحرمان وقد سبق بعضه في العصبات وذكر هنا شيئًا منه مقدمًا حجب الأصول فقال:
وَالْجَدُّ مَحْجُوْبٌ عَنِ الْمِيْرَاثِ ... بِالأَبِ في أَحْوَالِهِ الثَّلاَثِ
(وَالْجَدُّ) معلوم، الجد الوارث، وأما غير الوارث فليس بوارث لأنه كما سبق إذا أُطلق الجد أو الابن إلى آخره من الورثة فالمراد به من اتصف بالورث، يعني من قام به سبب ولم يأت له مانع. (وَالْجَدُّ مَحْجُوْبٌ) يعني ممنوعٌ مع قيام سبب الإرث (عَنِ الْمِيْرَاثِ) يعني عن الإرث (بِالأَبِ) فالأب يحجب الجدّ، إذا وُجد في مسألة أبٌ وجد مباشرة تقول: الجد يسقط محجوب، لماذا؟ لأن الأب أقرب منه (بِالأَبِ) الباء سببية هنا يعني بسببه لأنه أدلى به، أي لأن الجد انتسب إلى الميت بواسطة الأب، والقاعدة السابقة التي ذكرنا أن باب الحجب يقوم عليها مع القاعدة التي معها أن كلّ من أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة، فالجد أدلى بالأب يعني توسط إلى الميت ما عرفه إلا عن طريق الأب، حينئذٍ لو وُجد الأب والجد سقط الجد.
(في أَحْوَالِهِ) الضمير يحتمل أنه يعود على الأب أو على الجد (أَحْوَالِهِ الثَّلاَثِ) التي ذكرناها سابقًا:
[أنه قد يرث بالإرث] (١) أنه قد يرث بالفرض فقط.
أو بالتعصيب فقط.
أو بهما معًا.
فالأحوال الثلاثة ثابتة للأب هي ثابت للجد، فكما أن الأب يرث بالفرض فقط أو بالتعصيب فقط وقد يجمع بينهما في بعض المسائل، كذلك الجد يرث بهذه الأحوال الثلاثة.
إذا أول من ذكر من الأصول الجد فهو محجوب بالأب لأنه أدلى به.
стр. 247
(وَتَسْقُطُ الْجَدَّاتُ مِنْ كُلِّ جِهَهْ بِالأُمِّ) الأم تحجب الجدات، كل جدة سواء كانت من جهة الأب أو من جهة الأم أو من جهة الأب والأم، إذا وجدت الأم فهي محجوبة بـ فالجدة محجوبة بالأم، وذلك قال: (وَتَسْقُطُ) يعني من الورثة (الْجَدَّاتُ) اثنان فأكثر فالجمع مراد (مِنْ كُلِّ جِهَهْ) أي من جهة الأم أو من جهة الأب أو من جهتهما، (بِالأُمِّ) يعني بسبب الأم فالباء سببية، أما التي من جهة الأم أم الأم تسقط بالأم هذا واضح لأنها اجتمعت معها، فكل من أدلى بواسطة حينئذٍ حجبتها، كما أن الجد أدلى بالأب حينئذٍ حجبه إذا وجد معه، كذلك أم الأم تحجبها الأم لأنها واسطتها وأدلت بها إلى الميت، أما التي هي من جهة الأم فلإدلائها بها، وأما التي من قبل الأب فلكون الأم أقرب من يرث بالأمومة، ووجه كون الأم أقرب من يرث بالأمومة أنها ترث بالأمومةِ بلا واسطة. يعني الأم ترث بلا واسطة، والجدات يرثن بالأمومة بواسطة، جد أنثى هي أم سواء كانت أم أب أو أم أم إذا هي أم ترث بالأمومة لكنها هل هي مثل الأم، ثَمَّ فرقٌ. الفرق هو أن الأم ترث بلا واسطة، أم الميت مباشرة، وأما أم الأم وأم الأب وأم أبي الأب هي أمومة لكنها بواسطة. إذا كل منهما اشتركا في الأمومة، الأم والجدة، حينئذٍ إذا وجدت أم الأم مع الأم حجبتها لأنها أدلت بها، كذلك إذا وجدت الأم مع أم الأب حجبتها لماذا؟ لأن أم الأب ترث بالأمومة، حينئذٍ أشبهت أم الأم، والفرق بينهما أن تلك أن هذه بواسطة وتلك بغير واسطة، أنها ترث بالأمومة بلا واسطة، والجدات يرثن بالأمومة بواسطة، فالتي من جهة الأب ترث بالأمومة بواسطة الأب، يعني: باعتبار كونها أم أب، والتي من جهة الأم ترث بالأمومة بواسطة الأم أي باعتبار كونها أم أم، على كلٍّ الجدات لا يرثن مع الأم، فالأم تحجبها كما أن الأب يحجب الجد. وتسقط الجدات يعني: من الورثة (مِنْ كُلِّ جِهَهْ) يعني من الجهات التي ذكرناها (بِالأم) يعني بسبب الأم، فمتى ما وجدت الأم حجبت الجدات، (فَافْهَمْهُ) إذا علمت ما ذكرته لك من الحكم السابق (فَافْهَمْهُ) الفاء فاء الفصيحة. (فَافْهَمْهُ) المراد به اعلمه، يعني أعلم الحكم الذي ذكرته لك مع فهمه، فعلمٌ وفهمٌ حينئذٍ لا بد من اجتماعهما. (فَافْهَمْهُ) أي ما ذكرته لك من حجب الجد بالأب وسقوط الجدات بالأم، يعني إذا رددناه على البيت السابق وهو على ما ذكره في هذا البيت. أو (فَافْهَمْهُ) يعني ما ذكر لك من سقوط الجدات بالأم. (وَقِسْ) هذا أمر من القياس (مَا أَشْبَهَه) لماذا؟ لأنه ذكر في هذا البيت والبيت السابق حجب الجد بالأب، وذكر في هذا البيت حجب الجدة بالأم.
стр. 248
إذا الرابط مشترك وهو أن كلَّ من أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة، وقس على ما ذُكر من [حجب الأب] (١) حجب الجد بالأب لكونه أدلى به قس عليه غيره، فكلّ من أدلى بواسطة فحينئذٍ تقيسه على ما ذكر فتحجبه بتلك الواسطة. (وَقِسْ مَا أَشْبَهَهْ) في حجب البعيد بالقريب. وقوله: (أَشْبَهَهْ) الضمير هنا لما ذُكر من حجب الجد بالأب وحجب الجدات بالأم. قال الشارح: فيحجب كل جدٍّ قريب كل جدٍّ أبعد منه لإدلائه به. كل جدٍّ قريب يحجب كل جدٍّ بعيد لإدلائه به، وتحجب الجدات بعضهن بعضًا على التفصيل الذي ذكرناه في آخر باب السدس. وتحجب الجدات بعضهن بعضًا على التفصيل السابق، ويحجب كل من الأب أو الجد الجدة التي تدلي به دون غيرها، هذا على المذاهب الثلاثة، وأما عند الحنابلة فلا، الحنابلة هذه المسألة مستسناة يحجب كل من الأب والجد الجدة، لا الأب لا يحجب الجدة، والجد لا يحجب الجدة، هذا في المذهب عند الحنابلة، وأما عند الأئمة الثلاثة فعلى ما ذكره الشارح.
