Полный текст (456 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وحجب الحرمان وقد سبق بعضه في العصبات وذكر هنا شيئًا منه مقدمًا حجب الأصول فقال:
وَالْجَدُّ مَحْجُوْبٌ عَنِ الْمِيْرَاثِ ... بِالأَبِ في أَحْوَالِهِ الثَّلاَثِ
(وَالْجَدُّ) معلوم، الجد الوارث، وأما غير الوارث فليس بوارث لأنه كما سبق إذا أُطلق الجد أو الابن إلى آخره من الورثة فالمراد به من اتصف بالورث، يعني من قام به سبب ولم يأت له مانع. (وَالْجَدُّ مَحْجُوْبٌ) يعني ممنوعٌ مع قيام سبب الإرث (عَنِ الْمِيْرَاثِ) يعني عن الإرث (بِالأَبِ) فالأب يحجب الجدّ، إذا وُجد في مسألة أبٌ وجد مباشرة تقول: الجد يسقط محجوب، لماذا؟ لأن الأب أقرب منه (بِالأَبِ) الباء سببية هنا يعني بسببه لأنه أدلى به، أي لأن الجد انتسب إلى الميت بواسطة الأب، والقاعدة السابقة التي ذكرنا أن باب الحجب يقوم عليها مع القاعدة التي معها أن كلّ من أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة، فالجد أدلى بالأب يعني توسط إلى الميت ما عرفه إلا عن طريق الأب، حينئذٍ لو وُجد الأب والجد سقط الجد.
(في أَحْوَالِهِ) الضمير يحتمل أنه يعود على الأب أو على الجد (أَحْوَالِهِ الثَّلاَثِ) التي ذكرناها سابقًا:
[أنه قد يرث بالإرث] (١) أنه قد يرث بالفرض فقط.
أو بالتعصيب فقط.
أو بهما معًا.
فالأحوال الثلاثة ثابتة للأب هي ثابت للجد، فكما أن الأب يرث بالفرض فقط أو بالتعصيب فقط وقد يجمع بينهما في بعض المسائل، كذلك الجد يرث بهذه الأحوال الثلاثة.
إذا أول من ذكر من الأصول الجد فهو محجوب بالأب لأنه أدلى به. стр. 247
(وَتَسْقُطُ الْجَدَّاتُ مِنْ كُلِّ جِهَهْ بِالأُمِّ) الأم تحجب الجدات، كل جدة سواء كانت من جهة الأب أو من جهة الأم أو من جهة الأب والأم، إذا وجدت الأم فهي محجوبة بـ فالجدة محجوبة بالأم، وذلك قال: (وَتَسْقُطُ) يعني من الورثة (الْجَدَّاتُ) اثنان فأكثر فالجمع مراد (مِنْ كُلِّ جِهَهْ) أي من جهة الأم أو من جهة الأب أو من جهتهما، (بِالأُمِّ) يعني بسبب الأم فالباء سببية، أما التي من جهة الأم أم الأم تسقط بالأم هذا واضح لأنها اجتمعت معها، فكل من أدلى بواسطة حينئذٍ حجبتها، كما أن الجد أدلى بالأب حينئذٍ حجبه إذا وجد معه، كذلك أم الأم تحجبها الأم لأنها واسطتها وأدلت بها إلى الميت، أما التي هي من جهة الأم فلإدلائها بها، وأما التي من قبل الأب فلكون الأم أقرب من يرث بالأمومة، ووجه كون الأم أقرب من يرث بالأمومة أنها ترث بالأمومةِ بلا واسطة. يعني الأم ترث بلا واسطة، والجدات يرثن بالأمومة بواسطة، جد أنثى هي أم سواء كانت أم أب أو أم أم إذا هي أم ترث بالأمومة لكنها هل هي مثل الأم، ثَمَّ فرقٌ. الفرق هو أن الأم ترث بلا واسطة، أم الميت مباشرة، وأما أم الأم وأم الأب وأم أبي الأب هي أمومة لكنها بواسطة. إذا كل منهما اشتركا في الأمومة، الأم والجدة، حينئذٍ إذا وجدت أم الأم مع الأم حجبتها لأنها أدلت بها، كذلك إذا وجدت الأم مع أم الأب حجبتها لماذا؟ لأن أم الأب ترث بالأمومة، حينئذٍ أشبهت أم الأم، والفرق بينهما أن تلك أن هذه بواسطة وتلك بغير واسطة، أنها ترث بالأمومة بلا واسطة، والجدات يرثن بالأمومة بواسطة، فالتي من جهة الأب ترث بالأمومة بواسطة الأب، يعني: باعتبار كونها أم أب، والتي من جهة الأم ترث بالأمومة بواسطة الأم أي باعتبار كونها أم أم، على كلٍّ الجدات لا يرثن مع الأم، فالأم تحجبها كما أن الأب يحجب الجد. وتسقط الجدات يعني: من الورثة (مِنْ كُلِّ جِهَهْ) يعني من الجهات التي ذكرناها (بِالأم) يعني بسبب الأم، فمتى ما وجدت الأم حجبت الجدات، (فَافْهَمْهُ) إذا علمت ما ذكرته لك من الحكم السابق (فَافْهَمْهُ) الفاء فاء الفصيحة. (فَافْهَمْهُ) المراد به اعلمه، يعني أعلم الحكم الذي ذكرته لك مع فهمه، فعلمٌ وفهمٌ حينئذٍ لا بد من اجتماعهما. (فَافْهَمْهُ) أي ما ذكرته لك من حجب الجد بالأب وسقوط الجدات بالأم، يعني إذا رددناه على البيت السابق وهو على ما ذكره في هذا البيت. أو (فَافْهَمْهُ) يعني ما ذكر لك من سقوط الجدات بالأم. (وَقِسْ) هذا أمر من القياس (مَا أَشْبَهَه) لماذا؟ لأنه ذكر في هذا البيت والبيت السابق حجب الجد بالأب، وذكر في هذا البيت حجب الجدة بالأم.
стр. 248
إذا الرابط مشترك وهو أن كلَّ من أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة، وقس على ما ذُكر من [حجب الأب] (١) حجب الجد بالأب لكونه أدلى به قس عليه غيره، فكلّ من أدلى بواسطة فحينئذٍ تقيسه على ما ذكر فتحجبه بتلك الواسطة. (وَقِسْ مَا أَشْبَهَهْ) في حجب البعيد بالقريب. وقوله: (أَشْبَهَهْ) الضمير هنا لما ذُكر من حجب الجد بالأب وحجب الجدات بالأم. قال الشارح: فيحجب كل جدٍّ قريب كل جدٍّ أبعد منه لإدلائه به. كل جدٍّ قريب يحجب كل جدٍّ بعيد لإدلائه به، وتحجب الجدات بعضهن بعضًا على التفصيل الذي ذكرناه في آخر باب السدس. وتحجب الجدات بعضهن بعضًا على التفصيل السابق، ويحجب كل من الأب أو الجد الجدة التي تدلي به دون غيرها، هذا على المذاهب الثلاثة، وأما عند الحنابلة فلا، الحنابلة هذه المسألة مستسناة يحجب كل من الأب والجد الجدة، لا الأب لا يحجب الجدة، والجد لا يحجب الجدة، هذا في المذهب عند الحنابلة، وأما عند الأئمة الثلاثة فعلى ما ذكره الشارح.
وَهَكَذَا ابْنُ الاِبْنِ بِالإِبْنِ فَلاَ ... تَبْغِ عَنِ الْحُكْمِ الصَّحِيْحِ مَعْدِلاَ стр. 249
(وَهَكَذَا) أي مثل ذا السابق في الحكم وهو أنه محجوب (ابْنُ الاِبْنِ) بسبب الابن واضح (ابْنُ الاِبْنِ) محجوب (بِالإِبْنِ) لماذا؟ للقاعدة لأنه أدلى، لأن (ابْنُ الاِبْنِ) أدلى (بِالإِبْنِ) بأبيه حينئذٍ إذا وُجد الأب حجبه، كل من أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة، (وَهَكَذَا) أي مثل ذا السابق في الحكم، (هَكَذَا) هذا خبر و (ابْنُ الاِبْنِ) مبتدأ مؤخر، (ابْنُ الاِبْنِ)، (وَهَكَذَا) يسقط مثل ما سبق يسقط (ابْنُ الاِبْنِ بِالإِبْنِ) الهمزة بالتحقيق لا بد من هذا أي بسبب الابن. قال الشارح: (وبنت الابن) لأنها مثله بنت الابن تُحْجَبُ بالابن أليس كذلك؟ يعني: بأبيها لأنها أدلت به (فَلاَ ** تَبْغِ عَنِ الْحُكْمِ الصَّحِيْحِ مَعْدِلاَ) إذا علمت ما ذُكر فلا تبغي فالفاء هنا فاء الفصيحة، و (تَبْغِ) يعني تطلب (فَلاَ ** تَبْغِ) تبغي بالياء أصله لكنه جُزم بلا الناهية. هذه لام ناهية تجزم وتبغ هذا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وجزمه حذف حرف العلة وهو الياء، لأنه من بغى، بغى الشيء بُغْيَةً طلبه. إذا لا تبغي يعني لا تطلب عن الحكم الذي هو حجب (ابْنُ الاِبْنِ بِالإِبْنِ) (الصَّحِيْحِ مَعْدِلاَ) يعني ميلاً إلى حكمٍ آخر. يُقال: عَدَلَ عَدْلاً وعُدُولاً مَالَ، ويُقال عَدَلَ عن الطريق حَادَ يعني: لا تحد ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] يعدلون به غيره وهذا باطل، وهناك ذلك (لا ** تَبْغِ عَنِ الْحُكْمِ الصَّحِيْحِ مَعْدِلاَ) بالكسر على المشهور وإن كان القياس الفتح لأنه ليس مراد به اسم مكان واسم زمان، وإنما المراد به الحدث، فحينئذٍ الأصل فيه مَعْدَلاً القياس فيه الفتح، لكن المسموع الكسر مثل مسجِد ومسجَد، القياس مسجَد لكن المسموع والمشهور في لسان العرب هو الكسر. إذا (مَعْدِلاَ) المشهور بكسر الدال لكن القياس فتحها لأنه المراد منه الحدث، ولذلك فسره الشارح هنا أي: ميلاً إلى حكمٍ الباطل. إذا ابن الابن محجوب بالابن، بنت الابن محجوبة بالابن، بالقاعدة أن كل من أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة، (فَلا ** تَبْغِ) لا تطلب (عَنِ الْحُكْمِ الصَّحِيْحِ) الذي هو حجب (ابْنُ الاِبْنِ بِالإِبْنِ) ويحتمل شموله لما سبق، ولذلك عبر عنه بالصحيح أي المصحح معدلاً يعني: ميلاً إلى غيره فيكون باطلاً بأن تورث ابن الابن مع الابن، هذا باطل، أو تورث بنت الابن مع أبيها الابن، نقول: هذا باطل لأنه بالإجماع أن ابن الابن لا يرث مع أبيه، وبالإجماع بنت الابن لا ترث مع أبيها، حينئذٍ يكون هذا من الباطل
وَتَسْقُطُ الإخوة بِالْبَنِيْنَا ... وَبِالأَبِ الأَدْنَى كَمَا رُوِّيْنَا
стр. 250
(وَتَسْقُطُ) الإخوة مطلقًا والمراد جنس الإخوة الصادق بالواحد والمتعدد، يعني: الإخوة جمع لكن ليس مرادًا الجمع يعني: إذا وُجد الجمع سقط الإخوة بالبنين، وإذا لم يكن جمع حينئذٍ لا يسقط؟ لا، مراد جنس الإخوة الصادق بالواحد وبالمتعدد. (وَتَسْقُطُ الإخوة) أي جنسهم مطلقًا يعني دون تفصيل، كلّ أخٍ ومثلها الأخت تسقط بالبنين، فالابن يُسقط الإخوة كلهم بمعنى أنهم سواء كانوا أشقاء أو لأبٍ أو لأم، أو كانوا ذكورًا وإناثًا. إذا تسقط الإخوة أطلق الناظم هنا فيشمل مطلق كلّ الإخوة سواء كانوا أشقاء أو كانوا لأب أو كانوا لأم، سواء كانوا ذكورًا كلهم أو كانوا إناثًا أو كانوا خليطًا ذكورًا وإناثًا، بل زاد الشارح أو كانوا خناثى. إذا الإخوة يسقطون بالبنين. بالبنين كذلك المراد به الجنس يعني: بالابن الواحد فما زاد، فكل ابنٍ سواء كان واحد أو متعدد أسقط الإخوة مطلقًا سواء كان واحدًا أو متعدِّدًا. إذا الأخ لا يرث مع الابن هذا المراد فيحجبه، ... (وَتَسْقُطُ الإخوة بِالْبَنِيْنَا) الألف هذه للإطلاق، وأل في البنين هذه للجنس فتُبطل معنى الجمعية ولذلك قال الشارح: والمراد الواحد فأكثر كما هو معلوم، وسوف يصرح به في بني الابن. (وَبِالأَبِ) يعني وتسقط الإخوة بالبنين أولاً، وكذلك تسقط الإخوة بالأب [فلا يرث الأب] (١) فلا يرث الإخوة مع الأب، (وَبِالأَبِ) أي وتسقط الإخوة بالأب الأدنى، من هو الأب الأدنى؟ الأب الحقيقي. وأما الجدّ فسيأتي في باب الجد والإخوة أنه يُسمى أبًا لكنه أعلى، فعندنا الأب على نوعين:
أبٌ أدنى الذي هو حقيقي. أبو الميت يعني: الوالد الذي ولده.
والأب الأعلى الذي هو الجدّ.
هنا قال: (وَبِالأَبِ الأَدْنَى) احتراز من الأب الأعلى وهو الجد لأنه فيه خلاف سيأتي في بابٍ مستقل (الجد مع الإخوة) هل يرثون أو لا يرثون فيه خلاف الجمهور على أنهم يرثون. إذا قوله: (الأَدْنَى) يعني الأقرب، وهو وصفٌ احترز به عن غيره احترازًا عن الأب الأعلى وهو الجد. (كَمَا رُوِّيْنَا) بالبناء للمجهول وحينئذٍ فأصله رُوِيَ لنا فدخله الحذف للجار والإيصال للضمير ويصح قراءته بالبناء للمعلوم كما رَوَيْنَا، كما روينا ذلك ما الذي رَوَيْناه سقوط الإخوة بالبنين وسقوط الإخوة بالأب الأدنى (كَمَا رُوِّيْنَا) ذلك في معنى ما ورد في القرآن العزيز فإن الكلالة من لم يُخَلِّفُ ولدًا ولا وَالدًا، الكلالة التي جاءت في سورة النساء من لم يُخَلِّفُ ولدًا ولا وَالدًا مفهومه أن من خَلَّفَ ولدًا أو وَالدًا فلا شيء لإخوته، فيُعلم من هذا سقوط الإخوة البنين وبالأب الأدنى، و (كَمَا رُوِّيْنَا) ما يؤدي إلى ذلك عن رسول الله ع في قوله: «فما بقي فلأولى رجل ذكر» ولا نشك أن كل من الابن والأب وكذا ابن الابن أولى من الإخوة، هم أولى من الإخوة لأنهم أقرب، الأب أولى من الإخوة، والابن وابن الابن أولى من الإخوة، أو (كَمَا رُوِّيْنَا) ذلك عن الفقهاء والفرضيين وغيرهم فإنه مجمع عليه. стр. 251
إذا هذا الحكم لا خلاف فيه، سواء كان مدلوله مأخوذًا من القرآن كما ذكره في آية الكلالة، أو من النص النبوي: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر». أو بالإجماع ما دام أنه مجمع عليه حينئذٍ يكون أقوى، والمراد بأن الإجماع أقوى لأنه لا يحتمل إذا قيل بأنه ابن الابن لا يرث مع أبيه أو الإخوة يسقطون بالـ .. ، هذا نص لا يحتمل غيره، بخلاف مثلاً بعض نصوص القرآن أو بعض نصوص السنة النبوية، حينئذٍ يرد احتمال أن هذا غير مراد منطوق مفهوم غيره ناسخٍ إلى آخره فالاحتمال وارد، ولذلك عند الأصوليين أن دلالة الإجماع من حيث الدلالة لا من حيث السند دلالة الإجماع أقوى لأنها لا تحتمل لا تحتمل إلا شيء واحد ثم لا تحتمل النسخ، وأما النص لا فهو محتمل أن يكون منسوخًا وكذلك نص سواء كان من القرآن أو كان من سنة نبوية، وأما الإجماع فلا فلذلك يكون مقدمًا من حيث الدلالة، وإن كان مستند الإجماع إما كتاب وإما سنة وإما قياس، قد يُنقل المستند وقد لا ينقل، فلا يقال كيف حينئذٍ نقول: إجماع أقوى. نحن لا نقول إجماع أقوى من حيث الثبوت من حيث وصوله إلينا هذه مسألة، ووصول القرآن إلينا مسألة أخرى، وصول القرآن إلينا القراءة المتواترة متواتر قطعي، والإجماع وصوله إلينا قد يكون متواترًا وقد لا يكون. من حيث الثبوت فرق بين ثبوت القرآن وثبوت الإجماع، ثبوت القرآن لا يكون إلا متواترًا هذا الأصل فيه، وثبوت الإجماع قد يكون وقد لا يكون ففرق بينهما.
إذا المقصود أنه إذا أُجمع على مسألة حينئذٍ صارت هي المعتمدة.
