Полный текст (2 939 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
إذن: آخِرَ مَا أُضِيفَ لِلْيَا اكْسِرْ وجوباً، هذا يشملُ أربعة أنواع، استثنى أربعة أنواع، عرفنا هذه الأربعة بالاستثناء، (إِذَا لَمْ يَكُ مُعْتَلاًّ) مقصوراً أو منقوصاً، (أَوْ يَكُ كَابْنَيْنِ) وهذا المراد به المثنى، أو (وَزَيْدِيْنَ) وهذا المراد به جمعُ المذكر السالم، فَذِي الفاء فاء الفصيحة، ما حكمُ هذه المستثنيات: المعتل والمثنى وجمع التصحيح؟ قال: فَذِي، كأنه ثم سؤالٌ مُقدّر، فوقعت الفاء هذه في الجواب، فَذِي الأربعة، ذي اسم إشارة (جَمِيعُهُا اليَا بَعْدُ فَتْحُهَا احْتُذِي) هذا تركيب عجيب.
فذي مبتدأ أول، وجميعها التوكيد، والياء مبتدأ ثاني، وفتحها مبتدأ ثالث، ثلاثة مبتدءات، وجوّزَ بعضهم جميعه أن يكونَ مُبتدأ ثانياً، والياء مبتدأ ثالث وفتحها مبتدأ رابع أربع مبتدءات.
(احْتُذِي) هذه جملة في محلّ رفع خبر المبتدأ الثالث أو الرابع فَتْحُهَا، وفَتْحُهَا احْتُذِي مبتدأ وخبر في محلّ رفع خبر المبتدأ الثاني أو الثالث الذي هو الياء، و (اليَا بَعْدُ فَتْحُهَا احْتُذِي) مبتدأ وجملة الخبر في محل رفع خبر المتبدأ الذي هو (ذي)، أو جميعها، وجميعها والخبر في محلّ رفع خبر المبتدأ الأول الذي هو ذي، إذن أربعة مُبتدءات أو ثلاثة يجوز فيها، فذي الأربعة جميعها هذا تأكيد، (اليَا) أي ياء؟ ياء المتكلم بعد: يعني بعدها، حُذِف المضاف إليه ونُوِي معناه، بعدها .. بعد، فَتْحُهَا فتح الياء، (احْتُذِي) أي اتبع، وهنا لم يجوِّز وجهاً ثانياً، فقال: احتُذي أي اتبع ما نُقلَ فيه عن العرب، وإذا نُقلَ عن العرب مقالٌ واحد حينئذٍ لا يجوزُ التعدد، وإذا كان كذلك صارَ الفتح واجباً لأنه لم ينص على الوجوب، والفتح واجب، كقوله: اكسِر آخر ما أُضيف لليا، وسكتَ عن الياء لأن الحكم مأخوذ من قوله: (فَذِي جَمِيعُهَا اليَا بَعْدُ فَتْحُهَا) إذن يَتعيّنُ الفتح، مفهومه أن الياء في قوله: آخِرَ مَا أُضِيفَ لِلْيَا. يجوزُ فيه الوجهان، ولا يجبُ الفتح بل الأصل هو السكون.
إذن للمخالف إثباتُ الحكم .. للمخالف للمستثنى المعتل وما عُطِف عليه حكم الياء أنه واجب الفتح، مفهومُه أن ما قبلَه المستثنى منه أنه لا يجبُ فيه الفتح، بل يجوزُ فيه الوجهان، فحينئذٍ إذا قيل لك: قوله: آخِرَ مَا أُضِيفَ لِلْيَا اكْسِرْ، بيّنَ لك حكمَ المضاف أنه يُكسَر آخره، ولم يتكلّم عن الياء، ما حكمُ الياء؟ هو سكتَ عن الياء، لكن بالمفهوم تأخذُ حكم الياء، وهو أنه يجوزُ فتحها والأصل فيها الإسكان، من أين أخذنا هذا الحكم؟ لأنه ذكرَ حكم المستثنى وهو المعتل والمثنى والجمع، قال: يجبُ فتح الياء، فلما عيّنَ فتح الياء في المستثنى دلَّ على أن ما قبلَ إذا لم يك معتلاً يجوزُ فيه الوجهان وهو جواز الفتح مع الإسكان.
فذي الأربعة، فُهِم منه تخصيص الياء في هذه المواضع أن الياء في غيرها لا يجبُ فتحُها بل يجوزُ فتحها وسكونها.
جَمِيعُهَا تأكيد، فَذِي جَمِيعُهَا، اليَا بَعْدُ بعدَها .. بعد المعتل المنقوص وبعدَ المقصور وبعدَ المثنى وبعدَ جمع التصحيح إذا أُضيف واحد من هذه الأربعة إلى الياء، فَتْحُهَا احْتُذِي: اتبع.
стр. 1472
فتقول: هذا راميَ، راميَ بفتح الياء، مع إدغام الياء في الياء كما سيأتي، وتقول: هذا قاضيَ، وهذا قذيَ .. وتقول: هذان غلامَيَ وزيديَ ومسلميَ .. كلها بالإدغام مع فتح الياء، والكلام في الياء التي تكون ثانياً.
إذن فَذِي جَمِيعُهَا اليَا بَعْدُ فَتْحُهَا احْتُذِي، بعد: أي بعدَها، حال من الياء وهو مُتعلّق بقوله: احتذي، ويجوزُ جعلُ جميعها مبتدأ ثانياً، والياء مبتدأ ثالثاً، وفتحها مبتدأ رابعاً على التصريف الذي ذكرناه.
اليَا بَعْدُ فَتْحُهَا احْتُذِي.
وَتُدْغَمُ اليَا فِيهِ، وَتُدْغَمُ اليَا يعني: ياء المنقوص وياء المقصور وياء المثنى في حالة نصبه وجره، وكذلك جمع التصحيح تدغم فيه، يعني في ياء المتكلم.
وَتُدْغَمُ اليَا: أي ياء؟ ياء المنقوص، وياء المقصور، وياء المثنى، وياء الجمع، فيه: أي في الياء المذكورة، وهي ياءُ المتكلم، وإنما ذكَرَه فِيهِ ولم يقل: فيها لتأويله باللفظ.
ثم قال: وَالوَاوُ: والواو كذلك، تُدغَم فيه يعني: في الياء، لكن ليست تُدغَم فيه مع كونها واواً، لا، تقلب الواو ياء ثم تدغم الياء في الياء.
وَإِنْ مَا قَبْلَ وَاوٍ ضُمَّ فَاكْسِرْهُ يَهُنْ: فتقول: مسلمون لي مسلمِيَ، أصلها مسلموي واو ساكنة وياء ساكنة، قُلِبت الواو ياء، إذا اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون وجَبَ قلبُ المتقدم، إن كان ياء قلب واواً والعكس، هنا الواو ساكنة فوجبَ قلبها ياء، ثم أُدغمت الياء في الياء، لكن بقيت مُشكلة وهي: ضمةُ الميم، مسلموي، هذا الأصل مُسلمُيّ هذا ثقيل، ولو أبقيناها لرجعت الياء إلى أصلها، يعني قُلِبت واواً؛ لأن الياء الساكنة المضموم ما قبلَها يجبُ قلبها واواً، ثم تقلب الواو ياء، فحينئذٍ فراراً من هذا نقلبُ الضمة كسرة، فنقول: مُسلمِي، أصلها مسلمُي، هذا الذي عناهُ هنا: (وَإِنْ مَا قَبْلَ وَاوٍ ضُمَّ) مثل: مسلمُي، ضمّ اكسِره، حينئذٍ تقول: مُسلمي، لماذا؟ طلباً للتخفيف، ولئلا تنقلبُ الياء واواً.
يَهُنْ: يعني يسهل، هانَ يهون يعني: يسهلُ النطق بالكلمة.
وَتُدْغَمُ اليَا فِيهِ: عرفنا المراد يعني: ياء المتكلم وياء المنقوص والمقصور، حينئذٍ تُدغَم في ماذا؟ في ياء المتكلم، وَالوَاوُ بالرفع، يعني الواو كذلك، أو وكذا الواو، لكن بعدَ قلبها ياء، ليست هكذا هي واو لا، بعد قلبها ياء، ولم يذكره المصنف اكتفاء بأخذِهِ من قوله: وَإِنْ مَا قَبْلَ وَاوٍ ضُمَّ، أي: وكذا الواو من المجموع حال رفعه وفُهِم منه وجوبُ قلب الواو ياء؛ لأن الحرف لا يُدغَم إلا في مثله، هذا واضح بيّن.
وَإِنْ مَا قَبْلَ وَاوٍ ضُمَّ: فإن لم يُضم بقي على حاله، مصطفَي مصطفاوي، هذا الأصل واو ساكنة ثم بعدها ياء، قُلبت الواو ياء، فأُدغمت الياء في الياء، فصارَ مُصطفي، هل فيه ثِقل؟ ليس فيه ثِقل، حينئذٍ يبقى.
إذن قوله: وَإِنْ مَا قَبْلَ وَاوٍ ضُمَّ. مُسلمُي مسلمِي، تَقلَب الضمة كسرة، وإذا كان مفتوحاً يُبَِقى على حاله، فتقول: مصطفَي.
فَاكْسِرْهُ يَهُنْ: فاكسِره هذا أمرٌ وهو يقتضي الوجوب، فإن لم يَنضم بل انفتحَ بقي على فتحه نحو: مصطفون فتقول: جاء مصطفي.
стр. 1473
آخِرَ مَا أُضِيفَ لِلْيَا اكْسِرْ إِذَا لَمْ يَكُ مُعْتَلاًّ. إذن استثنى من هذه القاعدة: آخِرَ مَا أُضِيفَ لِلْيَا اكْسِرْ. استثنى أربعة أنواع، هذه الأربعة آخرها واجب السكون، يعني ما قبل الياء ما حكمُه؟ ساكن، واجب السكون والياء معَها واجبة الفتح، إذن واجب السكون آخِر ما أُضيف سكّن، والياء نفسها افتحها وجوباً في الموضعين، في آخر المضاف سكّنه وهذا واجب، في المواضع الأربعة، والياء نفسُها وجبَ فتحها بخلاف الأربعة المواضع المفرد، والذي هو كالصحيح، وجمع التكسير بنوعيه، وجمع المؤنث .. آخِره اكسره، والياء يجوزُ فيها الوجهان، هي خمسة أوجه لكن المشهور وجهان.
إذن هذه الأربعة آخرها واجبُ السكون والياء معها واجبةُ الفتح، وإنما وجبَ سكونها –تعليل-؛ لأن آخرها لا يقبل الحركة؛ لأن رامي لا يقبل الحركة لا لذاته وإنما للثقل؛ لأننا حذَفنا حركةَ الإعراب، حينئذٍ يمتنعُ أن يحرّكها بحركة عارضة، لأن الأصل أنه يظهرُ الإعراب نطقاً على الياء، لما تعذّر للثقل حذفنا الضمة والكسرة، فإذا حذفنا الضمةَ والكسرة، حينئذٍ لا يمكن أن نُحرّك الياء بكسرة عارضة.
إذن آخرها لا يقبل الحركة، فآخرُ المقصور والمثنى المرفوع ألف، وهو لا يقبلُ الحركة، وآخر المنقوص والمثنى المجرور والمنصوب وجمع المذكر السالم ياء، واجبة الإدغام في ياء المتكلم، والحرف المدغم في مثله لا يقبل الحركة، إذن سُكّن آخر المضاف في هذه الأربعة لكونه لا يقبل الحركة.
وَأَلِفاً سَلِّمْ: سلّم ألفاً، يعني اتركها سالمة لا تَقلِبها، وهذا في المثنى في حالة الرفع، والمقصور (فتايَ، عصايَ) تبقى كما هي، (غلاماي). أي: اتركها على حالها، وشمِلَ المقصور نحو: (فتايَ، وعصايَ)، والمثنى في حال الرفع (هذان غلاماي)، هذا لغة جمهور العرب أنه في حالة الألف في المثنى رفعاً إذا أُضيفَ لياء المتكلم تبقى الألفُ كما هي لا تقلبها، والمقصور كذلك إذا أُضيف إلى ياء المتكلم حينئذٍ تبقى كما هي، فتقول: (فتايَ، وعصايَ، وغلامايَ) بإثبات الألف، هذه لغة الجمهور، وهذيل -قبيلة- يُبدِلون ألف المقصور ياءً دون ألف المثنى، ألف المقصور فقط، ولذلك قالوا: وَفِي الْمَقْصُورِ عَنْ هُذَيْلٍ انْقِلاَبُهَا يَاءً حَسَنْ، في المقصور لا في غيره، وهو المثنى في حالة الرفع، فهو خاصٌّ بحالة واحدة، وهذيل يُبدلون ألف المقصور ياء، ويُدغمونها في ياء المتكلم، ولذلك قال: (وَفِي الْمَقْصُورِ) يعني: لا في ألف المثنى فلا تُبدَل عندهم، (عَنْ هُذَيْلٍ) خاصة (انْقِلاَبُهَا) مبتدأ (يَاءً) هذا مفعول لقوله: انقلاب لأنه مصدر.
(انْقِلاَبُهَا يَاءً حَسَنْ) حَسَنٌ هذا خبرُ المبتدأ، يَاءً مفعول به أو بنزع الخافض، يعني لياء، حسن نحو: عصا، يقولون: (عصَيَّ، فتَيَّ، هوَيَّ) يعني بقلب الألف ياء، أصلُها عصا، فتى، ألف .. تُقلَب الألف ياء، ثم تُدغَم الياء في الياء فيقال: عصيَّ وهويَّ.
وَأَلِفَاً سَلِّمْ وَفِي الْمَقْصُورِ عَنْ ... هُذَيْلٍ انْقِلاَبُهَا يَاءً حَسَنْ
يعني هذه الألف، وَأَلِفاً سَلِّمْ من الانقلاب سواء كانت للتثنية نحو (يداي) أو للمحمول على التثنية نحو (ثنتاي) بالاتفاق، أو آخر المقصور نحو: (عصاي) على المشهور.
стр. 1474
قال الشارح: يُكسَر آخر المضاف إلى ياء المتكلم، إذن آخرُ المضاف وجبَ فيه الكسر، وأما الياء نفسها فهذه المشهور فيها لغتان: الإسكان والفتح، أما الإسكان هذا الأصل لأنه مبني وَالأَصْلُ فِي الْمَبْنِيِّ أَنْ يُسَكَّنَا، هذا الأصل فيه، وأما الفتح قالوا: لأنه على حرف واحد، ياء حرف مبني على حرف واحد، والأصل في المبني إذا كان على حرف واحد أن يكونَ محركاً، وأخفُّ الحركات هي الفتحة، فصارَ على أصل آخر. والفتح هو الأصل الثاني؛ لأن الأصل في المبني الذي وضعَ على حرف واحد أن يكون مُتحركاً والفتحة أخفُّ الحركات، ومع جواز الإسكان والفتح في ياء المتكلم فالإسكان أكثر وأشهر.
فيه لغة ثالثة وهي قليلة، أقلّ من اللغتين السابقتين، وهي: حذفُ الياء مع بقاء كسرة المضاف، تقول: جاء غلامِ، بكسر الميم مع حذف الياء، هذه لغة، هذه قُرئ بها كذلك، والرابعة: قلبها ألفاً بعدَ فتح ما قبلها، تقول: غلامِيَ الأصل هذا، تقلب الكسرة فتحة، فحينئذٍ تقول: تحرّكت الياء وانفتحَ ما قبلَها فوجبَ قلبها ألفاً فصار (غلامَ)، وقيل منه: ((يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ)) [الزمر:٥٦] أصلها يا حسرتي، ثم قُلبت الكسرة فتحة فتحرّكت الياء وانفتح ما قبلَها، فقلبت ألفاً، صار ((يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ)) أصلها: يا حسرتي.
الخامسة: حذفُها وإبقاء الفتحة (يا حسرتَ) يعني تُحذَف الألف كما حُذفت الياء وإبقاء الكسرة، لتدلَّ عليه، كذلك تحذف الألف تقول: يا غلامَ، بفتح الميم لتدلَّ على الألف المحذوفة، أصلها يا غلاما، هذه الوجوه عامة في باب النداء وفي غيره.
يُكسَر آخر المضاف إلى ياء المتكلم إن لم يكن مقصوراً ولا منقوصاً ولا مثنى ولا مجموعاً جمع سلامة لمذكر، فذي الأربعة هذه مُستثناة، كالمفرد كغلام، وجمعي التكسير الصحيحين، النحاة يعنونون لجمع التكسير بلفظ واحد، وقد يُقسِّمونه إلى قسمين، يعني يقولون: جمع التكسير نوعان: جمع تكسير لمذكر كزيود، وجمع تكسير لمؤنث كهنود، ولذلك قال هنا: وجمعي التكسير، يقصد به المذكر والمؤنث، فتقول: هنودِ، وزيودِ.
وجمع السلامةِ للمؤنث، والمعتل الجاري مجرى الصحيح، والمرادُ به ما كان آخره حرفَ علة وقبله ساكن نحو: (غلامي وغلماني وفتياتي ودلوي وظبيي، وهنداتي وأخواتي)، وإن كان مُعتلاً يعني آخره حرفَ علة؛ فإما أن يكونَ مقصوراً أو منقوصاً، فإن كان منقوصاً أُدغمت ياؤه في ياء المتكلم (هذا قاضِيَّ، هذا رامِيَّ)؛ هذا مبتدأ وقاضِيَّ خبر مرفوع، ورفعه ضمة مُقدّرة على الياء المدغمة في ياء المتكلم.
إذن نقول: هذا قاضِيَّ، مرفوع بضمة مُقدّرة على ما قبلَ ياء المتكلم منعَ من ظهوره اشتغال المحل بسكون الواجب لأجل الإدغام لا الاستثقال كما هو حكمه في غير هذه الحالة.
إذن نقول: مُقدّر، والمانعُ منه هو الإسكان، ومحلّ الإعراب هو الياء، أين الياء؟ مُدغمة في الياء .. ياء المتكلم.
стр. 1475
أُدغمت ياؤه في ياء المتكلم، وفُتحت ياء المتكلم وجوباً، (فَذِي جَمِيعُهَا اليَا بَعْدُ فَتْحُهَا احْتُذِي)؛ فتقول (قاضي) رفعاً ونصباً وجراً، وكذلك تفعلُ بالمثنى وجمع المذكر السالم في حالة الجر والنصب، فتقول: (رأيت غلامَيَ وزيديَ، ومررتُ بغلاميَ وزيديَ)، والأصل بغلامين لي وزيدين لي، فحُذفت اللام تخفيفاً، والنون لأجل الإضافة فقيل: غلامَي، ثم جاءت الياء، والياء ساكنة، فأدغمت الياء في الياء.
وزيدين لي، حُذفت اللام تخفيفاً، والنون للإضافة، فقيل: (زيدي)، ثم جاءت الياء، الأولى ساكنة والثانية مفتوحة .. واجبة الفتح، إذن اجتمعَ مِثلان؛ الأول ساكن والثاني مُتحرّك فوجبَ إدغامُ الاول في الثاني، ثم أُدغمت الياء في الياء وفُتحت ياء المتكلم.
وأما جمعُ المذكر السالم في حالة الرفع فتقول فيه أيضاً: (جاء زيدي ومسلمي) كما تقول في حالة النصب والجر، والأصل (زيدوي ومسلموي)، اجتمعت الواو والياء، أصلُها (زيدون لي ومسلمون لي)، فلمّا أُريدَ التخفيف حُذفت اللام والنون؛ لأجل الإضافة صارَ (زيدوي ومسلموي)، حينئذٍ قُلبت الواو ياء، لماذا؟ للقاعدة: اجتمعت الواو والياء وسُبقت إحداهما بالسكون فقُلبت الواو ياء، ثم هي ساكنة والثاني مُتحركة فوجبَ إدغامُها، ثم جاءت علة وهي كونها مضمومة .. الميم مُسلمُي، حينئذٍ وجبَ قلبُ الضمة كسرة، لتناسبَ الياء لتصحّ؛ لأنها لو لم تُقلب لقُلبت الياء واواً؛ لأن الياء الساكن إذا ضُمّ ما قبلَها وجبَ قلبها واواً، فترجع إلى الأصل، ونحن نريدُ الفرار من الواو إلى الياء من أجلِ الإدغام. والأصل (زيدوي ومسلموي)، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون فقُلبت الواو ياء وأُدغمت الياء المنقلبة عن الواو في ياء المتكلم، ثم قُلبت الضمة كسرة، لماذا؟ لتصحّ الياء، لذلك علَّلَهُ الشارح .. لتصحّ الياء، أي ياء؟ المنقلبة عن الواو، حينئذٍ علامةُ الرفعِ الواو المنقلبة ياء للموجب، فتقول: جاءَ مسلمي، مسلمي فاعل مرفوع ورفعه الواو المنقلبة ياء، حينئذٍ تكونُ الواو مُقدّرة، وهذا ذكرناه في جمع المذكر السالم هناك، مسلمي، نقول: هذا إعرابه بحرف مُقدّر، أينَ الحرف؟ هو الواو، وليست هي الياء، قد يقولُ قائل: مرفوع والياء هذه هي علامة الإعراب، نقول: لا، جمعُ المذكر السالم يُعرب رفعاً بالواو لا بالياء، وهذه الياء إنما هي ياءٌ تصريفية، يعني الذي جاءَ بها هو تطبيقُ القواعد الصرفية؛ فهي فرع لا أصل، والإعراب يكون بالواو.