وَهَكَذَا ابْنُ الاِبْنِ بِالإِبْنِ فَلاَ ... تَبْغِ عَنِ الْحُكْمِ الصَّحِيْحِ مَعْدِلاَ
стр. 249
(وَهَكَذَا) أي مثل ذا السابق في الحكم وهو أنه محجوب (ابْنُ الاِبْنِ) بسبب الابن واضح (ابْنُ الاِبْنِ) محجوب (بِالإِبْنِ) لماذا؟ للقاعدة لأنه أدلى، لأن (ابْنُ الاِبْنِ) أدلى (بِالإِبْنِ) بأبيه حينئذٍ إذا وُجد الأب حجبه، كل من أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة، (وَهَكَذَا) أي مثل ذا السابق في الحكم، (هَكَذَا) هذا خبر و (ابْنُ الاِبْنِ) مبتدأ مؤخر، (ابْنُ الاِبْنِ)، (وَهَكَذَا) يسقط مثل ما سبق يسقط (ابْنُ الاِبْنِ بِالإِبْنِ) الهمزة بالتحقيق لا بد من هذا أي بسبب الابن. قال الشارح: (وبنت الابن) لأنها مثله بنت الابن تُحْجَبُ بالابن أليس كذلك؟ يعني: بأبيها لأنها أدلت به (فَلاَ ** تَبْغِ عَنِ الْحُكْمِ الصَّحِيْحِ مَعْدِلاَ) إذا علمت ما ذُكر فلا تبغي فالفاء هنا فاء الفصيحة، و (تَبْغِ) يعني تطلب (فَلاَ ** تَبْغِ) تبغي بالياء أصله لكنه جُزم بلا الناهية. هذه لام ناهية تجزم وتبغ هذا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وجزمه حذف حرف العلة وهو الياء، لأنه من بغى، بغى الشيء بُغْيَةً طلبه. إذا لا تبغي يعني لا تطلب عن الحكم الذي هو حجب (ابْنُ الاِبْنِ بِالإِبْنِ) (الصَّحِيْحِ مَعْدِلاَ) يعني ميلاً إلى حكمٍ آخر. يُقال: عَدَلَ عَدْلاً وعُدُولاً مَالَ، ويُقال عَدَلَ عن الطريق حَادَ يعني: لا تحد ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] يعدلون به غيره وهذا باطل، وهناك ذلك (لا ** تَبْغِ عَنِ الْحُكْمِ الصَّحِيْحِ مَعْدِلاَ) بالكسر على المشهور وإن كان القياس الفتح لأنه ليس مراد به اسم مكان واسم زمان، وإنما المراد به الحدث، فحينئذٍ الأصل فيه مَعْدَلاً القياس فيه الفتح، لكن المسموع الكسر مثل مسجِد ومسجَد، القياس مسجَد لكن المسموع والمشهور في لسان العرب هو الكسر. إذا (مَعْدِلاَ) المشهور بكسر الدال لكن القياس فتحها لأنه المراد منه الحدث، ولذلك فسره الشارح هنا أي: ميلاً إلى حكمٍ الباطل. إذا ابن الابن محجوب بالابن، بنت الابن محجوبة بالابن، بالقاعدة أن كل من أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة، (فَلا ** تَبْغِ) لا تطلب (عَنِ الْحُكْمِ الصَّحِيْحِ) الذي هو حجب (ابْنُ الاِبْنِ بِالإِبْنِ) ويحتمل شموله لما سبق، ولذلك عبر عنه بالصحيح أي المصحح معدلاً يعني: ميلاً إلى غيره فيكون باطلاً بأن تورث ابن الابن مع الابن، هذا باطل، أو تورث بنت الابن مع أبيها الابن، نقول: هذا باطل لأنه بالإجماع أن ابن الابن لا يرث مع أبيه، وبالإجماع بنت الابن لا ترث مع أبيها، حينئذٍ يكون هذا من الباطل
وَتَسْقُطُ الإخوة بِالْبَنِيْنَا ... وَبِالأَبِ الأَدْنَى كَمَا رُوِّيْنَا
стр. 250