أَوْ بِبَنِي الْبَنِيْنَ كَيْفَ كَانُوْا ... سِيَّانِ فِيْهِ الْجَمْعُ وَالْوِحْدَانُ
لما كان الابن حقيقةً خاصًا بابن الصلب، وكان ابن الابن كالابن في حجب الإخوة إجماعًا صرح بذلك، لأنه قال: (وَتَسْقُطُ الإخوة بِالْبَنِيْنَا) بالابن هل ابن الابن كالابن؟
هذا محل سؤال، فصرح الناظم بأن ابن الابن يحجب الإخوة كما أن الابن يحجب الإخوة، والمسألتان مجمع عليهما، بمعنى أن الإجماع انعقد، على أن ابن الابن يحجب الإخوة كما أن أباه يحجب الإخوة، ولذلك نص على ذلك.
стр. 252
و (بِبَنِي الْبَنِيْنَ) يعني وتسقط الإخوة بجنس بني البنين الصادق بالواحد والأكثر (كَيْفَ كَانُوْا)، (كَيْفَ) هذا اسم استفهام في محل نصب خبر لكان، إن كانت كان ناقصة حينئذ (كَيْفَ) في محل نصب خبر لكان، و (الواو) في كانوا تكون اسمها، أو على الحال إذا كانت تامة، كان يحتمل أنها ناقصة ويحتمل أنها تامة، إذا كانت ناقصة (الواو) اسم كان، أين خبرها؟ (كَيْفَ) إذا كانت تامة، فـ (الواو) فاعل، و (كَيْفَ) تكون في محل نصب حال، وعلى كلٍّ هي اسم استفهام، (كَيْفَ كَانُوْا) اسم استفهام في محل نصب، إما خبر لكان إن كانت ناقصة، أو في محل نصب على أنها حال إن كانت كان تامة، والواو إما أن تكون اسمها إذا كانت ناقصة، أو تكون فاعلاً لكان (سِيَّانِ فِيْهِ الْجَمْعُ وَالْوُحْدَانُ)، ... (وَالْوِحْدَانُ) بكسر الواو وضمها وِحْدَان وُحْدَان (سِيَّانِ) بكسر النون تثنية سي وهو خبر مقدم، و (الْجَمْعُ) وما عُطف عليه مبتدأ مؤخر. الجمع والوحدان سيان يعني سواء لا فرق بين الجمع والوحدان فيما ذكر وما سبق، يعني في بني البنين لا يُشترط أن يكون جمعًا بل الواحد والاثنين والثلاث في حكم واحد، وكذلك قوله: (بِالْبَنِيْنَا) لا يُشترط فيه الجمع، فليس شرطًا الجمع هنا، وإنما المراد به جنس البنين وجنس بني البنين.
إذًا (سِيَّانِ) نقول: بكسر النون تثنية سي وهو خبر مقدم، و (الْجَمْعُ) وما عطف عليه مبتدأ مؤخر. (فِيْهِ) متعلق بـ (سِيَّانِ) والضمير هنا يعود على ماذا؟ على الحكم السابق، يعني تسقط الإخوة ببني البنين، وتسقط الإخوة بالبنين (سِيَّانِ) يستويان في هذا الحكم (الْجَمْعُ) اثنان فأكثر (وَالْوِحْدَانُ) جمع واحد، حينئذ لا فرق بين الواحد وبين الجمع ... (الْوِحْدَانُ) بضم الواو جمع واحد، إذا كانت بضم الواو فهي جمع واحد، أو بكسر الواو (الْوِحْدَانُ) بكسر الواو فهو جمع أوحاد بمعنى واحد، إذًا كلاهما المؤدى والنتيجة أن المراد به الفرض الواحد. إذًا كما يحجب الفرد وكذلك يحجب الجمع فلا فرق حينئذ من حيث وصفهما بالحجب.
إذًا و (بِبَنِي الْبَنِيْنَ كَيْفَ كَانُوْا ** سِيَّانِ فِيْهِ) في هذا الحكم (الْجَمْعُ وَالْوِحْدَانُ) سيان أي: سواء، (فِيْهِ) أي الحكم المذكور وهو حجب الإخوة بهم (الْجَمْعُ) الصادق باثنين فما زاد [والمراد ما فوق الواحد [و (الْوِحْدَانُ) جمع واحد وليس الجمع هنا مراد، (الْوِحْدَانُ) جمع واحد أقل الجمع اثنان هل هذا المراد؟ لا، ليس المراد، إنما المراد به جمع واحد فالدلالة على ما انصب على المفرد، وليس الجمع مرادًا، بل المراد به الواحد مجازًا مرسلاً، من إطلاق الاسم الكلي مرادًا به الجزء، لأن المفرد جزء الجمع، وذلك لمقابلته بالجمع المراد به ما فوق الواحد، لما قوبل به الجمع علمنا أن المراد به الواحد، فأَطْلَقَ الجمع وأراد به الواحد. (الْوِحْدَانُ) جمع واحد لكن في النظم هنا ما المراد به؟ هل المراد به الجمع أقله اثنان أو المراد به الواحد؟ الواحد. إذًا هذا حقيقة أو مجاز؟ مجاز ليس بالحقيقة، هذا المراد. من أين أخذنا أنه مجاز؟ بمقابلته بالجمع، لأن الذي يقابل الجمع اثنان فأكثر، هو الواحد ففرق بين اللفظين.
стр. 253
إذًا الإخوة يحجبون بالابن والأب وابن الابن، كم؟ ثلاثة. لما كان للأم يحجبون بما يحجب به الأشقاء ولأب بالأب والابن وابن الابن، إلا أنهم يزيدون عليه بثلاثة كذلك زاد الناظم فقال:
(وَيَفْضُلُ) يعني يزيد
وَيَفْضُلُ ابْنُ الأم بِالإِسْقَاطِ ... بِالْجَدِّ فَافْهَمْهُ عَلَى احْتِيَاطِ
إذًا هذا تعميم لما ذكر سابقًا لأنه قال: (وَتَسْقُطُ الإخوة). قلنا: هذا عام، يشمل الأشقاء ولأب ولأم يسقطون بهذه الثلاثة الأب والابن وابن الابن، استوي الثلاثة الأنواع الأشقاء أب أم، بقي أن الإخوة لأم يُسْقَطُون بما سقط به الإخوة الأشقاء ولأب إلا أنهم يزيدون بثلاثة أخرى، فالجد يحجب من؟ يحجب الإخوة لأم ولا يحجب الإخوة الأشقاء ولا لأب. إذًا هذا يسمى فضلاً وزيادة ولذلك عبر عنه بـ قول: (وَيَفْضُلُ).
قال الشارح هنا: (ولما كان الإخوة لأم يحجبون بما يحجب به الأشقاء). وهو ثلاثة الابن وابن الابن والأب، وزيادة على ذلك صرح بالزائد تم ما سبق. فقوله: (وَيَفْضُلُ ابْنُ الأم)، (ابْنُ الأم) المراد به الأخ لأم ... (وَيَفْضُلُ) أي ويزيد الأخ للأم على من؟ على الأخ الشقيق والأخ لأب، فيعلم من ذلك أن الأخ لأم يسقط بما يسقط به الأخ الشقيق، يُعْلَم من هذا النص بقوله [يزيد]. وبقوله: (وَتَسْقُطُ الإخوة) لأنه عام أتى بـ (أل) فهي عامة، شَمِلَ الإخوة كلهم إذًا دخل الإخوة لأم في قوله (وَتَسْقُطُ الإخوة)، ثم خصهم بحكم زائد على ما سبق قال: (وَيَفْضُلُ ابْنُ الأم بِالإِسْقَاطِ ** بِالْجَدِّ) فدل ذلك على أن الحكم كما يكون في الأخ الشقيق والأخ لأب وكذلك في الأخ لأم إلا أنه يزيد كما سيذكره الناظم رحمه الله تعالى، فيعلم بذلك أن الأخ للأم يسقط بما يسقط به الأخ الشقيق والأخ لأب، ويزيد عليهما بأنه يسقط بما سيذكره من الجد والبنت وبنت الابن فيسقط بستة، الثلاثة السابقون الابن وابن الابن والأب ويزيد عليه بالجد وبنت الابن والبنت. قال: (بِالْجَدِّ)، (وَيَفْضُلُ ابْنُ الأم) قال:
стр. 254
(وكذلك بنت الأم، وهما الأخ والأخت للأم) إذًا ابن الأم المراد به الأخوات ذكرًا كان أو أنثى إنما المراد نسبته للأم، (وَيَفْضُلُ) يزيد (ابْنُ الأم) الأخ لأم (بِالإِسْقَاطِ) متعلق بقوله: (يَفْضُلُ) (بِالإِسْقَاطِ) يعني أنه يحجب (بِالْجَدِّ) يعني بسبب الجد (فَافْهَمْهُ) أي إذا علمت ما ذكرته لك مما ذكرت لك من الحكم السابق (فَافْهَمْهُ) يعني فاعلمه، اعلم الحكم المذكور (عَلَى احْتِيَاطِ) على تثبت، فلا تقل بأن الأخ لأم يُحجب بما يُحجب به الأشقاء ولأب فقط وتسكت، لا، بقي شيء آخر وإذا التبست عليك المسائل فيأتيك الجد مع الأخ لأم تقول: لا يحجبه، لأنه لا يحجب الشقيق، ولا الأخ لأب، لا، يحجبه وهذا استثناء مما سبق. (وَيَفْضُلُ ابْنُ الأم). قال هنا في الحاشية: (ولو قال ولد الأم ليشمل الذكر والأنثى لكان أصوب) لابن ابن هذا خاص بالذكر ابن الأم، فابن الأم ليس بقيد، (وهما الأخ والأخت للأم)، (بالإسقاط) أي الحجب (بِالْجَدِّ فَافْهَمْهُ) أي ذلك فهمًا صحيحًا مطابقًا للواقع (عَلَى احْتِيَاطِ) على تثبت، ويقين يعني على جزم لا على شك وتردد. وهذا شأن المسائل كلها، قالوا: لا بد أن يكون متيقنًا من المسائل، وهذا إنما يكون بكثرة التكرار، أما أظن، ومرت معي ... إلى آخره هذا ما يصلح في باب العلم، تأتيك مسألة فرضية: وأظن أنه يحجبه وأظن أنها ترث السدس [ها ها] وأظن أن لها كذا هذا ما يصلح لا بد أن تكون عندك المسائل يقينية، والوصول إلى هذه الرتبة يكون بكثرة مزاولة المسألة، يعني بعض الناس يظن المسألة، يعني إذا يقرأ شيء مفهوم يريد شيء آخر جديد، نقول: لا، تمر عليها من أجل تثبيت وتأكيد المعلومة، لأن الشيء لما يكون معلومًا مثلاً وأنت لك شهر عنه ليس كما لو كان لك إطلاع عليه قبل يوم أو يومين المسألة تختلف. [نعم]
стр. 255
(وَبِالْبَنَاتِ) يعني ويفضل ابن الأم بالإسقاط بالبنات، والمراد بالبنات هنا جنس البنات، الصادق للواحدة والمتعددة، إذًا ابن الأم ولد الأم الأخ للأم الأخت للأم، الأخ لأم يسقط بماذا؟ البيت الذي معنا (بِالْبَنَاتِ) يعني بالبنت الواحدة فأكثر هذا الذي أريده، بالبنت الواحدة فأكثر. إذًا البنت تحجب الأخ لأم، البنت تحجب الأخت للأم سواء كانوا واحدًا أو متعددين (وَبِالْبَنَاتِ) أي ويفضل ابن الأم بالإسقاط بالبنات، المراد به الجنس فيشمل الواحدة فأكثر (وَبَنَاتِ الاِبْنِ) هذا الثالث (بِالْجَدِّ)، (وَبِالْبَنَاتِ وَبَنَاتِ الاِبْنِ) صاروا كم؟ ستة، فيسقط الأخ لأم أي يُحجب والأخت لأم كذلك بستة، الابن وابن الابن والأب والجد والبنت وبنت الابن كلها منصوصة في الأبيات فحفظها يساعدك على استحضارها، (وَبَنَاتِ الاِبْنِ) المراد به الجنس يعني الشامل للواحدة والصادق على الواحدة فأكثر (جَمْعَاً وَوِحْدَانَاً) أي سواء كنَّ جمعًا وهو ما فوق الواحدة فيصدق باثنتين فأكثر، أو وحدانًا بضم الواو أو كسرها كما سبق والمراد به الواحدة بدليل مقابلته لقوله: (جَمْعَاً) على ما سبق (جَمْعَاً وَوِحْدَانَاً)، (جَمْعَاً وَوِحْدَانَاً فَقُلْ لِيْ زِدْنِيْ)، (جَمْعَاً وَوِحْدَانَاً) هذا يرجع الى البنات وبنات الابن كأنه أراد أن ينص على أن (أل) في البنات للجنس، والإضافة في بنات الابن للجنس، الإضافة قد تكون للجنس و (أل) قد تكون للجنس، نص على هذا تصريحًا بقوله: (جَمْعَاً وَوِحْدَانَاً) يعني سواء كانت البنت واحدة أو كانت جمعًا فهي تُسقط الأخ لأم وسواء كانت بنات الابن واحدة جمعًا أو وحدانًا فهي تسقط الأخ أو ابن الأم (فَقُلْ لِيْ زِدْنِيْ) فقل إذا علمت ذلك (فَقُلْ لِيْ) الفاء هنا فاء الفصيحة إذا علمت هذا (قُلْ لِيْ) إذا علمت ما ذكر (فَقُلْ لِيْ زِدْنِيْ) يعني من هذا العلم المتفق عليه ومن غيره لأنه حذف المتعلَّق وهو يؤذن بالعموم ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه: ١١٤] هذا فيه استئناف لما ذكر، فينبغي لطالب العلم الزيادة من العلم.
فتلخص من كلام الناظم أن الإخوة للأم وهذا يشمل الأخوات يُحجبون بستة بالابن - وابن الابن - والبنت - وبنت الابن - والأب، والجدة إجماعًا، لآية الكلالة الأولى لمفهومها لأن الكلالة: من لم يخلف والدًا ولا ولدًا - مما ذكرناه فيما سبق - لكن خُصّ من الكلالة الأم والجدة فلا يَحْجُبان ولد الأم بالإجماع، يعني لم يذكرهم الناظم هنا، وإنما ذكر الجد ولم يذكر الجدة، وذكر البنات وبنات الابن ولم يذكر الأم، حينئذ ما لم يذكره الأصل فيه أنه لا يحجب.
ثُمَّ بَنَاتُ الاِبْنِ يَسْقُطْنَ مَتَى ... حَازَ الْبَنَاتُ الثُّلُثَيْنِ يَا فَتَى
إِلاَّ إذا عَصَّبَهُنَّ الذَّكَرُ ... ..........................
стр. 256
هذا يسمى الأخ المبارك الذي وعدناكم به (ثُمَّ) يعني يأتي بعد المرتبة التي ذكرت السابقة (بَنَاتُ الاِبْنِ) يعني جنس بنات الابن الصادق بالواحدة فأكثر (يَسْقُطْنَ) يُحجبن (ثُمَّ بَنَاتُ الاِبْنِ) يعني جنسهن الصادق بالواحدة فأكثر (يَسْقُطْنَ) من عدد الورثة يعني يُحجبن بالبنات، متى؟ حاز البنات الثلثين لأن بنت الابن كما سبق في باب السدس تأخذ السدس، واحدة وأكثر متى؟ مع البنت صاحبة النصف لكن لو وجد بنات حينئذ انتقلن إلى الثلثين، وإذا أخذن الثلثين حينئذ لا شيء لبنات الابن، تسقط، ولذلك قال: (مَتَى ** حَازَ الْبَنَاتُ الثُّلُثَيْنِ)، أما لو كانت بنت واحدة فلها النصف وبنات الابن لهن السدس، واضح؟
ولذلك قيده متى؟
هذا [إطلاق] (١) تقييد، تقييد (ثُمَّ بَنَاتُ الاِبْنِ يَسْقُطْنَ) من عدد الورثة، ويُحجبن بالبنات عن حوزهن عند حوزهن بالثلثين كما قال الناظم: (مَتَى حَازَ) أي جمع (الْبَنَاتُ) اثنتان فأكثر الثلثين يعني متى استحق البنات الثلثين بأن كن اثنتين فأكثر، فالمراد من الحيازة الاستحقاق لا الأخذ، لأنه لا يتوقف سقوط بنات الابن عليه (مَتَى حَازَ) يعني أخذن أو استحققن، الحكم مقيد بماذا؟ بالأخذ بالفعل تستلم المال التركة الثلثين، أو تستحق ولو لم تستلم؟ الثاني الاستحقاق، إذًا ليس المراد به الأخذ إنما المراد به الاستحقاق، متى حاز لأن الأصل في الحوز هو الأخذ وليس هذا المراد، وإنما المراد به الاستحقاق (مَتَى حَازَ الْبَنَاتُ الثُّلُثَيْنِ) فإن لم يحزن الثلثين حينئذ ورثت بنت الابن وتأخذ السدس مع البنت. (يَا فَتَى) هذا في الأصل الفتى الشاب أو
الصغير، والمراد هنا من له تنبه في الفرائض، يعني ليس الفتى هكذا، إنما (يَا فَتَى) من له تنبه في الفرائض، لأن الفرائض تحتاج إلى فهم أكثر من كونها حفظ، نعم تحتاج إلى حفظ لكن الفهم لا بد أن يكون مستحضر. لمفهوم قول ابن مسعود ﵁ السابق في بنت وبنت ابن وأخت حيث قال: (للبنت النصف ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين). لما قال: تكملة الثلثين. إذا علمنا أنها أخذت السدس لأن البنات لم يأخذن الثلثين، وأما إذا أخذنا الثلثين فليس لها شيء البتة يسقطن. وأخبر أن ذلك بقضاء النبي ﷺ . فمفهوم قوله: أنه لو كمل الثلثان للبنات بأن كن اثنتين فأكثر لا شيء لبنات الابن. إذًا هنا للبنت النصف مثلاً، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، لو أخذنا البنات الثلثين حينئذ بنت الابن تسقط أليس كذلك؟ لو عندنا مثلاً مسألة ابن مسعود في بنت وبنت ابن وأخت، البنت لها النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين أليس كذلك؟ لو وجد بنات أخذن الثلثين بنت الابن تسقط إلا إذا وجد أخوها معها مُعَصِّبها، إلا إذا وجد أخوها حينئذ يُسمى هذا الأخ الأخ المبارك، يعني الذي لولاه لسقطت، صحيح، لولا وجود الأخ بنت الابن لا شيء لها لأنها إنما ورثت السدس تكملة الثلثين وقد أخذنا الثلثين، إذًا لا شيء لها إلا إذا وجد أخوها فإنه يُعَصِّبُهَا كما قال هنا: (إِلاَّ إذا عَصَّبَهُنَّ الذَّكَرُ) أي إلا إذا قواهن الذكر أخًا كان أو لا فلا يسقطن.