ثم قُلبت الضمةُ كسرة، هذا صريحٌ في أن هذا بعدَ قلب الواو ياء وقيل العكس، لتصحّ الياء أي المنقلبة، فصارَ اللفظ (زيدي)، وأما المثنى في حالة الرفع فتسلَمُ ألفُه وتُفتح ياء المتكلم بعده فتقول: (زيداي وغلاماي) عند جميع العرب.
وأما المقصور فالمشهور في لغة العرب جعله كالمثنى المرفوع فتقول: (عصاي وفتاي)، وهذيل تقلب ألفه ياءً وتُدغمها في ياء المتكلم وتفتح ياءَ المتكلم فتقول (عصيَّ)، هذا حكاها عيسى بن عمر عن قريش و (فتي ورحي) قال شاعرهم:
سَبَقُوا هَوَيَّ وأعنَقُوا لِهَواهُمُ ... فَتُخُرِّمُوا ولكلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ
هوي: هواي هذا الأصل، فقُلبت الألفُ ياء ثم أُدغمت الياء في الياء هوي.
стр. 1476
فالحاصلُ أن ياءَ المتكلم تفتح مع المنقوص كراميَ والمقصور كعصايَ والمثنى كـ (غلامايَ) رفعاً وغلاميَ نصباً وجراً، وجمع المذكر السالم كـ (زيديَ) رفعاً ونصباً وجراً، وندَرَ إسكانها أي الياء في قراءة نافع وَمَحْيَايْ، وكسرها بعدَها في قراءة الأعمش والحسن (هِيَ عَصَايِ) يعني بكسرِ الياء، وهو مُطرد في لغة بني يربوع في الياء المضاف إليها جمع المذكر السالم، وعليه قراءة حمزة (بِمُصْرِخِيِّ إِنِّي)، الأصل فيها (بمصرخيَّ) لأنه جمعُ مذكر سالم أُضيف إلى ياء المتكلم، فالقاعدة ما هي؟ وجوبُ فتحِ الياء، لكن هنا كُسرت (بِمُصْرِخِيِّ إِنِّي).
فالياء مُدغَم فيها الفصيحُ الشائع فيها الفتحُ، وكسرُها لغة قليلة حكاها أبو عمرو بن العلاء والفراء وقطرب، وبها قرأ حمزة في الآية السابقة.
وكَسَرَ ياء (عصايِ)، الحسن، وأبو عمرو في شاذه وهو أضعف من الكسر مع التشديد.
وهذا معنى قوله: فَذِي جَمِيعُهَا اليَا بَعْدُ فَتْحُهَا احْتُذِي.
وأشارَ بقوله: وَتُدْغَمُ إلى أن الواو في جمع المذكر السالم والياء في المنقوص وجمع المذكر السالم والمثنى تُدغَم في ياء المتكلم، وأشارَ بقوله: وَإِنْ مَا قَبْلَ وَاوٍ ضُمَّ إلى أن ما قبلَ واو الجمع إن انضمَّ، ليسَ دائماً مضموماً يعني لفظاً، وإلا الأصلُ يكونُ مُقدراً. عندَ وجودِ الواو يجب كسرُهُ عندَ قلبها ياء لتسلم الياء، فإن لم ينضمّ بل انفتح بقيَ على فتحه نحو: مصطفون فتقول: مصطفيَّ، جاء مصطفيَّ.
في المضاف إلى ياء المتكلم حيث الإعراب والبناء أربعة مذاهب، (غلامي):
المذهب الأول: أنه مُعرَب بحركات مُقدّرة في الأحوال الثلاثة رفعاً ونصباً وخفضاً، وهو مذهب الجمهور، وهذا هو الصحيح، أنه مُعرب في حالة الرفع بضمة مُقدّرة منعَ من ظهوره اشتغالَ المحل بحركة المناسبة، وكذلك في حالة النصب كالرفع، وكذلك في حال الخفض على الصحيح.
المذهب الثاني: أنه مُعرب في الرفع والنصب بحركة مُقدّرة، وفي الجر بكسرة ظاهرة، واختارَه ابنُ مالك في التسهيل، يعني فصَّل قال: (جاء غلامي، ورأيت غلامي) الحركتان مُقدرتان، وأما مررتُ بغلامي فالحركة ظاهرة، الباء حرفُ جرّ، وغلام مجرور بالباء وجرُّه كسرة ظاهرة، لأنا لا نحتاجُ إلى التقدير؛ وُجِدت الكسرة فهي أولى، الصواب لا، أن الكسرة هذه سابقة على دخول العامل.
المذهب الثالث: مبني وإليه ذهب الجرجاني، لماذا مبني؟ لأنه لازم حالة واحدة، وهذا شأنُ المبني تقول: (جاءت حذامي، ورأيت حذامي، ومررت بحذامي)، (جاء غلامي، ورأيت غلامي، ومررت بغلامي) إذن هذا مبني، وهذا ضعيف.
والمذهب الرابع: لا معرب ولا مبني، وإليه ذهب ابن جني، ذهبَ إلى أنه لا معرب ولا مبني، لماذا لا معرب؟ لأنه لو كان معرباً لظهرت الضمة في قوله: جاء غلامي، ولظهرت الفتحة في قوله: رأيتُ غلامي، ولا مبني لأنه لا يوجد فيه سببُ البناء كالشبه الوضعي، والمعنوي، والافتقاري .. إلى آخره.
فلما انتفى سببُ البناء ولم يوجد أثر الإعراب قال: لا معرب ولا مبني، حينئذٍ يكون واسطة بين المعرب والمبني.
стр. 1477
إذن: آخِرَ مَا أُضِيفَ لِلْيَا اكْسِرْ. وجوباً، هذه قاعدة عامة وهي الأصل، وحركة الياء تكون الفتح أو الإسكان على المشهور في لغة العرب، مع الثلاثة الأحوال الأخرى.
إِذَا لَمْ يَكُ مُعْتَلاًّ: منقوصاً أو مقصوراً.
أو يك مثنى أو جمع مذكر سالم.
فَذِي الأربعة جَمِيعُهَا بلا استثناء اليَا يعني ياء المتكلم بَعْدُ بعد الياء بعد ذكرها، (فَتْحُهَا احْتُذِي) اتبع، وإذا كان كذلك صارَ واجباً؛ لأنه لم يُنقل خلافه.
وَتُدْغَمُ اليَا فِيهِ، يعني ياء المنقوص، وياء المثنى في حالتي النصب والجر، وياء جمع المذكر السالم في حالتي النصب والجر، وَالوَاوُ كذلك لكن بعد قلبها ياء.
وإِنْ مَا قَبْلَ وَاوٍ ضُمَّ فَاكْسِرْهُ: فإن لم يَنضمّ حينئذٍ بقِّهِ على فتحه.
وَأَلِفاً سَلِّمْ: يعني ألف المقصور، وألف المثنى في حالة الرفع سلِّمه يعني اتركه على حاله، لا تقلبه.
وَفِي الْمَقْصُورِ عَنْ هُذَيْلٍ انْقِلاَبُهَا يَاءً حَسَنْ: لغة العرب الشهيرة إبقاء ياء المقصور، فتقول: (فتايَ وعصايَ)، حينئذٍ يتعينُ تحريك الياء، إلا في (محيايْ) قراءة خاصة، وإلا في لغة العرب أنه يجبُ التحريك للتخلص من التقاء الساكنين، (فتاي) ألف ساكنة والياء ساكنة، حينئذٍ يتعينُ تحريك الياء هذا مما جرى فيه على خلاف الأصل؛ لأن الأصل أنه يُحرّك السابق .. الساكن الأول، وهنا عُكسَ حينئذٍ هذا مستثنى.
عَنْ هُذَيْلٍ انْقِلاَبُهَا يَاءً حَسَنْ.
إِعْمَالُ المَصْدَرِ
أي هذا باب إعمال المصدر.
سبقَ بيانُ المصدر ما هو، وأنه الاسم الدالُّ على الحدث الجاري مجرى فعله.
اَلْمَصْدَرُ اسْمُ مَا سِوَى الزَّمَانِ مِنْ ... مَدْلُولَيِ الْفِعْلِ كَأَمْنٍ مِنْ أَمِنْ
اَلْمَصْدَرُ اسْمُ، مدلوله هو الحدث، إذن هو اسم الحدث، كالضرب هذا لفظ، مدلوله نفس الضرب والقتل هذا اسم، مدلوله نفس الحدث الذي هو القتل.
إذن هو الاسمُ الدالُّ على الحدث الجاري مجرى فعله، سبقَ بيانُه من حيث هو، والآن سيتحدثُ الناظم عن إعماله؛ لأنه يعملُ عمل الفعل يعني يرفع إن احتاج إلى فاعل، وينصبُ إن احتاج إلى مفعول به، فنقول: يرفعُ إن احتاج إلى فاعل لأنه يجوزُ حذف المصدر كما سيأتي، قد لا يجبُ ذكره كالفعل، حينئذٍ نقول: يعملُ عملَ الفعل، هل يعملُ عملَ الفعل لأنه أشبهَ الفعل أو لأنه هو أصل الفعل؟ قولان للنحاة: المشهور: أنه أشبه الفعل والفعل لازم ومتعدي.
فحينئذٍ إذا أشبهَ الفعل اللازم رفع ولم ينصب، وإذا أشبه الفعلَ المتعدي؛ فإما أن يتعدّى إلى واحد أو اثنين أو إلى ثلاثة، حينئذٍ يعملُ عملَ الفعل المتعدي فقد ينصبُ مفعولاً أو اثنين أو ثلاثة، هذا المشهور عند النحاة، والصحيح أنه إنما أُعمِل لكونه أصل الفعل، وإلا الأصل فيه السماع، يعني العرب أعملَت المصدر إعمال الفعل وسبقَ أن المصدر أصل للفعل، وَكَوْنُهُ أَصْلاً لِهذَيْنِ انْتُخِبْ.
стр. 1478
حينئذٍ يرِدُ الإشكال كيفَ يكون أصلاً والفعل فرعٌ، ثم يُشَبَّه الأصلَ بالفرع في العمل؟ هذا محلّ إشكال لا جوابَ عليه، ولذلك التعليل بكونه يعملُ لكونه أصلاً للفعل والفعل يعملُ فأصله من بابٍ أولى أحرى هذا بالتعليل من أن يُقال بأنه أشبهَ الفعل، كيف أشبَهَ الفعل؟ يعني حُمِل على الفعل، إذن الأصل حملُ على الفرع، أيّهما وُجِد أولاً؟ هذا كحملِ الأب على الابن، والأصلُ أن يُحمل الابن على الأب.
إذن في إعمال المصدر علتان: لماذا أُعمِل؟ لأنه جامد، ولذلك سبقَ: وَمَصْدَرٌ مُنكَّرٌ حَالاً يَقَعْ، لماذا قلنا هو سماعي؟ لأن الأصل في الحال أن تكون مُشتقّة، والجامد ليسَ بمشتقّ، ومنه المصدر، وَيكْثُرُ الْجُمُودُ فِي سِعْرٍ، كان الأولى أن يصفَ به وَمَصْدَرٌ مُنكَّرٌ.
هنا الأصلُ في المصدر أن لا يعملَ، فحينئذٍ لما أُعمل لا بدّ من بحثٍ عن علة إعماله، القول بأنه أصلٌ للفعل والفعل يعمل، وما كان أصلاً للعامل والفعل أصلُ العواملِ هو أولى بالعمل وأحرى، بدلاً من أن يُقال أشبه الفعل.
إِعْمَالُ المَصْدَرِ أي: هذا باب إعمال المصدر.
بِفِعْلِهِ الْمَصْدَرَ أَلْحِقْ في الْعَمَلْ ... مُضَافاً اَوْ مُجَرَّداً أَوْ مَعَ أَلْ
إِنْ كَانَ فِعْلٌ مَعَ أَنْ أَوْ مَا يَحُلّ ... مَحَلَّهُ وَلاسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ
أَلحق المصدرَ بفعله في العمل، فقولُه أَلْحِقْ هذا فعل أمر، والْمَصْدَرَ مفعول به مُقدّم عليه، وبِفِعْلِهِ جار ومجرور مُتعلق بقوله: أَلْحِقْ، و (في الْعَمَلْ) كذلك مُتعلق بقوله: أَلْحِقْ.
بِفِعْلِهِ الْمَصْدَرَ أَلْحِقْ في الْعَمَلْ: يعني أن المصدر يلحق في العمل بفعله الذي اشتُقّ منه، في رفعِ الفاعل إن كان لازماً؛ لأن الفعلَ إما أن يكون لازماً وإما أن يكون متعدياً، فيُلحَق المصدرُ بالفعل اللازم، والفعلُ اللازم يرفعُ فاعلاً، فكذلك المصدر يرفعُ فاعلاً نحو: عجبتُ من قيام زيد، قيام هذا مصدر، فعله (قام)، (قام) يرفعُ فاعلاً تقول: (قامَ زيدٌ) مثله المصدر، كما تقول: (قام زيدٌ) يرفع ولا ينصب، كذلك القيام الذي هو مصدر نقول: هذا يرفع، (عجبتُ من قيام زيد)، أين الرفع؟ هنا أُضيف المصدر إلى فاعله ولو قيل: (عجبتُ من قيامٍ زيدٌ) لصحّ كذلك.
كما تقول: (عجبت من ضربٍ زيدٌ عمراً) بالتنوين، زيدٌ هذا فاعل، وعمراً مفعول به، (عجبتُ من قيامٍ زيدٌ) لا إشكال فيه، (من قيامِ زيدٍ) نقول هذا الأصل، حينئذٍ أُضيف المصدر إلى الفاعل، هل تعدى .. نصب مفعولاً به؟ الجواب: لا، لماذا؟ لكونه أُلحِق بفعله في العمل، والفعل (قام) لازم يرفع فاعلاً ولا يتعدى إلى مفعول.
وفي رفع الفاعل ونصب المفعول إن كان متعدياً لواحد، (عجبت من ضرب زيدٍ عمراً)، عجبتُ من ضرب، ضرب: مصدر، (زيدٍ) أضيف المصدر إلى فاعله، وعمراً هذا مفعول به، ومنه قوله تعالى: ((وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ)) [البقرة:٢٥١] (الناس) هذا مفعول به.
стр. 1479
(عجبت من ضرب زيد عمراً)، ويتعدّى بحرف الجرّ إن كان فعله يتعدّى بذلك الحرف نحو: (أعجبني مرورٌ بزيد)، مرورٌ بزيد تعدى بالباء، لماذا؟ لكون مرّ الفعل يتعدى بالباء، مررتُ بزيد، مرورٌ بزيد، ويتعدّى إلى مفعولين إن كان فعله كذلك نحو: عجبتُ من إعطاء زيدٍ عمراً درهماً، إعطاء مصدر، أعطى يُعطي إعطاءً، أُضيف إلى الفاعل من إعطاء زيد، عمراً درهماً، عمراً مفعول أول، ودرهماً مفعول ثاني.
هنا نصبَ المصدرُ مفعولين بعد إضافته إلى الفاعل، لماذا؟ لكونِ أعطى الفعل يتعدّى إلى مفعولين، وكذلك المتعدّي إلى ثلاثة نحو: عجبتُ من إعلام زيدٍ عمراً بكراً شاخصاً، عجبتُ من إعلام أعلم يُعلم.
إِلى ثَلاَثةٍ رَأَى وَعَلِمَا ... عَدَّوْا إِذَا صَارَ أَرَى وَأعْلَمَا
إذن مصدر أعلمَ يتعدّى إلى ثلاثة؛ لأن الفعل منه أعلمَ يتعدّى إلى ثلاثة، عجبتُ من إعلام زيدٍ عمراً بكراً شاخصاً .. هذه ثلاثة مفاعيل.
وهذا كله مُستفاد من قول الناظم: بِفِعْلِهِ الْمَصْدَرَ أَلْحِقْ فى الْعَمَلْ.
إذن: بِفِعْلِهِ الْمَصْدَرَ أَلْحِقْ. ألحق المصدر بفعله تعدّياً ولزوماً -هذه قاعدة عامة- تعدّياً ولزوماً، فإن كان فعله مشتق، المشتق منه لازماً فهو لازم يعني المصدر لازم، وإن كان مُتعدياً فهو متعدٍّ إلى ما يتعدّى إليه بنفسه أو بحرف جرّ، فإن تعددت المفاعيل تعددت المفاعيل كذلك، ويخالف المصدر فعله في أمرين:
الأول: أن في رفعه النائب عن الفاعل خلافاً، الفعل يرفعُ نائب فاعل أو لا؟ يرفع لا إشكال فيه (ضُرب زيد)، (يُضرب زيدٌ). زيدٌ: نائب فاعل في المثالين، المصدر هل يرفعُ نائب فاعل؟ هذا فيه خلاف.
إذن لم يختلف في الفعل في كونه يرفعُ نائب فاعل، واختُلف في المصدر. أن في رفعه النائب عن الفاعل خلافاً، ومذهبُ البصريين جوازُه، ووجه المنع وهو مذهب الأخفش ما فيه من الإلباس؛ لأنك إذا قلتَ مثلاً: عجبتُ من ضربٍ عمروٌ، وأردتَ بضرب مضروب، حينئذٍ عمروٌ هل هو فاعل أو مفعول؟ هذا فيه لبس، وإذا كان كذلك فالأصل فيه المنع.
إذا قلت مثلاً: عجبتُ من ضربٍ عمروٌ، تبادر إلى الذهن المبني إلى الفاعل.
وقال أبو حيان: يجوزُ إذا كان فعلُه مُلازماً للبناء، يعني يجوزُ أن يرفعَ المصدر نائب فاعل إذا كان فعله ملازماً للبناء، سيأتينا بعض الأفعال لم يُسمَع لها مبنياً للمعلوم مثل: زُكم، فُعِل. الأصلُ أنه زَكم، هل سُمِع (زَكم) كـ (ضَرب)؟ لم يُسمع، وإنما سمع ابتداء (زُكم)، ولذلك اختلفَ البصريون والكوفيون، هل فُعِل أصل أم فرع؟
الكوفيون على أنه أصل، ولذلك الأفعال عندهم أربعة، فَعَلَ، وفَعِلَ، وفَعُلَ، وفُعِلَ .. أربعة أصول، وعندَ البصريين ثلاثة: فَعَلَ، وفَعِلَ، وفَعُلَ كلّها بفتح الفاء، وليسَ عندَهم فُعِلَ بضم الفاء، وإنما هي مُلازمة للفتح، فحينئذٍ هل هو أصل أم فرع؟ نقول: هو فرع هذا الصواب، إذا كان فرعاً يستلزمُ أصلاً، يعني (ضُرب) يستلزم (ضَرب)، و (يُضرب) يستلزم (يَضرب)، فسُمع بعض الفروع ولم يُسمع لها أصول، كزُكم لم يسمع زَكم، أبو حيان يرى أنه إذا كان الفعل مبنياً للمعلوم ولم يُسمع له أصل وهو المبني للمعلوم جازَ في مصدره أن يَرفعَ نائب فاعل، وما عداه فلا، إذن تفصيل بين المسألتين.
стр. 1480
يجوز إذا كان فعله مُلازماً للبناء للمجهول كزُكم لعدم الإلباس حينئذٍ، لا يلتبس، أما (من ضربٍ) نقول: من ضربٍ هذا يُستعمل مبنياً للمعلوم ومغيرَ الصيغة، حينئذٍ يحتمل أما (زُكم) هذا لا يحتمل إلا نائب فاعل. لعدم الإلباس حينئذٍ، إذن أبو حيان فصَّلَ فقال: يجوز إذا كان فعله ملازماً للبناء للمجهول كزُكم لعدم الإلباس حينئذٍ؛ لأنه لا يرفع فاعلاً وإنما يرفع نائبَ فاعل فقط، فيجوزُ أعجبني زكامٌ زيد (زكام) فاعل، و (زيد) هذا نائب فاعل، هل يحتمل أنه فاعل؟ لا، لا يحتمل، لماذا؟ لأن زكام هذا مصدر، فعله زُكم لا يرفع فاعلا، حينئذٍ المصدر يُلحَق بفعله إن رفعَ فاعلاً حينئذٍ يرفع فاعلاً، إن تعيّنَ رفعه لنائب الفاعل، حينئذٍ تعيّنَ، وهذا مثال غريب، فالأقوال ثلاثة حينئذٍ: المنع، الجواز، التفصيل.