(وَتَسْقُطُ) الإخوة مطلقًا والمراد جنس الإخوة الصادق بالواحد والمتعدد، يعني: الإخوة جمع لكن ليس مرادًا الجمع يعني: إذا وُجد الجمع سقط الإخوة بالبنين، وإذا لم يكن جمع حينئذٍ لا يسقط؟ لا، مراد جنس الإخوة الصادق بالواحد وبالمتعدد. (وَتَسْقُطُ الإخوة) أي جنسهم مطلقًا يعني دون تفصيل، كلّ أخٍ ومثلها الأخت تسقط بالبنين، فالابن يُسقط الإخوة كلهم بمعنى أنهم سواء كانوا أشقاء أو لأبٍ أو لأم، أو كانوا ذكورًا وإناثًا. إذا تسقط الإخوة أطلق الناظم هنا فيشمل مطلق كلّ الإخوة سواء كانوا أشقاء أو كانوا لأب أو كانوا لأم، سواء كانوا ذكورًا كلهم أو كانوا إناثًا أو كانوا خليطًا ذكورًا وإناثًا، بل زاد الشارح أو كانوا خناثى. إذا الإخوة يسقطون بالبنين. بالبنين كذلك المراد به الجنس يعني: بالابن الواحد فما زاد، فكل ابنٍ سواء كان واحد أو متعدد أسقط الإخوة مطلقًا سواء كان واحدًا أو متعدِّدًا. إذا الأخ لا يرث مع الابن هذا المراد فيحجبه، ... (وَتَسْقُطُ الإخوة بِالْبَنِيْنَا) الألف هذه للإطلاق، وأل في البنين هذه للجنس فتُبطل معنى الجمعية ولذلك قال الشارح: والمراد الواحد فأكثر كما هو معلوم، وسوف يصرح به في بني الابن. (وَبِالأَبِ) يعني وتسقط الإخوة بالبنين أولاً، وكذلك تسقط الإخوة بالأب [فلا يرث الأب] (١) فلا يرث الإخوة مع الأب، (وَبِالأَبِ) أي وتسقط الإخوة بالأب الأدنى، من هو الأب الأدنى؟ الأب الحقيقي. وأما الجدّ فسيأتي في باب الجد والإخوة أنه يُسمى أبًا لكنه أعلى، فعندنا الأب على نوعين:
أبٌ أدنى الذي هو حقيقي. أبو الميت يعني: الوالد الذي ولده.
والأب الأعلى الذي هو الجدّ.
هنا قال: (وَبِالأَبِ الأَدْنَى) احتراز من الأب الأعلى وهو الجد لأنه فيه خلاف سيأتي في بابٍ مستقل (الجد مع الإخوة) هل يرثون أو لا يرثون فيه خلاف الجمهور على أنهم يرثون. إذا قوله: (الأَدْنَى) يعني الأقرب، وهو وصفٌ احترز به عن غيره احترازًا عن الأب الأعلى وهو الجد. (كَمَا رُوِّيْنَا) بالبناء للمجهول وحينئذٍ فأصله رُوِيَ لنا فدخله الحذف للجار والإيصال للضمير ويصح قراءته بالبناء للمعلوم كما رَوَيْنَا، كما روينا ذلك ما الذي رَوَيْناه سقوط الإخوة بالبنين وسقوط الإخوة بالأب الأدنى (كَمَا رُوِّيْنَا) ذلك في معنى ما ورد في القرآن العزيز فإن الكلالة من لم يُخَلِّفُ ولدًا ولا وَالدًا، الكلالة التي جاءت في سورة النساء من لم يُخَلِّفُ ولدًا ولا وَالدًا مفهومه أن من خَلَّفَ ولدًا أو وَالدًا فلا شيء لإخوته، فيُعلم من هذا سقوط الإخوة البنين وبالأب الأدنى، و (كَمَا رُوِّيْنَا) ما يؤدي إلى ذلك عن رسول الله ع في قوله: «فما بقي فلأولى رجل ذكر» ولا نشك أن كل من الابن والأب وكذا ابن الابن أولى من الإخوة، هم أولى من الإخوة لأنهم أقرب، الأب أولى من الإخوة، والابن وابن الابن أولى من الإخوة، أو (كَمَا رُوِّيْنَا) ذلك عن الفقهاء والفرضيين وغيرهم فإنه مجمع عليه.