إذًا: стр. 257
ثُمَّ بَنَاتُ الاِبْنِ يَسْقُطْنَ مَتَى ... حَازَ الْبَنَاتُ الثُّلُثَيْنِ .....
إذا لم يكن لهن أخ معصب، فإن كان لهن أخ حينئذ يرثن لا يسقطن، إذًا قوله: (إِلاَّ إذا عَصَّبَهُنَّ الذَّكَرُ) هذا استثناء من قوله: (يَسْقُطْنَ) حينئذ إذا عصبهن الذكر فلا يسقطن، أي إلا إذا قواهن الذكر أخًا كان أو لا فلا يسقطن (إِلاَّ إذا عَصَّبَهُنَّ الذَّكَرُ مِنْ وَلَدِ الإِبْنِ)، (الإِبْنِ) بالهمز همزة القطع من أجل الوزن (مِنْ وَلَدِ الإِبْنِ عَلَى مَا ذَكَرُوْا)، (مِنْ وَلَدِ)، (مِنْ) هنا بيانية مشوبة بالتبعيض أي الذي هو بعض ولد الابن (عَلَى مَا ذَكَرُوْا) يعني الفرضيون، أي حال كون ذلك جاء على ما ذكره الفرضيون. قال هنا الشارح: (وهو القريب المبارك). المشهور يُسمى الأخ المبارك لكن هذا من باب التغليب لأنه قد لا يكون أخًا قد يكون ابن عم لكن المشهور أنه يُسمى بالأخ المبارك، لكن تعميم المصنف هنا أدق (وهو القريب المبارك) أي الذي جعل الله فيه بركة (سواء كان في درجة بنت الابن أو أنزل منها لاحتياجها إليه) سواء كان هذا الذكر الذي عَصَّبَهَا في درجة بنت الابن، يعني سواء كان أخاها أو ابن عمها، بنت ابن، ابن ابن هذا بدرجها، (أو أنزل منها) ابن ابن ابن، إذا كانت هي عمته أو عمة أبيه أو جدته (لاحتياجها إليه) تحتاجه في ماذا؟ من أجل أن ترث، من أجل ماذا؟ من أجل أن ترث، إذ لولاه لسقطت أي لاحتياج بنت الابن إلى الذكر من ولد الابن وهو علة لتعصبه لها، فكأنه قال: وإنما عصبها لاحتياجها إليه، وإنما احتاجت إليه لأنه لم يفضل لها من الثلثين شيء، وهي إنما ورثت تكملة للثلثين، فإذا استوفى البنات الثلثين سقطت إلا إذا وجد أخوها فهي محتاجة إليه من أجل أخذ شيء من المال. (عَلَى مَا ذَكَرُوْا) أي الفرضيون، وقدمت في باب التعصيب خلافًا لابن مسعود ﵁ حيث جعل الفاضل بعد فرض البنات للذكر خاصة، وأسقط بنات الابن.
وَمِثْلُهُنَّ الأَخَوَاتُ الَّلاَتِيْ ... يُدْلِيْنَ بِالْقُرْبِ مِن الْجِهَاتِ
إذا أَخَذْنَ فَرْضَهُنَّ وَافِيَا ... أَسْقَطْنَ أَوْلاَد الأَبِ الْبَوَاكِيَا
стр. 258
(الْبَوَاكِيَا) جمع باكية، لأن ليس لها إلا البكاء إذا سقطت (وَمِثْلُهُنَّ) الضمير يعود على من؟ أين القواعد، هناك بنات (وَمِثْلُهُنَّ) الأخوات، (وَمِثْلُهُنَّ) أي مثل البنات هناك بنات الابن والبنات من الذي يسقط الثاني؟ البنات يسقطن بنات الابن إذا أخذنا الثلثين ولم يوجد معصب لبنات الابن، واضح؟ بنات الابن والبنات، البنات يحجبن يسقطن بنات الابن متى؟ إذا أخذن الثلثين ولم يكن معصب لبنات الابن، (وَمِثْلُهُنَّ) مثل البنات (الأَخَوَاتُ الَّلاَتِيْ ** يُدْلِيْنَ بِالْقُرْبِ مِن الْجِهَاتِ) يعني الأخوات الشقائق تأخذ الثلثين ويبقى معها الأخت التي من الأب، وسبق أن الأخت من الأب تأخذ السدس متى؟ مع صاحبة النصف التي هي الأخت الشقيقة، فإن وجد عدد من الأخوات الشقائق يعني أخذن الثلثين حينئذ أسقطن الأخت لأب، فالحال في البنات مع بنات الابن هو الحال مع الأخوات الشقائق مع الأخت لأب، الأخت لأب تأخذ السدس مع صاحبة النصف وهي الأخت الشقيقة، أن وجد تكملة الثلثين، أن أخذن الأخوات الشقايق وكنَّ جمعًا أخذنَّ الثلثين أسقطن الأخوات لأب الأخت لأب، (وَمِثْلُهُنَّ) في إسقاط الأخوات أي ومثل البنات في إسقاط الأخوات لأب عند استغراقهن الثلثين إلا إذا كان هنالك الأخ لأب فيعصبهن، (وَمِثْلُهُنَّ الأَخَوَاتُ الَّلاَتِيْ) وهن الأخوات الشقائق (يُدْلِيْنَ) يعني ينتسبن بالقرب من الجهات ينتسبن إلى الميت بسبب قربهن من الجهات، هنا جمع الجهات وهما جهتان فقط أب وأم من الجهتين، والمراد بالجمع ما فوق الواحد، لأن لقرب الجهتين جهة الأب وجهة الأم (مِن الْجِهَاتِ) أي جهات الأب والأم، وهن الأخوات الشقيقات (إذا أَخَذْنَ) الشقيقات (فَرْضَهُنَّ وَافِيَا) كاملاً الشقيقات، جمع هنا فحينئذ إذا أخذن فرضهن وافيًا يعني الثلثين ... (أَسْقَطْنَ أَوْلادَ الأَبِ الْبَوَاكِيَا) أولاد الأب المراد بهم الأخوات لأب، لو قال: بنات الأب أحسن، لأن أولاد هذا يشمل الذكر والأنثى، والمراد به هنا الأنثى، ولذلك قال هنا: قوله: أولاد الأب الصواب بنات الأب بدليل قوله: (وَإِنْ يَكُنْ أَخٌ لَهُنَّ حَاضِرَا) نعم (إذا أَخَذْنَ فَرْضَهُنَّ) يعني مفروضهنّ، فرض هنا بمعني مفروض كما سبق معنا مرارًا، (وَافِيَا) أي كاملاً وهو حال من (فَرْضَهُنَّ)، وهي حال لازمة لأن فرضهن لا يكون إلا كاملاً، إذ العدد منهن لا يرث أقل من الثلثين بالإجماع، (إذا أَخَذْنَ فَرْضَهُنَّ وَافِيَا) وهو الثلثان كما قال الشارح بأن كن اثنتين فأكثر أسقطن أولاد الأب وهن الأخوات لأب، فالشأن هنا الأخوات لأب مع الأخوات الشقائق كشأن بنت الابن مع البنات، فالحكم واحد، الأخت لأب تأخذ السدس مع صاحبة النصف الأخت الشقيقة تكملة للثلثين، فإن أخذن الشقائق الثلثين كاملاً أسقطن الأخت لأب إلا إذا وجد أخ لها يُعَصِّبُها فحينئذ ترث معه تَعْصِيبًا (أَسْقَطْنَ أَوْلادَ الأَبِ)، (وهن الأخوات للأب سواء الواحدة والأكثر) وقوله: (الْبَوَاكِيَا) جمع باكية، (الْبَوَاكِيَا) الألف هذه للإطلاق، جمع باكية، إيماء إلى أنهن لم يحصل لهن إلا البكاء على الميت فقط.
стр. 259
إذًا (وَمِثْلُهُنَّ) أي مثل البنات (الأَخَوَاتُ) وهذا مطلق فقيده الناظم بقوله: (الَّلاَتِيْ ** يُدْلِيْنَ بِالْقُرْبِ مِن الْجِهَاتِ) يعني الأخوات الشقايق، هذا تقييد واحتراز (إذا أَخَذْنَ) أولئك أو تلك الشقيقات (فَرْضَهُنَّ وَافِيَا) يعني مفروضهن كاملاً وهو الثلثان حينئذ أسقطن أولاد الأب البواكيا
وَإِنْ يَكُنْ أَخٌ لَهُنَّ حَاضِرَا ... عَصَّبَهُنَّ بَاطِنَاً وَظَاهِرَا
هذا كقوله فيما سبق (إِلاَّ إذا عَصَّبَهُنَّ الذَّكَرُ) مسألتان مبناهما على شيء واحد (وَإِنْ يَكُنْ أَخٌ لَهُنَّ حَاضِرَا ** عَصَّبَهُنَّ)، (وَإِنْ يَكُنْ) أي يوجد (أَخٌ لَهُنَّ) اللام هنا بمعنى معه، يعني معهن حاضرًا حالة كونه حاضرًا أي موجودًا، واحترز به عن المفقود، والمفقود سيأتي له كلام خاص (عَصَّبَهُنَّ) هذا جواب إن الشرطية، جواب الشرط (بَاطِنًا وَظَاهِرَا)، (بَاطِنًا) يقصدون به التدين يعني بينه وبين الله (بَاطِنَاً) عند الله، و (وَظَاهِرَا) عند القاضي والمفتي أراد به التعميم فقط (وَإِنْ يَكُنْ أَخٌ لَهُنَّ) أي وإن يكن مع الأخوات للأب أخ لأب حاضرًا معهن (عَصَّبَهُنَّ) واقتسما، إذا كان واحدًا وهي واحدة أو اكتسبوا الباقي بعد الفرض ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ (بَاطِنَاً وَظَاهِرَا) فيه إيماء إلى أن ذلك حكم بالحق لنفوذه (بَاطِنًا وَظَاهِرَا)
وَلَيْسَ ابْنُ الأخ بِالْمُعَصِّبِ ... مَنْ مِثْلَهُ أَوْ فَوْقَهُ في النَّسَبِ
هذا استثناء لأنه قال: (وَإِنْ يَكُنْ أَخٌ) هل ابن الأخ مثل الأخ في التعصيب؟ الجواب: لا، فيما سبق البنات إلا إذا عصبهن الذكر، قلنا: لو كان أنزل منها لا إشكال فيه، هل هنا الحكم مثل الحكم السابق؟ الجواب: لا. ابن الأخ لأب لا يعصب الأخت لأب بل هي تسقط مباشرة، ولا يعتبر هذا أخًا مباركًا، لماذا؟ لأنه أنزل منها، ولذلك قال الشارح: (ولما كانت الأخوات للأب ليس كبنات الابن في جميع الأحكام لأن بنت الابن يعصبها من هو أنزل منها). كابن ابن الابن، إذا لم يكن لها في الثلثين شيء، ولا كذلك الأخت للأب فإنه لا يُعَصِّبُهَا إلا الأخ للأب فقط فلا يعصبها ابن الأخ وإن احتاجت إليه صرح بذلك في ضمن حكم عام فقال: (وَلَيْسَ إبْنُ الأخ)، (إبْنُ) بقطع الهمزة من أجل الوزن (وَلَيْسَ إبْنُ الأخ بِالْمُعَصِّبِ) اسم فاعل من عصب ومفعوله ما بعده (بِالْمُعَصِّبِ مَنْ مِثْلَهُ). إذا هذه من الفوارق بين المسألتين، مبنى المسألة واحد، والأحكام تكاد تكون واحدة، إلا في هذه المسألة بنات الابن إذا أخذن البنات الثلثين حينئذ يسقطن إلا إذا وجد المعصب من هو المعصب، أخوها الابن أو ابن الابن وإن نزل فالحكم عام، هذه المسألة مثلها إلا إذا وجد المعصب للأخت لأب أو الأخوات لأب من هو المعصب؟ الأخ لأب فقط، هل من نزل كذلك حكمه؟ الجواب: لا، هذا من الفوارق بين المسألتين
وَلَيْسَ ابْنُ الأخ بِالْمُعَصِّبِ ... مَنْ مِثْلَهُ أَوْ فَوْقَهُ
стр. 260
(وَلَيْسَ ابْنُ الأخ بِالْمُعَصِّبِ ** مَنْ مِثْلَهُ أَوْ فَوْقَهُ)، (مَنْ مِثْلَهُ) يحتمل أن تكون من هنا نكرة موصوفة، و (مِثْلَهُ) بالنصب على أنه صفة بمعنى مماثلة أي أنثى مماثلة في الدرجة (بِالْمُعَصِّبِ) المعصب هذا اسم فاعل، والفاعل هو، و (مَنْ) إذا كانت نكرة حينئذ صارت في محل نصب مفعول به، أليس كذلك؟ والعامل فيه معصب لأنه يطلب مفعولاً به. (مِثْلَهُ) بالنصب صفة لـ (مَنْ) ويحتمل أنها موصولة و (مِثْلُهُ) بالرفع على أنه خبر لمبتدأٍ محذوف أي التي هي مثله، وحذف المصنف الصلة هنا لازم لعدم الطول يعني (مَنْ مِثْلَهُ)، (مَنْ مِثْلُهُ) يجوز الوجهان والنصب أحسن، (أَوْ فَوْقَهُ) عطف على مثله على الوجهين فيه، وهو معلوم بالأولى من المعطوف عليه (وَلَيْسَ ابْنُ الأخ بِالْمُعَصِّبِ مَنْ مِثْلَهُ). إذًا من باب أولى أن يُعَصِّبَ من فوقه، هذا تصريح بالأولوية (في النَّسَبِ) هذا تَنازعه كل من (مِثْلَهُ)، و (فَوْقَهُ). قال الشارح هنا: (وليس ابن الأخ وابنه) ابن ابن الأخ (وإن نزل سواء كان شقيقًا أو لأب (بِالْمُعَصِّبِ مَنْ مِثْلَهُ) هذا شامل لأخواته وبنات عمه (من بنات الأخ) بيان لمن (مِثْلَهُ) لأنهن من ذوي الأرحام (أَوْ فَوْقَهُ) في النسب من بنات الأخ يعني اللاتي فوقه أو من الأخوات للأب المحتاجات إليه (لأنه ليس لهن شيء في الثلثين) لأنه لَمَّا لم يُعَصّب من في درجته لم يُعَصِّبْ من فوقه بالأولى. قال الشارح: (فائدة) ذكر بعض المسائل، القريب المبارك هو من لولاه لسقطت الأنثى التي يَعْصِبُهَا، لولا وجوده سقطت، ولما وجد ورثت، هذه بركة، يعني وجوده صار فيه نوع بركة على أخته سواء كان أخاها مطلقًا أو ابن عمها، أو أنزل منها في أولاد الابن، وهذا كهالك عن: بنتين وبنت ابن، وابن ابن. قسِّموا؟ البنتان لهما الثلثان، والباقي لبنت الابن وابن الابن، ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ لو كانت المسألة هكذا: بنتان وبنت ابن؟ سقطت بنت الابن ليس لها شيء، وجد أخوها ابن الابن معها ورثت ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ فللبنتين الثلثان والباقي لابن الابن وبنت الابن تعصيبًا، وأما القريب المشؤوم: فهو الذي لولاه لورثت العكس، يعني وجوده حرم أخته - الله المستعان - الذي لولاه لورثت، ولا يكون ذلك إلا مساويًا للأنثى من أخ مطلقًا، وابن عم، كبنت الابن، ومَثَّلَ له هنا بصورة: زوج وأم وأب وبنت وبنت ابن؟
الزوج له الربع هنا، والأم السدس، والأب السدس، والبنت لها النصف، وبنت الابن السدس. حينئذ هنا تعول المسألة لخمسة عشر، فلو كان معهم ابن ابن سقط وسقطت معه بنت الابن لاستغراق الفروض وتكون إذ ذاك عائلة لثلاثة عشر، فلولاه لورثت كما بَيَّنَّا، فهو أخ مشؤوم عليها، والله أعلم).
وكهالك عن: زوج، وأخت شقيقة، وأخت لأب وأخ لأب؟
فللزوج النصف، وللشقيقة النصف، ولاشيء للأخت لأب ولا للأخ لأب لعدم وجود باق، ولولا وجود الأخ لأب لأخذت الأخت لأب السدس تكملة للثلثين فتزيد المسألة بالعول وهذا يتضح بالعول وسيأتي معنا إن شاء الله في محله.