يعني هل يرفعُ المصدر نائب فاعل؟ قول بالمنع للإلباس، قول بالجواز وهو مذهب جمهور البصريين، التفصيل وهو مذهب أبو حيان، وهذا جيد مذهب أبي حيان، أنه إذا كان الفعل لم يُسمع له أنه رفع فاعلاً وإنما يكون ملازماً للبناء للمجهول جازَ لمصدره أن يرفعَ نائب فاعل؛ لأنه لا يلتبس، وأما (عجبت من ضرب عمرو) على أنه نائب فاعل هذا مُشكل، هذا يوقع في اللبس، إذن يُفارق المصدر فعله في هذين الأمرين.
بِفِعْلِهِ الْمَصْدَرَ أَلْحِقْ في الْعَمَلْ ... مُضَافاً أَوْ مُجَرَّداً أَوْ مَعَ أَلْ
هذا بين لك على الترتيب التنازلي في أن المصدر يعمل مطلقاً، سواء كان مُضافاً إلى غيره .. سواءٌ كان المضاف إليه فاعلاً أو مفعولاً به على التفصيل الآتي، أَوْ مُجَرَّداً يعني من الإضافة وأل، حينئذٍ يعمل، وهذا محل وفاق.
أَوْ مَعَ أَلْ: بأن كان مُحلاً بأل.
ففي هذه المواضع الثلاث يجوزُ إعمال المصدر، لكنها ليست على مرتبة واحدة، ولذلك قَدّم المضاف لأنه مُتفق على إعماله. أشارَ في النظم إلى الترتيب فإعمال الأول أكثر الذي هو المضاف، وهذا محلّ وفاق بين النحاة أنه يعمل، والثاني أقيس .. المجرد، أقيس لماذا؟ قالوا: لأنه .. والعلة عندهم إنما أعمل المصدر لمشابهته الفعل، وكلما تجرّدَ المصدر عن أل والإضافة -ومعلوم أن أل والإضافة من خصائص الأسماء-، كلّما تجرد عنهما ازدادَ قربه بالفعل؛ لأنَّ الفعل في قوة النكرة، بل في معنى النكرة، وكذلك المجرد هو نكرة.
حينئذٍ إذا أُضيف التبسَ به ما هو من خصائص الأسماء فأبعده الشبه، كذلك إذا حُلِّي بأل نقول: اتصلَ به ما هو من خصائص الأسماء، حينئذٍ ابتعدَ عن الفعل، ولذلك كانت على الترتيب، وإن كانَ الأصل أن المجرد هو الذي يكون أكثر، لكن سُمِع من جهة نقل العرب إعمال المضاف أكثر مِن المجرد، مع كون المجرد أقيس من المضاف؛ لأن الأصل في المضاف أن لا يعمل، وإن عملَ فعمله يكون قليلاً وضعيفاً؛ لأنه تلبّس به ما هو من خصائص الأسماء.
стр. 1481
كذلك المحلى بأل، الأصلُ فيه أنه لا يعملُ لأنه اتصل به ما هو من خصائص الأسماء وإنما أُعملَ المصدر لمشابهته الفعل، وهذا يدلّ على أن التعليل بالمشابهة فيها ضعف؛ لأنه سُمع إعلام المضاف أكثر من إعمال المجرّد، والمضاف هذا ليسَ فيه شبهٌ بالفعل؛ لأنه بعيدٌ عن الفعل بالإضافة؛ لأنّه من خصائص الأسماء. إن سُمِع على قلة الإعمال المحلى بأل، والأصلُ فيه أنه لا يعمل، دلَّ على أن تعليل النحاة بأن المصدر إنما أُعمِل لمشابهته للفعل فيها ضعف، بل الصواب أنه أصل للفعل، وعلى كل هو سماعي.
بِفِعْلِهِ الْمَصْدَرَ أَلْحِقْ في الْعَمَلْ ... مُضَافاً أَوْ مُجَرَّداً أَوْ مَعَ أَلْ
إِنْ كَانَ فِعْلٌ مَعَ أَنْ أَوْ مَا: أن المصدرية وقال بعضهم: المخففة من الثقيلة كذلك، فـ (أن) تشمل النوعين، والمشهورُ عندَ النحاة (أن) المصدرية، أو (ما) المصدرية.
إِنْ كَانَ فِعْلٌ: كَانَ ناقصة، فِعْلٌ اسم كان، مَعَ أَنْ: مَعَ مضاف، وأَنْ مضاف إليه قُصِد لفظه، أَوْ للتنويع والتقسيم، (ما) المصدرية معطوف على قوله: (أن) يعني مع (ما) المصدرية.
يَحُلّ: خبر كان، ظاهرُه أن هذا القيد شرطٌ في إعمال المصدر؛ لأنه قال: أَلحق المصدر بفعله في العمل إن كان -فهو قيد فيه-، فإن لم يكن فلا تلحقه بالفعل، أليسَ مفهوم الشرط أنه إذا قيّده بشرط فحينئذٍ يدورُ معه وجوداً وعدماً، فكأنه قال: ألحقه بفعله في العمل إن كان يُقدر المصدر بفعل مع (أن) المصدرية أو (ما) المصدرية، فإن صحّ التقدير أُلحق به، فإن لم يصحّ التقدير فلا عمل، هذا ظاهره، أنه شرطٌ. ظاهره أنه شرط لازم، وقد جعلَه في التسهيل غالباً، يعني ليسَ بشرط مُطّرد، بل هو أمر أغلبي.
وقال في الشرح -شرح التسهيل-: وليسَ تقديره بأحد الثلاثة شرطاً في عمله، بأحدِ الثلاثة الله أعلم يريد به (أن) المصدرية و (ما) المصدرية و (أن) المخففة من الثقيلة.
وليس تقديرُه بأحدِ الثلاثة شرطاً في عمله، ولكنَّ الغالب أن يكون كذلك، وإن كان أكثرُ المتأخرين على جعله شرطاً أساسياً، لكن نُقِل إعمال المصدر مع عدمِ صحة إحلال (أن) أو (ما) مع الفعل محلّ المصدر، فحينئذٍ يتعيّنُ أن يكونَ شرطاً لكنه ليس بشرطٍ مُطرد، وإنما هو شرط أغلبي، يعني في كثير من الأحوال أن لا يعمل المصدر إلا إذا صحّ أن يحلّ محله .. مكانه (أن) والفعل أو (ما) والفعل، فإن لم يكن كذلك صحَّ لكن في قلة، يعني قليل، قد يُعبر عنه بأنه على قبح.
ليسَ تقديره بأحدِ الثلاثة شرطاً في عمل، ولكن الغالب أن يكون كذلك، بدليل عمله مع امتناعِ التقدير بذلك نحو: (ضربي زيداً قائماً)، هنا يمتنعُ أن يأتي ضربي في محلّه (أن يضرب) أو (أن ضربت) أو (ما ضربت) يمتنع؛ لأن (ضربي زيداً قائماً)، قائماً قلنا هذه حال، ضربي زيدٌ قائماً، إذ كان زيدٌ قائماً، إذا كان زيدٌ قائم، وكان يمتنع أن يحلّ بعدها (أن) المصدرية أو (ما) المصدرية؛ لأن ما بعدها مبتدأ، والمبتدأ لا يكون كذلك.
стр. 1482
كذلك قوله: وإنَّ إكرامك زيداً حسن، إن أكرامك زيداً (زيداً) هذا مفعول لقوله: إكرام وهو مصدر، هل يصحّ أن يحلّ محلّه (أن) المصدرية أو (ما) المصدرية مع الفعل؟ لا، لماذا؟ إنَّ إكرامك هل يصحّ أن يتلو (إنَّ) (أن) المصدرية أو (ما) المصدرية؟ لا يصحّ، حينئذٍ يتعيّنُ أن يكون المصدر هنا قد عمِلَ مع تخلّف الشرط، ولذلك يُريد أن يستدلّ ابنُ مالك ﵀ بإعمال المصدر معِ امتناع تحقق الشرط؛ لأنه قال: إِنْ كَانَ فِعْلٌ مَعَ أَنْ أَوْ مَا يَحُلّ مَحَلَّهُ. قلنا هذا أغلبي ليسَ بشرط، وحمله كثير من المتأخرين على أنه شرط مُطرد.
فابنُ مالك يقول في بعض المواضع: يعمل المصدر ويمتنعُ أن يحلّ محله (أن) المصدرية أو (ما) المصدرية، ومن أبرزها (إن إكرامك زيداً حسن)، (إكرامك) هذا لا يصحُّ أن يحلّ محلّه (أن) المصدرية مع الفعل أو (ما) المصدرية، لماذا؟ لأن (إن) هذه خاصّة بالمبتدأ، فلا يصحُّ أن يقال: إن ما ضربت، هذا باطل لا يصح التقدير.
كذلك قوله: وكان تعظيمك زيداً حسناً، كالقول فيه.
في هذه الأمثلة الثلاثة يمتنعُ أن يحلّ محلّ المصدر (أن) المصدرية أو (ما) المصدرية.
إِنْ كَانَ فِعْلٌ مَعَ أَنْ أَوْ مَا يَحُلّ مَحَلَّهُ: إن صحّ تقديره على ظاهر النظم فحينئذٍ صحّ إعماله، وإن لم يصحّ فحينئذٍ لا يصح إعماله.
قال الشارح: يعملُ المصدر عمل الفعل في موضعين:
أحدهما -هذا اختُلف فيه-: أن يكونَ نائباً مناب الفعل، وهذا سبقَ في باب المفعول المطلق.
ضرباً زيداً، اضرب ضرباً، ضرباً هذا أُقيم مقامَ اضرب، وزيداً قيلَ هذا معمول لـ (ضرباً) وقيل للفعل المحذوف، وهل هذا قياس أم لا؟ هذا سبقَ البحث فيه.
أن يكونَ نائباً مناب الفعل يعني بدلاً مِن اللفظ بفعله. ضرباً زيداً، فزيداً منصوب بضرباً لنيابته منابَ (اضرب) وفيه ضمير مُستتر مرفوع به كما في اضرب وقد تقدّمَ ذلك في باب المصدر.
وذهبَ ابنُ هشام إلى أنه منصوب بفعل مُضمر ليس بالمصدر. ضرباً زيداً، زيداً هذا مفعولٌ به لفعل محذوف يُفسّره المذكور، يعني: اضرب زيداً، ليَس هو الذي حذف؛ لأن الذي حُذف أُقيم ضرباً مقامه، حينئذٍ صارَ كالعوض عنه، بل عوضٌ عنه، فحينئذٍ لا يجمعُ بين العوض والمعوض عنه.
بقي الكلام في زيداً، فحينئذٍ هل هو منصوبٌ بضرباً أو منصوب بفعل مُضمر؟ اختار ابنُ مالك أنه منصوب بضرباً وذهبَ ابنُ هشام إلى أنه بفعل مضمر.
واختُلِف فيه فقيل: لا ينقاس عملُه، وقيل: ينقاس في الأمر والدعاء والاستفهام فقط، وقيل: والإنشاء، هذا ذهب معنا.
والموضع الثاني وهو المراد هنا: أن يكونَ المصدر مُقدّراً بـ (أن) مصدرية، والفعل، أو بـ (ما) المصدرية والفعل وهو المراد بهذا الفصل فيُقدّر بأن إذا أُريد المضي أو الاستقبال.
إذا أُريد بالمصدر المضي .. الزمن الماضي أو الاستقبال قُدّر بـ (أن).
(عجبتُ من ضربك زيداً أمس)، (عجبت من ضربك زيداً غداً)، (عجبت من أن ضربت زيداً أمس)، تُقدّر في الماضي (أن) والفعل الماضي، وفي المستقبل (عجبت من أن تضرب زيداً غداً)، تُقدّر (أن) والفعل المضارع.
إذن إذا أُريد المضي أو الاستقبال قدّرت (أن)، إذن (أن) أو (ما) ليست بالخيار في كل محلّ.
стр. 1483
إِنْ كَانَ فِعْلٌ مَعَ أَنْ أَوْ مَا يَحُلّ، وإنما باختلاف المراد من الزمن، يعني زمن المصدر، إن كان المراد به الماضي أو الاستقبال قدّرته بـ (أن)، ثم إذا أُريد المضي جعلتَ الفعل معه ماضياً، وإن أردتَ الاستقبال جعلتَه معه مضارعاً.
والتقدير: مِن أن ضربت زيداً أمس، أو من أن تضرب زيداً غداً، ويُقدّر بما إذا أُريد به الحال: عجبتُ من ضربك زيداً، عجبتُ مما تضرب زيداً الآن، إذا أُريد به الحال جئت بـ (ما) مع الفعل المضارع، وهل يمكن مع الفعل الماضي؟ لا؛ لأن الذي يدلُّ على الحال هو الفعل المضارع.
وهذا المصدر المقدّر يعملُ في ثلاثة أحوال مضافاً نحو: عجبتُ من ضربك زيداً، ومجرّداً عن الإضافة وأل وهو المنون (ضربٍ ضربٌ ضرباً)، حينئذٍ نقولُ: هذا مضاف، هذا مجرّد عن الإضافة، ومحلىً بالألف واللام: (عجبتُ من الضرب زيداً)، ولا خلاف في إعمال المضاف، وإنما الاختلافُ واقعٌ في المحلى بـ (أل)، أما المضافُ فهذا محلّ وفاقٍ بينَ النحاة أنه يعملُ، والمجرد أجازَهُ البصريون ومنعَهُ الكوفيون، إذا كان مُجرّداً، فإن وقعَ بعده مرفوع أو منصوب فهو عندَهم بفعل مُضمر يدلّ عليه المصدر المذكور، هذا إذا كان مجرّداً، (عجبت من ضربٍ زيدٌ عمراً)، حينئذٍ نجعلُ (زيدٌ) فاعلاً لفعل محذوف، وهو العاملُ في المفعول به .. الناصب زيداً، وأما ضربٍ المصدر هذا قالوا: لا يعمل، هذا ليس بصحيح، لماذا؟ لأنه إذا جُوّز إعمال .. أولاً: السماع، سُمع إعمالُه مجرداً، ثانياً: إذا جُوّز مع المضاف وكانت العلة عند جماهير النحاة أنها مشابهة الفعل، فالمجرّد من باب أولى وأحرى، لذلك قال بعضُهم: الأول أكثر والثاني أقيس، الذي هو المجرّد، وإن منَعَهُ بعضُ الكوفيين.
فإن وقعَ بعدَه مرفوع أو منصوب فهو عندَهم بفعل مضمر، وأما المحلى بـ (أل) هذا أجازه سيبويه، وإلا فيه أربعة مذاهب، يجوزُ إعماله مطلقاً، وإن كانت (أل) تُبعِد شبهه بالفعل لكون (أل) من خصائص الأسماء، وحجّتهم هو الورود والسماع.
إذن: الجوازُ مُطلقاً في المحلى بـ (أل).
مع كون (أل) تبعده عن مشابهة الفعل، إذن لماذا خالفنا؟ للسماع، السماع هو الأصل في اللغة.
الثاني: لا يجوزُ مطلقاً، وهذا يردّه السماع؛ لأن (أل) من خصائص الأسماء، فأبعدت شبهَهُ بالفعل وهو قولُ البغداديين وبعض البصريين.
المذهب الثالث: يجوزُ مع قبح، جائز أن يعملَ المصدر محلى بـ (أل) لكنه قبيح، يعني لا يستسيغه الإنسان أن يستعمله في نثر الكلام، وهو قول الفارسي.
الرابع: يجوزُ إعماله إذا كانت (أل) فيه معاقبة للتنوين، وهذا رأي ابن طلحة ووافقه أبو حيان، إذا كانت (أل) قائمة مقام التنوين جازَ إعماله، والصوابُ هو الأول: أنه يجوزُ إعماله مطلقاً بلا قُبح للسماع.
وإعمالُ المضافِ أكثرُ من إعمال المنون سماعاً، وإن كان إعمالُ المنونِ أقيس؛ لأنه مجرد من (أل) والإضافة.
стр. 1484
وإعمالُ المنون أكثر من إعمال المحلى بـ (أل)، ولهذا بدأ المصنف بذكرِ المضاف، ثم المجرد، ثم المحلى، ومن إعمالِ المنون قوله تعالى: ((أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ)) [البلد:١٤] ((يَتِيمًا))، (إطعامه يتيماً) حُذِف الفاعل هنا، قدّره هكذا ابنُ هشام في قطر الندى، هو لا يُقدر لكن من باب الإيضاح ((أَوْ إِطْعَامٌ)) الفاعل محذوف ((يَتِيمًا)) هذا مفعول لقوله: إطعام وهو مصدر.
إذن: إطعامٌ منون مجرد عن (أل) ومجرّد عن الإضافة ونصب ورفع، فدلَّ على أنه يعملُ وجاء في فصيح الكلام.
فيتيماً منصوب بإطعام، وقول الشاعر:
بضرب بالسيوف رؤوس قوم ... أزلنا هامهن عن المقيل
بضرب بالسيوف رؤوس: (رؤوس) هذا مفعول به لقوله بضربٍ وهو مصدر مُنوّن، ورؤوس: هذا مفعول به، ومن إعماله وهو محلى بـ (أل) قوله:
ضَعيفُ النِّكَايَةِ أعْدَاءَهُ
(أعْدَاءَهُ) هذا منصوب بالنكاية، وهو مصدر ودخلت عليه (أل). إذن نُقل سماعاً أنه عملَ وهو محلى بـ (أل).
وذهب بعضُهم كما ذكرناه سابقاً أن العاملَ فيه محذوف، وهذا نسبَه لابي العباس المبرد إلى أن نصبَ المفعول به بعدَ المصدر المحلى بـ (أل) ليس بالمصدر السابق، وإنما هو بمصدر مُنكّر يُقدّر في الكلام، فتقدير الكلام عندهم ضعيف النكاية نكاية أعداءه، ضعيف؛ لأنه يُحوجِنا إلى التقدير، ثم فيه نوعُ تكلف.
وذهبَ أبو سعيد السيرافي إلى أن أعداءه ونحوه منصوب بنزع الخافض، وتقدير الكلام: ضعيف النكاية في أعدائه، وهذا مردود؛ لأن النصب بنزع الخافض سماعي، وعندنا هذه أمر مُطّرد، يعني يأتي في كلام العرب، حينئذٍ نقول: هذا سماعي فلا يُصرف ما نُقل من إعمال المصدر محلى بـ (أل) إلى كون المنصوب به منصوب بنزع الخافض؛ لأنه سماعي.
والذي ذكرَه الشارح وابنُ مالك رحمه الله تعالى أنه يعملُ مُطلقاً هو مذهب سيبويه وجمهور النحاة.
وقوله:
فَإِنَّكَ وَالتَّأْبِينَ عُرْوَةَ بَعْدَمَا ... دَعَاكَ وَأَيْدِينَا إِلَيْهِ شَوَارِعُ
وَالتَّأْبِينَ: أبّن يؤبّنُ تأبينَ مصدر، عروة مفعول به، والتأبين مصدر ودخلت عليه (أل).
لَقَدْ عَلِمَتْ أُوْلَى المُغِيرة أنَّني ... كَرَرْتُ، فَلَمْ أَنْكُلْ عَنِ الضَّرْبِ مِسْمَعَا
مِسْمَعَا: هذا اسم رجل، والضرب هذا مصدر محلىً بـ (أل) فنصبه.
إذن: إِنْ كَانَ فِعْلٌ مَعَ أَنْ أَوْ مَا يَحُلّ مَحَلَّهُ.
إن أُريد بالمصدر الدلالة على الحدوث صحَّ أن يكون مُقدّراً بـ (أن) المصدرية أو (ما) المصدرية.
إن لم يكن كذلك حينئذٍ ظاهرُ كلامِ الناظم هنا أنه لا يعمل.
قالَ بعضُهم: استعمال المصدر في لسان العرب لا يخلو من حالين؛ إما هذا وإما ذاك:
الحالة الأولى: أن يُقصَد به ثبوتُ ما يدلّ عليه من الحدث، يعني أن يُراد بالمصدر الثبوت، والحدثُ الأصل فيه الثبوت أو عدم الثبوت؟ الثاني هو الأصل، ولذلك (قامَ يقومُ قم) الحدث الدال عليه بالفعل بأنواعه الثلاث لا يدلّ على الثبوت، هذا هو الأصل.
ولذلك الجملة الفعلية والاسمية بينهما فارق من هذه الحيثية، الاسمية تدلُّ على الثبوت والاستمرار، بخلاف الجملة الفعلية؛ لأنه حدثٌ والأصل فيه عدم الثبوت.
قد يُراد بالمصدر الدلالة على الثبوت.
стр. 1485
الثاني: أن يُقصَد به حدوث ما يدلُّ عليه من الحدث، سواء كان في زمن ماض أو حال أو استقبال، نظرة عامة: أي النوعين الذي يُقدّر بـ (أن) و (ما)؟ الثاني لا الأول.
إذن: إذا اعتبرناه شرطاً متى لا يصح إعمال المصدر؟ إذا دلَّ على الثبوت، لماذا؟ لأنه لا يحلّ محلّه (أن) أو (ما) المصدرية، وأما إذا لم يُرد به الثبوت وإنما الدلالة على حدوث الحدث بالأزمنة الثلاثة، حينئذٍ صحَّ أن يحل (أن) أو (ما) محله.
فإن أردتَ بالمصدر الأول وهو الدلالة على ثبوتِ ما يدلّ عليه من الحدث، فحينئذٍ لا يصلح لأن يحلّ محلّه فعل لا مع (ما) ولا مع (أن) المصدرية؛ لأن طبيعة الفعل دالة على الحدوث وإن لم تقصده.
وإن أردتَ الثاني فعلى التفصيل الذي سبقَ، إن أردتَ المضي أو الاستقبال جئتَ بـ (أن) مع الفعل الماضي في المضي، و (أن) مع الفعل المضارع في الاستقبال، وإن أردتَ الحال، فحينئذٍ تأتي بـ (ما) المصدرية لأنها لا تتعينُ لزمن مُعيّن. وإن أردتَ الثاني وهو الدلالة بالمصدر على حدوثِ ما يدلُّ عليه من الحدث في الزمن الحاضر كان عليك أن تُقدّره بـ (ما) المصدرية، وتُقدّر معها الفعل المضارع؛ لأن (أن) المصدرية لا تصلح هنا.
لأنها مع الفعل الماضي تُبقيه على حاله وهو الدلالة على حدوث الحدث في الزمن الماضي، ومع المضارع تخلّصه للدلالة على الاستقبال، فلما لم يمكن الإتيان بها في هذا المحل قُدّر المصدر بـ (أن) في هذه الحالة.
حينئذٍ لزمِكَ أن تُقدّره بـ (ما) إذا لم نتمكن من تقديره بـ (أن) لزمنا أن نُقدّره بـ (ما) لأنها صالحة للاستعمال في الأحوال كلها.
وإذا أردتَ بالمصدر الدلالة على حدوث الحدث في الزمن الماضي أو في الزمن المستقبل، فإنه حينئذٍ تُقدره بـ (أن) مع الفعل الماضي في الزمن الماضي، وبـ (أن) مع الفعل المضارع في الزمن المستقبل.
(إِنْ كَانَ فِعْلٌ مَعَ أَنْ أَوْ مَا يَحُلّ مَحَلَّهُ).
ثم قال: (وَلاسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ) قبل ذلك: المصدر لا يعملُ إلا بشروط وهي ثمانية ذكرناها فيما سبق، ووصلنا إليها.
شروطُ إعمالِ المصدر: إن جعلنا قوله: إِنْ كَانَ فِعْلٌ مَعَ أَنْ أَوْ مَا يَحُلّ مَحَلَّهُ، تجعله أولَ شرط في إعمال المصدر، وهذا ظاهر النظم.
إذن: الشرطُ الأول: أن يحلَّ محل المصدر (أن) المصدرية مع الفعل، أو (ما) المصدرية مع الفعل.
فإن لم يكن كذلك فلا عمل.
الثاني: أن يكونَ مُظهَراً، فلو أُضمر لم يعمل، يعني لا يكون ضميراً، الضمير إذا عادَ إلى المصدر فهو في قوّة المصدر، فإذا كان الأمر كذلك، حينئذٍ لا يعملُ الضمير فيما بعده لتأويله بالمصدر؛ لأن مرجعَه يرجع إلى المصدر.
стр. 1486
إذن الشرط الثاني: أن يكونَ مُظهراً، فلو أضمر لم يعمل خلافاً للكوفيين، لضعفه بالإضمار بزوالِ حروف الفعل، فلا يجوزُ حينئذٍ (ضربك زيداً حسنٌ وهو عمراً قبيح)، ضربك زيداً حسنٌ (وهو) الضمير يعودُ إلى الضرب، (عمراً) جوّزه الكوفيون لماذا؟ بناء على أن مرجع الضمير هو المصدر، فحينئذٍ أُوّل الضمير بالمصدر فأُعمِل المصدر مُضمراً، والأصل فيه أن يكونَ مُظهراً، مُضمر يعني: أن يكون الضمير عاملاً فيما بعده تنزيلاً له منزلة المصدر؛ لأنه يعود على المصدر، ليس مطلقاً كل ضمير لا، إذا كان الضمير يعود على المصدر فهو في قوة المصدر.
هل يعملُ المصدر مُضمراً؛ ضميراً؟ نقول: لا يعمل، خلافاً للكوفيين، فحينئذٍ (ضربك زيداً)، ضربك هذا مظهر، منطوق به بحروفه، زيداً مفعول به لضربك، حسنٌ هذا خبر المبتدأ، وهو أي الضرب السابق عمراً أجازَ الكوفيون نصبه، على أنه هو مصدر، لكنه بالتأويل، فحينئذٍ أُضمِر المصدر، والصوابُ أنه لا يعمل مضمراً.
ولا يجوز كذلك (مروري بزيد حسنٌ وهو بعمروٍ قبيح)، مروري بزيد حسنٌ وهو أي: المرور (بعمرو) جار ومجرور مُتعلق بقوله: هو، نقول: هذا لا يصلح، لماذا؟ لأن الضمير هنا وإن أُرجع إلى المصدر إلا أنه لا يعمل؛ لأن المصدر إنما يعمل متى؟ إذا كان مُظهراً، يعني ملفوظاً بحروفه هو، وأما إذا كُني عنه بالضمير فلا، خلافاً للبصريين، وأجازَ ابنُ جني إعماله في المجرور وقياسه في الظرف، فصل بينهما والصواب الأول.
الثالث: أن يكون مُكبّراً، فلو صُغِّر لا يعمل.
(أعجبني ضُريبُك زيداً)، نقول: لا يعمل، لماذا؟ لأن التصغير من خصائص الأسماء، واغتُفِر في المضاف والمحلى بـ (أل) للسماع، حينئذٍ ما عداهُ يبقى على الأصل، فلو ثُني المصدر لا يعمل، فلو جُمع المصدر لا يعمل، لماذا؟ لأن هذه من خصائص الأسماء، التثنية، والتصغير، والجمع .. من خصائص الأسماء.
فإذا ثُني المصدر حينئذٍ نقول: التحق به ما هو من خصائص الأسماء فأبعده عن مشابهة الفعل. أن يكون مُكبّراً فلو صُغِّر لم يعمل لخروجه بالتصغير عن الصيغة التي هي أصل الفعل.
وقيل: يعمل مُصغّراً، ويوافقه رويداً زيداً، إذن أعجبني ضُريبك زيداً، نقول: هذا لا يعمل، الصواب أنه لا يعمل.
الرابع: أن يكون غير محدود, يعني أن يكونَ دالاً على المرّة، لو كان دالاً على المرّة بالتاء حينئذٍ لا يعمل، فلو حُدّ بالتاء لم يعمل؛ لأن صيغته حينئذٍ ليست الصيغة التي هي أصل الفعل، فلو كانت التاء في أصل بناء المصدر كرحمة ورغبة عمل لعدم الوحدة حينئذٍ، فلا يكون محدوداً.
يعني أن لا تتصل به تاء الوحدة (وَفَعْلَةٌ لِمَرَّةٍ كَجَلْسَهْ)، إذا كان المصدر أصله أنه بالتاء كرغبة ورحمة عمل، وإن لم تكن التاء من أصله حينئذٍ صارَ محدوداً بالتاء فلا يعمل.
стр. 1487
الخامس: أن يكونَ غيرَ منعوت قبل تمام عمِلِه، يعني: أن يُنعت لكن يفصل بينه وبين معموله بالنعت، نقول: وصفه بالنعت قبل تمام العمل مُبطِل لإعماله، فالشرطُ فيه أن لا يفصلَ بينه وبين معموله بنعته. أن يكونَ غير منعوت قبل تمام العمل؛ لأن النعت من خصائص الأسماء المبعدة عن الفعل، وإنما لم يؤثر بعد تمام العمل لا إشكال فيه، إذا تم العمل لا إشكال فيه، (أعجبني ضربُ زيدٍ عمراً مبرح)، ضرب مبرح نقول: هذا جائز، لكن (أعجبني ضرب زيدٍ مبرحٌ عمراً) نقول: لا يجوز.
إذا فُصلَ بالنعت بينَه وبين معموله بطلَ إعمالُه، إذن وإنما لم يُؤثّر بعد تمام العملِ لضعفه بتأخّره عن استقرار العمل، فلا يجوزُ: (أعجبني ضربُك المبرحُ زيداً)، ضربُك: هذا فاعل، المبرّح: نعته، زيداً: هذا مفعول للمصدر، هنا نقول: لا يعمل، لماذا؟ لأنه وُصِف .. نُعِت قبلَ تمام العمل، لكن لو أُخِّر النعت قيل: (أعجبني ضربُك زيداً المبرحُ) صحّ؛ لأنه استوفى عملَه قبل النعت. لأن معمولَ المصدر بمنزلة الصلة من الموصول، فلا يُفصلُ بينهما، كالشأن في المضاف والمضاف إليه.
فإن ورَدَ ما يُوهم ذلك قُدّر فعلٌ بعد النعت يتعلَّق به المعمول المتأخر، فلو نُعِت بعد تمامه لم يمنع.
إذن الشرط الخامس: أن يكونَ غيرَ منعوت قبلَ تمام العمل، فإن نُعِت بعد تمام العمل فلا إشكال.
السادس: أن يكونَ مُفرداً، يعني غيرَ مثنى ولا مجموعاً؛ لأن تثنيته وجمعه يُخرجانه عن صيغته الأصلية التي هي أصل الفعل. وجوِّزَ عمله مجموعاً جماعةٌ؛ منهم ابن عصفور والناظم؛ يعني ابن مالك رحمه الله تعالى في غير هذا الكتاب. والصواب الأول.
السابع: تقدّمُه على معموله، فلا يجوزُ (أعجبني زيداً ضربٌ)، لا يصحّ؛ وإنما يُشترَط أن يتقدّمَ المصدر على المعمول؛ لأنه ضعيف، وسبقَ معنا القاعدة أن العامل إذا كان ضعيفاً لا يُتصرّف في معموله، فلا يصحُّ (أعجبني زيداً ضربك)، لا يصح هذا، إنما (ضربك زيداً) بتقديم العامل على المعمول، وأما الجار والمجرور فهذا يُتوسّع فيه.
الثامن: ذكرُه؛ فلا يعملُ محذوفاً على الأصح، أن يكونَ مذكوراً، أما محذوفاً فلا يجوزُ، ولذلك ضُعّف قولُ من قال بأن (باسم الله) جار ومجرور مُتعلق بمصدر ابتدائي، هذا ضعيف، جوّزَه بعضهم، ابتدائي باسم الله، باسم الله ابتدائي نقولُ: ضعيف، لماذا؟ لأن المتعلق هنا مصدر والمصدر لا يعملُ محذوفاً وإنما يجبُ أن يكونَ مذكوراً؛ لأنه ضعيف، والعامل الضعيف كاسمه، هو مذكور ضعيف، وحينئذٍ إذا حُذف من باب أولى.
стр. 1488
وليسَ من الشروط كونه بمعنى الحال أو الاستقبال، ليسَ من الشروط كونُ المصدر بمعنى الحال أو بمعنى الاستقبال؛ لأنه يعملُ لا لشبهه بالفعل، بل لأنه أصلُ الفعل، بخلاف اسم الفاعل، اسم الفاعل سيأتينا أنه لا يعملُ إلا إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال فيما إذا جُرّد عن (أل)، ضارب الآن أو غداً، ضاربٌ أمس لا يعمل، لماذا؟ لأنه أشبه الفعل المضارع، والفعلُ المضارعُ في الأصل لا يدل على المضي، فإذا دلّ اسم الفاعل على المضي حينئذٍ بعُدَ شبهه بالفعل المضارع، وإذا بعُدَ شبهه بالفعل المضارع حينئذٍ لا يعمل؛ لأنه إنما عمِلَ إلحاقاً له بالفعل المضارع، والفعل المضارع إنما يدلُّ على الزمن الحال أو الاستقبال، فإذا دلَّ اسم الفاعل على الزمن الماضي حينئذٍ لا يعمل؛ لأنه أصل الفعل بخلاف اسمِ الفاعل فإنه يعملُ بشبهه بالمضارع، فاشتِرط كونه حالاً أو استقبالاً؛ لأنهما مدلولا المضارع.
وقيل: أُعمِل المصدر لعلة وهي: شبهه للفعل في دلالة كلٍّ منهما على الحدث الذي يقتضي فاعلاً دائماً ويقتضي مفعولاً به إن كان واقعاً، والصواب أنه أصل له.
ثم قال: وَلاسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ، نكّر هنا، إذا نُكّر الشيء دلّ على قلة، التنكير قد يدلّ به على القلة، (وَلاسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ) فصله عما قبله، لماذا؟ لقلة عمله، بل قال الصيمري: إن عملَه شاذ، يعني يُحفَظ ولا يُقاس عليه إنما هو سماعي وليس بقياسي، وأما المصدر فهو قياسي، (وَلاسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ). أي مضافاً أو مجرداً أو مع (أل) مطلقاً، لأنه عطفَه على ما سبق، وإن كان قياساً وقد أشارَ إلى قلته بتنكير عمل، وقال الصيمري: إعماله شاذ.
(وَلاسْمِ مَصْدَرٍ) ما هو اسم المصدر؟ عرّفه في التسهيل بقوله: ما ساوى المصدرَ في الدلالة على معناه، وخالفَه بخلوّه لفظاً وتقديراً مِن بعض ما في فعلِه دون تعويض.
نقفُ على هذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 1489
عناصر الدرس
* إعادة (اسم المصدر) وعمله
* حكم معمول المصدر وتابعه. خاتمة
* شرح الترجمة (إعمال اسم الفاعل) وحده
* فائدة في علة عمل اسم الفاعل.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى: إعمال المصدر
بِفِعْلِهِ الْمَصْدَرَ أَلْحِقْ فِي الْعَمَلْ ... مُضَافاً اوْ مُجَرَّداً أَوْ مَعَ أَلْ
إِنْ كَانَ فِعْلٌ مَعَ أَنْ أَوْ مَا يَحُلْ ... مَحَلَّهُ وَلاِسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ
ذكرَ في هذين البيتين إعمالَ المصدر بعدَ أن بيّنَ لنا المصدر فيما سبق، وبيّنا شروطه، ثم ذكرَ اسم المصدر (بِفِعْلِهِ الْمَصْدَرَ أَلْحِقْ في الْعَمَلْ) أَلحق المصدر بفعله في العمل، تعدياً ولزوماً، فإن كان فعلُه المشتقّ منه لازماً فهو لازم، وإن كان مُتعدياً فهو متعدٍّ إلى ما يتعدّى إليه بنفسه أو بحرف جر.
وذكرنا أن المصدرَ يخالف فعله في أمرين: العمل واحد، إن كان الفعل لازماً حينئذٍ المصدر عَمِل عملَ الفعل المشتقّ منه، فإذا كان مُتعدياً بحرف جرّ تعدّى إليه بنفس الحرف، وإن كان مُتعدياً بنفسه تعدّى إليه بنفسه، لكن يخالفه في أمرين:
الأول: أن في رفعه النائب عن الفاعل خلافاً، يعني محلّ خلاف، وذكرنا أن فيه ثلاثة أقوال: الجواز مطلقاً، والمنع مطلقاً، والتفصيل.
والمراد بالتفصيل بين ما إذا كان فعلُه لا يكون إلا مُغيّر الصيغة صحَّ أن يعمل المصدر عملَ الفعل، فيرفع نائب الفاعل، وإلا فلا، هذا مثَّلنا له بزُكِم فُعِل، دائماً مُلازم للبناء للمجهول، بمعنى أنه لا يكون على فعل، وإنما دائماً يكون على فُعِل، إن كان كذلك حينئذٍ لا يلتبسُ، وحجةُ المانع أنه يلتبسُ لا يدرى هل هذا نائب فاعل أم فاعل، وهذا حقّ، فإذا أُمِن اللبسُ حينئذٍ جازَ أن يرفعَ نائب فاعل، وهذا قولُ أبي حيان وهو أظهرُ .. جيد.
الأمر الثاني الذي يخالفُ المصدر فعله: أن فاعلَ المصدر يجوزُ حذفه، بخلاف فاعل الفعل، وإذا حُذف حينئذٍ لا يتحمل ضميره.
مُضَافاً أَوْ مُجَرَّداً أَوْ مَعَ أَلْ: قلنا هذا إشارة إلى أن المصدر يعملُ مطلقاً، وإن كان يختلف في كثرة العمل، مُضافاً هذا الأكثر، ومجرداً هذا أقل من المضاف لكنه أقيسُ؛ لأنه أشبهَ بالفعل، محلى بـ (أل)، قلنا هذا فيه أربعة مذاهب، والصواب أنه يجوزُ إعماله مطلقاً لوروده سماعاً، ولو كان ضعيفاً قليلاً؛ لأن الإضافة هي أكثر ثم التجريد من (أل) والإضافة، ثم كونه مع (أل)؛ لأنها العلّة عند النحاة المتأخرين أن المصدر إنما أُعمل مع كونه جامداً .. أعمل لشبههِ بالفعل، فلما أشبهَ الفعل حينئذٍ عملَ عمله وهذا محلّ نظر، بل الصواب أنه إنما عملَ لكونه أصلَ الفعل؛ لأنه لو عُلّل بالعلة السابقة لقيل حينئذٍ إذا أشبه الفعل فإذا اتصل به ما هو من خصائص الأسماء أبعده، أضعفَ الشبه كما هو الشأن في الحرف هناك، قلنا الاسم إذا أشبهَ الحرف بُني، لا بدّ أن يكون الشبهُ قوياً، فإذا اتصل بالاسم ما هو من خصائص الأسماء حينئذٍ بعُد شبهه أو ضعف شبهه بالحرف فلم يُبنَ.
стр. 1490
كذلك المصدر لو قيلَ بأن العلة هي شبهه بالفعل، حينئذٍ إذا أُضيف فالإضافة من خصائصِ الأسماء فالأصلُ أنه لا يعملُ، ومع ذلك الأكثر فيه أنه يعملُ مُضافاً، وإذا حُلي بـ (أل)، فالأصل فيه أنه لا يعملُ، لكنه سُمع إعماله، والمجرد هذا أقيسُ وهو أقلُّ من المضاف، وأقيسُ يعني: الأصل أن يكون أكثر عملاً من المضاف؛ لأنه إذا جُرِّد عن (أل) والإضافة ابتعد عن الأسماء فلم يتصل به ما يبعده أو يضعف شبهه بالفعل، ولذلك نقول: هذه العلة فيها نظر.
قوله: إِنْ كَانَ فِعْلٌ مَعَ أَنْ أَوْ مَا يَحُلّ مَحَلَّهُ: (إِنْ كَانَ فِعْلٌ) هذا اسم كان، وكان ناقصة هنا، و (مَعَ أَنْ) مَعَ بالفتح، هذا ظرف مُتعلق بمحذوف صفة لفعل، وأن قُصِد لفظه وهو مضاف إليه، أو مع ما، هنا حُذف المضاف من الثاني لماذا؟ لكونه معطوفاً على مثله، مع أن أو مع ما؛ لأنه لا يجتمعان معاً مع (أن) و (ما) أو (ما) لا يجتمعان معاً في وقتٍ واحد، بل هذا له حالٌ وهذا له حال، فـ (أو) هنا للتقسيم والتنويع وليست للتخيير؛ لأنه إذا كان مع أن إنما يُراد به المضي أو الاستقبال، لكن يُقدّر مع المضي مَعَ أَنْ الفعل الماضي، ويُقدّر مَعَ أَنْ في الاستقبال الفعل المضارع، وأما الحال فيُقدّر بـ (ما) لأنها لا تكون للماضي ولا للاستقبال وإنما تكون لمعنى الحال.
(يَحُلّ مَحَلَّهُ): مكانه يعني، يعني محلّ المصدر، إن كان فعل مع ما ذكر يحلّ محله، يعني محلّ المصدر، مفهومه أنه إن لم يحلّ محله فعل مع (أن) أو مع (ما) حينئذٍ لا يعمل العمل المذكور، وهذا ظاهر النظم، وإن اختارَ في التسهيل أن هذا ليس بشرط، بل هو أمر أغلبي، وظاهر النظم هنا أنه شرطٌ لأنه قال: (بِفِعْلِهِ الْمَصْدَرَ أَلْحِقْ فِي الْعَمَلْ)، ثم بين أحواله: إِنْ كَانَ المصدر الذي يعمل العمل المذكور مَعَ .. إلى آخره.