стр. 261
(الفائدة الثانية: المحجوب بالوصف وجوده كالعدم). المحجوب بالوصف المراد به: القاتل والرقيق واختلاف الدين. يعني من اتصف بواحد من الموانع وجوده كالعدم لا أثر له البتة، المحجوب بالوصف وهو من قام به مانع من موانع الإرث كالعدم فلا يرث - وهذا معلوم - ولا يحجب أحدًا لا حرمانًا ولا نقصانًا، لا يتعلق بـ لا حرمانًا ولا نقصانًا، والمحجوب بالشخص لا يحجب أحدًا حرمانًا، وقد يحجب نقصانًا. يعني المحجوب بالشخص قد يكون له أثر فينتقل ذاك الذي تأثر من فرض إلى فرض أقل منه (وذلك في مسائل ذكر منها هنا أم وأب وإخوة). هل الإخوة محجوبون بالأب؟ نعم
(وتسقط الإخوة بالبنين وبالأب الأدنى) إذًا الإخوة محجوبون حجب ماذا؟ حجب شخص؟ حرمان طيب، الأم كم لها؟ السدس لماذا؟ لوجود جمع من الإخوة، هم محجوبون بالأب وأثَّروا حتى حجبوا الأم من فرض إلى فرض أقل منه، إذًا هو محجوب وأثَّر، حجب غيره حجب نقصان.
إذًا لا يضر فللأم السدس والباقي للأب، وأما الإخوة سقطوا.
(الفائدة الثالثة: الحجب بالوصف يتأتى دخوله على جميع الورثة) الخمسة عشر في الذكور والعشرة في النساء (والحجب بالشخص نقصانًا كذلك) يعني يتأتى في كل الورثة، كل وارث يتصور فيه أن يكون حاجبًا حجب نقصان، وأما الحجب بالشخص حرمانًا فلا يدخل على ستة، وهم: الأب والأم والابن والبنت والزوج والزوجة. وضابطهم كلمن أدلى بالميت بنفسه غير المعتق والمعتقة.
أقسام الورثة باعتبار الحجب وعدمه أربعة أقسام:
الأول: لا يُحْجَب ولا يَحْجِب وهم: الزوجان الزوج والزوجة، لا يَحْجِب غيره ولا يُحجب.
الثاني: يَحْجِب غيره ولا يُحجب، وهم: الأبوان والولدان.
الثالث: يُحْجُبُهم غيرهم ولا يُحْجِبُونهم، وهم: الإخوة لأم.
الرابع: يُحْجَب ويَحْجِب غيره وهم: بقية الورثة.
ولما أنهى الكلام بقي مسألة واحدة متعلقة بما ذكر وهي المشرِّكة أو المشرَّكة.
لما أنهى الكلام على العصبات والحجب وكان من أحكام العاصب - وإن لم يصرح به لكونه معلومًا - أنه إذا استغرق الفروض التركة سقط العاصب.
هذا قلنا: لم يصرح به لأنه معلوم من قوله: أو كان ما يفضل بعد الفرض له، قلنا هذا أو كان ما يفضل بعد الفرض له، إن بقي شيء من أصحاب الفروض بعد أخذ فروضهم أخذه، إذا لم يبق له شيء ليس له شيء سقط مباشرة. إذًا معلوم مما سبق لا نقول: لم يذكره. وإنما ذكره من باب الأولوية يعني نص على شي ودخل فيه شيء آخر أنه إذا استغرق الفروض التركة سقط العاصب إلا الأخت لغير أم كما في (الأكدرية) وإلا الإخوة الأشقاء في (المشرَّكة) هذه مسألة خاصة عُرِضَتْ على عمر ﵁ وأفتى فيها بفتوتين مرة في عام قال بتشريكهم، ومرة قال بعدم تشريكهم.
(باب المشرِّكة)
стр. 262
أو (المشرَّكة) باب (المشرَّكة) بفتح الراء وهو المشهور، يعني (باب) بيان المسألة (المشرَّكة) هذه مسألة واحدة: زوج، وذو سدس، وإخوة لأم، وشقيق فأكثر، حينئذ سميت مشرَّكة بفتح الراء وهذا اختاره أو ضبطه به ابن الصلاح والنووي رحمهما الله تعالى، أي المشرَّك فيها، فدخله الحذف للجار والإيصال للضمير، ويجوز الكسر مشرِّكة على نسبة التشريك إليها مجازًا عقليًّا لأن المشرِّك حقيقة المجتهد ظاهرًا والشارع باطنًا، لكن لَمَّا كانت المسألة مشتملة على الأخ الشقيق المشارِك لأولاد الأم في قرابتها التي هي سبب في التشريك بينها وبينهم نسب إليها التشريك مجازًا يعني الذي شرَّك هو المجتهد أو الشرع، أما هو بنفسه لم يشرِّك نفسه مع الإخوة لأم. وكذلك يُسمِّيَ (المشترَكة) تُسمِّى (المشترَكة) بتاء بعد الشين مع فتح الراء على المشهور أي مشترك فيها وبكسرها مجازًا كما سبق: مشتَركة مشرِِّكة. وتسمّى (بالحِمارية) نسبة للحمار لأنهم قالوا: هب إن أبانا حمارًا ونسبت إلى ذلك، وتسمّى (الحجرية) هب إن أبانا حجرًا في اليمِّ، (واليَمِّية) نسبة إلى اليَمِّ. لها أسماء متعددة وتسمّى (المنبرية) لأنها عرضت على عمر وهو يخطب على المنبر، إذًا أسماؤها متعددة والمسمى مسألة واحدة وهي زوج، وذو سدس. [زوجة] زوج، وأم، وإخوة لأم شقيق فأكثر. ولذلك قال الناظم:
وَإِنْ تَجِدْ زَوْجًا وَأُمًّا وَرِثَا ... وَإِخْوَةً لِلأُمِّ حَازُوا الثُّلُثَا
وَإِخْوَةً أَيْضَاً لأُمٍّ وَأَبِ ... وَاسْتَغْرَقُوا الْمَالَ بِفَرْضِ النُّصُبِ
стр. 263
(وَإِنْ تَجِدْ زَوْجًا وَأُمًّا) يعني معهم في مسألة واحدة، أو جدة والمراد صاحب سدس، وإنما نص الناظم كغيره على الأم لأن المسألة هي التي عرضت على عمر رضي الله تعالى عنه فذكر له زوج وأم، ومثلها الجدة، فاقتصر هنا على الأم مع أن مثلها الجدة لأن المشرّكة التي وقعت لعمر فيها أم وجدة. لكن الجدة فأكثر كالأم في الحكم (وَرِثَا) هذا قيد احترز به عمَّا إذا قام بهما مانع من الإرث، يعني زوج قد ورث لم يقم به مانع من الإرث، وأم قد ورثت لم يقم بها مانع من الإرث، إذًا (وَرِثَا) الألف هذه للفاعل (وَإِخْوَةً لِلأُمِّ) أي وتجد أيضًا (إِخْوَةً لِلأُمِّ حَازُوا) يعني جمعوا، والمراد به الاستحقاق، إذًا الاستحقاق هو الذي يترتب عليه الحكم، أي استحقوه وورثوه والجملة وصف للأخوة وهو لبيان الواقع أو للاحتراز عمّا إذا قام بهم مانع من الإرث (حَازُوا الثُّلُثَا) الألف هذه للإطلاق، فورّث الزوج النصف والأم أو الجدة السدس (وَإِخْوَةً لِلأُمِّ) اثنين فأكثر (حَازُوا الثُّلُثَا) إذًا ماذا بقي؟ بقي الأشقاء ولذلك قال: (وَإِخْوَةً أَيْضًا لأُمٍّ وَأَبِ) أي وتجد مع من ذكر إخوةً أشقاء كما وجدت إخوة لأم (وَاسْتَغْرَقُوا الْمَالَ) من الذي استغرق؟ الزوج والأم والإخوة للأم، استغرقوا المال انتهى لم يبق شيء، وإذا لم يبق شيء حينئذ العاصب ما حكمه؟ سقط هذا الأصل، أنه يسقط ليس له شيء لماذا؟ لقاعدة: أن كل عاصب إنما يرث إذا لم يكن معه صاحب فرض يرث كل المال، أو يرث إذا كان معه صاحب فرض وبقي له شيء حينئذ يرث ذلك الباقي، وأما إذا كان معه صاحب فرض واستغرق أصحاب الفروض التركة لم يبق له شيء سقط ليس له شيء، وهنا استغرقت التركة الزوج له النصف والأم لها الثلث والإخوة لأم كم؟ نصَّ هو (حَازُوا الثُّلُثَا) لهم الثلث، حينئذ استغرقت التركة، لم يبق شيء للإخوة الأشقاء فالأصل فيهم أنه يسقطون
وَإِخْوَةً أَيْضَاً لأُمٍّ وَأَبِ ... وَاسْتَغْرَقُوا الْمَالَ بِفَرْضِ النُّصُبِ
стр. 264
والحال أنهم استغرقوا، الجملة حالية بتقدير قد، وهذا مجرد توضيح وإلا فقد عُلِمَ من المثال فلا حاجة إليه (بِفَرْضِ النُّصُبِ) فرض مصدر بمعنى مفروض، و (النُّصُبِ) جمع نصيب أي بالنصب المفروضة فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف. قال هنا: (فالمسألة أصلها ستة: للزوج النصف ثلاثة، وللأم أو الجدة السدس واحد، وللإخوة لأم الثلث اثنان، ومجموع الأنصبة ستة، فلم يبق للعصبة الشقيق شيء) ولا شيء للأشقاء لاستغراق الفروض والعاصب لا يأخذ إلا ما تبقى بعد الفروض، هذه عرضت على الخليفة الراشد عمر فأفتى بإسقاط الإخوة الأشقاء في مرة أخرى، وجاءوا إليه مرة أخرى فشرّكهم، والأولى المسألة التي ذكرها هنا هي القول الأول لعمر رضي الله تعالى عنه. (فلم يبق للعصبة الشقيق شيء فكان مقتضى الحكم السابق أن يسقط لاستغراق الفروض وذلك هو الذي قضى به عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أولاً وهو مذهب الإمام أبي حنيفة، والإمام أحمد بن حنبل رحمهما الله تعالى، وهو أحد القولين عند الشافعية وإحدى الروايتين عن زيد بن ثابت ﵁. وهذا هو الصحيح لقوله: ﴿فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ﴾ حينئذ لا يشرّك معهم الأشقاء فيبقى على ظاهر النص، ولقوله ﷺ : «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر». وهنا لم يبق شيء حينئذ يسقطون، فالصواب أن الإخوة الأشقاء لا يرثون شيء في هذه المسألة، ثم وقعت هذه المسألة نفسها: زوج وأم وإخوة لأم مع أشقاء لعمر ﵁، أوتي بمثلها فأراد أن يقضي بما قضى به أولاً، يعني: بأن يسقط الإخوة الأشقاء لكونه لم يبق شيء من التركة. فقال له بعض الإخوة لعمر: هب أنا أبانا كان حجرًا ملقى في اليم). وفي بعض الروايات: (هب أن أبانا كان حمارًا) ولذلك سميت (الحمارية) فلذلك سميت بما تقدم، فلما قيل له ذلك قضى بالتشريك بين الإخوة للأم والإخوة الأشقاء، يعني الإخوة الأشقاء من جهتين والإخوة للأم من جهة واحدة، اشتركا في ماذا؟ في الأم، إذًا اجعل الأب كأنه حجر اجعل الأب كأنه حمار كأنه غير موجود، والشبه هنا في لأنه ميت لا ينتفع به كما أنه لا ينتفع بالحجر ونحو ذلك. كأنهم يعني أولاد أم بالنسبة لقسمة الثلث بينهم فقط لا من كل الوجوه، بعد أن كان أسقطهم في العام الماضي فقيل له في ذلك، فقال: ذاك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي. ووافقه على ذلك جماعة من الصحابة ﵃. إذًا شرَّك عمر الأشقاء مع الإخوة للأم في الثلث، حينئذ يستوون في التوزيع كل منهم يأخذ نصيبه لا للذكر مثل حظ الأنثيين، إنما للذكر مساو لما هو الأنثى.
فَاجْعَلْهُمُ كُلُّهُمُ لأُمِّ ... وَاجْعَلْ أَبَاهُمْ حَجَرًا في الْيَمِّ
стр. 265
(فَاجْعَلْهُمُ) هذا بضم الميم مع الإشباع جواب شرط في قوله: تجد (وَإِنْ تَجِدْ زَوْجَاً) إلى آخره، (فَاجْعَلْهُمُ) أي الإخوة مطلقًا الأشقاء والإخوة للأم (كُلُّهُمُ) أيضًا بضم الميم مع الإشباع وهو توكيد للضمير في وقوله: (فَاجْعَلْهُمُ) العائد على الإخوة مطلقًا (لأُمِّ) هذا متعلق بمحذوف يعني إخوة لأم كأنهم إخوة لأم، والأب الذي افترقوا به أسقطه (وَاجْعَلْ أَبَاهُمْ)، (أَبَاهُمْ) بإسكان الميم (حَجَرَاً في الْيَمِّ) كأنه حجر فيه تشبيه بليغ بحذف أداة التشبيه ووجه الشبه عدم الانتفاع بكله، كما أن أباهم ميت فلا ينتفع به كذلك الحجر لا ينتفع به. إذًا شبَّهوا أباهم بالحجر في اليمّ يعني ملقى في اليمّ وهو البحر متعلق بمحذوف أي ملقى، وهذا كناية عن قطع النظر فيه بالكلية. إذًا (فَاجْعَلْهُمُ كُلُّهُمُ لأُمِّ) اجعل الإخوة الأشقاء بالنسبة إلى أنهم اشتركوا مع الإخوة للأم في الأم كأنهم إخوة لأم، حينئذ يشتركون في ماذا؟ يشتركون في الثلث، وهذا اجتهاد من عمر ﵁ وهو مقابل للنص السابق الذي ذكرناه.
وَاقْسِمْ عَلَى الإِخْوَةِ ثُلْثَ التَّرِكَهْ ... فَهَذِهْ الْمَسْأَلَةُ الْمُشَرِّكَهْ
(وَاقْسِمْ عَلَى الإِخْوَةِ) الجميع الأشقاء والذين لأم فقط (ثُلْثَ التَّرِكَهْ)، (ثُلْثَ) بإسكان اللام يعني اقسم على الإخوة على عدد رؤوسهم بينهم بالسوية، فلو كانت مع الأشقاء فيها أنثى أخذت كواحد من الذكور، لأن الإخوة ﴿فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ﴾، الإخوة الأشقاء يرثون فيما بينهم ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ وأما الإخوة لأم فلا نصيب الذكر كنصيب الأنثى، كذلك لو ادْخل معهم الأشقاء ولو كانوا إناثًا نصيب الذكر كنصيب الأنثى ولا نقول بأن الذكر له حظ الأنثيين، فلو كان مع الأشقاء فيهم أنثى أخذت كواحد من الذكور.
فهذه المسألة المشتركة المشهورة من زمن الصحابة ﵃ إلى هذا الوقت ولا بد من تسميتها والحكم فيها بما ذكر من هذه الأركان الأربعة وهي: زوج، وذو سدس من أم أو جدة، واثنان فأكثر من أولاد الأم، وعصبة شقيق ومحترز أركانه معروف في موضعه، والصحيح أنها تجري على القاعدة أن الإخوة الأشقاء لا يرثون شيئًا في هذه المسألة للقاعدة السابقة وهو قول ابن عباس وابن مسعود وأبي موسى الأشعري وأُبَيّ بن كعب ومذهب أبي حنيفة وأحمد وهو أنهم يسقطون بالإخوة لأم لعموم قوله تعالى ﴿فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ﴾ خصّ الثلث بالإخوة للأم، ولحديث «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر». وهؤلاء ليس لهم شيء لأنه لم يبق لهم شيء فيسقطون حينئذ.
هذه المسألة متعلقة بما ذكر، وهي ما وجد فيها الأصناف المذكورة، حينئذٍ فالقاعدة تكون عامة. والله أعلم.
وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 266
عناصر الدرس
* باب الجد والأخوة.
* أحوال الجد مع الأخوة.
* حال الأخوة بعد مقاسمة الجد.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
وقفنا عند قول الناظم رحمه الله تعالى:
(بَابُ الْجَدِّ وَالإِخْوَة) بعد ما أنهى ما تعلق بأصحاب الفروض، وكذلك التعصيب، ثم أتبعه بالحجب، ثم أتبعه بالمشرِّكة أو المشرَّكة عقد بابًا فيما يتعلق بالجد والإخوة.
وقد ذكر بعضهم أن هذا الباب متعلق بالحجب، وإنما لكثرة مسائله أفرده الفرضيون بباب خاص به.
قال رحمه الله تعالى: (بَابُ الْجَدِّ وَالإِخْوَة) أي بابُ بيان أحكامهما مجتمعين، أحكام الجد والإخوة مجتمعين، وأما على جهة الإنفراد فهذا سبق بحثه في ... ، أما بالنسبة للإخوة فسبق في باب الثلث، وسبق كذلك في باب السدس فيما إذا انفرد، وأما الجد فهذا سبق كذلك في باب السدس وفي باب التعصيب.