فحينئذٍ نقول: هذا شرط، ونزيدُ عليه الشروط السبعة التي ذكرناها.
ثم قال: (وَلاِسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ) عمل لاسم مصدر، لاِسْمِ مَصْدَرٍ جار ومجرور مُتعلّق بمحذوف، خبر مقدم، وفصلَه عما سبق مَصْدَرٍ، لأن ثَم مغايرة بين المصدر واسم المصدر، ثم إعمال اسم المصدر هذا محلّ الخلاف، ولذلك حكمَ الصيمُري بأن إعماله شاذ، يعني يُحفظ ولا يقاس عليه.
ولقلّة إعمال اسم المصدر كذلك فصلَه عما سبق، ولذلك نكّر عَمَلْ؛ (عَمَلٌ) نكَّره، فدلَّ على أنه قليل، والإطباق السابق في قوله: مُضَافاً أَوْ مُجَرَّداً أَوْ مَعَ أَلْ، إِنْ كَانَ فِعْلٌ مَعَ أَنْ أَوْ مَا يَحُلّ مَحَلَّهُ.
هذان الأمران يكونان في المصدر وفي اسمِ المصدر، يعني ليسَ كل اسمِ مصدر يعمل، بل لا بد أن يصحَّ حلولُ فعلٍ مع (أن) أو (ما) محلّه، فإن لم يصحّ حينئذٍ على ظاهر النظم لا يعمل، فكلّ ما اشتُرط في المصدر يُشترط في اسم المصدر.
стр. 1491
(وَلاِسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ). اسم المصدر عرّفَه في التسهيل بقوله: هو ما ساوى المصدرَ في الدلالة على معناه وخالفه بخلوه من بعضِ ما في فعله دون تعويض. ذكرَ أمرين؛ أمراً من جهة المعنى وأمراً من جهة اللفظ، فوافق اسمُ المصدرِ المصدرَ في الدلالة على الحدث، هذا ظاهر النظم، أن اسمَ المصدر يدلّ على الحدث كما أن المصدرَ يدلّ على الحدث، إذن ما يدلّ على الحدث قد يكونُ مصدراً وقد يكون اسمَ مصدر، اتفقا في الدلالة على الحدث، ولذلك قال: اسم ساوى المصدر، وعرفنا أن المصدرَ هو اسم الحدث الجاري على فعله، (ضرب) مسماه عين الحدث، حينئذٍ اسم المصدر نقول: مُسماه عين الحدث، فالتكليم مصدر، مُسماه عين الحدث، والكلام اسمُ مصدر وافقَ المصدرَ في الدلالة على الحدث، إذن كلّ من التكليم والكلام يدلان على الحدث، هذا ظاهرُ كلام ابن مالك رحمه الله تعالى في التسهيل: ما ساوى المصدر في الدلالة على معناه، وما هو معنى المصدر؟ هو الحدث.
إذن كلٌّ منهما المساوَى والمساوِي كلٌّ منهما دالٌّ على الحدث. أي معنى المصدر وهو الحدث، وبهذا أخرجَ نحو الدهن والكحل مما فيه حروفُ الفعلِ لكنه لا يدلّ على حدث، كحَل العين الكحل، دهَن الرأس الدهن، إذن الدهن والكحل نقول: هذان لفظان فيهما حروف الفعل، لكن هل هما مصدران أو اسما مصدر؟ نقول: لا، لكونه .. وإن وافقَ الفعل في الحروف كما في (كلّم تكليماً، وسلّم تسليماً، وأعطى عطاء) اسم المصدر وإن وافقَه في الحروف كلها وهو المصدر أو في بعضها وهو اسم المصدر، إلا أنه لا يدل على الحدث، فكلّ ما وافقَ الفعلَ ولم يدل على الحدث فليسَ بمصدر ولا اسم مصدر. فإن كلاً منهما وإن اشتملَ على حروف الفعل لم يدلّ على الحدث بل على ذات، فالكحلُ مُسماه عينُ الكحل الذي تُكحل به العين، وكذلك الدهن نفس ما يُدهن به الرأس يُسمى دهناً، فمُسمّاه ذات وفرق بين أن يكون المسمى ذاتاً وبينَ أن يكون حدثاً.
إذن كلٌّ من المصدر واسم المصدر يدلان على الحدث، مُقتضاه حينئذٍ نقول: أن موضوع اسم المصدر الحدث كالمصدر، والذي يدلُّ عليه قولُ النحاة قاطبة: اسم المصدر، لو نظرتَ في اللفظ اسم المصدر، اسم المصدر مضاف ومضاف إليه، يدلُّ على أن اسم المصدر اسم للمصدر، فحينئذٍ ليسَ مدلوله الحدث على هذا الثاني، وإنما مدلولُه المصدر لفظُ المصدر، وهو قولٌ ثان في المسألة، ما مدلول اسم المصدر؟ نقول قولان: ابنُ مالك رحمه الله تعالى وكذلك ابنُ هشام في سائر كتبه ذهبا إلى أن مدلول اسم المصدر هو الحدث، حينئذٍ ساوى المصدر، كلٌّ منهما يدلّ على الحدث، وذهبَ بعضهم إلى أن اسم المصدر مدلوله لفظ المصدر، وجزمَ أبو حيان بأن موضوع اسم المصدر المصدر نفسه، وهو القول الثاني في المسألة، وهذا أظهرُ، فحينئذٍ يكون الكلام مُسمّاه التكليم، والتكليم مُسماه الحدث.
стр. 1492
إذن: النتيجة أن اسمَ المصدر يدلّ على الحدث، ولكن بواسطة المصدر، حينئذٍ من عبّر عن كون اسم المصدر يدلّ على الحدث وهو يرى أن اسمَ المصدر اسم للمصدر اللفظي، حينئذٍ يُؤول كلامه بأنه أرادَ ما يدلُّ على الحدث بواسطة المصدر، فمن قال بأن الحدثَ مدلول المصدر واسم المصدر، ودلالة اسم المصدر على الحدث بواسطة المصدر صحَّ تعبيره كذلك، وإذا أرادَ الثاني بأنّ كلاً منهما يدلُّ على الحدث مُباشرة، حينئذٍ نقول: هذا فيه نظر، والصواب أن يُقال: أن اسمَ المصدر كاسمه، يعني اسم مُسماه لفظ المصدر.
فالعطاءُ اسم مصدر، مدلوله ومُسمّاه إعطاء، والكلام نقول: هذا اسم مصدر، مدلوله ومُسمّاه تكليم، ثم كلٌّ من العطاء والإعطاء والتكليم مدلولهما الحدث، فحينئذٍ دلَّ اسم المصدر على الحدث بواسطة المصدر، ودلَّ المصدر على الحدث مباشرة بدون واسطة.
إذن قوله: ما ساوى المصدرَ في الدلالة على معناه وهو الحدث، هذا يحتمل القولين، يعني ساوى المصدر في الدلالة لكن بواسطة، بواسطة المصدر، وإن كان ظاهر العبارة تشيرُ إلى الثاني.
وخالفَه بخلوّه من بعض ما في فعله دون تعويض، هذا نظر في اللفظ، يعني اسم المصدر يُخالِف المصدر من حيث اللفظ، بأنه ينقصُ منه بعض حروف فعله الأصلية أو الزائدة، ويُشترَط في المصدر بأن لا يكون مصدراً إلا إذا كان مُساوياً للفعل في حروفه الأصلية والزئدة، فإن نقصَ عن الحروف الأصلية أو الزائدة فإمّا أن يُعوَّض عنه أو لا، فإن عُوِّض عنه فهو مصدر على الأصل، فإن لم يُعوّض عنه فإمّا أن يُنوى أو لا، فإن نُويَ حينئذٍ هو مصدر، وإن لم يُنوَ فهو اسم مصدر.
إذن من حيث المعنى حينئذٍ مَن قال بأن دلالة كلٍّ منهما الحدث متساويان، ومن حيث اللفظ لا، ثَم فرقٌ بينهما. المصدر يكون مُساوياً في الحروف العدد، كل حرف أصلي في الفعل لا بد أن يكون موجوداً في المصدر، وكلّ حرف زائد في الفعل لا بد أن يكون موجوداً في المصدر، فإن لم يُوجَد كل من الأصل والزائد نظرنا فإن حُذف وعُوِّض عنه كوعد هذا مأخوذٌ من الوعد، نقول المصدر: عِدة، هذا مصدر كذلك، حينئذٍ نقول: حُذِفت الواو وعُوّض عنها التاء، إذن حُذِف وعُوِّض عنه، فإن حُذِف من الفعل أصل وعُوض عنه التاء حينئذٍ نقول: باقٍ على مصدريته فهو مصدر، كذلك إذا حُذِف ولم يُعوّض عنه حينئذٍ إن نُوِي الحرف الذي لم يُذكر في المصدر حينئذٍ نقول: هو مصدر، مثل قاتل قتالاً .. قَاتَ .. بين القاف والتاء ألفٌ، وتقول في المصدر (قِتَا) أين الألف؟ محذوفة، لكنها منوية بدليل قِيتالاً، سُمع قِيتالاً فدلَّ على أنها .. الألف حُذفت ونُويت، إذن هذا مصدر أو اسم مصدر؟ نقول: مصدر، وإن نقصَ من حروف الفعل؟ وإن نقص، لماذا؟ لكونه حُذف لكنه مَنوي، فإن لم يكن هذا ولا ذا حينئذٍ تعيّنَ أن يكون اسمَ مصدر، هذا الذي أراده بقوله: وخالفه، يعني خالفَ اسمُ المصدرِ المصدرَ بخلوّه لفظاً وتقديراً، إن خالفه بخلوّه لفظاً وتقديراً حينئذٍ حكمنا عليه بكونه اسمَ مصدر، فإن خالفَه بكونه سقطَ منه بعضُ الحروفِ لفظاً لا تقديراً فهو مصدر على الأصل.
стр. 1493
من بعض ما في فعله (ما في فعله) يعني الذي في فعلِه، من الحروف الأصلية أو الزائدة دون تعويض، فإن عُوّض عنه .. عن المحذوف حينئذٍ حكمنا عليه بكونه مصدراً.
قال ابنُ عقيل: كعطاءٍ، فحينئذٍ عطاء مُساوٍ لإعطاء معنى، هذا على الرأي الأول، بأن عطاء يدلُّ على الحدث مُباشرة، وإعطاء يدلُّ على الحدث مُباشرة، إذن المعنى مُتّحد، إعطاء هذا مصدر، وعطاء اسم مصدر، مدلول كل منهما الحدث، ثم نظرنا في اللفظ، إذا دلَّ كلٌ منهما على الحدث إذن لا فرق من جهة المعنى، لا بدّ أن نبحث عن فارق بينهما من جهة اللفظ.
فإن عطاء مُساوٍ لإعطاء معنى، ومخالِفٌ له بخلوّه من الهمزة الموجودة في فعله وهو خالٍ منها لفظاً وتقديراً، أعطى يعطي إعطاءً .. إعطاءً هذه الهمزة موجودة في قوله: أعطى، وعطاء هذا اسمُ مصدر، أين الهمزة؟ حذفت، ننظر هل عُوّض عنها شيء في اللفظ؟ لا، هل نويت بحيث دلَّ دليلٌ على أنها مَنوية كأن يكون سُمع لفظ آخر مُصرّح فيه بالهمزة؟ لا، إذن لا هذا ولا ذاك، حكمنا عليه بكونه اسم مصدر، إذن ليسَ كلّ نقص يكون سبباً في الحكم على اللفظ بكونه اسمَ مصدر، بل لا بد أن ننظر هل عُوّض عنه أو لا؟ إن عُوّض فهو مصدر، وإن لم يُعوّض عنه نسأل هل هو منوي أو لا؟ لأن المنوي كالموجود، المنوي المقدر كالموجود، إن نُوِي فهو مصدر عن أصل، إن لم يُنو، حينئذٍ نقول: خلا اسم المصدر من حرف لفظاً وتقديراً، لفظاً لم يُنطق به، وتقديراً لم يُنو، فدلَّ على أنه اسم مصدر، ولذلك قال: عطاء في المعنى مساوٍ لإعطاء وهو مصدر.
إذا تساويا .. التبس؟ إذن لا بد من فارق لفظي، فنظرنا فإذا به مخالِف لفعله بسقوطِ حرف منه وهو الهمزة، موجودة في الفعل ولم تُوجَد في اسم المصدر، حينئذٍ نسأل ونبحث كما بحثنا سابقاً، فنحكمُ عليه بكونه اسم مصدر.
وهو خالٍ منها، يعني من الهمزة لفظاً وتقديراً، ولم يُعوض عنها شيء.
واحترزَ بذلك مما خلا مِن بعض ما في فعله لفظاً ولم يخلُ منه تقديراً، يعني قد يسقطُ بعض حروف الفعل ولا يُذكر في المصدر لكنه منوي، فإنه لا يكون اسمَ مصدر بل يكون مصدراً على الأصل، وذلك نحو: قتال، قتال هذا مصدر، فِعال: لِفَاعَلَ الْفِعَالُ وَالْمُفَاعَلَه.
قتال فإنه مصدر، مصدر قاتل، فاعل، قاتل قتالاً، قاتل أربعة أحرف: قاف، ثم ألف، ثم تاء، أين الألف في المصدر؟ قتا .. الألف التي بعد التاء هذه ألفُ المصدر، سيأتي: وَمَا يَلِي الآخِرُ مُدَّ وَافْتَحَا، فحينئذٍ نقول: أين الألف التي هي في فَاعَل؟ غير موجودة، لم تُذكَر في المصدر.
هل هي مَنوية؟ هل عُوّض عنها شيء؟ لا، لم يُعوّض عنها شيء.
هل هي منوية؟ نعم. لا بد من دليل، سُمع (قِيتال)، فِيعال. إذن وُجِدت الألف وكُسِر ما قبلها فقُلِبت الألف ياء فقيل: (قيتال)، إذن نقول هذا الحرف منوي.
стр. 1494
وذلك نحو (قتال) فإنه مصدر (قاتلَ) وقد خلا من الألف التي قبل التاء في الفعل، لكن خلا منها لفظاً ولم يخلُ منها تقديراً، يعني: منوياً، ولذلك نُطِق بها في بعض المواضع .. هذا هو الدليل على أنها منوي، إذا لم يُوجَد لا ما نحكم هكذا من رؤوسنا، نقول: حرف محذوف وهو مَنوي! لا. لا بدّ أن يدلَّ دليلٌ .. يعني بأن سُمِع في لسان العرب تصريحٌ بها أصالة، ولو حكمنا عليه بأنها شاذّ أو أنها ضعيف، أو أنها خلاف الأصل أو القياس المطرد.
أو ببدنه كما هو الياء هنا في قيتال، ولذلك نُطِق بها في بعض المواضع نحو: قاتل قيتالاً وضارب ضِيراباً، الياء هذه مُنقبلة عن الألف؛ لأنه مكسور ما قبله، فهذا مصدر لا اسم مصدر.
واحترزَ بقوله: دون تعويض مما خلا مِن بعض ما في فعله لفظاً وتقديراً، ولكن عُوّض عنه شيء .. حرف، حينئذٍ لا يكون اسم مصدر، بل هو مصدر على الأصل، وذلك نحو (عِدَة) فإنه مصدر (وَعد) فعل، (عدة)، أينَ الواو؟ حُذِفت في المصدر، (عِدة) فِعلَة، حينئذٍ نسألُ: أينَ الواو؟ محذوفة؟ كيف هي محذوفة وعدة مصدر، والأصلُ في المصدر أن لا ينقصَ من حروف فعله ولا حرفاً لا زائداً ولا أصلياً، نقول هنا حُذِف وعُوّض عنه التاء، وإذا عُوّض عنه التاء حينئذٍ صارَ كالموجود، إذن لم ينقص حرفٌ لأنه عُوّض عن المحذوف.
وقد خلا من الواو التي في فعله وهو وَعَدَ لفظاً وتقديراً ولكن عُوّض عنها التاء، فهو مصدر لا اسم مصدر، بخلاف الوضوء والكلام من قولك: (توضّأ وضوءاً) توضّأ تفعّل، تفعُّلاً هذا المصدر، (توضأ وضوءاً) أين الواو؟ أين التاء؟ محذوفة.
(تكلّم كلاماً) أصله تكليماً، أين التاء وأين التضعيف؟ هذا نقَص.
بخلافِ الوضوء والكلام من قولك: توضّأ وضوءاً، وتكلّم كلاماً، فإنهما اسما مصدر؛ لأنه حُذِف التاء منهما وحُذِف التضعيف، ولم يُعوّض عنهما شيء ولم يُنويا، فحينئذٍ حكمنا عليهما بكونهما اسمي مصدر.
فهما اسما مصدر لا مصدران، لخلوهما لفظاً وتقديراً مِن بعض ما في فعلهما، وهو التاء وأحد حرفي التضعيف، وأما المدة التي قبل الآخر قتال، كلام .. المدة التي قبل الآخر فليست للتعويض بدليل ثبوتها في المصدر، حيث لا تعويض كالانطلاق والإكرام، هذه ألف المصدر كما سيأتي، وَمَا يَلِي الآخِرُ مُدَّ وَافْتَحَا، مُدَّ انطلقَ انطلاقاً، انكسَرَ انكساراً، استغفَرَ استغفاراً .. المدة هذه مدّة المصدر، موجودة في اسم المصدر وموجودة في المصدر، إذن ليست للتعويض.
كالانطلاق والإكرام والاستخراج، فعُلِم من ذلك أن العِوض قد يكون آخراً وقد يكون أولاً، يعني قد يُحذَف حرفٌ من الفعل، ولا يُوجَد في المصدر ثم يُعوّض عنه حرف آخر إما في أوله وإما في آخره، والتعويض كما يكون في الآخر يكون في الأول والعكس بالعكس.
стр. 1495
وحقُّ المصدر أن يَتضمّن حروف فعله بمساواة، هذا الأصل فيه، توضّأ توضؤاً .. مثله، تكلّم تكلماً، تعلّم تعلُّماً، فرِحَ فرحاً، أشر أشراً، الأصل فيه أن يكون مُساوياً لفعله. وبزيادة، قد يزيد عليه نحو: أعلمَ إعلاماً زادَ عليه المدة، وهذا لا إشكال فيه، يزيدُ لكن لا ينقص، والحكم هنا في كونه اسمَ مصدر إذا نقصَ ولم يُعوّض أو يُنو، أما الزيادة فهي ثابتة، حينئذٍ قد يكون مُساوياً للفعل في الحروف مثل: فرِحَ فرحاً، وتكلّمَ تكلُّماً، وقد يكون بزيادة وهذه الزيادة تختلف، نحو: أعلمَ إعلاماً، فإن نقصَ عن فعله، فإن عُوّض عن الناقص أو قُدّر فيه فمصدر وإلا فاسم مصدر.
إذن اسمُ المصدر ما ساوى المصدر في الدلالة على معناه، الذي هو معنى المصدر وهو الحدث، وهذا يُؤوّل بأنه دلَّ على الحدث بواسطة المصدر، حينئذٍ باعتبار النتيجة هو مساوٍ، لكن باعتبار الطريق يختلفُ، لأن المصدر دلَّ على الحدث مُباشرة، واسم المصدر دلَّ على الحدث بواسطة المصدر، فلا إشكال فيه، النتيجة واحدة كلّ منهما دلَّ على الحدث، فاسمُ المصدرِ مساوٍ للمصدر في الدلالة على الحدث، هذا التعبيرُ لا إشكال فيه، على القول الثاني، ونُفصّل بأن المصدر دلَّ على الحدث مُباشرة بدون واسطة، وأما اسمُ المصدر فدلَّ على الحدث بواسطة المصدر، فمُسمّى (عطاء إعطاء)، و (إعطاء) مُسمّاه الحدث نفسه، وسبقَ معنا مراراً في أول الكتاب أن مُسمى اللفظ قد يكون لفظاً، زِيد كلمة، كلمة مُسماها هنا لفظ زيد، زيد اسم .. اسم هذا لفظ مُسمّاه لفظ آخر، واسم المصدر كذلك، اسمٌ مُسمّاه المصدر، حينئذٍ مُسمّى المصدر الحدث، إذن مُسمّى المسمى الحدث، فيكون هو مُسمّى الأصل، وهو اسم المصدر.