(بَابُ الْجَدِّ وَالإِخْوَة) أي باب بيان أحكامهما مجتمعين، والجد هنا إذا أُطلق فينصرف إلى الجد الصحيح، يعني احترازًا عن الجد الفاسد، الجد الصحيح وهذا كما سبق الذي يُطلق في باب الفرائض لأنه هو الذي تترتب عليه الأحكام الشرعية وهو الجد الصحيح، وأما الجد الفاسد فهو كالجدة الفاسدة ليست بداخلة في الأحكام. حينئذٍ لما قال الناظم: (الجدّ) علمنا أن المراد به الجد الصحيح وإن علا، وهو حقيقة في الجد الأدنى الذي هو أبو الأب، ومجازًا في غيره أبو أبي الأب فهذا يعتبر مجازًا فيه، فإن قيل بالحقيقة فهذا هو الأصل، إن قيل بأنه حقيقة في الجد الذي هو أبو الأب وإن علا فنقول: هذا هو الأصل، ودعوى المجاز هذه تحتاج إلى قرينة واضحة بيِّنة ولم يكن ثمَّ قرينة صارفة، والْجَدُّ في الأصل من جَدَدّتُ الشيء إذا قطعته، ومأخذه كما قال بعضهم: أن الأب كان طرفًا للنسب فلما وُلِدَ لابنه ولدٌ خرج أبوه عن أن يكون طرفًا وصار هو الطرف فلما قُطِعَ عن ذلك سُميَ جَدًّا، بمعنى مجدودًا. هكذا قال البيجوري في الحاشية، والإخوة بكسر الهمزة الإخوة جمع أخٍ وهو جمع تكسير، والمشهور فيه كسر الهمزة، وحكى في ((شرح الفصيح)) بالضم أُخوة، والمشهورُ هو الكسر. إذًا الجد المراد به هنا هو الجدّ الصحيح وهو الذي لم يدخل في نسبته للميت أنثى، مثل أبي الأب.
والجد الفاسد هو ما كان في نسبته للميت أنثى، كأبي الأم، وأبي أم الأب فهذا جدٌّ يعتبر من ذوي الأرحام وليس من أرباب الفرائض. فالقاعدة كما سبق معنا مرارًا أنه متى دخل بين الذكور أنثى حينئذٍ يصير الجد فاسدًا، ومتى إذا لم تدخل أنثى فحينئذٍ يعتبر جدًّا صحيحًا مهما علت درجته وإن سمي مجازًا فيما هو أعلى، لكن الظاهر حقيقة كما ذكرناه كأبي أبي الأب، وأبي أبي أبي الأب إلى آدم ﵇ كما قال بعضهم، هذا يُعتبر جدًّا لكنه يسمى جدًّا مجازًا لا حقيقة، وإنما الحقيقة ينصرف إلى أبي الأب.
стр. 267
قوله: (وَالإِخْوَة). أطلق الناظم هنا الإخوة ويشمل الثلاثة أنواع: الأشقاء، والإخوة لأب، والإخوة لأم. ولكن لما جَرَى العرف عند الفرضيين في هذا الباب بأن الإخوة لأم محجوبون بالجدِّ اتفاقًا حينئذٍ ينصرف إلى ما وُضع له هذا اللفظ في هذا المحل، والإخوة حينئذٍ لا يصدق إلا على الإخوة الأشقاء، أو من الأب فقط، لا من الأم، لأن الإخوة من الأم محجوبون بالجدّ اتفاقًا لا خلاف بين الفرضيين في أن الإخوة من الأم ذكورًا كانوا أو إناثًا متعددين أو واحدًا أنهم محجوبون بالجد كما أنهم محجوبون بالأب.
قوله: (وَالإِخْوَة). هذا يدخلُ فيه الإناث حينئذٍ يكون قد أطلق الجمع هنا جمع التكسير وأراد به التغليب، فيدخل فيه الإناث من باب التغليب.
(بَابُ الْجَدِّ وَالإِخْوَة) الواو هنا للمعية كما ذكرناه أن المراد به باب الجدّ والإخوة في حال اجتماعها معًا، يعني في مسألة واحدة، وأما إذا وُجد الجدّ فقط في مسألة دون الإخوة، أو بالعكس، فلا إشكال أنه يطبق ما مضى من القواعد وليست المسألة داخلة فيما هو في بحثنا.
(بَابُ الْجَدِّ وَالإِخْوَة) أي من الأبوين أو من الأب فقط، سواء كان أحد الصنفين يعني الأبوين أو من الأب فقط منهما منفردًا عن الآخر أو كانا مجتمعين يعني قد يكون مع الجد إخوة أشقاء فقط، وقد يكون مع الجد إخوة لأب فقط، وقد يكون مع الجد إخوة من الجنسين من الصنفين أشقاء ولأب، وهذا مُتصوَّرٌ ولكن له أحكام خاصة فإذا انفرد أحد نوعي أو صنفي الإخوة مع الجد فله حكم، وإذا اجتمعوا الأشقاء ولأب فهذا في الحقيقة أن الأشقاء يحجبون الإخوة لأب، لكن يشركونهم كما سيأتي في المعادة، ثم يرجعون عليهم بالحجب. ولذلك قال هنا منفردًا عن الآخر أو كانا مجتمعين، والمراد الواحد فأكثر حينئذٍ الإخوة (أل) تكون للجنس الصادق بالواحد والمتعدّي، والمراد بالواحد فأكثر من الذكور أو من الإناث أو منهما، والمراد أيضًا حكمه معهم وحكمهم معهم مجتمعين، كما قال فيما سبق:
وَحُكْمُهُ وَحُكْمُهُمْ سَيَاتِي ... مُكَمَّلَ الْبَيَانِ في الْحَالاَتِ
стр. 268
أما حكمه منفردًا عنهم وحكمهم منفردين عنه فقد تقدم في باب الثلث وباب السدس. ومسألة الجد والإخوة هذه مما - كما قال الشارح هنا - في حال كونهما مجتمعين لم يرد فيه شيء من كتاب ولا من سنة، يعني لم يرد نص تنصيص على أن الجد يرث مع الإخوة، أو أنه لا يرث، وإنما من أثبت أو نفى فالنظر يكون في الكتاب والسنة من حيث الاستنباط لا من حيث النص، لأنه كما سبق معنا أن دلالة النص على الحكم قد يكون بالتنصيص على الشيء نصًّا، وقد يكون بالظاهر، وقد يكون بالمنطوق، وقد يكون بالمفهوم. هل في مسألة الجد والإخوة المجتمعين نص بمعنى تعيين في الحكم الشرعي بأنهم يرثون أو لا يرثون؟ في الظاهر لا، وإنما يُنظر في النصوص على أصولها، إما أنها قواعد عامة فتعمم فتدخل هذه المسألة تحتها، وإما أنها استنباطات أو اجتهادات قد تخالف النصوص الواردة في الكتاب والسنة كما هو شأن القول الآخر، ولذلك قال الشارح كغيره من أهل العلم في هذا الموضع: وإنما ثبت حكمهم باجتهاد الصحابة رضي الله تعالى عنهم. حينئذٍ افترقوا إلى فريقين فمذهب الإمام أبي بكر الصديق الخليفة الراشد أمير المؤمنين، وابن عباس رضي الله تعالى عنهما وجماعة من الصحابة والتابعين كابن الزبير من الصحابة وعبادة بن الصامت وأُبَيّ بن كعب ومعاذ بن جبل وأبي الدرداء وأبي موسى الأشعري وعمران بن حصين وكشريح وعطاء وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري وطاووس إلى غير ذلك من جماهير السلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم، ذهبوا أن الجد كالأب فهو نازلٌ مُنَزَّلَته وكما أن الأب يحجب الإخوة كذلك الجد فيحجب الإخوة مطلقًا، الأب كما سبق أنه يحجب الإخوة مطلقًا سواء كانوا أشقاء أو وكانوا لأب أو كانوا لأم، وهذا محل وفاق، أن الأب يحجب الإخوة مطلقًا دون تفصيل، وهذا القول الأول المنسوب لأبي بكر رضي الله تعالى عنه تبعه سائر الصحابة أن الجد كالأب حينئذٍ يحجب الجد الإخوة مطلقًا سواء كانوا أشقاء أو لأب أو لأم كما يحجبهم الأب، وعليه سقط هذا الباب من أصله فلا نظر فيه. فيحجب الإخوة مطلقًا وهذا هو المُفتى به عند الحنفية، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أخذ بها بعض أصحابه كابن تيمية وابن القيم، ابن القيم أطال في إعلام الموقعين في ترجيح هذا القول في أكثر من عشرين وجهًا. قال صاحب ((الفروع)): وهو أظهر. يعني هذه الرواية أظهر. أو هذا القول أظهر يعني من حيث الدليل ومن حيث النظر، وصوّبه في ((الإنصاف)) وهو اختيار الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وعليه الفتوى عند أحفاده، وكذلك اختيار الشيخ ابن باز وابن عثيمين رحمةُ الله تعالى على الجميع.
إذًا القول الأول أن الجد كالأب حينئذٍ لا إشكال في كونه يحجب الإخوة مطلقًا، فلا فرق في كون الجد يحجب الإخوة لأم، وأما الإخوة الأشقاء أو لأب فيرثون معهم.
стр. 269
والمذهب الثاني: وهو مذهب الإمام علي بن أبي طالب ﵁ وزيد بن ثابت وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما أنهم يرثون معه، يعني الجد لا يحجب الإخوة الأشقاء ولا الإخوة لأب، وذكر المصنف هنا ثلاثة وهم من مشاهير من ورَّث الجد مع الإخوة، أو الإخوة مع الجد ولكن لكل واحدٍ منهم مذهب خاص يختلف عن الآخر، فعليٌّ رضي الله تعالى عنه ورّث الإخوة مع الجد ولكن له طريقة خاصة في كيفية التوريث، وزيد بن ثابت ﵁ كذلك ورّث الإخوة الأشقاء والإخوة لأب مع الجد ولكن له كيفية خاصة وهي المشهورة عند الفقهاء، وابن مسعود كذلك له طريقة خاصة في توريث الإخوة مع الجد وهي مخالفة لطريقة علي وطريقة زيد بن ثابت، هذا الاختلاف وإن كان مبناه على الاجتهاد إلا أنه يدل على ضعف هذا القول. إذ لو كان الإخوة يرثون مع الجد حينئذٍ لما اختلفت الكيفية لأن مرده إلى الشرع من حيث الاستنباط، والشرع لا يختلف حيث يورّث على طريقة في مذهب معيّن، ثم بعد ذلك يناقض تلك الطريقة في مذهب آخر نقول: الحق واحد ولا يتعدد، إما مذهب زيد، وإما مذهب علي، وإما مذهب ابن مسعود وحينئذٍ لابد من النظر والترجيح.
إذًا هؤلاء الأئمة الثلاثة ذهبوا إلى توريث الإخوة مع الجد، وهو مذهب جماهير الفقهاء من الأئمة الأربعة كما سبق أن القول الأول مذهب المفتى به عند الحنيفة، بقي المالكية والشافعية والحنابلة وهم على توريث الإخوة مع الجد، يعني ذهبوا إلى أن الراجح من هذين القولين في هذه المسألة أن الإخوة يرثون مع الجد، وأن الجد لا يحجب الإخوة، ولهم أدلة ولا يكاد أن يذكر فيها إلا وجوه استنباط فحسب، التشبيه بالنهر ... إلى آخره سنعرض عنها ونرجئها فيما يأتي. وأصح القولين والله أعلم أن الجد يحجب الإخوة مطلقًا دون تفصيل فلا استثناء للإخوة الأشقاء ولا لأب بأدلة منها:
أولاً: أن الله تعالى قد سمى الجد أبًا في قوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]. فسماه أبًا وهو جد قطعًا وجدٌّ أعلى، وحينئذٍ نقول: الأصل في الإطلاق الحقيقة، ولا ندعي المجاز إلا بقرينة واضحة وليس ثَمَّ هنا قرينة واضحة فلا مجاز، ويبقى الأصل على ظاهره فالجد يسمى أبًا كذلك قال يوسف ﵇ ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٣٨] كذلك أطلق على جده أو أجداده بأنهم آباء، والأصل في الإطلاق الحقيقة فلا ينصرف إلى المجاز إلا بقرينة ولا قرينة، وكذلك جاء «هذا أبوك آدم». كما جاء في حديث المعراج سماه أبًّا وهو جدّ قطعًا وجد أعلى أيضًا، بل هو أعلى جد لا بعده من الجدود البتة، حينئذٍ سماه أبًا والأصل في الإطلاق هو الحقيقة. إذًا سمى الله الجد أبًّا حينئذٍ كل ما عُلِّق الحكم على لفظ الأب دخل فيه الجد، ولا انفصال إلا بدليل واضح بيِّن، حينئذٍ يحجب الإخوة كالأب الحقيقي المباشر.
стр. 270
ثانيًا: مما يدل على ترجيح مذهب أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأن الجد يحجب الإخوة مطلقًا قوله ﷺ وهو حديث أصلٌ في هذا الباب قوله ﵊: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجُلٍ ذكر». قلنا: هذا أصلٌ في باب التعصيب كما سبق معنا. والجد أولى من الأخ معنًى وحكمًا، فأما المعنى فإن له قرابة ميلاد بعضية كالأب هو بعضٌ منه، وأما حكمًا فإن الفروض إذا ازدحمت سقط الأخ، الفروض إذا ازدحمت الأخ حينئذٍ يسقط ولا شيء له، وأما الجد إذا ازدحمت الفروض هل يسقط الجد؟ الجواب: لا، يفرض له السدس حينئذٍ تعول المسألة. إذًا من حيث الحكم فرّق الرب جل وعلا وكذلك الشرع بين توريث الأخ والجد عند ازدحام الفروض، إذا ازدحمت الفروض سقط الأخ ولا تعول المسألة لأنه ليس بصاحب فرض، وأما الجد فله أحوال ثلاثة منها أنها يرث بالفرض فقط وهو السدس، حينئذٍ إذا ازدحمت الفروض يفرض له السدس وتعول المسألة. وأما حكمًا فإن الفروض إذا ازدحمت سقط الأخ بخلاف الجدّ فإنه لا يسقط عند ذلك بل يفرض له السدس. إذًا فرقٌ بين الجد والإخوة فلا يُشَرَّكُ الإخوة معه.
ثالثًا: أن ابن الابن بمنزلة الأب - ابنه الأب يعني - ابن الابن بمنزلة أبيه الابن، فيكون الجد بمنزلة الأب إذ لا فارق بينهما، ابن الابن بمنزلة الابن يعني بمنزلة أبيه فيكون الجد حينئذٍ بمنزلة الأب إذ لا فرق بينهما.
رابعًا: جمهور الصحابة موافقون للصديق رضي الله تعالى عنه في أن الجد كالأب يحجب الإخوة، وهو مروي عن بضعة عشرة من الصحابة. هكذا قال ابن تيمية وكذلك قال ابن باز في رسالته في الفرائض: مروي عن بضعة عشرة من الصحابة. قال البخاري في صحيحه: ولم يُذكر أن أحدًا خالف أبا بكرٍ في زمانه وأصحاب النبي ﷺ متوافرون. وهذه حجة قاطعة في محل نزاع، ولم يذكر أن أحدًا مخالف أبا بكر في زمانه، خالف في قول أبي بكر بأن الجد يحجب الإخوة مطلقًا، فلا يرث معهم ولا يرثون معه، وأصحاب النبي ﷺ متوافرون فلم يخالفوه إلا بعد ذهاب أبي بكر ﵁.
стр. 271
خامسًا: سلامة هذا القول من التناقض عند التطبيق، فهو قول مضبط لا تناقض فيه ولا غموض ولا إشكال، وأما من ورّث الإخوة مع الجد فعندهم اضطراب لا يعلمه إلا الله، سيأتي معنا وخاصة في باب المعادّة أنهم يفرضون أشياء للجد من حيث الثلث الباقي ولم يأت نص بثلث الباقي أو الثلث كاملاً أو أنه بالمقاسمة أو أن الإخوة لأب يُوَرِّثُون الأشقاء معهم أو بالعكس الإخوة الأشقاء يورثون الإخوة لأب معهم ثم يرجعون إليهم، فيقول: أنتم محجوبون كما سيأتي في المعادة، على كلٍّ: كل باب الجدّ والإخوة فيه اضطراب وفيه غموض وفيه إشكالات لا جواب عليها البتة إلا من حيث التعليلات وأكثرها تعليلات واهية لأن مبناها على الاستنباط. إذًا سلامته من التناقض عند التطبيق فهو قول مضبط لا تناقض فيه ولا غموض ولا إشكال، ولا يُشكل على هذا أن المذاهب الثلاثة المالكية والشافعية والحنابلة على هذا، العبرة بماذا؟ العبرة بأي شيء؟ بالدليل، وإذا كان جمهور الصحابة على هذا لا يكون في قلبك شيء، وهذه تجعلها مع مسألة حكم تارك الصلاة، إذا كان جمهور الصحابة كما قال البخاري: لم يُذكر أن أحدًا خالف أبا بكر والصحابة متوافرون فحدث خلافًا بعد أبي بكر وبعد إجماع الصحابة، حينئذٍ هذا الخلاف لا عبرة به، ولو كان الأئمة الثلاثة وجماهير، بل لو كان الأئمة الأربعة وجمهورهم يعني أتباعهم على قول وهو مخالف لما صح عن الصحابة وقاومه الدليل أو وافقه الدليل حينئذٍ لا تأخذ بنفسك شيء البتة، وما يدعيه بعض المتأخرين بأن هذا مذهب جمهور الصحابة بأن توريث الإخوة مع الجد هذه دعوى لا يلتفت إليها.
سادسًا: سبق في التعصيب أن العصبة بالنفس إذا تعددت فيقدم جهة البنوة، ثم جهة الأبوة فيدخل فيها الجد، ثم جهة الإخوة، ثم بنو الإخوة، ثم العمومة، ثم الولاء. فلا ينتقل الإرث إلى الجهة أخرى حتى تعدم الجهة التي قبلها، هذا كما سبق في بابه التعصيب، والحجة في الدليل الأول والثاني بأن الجد يسمى في الشرع أبًّا حقيقة فحينئذٍ ينزل منزلته في جميع الأحكام إرثًا وحجبًا، وثانيًا حديث «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجلٍ ذكر». ولا شك أن الجدّ أولى من الأخ حينئذٍ يعطى المال.
إذًا حاصل المذهبين هو ترجيح المذهب الأول: وهو أن الإخوة لا يرثون مع الجد، وأن الجد يحجبهم، ولكن نمشي مع ما ذكره الناظم من أجل أمرين:
أولاً: تتميم الكتاب ولا نشطحُهُ.
ثانيًا: من أجل التأكد من ضعف هذا القول، لأنك ستجد أنه ثَمَّ حصر لبعض الصور وادّعاء تأصيل ليس عليه دليل، يعني يقولون الأصل كذا في هذه المسألة، والأصل كذا وضابط هذه الصور كذا .. إلى آخره، ما الدليل على هذا الضابط؟ نحتاج إلى قول من الرب جل وعلا أو قول النبي ﷺ أو إجماع وليس ثَمَّ هذا ولا ذاك، ولذلك يتأكد من دراسة هذا الباب على ترجيح القول الأول وأن ما فيه من اضطراب يجعل في النفس من قبوله شيء.
стр. 272
قال هنا: ومذهب الإمام زيد ﵁ هو مذهب الأئمة الثلاثة، وكونه كما ذكرنا زيد في أول الدروس أنه إذا صح الحديث: «أفرضكم زيد». لا يلزم منه أن يُتابع في كل صغيرة وكبيرة بل يُتابع فيما ذكره زيدٌ بدليله، يعني إذا قال: هذا كذا ونقل عن النبي ﷺ فعلى العين والرأس، وإذا اجتهد فلم يُخالف حينئذٍ تأتي مسألة الإجماع السكوتي حجة أو ليس بحجة، وأما إذا خُولف فحينئذٍ لا تقف مع كونه أفرض الصحابة، وهذا إن صح الحديث، وإنما ننظر في القول وما استند عليه القول فإن وافقه فعلى العين والرأس، وإن خالف فحينئذٍ نعتذر له ولا نوبخ ولا نعاتب.
هو مذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد بن حنبل ﵃، ووافقهم محمد بن يوسف والجمهور ﵏، الجمهور هذا السياق كما يقول الشوكاني رحمه الله تعالى: فلا يهولنك سياط الجمهور. يعني لا يلسعك أحد بقول في مسألة من أجل أن تتابعه يقول: قول الجمهور كيف تخالف؟ نقول: لا الجمهور ليس بدليل، وإنما يستأنس به عند عدم الترجيح، يعني إذا لم يترجح إليك شيء في المسألة حينئذٍ لا بد من العمل، وإذا كنت مفتيًا لا بد من الفتوى فحينئذٍ تفتي بماذا؟ تفتي بما عليه الجمهور ولا شك لأن الأكثر وإن لم يكن مطردًا أقرب إلى الدليل من الإنفراد وليس بمطرد، لا، قد يكون الأقل معه الدليل وهو أسعد بالدليل لكن إذا لم يكن عندك ترجيح في مسألة وكنت أهلاً للنظر ولم تصل إلى شيء معين تطمئن نفسك إلى قول راجح حينئذٍ تفتي أو تأخذ أنت في نفسك بقول الجمهور، وأما أن يجعل سياطًا يُساط به طلاب العلم بأن هذا مخالف للجمهور وهذا مخالف للأئمة الثلاثة ونحو ذلك، نقول: هذه ليست جادة أهل العلم المحققين - إن صح التعبير - ولا الراسخين في العلم المتبعين للكتاب والسنة. وهو ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى في بيان مذهب زيد قال ﵀:
وَنَبْتَدِي الآنَ بِمَا أَرَدْنَا ... في الْجَدِّ وَالإِخْوَةِ إِذْ وَعَدْنَا
فَأَلْقِ نَحْوَ مَا أَقُولُ السَّمْعَا ... وَاجْمَعْ حَوَاشِي الْكَلِمَاتِ جَمْعَا
وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْجَدَّ ذُو أَحْوَالِ ... أُنْبِيكَ عَنْهُنَّ عَلَى التَّوَالِي
كلها مقدمة ولم يدخل بعد في التفصيل.
стр. 273
(وَنَبْتَدِي) أي نشرع، والأصل نبتدئ بالهمزة، ولكنها أسقطت تخفيفًا وهو لغة، يعني: قد يكون موافقًا للوزن لكنه لغة بإسقاط الهمزة تخفيفًا هو لغة (وَنَبْتَدِي) ونبتدئ لأنه من بدأ يبدأ أين الهمزة التي بدأ الهمزة هي لام الكلمة، هنا أُسقطت تخفيضًا (وَنَبْتَدِي الآنَ) ظرف متعلق بقوله: ... (نَبْتَدِي). وعرفنا (نَبْتَدِي) بمعنى نشرع، (الآنَ) أي في هذا الوقت الحاضر يعني اسم زمان للوقت الحاضر، وقد يقع على قريب ماضٍ، والمستقبل تنزيلاً له منزلة الحاضر، (بِمَا أَرَدْنَا) بما نبتدي بالذي أردنا، الألف هذه للإطلاق في أردنا، و (ما) هذه اسم موصول يعني الذي واقعة على الأحكام، وهذا أظهر لكن يحتاج إلى تقدير مضاف، ويحتمل أنه يقع كما قال البيجوري على العبارات. يعني على الألفاظ، ولكن ليس بظاهر، لكن الأول هو الظاهر (بِمَا أَرَدْنَا) والذي أراده هو ماذا؟ هو بيان الأحكام، والأحكام إنما ذكرها بعباراته، حينئذٍ يكون ذكر العبارات تابعًا لذكر الأحكام، فالأصل هو الأحكام، لذلك يؤيد هذا قوله فيما سبق (وَحُكْمُهُ وَحُكْمُهُمْ سَيَاتِي) إذًا وعد بماذا؟ وعد بذكر الأحكام لا بذكر العبارات، العبارات دالة على الأحكام. الحاصل أن قوله (ما) اسم موصول بمعنى الذي واقعة على الأحكام مع تقدير المضاف أي بالأحكام (وَنَبْتَدِي الآنَ) بالأحكام التي أردنا إيرادها أو إيراد دوالّها يعني العبارات، وجوّز البيجوري أن تكون (ما) هنا واقعة على العبارات، (وَنَبْتَدِي الآنَ) بالعبارات، وهذا بعيد فيه بُعد، أو بالعبارات التي أردنا إيرادها (بِمَا أَرَدْنَا) الألف هذه للإطلاق. قال الشارح: بما أردنا إيراده. يعني من ذكر الأحكام (في الْجَدِّ وَالإِخْوَةِ) في الجدّ أي حال كون ذلك في بيان إرث الجد والإخوة، (في الْجَدِّ وَالإِخْوَةِ) الواو هنا للمعية (وَالإِخْوَةِ) يعني لا من الأم لأنه صار مصطلح أو له حقيقة عرفية إذا أُطلق لفظ الإخوة في هذا الباب انصرف إلى الأشقاء أو الإخوة لأب فقط دون الإخوة لأم، ولذلك قال الشارح: لا من لأم فقط، لأنهم محجوبون بالإجماع، كما أنهم محجوبون بالأب كذلك محجوبون بالجد. (في الْجَدِّ وَالإِخْوَةِ إِذْ وَعَدْنَا) إذ للتعليل كأنه قال: نبتدي لأننا وعدنا بذلك، ووَعَدَ يكون للخير وأَوْعَدَ للشر هذا في الغالب، وقد يستعمل كل منهما مقام الآخر:
وإني وإن أَوْعَدتُه أو وَعدتُهُ ... لمخلف ميعادي ومنجزٌ موعدي
هذا كما سبق أنه أشار إليه بقوله:
وَحُكْمُهُ وَحُكْمُهُمْ سَيَاتِي ... مُكَمَّلَ الْبَيَانِ في الْحَالاَتِ
هنا وفّى بما قد وعد به، وبعض الشراح يقول: سيأتي ذكر هذه المسألة في موضعها، وقد لا يقول إن شاء الله كما صنع البهوتي في أول الروض، وإذا جاء في محلها لا يذكرها ولذلك هنا نص على هذا:
وَنَبْتَدِي الآنَ بِمَا أَرَدْنَا ... في الْجَدِّ وَالإِخْوَةِ إِذْ وَعَدْنَا
قد يقول قائل لماذا؟
стр. 274
لا، قد يكون بعض المؤلفين أو الشراح ونحوهم قد يعُد في أول الكتاب أو في موضع منه أنه سيذكر هذه المسألة في باب كذا، لكنه إذا جاء ينسها فلا يذكرها، لماذا؟ لأنه إنسان، قيل: ما سُمِّيَ الإنسان إنسانًا إلا لنسيانه. فإذا قال: إن شاء الله قد يكون وقد لا يكون، إذا لم يقل فالله أعلم.
(إِذْ وَعَدْنَا) في باب الفروض باب السدس حيث قال:
(وَحُكْمُهُ وَحُكْمُهُمْ سَيَاتِي)
(فَأَلْقِ نَحْوَ) يعني إذا أردت ذلك الفاء هنا فاء الفصيحة (فَأَلْقِ) هذا بقطع الهمزة من ألقى، يقال ألقى فلان السمع، وإلى فلان السمع يعني يتعدّى بنفسه ويتعدّى بـ إلى، استمع وأصغى ﴿أَلْقَى السَّمْعَ﴾ [ق: ٣٧] استمع وأصغى، (فَأَلْقِ نَحْوَ) يعني جهة والنحو يأتي بمعاني في اللغة أوصله بعضهم إلى ثمانية عشر، والمشهور منها ستة والمراد هنا الجهة، نحو صليت نحو الكعبة، يعني جهة الكعبة (فَأَلْقِ نَحْوَ مَا) نحو مضاف وما اسم موصول بمعنى الذي مضاف إليه، (أَقُولُ) هذا صلة الموصول والعائد محذوف والسمع مفعول به لقول ألق، لا لأقول، و (السَّمْعَا) الألف هذه للإطلاق هو مفعول به والعامل فيه ألقِ. أَلقِ (السَّمْعَا) نحو ما أقوله، أقوله حذف هكذا نقدر (وَاجْمَعْ حَوَاشِي الْكَلِمَاتِ جَمْعَا) (وَاجْمَعْ) قال بعضهم: يفسر بأحضر والأصل في جمع التفرّق جمعًا ضم بعضه إلى بعض والظاهر الثاني أقرب (وَاجْمَعْ حَوَاشِي) حواشيَ هذا الأصل لأنه مفعول به لقوله: اجمع ولكن للوزن سكنهُ حينئذٍ التسكين هنا للضرورة ضرورة الوزن وإلا فالأصل هو مفعول به منصوب ونصبه فتحة ظاهرة تظهر وإن كان ياءً، جمع حاشية والمراد بها الحاشية الطرف والمراد بها هنا في هذا الموضع الكلام بتمامه، (اجْمَعْ حَوَاشِي) أي يعني أطراف، والمراد بها الكلام بتمامه، وإنما خص الحواشي الأطراف التي هي الأطراف بالذكر لأن أول الكلام يأتي في غفلة وآخره في سآمة فالشأن أن كل منهما لا يُحفظ، أول الكلام لا يُحفظ - انتبه ما .. لطلاب العلم هذا [ها ها]- أول الكلام لا يحفظ لأن الإنسان ما تبرمج مع الإلقاء فحينئذٍ يكون في غفلة يذهب عنه شيء، في الأثناء قد يكون واصل شيئًا قليلاً، في النهاية سئم فلا الأخير ولا الأول [ها ها] إذًا ماذا بقي؟ بقي الأثناء فقط، لكن لا ينبغي أن يكون هذا شأن طلاب العلم تُذكر فقط هنا.
(وَاجْمَعْ حَوَاشِي الْكَلِمَاتِ) الحواشي المراد بها الأطراف، وخصعها لأن أول الكلمات يأتي في غفلة وآخره في سآمة فالشأن أن كلاً منهما لا يُحفظ، (وَاجْمَعْ حَوَاشِي الْكَلِمَاتِ) حواشي مضاف وكلمات مضاف إليه جمع كلمة، وهنا فسرها بماذا؟ بالقول المفرد، لو قال: كلمات بمعنى الكلمة على حد قول ابن مالك:
وكِلْمةٌ بِهَا كَلامٌ قَدْ يُؤَمّ
لا إشكال فيه يعني كلمات جمع جُمل، وأما الكلمة بمعنى القول المفرد فليست المرادة هنا والله أعلم، ليس مرادًا بها هنا المراد به الكلام، وليس المراد به جزء الكلام (جَمْعَا) منصوب على أنه مفعول مطلق لقوله: ... (اجْمَعْ) يعني جمع التفرق لأن يضُمّ بعضه إلى بعض أو أحضر.
فَأَلْقِ نَحْوَ مَا أَقُولُ السَّمْعَا ... وَاجْمَعْ حَوَاشِي الْكَلِمَاتِ جَمْعَا
стр. 275
مصدر موكد، والمراد قال الشارح هنا: لماذا أتى بهذا البيت؟ يعني كل ما سبق يحتاج إلى جمع ويحتاج إلى إلقاء السمع، لماذا أتى به هنا خصصه. قال: (فَأَلْقِ نَحْوَ مَا أَقُولُ السَّمْعَا) يعني سماع تفهم وإذعان لا سماع إنكار ولا جهل ونحو ذلك، قال: المراد أنك تصفي لما يورده في العبارات من الجد والإخوة وتجمع أول الكلام وآخره وتفصيله وإجماله ومنطوقه ومفهومه، وتهتم بذلك اهتمامًا زائدًا عسى أن تظفر ببعض المراد، وإنما قدم هذا الكلام لأن باب الجد والإخوة خطرٌ صعب المرام، صعب هذا تفسير لما قبله، ولقد كان السلف الصالح ﵃ يتوقون الكلام فيه جدًّا عن علي ﵁ أنه قال: من سرَّه أن يقتحم جراثيم جهنم فليقض بين الجد والإخوة. هذا فيه ترهيب لمن أراد أن يقدم على الفتوى بين الجد والإخوة. هذا إذا لم يظهر له شيء، وأما لما استقرت المذاهب وعُلم دليل كل قول حينئذٍ ينظر الناظر في القول وفي دليله، وثَمَّ قواعد وأصول يسير عليها من حيث الترجيح فحينئذٍ يفتي أو يختار ما يراه أقرب إلى الأدلة ولا يخاف في ذلك. ومثل هذه العبارات قد تكون في أول الأمر لم تتضح الصورة ولم يستقر المذهب من حيث يحجب أو لا يحجب ... إلى آخره.
стр. 276
(من سرّه) يعني أفرحه (أن يقتحم جراثيم جهنم) الاقتحام هو الدخول، والجراثيم أصول جهم ومعظمها جمع جرثومة بمعنى الأصل والمعظم ... (فليقض بين الجد والإخوة) والمراد التنفير من التكلم في الجد والإخوة، وإلا فلا يفرح أحد بدخول أصول جهنم هكذا قاله البيجوري. وعن ابن مسعود ﵁ كذلك جملة فيها نوع ترهيب لمن أراد أن يقبل على فتوى في مثل هذا المقام: (سلونا عن عُضلكم) يعني عن مشكلاتكم الأمور المشكلة العظام اسألوا عنها ولا إشكال في ذلك (سلونا عن عُضَلِكُم) يعني عن مشكلات أموركم، جمع عضلة كغرفة وغرف عُضُل (واتركونا من الجدِّ) يعني لا تسألونا عن مسائل الجد، ليس مطلقًا الجد إنما إذا كان مجتمعًا مع الإخوة، أما لكونه منفردًا هذا لا إشكال فيه، بل محل إجماع كما سبق (اتركونا من الجدِّ لا حيّاه ولا بيّاه) لا ملّكه ولا اعتمده بالتحية. يقال حيّاك الله أي ملكك من التحية وهي المُلك أو المِلك، ومنه التحيات لله. يعني المُلك لله، وبياك الله: اعتمدك. وكذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه لما طعنه أبو لؤلؤة وحضرته الوفاة قال: أحفظوا عني ثلاثة: لا أقول في الجد شيئًا يعني في إرث الجد مع الإخوة (لا أقول فيه شيئًا - يوثق فيه - وإلا له قول في هذه المسألة، وقد رُوِيَ عنه أقوال (ولا أقول في كلالة شيئًا، ولا أُوَلِّي عليكم أحدًا). إذًا هذه الأقوال مأثورة عن السلف ومحلها قبل استقرار المذاهب ومعرفة الأدلة والنظر فيها، يعني كانت السنن متفرقة قد يكون ذاك الذي لم يكن حاضرًا قد يحفظ بعض السنن والمرويات عن النبي ﷺ ولا يكن عالمًا بها من يفتي، حينئذٍ احتياطًا أن يقف حتى يتضح الأمر وتظهر المسألة، لكن بعد جمع السنن وبيانها والحكم عليها ومعرفة الأقوال وأدلتها وما من مسألة إلا وقد مُحصت وفحصت إلى آخره فينظر الناظر ولا يهاب ولا تحجبه هذه الأقوال وإنما لها وقتها ولها زمنها. يعني لا يستدل بها في مثل هذه الأوضاع، وكذلك بعض الجمل عن السلف قد تكون لها حالٌ يختص بذلك الزمان أو بذلك المكان المعين حينئذٍ لا تستعمل في كل زمان وفي كل مكان فلينتبه لهذا.