وخالفَه بخلوّه لفظاً وتقديراً معاً، يعني فإن خلا منه لفظاً لا تقديراً فهو مصدر، مِن بعض .. لا بد أن يكون بعض، لو كان كل هذا ما يُتصوّر، ما في فعله دون تعويض، يعني ما في فعله من الحروف الأصلية أو الزائدة دون تعويض، يعني لم يُعوّض ولم يُنوَ، ولم يُنوَ أشارَ إليه بقوله: خلا منهما لفظاً وتقديراً، فإن خلا لفظاً لا تقديراً فهو مصدر، إن خلا لفظاً وتقديراً وعُوّض عنه حينئذٍ هو مصدر، ولا يكون اسم مصدر إلا إذا حُذِف أحدُ الحروف ولم يُعوّض عنه ولم يُنوَ، فنحكمُ عليه بأنه اسم مصدر.
لكن إن كان مدلولُه لا الحدث كما في الكحل والدهن لا نحكم عليه بأنه مصدر أو اسم مصدر؛ لأنه يُشترطُ فيهما سواء كان بواسطة أو مباشرة أن يكون مدلوله الحدث، فأمّا إذا كان مدلولُه الذات حينئذٍ لو وافقَ الحروف .. حروفَ الفعلِ نقول: لا يُسمّى مصدراً ولا اسم مصدر.
قال: وَلاِسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ، إذن اسم المصدر وهو ما نقصت حروفُه -بالشروط السابقة- عن فعله نحكم عليه بأنه يعملُ عملَ فعله، والحكمُ فيه كالحكم في المصدر تعدياً ولزوماً باختصار، فإن كان لازماً فاسمُ المصدر يرفعُ ولا ينصب، وإن كان مُتعدياً بحرف عُدِّي اسم المصدر بالحرف الذي تعدّى به ذلك الفعل، وإن كان يتعدّى إلى اثنين فكذلك، وثلاثة كذلك.
ومن إعمال المصدر قوله:
أَكُفْراً بَعْدَ رَدِّ الْمَوْتِ عَنِّي ... وَبَعْدَ عَطائِكَ الْمِئَةَ الرِّتاعا
стр. 1496
الشاهد في قوله: عَطائِكَ؛ لأن عطاء اسم مصدر، وهذا محلُّ وفاقٍ بينَ النحاة أن عطا بفتح العين وحذف الهمزة اسم مصدر، ولذلك قال ابنُ عقيل: وزعمَ ابنُ المصنف أن عطاء مصدر وأن همزته حُذِفت تخفيفاً وهو خلافُ ما صرّح به غيره من النحويين، المشهور أن عطاء اسم مصدر وليس بمصدر، والمصدر هو الإعطاء، وإذا ادُّعي بأن الهمزة هنا حُذِفت تخفيفاً لا بدّ من دليل، يعني ادعاء حرف محذوف ونُوي لا بد من دليل، وليس الأمر هكذا مطلقاً.
أَكُفْراً بَعْدَ رَدِّ الْمَوْتِ عَنِّي ... وَبَعْدَ عَطائِكَ الْمِئَةَ الرِّتاعا
(عطاء) أضافَ اسم المصدر إلى فاعله، عطائك أنت، أنت المعطي، إذن أنتَ الفاعلُ فأضافَ اسمَ المصدر إلى فاعله ثم نصبَ به مفعوله وهو المائة؛ فالمائة هذا مفعول لاسم المصدر، ومنه قول الشاعر:
قَالُوا كلاَمُكَ هِنْداً وَهْيَ مُصْغِيَةٌ ... يَشْفِيكَ قُلْتَ صَحِيحٌ ذَاكَ لَوْ كانَاَ
كلامُك هنداً، (هنداً) هذا مفعول به، لأي شيء؟ لكلام، كلامُ هذا اسم مصدر؛ لأنه لـ (كَلَّم يُكَلِّم كَلاَماً) والأصل التكليم ((وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)) [النساء:١٦٤] هذا المصدر، فنقصت بعضُ الحروف فلم يُعوض ولم يُنوَ، حينئذٍ حكمنا عليه بكونه اسم مصدر، وهو مُضاف إلى الفاعل (كلامُك أنت) الكاف هذا في محلّ رفع فاعل، وهنداً هذا مفعول به.
ومنه حديث (مِن قُبلةِ الرجلِ امرأتَه الوضوء)، وهذا حديث يذكرونه .. من قبلة الرجل امرأته، (قُبلة) هذا اسم مصدر؛ لأنه من التقبيل (قبَّل يُقبِّل تقبيلاً)، والقُبلة هذه اسم مصدر.
نصبَ (امرأته) أضافَه إلى الفاعل (قبلة الرجل)، الرجل هو الفاعل، امرأته هو المفعول.
وقوله:
إذا صَحَّ عَوْنُ الخَالِقِ الْمَرْءَ، لَمْ يَجِدْ ... عَسيراً مِنَ الآمالِ إِلاَّ مُيَسَّرا
إذا صحَّ عونُ الخالق، (عون) هذا اسم مصدر (أعانَ يُعين إعانة) إعانة هذا المصدر إعانة مثل: إعطاء.
(عون) نقول هذا اسم مصدر؛ لأنه حُذِف بعضُ حروف الفعل ولم يُعوّض ولم يُنوَ، والخالقُ هذا فاعل، والمرء هذا مفعول به، أُضيف اسمُ المصدر إلى فاعله ونصب المفعول به
بِعِشْرَتِكَ الْكِرامَ تُعَدُّ مِنْهُمْ ... فَلاَ تُرَيَنْ لِغَيْرِهِمِ أَلوفا
(بِعِشْرَتِكَ) عِشرة (عاشرَ يُعاشِرُ معاشرة)، هذا الأصل بعشرتك إذن نقصَ من حروف الفعل، عشرتك الكرام، عشرتك أنت، أضافَ اسمَ المصدر إلى فاعله ونصب به الكرام.
إذن دلّت هذه الشواهد على أن اسمَ المصدر يعملُ، ويكفي فيه ما ذُكر.
وحينئذٍ مَن قال بأنه شاذٌّ إن أرادَ به أنه قليل ويُستعمل لا إشكال فيه، وإن أرادَ به أنه شاذ بالمعنى الخاص بمعنى أنه لا يُقاس عليه وما وردَ في لسان العرب يُؤول، قلنا: ليسَ الأمر كذلك، بل الصواب أنه يعملُ عملَ فعله كالمصدر؛ لأن مدلوله الحدث سواء قلنا بواسطة أو بدون واسطة.
وإعمالُ المصدرِ قليلٌ ومَن ادعى الإجماع على جواز إعماله فقد وَهِم، فإن الخلاف في ذلك مشهور، وقال الصيمري: إعمالُه شاذ، وقال ضياءُ الدين بن العلج في البسيط: ولا يَبعُدُ أن ما قامَ مقامَ المصدر يعمل عمله، قام مقام المصدر يعني به اسم المصدر، ونقل عن بعضهم أنه قد أجازَ ذلك قياساً.
стр. 1497
إذن إعمال اسم المصدر هو المراد، لكن هل كل اسمِ مصدر يعمل؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأن اسم المصدر على ثلاثة أنواع: طرفان ووسط.
الأول: عَلَم اسم مصدر وقع علماً، نحو: يسار، وفجار، وبرة.
يسار وفجار هذه أسماء مصدر، يعني ليست مصادر وإنما هي أسماء مصدر، وهذه لا يعمل منها واحد اتفاقاً، يعني ولا واحد يعمل من هذه المذكورات ولا غيرها اتفاقاً بالإجماع. أن اسم المصدر إذا كان علماً لا يعمل وفاقاً.
قال في الهمع: اسم المصدر العلم لا يضاف، ولا يقبل (أل)، ولا يقع موقعَ الفعل، ولا يقصد به الشياع، ولا يُوصف، يعني لا يُعطى حكمَ الفعلِ البتة، وإنما يكونُ جامداً لأنه لا يدلُّ على حدث؛ لأنه بالعلمية نقل مِن المصدر كما سُمي فضل رجل، كـ (فضل)، كما قلنا ينقل مصدر ويُسمّى به علم، لما نُقِل حينئذٍ نقول: هل يدلُّ على حدث جاءَ فضل؟ المراد به فضل الزيادة الخير؟ لا. وإنما نقول: صارَ مجرداً عن معناه الأصلي، وهو دلالته على الحدث، فحينئذٍ كذلك اسمُ المصدر إذا صارَ علماً حينئذٍ جُرّد عن معناه، لا يدلّ على حدث، وإذا لم يكن دالاً على حدث حينئذٍ بأي شيء يعمل؟ اسم المصدر كالمصدر، إنما يعملُ إما لشبهه بالفعل وإما لكونه أصلاً للفعل، وهذا وذاك كل منهما يدلُّ على الحدث، إن عملا أو عمل واحد منهما لما فيه من معنى الحدث، وأما إذا صارَ علماً حينئذٍ جُرّد وسُلِب دلالاته على الحدث.
إذن عَلَمٌ هذا النوع الأول، وهذا لا يعمل اتفاقاً، لكن ظاهر كلام الناظم (وَلاسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ) يرِد عليه أو لا؟ أن ندخلَ عليه نقول: عبارته تُوهِم أن العلمَ من أسماء المصادر يعمل؛ لأنه أطلقَ قال: (وَلاسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ) قيل به يرِد على الناظم، وإذا أردنا أن نعتذرَ نقول: شرطَ في المصدر أن يحلّ محلّه فعل مع (أن) أو (ما)، فقلنا في المقدمة: أن هذين الشرطين أو أن هذين الحالين كونه مضافاً أو مجرداً أو مع (أل)، كما هو الشأن في المصدر هو كذلك في اسم المصدر، الشرط الثاني: إِنْ كَانَ فِعْلٌ .. إلى آخره كما أنه شرطٌ في المصدر كذلك هو شرطٌ في اسم المصدر، وما كان علماً لا يصحُّ أن يقعَ موقع فعل لا مع (أن) ولا مع (ما)، وإذا كان كذلك حينئذٍ لا يردُ على الناظم، فيصير قوله: (وَلاسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ) مُقيّد بقوله: (إِنْ كَانَ فِعْلٌ) إلى آخره.
والعلم .. اسم المصدر العلم لا يتأتى فيه ذلك، إذن لا يرد على الناظم وهذا أجود.
وهذا النوع وإن كان ظاهر إطلاقِ المتن عمله إلا أنه يُقال: كلام الناظم مُقيّد بما قيّد به المصدر من كونه يصلح في موضعه (أن) أو (ما) والفعل.
واسم المصدر العلم ليس كذلك، حينئذٍ لا يرد على الناظم، فقوله: (وَلاسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ) مع الشروط السابقة، وهو كونه أن يصحّ حلول (أن) والفعل، و (ما) والفعل محلّه، فإن لم يصلح حينئذٍ نقول: هذا لا يعمل، واسم المصدر العلم كفجارِ ويسارِ وبرة نقول: هذا لا يصلح أن يحلّ محلّه الفعل مع (أن) ولا مع (ما).
стр. 1498
النوع الثاني من اسم المصدر: ذي ميم زائدة، يعني ماكان مبدوءاً بميم زائدة، لغير مفاعلة كالمضرَب والمحمَدة، مضرَب ومحمدة، وهذا كالمصدر اتفاقاً، يعني يعملُ عكسَ الأول، إذن طرفان ووسط، طرفٌ لا يعملُ اتفاقاً، وطرفٌ يعمل اتفاقاً، وهو ما كان مبدوءاً بميم زائدة، هذا يُعنوِنُ له النحاة بأنه اسمُ مصدر، والصحيح أنه مصدر، وهو الذي يُسمّى بالمصدر الميمي، وهذا سبقَ تفصيله في شرح النظم المقصود.
وسيأتي أنه مصدرٌ لا اسم مصدر، والاحترازُ بغير مفاعلة من نحو: مضاربة، من قولك: ضارب مضاربة فإنها مصدر، وهذا لا إشكال فيه لِفَاعَلَ الْفِعَالُ وَالْمُفَاعَلَه، الميم هنا زائدة لأي شيء؟ للدلالة على المفاعلة، حينئذٍ نقول: دالة على الفاعل لا إشكال فيه وهي مصدر، وأما الميم الزائدة لغير المفاعلة كالمضرب والمحمدة نقول: هذه ليست هي الميم التي في مضاربة، ومقاتلة، ومشاركة .. تلك دالة على المفاعلة، وهي مصدر قطعاً، وهذه قيل بأنها اسم مصدر لا مصدر، والصواب أنها مصدر، حينئذٍ لا يدخلُ في هذا النوع.
والاحترازُ بغير مفاعلة من نحو: مضاربة، لقولك: ضارب مضاربة فإنها مصدر.
وهذا قلنا يعملُ وِفاقاً؛ لأنه مصدر في الحقيقة.
الثالث: لا هذا ولا ذاك، يعني ما لم يكن علماً وما لم يكن مبدوءاً بميم زائدة مثل: عطاء، وكلام، وسلام إلى آخره، هذا محلّ خلاف بينَ النحاة. وغير هذين فيه خلاف فمنعَه البصريون وأجازَه الكوفيون، والصوابُ الجواز لورود السماع، فإذا صحَّ السماع في لغة العرب، حينئذٍ حكمنا به ولو بقلة، حينئذٍ نقول: اختلفوا في النوع الثالث وهو ما لم يكن علماً كفجار ولا مبدوءاً بميم زائدة لغير مفاعلة، هذان نوعان متقابلان، الأول ممنوع اتفاقاً، والثاني جائز اتفاقاً، والخلاف هل هو مصدر أو اسم مصدر؟ والصواب أنه مصدر، حينئذٍ سقطَ هذا النوع.
ما بينَهما ما ليسَ ذا ولا ذاك، حينئذٍ محلّ خلافٍ بينَ النحاة، فمنعَهُ البصريون وأجازَه الكوفيون، والصواب هو الجواز.
إذن: (وَلاِسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ) هذا تابعٌ لما سبق، كأنه ذكرَ في البيتين أمرين اثنين: المصدر، ثم اسم المصدر، والفرقُ بينَهما من جهة اللفظ، إذا قيل بأن المصدر يدلُّ على الحدث مُباشرة، واسم المصدر بواسطة، قد يكون ثَم فرقٌ من جهة المعنى، وأما من جهة الحروف فلا شكّ أن ثَم فرقاً بينهما، ويُشترَط في اسم المصدر في إعماله ما يشترط في المصدر.
ثم قال ﵀:
وَبَعْدَ جَرِّهِ الَّذِي أُضِيفَ لَهْ ... كَمِّلْ بِنَصْبٍ أَوْ بِرَفْعٍ عَمَلَهْ
(وَبَعْدَ جَرِّهِ) هذا مصدرٌ مضاف إلى الفاعل، بعد هذا منصوب على الظرفية مُتعلّق بقوله: ً (كَمِّلْ) كمل بعدَ جرّه الذي أُضيف له.
стр. 1499
يعني: قد يُضاف المصدر إلى ما بعده؛ لأنه يعملُ مُضَافاً أَوْ مُجَرَّداً أَوْ مَعَ أَلْ، وهو اسمُ، والأصلُ في كل اسم أنه يقبلُ الإضافة، وهذا لا يمنع مِن إضافته مانع، حينئذٍ إذا أُضيف إلى ما بعدَه فإن احتاجَ إلى منصوب كمِّله، يعني أضفْه ثم انصبْ ما بعده على أنه معمول للمصدر، أو إن احتاج إلى مرفوع كذلك كمّله، حينئذٍ قد يُضاف إلى المفعول ويحتاج إلى الفاعل، قد يُضاف إلى الفاعل ويحتاج إلى المفعول، فما أُضيف إليه وافتقرَ إلى الآخر سواء كان فاعلاً فيرفع أو مفعولاً فينصب.
كَمِّلْ هذا أمر، والأصل في الأمر الوجوب، لكن ليسَ هذا مراد الناظم وإنما المراد الإباحة، يعني إن أردتَ التكميل .. تكميل إعمال المصدر المفتقر إلى الفاعل ارفعه بعد إضافته إلى ما بعدَه، وإذا افتقرَ وأردتَ تكميله بالمنصوب حينئذٍ بعدَ إضافته إلى ما بعده انصب، كمل إن أردتَ التكميل فالأمر للإباحة لا للوجوب، لماذا؟ لأنه يجوزُ أن يضاف للفاعل ولا يذكر معه مفعول، والعكس، قد يُضاف إلى الفاعل ولا نحتاج للمفعول، (عجبتُ من ضرب زيد) انتهينا، (عجبتُ من ضرب زيدٍ) ضرب مصدر، أُضيف إلى فاعله، حينئذٍ ما نحتاج إلى المفعول، (عجبتُ من ضرب زيدٍ عمراً) كملته، هذا جائز ليس بواجب، إلا في حالة واحدة وذلك فيما إذا كان (ضرب زيد) معروفاً بينك وبين المخاطب، حينئذٍ لا بُد من ذكر المفعول به لا يجوزُ حذفه؛ لأنه لا تحصلُ الفائدة التامة إلا بذكرِ المفعول، لو عرفت أنك ضربت .. أعرف أنك ضربت، فجئتَ تقول: ضربتُ؛ هل حصلت الفائدة؟ لم تحصل الفائدة التامة، حينئذٍ نقول: لا بُد من ذكر الفضلة هنا، وهذا الذي ذكرَه الصبان أنه ما افتقرَ من الفضلات تعينَ فصار داخلاً في الإسناد وما لا فلا، يعني ما لم يكن مُفتقراً إليه في الفائدة حينئذٍ لا يدخل، وهذا مسألة خلافٍ بين النحاة، أكثرُ النحاة .. جماهير النحاة على أن الفضلات كلها ليست داخلة في حقيقة الإسناد .. في الكلام، والظاهرُ كلام الصبان أولى، أنه إن افتقرَ الكلام إليه حينئذٍ لا بُدّ من ذكره، وإن لم يفتقر حينئذٍ يجوزُ حذفه ويجوز ذكره، فإذا كان ثم عِلمٌ بضربك زيد .. بإيقاع الضرب منك ولم يعلم المفعول به حينئذٍ تعينَ ذكر المفعول وإلا لا داعي لذكر المسند والمسند إليه.
(كَمِّلْ بِنَصْبٍ أَوْ بِرَفْعٍ) كمل هذا إباحة؛ لأنه قد يجوزُ ذكر الفاعل ويحذف المفعول والعكس بالعكس؛ لأنه في هذا المقام يجوزُ حذف الفاعل كما ذكرناه سابقاً، أن مِن الفوارق بين المصدر وفعله أنه يجوزُ حذف الفاعل مطلقاً.
وَبَعْدَ جَرِّهِ يعني جرّ المصدر.
(الَّذِي) .. هذا مثال طبق القاعدة هو فيه، جَرِّهِ (جرّ يجر جرّاً) مصدر، أضافَه إلى الهاء بعد جرّ المصدر، أضافه إلى الفاعل الهاء يعود على المصدر وهو فاعل.
стр. 1500
(الَّذِي أُضِيفَ لَهْ) الذي هذا مفعول به للمصدر، إذن كملنا بعد الإضافة نصبنا، وهذا تقعيدٌ أو مثال لما ذكرَه، وَبَعْدَ جَرِّهِ أي جرّ المصدر الَّذِي أُضِيفَ لَهْ: يعني المضاف إليه. الذي أُضيف المصدر إليه، كَمِّلْ بِنَصْبٍ إن كان مضافاً إلى الفاعل، إن أُضيف إلى الفاعل كمّله بنصب يعني للمفعول به، (أَوْ) هذه مانعة خلوّ فتُجَوِّزُ جمعاً، بِرَفْعٍ إن كان مضافاً إلى المفعول؛ لأنك إذا كمّلته بالنصب معناهُ أنه أُضيف إلى المرفوع .. الفاعل، وإن كمّلته بالرفع معناهُ أنه أُضيف إلى المفعول، (بِرَفْعٍ عَمَلَهْ) عَمَلَهْ مفعول لكمل، وبنصب لكمل وعمله، يحتمل هذا ويحتمل ذاك.
نقول للمصدر المضاف خمسة أحوال: الأول: أن يُضاف المصدر إلى فاعله، ثم يأتي مفعوله، هذه حال وهذا كثير جداً، ومنه قوله تعالى: ((وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ)) [البقرة:٢٥١] هذا واضح، ولولا أن يدفعَ اللهُ الناسَ، إذن (دفعُ) مصدر، وهو مبتدأ والدليل: وَبَعْدَ لَوْلاَ، بعد (لولا) لا يكون إلا مبتدأ.
إذن (دفعُ) نقول مبتدأ وهو مصدر، أُضيف إلى لفظ الجلالة، لفظ الجلالة في المعنى فاعل، وأما في الاصطلاح ليس بفاعل؛ لأن الفاعل لا يكون إلا مرفوعاً هذا الأصل فيه، ((لَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ)) [البقرة:٢٥١] (الناس) مفعول به، إذن بَعْدَ جَرِّهِ .. جرّ المضاف وهو (دفعُ) لفظ الجلالة على أنه فاعل له.
(كَمِّلْ بِنَصْبٍ) وهو المفعول به، فقلت: الناسَ، (لَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ).
إذن الحالة الأولى: أن يُضاف إلى فاعله، ثم يأتي مفعوله.
الثاني عكسُه: أن يُضاف إلى المفعول ثم يُذكر الفاعل، عكس الأول، وهو أقل: (أعجبني شربُ العسلِ زيدٌ)، (أن يشرب العسل زيد)، (شرب العسل) هذا من إضافة المصدر إلى مفعوله، زيد بالرفع على أنه فاعل، هاتان الصورتان هي التي نص عليها الناظم
كَمِّلْ بِنَصْبٍ، هذا في الحالة الأولى.
أَوْ بِرَفْعٍ: وهذه الحالة الثانية.
وهل هذه الحالة مخصوصة بالشعر؛ حالة الضرورة أم أنها تجوزُ في النثر؟ هذا محلّ خلاف، والصواب أنها ليست خاصة بالضرورة.
ففي الحديث ﴿وحجّ البيتِ مَن استطاع إليه سبيلاً﴾ كمثال وإلا فيه نظر، ﴿حِج البيت مَن استطاع﴾ البيت محجوج إليه وهو مفعول به، مَن استطاع: المستطيع فاعل، لكن هذا فيه نظر من حيث الشرع، وأن يحجّ البيت المستطيع، لكنه قليل .. الثاني قليل، ولذلك الأول أكثر، والصواب هناك: ((وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)) [آل عمران:٩٧] مَن استطاع بدلٌ من الناس؛ لئلا يجب الحجّ على كل مستطيع؛ لأنك لو جعلته فاعلاً لأوجبتَ الحجّ على كل مستطيع، وهذا ليس بوارد، هل كل مستطيع يجبُ عليه الحج؟ ((وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ)) [آل عمران:٩٧] مَن استطاع فاعل، إذ أعربناه حينئذٍ يجبُ أن يحجّ البيتَ المستطيعُ، وهذا مخالِف للشرع، لا يجب الحجُ على كل مُستطيع، قد يكون حجّ سابقاً، وقد يكون ثم عذر آخر، على كل هذا كمثال فقط.
стр. 1501
الحالة الثالثة: أن يُضاف إلى الفاعل ثم لا يذكر المفعول، وهذا تأويل لقوله: كَمِّلْ، قلنا كَمِّلْ المراد به الإباحة. أن يُضاف إلى الفاعل ثم لا يذكر المفعول نحو: ((وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ)) [التوبة:١١٤] وما كان استغفارُ إبراهيمِ ربَّه، أن يستغفرَ إبراهيمُ ربه، أين المفعول به؟ محذوف، وما كان استغفارُ إبراهيم ربه، ((رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ)) [إبراهيم:٤٠] دعائي إياك، حذف المفعول.
الرابع: قد يُضاف إلى مفعوله ويُحذف فاعله، يجوزُ أو لا يجوزُ أن يحذف الفاعل؟ قلنا مِن الفوارق بين المصدر والفعل أنه اختُلِف فيه هل يرفع نائب فاعل أو لا؟ والأمر الثاني أنه يجوزُ حذفُ فاعله، ولا يتحمّل الضمير، يعني: يُحذف مباشرة.
الرابع: قد يُضاف إلى مفعوله ويُحذف فاعله، وحذف فاعل المصدر جائز، وهو مما يفارقُ فيه المصدر الفعل، ((لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ)) [فصلت:٤٩] يعني: من دعائه الخير، الخير هذا مفعول به، من دعاء الخير، من دعائه حذف الفاعل.
خامساً: أن يُضاف إلى الظرف، فحينئذٍ يرفعُ وينصبُ، هذا واضح بيّن. كالمُنَوَّن نحو: (أعجبني انتظار يوم الجمعة زيدٌ عمراً)، أُضيف إلى الظرف ثم رفع ونصب، (أعجبني انتظار) انتظار مصدر، انتظر ينتظر انتظاراً، أُضيف المصدر إلى أي شيء هنا؟ انتظار يومِ الجمعة أو اليومِ زيدٌ عمراً رفع ونصب.
إذن هذه خمسة أحوال باعتبار الإضافة، إما أن يُضاف إلى الفاعل ثم يُذكر مفعوله، وإما أن يُضاف إلى المفعول ثم يُذكر فاعله، وهذه محلّ خلاف، وإما أن يُضاف إلى الفاعل ويُحذف المفعول أو بالعكس، أو يُضاف إلى الظرف فيرفع وينصب .. هذه خمسة أحوال داخلة في قوله:
وَبَعْدَ جَرِّهِ -يعني: جرّ المصدر- الَّذِي أُضِيفَ. أُضيف المصدر لَهْ عائد على الَّذِي، لَهْ جارٌّ ومجرور مُتعلّق بقوله: أُضِيفَ، وأُضيف هذا مُغيّر الصيغة ونائب الفاعل ضمير مُستتر يعودُ على المصدر، (كَمِّلْ) بعد ذلك كمل، كمل بعد جرّه الذي أُضيف له بِنَصْبٍ (أَوْ بِرَفْعٍ عَمَلَهْ) المذكور السابق.
وَجُرَّ مَا يَتْبَعُ مَا جُرَّ وَمَنْ ... رَاعَى فِي الاِتْبَاعِ الْمَحَلَّ فَحَسَنْ
(وَجُرَّ) هذا فعل أمر.
стр. 1502
(مَا يَتْبَعُ مَا جُرَّ) يعني: جرّ تابع المجرور، من أينَ أخذنا تابع؟ ومن أين أخذنا المجرور؟ (تابع) مِن كلام المصنف، جر تابع، مَا يَتْبَعُ: (ما) اسم موصول بمعنى الذي، يَتْبَعُ صلة الموصول، الموصول مع صلته في قوّة المشتق التابع. مَا جُرَّ: جُرّ هذا مُغير الصيغة الذي جرّ، الموصول مع صلته في قوة المشتقّ، وهنا مجرور، وجر تابع المجرور، يعني: إذا أضفتَ المصدر إلى ما بعده، قلنا إما أن يكونَ فاعلاً وإما أن يكونَ مفعولاً، باعتبار اللفظ، ما حكمه في الحالين؟ باعتبار اللفظ ((وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ)) [التوبة:١١٤] قلنا: إبراهيم هذا مجرور، كيف مجرور ومنصوب في اللفظ؟ ممنوعٌ من الصرف، هذه نيابة عن الكسرة، فهو مجرور، ((وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ)) [التوبة:١١٤] قلنا: استغفارُ هذا مصدر أُضيف إلى إبراهيم، إذن هو في اللفظ مجرور، ولو أُضيف إلى المفعول به أعجبني شربُ العسل، حينئذٍ أُضيف إلى المفعول، في اللفظ هو مجرور، إذا أُتبع بأن أُكِّد أو عُطِف عليه أو وُصِف .. حينئذٍ لك حالان: إما أن تُراعي اللفظ فتجرّه، وإما أن تُراعي المحل فترفع إن كان مُضافاً إلى الفاعل وتنصب إن كان مضافاً إلى المفعول.
فالمضافُ إليه المصدر إن كان فاعلاً فمحله رفعٌ، وإن كان مفعولاً فمحله نصبٌ إن قدر بـ (أن) وفعل الفاعل، وإن قدر بـ (أن) وفعل المفعول، فتقول: (عجبتُ من ضرب زيدٍ الظريفُ)، (عجبتُ من ضربِ زيدٍ) إذا حذفتَ المفعول تقول: الظريفُ الظريفِ.
(وَجُرَّ مَا يَتْبَعُ مَا جُرَّ) إذن جرّه فقل: (عجبتُ مِن ضرب زيدٍ الظريفِ) بالخفض مراعاة للفظ، وهو أرجح من الرفع.
ولذلك قدّمه هنا قال: (جُرَّ)، (وَمَنْ رَاعَى فِي الاِتْبَاعِ الْمَحَلَّ فَحَسَنْ) أي: فهو حسن، يعني إذا قلت: (عجبتُ مِن ضربِ زيدٍ الظريفُ) بالرفع، لماذا رفعتَ؟ مراعاة لمحل زيد ومحله الرفع؛ لأنه فاعل، يجوز فيه الوجهان، فإذا جررتَه حينئذٍ العامل في المنعوت هو العامل في النعت، هذا لا إشكالَ فيه، فتقول: (عجبتُ من ضرب زيد الظريفِ) بالخفض، ما العامل فيه؟ ضرب العامل في زيد، وإن رفعت حينئذٍ هذا فيه خلاف.
(وَجُرَّ مَا يَتْبَعُ) جُرَّ هذا فعل أمر، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت، و (ما) هذا اسم موصول بمعنى الذي في محلّ نصب، يَتْبَعُ فعل مضارع، والفاعل هو، والجملة لا محلَّ لها من الإعراب صلة الموصول، والموصول مع صلته في قوّة المشتق التابع، حينئذٍ يكونُ الناظم قد أطلقَ التابع هنا، فشملَ جميع التوابع، النعت، والبدل وعطف النسق، وعطف البيان .. إلى آخره.
(مَا يَتْبَعُ مَا جُرَّ) (ما) مفعول لقوله: يتبع، وجُرّ هذا مُغير الصيغة مراعاة للفظه وهو الأحسن، ولذا بدأَ به يعني قدَّمه. أي: جُرّ تابع المجرور الذي هو ما أُضيف إليه المصدر، ومحل جرّ التابع ما لم يمنع منه مانع.
(وَمَنْ رَاعَى فِي الاِتْبَاعِ) وَمَنْ رَاعَى: مراعاة يعني انتبه أو لاحظ، ومِن هذا مبتدأ، وراعى فعل ماضي، فَحَسَنْ: الفاء هذه واقعة في جواب الشرط، هذا أحسن، ولو جعلتَ من ابتدائية موصولة والذي راعى في الاتباع المحل فحسن، هذا جيد لا بأس، لكن الشرطية الظاهر أنها أولى.
стр. 1503
(وَمَنْ رَاعَى في الاتْبَاعِ) في الاتباع جار ومجرور مُتعلّق بقوله: رَاعَى.
(الْمَحَلَّ) هذا مفعول لراعى.
(فَحَسَنْ) الفاء واقعة في جواب الشرط، وحَسَنٌ خبر مبتدأ محذوف، أي: فرأيه حسن، أو فهو حسن، أي ما ذكر من مراعاة المحل حسن، أو فرأيه حسن.
قال الشارح: إذا أُضيف المصدر إلى الفاعل ففاعلُه يكون مجروراً لفظاً، هذا لا إشكالَ فيه، مرفوعاً محلاً فيجوزُ في تابعه من الصفة والعطف وغيرهما مراعاة اللفظ فيُجر، وهذا الأولى والأرجح، ومراعاة المحل فيرفع فتقول: عجبتُ من شُرب زيدٍ الظريفِ .. الظريفُ، ومن إتباعه على المحل قوله:
حَتى تَهَجَّرَ في الرَّواحِ وهَاجَها ... طَلَبَ المُعَقَّبِ حَقَّهُ المَظْلُومُ
طَلَبَ هذا مصدر، مُضاف إلى المعقب، وهو فاعله، حقّه مفعول للمصدر، المظلوم صفة للمعقب، رفعهُ باعتبار المحل، وإذا أُضيف إلى المفعول فهو مجرور لفظاً منصوب محلاً، فيجوزُ أيضاً في تابعه مراعاة اللفظ والمحل، ومِن مراعاة المحل قوله:
قَدْ كُنْتُ دَايَنْتُ بها حَسَّانا ... مَخَافَةَ الإِفْلاسِ واللِّيَانَ
مخافةِ الإفلاسَ هذا الأصل، حينئذٍ أضافَه إلى المفعول به وهو الإفلاس، والليان معطوف عليه وهو تابع، حينئذٍ جازَ فيه الوجهان وهنا نصبَه، فدلَّ على أنه راعى فيه المحل، فالليان معطوف على محل الإفلاس.
وظاهرُ كلامِ الناظم جوازُ الإتباع على المحل في جميع التوابع وهو مذهب الكوفيين، لذلك أطلقَ.
قال: (وَجُرَّ مَا يَتْبَعُ) أطلقَه ما قيّدَه.
فكلّ ما يتبعُ من صفة ونعت وعطف نسق وبدل جُرّه، فالحكم عام، وهو مذهبُ الكوفيين وبعض البصريين، يعني ليس متفق عليه، وذهبَ سيبويه ومَن وافقه وهم جمهورُ البصريين إلى أنه لا يجوزُ الإتباع على المحل، وفصّل أبو عمرو فأجازَ العطفَ والبدلَ ومنعَ في التوكيد والنعت، والظاهر الجوازُ لورودِ السماع والتأويل خلاف الظاهر، والصواب الجواز.
خاتمة: المصدر المقدّر بالحرف المصدري والفعلِ مع معموله كالموصول مع صلته، فلا يتقدّم ما يتعلّق به عليه، يعني معمول المصدر لا يتقدّم عليه، متى؟ إذا قُدِّر بـ (أن) والفعل، أو (ما) والفعل؛ لأنه لا يكونُ عاملاً إلا إذا قُدّر بهذين النوعين، حينئذٍ جازَ أن يعملَ، فإذا كان كذلك لا يتقدّم عليه معموله، كما لا يتقدّم على الموصول مع صلته، والمضاف مع المضاف إليه، سبقَ أن معمول المضاف إليه لا يتقدّم على المضاف، ولا يفصِل بينهما، كذلك المصدر المقدّر بالحرف المصدري والفعل مع معموله كالموصول مع صلته، فلا يتقدّمُ ما يتعلّقُ به عليه، كما لا يتقدّم شيء من الصلة على الموصول، هذا مذهب الكثيرين.
وقال الرضي: أنا لا أرى منعاً من تقديم معموله عليه، -الرضي شرح الكافية لابن الحاجب، ودائماً إذا نقلوا عن الرضي فمرادُهم من الكافية، وهي من أجودِ ما شُرحت به الكافية-.
لا أرى منعاً من تقديم معموله عليه، -ولذلك يعبرون عنه بالمحقق، يعني له كلامٌ متين جيد، وشرحُه قوي-، أنا لا أرى منعاً مِن تقديم معموله عليه إذا كان ظرفاً أو شبهه، يعني جوّزَ الظرف وشبه الظرف وهو الجار والمجرور، جوّزَ أن يتقدّم على المصدر إذا كان المصدر عاملاً.
стр. 1504
قال تعالى: ((وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ)) [النور:٢] بهما جار ومجرور متعلق بقوله: رَأْفَةٌ، تقدّمَ عليه أو لا؟ تقدّمَ عليه، والمانع يقول: مُتعلّق بمحذوف حال، الذي يمنع. وقال: ((فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ)) [الصافات:١٠٢] لما بلغَ السعي معَه ظرف تعلّقَ بقوله: السعي، أن يسعى أن يَرأف، إذن هو عامل، ومعه متعلّق بالسعي فتقدّمَ عليه، والمانع يقول: مُتعلّق بمحذوف حال، الذي يمنعُ. ومثله في كلامهم كثير، والتأويلُ تكلُّف، دائماً يؤُوّل يؤُوّل! لا. وليسَ كلّ مُقدّر من شيء حكمه حكم ما قُدّر به، يعني يقول: بأنه إذا قُدّر العمل هنا بـ (أن) والفعل وهو الموصول وصلته، لا يلزم منه أنه يُساويه في جميع الأحكام، وإنما هنا نقول: هو مُقدّر بـ (أن) مصدرية وصلته في تجويد العمل فحسب، وأما كل الأعمال والأحكام التي تتعلّق بـ (أن) والفعل و (ما) والفعل نُنزّله على هذا؟ لا. فرق بين المسألتين.
وليسَ كلّ مُقدر بشيء حكمه حكم ما قُدّر به، ومعه مُتعلق بمحذوف الحال.
ثانياً: لا يُفصل بينهما بأجنبي، وهو ما ليسَ مُتعلقاً بالمصدر، ولا مُتمماً له، كالمبتدأ والخبر وفاعل غير المصدر ومفعوله، وغير الأجنبي ما هو مُتعلّق به ومُتمم له، كفاعل المصدر ومفعوله والظرف والمجرور المتعلقين به، يعني لا يفصل بينَ العامل والمعمول هنا في المصدر ومعموله إلا بما له تعلّق بالمصدر، يعني ما لم يكن أجنبياً، وسبقَ أن الأجنبي وغير الأجنبي هنا المراد به: ما كانَ مُتعلقاً بالمصدر، فكلّ ما كانت له علاقة بالمصدر في كونه معقولاً قدّم وأخّر، وأما إذا كان أجنبياً هذا لا يجوز. فلا يجوزُ (ضربي حسن زيداً في الدار)، (ضربي زيداً في الدار حسنٌ)، ضربي: مبتدأ، وحسن: خبر، إذا قلت: ضربي زيداً الأصلُ أن يكون مُتصلاً به، إذا قلت: (ضربي حسن زيداً) فصلت بين العامل وهو المصدر ومعموله وهو المفعول به بأجنبي وهو الخبر.
ويجوزُ: (ضربي زيداً في الدار حسن) على الأصل، أما المصدر الآتي بدلاً من اللفظ بفعله، فالأصحُ أنه مساوٍ لاسم الفاعل في تحمل الضمير وجوازُ تقديم المنصوب به، والمجرور بحرف يتعلّق به عليه؛ لأنه ليسَ بمنزلة موصول ولا معمول بمنزلة صلته، يعني المصدر الآتي بدل فعله لا يأخذُ هذا الحكم ضرباً زيداً، ولذلك قيل: زيداً منصوبٌ بضرباً وقيل: منصوب بالمحذوف.
إِعْمَالُ اسْمِ الفَاعِلِ
كَفِعْلِهِ اسْمُ فَاعِلٍ فِي الْعَمَلِ ... إِنْ كَانَ عَنْ مُضِِيَّهِ بِمَعْزِلِ
إِعْمَالُ اسْمِ الفَاعِلِ، ما هو اسم الفاعل؟
стр. 1505
اسْمُ الفَاعِلِ ما دلَّ على حدث وفاعله، جارياً مجرى الفعل في الحدوث والصلاحية للاستعمال بمعنى الماضي والحال والاستقبال، هكذا عرفه المكودي في شرحه، فخرجَ بقوله: ما دلَّ على حدث وفاعله مضروب وقام؛ لأن مضروب يدلُّ على حدث ومفعوله، وقام يدلُّ على حدثٍ وزمنٍ، لا يدلُّ على الحدث والفاعل، وإنما لما أرادت العربُ أن تضع لفظاً يدلُّ على ذات الفاعل مُتلبساً بمدلول الحدث وضعوا له اسم الفاعل، ولذلك اسم الفاعل مُغاير للفعل في الدلالة على الفاعل، اسم الفاعل يدلُّ على الفاعل بالوضع، دلالة وضعية، والفعل يدلُّ على فاعله بدلالة الالتزام وهي دلالة عقلية، وفرقٌ بين الدلالة العقلية والدلالة الوضعية، والثاني أقوى من الأول.
فلما أرادت العربُ أن تضع لفظاً يدلُّ على فاعل القيام قيل: قائم، وفاعل الضرب قيل: ضارب، بخلاف (ضربَ وقامَ)، فلا يدلُّ على الضارب إلا من جهة الاستلزام وهم أرادوا أن يضعوا له ما يدلُّ عليه بجهة الوضع؛ لأن البحث اللغوي وكذلك الوضعي في اللغويات، يعني الألفاظ، وأما العقليات فهذا الأصل فيه أنها لا يبحثون فيها ولا يضعون لها أشياء، إنما الموضوع له هو ما يلفظ به.
اسْمُ الفَاعِلِ عرّفَه في التسهيل بقوله: هو الصفة الدالّة على فاعل، صفة والصفة: ما دلَّ على ذات وحدث، دلَّ على ذات وحدث هذا لا يختصّ باسم الفاعل؛ لأن اسم المفعول دلَّ على ذات وحدث، وكذلك الصفة المشبهة دلّت على ذات وحدث، واسم التفضيل كذلك دلَّ على ذات وحدث، إذن ليسَ خاصاً باسم الفاعل.
هو الصفة الدالّة على فاعل، إذن أخرجَ ما دلَّ على المفعول، أو ما لا يدلُّ على الفاعل كالصفة المشبهة. جارية في التذكير والتأنيث على المضارع، من أفعالها لمعناه، معنى المضارع أو معنى الماضي، فالصفةُ جنسٌ يدخل فيه كل المشتقات: اسم الفاعل، اسم المفعول، وأمثلة المبالغة، والصفة المشبهة، وأفعل التفضيل؛ لأنه قدرٌ مُشترك، ومعنى الصفة عندَ النحاة ما دلَّ على ذات وحدث، بخلاف الصفة عند الصرفيين، فهو جنس. والدالة على فاعل أي: فاعل حدث تلك الصفة، يعني الذي أوجدَ ذلك الحدث، ذات وحدث، ذات أحدثت هي التي أوجدت هذا الحدث، إذن هذا اختصَّ به ما دلَّ على فاعل وأخرج سائر الصفات.