إذا تقرر ذلك قال الناظم رحمه الله تعالى:
وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْجَدَّ ذُو أَحْوَالِ ... أُنْبِيكَ عَنْهُنَّ عَلَى التَّوَالِي
стр. 277
(وَاعْلَمْ) اجزم، ولذلك عدّاه بالباء والعلم بعد التصور لا بد أن يكون مسبوقًا بتصور لأن المراد هنا إدراك التصديقات لا مطلق العلم الشامل للتصورات، إذًا (وَاعْلَمْ) أي اجزم وضمن اعلم بمعنى اجزم فعداه بالباء أو نقول هو بنفسه يتعدّى، والغريب أن كثيرًا ممن يذكر هذه المسألة وهم جهابذة في مثل هذه المواضع والبيجوري كذلك يذكر أنه لا يتعدى بنفسه إلا إذا ضُمن بمعنى أجزم بكذا مع أنه في القرآن ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤] يعني لم يضمن هناك وإنما تعدّى بنفسه، ولذلك نقول: العلم قد يتعدّى بنفسه ﴿يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: ٩١]، وقد يتعدّى بالباء، وهذا كثير أن يوجد اللفظ الواحد يتعدى بنفسه ويتعدى بحرف آخر، ولذلك كما سبق ألقى فلان السمع، وألقى إلى فلان السمع. (وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْجَدَّ ذُو أَحْوَالِ) ليس الجد مطلقًا إنما نقيده بكونه مع الإخوة لا وحده، (وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْجَدَّ) مع الإخوة لا وحده (ذُو أَحْوَالِ) ذوي يعني صاحب، وذو هنا وقع خبر لأن، ذو أحوالي يعني ذو أحوال، وأحوال هذا أفعال جمع حالٍ والمراد به الصفة يعني هو صفات، صفة يرث بها مع الإخوة أحد الصنفي ويكون له إما المقاسمة وإما ثلث المال، وقد يكون معهم صاحب فرض حينئذٍ يخير بين ثلاثة مسائل سيأتي ذكرها هنا فيما بعد.
(أُنْبِيكَ عَنْهُنَّ) أُنبيك بضم الهمزة من أنبأ على المشهور، المشهُور أن أنبأ أُنبيء هذا رباعي، فإذا كان كذلك أنبأ رباعي الفعل المضارع يكون بضم حرف المضارعة سواء كانت ياء أو نون أو همزة على المشهور، ويجوز فتحها من نَبَأَ، فإن الجوهريّ جعل الفعل منها ثلاثيًّا ورباعيًّا هكذا جوّزه البيجوري هناك، وأبدلت همزته ياء بعد تسكينها تخفيفًا أنبي أُنبيك أُنبأك هذا الأصل، أُنبيء بالهمزة أُبدلت الهمزة ياءً بعد تسكينها تخفيفًا أُنبيك يعني أخبرك (عَنْهُنَّ) يعني عنها عن هذه الأحوال (عَنْهُنَّ) أَتَى بنون الإناث هل له مرجع نون الإناث هنا؟ أين مرجعه؟ أحوال؟ [ها] صاحب أحوال أُنبيك عنهن يعني عن هذه الأحوال هذا الظاهر، ولكن البيجوري هناك ذهب ذهنه أن الأصل أن يقول أنبيك عنهم. قال: أتى بنون النسوة لضيق النظم. والصواب أنه يعود للأحوال أنبيك عن هذه الأحوال.
(عَلَى التَّوَالِي) يعني على التتابع. إذًا قوله: (وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْجَدَّ) هنا ليس مطلقًا (ذُو أَحْوَالِ) يعني صاحب أحوال، وأحوال جمع حال يُذَكّر ويُؤنث، ولذلك عاد عليه الضمير بالتأنيث. (أَحْوَالِ) باعتبارات فباعتبار أن أهل الفرض معهم وجودًا وعدمًا حالان: يعني الجد والإخوة قد يكون معهم صاحب فرض وقد لا يكون، أليس كذلك؟
стр. 278
أصحاب الفروض الآن مسائل الجد والإخوة، قلنا: يرث، أو يرث الإخوة مع الجد، هذا له من حيث ارتباطه بأصحاب الفروض له حالان، قد تكون في المسألة جد وإخوة فقط وليس معهم صاحب فرض، وقد يكون جد وإخوة ومعهم صاحب فرض، إذًا هذان حالان أو لا؟ هذان حالان باعتبار، ماذا؟ باعتبار وجود أصحاب الفروض أو باعتبار أصحاب بالفروض معهم وجودًا وعدمًا. إذًا هذان حالان، ولذلك قال هنا: فباعتبار أن أهل الفرض معهم .. يعني مع الجد والإخوة وجودًا وعدمًا من جهة وجودهم وعدمهم حالان، لكل منهما حال، وباعتبار ماله من المقاسمة مقاسمة الإخوة والثلث، إما الثلث جميع المال، أو ثلث الباقي وهما حالان سيأتيان، وغيرهما من السدس وثلث الباقي خمسة أحوال، لأنه إن لم يكن معه صاحب فرض فله حالان، الجد إن لم يكن معه صاحب فرض فله حالان:
- إما المقاسمة.
- وإما ثلث المال جميع المال.
يُعطى خير النوعين، يعني إذا كانت المقاسمة له خير أخذ المقاسمة هذا إذا كانت زائدة على الثلث، وإن كان الثلث خير له من المقاسمة، بأن كانت المقاسمة أدنى من ثلث جميع المال حينئذٍ انتقل إلى الثلث، إذًا يخير بين الأمرين ولا يقل عن الثلث في جميع المال، إذًا إن لم يكن معه صاحب فرض فله حالان، وإن كان معه صاحب فرض فحينئذٍ له ثلاثة أحوال:
- إما المقاسمة.
- وإما الثلث الباقي.
- وإما سدس جميع المال ولا يقل عن السدس.
هذه ثلاث مع الاثنين خمسة. إذًا من حيث الأصل الجد والإخوة باعتبار أصحاب الفروض وعدمهم حالان:
- معه صاحب فرض.
- ليس معه صاحب فرض.
طيب إذا لم يكن معه صاحب فرض حينئذٍ له حالان على التفصيل:
- إما مقاسمة.
- وإما ثلث جميع المال. ولا يقل عن ثلث جميع المال.
وإن كان معه صاحب فرض حينئذٍ هو مخير بين ثلاثة أشياء:
- المقاسمة.
- وثلث الباقي.
- وسدس جميع المال.
وهذه ستأتي مفصلة.
(أُنْبِيكَ) أي أخبرك (عَنْهُنَّ) أي عن تلك الأحوال، إما تصريحًا وإما ضمنًا من تفاريع الكلام، فإن المسائل التي سيذكرها الناظم هنا إما بطريق المنطوق، وإما بطريق المفهوم، يعني قد يذكر بيتًا واحدًا ينص بالمنطوق على مسألة، بالمفهوم يؤخذ منه مسألتان. (عَلَى التَّوَالِي) أي ولاء بحسب الحاجة.
يُقَاسِمُ الإِخْوَةَ فِيْهِنَ إِذَا ... لَمْ يَعُدِ الْقَسْمُ عَلَيْهِ بِالأَذَى
(يُقَاسِمُ) بفتح القاف هذا شروع منه في تفصيل الأحوال، فذكر أولها المقاسمة سواء كان معه صاحب فرض أم لا، وهذا كما ذكرنا أنه يريد أن يقرر مذهب من من الصحابة؟ مذهب زيد بن ثابت، وهذا الذي عليه جمهور الأئمة المتأخرين، وحاصل مذهب زيد قبل أن نشرع في هذا أن الإخوة إذا اجتمعوا مع الجد، فإما أن يكونوا:
- من أبوين فقط.
- أو من أب فقط.
- أو من مجموع الصنفين.
يعني إذا اجتمع الإخوة مع الجد لهم ثلاثة أحوال أو لهم حالان، الأحسن أن نقول لهم حالان:
- إما أن يكون من صنف واحد.
- أو من الصنفين.
إما أن يكونوا من صنف واحد إما إخوة أشقاء فقط، وإما إخوة لأب.
стр. 279
النوع الثاني والحالة الثانية أن يكون معه خليط يعني مجموع من الأشقاء، ومن الإخوة لأب، هذه ستأتي المعنى التي تسمى بالمعادة، هذه المعادة فيها أضحوكة يعني الأصل أن الأشقاء كما سبق معنا يحجبون الإخوة لأب، أليس كذلك؟ لأنهم بقربه حينئذٍ الأقرب ما كان ذا جهتين مقدم على ما كان على جهة واحدة، القوي مقدم على الضعيف، حينئذٍ الإخوة الأشقاء يحجبون الإخوة لأب، لكان من أجل المضارة بالجد أن يضروه بالمقاسمة، قالوا لهم: تعالوا معنا. فيحسبون على الجد، فإذا أخذوا نصيبهم وأضرّوا الجد قالوا لهم: سلامٌ عليكم. أنتم ما ترثون معنا أنتم محجوبون [ها ها] وهذا ما يسمى بالمعادّة، وهذا أمر عجيب يعني لا تأتي به شريعة، أن يصلحك عليهم أولاً فيعدون ويجعلون ورثة، ثم بعد ذلك ينفى عنهم الإرث، كيف هذا يجمع بكونهم يرثون لا يرثون في مسألة واحدة، هذا تناقض هذا أشد ما يؤخذ في هذا الباب، وهو إذا اجتمع الصنفان الأصل أن الإخوة الأشقاء يحجبون الإخوة لأب هذا الأصل، فحينئذٍ لا يتصور في هذا المقام إلا إما أن يكون إخوة أشقاء، وإما إخوة لأب، أما أن يجتمعوا فلا يتصور إذا ورثنا على الأصول السابقة من حيث الحجب وعدمه، حينئذٍ الإخوة الأشقاء يحجبون الإخوة لأب، أما أن يعدو معهم من أجل المضار بالجد ثم إذا أخذوا نصيبهم قالوا للإخوة لأب أنتم محجوبون؟ هذا ما يصلح هذا، إذًا إما أن يكونوا من أبوين فقط، أو من الأب فقط، أو من مجموع الصنفين.
فإذا كان معه أحد الصنفين وهذا الذي سنبحثه أولاً أن يكون معه أحد الصنفين: إما أشقاء فقط ليس عندنا إلا إخوة أشقاء، إما ذكور وإما إناث، أو ليس عندنا مع الجد إلا إخوة لأب إما ذكور وإما إناث، فالمسائل التي سنذكرها متعلقة بصنف واحد، فإذا كان معه أحد صنفين فقط فله معهم حالتان:
الحالة الأولى: ألا يكون معهم صاحب فرضٍ. يعني أن ينفرد الجد والإخوة وليس معهم صاحب فرض من الفروض السابقة، وسيأتي أنه لا يتصور أن يكون معهم إلا سبعة أنواع فقط، ألا يكون معهم صاحب فرض فله حينئذٍ معهم ثلاث حالات:
الأولى: أن تكون المقاسمة أحظّ له من ثلث المال.
الحالة الثانية: أن يكون ثلث المال أحظَّ له من المقاسمة.
الحالة الثالثة: استواء المقاسمة وثلث المال.
هذه الحالة هي التي بدأ بها الناظم.
ولذلك قال:
يُقَاسِمُ الإِخْوَةَ فِيْهِنَ إِذَا ... لَمْ يَعُدِ الْقَسْمُ عَلَيْهِ بِالأَذَى
فَتَارَةً يَأْخُذُ ثُلْثًا كَامِلاَ ... ..........................
(يُقَاسِمُ الإِخْوَةَ) من الذي يقاسم؟ الجدّ (الإِخْوَةَ) مطلقًا أو نقيده؟
стр. 280
إذا كان معه أحد الصنفين يقاسم الإخوة يعني يقاسم الجد الإخوة (فِيْهِنَ) في بمعنى من، يعني في حال كون المقاسمة معدودة منهن فهو متعلق بمحذوف حال، ولذلك فسره الشارح بقوله فسر الضمير بقوله: (في تلك الأحوال). والمراد أن المقاسمة في تعدد تلك الأحوال بمعنى أن المقاسمة هذه معدودة في أحوال الجدّ، والمراد بالمقاسمة هنا أن يُنَزّل أو يُجعل الجد بمنزلة الأخ الشقيق، حينئذٍ إذا كان إخوة فقط ذكور يكون الجد رأسًا معهم فيحسب بخمسة فيتقاسمون المال بينهم على أسهم لكل واحد سهمه الخاص، وإذا كان الجد مع أخت شقيقة مثلاً فيحسب الجد بسهمين لماذا؟ لأن لو كان محله أخٌ شقيق لكان للذكر مثل حظ الأنثيين كذلك الجد مثله، إذًا المقاسمة المراد بها أن نعتبر الجد كأنه أخٌ شقيق يأخذ نصيب الأخ الشقيق ويعامل معاملته مع بقية الإخوة والأخوات، أي أنه يأخذ مع وجود الشقيقة سهمين لأنه كالأخ الشقيق مع الشقيقة حيث يأخذ الذكر ضعف الأنثى، متى هذا؟ قال: (إِذَا ** لَمْ يَعُدِ الْقَسْمُ عَلَيْهِ بِالأَذَى) تكون للجد المقاسمة مع الإخوة إذا لم يحصل بله ضرر، ومتى يتضرَّرَ في هذا المقام في هذا المحل؟ يتضرر الجد إذا نقصت المقاسمة عن الثلث، إذا قيل هيا اقتسموا المال بينكم فحينئذٍ إذا كان نصيب الجد أقل من الثلث نقول: المقاسمة هذه لا تصح له، وإنما ينتقل إلى الثلث ثلث جميع المال، لماذا؟ لكون المقاسمة ليست على شرطها ولذلك قال: إذا لم يعد القسم (إِذَا) هذا ظرف لقوله: (يُقَاسِمُ) يقاسم إذا، إذا لم يكن كذلك فلا يقاسم فله مفهوم (إِذَا) ظرف لقوله: (يُقَاسِمُ). (لَمْ يَعُدِ الْقَسْمُ) يعد أصله يعود، هذا فعل مضارع دخلت عليه لم فحينئذٍ سكنت الدال التقى ساكنان حذفت الواو أليس كذلك؟ ثم الدال الساكنة جاء بعدها ساكن قسم فكُسر الأول على أصل بابه يعني من باب التخلص من التقاء الساكنين، وأصل (يَعُدِ) يعودُ، فلما دخل عليه الجازم حذف الضمة فالتقى ساكنان فحذفت الواو، على الأصل للتلخص من التقاء الساكنين، وحركت الدال بالكسر تخلصًا من التقاء الساكنين الذي بعد الدال ليس الذي قبلها، الذي قبلها حُذف (إِذَا ** لَمْ يَعُدِ الْقَسْمُ)، (الْقَسْمُ) بالفتح أنا عندي بالكسر، القسمِ بالكسر هذا الجزء من الشيء وليس المراد هنا، المراد به القسمة واقتسام الشيء، قسمُ قِسمة المراد به المصدر وهو اقتسام الشيء (لَمْ يَعُدِ الْقَسْمُ) قسَمَ قِسْمًا (إِذَا ** لَمْ يَعُدِ الْقَسْمُ عَلَيْهِ) يعني على الجد (بِالأَذَى) يعني بالضرر، وقوله (بِالأَذَى) متعلق بقوله: (يَعُدِ). والأذي مصدر أذى أو أَذِيَ كتَعِبَ مصدر أَذِيَ كتعب وهذا صادق بماذا؟ إذا لم يعد القسم عليه بالأذى؟ صادق بأن تكون المقاسمة خيرًا له من الثلث أو السدس أو الثلث الباقي، وبأن تكون مساوية لما ذكر، ومفهومه أنه إذا عاد عليه القسم بالأذى لا يقاسم.
стр. 281
إذًا أراد بهذا البيت أن يبين لك أن الجد مع الإخوة قد يقاسم الإخوة لكن بشرط ألا تكون هذه المقاسمة فيها ضررٌ عليه، إن كان في هذا الباب الذي معنا ألا يقَل نصيبه بالمقاسمة عن ثلث المال كاملاً، وإن كان في المسائل الآتية بأن لا يقل نصيبه عن السدس سدس جميع المال. قال هنا الشارح: يقاسم الإخوة فيهن. أي في تلك الأحوال، والمراد أن المقاسمة في تعدد تلك الأحوال ومن جملتها المقاسمة المذكورة يعني ليس المراد أنه يقاسم الإخوة مطلقًا في كل الأحوال كما هو ظاهر كلام النظم، بل المراد أن المقاسمة من ضمن تلك الأحوال لأنه قال: (ذُو أَحْوَالِ). منها المقاسمة (إِذَا ** لَمْ يَعُدِ الْقَسْمُ عَلَيْهِ بِالأَذَى) أي بالضرر الحاصل بالنقص عما سيذكره أما الثلث أو السدس. فهذا البيت ذكر إجمال الأحوال وما بعده تفصيلٌ له. قال: وبيان ذلك الشارح بيان ذلك:
- إما ألا يكون مع الجد والإخوة صاحب فرض.
- وإما ألا يكون معهم صاحب فرض.
وانتبه أن المراد هنا في الحديث الأول في المنظومة المراد به صنف واحد يعني إما أشقاء فقط، وإما إخوة لأب فقط، وأما كونهما مجتمعين هذا يأتي في آخر النظم، وبيان ذلك أنه إما ألا يكون مع الجد والإخوة صاحب فرض، وإما أن يكون معهم صاحب فرض، فإن لم يكن معهم صاحب فرض فله خير الأمرين من المقاسمة ومن ثلث جميع المال، وهذا الذي عناه بقوله:
إِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ ذُو سِهَامِ ... فَاقْنَعْ بِإِيْضَاحِي عَنِ اسْتِفْهَامِ
إذًا يقاسم الإخوة فيهن إذا لم يعد القسم عليه بالأذى (فَتَارَةً يَأْخُذُ ثُلْثًا كَامِلاَ) هذا متى؟ (إِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ ذُو سِهَامِ)، إذًا إذا لم يكن معه صاحب فرضٍ حينئذٍ هو بخير الأمرين:
إما مقاسمة، وإما ثلث جميع المال. حينئذٍ تأتي الصور ثلاثة:
- إما أن يكون الأحظ له المقاسمة لأنها قد تكون المقاسمة ثلثي المال ليست ثلث المال، حينئذٍ يأخذ بالمقاسمة.