والدالّة على فاعل أي: فاعل حدث تلك الصفة لإخراج اسم المفعول، وما بمعناه، اسم المفعول كمضروب ومقتول، هذا يدلُّ على ذات وحدث، كما أن (قاتل وضارب) يدلُّ على ذات وحدث، إلا أن مقتول دلَّ على ذات وحدث وقع عليه، وقاتل دلّ على ذات وحدث وقع منه القتل، فرق بينهما.
وما بمعناه .. بمعنى اسم المفعول كفعيل؛ لأن فعيل كما سيأتي يأتي بمعنى اسم المفعول كقتيل بمعنى مقتول، وكالمصدر الذي بمعنى مفعول، نحو: الدرهم ضرب الأمير، سبقَ أن المصدر قد يُراد به اسم الفاعل، وقد يُراد به اسم المفعول، يعني يطلق المصدر ويُراد به اسم الفاعل، ويطلق المصدر ويُراد به اسم المفعول.
стр. 1506
(ضرب الأمير) أي: مضروبه؛ لأنه صفة تأويلاً لا من حيث اللفظ، فيكون داخلاً في الجنس فهو صفة، فاحتيج إلى إخراجه، وكفُعْلة بضم الفاء وسكون العين كضُحكة، ضُحْكة وضُحَكَة، ضحكة أي: مضحوك عليه، ضُحْكة بضم الفاء وإسكان العين هذا بمعنى اسم المفعول كـ (ضرب الأمير)، وكقتيل بمعنى مقتول، فإن فتحت العين كان بمعنى الفاعل كضُحَكَة، ضُحْكة هذا اسم مفعول، ضُحَكَة اسم فاعل، أي ضاحك على غيره، والأول مضحوك عليه، ضُحْكة هذا مضحوك عليه، وضُحَكَة هذا ضاحك على غيره.
وكذا هُمزة ولُمزة، يعني يَهمِزُ غيره ويَلمِزُ غيره.
إذن الدالّة على فاعل لإخراج اسم المفعول وما بمعناه وهو فعيل والمصدر الذي أُريد به اسم المفعول وفُعْلة بإسكان العين.
وجارية في التذكير والتأنيث على المضارع من أفعالها لإخراج الجارية على الماضي نحو: فرِحٌ، فرِح فرِحٌ هذا مثله.
وغير جارية أي: على شيء من الأفعال نحو: كريم. كريم لم يَجرِ على شيء من الأفعال، وهو صفة مشبّهة كما سيأتي في محلّه. والتأنيث لإخراج نحو: (أهيف) فإنه لا يجري على المضارع إلا في التذكير، لأن مؤنثه (هيفاء) كما سيأتي، لمعناه أي: مفيدة معنى المضارع من حال أو استقبال ومثلهما الاستمرار تجدد -هذا زاده الصبان-.
ولمعناه أو معنى الماضي لإخراج نحو: (ضامر الكشح) من الصفة المشبهة؛ لأنها للاستمرار الدوامي. سيأتي أنّ اسمَ الفاعل يضاف إلى فاعله إذا قُصِد به الدوام والثبوت، وإذا كان كذلك حينئذٍ لا يعملُ يكون صفة مشبهة.
ولمعناه أو معنى الماضي لإخراج نحو (ضامر الكشح، طاهر القلب) من الصفة المشبهة أي: الجارية على المضارع في الحركات والسكنات، وإلا فـ (فرح وكريم وأهيف) صفات مشبهة كما سيأتي.
ولا تنافي بين ما هنا من إخراجها من اسم الفاعل ثم يذكرها في أبنية أسماء الفاعلين؛ لأن نظرَ النحاة من جهتين: من جهة الصيغة ومن جهة المعنى، لا يوجدُ اسم فاعل من الثلاثي إلا على زِنة (فاعل)، وما عداه كله صفات مشبهة، فإن قُصِد به الحدوث لا الدوام صارَ اسمَ فاعل من جهة المعنى، ولا فاعل .. اسم فاعل مِن غير الثلاثي إلا ما كان على زنة مُفعِل كـ (مُكرِم)، وما عداه فهو صفة مشبهة إلا إذا أُرِيد به الحدوث سيأتي هذا معنا إن شاء الله.
وما سيأتي في أبنيةِ أسماء الفاعلين من أنها أسماءُ فاعلين؛ لأن ما هنا باعتبار اصطلاحِهم المشهور، وما سيأتي باعتبار اصطلاح آخر لهم أيضاً.
إِعْمَالُ اسْمِ الفَاعِلِ: إذن اسمُ الفاعل قد يعملُ وهو اسم، والأصلُ فيه عدمُ العمل، فحينئذٍ يرد السؤال: لماذا أُعمل اسمُ الفاعل؟ قالوا: لشبهِهِ الفعل المضارع في اللفظ والمعنى، فأمّا المعنى فإنه قد يُدلُّ به على الحال أو الاستقبال، فحينئذٍ وافقَه معنى، وأمّا في اللفظ فيوافقُه في الحركات والسكنات وعدد الحروف، والمراد بالحركات مُطلق الحركات لا عين الحركة، فـ (ضارب) على وزن (يضرب) إذن حركة ثم سكون، ثم محلّ إعراب، (ضارب يضرب) وافقه في الحركات والسكون، الأول مُتحرّك في (يض) و (ضا)، والثاني ساكن يض .. والألف ثم المتحرك، إذن وافقَه في مُطلق الحركة لا في عينها وشخصها؛ لأن هذا ليسَ بشرط.
стр. 1507
إذن لما وافَقه في اللفظ والمعنى حُمِل اسم الفاعل على المضارع في العمل، فرفع ونصب، حينئذٍ يرفعُ مُطلقاً، يعني بلا شرط، ولكن إذا أُريد أن ينصب ما بعدَه على أنه مفعول له أول أو ثاني أو ثالث، حينئذٍ لا بُد من شرط يُقرّبه إلى الفعل؛ لأن الرفع قد يُشارِك الفعلَ الحرفُ، والاسم كذلك يرفع، أما النصب فالأصلُ أن يكون من خصائص الفعل، فحينئذٍ إذا أُرِيد نصب اسم الفاعل لا بد من شيءٍ يُقرّبه إلى الفعل المضارع، فاشتُرِط له شرطان: أن يكونَ بمعنى الحال أو الاستقبال، وأن يعتمدَ على شيء قبله، أشارَ إلى الأول بقوله: (إِنْ كَانَ عَنْ مُضِِيَّهِ بِمَعْزِلِ)، وأشارَ إلى الثاني بقوله: وَوَلِيَ اسْتِفْهَاماً .. البيت، فحينئذٍ نحكمُ عليه بكونه عاملاً عمل فعله.
قال الناظم: إِعْمَالُ اسْمِ الفَاعِلِ
كَفِعْلِهِ اسْمُ فَاعِلٍ في الْعَمَلِ .. بِفِعْلِهِ الْمَصْدَرَ الْحِقْ فِي الْعَمَلْ، كَفِعْلِهِ اسْمُ فَاعِلٍ في الْعَمَلِ تعدياً ولزوماً، إن كان الفعلُ لازماً، فاسم الفاعل يكونُ لازماً يرفعُ ولا ينصب، وإذا كان الفعل مُتعدّياً لواحد فاسم الفاعل يتعدّى لواحد، وإذا كان الفعل مُتعدياً لاثنين فاسم الفاعل كذلك يتعدّى لاثنين، وإن كان الفعل يتعدّى إلى ثلاثة فكذلك اسمُ الفاعل يتعدّى إلى ثلاثة.
إذن: كَفِعْلِهِ اسْمُ فَاعِلٍ: اسْمُ فَاعِلٍ مبتدأ، كَفِعْلِهِ كائن كفعله.
(فِي الْعَمَلِ) هذا مُتعلّق بما تعلّق به الكاف كَفِعْلِهِ، كائن كفعله في العمل، كَفِعْلِهِ وقوله: فِي الْعَمَلِ مُتعلّقان بمحذوف .. اسْمُ فَاعِلٍ، أي في عمل التعدي إن كان فعله مُتعدياً، وعمل اللزوم إن كان فعلُه لازماً، وإنما قال فِي الْعَمَلِ لمخالفة اسمِ الفاعل الفعلَ في جواز إضافته لمعموله؛ لأن الفعلَ لا يُضاف كما سبق، والإضافةُ مِن خصائص الأسماء، فحينئذٍ يختصُّ اسمُ الفاعل يعني ينفردُ عن الفعل مع كونه يعملُ عملَ الفعل في جوازِ إضافته لمعموله، وأما الفعلُ فلا يُضاف إلى المعمول البتة. ودخولُ اللامِ على معموله المتأخر ((فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)) [هود:١٠٧] أنا ضاربٌ لزيد، قلنا اللامُ هذه قياسية، لام زائدة. بخلاف الفعل فيهما، وفي أنه يصحُّ أن يقع هو ومعطوف عليه خبراً عن مثنى، أو وصفاً له، فيمتنعُ تقديمُ معمولِه عليه نحو: (هذان ضارب زيداً ومكرمه)، هذان: مبتدأ، وهو مثنى، ضارب: خبر، كيف صحَّ الإخبار بمفرد عن المثنى؟ نقول: هنا يُستثنى؛ لأنه عُطفَ عليه مثلَه، هذان ضاربٌ زيداً ومكرمُه، فلما عُطِف عليه مثله صحَّ الإخبارُ به عن مثنى، وجاءَ رجلان ضاربٌ زيداً ومكرمُه، ضاربٌ: هذا نعت، كيف هو نعت وهو مُفرد واحد ضارب، ورجلان منعوت وهو مثنى؟ لأنه عُطِف عليه مثله، إذن إذا عُطِف على الوصف مثله حينئذٍ صحَّ أن يُخبَر به عن مثنى، وصحَّ أن يُخبَر أن يُوصَف به مثنى، جاء رجلان ضاربٌ الأصل الاتحاد الموصوف وصفته، هذا الأصل، فحينئذٍ كيفَ هنا خالف؟ نقول: لكونه عُطِف عليه مثله، (جاءَ رجلان ضاربٌ زيداً ومكرمُه) بخلاف الفعل.
стр. 1508
(كَفِعْلِهِ اسْمُ فَاعِلٍ فِي الْعَمَلِ) يعني: أن اسم الفاعل يعملُ عملَ فعله فيرفع الفاعل إن كان فعلُه لازماً نحو: (أقائم الزيدان)، (أقائم الزيدان) قائم قلنا: هذا اسم فاعل رفع الزيدان، على أنه فاعل له، وينصب المفعول إن كان فعلُه مُتعدّياً لواحد نحو: أضارب زيدٌ عمراً، لما كان هناك قامَ زيد لا يتعدّى، كذلك اسم الفاعل لا يتعدّى، فقيل: (أقائم الزيدان) يرفعُ فقط، ولا ينصب، ولما كان هنا (أضارب زيد عمراً) ضارب في مقام (ضرب)، حينئذٍ ضرب يتعدّى إلى مفعول واحد، كذلك اسم الفاعل يتعدّى إلى مفعول واحد، وينصبُ مفعولين إن كان فعلُه مُتعدّياً إلى اثنين نحو: (أمعط زيدٌ عمراً درهماً)، عمراً درهماً مفعولان لمعطٍ وهو اسم فاعل؛ لأن أعطى يتعدّى إلى اثنين.
وهذه كلها مُستفادة من قوله: (كَفِعْلِهِ).
قال: لا يخلو اسم الفاعل مِن أن يكون مُعرّفاً بـ (أل) أو مجرداً من (أل)؛ لأن له حكمين، فإن كان مجرداً مِن (أل) عمِلَ عَمَلَ فعلِه من الرفع والنصب، إن كان مُستقبلاً أو حالاً نحو: (هذا ضارب زيداً الآن أو غداً) وإنما عمِلَ لجريانه على الفعل الذي هو بمعناه وهو المضارع.
إذن: أُعمِل اسمُ الفاعل لكونه أشبهَ الفعل المضارع في اللفظ والمعنى.
ومعنى جريانه عليه أنه مُوافِق له في الحركات والسكنات، والمراد مُطلق الحركات لا خصوصها.
والسكنات وعدد الحروف؛ لموافقة (ضارب) لـ (يضرب) فهو مُشبه للفعل الذي هو بمعناه لفظاً ومعنى.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 1509
عناصر الدرس
* أنواع اسم الفاعل ,وشروط عمل المجرد
* عمل اسم الفاعل المحلى بأل
* صيغ المبالغة وعملها.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد ..
قال الناظم رحمه الله تعالى: إِعْمَالُ اسْمِ الْفَاعِلِ.
كَفِعْلِهِ اسْمُ فَاعِلٍ فِي الْعَمَلِ ... إِنْ كَانَ عَنْ مُضِيِّهِ بِمَعْزِلِ
عرفنا حقيقة اسم الفاعل، وعرفنا أنه يعمل عمل فعله في التعدي إن كان فعله متعدياً، ويعمل اللزوم إن كان فعله لازماً، وعرفنا وجه إعمال اسم الفاعل، أنه أشبه الفعل المضارع لفظاً ومعنى، لفظاً من حيث دلالته على الحال أو الاستقبال، ومن حيث اللفظ موافقته له في حركاته وسكناته وعدد الحروف.
وهنا شرط شرطين يعني لكن لا يعمل العمل المذكور إلا بشرطين: إِنْ كَانَ عَنْ مُضِيِّهِ بِمَعْزِلِ، وَوَلِيَ اسْتِفْهَاماً ...
فإن وجد الشرطان حينئذٍ صح إعماله، فإن انتفيا أو انتفى أحدهما، حينئذٍ لا يعمل عمل الفعل المضارع.
وهل هذان الشرطان لعمل اسم الفاعل مطلقاً ولو رفعاً، أم أنهما شرطان لعمل النصب فحسب دون الرفع؟ محل نزاع، والأكثر على أن هذين الشرطين لعمله النصب فحسب، وأما الرفع فهذا جائز مطلقاً.
إِنْ كَانَ عَنْ مُضِيِّهِ، يعني: كَفِعْلِهِ اسْمُ فَاعِلٍ فِي الْعَمَلِ، اسم فاعل كائن كفعله، في ماذا؟ في العمل. مطلقاً؟ لا. لكن لا يعمل العمل المذكور إلا بشرطين، وهذا شرط في عمله النصب لا في عمله الرفع، ومثله الشرط الآتي وهو الاعتماد، إن كان اسم الفاعل عَنْ مُضِيِّهِ بِمَعْزِلِ، بِمَعْزِلِ هذا خبر كان، وعَنْ مُضِيِّهِ: جار ومجرور متعلق بقوله: مَعْزِلِ، مَعْزِلِ هذا اسم مكان، إن كان اسم الفاعل بمعزل عن مضيه، عَنْ مُضِيِّهِ، أي: مضي حدثه بمعزل، أي: في مكانٍ عزلٍ، أي: إبعاد، والمكان هنا مجازي بمعنى التركيب، لأن الباء هنا ظرفية، بِمَعْزِلِ: الباء هنا بمعنى في، لأن المعزل اسم مكان، أي إن كان في مكان العزلة عن المضي، إن كان معزولاً عن دلالته على المضي حينئذٍ يعمل، مفهومه إن دل على غير المضي وهو الحال أو الاستقبال عمل، إذن نفى ما إذا كان اسم الفاعل دالاً عليه لا يعمل، إِنْ كَانَ عَنْ مُضِيِّهِ بِمَعْزِلِ: إن كان في عزلة عن دلالته على إيقاع حدث في زمن قد مضى وانتهى، حينئذٍ في هذه الحالة لا يعمل.
والأحوال ثلاثة: الحال، أو الاستقبال، أو الماضي، إذا تعين أنه لا يعمل إلا إذا عُزل عن حالة المضي فسكت عن الحالتين الأخريتين فدل على أنه لا يعمل إلا إذا كان دالاً على الحال أو الاستقبال.
إن كان في مكان العزلة عن المضي، والهاء في مُضِيِّهِ عائدة على اسم الفاعل، والمعنى عليه: إن كان اسم الفاعل بمعزل عن المضي المنسوب إليه، إذا كان بمعنى الماضي، ولذلك يشترط فيه إذا كان مجرداً .. والكلام في المجرد عن (أل) كما ذكرناه أن اسم الفاعل نوعان، مجرد عن (أل): ضارب، ومحلى بـ (أل): الضارب، المحلى بـ (أل) سيأتي ذكره، وأما هذان الشرطان فهما شرطان في المجرد.
стр. 1510
إِنْ كَانَ عَنْ مُضِيِّهِ بِمَعْزِلِ بأن كان دالاً على الحال أو الاستقبال، هذا ضارب زيداً الآن أو غداً، هذا ضارب زيداً، ضارب: هذا اسم فاعل، عمل لكونه أشبه الفعل المضارع، في الحركات والسكنات وفي المعنى، وهنا دل على زمن هو الحال، هذا ضارب زيداً الآن، غيَّرته، من باب التأكيد فحسب، وإلا لو أطلق انصرف إلى الحال، هذا ضارب زيداً غداً، قيدته، حينئذٍ يعمل عمل فعله، فهو دال على الاستقبال.
إن كان دالاً على المضي حينئذٍ لا يعمل، (هذا ضارب زيداً أمسِ) لا يصح، لا يصح أن يكون زيداً منصوب بـ (ضارب)، بل تجب حينئذٍ الإضافة، فيقال: (هذا ضاربُ زيدٍ أمس) ولا يجوز إعماله، لماذا؟ لتخلف شرط من شرطي إعمال اسم الفاعل النصب، وهو كونه: بمعزل عن المضي، فإن كان دالاً على الماضي حينئذٍ لا يعمل عمل فعله.
وإن كان بمعنى الماضي لم يعمل، لأنه حينئذٍ لا يكون بمعنى: يضرب، وإنما يكون بمعنى: ضرب، وإذا كان كذلك حينئذٍ صار بمعزل عن العمل. لعدم جريانه على الفعل الذي هو بمعناه فهو مشبه له معنىً لا لفظاً، يعني من حيث الدلالة على الحدث، دل على الحدث وهذا لا إشكال فيه، فلا تقول: هذا ضاربٌ زيداً أمس، بل تجب إضافته، تقول: هذا ضاربُ زيدٍ أمس، وأجاز الكسائي إعماله مطلقاً، يعني المجرد جوز الكسائي إعماله مطلقاً، ولم يقيده بدلالته على زمن الحال أو الاستقبال، بل عنده الماضي كذلك يعمل عمل الفعل، يعني ينصب، واستدل بقوله تعالى: ((وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ)) [الكهف:١٨] بَاسِطٌ، هذا خبر، كَلْبُهُمْ مبتدأ، وباسط خبره، وفيه فاعل مستتر، هو أي: الكلب.
ذِرَاعَيْهِ: تثنية ذراع، جاء بالياء، إذن هو منصوب بـ (بَاسِطٌ)، وهنا باسط هذا دال على الزمن الماضي، هكذا قال: باسط، ((كَلْبُهُمْ بَاسِطٌ)) [الكهف:١٨] والحكاية حكاية شيء وقع في زمن مضى، حينئذٍ صار باسط بمعنى بسط ذراعيه، فليس بمعنى الحال أو الاستقبال وقد نصب هنا .. نصب ذراعيه، هكذا استدل الكسائي بهذه الآية.
فذراعيه منصوب بـ (بَاسِطٌ)، وهو ماضٍ، وأجيب من جهة المانع بأنه حكاية حال ماضية، والمعنى يبسط ذراعيه، يعني: باسط وإن كان في ظاهره أنه بمعنى الماضي، إلا أنه في معنى الاستقبال، بدليل ما قبله وهو قوله: ((وَنُقَلِّبُهُمْ)) [الكهف:١٨]، ما قال: قلبناهم، ((وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ)) [الكهف:١٨]، ثم قال: ((وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ)) [الكهف:١٨] إذن يبسط ذراعيه. ولم يقل: وقلبناهم، حينئذٍ صارت المسألة حكاية حال ماضية، بأن يفرض ما وقع واقعاً الآن فيعبَّر عنه بالمضارع، إذن لا وجه لاستدلال الكسائي بالآية، لأن (باسط) وهو ماض قد عمل في (ذراعيه) فنصبه وهو بمعنى الماضي، فالجواب أن (بَاسِطٌ) هنا بمعنى: (يبسط)، بدليل سياق الآية، لأنه قال: ((وَنُقَلِّبُهُمْ)) [الكهف:١٨] ما قال: وقلبناهم، لما قال: ((وَنُقَلِّبُهُمْ)) [الكهف:١٨]، علمنا أن باسط بمعنى يبسط، لا بمعنى بسط.
следующие страницы →