- وإما أن يكون ثلث المال خيرًا له من المقاسمة، وذلك فيما إذا كانت المقاسمة مثلاً فيما إذا كانت المقاسمة الربع مثلاً فحينئذٍ صار أقل من الثلث فالثلث خير له من المقاسمة.
- وإما أنه لو قاسم لكانت المقاسمة هي عين ثلث جميع المال حينئذٍ استويا، فالأحوال عند التفصيل ثلاثة أحوال، وهذا كما ذكرنا إن لم يكن معهم صاحب فرض، وكان معه صنف واحد إما إخوة أشقاء أو إخوة لأب، ولذلك تقعيد الشارح هنا تقعيد مؤصل وهو كلام مختصر ومفيد ويحفظ. بيان ذلك [إما أن أنه] إما ألا يكون مع الجد والإخوة صاحب فرض، وإما أن يكون معهم صاحب فرض، فإن لم يكن معهم صاحب فرض فله خير الأمرين من المقاسمة ومن ثلث جميع المال، أي وإن كان معه صاحب فرض له خير الأمور الثلاثة: المقاسمة، والثلث الباقي وسدس جميع المال وهذا سيأتي في محله.
стр. 282
(فَتَارَةً) يعني حالةً (يَأْخُذُ) الجد (ثُلْثًا كَامِلاَ ** إِنْ كَانَ بِالْقِسْمَةِ عَنْهُ نَازِلاَ)، (فَتَارَةً) الفاء هنا فصيحة يعني إذا أردت بيان الأحوال فتارة، فالفاء فاء الفصيحة، فتارة يأخذ الجد (ثُلْثًا) بسكون اللام للوزن لغة للوزن كذلك (كَامِلاَ) يعني تامًا ولا ينزل عنه البتة، بل هو في هذا المقام لا يمكن أن يأخذ أقل من ثلث جميع المال، وظاهر النظم أنه يأخذ الثلث في هذه الحالة فرضًا لأنه قال ثلثًا كاملاً، ومعلوم أنه إذا أطلقت هذه الأعداد انصرف إلى الفرض أرباب السدس وأرباب الربع والنصف .. إلى آخره، إنما يقال في شأن أصحاب الفروض حينئذٍ ظاهر كلام النظم أنه يأخذه فرضًا، وقيل تعصيبًا، قول آخر. على كلٍّ هم يختلفون في هذا (فَتَارَةً يَأْخُذُ)، (فَتَارَةً) أي حالةً ظرف ليأخذ، يأخذ الجد ثلثًا كاملاً، متى؟ (إِنْ كَانَ بِالْقِسْمَةِ عَنْهُ نَازِلاَ)، (إِنْ كَانَ بِالْقِسْمَةِ) بالمقاسمة (عَنْهُ) عن الثلث (نَازِلاَ) إن نزل عن الثلث بالمقاسمة حينئذٍ رجع إلى الثلث. إذًا مفهومه مفهوم مخالفة دل على المسألتين الأخرتين لأن هذه المسألة لها ثلاثة حالات:
- إما أن تكون المقاسمة له أحظ.
- وإما أن يكون الثلث له أحظ.
- وإما أن يستويان. نص على ماذا؟
(فَتَارَةً يَأْخُذُ ثُلْثًا كَامِلاَ) بقيد، قيده (إِنْ كَانَ بِالْقِسْمَةِ عَنْهُ نَازِلاَ) إن نزل عن الثلث بالمقاسمة حينئذٍ لجأ إلى الثلث، مفهوم المخالفة بقوله: (إِنْ كَانَ بِالْقِسْمَةِ عَنْهُ نَازِلاَ) إن لم يكن نازلاً عنها بأن كانت المقاسمة أحظ له من الثلث حينئذٍ يأخذ بالمقاسمة بـ (إِنْ كَانَ بِالْقِسْمَةِ عَنْهُ) عن الثلث نازلاً مفهومه مفهوم الخالفة إن كانت بالمقاسمة له أكثر من الثلث والحظ له مع المقاسمة حينئذٍ أخذ بالمقاسمة. قال: وذلك في صورٍ غير منحصرة. يعني أنه يأخذ ثلثًا كاملاً (إِنْ كَانَ بِالْقِسْمَةِ عَنْهُ نَازِلاَ)، وهذه المسألة هنا فيه نوع تشويش نبسطها بما نذكره الآن، فإذا كان معه أحد صنفين فقط فله معهم حالتان كما ذكرنا سابقًا:
الحالة الأولى: ألا يكون معهم صاحب فرض. فله حينئذٍ معهم ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن تكون القاسمة أحظ له من ثلث المال. يعني أن تكون المقاسمة أكثر من الثلث، وضابطها ضابط هذه الصورة عندهم أن يكون الإخوة أقل من مثليهم يعني عدد الإخوة أقل من مثليه الجد مرتين أقل من مثليه جد وأخ، حينئذٍ نقول الجد هنا ضعف الأخ لأنه باثنين، والأخ هذا واحد. إذًا ضابط هذه الصورة التي يأخذ فيها الجد بالمقاسمة إذا كانت أحظ له من ثلث المال أن يكون الإخوة أقل من مثليه، بأن يكون مثلاً ونصفًا فما دون ذلك، وذلك منحصر في خمس صور فقط هي التي يحكم عليها بكون الجد يأخذ بالمقاسمة لأنه أحظ له من الثلث كاملاً.
الصورة الأولى: جد وأخت، وهذه يذكرونها بأصولها وانكسارها وعولها، لكن نحن ما أخذنا هذا، وإنما نذكر نتيجته فحسب جد وأخت فله في هذه الصورة الثلثان، الجد له في هذه الصورة الثلثان ولا شك أن الثلثين أكثر من الثلث فيأخذ بالمقاسمة.
الصورة الثانية: جد وأخ فلهم في هذه الصورة نصف المال، والنصف أكثر من الثلث.
стр. 283
الصورة الثالثة: جد وأختان فلهم في هذه الصورة النصف كالتي قبلها وهو أكثر من الثلث.
الرابعة: جد وثلاث أخوات. فله في هذه الصورة [الخمسان] والخمسين، لماذا؟ لأنهم ثلاث أخوات والجد يحسب باثنين لأنه كأخ شقيق ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] إذًا ثلاثة رؤوس والجد اثنين خمسة، أليس كذلك؟ خمسة فله في هذه الصورة الخمسان وهما أكثر من الثلث، لأن العدد الجامع للكسرين خمسة عشر فثلثه خمسة، وخمساه ستة وهي أكثر من الواحد يعني أكثر من الخمسة بواحد.
الصورة الخامسة: جد وأخ وأخت، فله في هذه الصورة مثل ما لَهُ في التي قبله.
خمس صور يُحكم بكون الجد يأخذ بالمقاسمة لأنها أحظ له من ثلث جميع المال.
الحالة الثانية أن تستوي له المقاسمة وثلث المال يعني يستويان، تكون بالمقاسمة هي ثلث جميع المال، ولو قلت ثلث جميع المال هي نفسها المقاسمة، وضابطها أن يكون الإخوة مثليه وهذه محصورة في ثلاث صور:
- الصورة الأولى: جد وأخوان.
- والصورة الثانية: جد وأخ وأختان.
- الصورة الثالثة: جد وأربع أخوات.
في هذه كلها يأخذ بماذا؟
ثلث جميع المال سواء سمي مقاسمه، أو سمي ثلث جميع المال، فيستوي له المقاسمة والثلث في تلك الصور.
فإن قاسم أخذ ثلثًا وإن لم يقاسم كذلك أخذ ثلثًا.
واختلف في التعبير في هذه الحالة هل يعبر بالمقاسمة؟ هل يعبر بالثلث؟ هل يعبر بالتخيير؟ وينبني عليه أنه لو عبر بالمقاسمة حينئذٍ يكون إرثًا بالتعصيب، وإذا عُبرِّ بالثلث يكون إرثه بالفرض وقيل بالتخيير، وعلى كل هذا أو ذاك والصحيح في هذه المسائل كلها أن الجد يحجب الإخوة، إن كان لوحده ولم يكن صاحب فرض حينئذٍ أخذ المال كله فهذه الصور الخمس الذي يترجح فيها المقاسمة على الثلث والصحيح أن الجد يحجب الإخوة فله كل المال، وكذلك في الصور الثلاث الأخرى الصحيح أن الجد يحجب الإخوة وله كل المال. إذًا هذه ثمان صور في خمس منها تكون له المقاسمة أحظ من ثلث المال، وفي ثلاث صور يكون ثلث جميع المال أحظ من المقاسمة.
الحالة الثالثة أن يكون ثلث المال أحظ من المقاسمة فيأخذه فرضًا وهي التي قدمها المصنف وهي ما عدا هذه الصور الثمانية، فلذلك تذكر الصور التي يترجح فيها المقاسمة ثم الصور التي تستوي فيها المقاسمة والثلث، ثم يقال ما عدا هذه الصور الثمانية فيكون له ثلث جميع المال لأنها لا تنحصر.
الصورة الثالثة أن يكون ثلث المال أحظ من المقاسمة فيأخذه فرضًا. وضابطها أن يكونوا أكثر من مثليه. هذه ضوابط تحتاج إلى نصوص يعني الضابط أن يكون أقل من مثليه، أن يكون مثليه، أن يكون أكثر ... إلى آخره. نقول: ما الدليل على هذا؟ هذه نظروا في المسائل ثم بعد ذكروا الضوابط، وإلا لا أصل لها من حيث الشرع، ولا تنحصر صور هذه الحالة كما انحصرت صورة الحالتين السابقتين، فأقلها جد وأخوان وأخت، أو جد وخمس أخوات، أو جد وأخ وثلاث أخوات إلى ما فوق، والصحيح في هذه المسائل كذلك أن الجد يحجب الإخوة فيأخذ المال كله. إذًا قوله:
فَتَارَةً يَأْخُذُ ثُلْثًا كَامِلاَ ... إِنْ كَانَ بِالْقِسْمَةِ عَنْهُ نَازِلاَ
стр. 284
هذا أشار إلى الصورة الأخيرة، وهي أن يكون ثلث المال أحظ له من المقاسمة، وهذه لا حصر لها، وهي التي قدمها، ولذلك قال الشارح: وذلك في صور غير منحصرة، وضابطها عندهم أن تزيد الإخوة على مثليه، يعني مثلي الجد، منها جد وأخوان وأخت، فإن لم يكن عنه نازلاً عنه بأن كانت المقاسمة أحظ، وهذا مأخوذ من المفهوم، إن كانت القسمة عنه نازلة، فإن لم يكن عنه نازلاً فحينئذٍ أخذ بالمقاسمة، بأن كانت المقاسمة أحظ
، وذلك منحصر في خمس صور كما ذكرناه سابقًا، أو كانت المقاسمة والثلث سيَّيْنِ فلا يكون نازلاً عن الثلث وذلك منحصر في ثلاث صور كما ذكرناه سابقًا.
ثم قال هنا الشارح: فظاهر الكلام اختيار التعبير بالمقاسمة حيث استوى الأمران [نعم] لأنه قال: (إِنْ كَانَ بِالْقِسْمَةِ عَنْهُ نَازِلا). هذا يصدق على ما إذا كانت المقاسمة أحظ وفيما إذا كانت المقاسمة مستوية مع الثلث، فعبر بالمقاسمة إذًا عبر بالمقاسمة قلنا فيها ثلاثة أقوال عندهم وينبني على التعبير هل أخذ بالتعصيب أو أخذ بالفرض، هذه الحالة كما ذكرنا هي الحالة الأولى وهي الجد مع أحد الصنفين إخوة أشقاء أو إخوة لأب ولم يكن معهم صاحب فرض حينئذٍ له الخيار بين آمرين المقاسمة أو ثلث جميع المال بشرط أن لا يكون معه صاحب فرض، ولذلك قال:
إِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ ذُو سِهَامِ ... فَاقْنَعْ بِإِيْضَاحِي عَنِ اسْتِفْهَامِ
(إِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ) أي مع الجد والإخوة في قوله: (يُقَاسِمُ الإِخْوَةَ فِيْهِنَ إِذَا). ثم قال: (فَتَارَةً يَأْخُذُ ثُلْثًا كَامِلاَ). إذا لم يكن هناك معه في المسألة ذو سهامي يعني أصحاب فروضٍ، إن لم يكن هناك مع الجد والإخوة ذو سهام، ذو بالإفراد صاحب سهامٍ. وهناك البيجوري لا يرى هذا، يرى أنه لا يستقيم به الوزن وأن النسخة الأخرى [ذُووا سِهَامِ] ذووا بالجمع وهذا يشير إليه الشارح هنا حيث قال: أي أصحاب فروض. وبالنسخة الحجرية ذووا بواوين وهو جمع ذو وإن كان شاذًّا إلا أن المراد به هذا أصحاب الفروض. إذًا بصيغة الجمع وأما (ذُو سِهَامِ) لا يستقيم الوزن عليه كما قال البيجوري هناك.
(فَاقْنَعْ) يعني فارضه (فَاقْنَعْ بِإِيْضَاحِي) يعني بتوضيحي (عَنِ اسْتِفْهَامِ) السين هنا للطلب يعني عن طلب الفهم مني بطلب زيادة الإيضاح فإني قد أوضحتها الإيضاح المحتاج إليه، (اسْتِفْهَامِي) تكتب الياء إن كان كثير يحذفونها (اسْتِفْهَامِي) إما أن تكون الياء هذه للإشباع عن الكسرة، وإما أن تكون ياء المتكلم وعليه يكون من باب إضافة مصدر على مفعولها، على كل لا بد من كتابة الياء، ثم ينظر فيها هل هي إشباع يا إطلاق وهي التي يعبر عنها بالإشباع أو ياء المتكلم ويكون من إضافة المصدر لمفعوله.
стр. 285
(إِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ) مع الجد والإخوة (ذُو سِهَامِ) ذوو سهام أي أصحاب فروض من الزوجين والأم والجدتين والبنت وبنت الابن، هذا ما يتصور إرثه مع الجد، لا يوجد مع الجد صاحب فرض إذا كان ثَمَّ صاحب فرض إلا واحد من هؤلاء السبعة وهم: الزوجان اثنان، والأم ثلاثة، والجدتان خمسة، والبنت ستة، وبنت الابن. هؤلاء سبعة كلهم لا يتصور وجود صاحب فرض مع الجد والإخوة إلا وهو واحد من هؤلاء السبعة (فَاقْنَعْ بِإِيْضَاحِي) لك الأحكام عن الاستفهام عن طلب الفهم مني، وقال: سيأتي بيان معنى القناعة (فَاقْنَعْ) هذا مأخوذ من فعل الأمر يعني ارض فاقنع من القناعة والرضا باليسير من العطاء من قولهم: قَنِعَ بكسر قنوعًا قناعةً أي إذا ارضي. قال هنا الشارح: تنبيه ما ذكر من المقاسمة والثلث حالان من الأحوال الخمسة: قلنا من الأحوال الخمسة لماذا؟ لأن الجد إن لم يكن معه صاحب فرض فله حالان المقاسمة ثلث، إن كان معه صاحب فرض فله ثلاثة حالات أو ثلاثة أحوال، كم هذه؟ خمسة ذكر الناظم منها كم؟ حالين، وهما: المقاسمة والثلث. وما ذكر من المقاسمة والثلث يعني ثلث جميع المال حالان من الأحوال الخمسة التي هي المقاسمة أو ثلث المال إن لم يكن هناك صاحب فرض أو المقاسمة أو الثلث الباقي أو سدس جميع المال إن هناك صاحب فرض.
تبقى ثلاثة أحوال تذكر فيما إذا كان معهم صاحب فرض سيذكرها فيما بعد.
قال: (ويرجع الحالان) حالان بالنون وهما المقاسمة وثلث المال، لا زال الحديث في النوع الأول: ويرجع الحالان كما تقدم إلى ثلاثة أحوال، ما هي الثلاثة الأحوال؟ نزيد على سابق ماذا؟ حالة واحدة، وهي استواء المقاسمة وثلث المال فصارت ثلاثة، ولذلك قال: (ويرجع الحالان عند التفصيل إلى ثلاثة أحوالٍ من عشرة. هذه منها سبعة إذا كان معه صاحب فرضٍ، سبعة أحوال ستأتي ومع الثلاثة صارت عشرة، إذًا كلها عشرة. يبقى سبعة ستأتي إن شاء الله تعالى فيما إذا كان معه صاحب فرض في ثلاثة أحوال وهي المقاسمة وثلث الباقي وسدس جميع المال، وهي مكملة الأحوال خمسة لقوله:
(وتارة يأخذ ثلث الباقي بعد ذوي الفروض والأرزاق).
إذًا هذه خلاصة ما ذكره الصنف الأول أو الحال الأولى مع صنف أو أحد صنفي الإخوة إن لم يكن معهم صاحب فرض حينئذٍ هو مخير بين أمرين على جهة الإجمال المقاسمة أو ثلث جميع المال، وعند التفصيل نزيد عليه حالة وهي استواء المقاسمة مع ثلث جميع المال، والله أعلم.
وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →