Полный текст (2 939 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
كلا، بمعنى: انته، دل على الطلب أو لا؟ دل على الطلب، هل يقبل هذا الحرف نون التوكيد؟ نقول: لا؛ لأنه من علامة الأفعال، فحينئذٍ قوله: هو اسم هذا يشمل المصدر ويشمل اسم فعل الأمر، مثَّل للثاني وترك الأول لشهرته.
واَلأَمْرُ إنْ لَمْ يَكُ لِلنُّونِ مَحَلْ .. يعني: حلول، فيه فهو مصدر ميمي، فيه هو اسم .. يعني ليس بفعل أمر، بل هو اسم، نحو صه وحيهل، نحو، يعني: مثل، وذلك نحو .. والمثال قد يكون بجزء من اللفظ كله، فإذا قيل: هو اسم، الاسم يصدق على اسم فعل الأمر، والاسم يصدق على المصدر فحينئذٍ التمثيل بنوع لا يلزم منه انتفاء النوع الثاني، بل هو اسم، إما مصدر نحو: فنذلاً زريق المال، أي: انبذ وإما اسم فعل نحو: صه، فإن معناه: اسكت، وحيهل، ومعناه: أقبل أو قدِّم أو عجِّل، الأمر مبتدأ وقوله: هو اسم خبره وجواب الشرط محذوف دل عليه المذكور، ولذلك قال هنا: فصه وحيهل، اسمان وإن دلا على الأمر، لعدم قبولهما نون التوكيد، فلا تقول: صهَّنَّ، ولا حيهلنَّ .. لا تقبلهم.
لكن ابن هشام ﵀ في أوضح المسالك انتقد المصنف في التمثيل بصه وحيهل، قال: الأولى أن يمثل بنزال ودراك، لماذا؟ لأن صه وحيهل علمت اسميتهما بقوله: بالجر والتنوين، صحيح؟ بالجر والتنوين، قلنا: مراد المصنف أربعة أنواع منها: تنوين تنكير وهو الداخل لنحو صه، وحيهلاً، إذاً: من ذاك الموضع علم أن صه اسم وليس بفعل، وأن حيهل اسم وليس بفعل، إذاً: هنا قوله: نحو صه وحيهل، يعتبر تكراراً أو لا؟ يعتبر تكراراً، فلذلك قال: لو مثَّل بنزال ودراك، قال: فإن قبلت الكلمة النون ولم تدل على الأمر فهي فعل مضارع نحو: ((لَيُسْجَنَنَّ)) [يوسف:٣٢] والعكس كذلك، اسم فعل أمر كنزال ودراك، بمعنى: إنزل وأدرك، قال ابن هشام: وهذا أولى من التمثيل بصه وحيهل، فإن إسميتهما معلومة مما تقدم، لكونههما يقبلان التنوين.
وسيأتي مزيد البحث عن أسماء الأفعال في محله.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ...
стр. 142
عناصر الدرس
* شرح عنوان الناظم
* هل الإعراب لفظي او معنوي؟
* علة بناء الإسم عند الناظم
* مايدخله الإعراب.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
- هذا يقول: لماذا التنوين في جمع المؤنث السالم لا يصح أن يكون تمكيناً؟
- ذكرناه أنه وجد في عرفاتٍ، ونحوها، عرفات هذا ممنوع من الصرف، وأذرعاتٍ كذلك ممنوع من الصرف.
- ومسألة الإعراب على الحكاية هل يصح فيه التأويل مثل: لا إله إلا الله -هي كلمة الإخلاص-، وللفظ: لا إله يعرب كما هو على ..
- ذكرناه بالأمس أنه قصد لفظه: لا إله إلا الله، أي: هذا اللفظ أخبر عنه بكلمة الإخلاص، وأما إذا قيل: لا إله إلا الله هي كلمة الإخلاص، فلا إله: هذا مبتدأ أول، وهي مبتدأ ثاني، وكلمة الإخلاص: خبر ثاني، والجملة خبر الأول.
- ذكرتم عند الكلام على أن الضمائر المتصلة لا تكون إلا مسنداً إليه، أنَّ -أنا- لا يكون إلا مسنداً إليه.
- هذا هو الظاهر، هل يأتي خبر؟ ائت بمثال ..
- هذا مسند إليه.
- نعم، القائم: هذا اسم فاعل محلى بأل، وأنا نجعله إما توكيداً وإما أنه فاعل، هذا مسند إليه، هل يأتي المسند خبر؟ ما أعرف أنه يأتي مسنداً، إنما يكون مسنداً للعهد.
- الذي قام أنا؟ هذا ركيك، ما أظن .. لو أردنا على المثال يكون صحيح يستقيم عليه التأصيل؛ لأن هذه الأمور استقرائية، الحكم على كون اللفظ يقع مسنداً ومسنداً إليه هذا بحسب الاستقراء، يعني: ينظر في لسان العرب، ما لا يقع إلا مسنداً، قلنا: أسماء الأفعال، إذاً: هل يقاس عليها غيرها؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأن المسألة سماعية، حينئذٍ نقتفي ما أثر، هذا الأصل.
- لماذا أصبح كلمة بها كلام وقد يؤم لا يقبل، أرجو الإفادة، أم أن الذي لا يقبل هو الشطر الثاني من البيت الأول؟
- لا، هو كلمة بها كلام وقد يؤم، قلنا: هذا كما قال السيوطي: من أمراضها التي لا دواء لها، لماذا؟ لأن هذا المصطلح كما نص ابن مالك نفسه منكر في كتب النحاة، فلا يستعمل في هذا المعنى، يعني: لا ينص، ولذلك إذا استعمل عندهم يعتبر مجازاً مهملاً.
- أسماء الاستفهام، ألا يقال فيها كما قيل في أسماء الأفعال، من كونها مسنداً لا مسنداً إليه؟
- تقع مسنداً إليه، هذا هو الأصل، لذلك باب القياس فيما يسند ويسند إليه ممتنع، إنما هو سماعي، فما حفظ من كونه لا يقع إلا مسنداً أو لا يقع إلا مسنداً إليه، أو لا يقع مسنداً ولا مسنداً إليه، هذا بابه القياس، فإن لم يكن من هذه الألفاظ المحفوظة حينئذٍ يصير من النوع الأول وهو الأصل والأكثر أنه يسند ويسند إليه.
- هذا يقول: لو قلنا أن الحرف يتميز بكونه غير قابل للعلامات السابقة في الاسم والفعل، يرد على هذا كون الحرف بذاته من علامات الاسم والفعل فكأننا قدرنا وأضرمنا هذا المعنى (الحرف يتميز بعدم قبول الحرف)، فيلزم الدور، فما الجواب؟
- سواهما الحرف، يعني: سوى قابلي علامات الاسم الفعل الحرف، إذاً: ميزنا وعلمنا وعرفنا الحرف بعدم قبوله للحرف، نقول: لا، الجهة منفكة؛ لأن الحرف كما ذكرنا في الكلم هناك:
.............................
واحِدُهُ كَلِمَةٌ ..... ... وَاسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفٌ الْكَلِمْ
...........................
стр. 143
هناك قال الصبان: يجوز عود الضمير عليه باعتبار كونه اصطلاحياً، ويجعل وَاسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفٌ الْكَلِمْ، على أن المراد به المعنى اللغوي، هذا يسمى ماذا؟ يسمى استخداماً، وذكرنا أن الشيء قد يكون له اعتباران: فيعتبر من جهة ولا يعتبر من الجهة الأخرى، فلو نظرنا إليه من الجهتين لصح أن يكون نقضاً، وهنا الحرف من حيث كونه حرف، نحن نريد أن نثبت أن هذا حرف أولاً، ثم نجعله علامةً، إذاً، أمران: حرف في نفسه، ثم إذا أثبتنا حرفيته حينئذٍ نقول: هي يكون علامةً أو لا، فالنظر يكون من جهة نفي العلامة، لتمييز الحرف نفسه.
- هذا يقول: المكودي قال: المراد أسماء وأفعال وحروف أراد حل الإشكال الوارد إذا فسرنا الكلم بالمعنى الاصطلاحي، مع أنه ﵀ لم يفسر الكلم بهذا، وهذا نص عبارته: أي: واحد الكلم.
- لا، هو فسر الكلم بالمعنى الاصطلاحي، وهذا الذي قرره ابن حمدون في حاشيته.
- هذا يقول: إذا كانت صيغة استفعل، تدل على الطلب أو المبالغة، فما معنى قول الناظم .. النظم المقصود لسين الاستفعال إلى آخره، هل هي معاني أخرى أم كلها داخلة في المعنى؟
- لا، هي معاني مثل ما يقال: من: تفيد الابتداء وتفيد لبيان الجنس وللتبعيض إلى آخره، كذلك السين مثلها، ثم قد يختلفون في بعض المعاني، هذا يزيد وهذا ينقص، بعضهم يختصر، يجعلها في معنىً واحد وما عداه فهو مجاز، وبعضهم يعدد، فالمسألة اجتهادية؛ لأن استنباط المعنى هذا راجع إلى النظر، ثم هل يستدل عليه بشيء مما ورد من لسان العرب؟ هنا يأتي المحك.
- لماذا رجحنا كون الباء للمصاحبة في قول ابن مالك: تقرب الأقصى بلفظ موجز .. وما الذي يترتب من اختلاف المعنى بين القولين؟
- تقرب الأقصى، يعني: تقرب هذه الألفية للأفهام .. أفهام الطلبة الأقصى، يعني: المعنى الأبعد، بلفظ موجز: الشيء الطبيعي أن الموجز .. اللفظ المختصر اختصار .. قلة الكلام، هذه تؤدي إلى البسط أو إلى التضييق؟ الثاني، هذا الظاهر، فكيف هو يجمع بين الأمرين؟ تقرب الأقصى .. الشيء البعيد، بلفظ موجز، هذا متى؟ إذا جعلنا الباء سببية، بسبب اللفظ الموجز تقرب الأقصى، هذا في ظاهره لا ما يقبل، ولذلك نقول: تقرب الأقصى بلفظ موجز، يعني: مع لفظ موجز، اجتمعا مع .. لكن هل كون الإيجاز سبباً لتقريب الأقصى؟ هنا الذي ينفى .. إلا إذا أريد الثناء على الناظم نفسه.
- إذا أريد بالكلم: اسم جنس جمعي، جاز تأنيث ضميره وتذكيره هذا ظاهر، ولكنه إذا أريد به المعنى الاصطلاحي المعروف عندهم فما وجه جواز التأنيث والتذكير في الضمير؟
- أنت لماذا تنفي؟ الأصل بقاء ما كان على ما كان، يعني: إذا قيل: الكلم اسم جنس جمعي، يجوز فيه الوجهان، إذا جعل اصطلاحاً لمعنىً حينئذٍ نقول: هذا المعنى يتعلق باللفظ أو بالمعنى، المعنى الاصطلاحي الجديد الحادث، يتعلق بالمعنى أو باللفظ؟ بالمعنى، وأما اللفظ فهو كما هو، ولذلك نقول: كلمة من جهة اللفظ مؤنث، ومن جهة المعنى قول مفرد، هل نقول: وهو كلمةٌ، هل يصح؟ على حسب المرجع، إذا قلنا: الكلمة هي أو هو؟ هي، ولا يصح أن نقول: هو، فيكون المرجع الكلمة؛ لأن الكلمة مؤنث، فيبقى على حاله، ولو كان المعنى معنىً اصطلاحياً ثم هو مذكر في نفسه.
стр. 144
قول مفرد: هذا لفظ مذكر.
- ما ذكرتموه من اعتراض على من قال: الكلم اسم وفعل وحرف، ومعنى الكلم بالمعنى الاصطلاحي يرد أيضاً على ابن آجروم حيث قال: الكلام وأقسامه: اسم وفعل وحرف، أليس كذلك؟
- قال: الكلام هو اللفظ المركب المفيد بالوضع وأقسامه ثلاث: اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، فأقسامه، أي: أقسام الكلام، هذا من تقسم الكل إلى أجزائه، وليس من تقسيم الكلي إلى جزئياته.
- يقول المناطقة: الجنس بالتعريف شأن الإدخال لا الإخراج، فلماذا أخرج النحاة باللفظ؟
- لا النحاة، ولا الأصوليون، ولا غيرهم من أرباب الفنون يسيرون عند التطبيق على ما اصطلحه المناطقة، بل هم المناطقة لا يسيرون على هذا، وإنما هو شيء نظري، فذكرهم للجنس أشبه ما يكون بشيء صوري فقط، ولذلك هل وجد حد تام أم لا؟ في الدنيا هل وجد حد تام أم لا؟ هم يختلفون، منهم من ينفي الحد الناقص يقول: موجود، أما الحد التام ففيه خلاف هل وجد أم لا؟ مع كونهم هم الذين أصلوا هذا الأصل، فهم لم يستطيعوا أن يأتوا بمصطلحاتهم على الحد التام، واختلفوا في هذا، فكيف بغيرهم؟!
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
تم الكلام على الباب الأول وهو ما يتعلق بالكلام وما يتألف منه، وقد ذكر تحته حد الكلام، ثم الكلمة، ثم أقسام الكلمة اسم وفعل وحرف، وقلنا: لم يقيد الحرف بكونه حرف معنى؛ لأنه إذا أطلق في مقام التقسيم هنا مقابلاً للاسم والفعل لا يشترك معه حرف المبنى فلا نحتاج إلى الاحتراز.
وما قيل من أن قول ابن آجروم السابق: وأقسامه ثلاثة اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، أن قوله: جاء لمعنى، احترازاً عن حرف المبنى، هذا غلط، لماذا؟ لأن قوله: وأقسامه، أي: أقسام أجزائه التي هي الكلمة، والكلمة لا يدخل تحتها حرف المبنى، إذاً: من حيث التقسيم ابتداءً خرج حرف المبنى.
ما هو حرف المبنى؟ ما كان جزءاً في الكلمة: زه .. يه .. ده، قلنا: زه هذا حرف مبنى، وأما إلى ومن وعن وفي وعلى، نقول: هذا حرف معنى؛ لأنه يدل على معنىً في غيره، فهو قسيم للاسم والفعل، وقسم من أقسام الكلمة، إذاً: لا يرد معنا ولذلك ابن مالك هنا أطلقه.
ثم قال:
والقَوْلُ عَمْ ... وَكِلْمَةٌ بِهَا كَلاَمٌ قَدْ يُؤَمْ ..
ثم ميز كل واحد من هذه الأنواع الثلاثة الاسم والفعل الحرف بعلامات، وجعل العلامات تعريفاً لها، يعني: اكتفى بالعلامة عن تعريفها بالحد الذي هو الجنس والفصل والإخراج والإدخال، لماذا؟ لصعوبته، وإنما يميز الاسم وهو منطوق به ملفوظ به يميز بشيء ملفوظ، وأما الحقائق التي هي معاني الحدود، فهذه وجودها وجود ذهني لا وجود لها في الخارج إلا في ضمن أفرادها كما سبق معنا، وذكر خمس علامات:
بالجَرِّ وَالْتَّنْوِينِ وَالنِّدَا وَأَلْ ... وَمُسْنَدٍ لِلاِسْمِ تَمْيِيزٌ حَصَلْ
وقلنا: يكفي في الحكم على كون الكلمة اسماً قبولها لواحد من هذه العلامات ولا يشترط فيه أن يجتمع عليه علامتان فأكثر، بل متى ما وجدت فيه علامة واحدة أو قبوله لعلامة واحدة حينئذٍ صح الحكم على الكلمة بكونها اسماً، ثم ذكر علامات الفعل على جهة العموم، فقال ﵀:
стр. 145
بتَا فَعَلْتَ وَأَتَتْ وَيَا افْعَلِي ... وَنُونِ أقْبِلَنَّ فِعْلٌ يَنْجَلِي
يعني: فعل ينجلي، يظهر ويتميز عن قسيميه الاسم والحرف بتا فعلت، يعني: تاء الفاعل، وليس المقصود هنا بالفاعل الاصطلاحي ولا الفاعل اللغوي من أجل التعميم، كنتُ قائماً، وأتت، يعني: تاء التأنيث الساكنة، ويا افعلي، يعني: ياء المؤنثة المخاطبة، ونون اقبلن: التي هي نون التوكيد الثقيلة والخفيفة.
هذه أربع علامات، والأفعال ثلاثة .. الأفعال باستقراء كلام العرب من حيث الزمن إما ماٍض، وإما مضارع، وإما أمر، فالذي يختص بالماضي من هذه العلامات الأربع تاء الفاعل وتاء التأنيث الساكنة، وهل يشترط في صحة العلامة أن تدخل على كل فعل؟ الجواب: لا، ولذلك قلنا: هاتان العلامتان تاء الفاعل وتاء التأنيث الساكنة لا تدخل على فعل التعجب، وهو فعل ماضي ما أحسن زيداً، وحبذا، وخلا، وعدا، وحاشا بالاستثناء، وكفى بهندٍ، كفى: باتفاق أنها فعل ماضي، وهندٍ: هذا فاعله، والباء هذه زائدة، ومع ذلك هند فاعل وهي مؤنث تأنيثاً حقيقياً، وهو واجب التأنيث أو جائز التأنيث؟ الأول: واجب التأنيث، مع ذلك ما اتصلت به تاء التأنيث، لماذا؟ لأن هذه الأربعة الأنواع التزمت العرب تذكير فاعلها، فلذلك امتنع دخول تاء التأنيث على هذه المذكورات.
كفى بهندٍ، يرد السؤال، نحن نقول: علامة الفعل الماضي قبوله لتاء التأنيث الساكنة، ومن المقرر في باب الفاعل أن الفاعل إذا كان مؤنثاً تأنيثاً حقيقاً، واتصل بعامله وجب التأنيث، وهذا المثال نقول فيه: كفى بهندٍ، لماذا لم نؤنث؟ نقول: هنا يستثنى من القواعد السابقة، وهو ما سمع من لسان العرب، فبعض الأفعال التزم العرب تذكير فاعلها، حينئذٍ لو أسندت إلى مؤنث حينئذٍ تبقى على أصلها، إذاً: بتا فعلت وأتت، نقول: هاتان العلامتان من خواص الفعل الماضي، وتاء التأنيث الساكنة هذه لا تدخل على فعل الأمر ولا على الفعل المضارع.
وَيَا افْعَلِي، يعني: التي تدل على المخاطبة المؤنثة، وهذه العلامة مشتركة بين الأمر والمضارع.
وَنُونِ أقْبِلَنَّ: كذلك مشتركة بين الأمر والمضارع، إذاً: هل ذكر في هذا البيت علامةً للمضارع؟ هل ذكر في هذا البيت علامةً للفعل المضارع؟ نقول: نعم، إذاً: لماذا قال: فعل مضارع يلي لم؟ ليست خاصة به، لما كان قوله: وَيَا افْعَلِي وَنُونِ أقْبِلَنَّ، مشتركاً بين الأمر والمضارع احتجنا إلى علامة تميز المضارع، يعني: لا تدخل إلا على الفعل المضارع، ولا تدخل على غيره، ولذلك قال: ِفعْلٌ مُضَارِعٌ يَلِي لَمْ كَيَشَمْ.
سِوَاهُمَا الْحَرْفُ كَهَلْ وَفي وَلَمْ .. قلنا: ذكر وعدد الأمثلة للدلالة على أن الحرف قسمان، مشترك يدخل على الفعل الاسم، ثم هذا نوعان: منه عامل، ومنه غير عامل، سيأتي في موضعه يبين.
وَفي وَلَمْ .. هذا مختص، ومنه ما هو مختص بالاسم كفي، ومنه ما هو مختص بالفعل كلم.
ثم قال: وَمَاضِيَ الأفْعَالِ بِالتَّا مِزْ وَسِمْ .. يعني مز: ميز ماضي الأفعال بالتاء المذكورة، وهو النوعان المذكوران: بتا فعلت وأتت.
وَسِمْ بِالنُّونِ فِعْلَ الأمْرِ إِنْ أمْرٌ فُهِمْ .. يعني: فعل الأمر علامته مركبة من شيئين:
стр. 146
أولاً: إن أمر فهم، يعني: إن دل بلفظه على الأمر اللغوي، والمراد بالأمر اللغوي: الطلب، لكن بصيغته، نزيد: بصيغته، يعني: بذاته .. بنفسه، دون ضميمة شيء زائد عليه يدل على الطلب احترازاً عن الفعل المضارع المقرون بلام الأمر؛ لأنه يدل على الطلب لكن بواسطة لام الأمر: ((لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ)) [الطلاق:٧] ينفق: هذا فعل مضارع، هل يدل على الطلب؟ الجواب: لا، لما دخلت عليه لام الأمر دل على الطلب، هذا أولاً.
ثانياً: قبوله نون التوكيد الثقيلة أو الخفيفة أو ياء المؤنثة المخاطبة، هذه أو تلك، فحينئذٍ إن وجد إحدى العلامتين دون الأخرى، إن وجد الطلب دون قبوله لنون التوكيد الثقيلة .. إن وجد الطلب دون قبوله للعلامة الثانية، نقول: هذا اسم فعل أمر، أو مصدراً أو حرفاً .. كلا، بمعنى: انتهي، هذا يدل على الطلب، لكنه لا يقبل شيئاً مما ذكر فهو حرف.
لذلك قال هنا:
واَلأَمْرُ إنْ لَمْ يَكُ لِلنُّونِ مَحَلْ ... فِيهِ هُوَ اسْمٌ ..
واَلأَمْرُ، يعني: اللفظ الدال على الطلب بنفسه، فخرج لام الأمر؛ لأن دلالة الحرف بغيره.
إنْ لَمْ يَكُ لِلنُّونِ مَحَلْ .. يعني: حلول فيه، وهو مصدر ميمي، محل فيه، يعني: في اللفظ نفسه الذي دل على الطلب هُوَ اسْمٌ: لم يقيده بكونه اسم فعل أمر، وإنما ذكر مثالاً، لماذا؟ لأن ليس كل ما دل على الطلب ولم يقبل النون يكون اسم فعل أمر، بل قد يكون مصدراً، مثل: ضرباً زيداً .. فصبراً في مجال الموت صبراً.
هُوَ اسْمٌ نَحْوُ صَهْ وَحَيَّهَلْ .. ذكرنا أن ابن هشام ﵀ اعترض على هذا المثال بكونه قد دل عليه بقوله: بالجر والتنوين هناك، والأولى أن يمثل بنزال ودراك.
ثم قال رحمه الله تعالى: المُعْرَبُ وَالمَبْنِيُّ.
أي: هذا باب المعرب والمبني، إعرابه كما سبق بيانه، ولا نحتاج أن نقول كما قال صاحب الأوضح: هذا باب شرح المعرب والمبني، فكلمة شرح الأصل إسقاطها من كل تقدير في إعراب مثل هذا التركيب، هذا الأصل، يقال: باب العام، يعني: باب بيان العام، والتقدير لكلمة بيان تقدير معنى لا تقدير إعراب، وأما هناك فلا، باب شرح الكلام وما يتألف، أي: وشرح ما يتألف منه الكلام، أما أن نطرد هذا التقدير في كل باب يأتي معنا إلى آخر الألفية؟ فالجواب: لا، ولذلك انتقده ابن هشام في: أوضح المسالك.
المُعْرَبُ وَالمَبْنِيُّ .. أي: هذا باب المعرب والمبني، المعرب: هذا اسم مفعول .. فهو مشتق، والمبني: كذلك مشتق، فحينئذٍ العلم بالمشتق موقوف على معرفة المشتق منه، نحن نريد أن نحكم على أن الاسم أو الفعل يكون معرباً أو يكون مبنياً، إذاً: ما هو الإعراب أولاً، وما هو البناء أولاً، حتى نحكم على المحل بأنه قد حل فيه ذاك الأمر؟ إذ الأعراب حل، والمعرب محل، أليس كذلك؟ عندما نقول: الاسم زيد هذا معرب، الإعراب دخله، إذاً: زيد محل والأعراب حآلٌ، ومعرفة الحآلّ مقدمة على معرفة المحل.
стр. 147
حينئذٍ أقول: الإعراب له معنيان: معنىً لغوي، ومعنىً اصطلاحي، وهو في الأصل مصدر أعرب يعرب إعراباً من باب أكرم يكرم إكراماً، وفي اللغة: مشترك لمعاني أشهرها الإبانة، يقال: أعرب الرجل عن حاجته أبان عنها، ومنه حديث: والثيب تعرب عن نفسها، يعني: تبين عما في نفسها، والمعنى على هذا إذا قلنا: الإعراب الذي هو المعنى الاصطلاح مأخوذ من الإعراب في اللغة، بمعنى: الإبانة، يكون المعنى: أن الإعراب يبين معنى الكلمة، كما يبين الإنسان عما في نفسه، وهذا أولى المعاني أن يقال: الإعراب بمعنى الإبانة هو المقصود في الإعراب عند النحاة؛ لأن الإعراب هو الذي يبين المعنى.
إذا أعربت الفاعل وميزته عن المفعول والمجرور والتمييز كلاً بعلامته وما دخل عليه من العوامل، حينئذٍ بين الكلام الذي أريد، هذا هو الأصل، ويرد الإعراب في اللغة بمعنى التحسين، أعربت الشيء: حسنته، والتغيير: عربت المعدة، وعربها الله: غيرها، وإزالة الفساد، أعربت الشيء: أزلت عربه، أي: فساده.
ويتعين أن يكون الأول الذي بمعنى الإبانة أن يتعدى بعن، والباقي بالهمزة.
إذاً: للإعراب في لسان العرب عدة معانٍ، أشهرها الإبانة، وهو المقصود هنا في الإعراب الاصطلاحي.
أما الإعراب في اصطلاح النحاة، فهذا فيه مذهبان عند البصريين والكوفيين، والمسألة خلافية ولا ينبني عليها كبير فائدة.
هل الإعراب لفظي أو معنوي؟ اختار البصريون أنه لفظي، واختار الكوفيون أنه معنوي، والمراد بكونه لفظياً أو معنوياً، هل الضمة نفسها هي الإعراب، أم هي دليل الإعراب؟ هذا محل نزاع، وينبني عليه من جهة المسائل، أو لا ينبني عليه من جهة المسائل شيء، يعني: لا يفرع عليه مسائل، وإنما إذا جاء يعرب الطالب، فيقول: جاء فعل ماضي، وزيد فاعل مرفوع، إن كان الإعراب لفظياً يقول: ورفعه ضمة، وإن كان الإعراب معنوياً، يقول: وعلامة رفعه الضمة، رفعه ضمة، إذاً: الإعراب هو عين الضمة، مرفوع وعلامة رفعه .. الذي دلنا على أنه مرفوع الضمة، إذاً: فرق بينهما في التعبير.
وأصح القولين اختصاراً نقول: أن الإعراب لفظي، والضمة هي عين الإعراب، والفتحة هي عين الإعراب، وأما القول بأنه معنوي فمرادهم به أن انتقال الكلمة من حال إلى حال هو الإعراب، والذي دلنا عليه هو الحركة، كيف الانتقال؟ تقول: زيد، قلنا: هذا موقوف، يعني: لا معرب ولا مبني، إذا سلطت عليه عامل، قلت: جاء زيد، إذاً: انتقل من وقف إلى رفع على الفاعلية، ما الذي دلنا على هذا الانتقال؟ الضمة، ثم تقول: رأيت زيداً انتقل من كونه فاعلاً إلى كونه مفعولاً به مرئي، حينئذٍ انتقل حصل انتقال، ما الذي دلنا على هذا؟ وجود الفتحة.
стр. 148
الإعراب: هو الانتقال، وهذا أمر معنوي، والذي دلنا على وجوده هو الفتحة، مررت بزيد، حصل انتقال من النصب إلى الجر، فحينئذٍ نقول: الانتقال هو الإعراب، والذي دلنا على أنه انتقل من حالة النصب إلى حالة الجر هو الكسرة، وهذا تكلف وتعسف، والصحيح أن يقال بأنه لفظي؛ لأن الأصل في الكلام العربي أنه متعلق باللفظ، ولذلك نقول: الكلام: هو اللفظ المركب المفيد بالوضع، فحينئذٍ إذا كان الإعراب يميز المعاني الفاعل عن المفعول .. عن المضاف .. عن المضاف إليه إلى آخره، إذا كان هذا وظيفة الإعراب أن يميز حينئذٍ الأصل أن يكون ماذا؟ أن يكون شيئاً ظاهراً أو معنوياً ثم يحتاج إلى دليل؟
نقول: جعلها أمراً ظاهرياً هذا هو الأولى وهو الأليق، وهو الأحكم، ولذلك مذهب البصريين: أن الإعراب لفظي، فحينئذٍ نفس الضمة هي إعراب، ونفس الفتحة هي إعراب، ونفس الكسرة هي إعراب، ونفس السكون هو إعراب.
بخلاف مذهب الكوفيين فالإعراب الرفع شيء ودليله الضمة، والنصب شيء ودليله الفتحة، إلى آخره، وإذا أردنا أن نُعَرِّفَهُ على أنه لفظي نقول: أثر ظاهر أو مقدر يجلبه العامل في آخر الكلمة أو ما نُزِّلَ منزلته، هذا هو التعريف المشهور عند البصريين: أثر ظاهر أو مقدر يجلبه العامل في آخر الكلمة، إن وقفت إلى هنا لا بأس، وإن زدت: أو ما نزل منزلته، أو ما هو كالآخر، أيضاً هذا لا بأس، ما المراد بالأثر؟ المراد بالأثر الحركة أو الحرف أو السكون أو الحذف، أثر لأننا نقول الإعراب شيء ينطق، وما الذي ينطق هنا؟ ضمة حركة أو فتحة أو كسرة، أو حرف: زيد أبوك .. المسلمون قائمون .. نطقنا بالنون، ونطقنا هناك بالواو المسلمون.
إذاً: الإعراب نفسه حرف، أو سكون: لم يضرب .. لم يلد، هنا نطقنا بالسكون وإن كان هو عدم، أو حذف: لم يقوما، هذا الأثر مركب من أربعة أشياء، إذاً: إما أن يكون حركة، وإما أن يكون حرفاً، وإما أن يكون سكوناً، وإما أن يكون حذفاً، ثم كل منها .. من هذه الأربعة إما أن يكون ظاهراً أو مقدراً، يعني: ظاهراً يلفظ به وينطق به، وإما أن يكون مقدراً، ولذلك الإعراب قسمان:
إعراب ظاهر: وهو ما يظهر وينطق به، وإعراب تقديري، وهذا سيأتي بحثه عند قوله:
وَسَمِّ مُعْتَلاًّ مِنَ الأَسْمَاءِ مَا ... كالْمُصْطَفى ..
قوله ظاهر: المراد به موجود، ليس المراد أنه يلفظ به؛ لأن السكون والحذف لا يلفظ بهما، أليس كذلك؟ لم يضرب: عدم .. لم يقوما: حذفت النون، لم تنطق بحذف وإنما سكت، فحينئذٍ نقول: قوله: ظاهر، أي: موجود؛ لأن السكون والحذف غير ملفوظ بهما، وإن تعلقا بملفوظ من أجل إدخال السكون والحذف، أو مقدر، أي: معلوم مفروض الوجود، جاء الفتى، نقول: الفتى: فاعل، ورفعه ضمة مقدرة على آخره، أين الضمة؟ موجودة أو معدومة؟ معدومة.
стр. 149
إذاً: التقدير نقول: هو عدم في الأصل، ولكنه منوي في القلب، إذاً: المراد بالمقدر أنه معدوم مفروض الوجود، يعني: مقدر في القلب وجوده، فتنوي الضمة، ورأيت الفتى: تنوي الفتحة، ومررت بالفتى، تنوي: الكسرة، حينئذٍ مرد التقدير إلى النية، ولذلك ذكر السيوطي أن حديث: ﴿إنما الأعمال بالنيات﴾ في -منتهى الآمال- أنه يشمل أيضاً مسائل من فن النحو، ولأنه باعتبار النية، رأيت الفتى، قد لا يكون مراداً، لكن عند الأصوليين قاعدة، وهي: أن غير المقصود، هل هو داخل تحت لفظ العموم أو لا؟ ما لا يطرأ على ذهن المتكلم، هل هو داخل في لفظ العموم أو لا؟ هذه بسطناها، قلنا: لا، الصواب أنه داخل، فحينئذٍ لا بأس أن يستدل بهذا الحديث على مثل هذه المسائل، وخاصةً إذا تعلق بها حكم شرعي.
إذاً: أثر ظاهر أو مقدر، أي: معدوم مفروض الوجود يجلبه العامل، يعني: يطلبه العامل ويقتضيه؛ لأن العامل إذا كان يقتضي مرفوعاً على الفاعلية، حينئذٍ إذا سلط على اسم صلح أن يكون فاعلاً رفعه، جاء، نقول: هذا عامل فعل، وهو ماذا؟ يقتضي فاعلاً، يعني: يطلب فاعلاً؛ لأنه حدث، وكل حدث لا بد له من فاعل، إذاً: إذا دخل على زيد نقول: جاء، هذا يطلب فاعلاً، فإذا ركب معه لفظ زيد رفعه على أنه فاعل له، هذا معنى: يجلبه، يعني: يطلبه ويقتضيه، يقتضي هذا الأثر الحركة، أو الحرف أو السكون أو الحذف، لماذا؟ من أجل أن يتمم معناه، إذ العامل إنما يعمل من أجل أن يكمل معناه، فجاء لوحده دون أن يرفع فاعلاً لا معنى له.
وضربت زيداً: ضربت تعدى إلى الفاعل، وورد الكلام، رفع، إذاً: تمم معناه، ثم الكمال إنما يحصل بنصبه للمفعول، فلذلك يقتضي رفع فاعل ونصب مفعول لتمام المعنى؛ لأنه فعل متعدٍ بخلاف جاء.
يجلبه العامل، أي: يطلبه ويقتضيه، وليس المراد أنه يحدثه بعد أن لم يكن، هذا إذا قيدناه بهذا المعنى ورد علينا إشكال في باب الأسماء الستة والمثنى وجمع المذكر السالم، هناك تقول: أبوك، لفظ، قبل التركيب لا إعراب ولا بناء، أبوك بالواو، ثم تقول: هذا أبوك، هذا: مبتدأ، وأبوك: خبر مرفوع ورفعه الواو، الواو مجودة قبل التركيب، وهي عينها بعد التركيب، هل العامل هذا الذي هو المبتدأ الذي اقتضى ماذا؟ اقتضى أبوك أن يرفعه على أنه خبر له، فرفعه بالفعل، ثم رفع بالواو؛ لأنه من الأسماء الستة، هل الواو وجدت بعد أن لم تكن؟ لا، هي موجودة قبل دخول العامل، إذاً: ماذا صنع العامل؟ أثبتها كما هي وجعلها علامة إعراب، يعني: قبل دخول المبتدأ أبوك، نقول: أبوك أصله: أبو وأضيف إلى الكاف، أصلها: أبٌ وأبٌ هذه محذوفة الواو، لما أضيف رجعت الواو أبوك، هذه الواو لها جهة واحدة فقط، وهي كونها لام الكلمة فقط.
стр. 150
هل هي علامة إعراب؟ أبوك لوحدها هي علامة إعراب، الواو؟ لا، لماذا؟ لعدم تسلط العامل عليها؛ لأن الكلمة كما سبق معنا مراراً: أنه قبل التركيب لا توصف بإعراب ولا بناء، إذاً: أبوك الواو هذه ليست علامة إعراب، بل هي لام الكلمة، إذا قلت: هذا أبوك، هذا: العامل المبتدأ هنا يقتضي رفع أبوك على أنه خبر له، إذاً لا بد من حرف يرفع به أبوك، هو الحرف الذي كان قبل الدخول زاده معنىً زيادةً على كونه لام الكلمة، جعله علامة إعراب فقط، صيره علامة إعراب مع وجوده هو هو نفسه، وإنما زاده معنى.
يتضح أكثر أن نقول: المسلمان، مسلم إذا أدرت تثنيته قلت: مسلمان، الألف هذه ما نوعها؟ علامة تثنية، هل هي علامة رفع؟ لا قطعاً، إذاً: لها دلالة واحدة فقط من جهة واحدة، وهي أنها تدل على التثنية، فتقول: مسلمان: هذا تثنية مسلم، والذي دل على أنه تثنية مسلم وجود الألف، هل نقول: الألف هذه هي التي عناها ابن مالك بالألف ارفع المثنى؟ لا قطعاً، لماذا؟ لأنها لم يسلط عليها عامل، فإذا سلط عليها عامل قلت: جاء المسلمان صار الألف هذه لها جهتان:
علامة تثنية، وعلامة رفع، دخول العامل ماذا صنع؟ هل أوجد حرفاً لم يكن، أم أنه زاده معنى؟ الثاني، ولذلك نقول: يجلبه العامل المراد به أنه يطلبه، ويقتضيه لا أنه يحدثه بعد أن لم يكن، ليدخل معنا أبوك، والمسلمان والمسلمون في حالة الرفع فحسب.
هذا أبوك .. جاء المسلمان، المسلمون، الواو هذه قبل تسليط العامل حرف يدل على الجمعية فحسب وليس بحرف أعراب، فلما دخل عليه العامل: جاء المسلمون، قلنا: العالم هذا صير هذا الحرف مع دلالته على الجمعية جعله علامة إعراب، إذاً: لم يحدث شيئاً لم يكن قبل.
يجلبه العامل، أي: يطلبه ويقتضيه لا يحدثه بعد أن لم يكن، فلا يرد حينئذٍ ما رفع بالواو رفعاً من الأسماء الستة أو المثنى أو جمع المذكر السالم، فهذه ترفع بالواو، وهذه الواو موجودة قبل تسليط العامل، وإنما العامل زادها معنىً على المعنى الذي دلت عليه أولاً، أما أبوك لا تدل على معنى، الواو قبل تسليط العامل لا تدل على معنى، لماذا؟ لأنها كالدال من زيد، وأما المسلمان –الألف- فهذه حرف معنى، تدل على تثنية ما دخلت عليه، وكذلك المسلمون: هذه الواو حرف معنى وهو دال على الجمعية.
لما سلط عليهما العامل زاده مع دلالته على التثنية، زاده بكونه علامةً على الرفع، وهي التي عناها ابن مالك بقوله: بالألف ارفع المثنى، وكذلك يقال في الواو.
يجلبه العامل: هذا يحترز به عن حركة لم يجلبها العامل، كحركة النقل والإتباع، والتخلص من الساكنين، فلا يكون إعراباً؛ لأن العامل لم يجلبها: ((قُمِ اللَّيْلَ)) [المزمل:٢] نقول: هذا مبني لا يرد معنا، الحمدِ لله: على قراءة الإتباع، الحمْدِ: بالكسر، هل نقول: الكسرة هذه علامة إعراب؟ لا، لماذا؟ لأن الحركة التي تكون إعراباً لا بد وأن تكون مقتضاة لعامل، جلبها عامل، وهذه لم يجلبها عامل، ولا يوجد حركة يجلبها العامل إلا حركة الإعراب فقط، وأما ما عداها فليست مقتضاة لعامل حتى حركة البناء.
ولذلك نقول من باب الضبط والتأصيل: الحركات كلها في لسان العرب لا تخرج عن سبعة أنواع، كلها لا تخرج عن سبعة أنواع:
стр. 151
إما حركة إعراب، وإما حركة بناء، وإما حركة نقل، وإما حركة إتباع، وإما حركة حكاية، وإما حركة تخلص من سكونين، وإما حركة بِنْيَة .. بِنْيَة، هذه سبعة، حركة إعراب وحركة بناء .. حركة نقل .. حركة حكاية .. حركة إتباع .. حركة بنية .. حركة تخلص من ساكنين.
حركة الإعراب: هي التي يشترط فيها أن تكون أثر عامل، لا بد أن يكون لها ارتباط، وأما حركة النقل: هذا مثل ما ذكرناه بالأمس: (قالت امة) .. (فمن اوتي) .. فمن: هذا الأصل فيها السكون، أوتي بالهمز همزة القطع، مع ضمة أريد تخفيفه بإسقاط الهمزة فألقيت حركة الهمزة على ما قبلها ثم حذفت، فقيل: (فمن اوتي)، هل هذه الضمة أحدثها عامل؟ نقول: لا، لا علاقة لها بالعامل أصلاً، وإنما هي حركة نقل فحسب، مثلها: (قد افلح) .. قد: بالسكون، هذا الأصل، ولذلك إذا جئنا نعربه، نقول: قد: حرف تحقيق مبني على سكون مقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة النقل، طرحت حركة الهمزة على ما قبلها وهو ساكن.
حركة الإتباع: مثل ما ذكرناه: الحمْدِ لله، الحمْدِ نقول: هذه الحركة حركة إتباع للام لله، في الإعراب تقول: الحمْدِ مبتدأ مرفوع، ورفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع.
حركة الحكاية: هذه لا بد أن تكون في مقابلة كلام، ضربت زيداً، من زيداً؟ يقول لك: ضربت زيداً، تقول له: من زيداً؟ من: مبتدأ، وزيداً: خبر مرفوع ورفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الحكاية، هل هذه الحركة أحدثها عامل، اسم أو فعل أو حرف؟ الجواب: لا.
حركة التخلص من التقاء الساكنين: ((لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا)) [البينة:١] لم يكُنِ .. يَكُن: هذا فعل مضارع مجزوم بلم، وجزمه سكون مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة التخلص من الساكنين، هل هذه الكسرة يَكُنِ، هل اقتضاها عامل؟ الجواب: لا.
حركة البِنْيَة: هذه شرحناها بالأمس، وهي ما كانت حركةً لأول حرف أو ثان مما هو دون الأخير .. قبل الأخير، زيد، نقول: الزاي: مفتوح، هذه الحركة تسمى حركة بنية، يعني: تتعلق بالوزن والهيئة، ولذلك نقول: الوزن والهيئة: هي الحركات والسكنات، تَضْرِب: الراء مكسورة نقول: هذه حركة بنية، التاء مفتوحة: هذه حركة بنية، السكون، نقول: هذا السكون بنية، لماذا؟ لأن السكون قد يكون سكون إعراب، وقد يكون سكون بناء، ولكن في مثل هذا نقول: سكون بنية.
ماذا بقي؟ بقي حركة البناء: وهذه التي سيأتي حدها.
إذاً: أثر ظاهر أو مقدر يجلبه العامل في آخر الكلمة، هذا بيان لمحل وموضع ظهور هذا الأثر، أين يظهر؟ يظهر في آخر حرف، عليه أو بعده؟ هذا محل نزاع، هل هو قدر زائد على ماهية الكلمة، أم أنه مقارن لها؟ الأول أظهر.
إذاً: في آخر الكلمة بيان لمحل الإعراب لا للاحتراز، يعني: لم يخرج به أوائل الكلمة، ولا أواسط الكلمة؛ لأنه ليس عندنا عامل له أثر في أول الكلمة، أو له أثر في آخر الكلمة، بل لا يوجد عامل إلا وهو يؤثر في آخر الكلمة، إذا كان الأمر كذلك حينئذٍ قوله: في آخر الكلمة، نقول: هذا لبيان الواقع لا للاحتراز.
стр. 152
ما المقصود بالكلمة هنا؟ الكلمة تكون اسماً وتكون فعلاً وتكون حرفاً، حينئذٍ قوله: الكلمة، هل عنى بها كل أفرادها الاسم والفعل والحرف؟ قطعاً لا، لماذا؟ لأن الحرف كله بجميع أنواعه مبني، ونحن نتكلم ونتحدث عن الإعراب، والإعراب نقيض البناء فلا يجتمعان، إذاً: سقط الحرف .. سقط الحرف برمته، ماذا بقي؟ الاسم والفعل، الأصل في الفعل البناء، ولذلك الماضي مبني، والأمر مبني، والمضارع معرب بشرطه: إن عري من نون توكيد، إذاً: ما الذي سقط من الفعل؟ الماضي والأمر وبعض المضارع، جميل.
الأول الاسم، هل كله معرب؟
وَالاسْمُ مِنْهُ مُعْرَبٌ وَمَبْنِي، إذا قلنا: المراد بالكلمة هنا الاسم والفعل والحرف، سقط الحرف؛ لأنه مبني ولا دخل له في الإعراب، سقط بعض الفعل وهو الماضي والأمر وبعض المضارع، إذاً: بقي معنا المضارع المعرب، وَالاسْمُ مِنْهُ مُعْرَبٌ وَمَبْنِي، الذي يدخل معنا هنا هو المعرب، وأما المبني فهو ساقط، إذاً قوله: الكلمة، هذا كل أراد به الجزء، والمراد به نوعان من أنواع الكلمة:
الأول: الاسم المتمكن، والثاني: الفعل المضارع الخالي من نوني التوكيد ونون الإناث، إذاً: في آخر الكلمة، المراد بالكلمة هنا: الاسم المتمكن، والاسم المتمكن هذا يقابل ماذا؟ يقابل الاسم غير المتمكن، وهو المبني، إذاً: أخرجنا المبني، الفعل المضارع: أخرجنا الماضي والأمر الخالي من نوني التوكيد والإناث .. أخرجنا الفعل المضارع المبني، وهو إذا اتصلت به إحدى النونين، أو نون الإناث، هذا على جهة العموم.
وعلى جهة التفصيل، نقول: الاسم المتمكن يشمل ثمانية أمور: الاسم المفرد المنصرف .. الاسم المفرد غير المنصرف .. جمع التكسير المنصرف .. جمع التكسير غير المنصرف .. جمع المذكر السالم .. جمع المؤنث السالم .. المثنى .. الأسماء الستة، هذه كلها المرادة بالاسم المتمكن.
إذاً: هذه الأنواع الثمانية هي التي يدخلها الإعراب، ما عداه لا محل للإعراب فيه، وهذا يضبط لك المسألة من أصلها، والفعل المضارع المراد به ثلاثة أنواع:
فعل المضارع صحيح الآخر كيضرب، فعل المضارع معتل الآخر، وهو ما كانت لامه واواً أو ياءً أو ألفاً، كيخشى ويدعو ويرمي.
الثالث: الأمثلة الخمسة، التي يعنون لها: بالأفعال الخمسة.
نقول: هذه الثلاثة الأنواع هي التي يدخلها الإعراب، وما عداها فلا.
إذاً: في آخر الكلمة: المراد بالكلمة هنا: أحد عشر نوعاً فحسب، ثمانية في الاسم المتمكن، وثلاثة في الفعل المضارع الخالي عن النونين، في آخر الكلمة قلنا: أو ما نزل منزلته، هذا فيه فائدة: إما أن نحذف القيد الثاني، ونجعل الآخر على نوعين: آخر حكمي، وحقيقي، والحقيقي: هو الذي لا حذف بعده كدال زيد، والحكمي: هو الذي حذف ما بعده اعتباطاً، يعني: لغير علة تصريفية، وصار نسياً منسياً، ثم جعلت عينه محلاً للإعراب، كأب، هذا أبٌ أليس كذلك؟ وهذا أخٌ، أبٌ: أصلها: أبوٌ على وزن: فعل، حينئذٍ الباء هذه عين الكلمة، والواو هي لام الكلمة، ومحل الإعراب أين؟ هو لام الكلمة هو الأصل، فلما حذفت اعتباطاً لغير علة تصريفية فقيل: أبٌ، حينئذٍ وزنه فعٌ، أين اللام التي هي محل الإعراب؟ حذفت.
стр. 153
إذا حذفت هل نقول: يسقط الإعراب؟ لا، نأتي ببدله .. بنائبه، فجعل ما قبل الأخير وهو عين الكلمة آخراً، لكنه هل هو آخر حقيقةً أو حكماً؟ حكماً، ومثله: أخٌ، ومثله يدٌ، ودمٌ، يدٌ: أصلها: يديٌ فعلٌ، حذفت الياء اعتباطاً، ثم جعلت الدال التي هي عين الكلمة محلاً للإعراب، وكذلك: دمٌ، الميم هذه هي عين الكلمة، أصلها: دميٌ أو دموٌ على الخلاف، هل اللام المحذوفة واو أو ياء؟ محل نزاع، والحاصل أن اللام محذوفة اعتباطاً، حينئذٍ هل نسقط الإعراب أم نأتي بنائب عنه يكون محلاً للإعراب، جعلنا عين الكلمة محلاً للإعراب.
ولذلك نقول: في آخر الكلمة أو ما نزل منزلة الآخر، هو في الحقيقة ليس آخراً؛ لأنه عين الكلمة، والإعراب إنما يكون في لام الكلمة، لام الكلمة هي التي تكون محلاً للإعراب، وهنا أبٌ وأخٌ ودمٌ ويدٌ ظهر الإعراب على عين الكلمة لا على لامها، لكن هذا من باب الضرورة، وإلا الأصل أن الإعراب يكون آخر الكلمة.
وبذلك رددنا على من جعل عبد الله كلها كلمةً تحقيقاً متضمنةً لكلمتين؛ لأن لو كانت كلمة واحدة تحقيقاً كزيد، لماذا يظهر الإعراب على الدال؟ بل الظاهر أنه يظهر على آخره، فلما ظهر على الدال وهو وسط فيه دل على أنه مؤلف من كلمتين وهو مضاف ومضاف إليه.
إذاً: أثر ظاهر أو مقدر يجلبه العامل في آخر الكلمة أو ما نزل منزلته، قولنا: العامل، هذا نحتاج إلى بيانه، ما المراد بالعامل عند النحاة؟
عرفه بعضهم: بأنه ما أثر في آخر الكلمة من فعل أو اسم أو حرف .. ما شيء أثر، يعني: جعل له أثراً، وهذا الأثر هو حركة أو حرف أو سكون أو حذف، أثر في آخر الكلمة، يعني: محلاً .. بيان محل الإعراب، من فعل أو حرف أو اسم قدِّم أو أخِّر، من: هذه بيانية، كأنه قال: فعل أو اسم أو حرف أثر في آخر الكلمة.
حينئذٍ تقول: جاء زيد، جاء: هذا فعل أثر في آخر الكلمة .. كلمة: زيد فرفعها على أنها فاعل له، اسم، تقول: هذا زيد .. ذا: مبتدأ، وهو العامل في الخبر، حينئذٍ أثر الاسم في الاسم وهو زيد فرفعه على أنه خبر له، إن زيداً لقائم .. زيداً .. إن: هذا حرف، وهو عامل أثر في آخر الكلمة وهو زيداً فأحدث فيه النصب على أنه اسم لـ إنَّ، وأثر في آخر قائم على أنه خبر لها فأحدث فيها الرفع، إذاً إن: نصبت ورفعت، هي عامل؟ نعم، يصدق عليها الحد؟ يصدق عليها الحد، ما أثر في آخر الكلمة من فعل أو اسم أو حرف.
إذاً: العامل يكون فعلاً ويكون اسماً ويكون حرفاً، هذا التعريف ذكره الفاكهي في موجبي النداء، لكنه ناقص يرد عليه .. غير جامع؛ لأن العامل نوعان: عامل لفظي، وعامل معنوي، وضابط العامل اللفظي: ما للسان فيه حظ، يعني: نطق ينطق به، والعامل المعنوي ضابطه: ما ليس للسان فيه حظ.
العامل اللفظي: كجاء، والاسم ذا في المبتدأ الذي ذكرناه في المثال السابق وإن .. المبتدأ وإن وجاء الفعل، هذا عامل لفظي، قلنا: ضابطه ما للسان فيه حظ، يعني: نطق ينطق به، لو أراد أن يتكلم تكلم به.
والعامل المعنوي: ما ليس للسان فيه حظ، وهذا على الصحيح محصور في نوعين اثنين لا ثالث لهما، وهما: الابتداء والتجرد، فالابتداء في باب المبتدأ عامل معنوي، ولذلك سيأتي:
стр. 154
ورفعوا مبتدءاً بالابتداء .. ما هو الابتداء؟ جعلك الاسم أولاً لتخبر عنه ثانياً، هذا أمر معنوي، فحينئذٍ تقول: زيد قائم .. زيد: مبتدأ مرفوع بالابتداء .. ما تقدمه شيء، زيد نقول: مرفوع بالابتداء، تقدمه شيء ملفوظ؟ الجواب: لا، إذاً: هو أمر معنوي أثر، الابتداء .. الأمر المعنوي .. العامل المعنوي أثر في زيد فأحدث فيه الرفع.
كذلك التجرد في باب فعل المضارع رفعاً، يقوم زيد، تقول يقوم: فعل مضارع مرفوع ورفعه ضمة، هل توجد ضمة بدون مؤثر .. هذا أثر، هل يوجد أثر بدون مؤثر؟ لا، لا بد من مؤثر، أين المؤثر .. أين العامل؟ لا وجود له من حيث اللفظ، وإنما تجرده عن ناصب وجازم وهو شيء عدم، هو الذي أثر في آخر الفعل.
فحينئذٍ إذا قلنا: تعريفه العامل: بأنه ما أثر في آخر الكلمة من اسم أو فعل أو حرف، هذا اختص بالعامل اللفظي ولم يشمل العامل المعنوي، والتعريف الآخر الذي يشمل النوعين، أن نقول: العامل ما أوجب .. ما شيء أوجب كون آخر الكلمة على وجه مخصوص، ما –يعني-: فعل أو اسم أو حرف أو ابتداء أو تجرد أوجب كون آخر الكلمة على وجه مخصوص من رفع أو نصب أو خفض أو جزم، هذا التعريف يشمل النوعين: العامل اللفظي والعامل المعنوي.
أما المعمول: فهو ما يظهر فيه الإعراب لفظاً أو تقديراً، ما يظهر فيه الإعراب، يعني: المحل الذي يكون قد حل الإعراب فيه، كزيد من قول: جاء زيد، فنقول: زيد هذا معمول، وجاء: عامل، والعمل هو الرفع نفسه، ما يحدثه العامل وتختلف بسببه أحوال آخر المعرب.
إذاً: في مثل التركيب نقول: جاء زيد، هذا تضمن ثلاثة أشياء: عامل ومعمول وعمل، العامل: جاء، وزيد: معمول، والعمل: الرفع، إذاً: أثر ظاهر أو مقدر يجلبه العامل في آخر الكلمة، أو ما نزل منزلاً، هذا المعرب.
وأما المبني: فهو كذلك مشتق من البناء، وهو وضع شيء على شيء على جهة الثبوت والدوام، وهذا أخص من التركيب، إذاً: كل بناء تركيب ولا عكس، وضع شيء على شيء على جهة الثبوت والدوام، وأما في الاصطلاح فكذلك فيه نزاع: هل هو لفظي أو معنوي؟ وهذا النزاع لا ينبني عليه شيء، فمن رجح أن الإعراب لفظي لزمه أن يقول: بأن البناء لفظي، وأما العكس فلا، فحينئذٍ نقول الصواب: أن البناء لفظي، وحقيقته: ما جيء به لا لبيان مقتضى العامل، إذاً: ليس هو أثراً لعامل من شبه الإعراب من حركة أو حرف أو سكون أو حذف.
البناء والإعراب من حيث النطق والصورة متحدان، يعني: الضمة والفتحة والكسرة والسكون، وكذلك الحرف والحذف، النطق واحد .. تقول: اضربا، هذا مبني على حذف النون .. الزيدان لم يضربا: مجزوم بحذف النون، حينئذٍ في الصورة واحد .. النطق واحد، لكن لم يضربا حذفت النون لمقتضى العامل، وأما اضربا حذفت النون لا لمقتضى العامل، هذا الفرق بينهما.
стр. 155
وأما من حيث النطق والصورة فهما متحدان، وإن خولف بينهما من حيث الاصطلاح بأن يقال: الضم للبناء والضمة للإعراب هذا مجرد اصطلاح وقد يقع فيه تساهل كما سيأتي، فحينئذٍ ما جيء به لا لبيان مقتضى العامل، إذاً: ليس أثراً لعامل، المبني من حيث اللفظ لا يتأثر بعامل البتة؛ لأنه إن بني على السكون فهو مبني دائماً، وإن بني على الحركة -الفتحة أو الكسرة أو الضم- فحينئذٍ هو مبني على هذه الحركات ولا يتغير البتة.
إذاً: لا يحتاج إلى عامل يقتضي تغييره من حالة إلى حالة أخرى، من شبه الإعراب؛ لأنه في اللفظ يشبه الإعراب، من حركة أو حرف أو سكون أو حذف.
وليس حكايةً أو إتباعاً أو نقلاً أو تخلصاً من سكونين، وهذا يدل على الحصر السابق الذي ذكرناه، حينئذٍ إذا جيء به .. حركة جيء بها لا لبيان مقتضى العامل، نقول: الحمْدِ لله كذلك هذه الكسرة جيء بها لا لبيان مقتضى العامل، يصدق عليها الحد أو لا؟ يصدق عليها، لكن أخرجناها بقولنا: وليس حكايةً، ثم وليس إتباعاً أو نقلاً أو تخلصاً من سكونين؛ لأن هذه الحركات كلها لا يقتضيها عامل البتة.
إذاً كأنه قال -كما مضى معنا-: ما يقبل علامات الاسم فهو اسم، وما يقبل علامات الفعل فهو فعل، وما لا يقبل هذا ولا ذاك فهو حرف، فحينئذٍ إذا أردنا أن نفسر المبني، نقول: ما جيء بهما حركة أو حرف أو سكون .. جيء به ولفظ به لا لبيان مقتضى العامل، أخرج ماذا؟ حركة الإعراب؛ لأن حركة الإعراب جيء بها لبيان مقتضى العامل، أما ما جيء به لا لبيان مقتضى العامل فنقول: هذا حركة بناء.
ثم قد تلتبس بها حركة الإتباع، وحركة الحكاية وحركة النقل، وحركة التخلص من سكونين، فنصصنا على كل واحدة من أجل أن يتعين لنا حركة المبني.
إذاً: المُعْرَبُ وَالمَبْنِيُّ نقول: أراد المصنف هنا رحمه الله تعالى أن يبين لنا: أن الاسم والفعل والحرف –السابق- منه ما هو مبني ومنه ما هو معرب؛ لأن الكلمة: قول مفرد، وهي اسم أو فعل أو حرف، الاسم منه معرب ومبني، والفعل منه معرب ومبني، ثم حكم حكماً كلياً بأن الحرف كله .. وَكُلُّ حَْرفٍ مُسْتَحِقُّ لِلْبِنَا.
إذاً: هذا الباب له علاقة بتفاصيل أحوال أنواع الكلمة؛ لأن الكلمة وأنواعها هي التي يتألف منها الكلام، فلا بد من عقد هذا الباب لبيان ما يمكن أن يعتري الاسم من كونه منصوباً أو مرفوعاً أو مبنياً أو معرباً إلى آخره، وكذلك الفعل، وكذلك الحرف.
المُعْرَبُ وَالمَبْنِيُّ: قدم المعرب لشرفه، وأخر المبني لأنه أدنى منه.
وَالاسْمُ مِنْهُ مُعْرَبٌ وَمَبْنِي ... لِشَبَهٍ مِنَ الْحُرُوفِ مُدْنِي
وَالاسْمُ مِنْهُ مُعْرَبٌ وَمَبْنِي .. والاسم له حالان: قبل التركيب، وبعد التركيب، قبل التركيب، قلنا: هذا لا يوصف لا بإعراب ولا بناء، أليس كذلك؟ قبل التركيب مثل: زيد –لوحدها-، جاء –لوحدها-، إلى –لوحدها-، إلى نقول: ليست مبنية ولا معربة، كيف وكل حرف مستحق للبناء؟ لا نحكم عليها بأنها مبنية إلا بعد التركيب، إذا أدخلت في جملة فعلية أو اسمية حينئذٍ حكمنا عليها بأنها مبنية، وأما قبل ذلك نقول: لا معربة ولا مبنية.
إذاً: الاسم قبل التركيب لا يوصف لا بإعراب ولا بناء، وهذا هو أصح الأقوال الثلاثة الواردة في المسألة.
стр. 156
وهنا لما قال: منه معرب ومبني، علمنا أن مراده الاسم بعد التركيب، ولذلك نقول نقدر: والاسم بعد التركيب نوعان: منه معرب، منه: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، ومعرب: مبتدأ مؤخر، أكثر المعربين على هذا، محيي الدين تجده مشى على هذا.
منه: من –هنا- للتبعيض، أي: بعضه معرب، فـ:-من- إذا جعلناها للتبعيض على مذهب الزمخشري أنها اسم، وإذا كانت اسماً حينئذٍ الأليق بها أن تكون هنا مبتدءاً لا خبراً، إذا كانت –من-: للتبعيض، فحينئذٍ هل هي اسم أم حرف؟ الجمهور على أنها حرف، وعليه في هذا التركيب، نقول –منه-: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، ومعرب: مبتدأ مؤخر، وهل يصح أن يعكس مع هذا القول؟ لا يمكن، لماذا؟ لأن المبتدأ لا يكون جاراً ومجروراً متعلقاً بمحذوف، وحينئذٍ يتعين أن يكون قوله: (منه): خبراً مقدماً، و (معرب): مبتدءاً مؤخراً.
وعلى رأي الزمخشري أن: (من) التبعيضية اسم، حينئذٍ نقول: (منه): هذا مبتدأ، فـ (من) اسم بمعنى بعض، مبتدأ، ومعرب خبره، وهذا أولى، بل قد يتعين لا بالعكس، لماذا؟ لأن المقصود تقسيم الاسم إليهما والحكم على الاسم بأن بعضه معرب وبعضه مبني، لا بيان أن كلاً منهما قسم من الاسم؛ لأن المعرب والمبني لم يُعلما بعد.
الآن ماذا يريد ابن مالك ﵀؟ يريد أن يبين لنا أن قوله: وَاسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفٌ، أن الاسم بعضه معرب، وبعضه مبني، هذا أول شطر في هذا الباب، نحن لا نعلم أي هذه الأنواع الأسماء المعربة ولا المبنية، ولم نعلم ما وجه الشبه .. وجه شبه الاسم بالحرف حتى بني، فحينئذٍ أيهما أعرف: بعض أو معرب؟ بعض قطعاً، فمنه: معرب، يعني: فبعضه بعض الاسم هذا المحكوم عليه، الاسم الذي هو أحد أنواع الكلمة، بعضه: هذا معلوم عندي وعندك، معرب: أنا ما أدري ما هو معرب، إذاً: جيء بقوله: معرب لبيان الحكم، لا ليُحكم عليه بأنه اسم.
فنقول: وَالاسْمُ مِنْهُ مُعْرَبٌ .. الجمهور على أن (من) هذه حرف، فهي خبر مقدم، ومعرب: مبتدأ مؤخر، كأنه قال: المعرب بعض الاسم، نحن ما عرفنا ما هو المعرب حتى تحكم عليه أنه بعض الاسم، نحن نريد العكس: بعض الاسم معرب، ثم تشرح لي ما هو هذا المعرب من الأسماء، لذلك الأليق هنا أن يعرب –منه-: مبتدأ، ومعرب: خبره، لا بالعكس؛ لأنه قد يفسد المعنى.
وهذا مثله، وهو الذي تكلم فيه الزمخشري: ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ)) [البقرة:٨] إذا كنا ظاهرية نقول: من الناس جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، من يقول: مبتدأ مؤخر مثل هذا الذي معنا، إذا جئنا للمعنى نقول: ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا)) [البقرة:٨] القائل آمنا بالله واليوم الآخر كائن من الناس، هل هو من الجمادات؟ هو من الناس قطعاً أجل ممن؟! هل استفدنا معنى جديد؟ نقول: لا، لكن لو حكمنا: بعض الناس يقول آمنا، هذا أليق أو الأول؟ لا شك أنه الثاني، فالمحكوم عليه: بعض الناس، وليس المحكوم عليه القائل: (آمنا) بأنه من الناس؛ لأنه معلوم من الناس من أين؟! إما جماد وإما بهائم وليس هذا المراد، بل المراد أن بعض الناس يقول كذا وما هم بمؤمنين.
стр. 157
وهنا كذلك بعض الاسم السابق ذكره معرب، وبعض الاسم مبني، فحينئذٍ نحتاج أن نعرف هذا البعض، ثم نحكم عليه بأنه معرب، والاسم بعد التركيب نوعان: منه، أي: بعضه، فمن: اسم بمعنى بعض مبتدأ، ومعرب: خبره لا بالعكس؛ لأن المقصود هنا تقسيم الاسم إليهما: إلى معرب ومبني، والحكم على الاسم بأن بعضه معرب وبعضه مبني، لا بيان أن كلاً منهما قسم من الاسم، يعني: المعرب والمبني قسم من الاسم لا، ولأن المعرب والمبني لم يعلما بعد، وحق المبتدأ أن يكون معلوماً عند السامع، فبعض الاسم معلوم ثم جاء الخبر وهو مجهول بكونه معرباً، ثم نحتاج أن نسرد ما هو هذا المعرب؟
وَالاسْمُ مِنْهُ مُعْرَبٌ .. على الأصل فيه، ويسمى متمكناً، الأصل في الاسم أنه معرب هذا الأصل، والبناء فرع عنه كما سيأتي، وهذا النوع يسمى متمكناً، ثم هو نوعان: إن كان مصروفاً فهو متمكن أمكن، وإن لم يكن مصروفاً فهو متمكن غير أمكن.
وَمَبْنِي .. ما المراد بمبني هنا؟ هل عطفه على معرب ليدل على أن الاسم منه معرب ومبني في آن واحد؟ لو عطفناه على معرب لاستفدنا هذا المعنى، لكنه باطل؛ لأن الإعراب والبناء ضدان لا يجتمعان في كلمة واحدة، من جهة واحدة .. لا يجتمعان في كلمة واحدة من جهة واحدة، أما من جهتين فيجتمعان، مثاله: إذا قَالَتْ حَذَامِ فصدِّقُوها
قَالَتْ: فعل ماضي، والتاء حرف تأنيث، حَذَامِ: هذا مبني، هو فاعل مرفوع، كيف هو فاعل مرفوع وهو مبني؟ نقول: نعم يجتمعان، هو من حيث اللفظ مبني على الكسر في محل رفع فاعل، إذاً: من جهة اللفظ وتسليط العامل عليه لم يظهر له أثر، وإنما سلط العامل على محله فأثر، ولذلك لو وصف إذا قالت حذامي الصادقة، صح أو لا؟ صح، بل هو المتعين، لماذا؟ لأنه هنا يتبع باعتبار محله لا باعتبار لفظه؛ لأن ذاك مبني إلا ما يأتي في باب: لا.
وَالاسْمُ مِنْهُ مُعْرَبٌ وَمَبْنِي، إذاً: ومبني المراد: ومنه مبني، أي: وبعضه الآخر مبني، فظاهر العبارة .. -عبارة المصنف- معرب ومبني، انصباب المعرب والمبني على شيء واحد، من أن المعرب والمبني معاً بعض وهذا غير مراد، فلذلك وجب علينا أن نقدر له مبتدءاً محذوف، أو خبراً محذوف .. خبراً محذوف على جعل من التبعيضية حرفاً، يعني: ومنه مبني .. منه: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، ومبني: هذا مبتدأ مؤخر على ما جرى عليه الشراح، وإذا جعلنا منه مبني، يعني: بعضه الآخر مبني، فحينئذٍ من التبعيضية صارت اسماً على قول الزمخشري وهو أولى، بل قد يتعين.
إذاً: أراد بهذا الشطر أن يدل على أن الاسم قسمان: معرب ومبني، وهل بينهما واسطة؟ إذا قلنا بأنه لا يجتمع الإعراب والبناء معاً، إذاً: قد يرتفعان، فلا يكون الشيء معرباً ولا مبنياً، هل تثبت الواسطة أم لا؟ إذا قيل معرب خالص .. مبني خالص، هل عندنا ما هو معرب ومبني معاً؟ قلنا: هذا لا يتأتى، هل يرتفعان؟ نقول: هذه الكلمة لا معربة ولا مبنية، فيه خلاف:
стр. 158
الجماهير لا، على أنه لا يوجد كلمةً لا معربة ولا مبنية؛ لأن القسمة محصورة في اثنين لا ثالث لهما، وإن كان عبارة الناظم لا تدل على ذلك، لكن سيأتي تقريره، غلامي: قال بعض النحاة: هذا لا معرب ولا مبني، غلامي: هذا مضاف إلى ياء المتكلم، يعني: ليس ذات غلامي، وإنما المضاف إلى ياء المتكلم، المشهور أنه من الإعراب التقديري كما سيأتي.
حينئذٍ نقول: غلامِ هذا ملازم للكسر، أليس كذلك؟ وما لازم حركةً واحدةً رفعاً ونصباً وجراً، جاء غلامِ .. رأيت غلامِ .. مررت غلامِ، هل هذا معرب؟ الأصل لا، نقول: أثر ظاهر أو مقدر يجلبه العامل، وقلنا: العامل ما أوجب كون آخر الكلمة على وجه مخصوص من رفع أو نصب أو خفض أو جزم، حينئذٍ يتغير آخر الكلمة بتغير وتبادل واختلاف العوامل، إن ركب معه عامل يقتضي الرفع وجب رفعه، وإن ركب معه عامل يقتضي النصب وجب نصبه، يعني: المعمول، وكذلك مع الخفض.
فحينئذٍ جاء غلامِ، ورأيت غلامِ، ومررت غلامِ، لم يتغير، إذاً: ليس معرباً، هذا شبهة عندهم، ليس معرباً، فحينئذٍ لعدم تغير الحركة بتغير العوامل نفينا كونه معرباً، ولماذا ليس مبنياً؟ قالوا: لأن المبني محصور في شبه الحرف، علة البناء محصورة في شبه الحرف، وغلامي لم يشبه الحرف حتى يبنى، الاسم لا يبنى إلا إذا أشبه الحرف، وغلامي لم يشبه الحرف، إذاً: ليس مبنياً، فصار المضاف إلى ياء المتكلم واسطةً بين المعرب والمبني، فيقال فيه: لا معرب ولا مبني.
والجواب أن يقال: بأنه معرب، والمعرب نوعان: معرب إعراباً ظاهراً، ومعرب إعراباً تقديراً.
وغلامي: لا شك أنه من الثاني، لماذا؟ لأن الكسرة المجلوبة لمناسبة الياء هنا، هل هي سابقة على العامل، أم تالية لاحقة؟ هذا ينبني عليه خلاف آخر، سابقة أم لاحقة؟ لو جئنا المسألة بالعقل هكذا: إذا أردت أن تضيف (غلام زيد)، هل أولاً تضيفه في نفسك فتقول: غلام زيد، ثم تسلط عليه العامل، أو تقول: جاء ثم تأتي بغلام زيد وتضيفه؟ أيهما أسبق: عملية الإضافة أم تسليط العامل؟
لا شك أن الإضافة أسبق، حينئذٍ لما وجدت الإضافة سابقةً على العامل حينئذٍ وجد لازم الإضافة إلى الياء، وهو أن يكون ما قبل الياء مكسوراً، إذاً: قلت غلامي، فهذه الكسرة لمناسبة الياء، فلما سلط عليه العامل: جاء غلامِ وجد أن الحرف قد اشتغل بحرف سابق على دخوله، فحينئذٍ إما أن يسقطه فتحل الضمة وإما أن يبقى، ويتعذر إسقاطه، لماذا؟ لأنه يمتنع وجود ياء قبلها ضمة، بل لا بد من كسرة، كما سيأتي في آخر الباب التالي.
فحينئذٍ لما تعذر النطق بالضمة وإسقاط الكسرة التي هي لمناسبة الياء حينئذٍ جعل الإعراب تقديرياً، فقيل: جاء فعل ماضي، وغلامي: فاعل مرفوع بجاء، ورفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، فحينئذٍ العامل تسلط على غلامي بعده، فلا معارضة بينهما حتى نقول: هذه الكسرة ليست بحركة إعراب ولا حركة بناء، بل هي كسرة مناسبة، والعامل مسلط وله أثر في التقدير، كما هو الشأن في الفتى والقاضي، نقول: هذا مقدر والتقدير موجود في لسان العرب.
стр. 159
إذاً: حمله على ما له نظير أولى من حمله على ما لا نظير له، غلامي: قد ينظر فيه الإنسان يقول: نعم، صحيح هذا لا معرب ولا مبني، هل له نظير في لسان العرب؟ نقول: لا نظير له، فحينئذٍ كونه إعراباً تقديراً له نظير أو لا؟ إذا جعلنا إعرابه، -الإعراب تقديري- له نظير أو لا؟ له نظير قطعاً، وأشهرها الاسم المقصور المنقوص، إذاً: حمله على الإعراب التقديري وله نظير أولى من حمله على ما لا نظير له، ينبني على هذا الخلاف في كون المضاف إليه سابق للعامل أو بعده الكسرة في حالة الجر.
بعض النحاة ماذا؟ قال –وهذا نزاع كبير-: جاء غلامي، قال: هذه الضمة مقدرة هنا، رأيت غلامي: كسابقه، أما مررت بغلامي: قال: هذه الكسرة هنا ظاهرة وليس بمقدرة، والجواب هو الجواب: أن الكسرة هنا كسرة المناسبة وهي سابقة على دخول العامل، إذاً: دخل العامل وقد وجد أمامه كسرة، فحينئذٍ وجب تقدير الحركة.
إذاً: وَالاسْمُ مِنْهُ مُعْرَبٌ وَمَبْنِي .. نقول: ولا واسطة بينهما على الأصح، وعليه الجماهير .. لا واسطة بينهما على الأصح، وهو ظاهر عبارة المصنف، لكنه بقرينة، ليس من هذا الشطر، أما قوله: وَالاسْمُ مِنْهُ مُعْرَبٌ وَمَبْنِي، هذا قد يقال بأن منه ما ليس معرباً ولا مبني، لكن بقرينة قوله:
وَمُعْرَبُ الأَسْمَاءِ مَا قَدْ سَلِمَا ... مِنْ شَبَهِ الْحَرْفِ كأَرْضٍ وَسُمَا
فحينئذٍ قابل المبني هنا بالمعرب، فدل على أن القسمة عنده ثنائية لا ثالث لهما، فهذا التقسيم للحاصل بالقرينة، أما ظاهر العبارة فلا تقتضي حصراً ولا واسطةً على الصحيح.
وأما (من) التبعيضية فإنها على حد قوله تعالى: ((فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ)) [البقرة:٢٥٣] ومنهم من لم يؤمن ولم يكفر، ومنهم من آمن وكفر، هكذا؟ ما يصح هذا، لماذا؟ لأن الإيمان والكفر نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، لا يمكن أن يكون مؤمناً كافراً في وقت واحد، ولا يمكن أن يكون لا مؤمناً ولا كافراً، هذا متعذر، إذاً: قوله هنا في من التبعيضية: ((فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ)) [البقرة:٢٥٣] ليس عندنا إلا قسمان، مع كون هذه الآية في ظاهرها مشابه لها قول المصنف -رحمه الله تعالى-، فليس إلا قسمان، فكذلك قول الناظم هنا: والاسم .. إلى آخره، والحاصل أن من التبعيضية إنما تقتضي بعضية مدخولها، وكل من المعرب والمبني على حدته مدخول لها لا مجموعهما، ومنه معرب ومبني كل منهما مدخول لها، يعني: لا بد أن نقدر في الثاني ما لفظ به في الأول: منه معرب ومنه مبني، لما عرفت من أن التقدير منه معرب ومنه مبني، فالذي تقتضيه العبارة أن كل بعض من الاسم وهو صحيح.
لِشَبَهٍ مِنَ الْحُرُوفِ مُدْنِي .. والاسم منه معرب، قدمه لأنه الأصل، الأصل في الأسماء أن تكون معربة، وسيأتي معنا لماذا؟ وكذلك يسمى متمكناً، ثم قال: ومبني إذاً: هو على خلاف الأصل، ويسمى غير متمكن، غير متمكن من باب الإعراب؛ لأنه خرج عن الإعراب بالكلية، ما علة البناء؟
стр. 160
إذا كان الأصل الإعراب والبناء فرع في الأسماء، حينئذٍ ما جاء على الأصل وهو معرب لا يسأل عنه، لا يسأل عما جاء على أصله، أليس كذلك، وما خرج عن أصله حينئذٍ يقال: لماذا خرج عنه؟ لا بد من علة، فالمبني من الأسماء، نظر النحاة إليه من جهتين:
منهم من أوقفه على السماع فقال: هكذا نطقت العرب فلا نحتاج أن نتكلف ونتعسف ونقول: هذا بني لكذا وهذا بني لكذا، فالعلة في المبني السماع، وهذا قد قيل به وموجود، أن العلة في المبني السماع، إذاً لا نحتاج لقوله: لشبه من الحروف مدني، بل نقول: الاسم قسمان: معرب ومبني، والمعرب هو الأصل، وكيف نعرفه؟ ما نطقت به العرب معرباً، والمبني هذا فرع، ولماذا حكمنا على الإعراب بأنه أصل مع أننا ننفي التعليل، والمبني أنه فرع مع أننا ننفي التعليل؟ نقول: بالكثرة، وإذا قيل: الأصل الإعراب، يعني: الكثير الغالب الراجح في لسان العرب: هو إعراب المفردات .. الإعراب –الأسماء-، والمبني قليل فصار فرعاً، هل نحتاج إلى تعليل نقول: لماذا خرج المبني عن أصله، والغالب الكثير؟ لا نحتاج، نقول: العرب تكلمت بهذا واللغة قد وضعها الله على هذا، فحينئذٍ لا نحتاج إلى تكلف، وهذا أسلم وأريح للبال.
وأما جماهير النحاة فطلبوا علةً لا بد من النظر ولا بد من التعمق، فاستقرؤا كلام العرب فوجدوا ثم علة وهي مشهورة عند المحققين: أن علة بناء الأسماء محصورة في شبه الحرف فحسب، وهي التي عناها ابن مالك بقوله: لِشَبَهٍ، هذا جار ومجرور متعلق بكونه مبني، ومبني لماذا؟ لِشَبَهٍ، اللام للتعليل، أو يقال: لِشَبَهٍ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، وذلك كائن لِشَبَهٍ، وهذا جائز ولا بأس به، لكن إذا أمكن وصل الكلام فهو أولى، يعني: التقديرات إذا أدت إلى فصل الكلام وجعله جملاً نقول: الأولى عدم ذلك مع جوازه؛ لأن تصيير الكلام جزءاً واحداً أولى من تقطيعه.
إذاً: لشبه متعلق بقوله: مبني.
لِشَبَهٍ مِنَ الْحُرُوفِ مُدْنِي .. يعني: مقرب له لقوته، فيفهم أن بعض الشبه لا يؤثر، إذا أشبه الاسم الحرف نقول: هذا مبني، لماذا؟ لما ذكرناه بالأمس: أن قاعدة العرب إذا أشبه الشيء الشيء أخذ حكمه، وإذا أشبه الاسم الحرف، فحكم الحرف البناء، فحينئذٍ نسحب هذا الحكم من الحرف إلى الاسم، فنقول: الاسم مبني لماذا؟ لكونه أشبه الحرف، ما وجه الشبه؟ سيأتي بيانه، الآن في تقرير أن العلة محصورة في الشبه الحرفي، ثم هذا الشبه نوعان:
شبه قريب، وشبه بعيد –ضعيف-، الذي يكون علةً للبناء -بناء الأسماء- هو الشبه القوي، ولذلك قال: مدني، قال ابن عقيل:
والثاني المبني وهو ما أشبه الحروف، وهو المعني بقوله: لِشَبَهٍ مِنَ الْحُرُوفِ مُدْنِي، يعني: قريب، مدني: اسم فاعل فعله أدنى، تقول: أدنيت الشيء من الشيء إذا قربته منه، والياء هنا زائدة؛ لأنه اسم منقوص:
ونَوِّنِ المُنَكَّرَ المَنقُوصَا ... في رفعهِ وجرّهِ خُصُوصَا
стр. 161
حينئذٍ لا يجوز ذكر الياء يجب حذفها للتخلص من التقاء الساكنين، فمدني: الياء هذه للإشباع، لأن أصله مدنٍ كما تقول قاض، إذاً: مدني المراد به مقرب له لقوته، والاحتراز بذلك من الشبه الضعيف، وهو الذي عارضه شيء من خواص الأسماء، لشبه من الحروف مدني، قال ابن عقيل: أي لشبه مقرب من الحروف، فعلة البناء منحصرة عند المصنف -رحمه الله تعالى- في شبه الحرف.
ثم نوع المصنف وجوه الشبه في البيتين الذين بعد هذا البيت، وهذا القول الذي اختاره ابن مالك قريب من مذهب أبي علي الفارسي حيث جعل البناء منحصراً في شبه الحرف أو ما تضمن معناه، وأريد أن أبين أنه ليس قريباً منه بل هو عينه .. هو نفسه، وإنما فصل بين نوع وبين الأنواع الأخرى؛ لأنه قال: في شبه الحرف، ثم هذا الشبه له وجوده، ثم عطف عليه: أو ما تضمن معناه، هذا نوع من أنواع الشبه، فحينئذٍ يكون من عطف الخاص على العام، فقول ابن مالك رحمه الله تعالى: لِشَبَهٍ مِنَ الْحُرُوفِ، هو عين مذهب أبي علي الفارسي، وقول أبي علي الفارسي الذي اشتبه على ابن عقيل في شبه الحرف أو ما تضمن معناه، يعني: تضمن معنى الحرف، وهو المراد بقوله:
والمَعْنَوِيِّ في مَتَى وَفِي هُنَا .. هو عينه ليس قريباً منه.
وقد نص سيبويه ﵀ على أن علة البناء كلها ترجع إلى شبه الحرف، وممن ذكره ابن أبي الربيع، إذاً: علة بناء الاسم منحصرة عند المصنف في مشابهة الاسم الحرف شبهاً قوياً يقربه منه، وهذا هو مذهب أبي علي الفارسي ومذهب سيبويه، ولا تلتفت لكلام ابن عقيل هنا ﵀.
والاحتراز بذلك من الشبه الضعيف، إذاً: الشبه نوعان: إذا أشبه الاسم الحرف هل كل شبه للاسم بالحرف يقتضي بنائه؟ الجواب: لا، هكذا .. هل كل شبه للاسم بالحرف يقتضي بناء الاسم؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأن الشبه نوعان: شبه قريب قوي يدنيه من الحرف، هذا الذي يقتضي بنائه، وهو الذي نص عليه المصنف.
وشبه ضعيف، ما ضابط هذا الشبه الضعيف حتى تنضبط المسائل؟ قالوا: إذا عارضه شيء من خواص الأسماء، يعني: اجتمع فيه أمران: شبه بالحرف، ثم وجد فيه مع وجود الشبه وجد فيه ما هو من خواص الأسماء؛ لأنه إذا وجد فيه ما هو من خواص الأسماء أبعده عن الحرف، ونحن نقول: أشبه الحرف شبهاً قوياً، إذاً: ابتعد عن الاسم بعداً قوياً، وإذا وجد في الاسم الذي أشبه الحرف ما هو من خواص الاسم سحبه، كأنه تنازع في أمران:
شبهه بالحرف .. يريد أن يقربه إلى الحرف فيبنى، وما اعتراه من خواص الأسماء رده إلى محله، فتنازعه أمران فغلب الأصل، وهو الإعراب لوجود ما هو من خواص الأسماء، غلب وجود الشبه، إذاً: ليس كل اسم أشبه الحرف اقتضى بنائه، بل لا بد من التفصيل: إن كان هذا الشبه قوياً بحيث لم يعارض هذا الاسم الذي أشبه الحرف شيء من خواص الأسماء حينئذٍ أخذ الحكم على التفصيل الآتي كالشبه الوضع.
стр. 162
فإن وجد ما يعارضه من خواص الأسماء حينئذٍ رده إلى أصله وهو الإعراب، والاحتراز بذلك من الشبه الضعيف، وهو الذي عارضه شيء من خواص الاسم، ولذلك تقديم قوله من الحروف على مدنٍ يفيد الحصر، نحن نقول: علة البناء عند المصنف منحصرة في شيء واحد، قال: لشبه مدني، ما إعراب مدني؟ صفة لشبهٍ .. لشبهٍ، قلنا: هذا متعلق بمبني وهذا أحسن، مدنٍ: قريب، شبهٍ: قريبٍ، من الحروف: فصل بين الموصوف وصفته لإفادة القصر والحصر، يعني: إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه، لا يوجد علة بناء للاسم إلا الشبه بالحرف.
واحترز بقوله مدنٍ عن غير المدني وهو ما عارضه ما يقتضي الإعراب كأيٍّ في الاستفهام والشرط، فإنها أشبهت الحرف في المعنى، لكن عارضها لزومها الإضافة كما سيأتي بيانه.
ثم شرع في بيان وجوه الشبه، فقال: كالشَّبَهِ الْوَضْعِيِّ فِي اسْمَيْ جِئْتَنَا.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ...
стр. 163
عناصر الدرس
* الوجه الاول في شبه الإسم بالحرف. . (الوضعي) ـ
* الوجه الثاني (المعنوي) ـ
* الوجه الثالث (النيابي) ـ
* الوجه الرابع (الإفتقاري) ـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
- هذا يقول: أجاب بعضهم عن اعتراض ابن هشام على الناظم بكونه قدم المعرب على الإعراب بأنه إجراء الإعراب على الكلمة.
- ما ذكرنا شيء من هذا، .. هل اعترض ابن هشام على الناظم؟ .. ما ذكرت شيء، ذكرت .. ؟ نعم صه وحيهل، نعم هذا اعتراض صحيح، ليس باعتراض يعني بالمفهوم الأخص، لكن الأولى أن يمثل بشيء لا يدل عليه ما سبق، هذا المراد، الأولى عبر بالأولى والله أعلم، ونقلته هو الأولى أن يعبر بكذا، يمثل بكذا ..
- جعل الإسناد أقوى علامات الاسم،
- ماذا فيه؟
- إذا ورد السؤال: من الذي يشرح لنا الألفية، فقال: أنا، ألا يكون مسنداً؟
- الظاهر لا، أنا الذي أشرح الألفية ..
- إذا تردد أن يكون المبتدأ أعرف .. إذا ورد لفظان معرفتان وأحدهما أعرف من الآخر.
- حينئذٍ يجعل الأعرف مبتدءاً، وما دونه خبر، أنا الذي أشرح الألفية، الذي يشرح الألفية أنا، أنا: مبتدأ، والذي: هذا يعتبر خبراً، نعم ولذلك قال ابن هشام: وهذا أولى من التمثيل بـ (صه وحيهل)، أولى ليس باعتراض، من باب التوجيه فقط.
- يقول: لماذا لا نقدر في قول المصنف كهل: اسم محذوف تقديره كقولك هل؟
- هو يجوز فيه وجهان: إذا أبقيناه على حاله أنه حرف، يعني: هل أنه حرف حينئذٍ الحرف لا يدخل على الحرف، ويقال: كقولك: هل، وهذا مثله: كتَسْعَدُ:
ارْفَعْ مُضَارِعاً إِذا يُجرَّدُ ... مِن نَاصِبٍ وَجَازمٍ كتَسْعَدُ
تَسْعَدُ هذا فعل دخل عليه الكاف، لك وجهان: إما أن تقول: تسعد صار علماً، فدخلت الكاف على علم لا إشكال، وإما أن تقول: تسعد، هندٌ تسعد تقدر أنه خبر لمبتدأ، وحينئذٍ لا بد من التأويل كقول: دخلت الكاف على محذوف .. على قول مقدر، كقولك هندٌ تسعد.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة السلام على بنينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قال المصنف -رحمه الله تعالى-: المُعْرَبُ وَالمَبْنِيُّ:
وَالاِسْمُ مِنْهُ مُعْرَبٌ وَمَبْنِي ... لِشَبَهٍ مِنَ الْحُرُوفِ مُدْنِي
أراد رحمه الله تعالى بهذا البيت أن يقرر لنا قاعدة، وأن الاسم الذي ذكر أولاً في تقسيم الكلمة إلى اسم وفعل ثم حرف، أنه ينقسم إلى قسمين، وذلك بعد تركيبه في جملة مفيدة، إما معرب وإما مبني، والأصل فيه الإعراب والبناء فرع عنه، وما جاء عن الأصل لا يسأل عنه: لم جاء عن الأصل؟ وأما ما جاء على خلاف الأصل فحينئذٍ يقال: لم بني الاسم؟ فيقال: لعلة عند المصنف وهي شبه الحرف.
وشبه الحرفُ قسْمَان:
شبهٌ قويٌّّ مُدْنِي، وشَبَهٌ فيه نَوعُ ضعفٍ، هل كل شبه يعتبر موجباً للبناء؟ الجواب: لا، بل لا بد أن يكون الشبه قوياً فحينئذٍ إذا كان قوياً نقول: حصل وجه شبه في الاسم فألحق بالحرف فبني مثله، وأما إذا وجد شبه ضعيف ولكنه ضعيف، وضابطه أنه اعترض له ما هو من خواص الأسماء، يعني: لحقه ما هو من خواص الأسماء، فحينئذٍ نقول: هذا وجد فيه شبه بالحرف إلا أنه لوجود ما هو من خاصية الأسماء أبعده عن مشابهة الحرف، وهذا نقول: شبه نعم موجود وثابت، لكنه ضعيف.
стр. 164
هل هذا النوعُ يوجبُ البناءَ؟ الجواب: لا، ثم اعلم أن البناء الذي تحدث عنه هنا المراد به البناء الواجب، الاسم من حيث البناء وعدمه قسمان: بناءٌ واجبٌ ذاتي، أول ما وضع هكذا، هذا الذي يتحدثون عنه، وأما البناء العارض الذي يكون في حالة مبني، وفي حالة معرباً هذا سيأتي في باب الإضافة، سيأتي معنا في باب الإضافة، ذاك على جهة الجواز حينئذٍ لا يشترط فيه عند بعضهم ومنهم المصنف أن يكون لشبه الحرف، بل لأمر آخر، ما وجه الشبه، أو أوجه الشبه؟ نص المصنف على أربعة أو ثلاثة منها، قال:
كالشَّبَهِ الْوَضْعِيِّ فِي اسْمَيْ جِئْتَنَا
وَكَنيِابَةٍ عَنِ الفِعْلِ بلا ... والمَعْنَوِيِّ في مَتَى وَفِي هُنَا
تَأَثُّرٍ وَكافْتِقَارٍ أُصِّلا
كالشَّبَهِ: الكاف هذه، هل هي تمثيلية أو استقصائية؟ إن كان ثم غير هذه الأسباب يعتبر سبباً موجباً للبناء فحينئذٍ صارت الكاف تمثيلية، يعني: ذكر لك أمثلةً لوجه الشبه وترك لك بعضاً، وإذا كان لا يوجد من أوجه الشبه إلا هذه المذكورة ولا يوجد غيرها فحينئذٍ نقول: هذه الكاف استقصائية، ولذلك تقول: أولو العزم من الرسل كموسى ﵇، الكاف هذه تمثيلية، وإذا قلت: خاتم الرسل كمحمد ﷺ هذه استقصائية؛ لأنه لا يوجد غيره ﵊.
وهنَا ظَاهِرُ كلامِ المصنفِ أنها تمثيليةٌ لا استقصائيةٌ؛ لأنه زاد نوعين في الكافية: الشبه اللفظي، والشبه الاستعمالي، سيأتي في موضعه، إذاً: الكاف هذه نقول: تمثيلية، كالشَّبَهِ الْوَضْعِيِّ .. الشبه: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف.
لِشَبَهٍ مِنَ الْحُرُوفِ مُدْنِي: وذلك الشبه شبه الحرف كالشبه الوضعي، صار خبراً لمبتدأ محذوف، كالشبه الوضعي، هذا هو النوع الأول، والثاني: أشار له بالمعنوي، والثالث: إذا جعلناه عاماً، جعل تحته فرعين: نيابة عن الفعل: وَكافْتِقَارٍ أُصِّلاَ، وإذا جعلنا كل واحد مستقلاً فهي أربعة أنواع لوجه الشبه التي إذا وجدت في الاسم ألحقته بالحرف.
كَالشَّبَهِ الْوَضْعِيِّ: الوضعي: هذا نسبةً إلى الوضع، وعرفنا الوضع لأن الياء هذه ياء النسبة، وَالْوَضْعُ هُوَ: جعل اللفظ دليلاً على المعنى، يعني: وضع ألفاظ بإزاء معاني متى ما أطلق اللفظ انصرف على ذلك المعنى المعين الخاص، وهذا يشمل الفعل والاسم والحرف، فالفعل موضوع بالوضع الشخصي، وكذلك الاسم موضوع بالوضع الشخصي، وكذلك الحرف موضوع بالوضع الشخصي، وسمي وضعاً شخصياً لتعلقه بالشخص، يعني: أشخاص الألفاظ نفسها، قام: وضعه الواضع ليدل على قيام وقع في زمن قد مضى وانقطع، يقوم: وضعه الواضع ليدل على معنى، هذا المعنى هو وقوع الحدث في الزمن الحال أو المستقبل على خلاف، قم: هذا وضعه الواضع ليدل على طلب حدث، يعني: إيجاد حدث في الزمن المستقبل، من الذي وضع هذا؟ قلنا الصحيح وهو قول الجمهور: الله ، الواضع لهذه الألفاظ في الوضع الشخصي، وكذلك النوعي المتعلق بالقواعد الكلية التي يجري عليها النحاة الصرفييِّون والبيانيِّون، نقول: مردها إلى الله ، فخالق اللغات كلها الله .
стр. 165
الْوَضْعِيِّ: قلنا نسبة إلى الوضع، لكن هل المراد هنا الوضع من جهة المعنى، أو الوضع باعتبار اللفظ وعدد الحروف؟ الثاني، الثاني هو المراد، لماذا؟ لأن النحاة حكموا باستقراء كلام العرب: أن أصل وضع الحرف أن يكون على حرفٍ هجائيٍ أو حرفين، حرفٍ واحدٍ كـ: (لام الجرِّ)، وبائه، وهمزة الاستفهام.
والأصل في وضع الاسم أقل ما يكون عليه ثلاثة أحرف: قلنا الأصل في وضع الحرف أن يكون على حرف واحد كـ:: (لام الجرِّ)، وبائه، وفاء العطف، وواو العطف، وهمزة الاستفهام، أو على حرفين: كـ (لن، ولم، ولا، وهل، وبل، وقد)، هذه الحروف أصل وضعها إما على حرف واحد هجائي، أو على حرفين، ولا يشترط أن يكون الثاني حرف لين على الصحيح.
وأصل وضع الاسم أن يكون على ثلاثة أحرف وما زاد، لكن لا يقل عن ثلاثة أحرف.
وأصل وضع الفعل أن يكون على ثلاثة أحرف، فحينئذٍ ما جاء من الأسماء على حرف أو حرفين، وكان الأصل أن يأتي وأن يوضع على ثلاثة أحرف، نقول: هنا في الوضع أشبه الاسم الحرف؛ لأن أصل وضع الحرف أن يكون على حرف واحد كباء الجر، أو حرفين كلن وهل، فإذا وجد في الأسماء ما هو على حرف أو حرفين، نقول: أشبه الاسم الحرف في وضعه، هذا يسمى الشبه الوضعي، إذاً: متعلقه ماذا؟ المعنى أو اللفظ فحسب؟ اللفظ، النظر هنا ليس إلى المعاني، وإنما النظر إلى اللفظ بعينه فقط، ولذلك أشار ابن عقيل لقوله: فالأول شبهه له في الوضع، يعني: شبه الاسم له .. للحرف في الوضع، كأن يكون الاسم، -ليس كأن يكون- أن يكون الاسم موضوعاً على صورة وضع الحروف، أن يكون الاسم موضوعاً في أصل وضعه على صورة وضع الحروف، ووضع الحروف أن يكون على حرف أو على حرفين، فإذا وجد في الأسماء ما هو على حرف أو حرفين حكمنا عليه بأنه مبني، لم بني خرج عن أصله؟ نقول: لكونه أشبه الحرف، في ماذا أشبه الحرف؟ في وضعه؛ لأنه نطق به وأول ما وجد على حرف أو حرفين.
أن يكون الاسم موضوعاً على صورة وضع الحروف على حرف واحد، كالتاء في ضربت، التاء: حرف واحد تُ ..
الأصل في وضع الحرف أن يكون على حرف واحد، والأصل في وضع ضمير المتكلم أن يكون على ثلاثة أحرف، هذا الأصل، حينئذٍ مجيئه على حرف واحد ضربت .. تُ .. تُ، التاء هذه نقول: هذا الاسم مبني، لماذا بنيت التاء هنا والأصل فيها الإعراب؟ لأنها أشبهت الحرف .. أشبهت الحرف في ماذا؟ في الوضع، صورة الاسم وافقت صورة الحرف.
أو على حرفين، يعني: حرفي هجاء، كما هو الأصل في وضع الحروف، سواء كان ثاني الحرفين حرف لين أم لم يكن، يعني: لا يشترط فيه كما اشترط الشاطبي أن يكون الثاني حرف لين، الصواب أنه مطلقاً، وضع الحروف على حرفين نقول: هذا مطلقاً، سواء كان الثاني حرف لين كما ولا، أو لا كقد وهل وبل، الحرف الثاني هل: لا، ليس بحرف لين، وما: الألف هذه حرف لين، ولا: الألف حرف لين، هل يشترط في وضع الحرف في أصله أن يكون على حرفين هجائيين والثاني حرف لين لا يشترط؛ لأنه وجد هل ووجد قد، ووجد بل، حينئذٍ حمله على أن يكون ثانيه حرف لين هذا تحكم؛ لأن المسألة اجتهادية ونظر ليس فيها دليل، وإنما هو استنباط ليس فيه أقوال للعرب، وليس فيه قرآن، وليس فيه سنة بينت.
стр. 166
فحينئذٍ نقول: هذا مرده إلى الاجتهاد، فإذا فصل بين أمر مطرد، حينئذٍ نقول: هذا من قبيل التحكم، فإن كان ثانيه حرف لين من الحروف مثل: ما، ولا.
ومن الأسماء التي أشبهت ما وضع على حرفين من الحروف: (نا) الدالة الفاعلين أو الدالة على المفعولين، هذه أو تلك، نقول: نا في أكرمنا .. نا، هذا اسم أو لا؟ اسم، ما الدليل؟ الإسناد إليه، أكرمنا، أسند إليه، مثل: جاء زيد أسند إلى زيد، حينئذٍ نقول: أكرمنا، هذا اسم، الأصل في الاسم أنه معرب، وهنا مبني، لم بني؟ لشبهه بالحرف، ما وجه الشبه؟ الشبه الوضعي، لماذا؟ لأن نا اسم والأصل فيه أن يكون على ثلاثة أحرف، لكنه وضع على صورة الحرف فأشبه الحرف، فحينئذٍ سحب حكمه البناء إلى الاسم فبني نا.
أو على حرفين: حرفي هجا، كنا في أكرمنا، ولذلك أشار ابن مالك في قوله:
كالشَّبَهِ الْوَضْعِيِّ فِي اسْمَيْ جِئْتَنَا .. في اسمي .. اسمين هذا الأصل، أضيف إلى جملة جئتنا، أريد أو قصد لفظها، فاسمي مضاف وجئتنا مضاف إليه، قصد لفظه، حينئذٍ يكون الإعراب مقدراً منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة الحكاية، فِي اسْمَيْ جِئْتَنَا، يعني: في اسمي قولك جئتنا وهما التاء وناء؛ لأن جئت هذا فعل ليس باسم، جئت جاء هذا الأصل، حذفت الألف للتخلص من التقاء الساكنين، جئ: هذا فعل، تا نا: هذان اسمان، ليس عندنا اسمان في هذا التركيب إلا التاء ونا الدالة على مفعولين.
جئتنا: التاء الدالة على الفاعل المخاطب، ونا: دالة على المفعول، كلاهما مبنيان مع كون الأصل فيهما الإعراب، لم بنيا؟ لشبه الحرف، ما وجه الشبه؟ الشبه الوضع، التاء أشبهت لام الجر، ونا أشبهت قد أو هل أو نحوها، أو إن شئت قل: ما ولا؛ لأن ثانيها حرف لين.
إذاً: ما جاء من الأسماء على حرفين أو حرف، نقول: مبني، وهذا الشبه الوضعي خاص بباب واحد في الأصل المطرد، وهو باب المضمرات، فكل المضمرات مبنية، محل وفاق، المضرمات كلها مبنية، ما وجه الشبه في المضمرات؟ نقول: أشبه الحرف، أشبه الحرف في ماذا؟ في الوضع، طيب! كل المضمرات على حرف أو حرفين، أما عندنا: أنا، ونحن؟ هذه على ثلاثة حروف، لم بنيت والأصل فيها أنها أشبهت الاسم، والشيء إذا أشبه الشيء أخذ حكمه، ولم يأخذ إعراب الاسم كما أخذ الاسم بناء الحرف، لم يحصل فيه العكس، أولاً نقول: بني نحن ونحوه مما زاد على حرفين، يعني: مما خرج عن أصل وضعه في الحروف بني طرداً للباب على وتيرة واحدة.
هذه كلها علل عليلة، لكن نذكر ما يذكره النحاة، طرداً للباب على وتيرة واحدة، يعني: بني التاء لكونه أشبه الحرف في الوضع، هذا واضح سلمنا، بني: نا لكونه أشبه الحرف في الوضع سلمنا، لكن: نحن، وأنا، وأنت، ما وجه البناء؟ قالوا: طرداً للباب على وتيرة واحدة، لئلا يفصل أويجزئ، فنقول: التاء ونا مبنيان، ونحن معرب، حينئذٍ جعلنا الباب كله مبنياً، ولماذا لم يعرب؟ إذا قلنا: القاعدة العامة عند النحاة: أن الشيء إذا أشبه الشيء أخذ حكمه، فالاسم إذا أشبه الحرف أخذ حكمه وهو البناء، وهنا: نحن أشبه زيد.
стр. 167
وأصل وضع الاسم على ثلاثة أحرف، فالحرف أشبه الاسم، لماذا لم يعرب؟ قالوا: لأن علة الإعراب في الأسماء توارد المعاني التركيبية عليه، وهذه ليست موجودة في الحروف؛ لأن الحروف ليس لها علاقة بالمعاني التركيبية في الأصل، بمعنى: أن المعاني العامة كالفاعلية والمفعولية والإضافة والإسناد إليه، وكونه مسنداً هذه معاني عامة تركيبية لا تظهر إلا بعد التركيب، هذه هل تتوارد على الحرف؟ لا، لا تتوارد على الحرف.
إذاً: لم يعرب (نحن) ونحوه لعدم وجود علة إعراب الاسم، فحينئذٍ لم يوجد الشبه على وجه التمام، فلذلك بقي على أصل البناء طرداً للباب، أو على حرفين كنا في أكرمنا، وإلى ذلك أشار بقوله: في اسمي جئتنا، فالتاء في جئتنا اسم؛ لأنه فاعل، وهو مبني، انظر مقدمات هذه مرادة.
قال: فالتاء في (جئتنا) اسم، لماذا حكمنا عليه بأنه اسم؟ قال: لأنه فاعل، هذا التعليل، وهو مبني، لماذا؟ لأنه أشبه الحرف في الوضع في كونه على حرف واحد، إذاً: أشبه الحرف الأحادي، نحو باء الجر ولامه، وواو العطف وفائه، ونا: اسم لأنها مفعول، والمفعول لا يكون إلا اسماً، وهو مبني لشبهه بالحرف في الوضع في كونه على حرفين، يعني: مثل من، وهل، وبل، وهذا الشبه قلنا: خاص بباب المضمرات.
أبٌ .. أخٌ .. يدٌ .. دمٌ، هذه على حرفين، هل أشبهت الحرف في أصل الوضع؟ (أبٌ .. أخٌ .. حمٌ .. دمٌ .. يدٌ)، هذه على حرفين، هل هي مثل: نا، نقول: لا، لماذا؟ لأنها على حرفين في اللفظ فحسب، وأما في الحقيقة فهي على ثلاثة أحرف؛ لأن أخٌ أصلها: (أخوٌ، أبٌ .. أبوٌ، حمٌ .. حموٌ، يدٌ .. يديٌ، دمٌ .. دميٌ أو دموٌ)، كلها حذفت لاماتها اعتباطاً، يعني: من غير علة تصريفية.
ولذلك الأولى أن يُعَبَّر فيقال: أن يكون الاسم موضوعاً على حرف أو حرفين حقيقةً، احترازاً عن نحو أبٍ ونحوه، أن يقال بأن يكون الاسم على صورة الحرف أو الحرفين حقيقةً، يعني: في أصل الوضع هكذا وضع، وأما إذا حذف منه اعتباطاً أو لغير ذلك فحينئذٍ نقول: هذا الحذف لا يخرج اللفظ عن أصله وضعه، فأب على ثلاثة أحرف على الأصل، وأخ على ثلاثة أحرف، ويد ودم كذلك، إذاً: هذا هو النوع الأول من أنواع الشبه: الشبه الوضعي نسبةً إلى الوضع، الأصل في وضع الحروف أن تكون على حرف أو حرفين، فإذا وجد في الاسم ما هو على حرف أو حرفين حقيقةً حينئذٍ قلنا: هو مبني، وهذا الباب خاص بباب المضمرات، عرفنا قوله: كالشبه الوضعي في اسمي جئتنا، يعني: في اسمي قولك: جئتنا وهما التاء وناء، ثم أشار إلى النوع الثاني بقوله:
والمَعْنَوِيِّ فِي مَتَى وَفِي هُنَا: هو يبين وجه الشبه، ثم يمثل له بالباب الذي اختص به؛ لأنها محصورة في ستة أبواب، محصورة هذه أوجه الشبه في ستة أبواب، الشبه الوضعي في المضمرات تأخذه من قوله: جئتنا، والمعنوي، يعني: وكالشبه المعنوي، هذا مقابل للأول، الأول الشبه الوضعي قلنا: هذا مختص بالوضع بالحروف باللفظ فحسب، هذا يقابله .. المرد يكون إلى المعنى.
стр. 168
والمَعْنَوِيِّ، يعني: وكالشبه المعنوي، ما المراد بالشبه المعنوي؟ أي: شبه الاسم له في المعنى، -أشبه الاسم الحرف في المعنى-، أن يكون الاسم قد تضمن معنىً من معاني الحروف، لا بمعنى أنه حل محلاً هو للحرف كتضمن الظرف لمعنى في، والتمييز لمعنى من، بل بمعنى أنه خلف حرفاً في معناه، أودي بهذا الاسم معنىً كان حقه أن يؤدى بالحرف، عندنا معاني، والتي هي معاني المصادر، الأصل بالاستقراء والتتبع وهذا مسلم، أن النفي هذا معنى من المعاني، الأصل فيما يؤدي هذا المعنى أن يكون حرفاً وهو ما أو لا، والأصل في الاستفهام وهو معنىً من المعاني أن يؤدى ويعبر عنه بحرف لا باسم هذا الأصل، وكذلك النفي، وكذلك التمني والترجي، والخطاب والتكلم، الأصل فيها أنها تؤدى بالحروف، وهذا باستقراء كلام العرب وهو مسلم.
فالأصل في التمني: (ليت)، والأصل في الترجي: (لعل)، والأصل في النفي: (لا)، والأصل في الشرط: إن، أليس كذلك؟ فحينئذٍ هذه المعاني أديت بحروف، إذا أدي بالاسم معنىً حقه أن يؤدى بالحرف حينئذٍ نقول: تضمن الاسم معنى الحرف، أشبه الاسم الحرف في المعنى، فالأصل في التعبير عن الشرط أن يكون بحرف: إن، فإذا عبر بأين أو بمتى واستعمل مراداً به الشرط نقول: الأصل أن يعبر عن الشرط بلفظ: إن، فحينئذٍ إذا استعمل متى، أو أين، أو من في معنى الشرط حينئذٍ نقول: أدي بالاسم معنىً كان حقه أن يؤدى بالحرف، هذا المراد.
إًذا: أن يؤدى به معنىً حقه أن يؤدى بالحرف لا بالاسم، لكن بقيت مشكلة، وهي أن هذه المعاني التي الأصل فيها أن تؤدى بالحرف، وأشبه الاسم الحرف في استعمال الاسم تأديةً لذلك المعنى بهذا الاسم، والأصل فيه أنه يستعمل بالحرف، بعض المعاني وضعت لها حروف، فحينئذٍ إذا أودي بالاسم معنىً كان حقه أن يؤدى بالحرف الذي وضع في لسان العرب لا إشكال فيه، ولكن بعض المعاني كالإشارة ليس له حرف موجود، ما نطقت العرب، قالوا: كان من حقه، يعني: من حق هذا المعنى على العرب أن يضعوا له حرفاً يؤدوا به هذا المعنى.
فحينئذٍ إذا وجد في الأسماء ما استعمل استعمال الإشارة، نقول: أشبه حرفاً غير موجود، وهذا التعليل كما ترون عليل.
والمَعْنَوِيِّ فِي مَتَى وَفِي هُنَا: في متى، يعني: في لفظ متى سواءً كانت استفهامية أو شرطية، فإذا قيل: متى تقم أقم، متى: نقول هذا اسم وضع على ثلاثة أحرف، أليس كذلك؟ الأصل فيه الإعراب ولكنه بني، لم بني، متى تقم أقم؟ نقول: لكونه أشبه الحرف، في ماذا أشبه الحرف؟ في المعنى؛ لأنه في هذا التركيب متى تقم أقم، هذا معنى الشرط، والأصل في هذا التركيب أن يقال: إن تقم أقم؛ لأن الشرط حقه أن يستعمل فهي إن، وهي حرف، فحينئذٍ استعمل متى في معنىً كان حقه أن يؤدى بإن الشرطية.
стр. 169
ولذلك يقال: أسماء الشرط تضمنت معنى إن الشرطية، هذا مرادهم .. تضمن معنى إن الشرطية، ومرادهم بهذا أنها استعملت استعمال إن الشرطية، فبنيت لهذه العلة، متى تأتي يا زيد .. متى: تأتي شرطية، وتأتي استفهامية، أزيد قائم، نقول: الأصل في الاستفهام أن يستعمل بالحرف وهو الهمزة، وهي أم الباب، فإذا استعمل اسم يؤدى به معنى الهمزة حينئذٍ نقول: هذا الاسم أشبه الحرف في المعنى؛ لأنه أودي به معنىً كان حقه أن يؤدى بالحرف وهو همزة الاستفهام.
في النوعين متى الشرطية، ومتى الاستفهامية أشبهت حرفاً موجوداً، يعني: وضعته العرب، لذلك قال: في متى بنوعيها.
وَفِي هُنَا: يعني: وذلك كما في (هُنَا) وهي اسم إشارة، (هُنَا): اسم إشارة، زيد هنا، يعني: في هذا المكان، أشير إلى هذا المكان لوجود زيد، هنا مبني أو معرب؟ نقول: مبني، لماذا؟ لأنه أشبه الحرف .. أشبه الحرف في أي شيء من أوجه الشبه؟ في الشبه المعنوي، أشبه الحرف في استعمال هذا الاسم استعمال الحرف، أودي به معنىً كان حقه أن يستعمل بالحرف، ما هو هذا المعنى؟ الإشارة، ما هو هذا الحرف الذي وضع له للإشارة؟ لا وجود له، أين هو؟ غير موجود ما مولد بعد، مثل الإمام المنتظر.
فحينئذٍ نقول: هذا لفظ –هنا-: أشبه الحرف في المعنى، بني لتأدية هذا الاسم، يعني: استعماله في معنىً كان حقه أن يكون له حرف ولكن ما وضعت له العرب.
يقول ابن عقيل: والثاني شبه الاسم له في المعنى، وهو قسمان: أحدهما: ما أشبه حرفاً موجوداً، والثاني: ما أشبه حرفاً غير موجود، فمثال الأول الذي مثل له المصنف، متى فإنها مبنية، لشبهها الحرف في المعنى، فإنا تستعمل للاستفهام، نحو: متى تقوم، وللشرط نحو: متى تقم أقم، وفي الحالتين هي مبنية؛ لأنها أشبهت الحرف، وهذا الحرف موجود؛ لأنها في الاستفهام كالهمزة، وفي الشرط كـ (إن).
إذاً: يدخل معنا في باب الشبه المعنوي يدخل معنا بابان: وهما باب أسماء الشرط كلها، وباب أسماء الاستفهام كلها، ويستثنى منها أي: الشرطية، من الشرطيات، والاستفهامية: ((أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ)) [القصص:٢٨] أيما: أعربت أو بنيت؟ هذه معربة أيما، مفعول به، أيما، نقول: هذه معربة.
لم أعربت مع كون باب الاستفهام قد وجد فيه الشبه المعنوي؟ نقول: نعم، الشبه المعنوي موجود، لكنه ضعيف، وشرط بناء أي الشرطية أن تكون أشبهت الحرف شبهاً قوياً، لماذا ضعف الشبه في أي على جهة الخصوص دون متى وأين؟ لأنه عارضها ما هو من خواص الأسماء، وهو لزومها الإضافة؛ لأن الإضافة هذه من خواص الأسماء، فإذا وجد شبه الحرف ثم وجد لزومه للإضافة نقول: تعارض عندنا أمران: وجود الشبه، هذا الأصل فيه أنه يلحقه بالمبني، هذا الأصل فيه، ولزومها للإضافة الأصل فيه أنه قربها إلى الأسماء، أيهما يغلب؟ ما كان من خواص الأسماء؛ لأن الشبه عارض .. الشبه شيء عارض، وما كان من الخواص فالأصل أنه لازم له .. صفة لازمة حينئذٍ أعربت أي الشرطية واستثنيت من باب أسماء الشرط للزومها الإضافة، فالشبه موجود ولا زال، لكنه ضعيف.
стр. 170
لذلك قال: لِشَبَهٍ مِنَ الْحُرُوفِ مُدْنِي .. كذلك، أي: الاستفهامية ((فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ)) [الأنعام:٨١] مبتدأ وخبر، القول فيها كالقول في السابقة: أن الشبه موجود لكنه ضعف، وسبب الضعف هو ملازمتها للإضافة، وشرط إلحاق الاسم الذي أشبه الحرف بالحرف في البناء أن يكون شبهاً قوياً لا مطلق الشبه، وهنا ضعف لوجود خاصة الأسماء وهي الإضافة.
ومثال الثاني، يعني: الحرف غير الموجود: هنا، وهي اسم إشارة، فإنها مبنية لتضمنها معنى الإشارة، وهذا المعنى لم تضع العرب له حرفاً، فحينئذٍ أشبهت حرفاً كان من حقهم أن يضعوه فما فعلوا، يعني: الواجب على العرب أن يضعوا هذا الحرف دالاً على الإشارة كما وضعوا إن الشرطية للشرط، وهمزة الاستفهام للاستفهام، كان الأصل أن يضعوا للإشارة حرفاً، لكنهم ما وضعوا؛ وذلك لأن الإشارة معنىً من المعاني فحقها أن يوضع لها حرف يدل عليها كما وضعوا للنفي: ما، وللنهي: لا، وللتمني: ليت، وللترجي: لعل، ونحو ذلك.
إذاً: بنيت أسماء الإشارة لشبهها في المعنى حرفاً مُقدَّرَاً غَيرَ مَوجُودٍ.
والمَعْنَوِيِّ، قلنا: هذا مثل له بمثالين في: متى وهنا، إلا أن المثال الأول يشمل حالتين .. بابين، باب الاستفهام وباب الشرط، وهنا: هذا باب أسماء الإشارة، إذاً المعنوي، يكون خاصاً بثلاثة أبواب:
فكل اسم يستفهم به فهو مبني، إلا ما استثني، لم بني؟ لأنه أشبه الحرف شبهاً معنوياً، وكل اسم شرط بني إلا ما استثني حينئذٍ نقول: علة البناء كونه أشبه الحرف شبهاً معنوياً، وهذا الحرف في النوعين موجود نطقت به العرب، وكل اسم إشارة إلا ما استثني نقول: مبني، لماذا؟ لأنه أشبه الحرف شبهاً معنوياً وهذا الحرف ليس موجوداً.
يستثنى من باب أسماء الإشارة: ذان وتان، هذا فيه خلاف سيأتينا تفصيله، هل هما معربان أم مبنيان؟ على قول من أعرب ذان وتان حينئذٍ يستثني هذين النوعين من باب أسماء الإشارة، لماذا؟ مع كونهما قد أودي بهما معنىً كان حقه أن يؤدى بالحرف، فالشبه موجود، إلا أنه عارضه ما هو من خصائص الأسماء، وهو مجيئهما على صورة المثنى، أو على حقيقة المثنى، على القولين.
حينئذٍ نقول: ذان .. تان، معربان مع كون باب أسماء الإشارة من المبنيات، لماذا استثني هذا النوع؟ لأنه عارضه ما هو من خصائص الأسماء وهو التثنية، ولذلك جعلنا المثنى من علامات الأسماء، جعلنا المثنى من علامات الأسماء.
ثم قال:
وَكَنيِابَةٍ عَنِ الفِعْلِ بِلاَ ... تَأَثُّرٍ وَكافْتِقَارٍ أُصِّلاَ
وَكَنيِابَةٍ، أي: وكشبه اسم .. وكشبه اسم بنيابة عن الفعل بحرف، فيكون على حذف مدخول الكاف، وكنيابة، أي: وكشبه اسم ذي نيابة، اسم ناب عن الفعل، فأشبه هذا الاسم النائب عن الفعل الحرف، في ماذا؟ في كونه يعمل في غيره، ولا يعمل فيه شيء، الحرف –الآن- تقول: مررت بزيدٍ، زيدٍ: هذا مجرور بالباء، كل حرف جر بل كل الحروف التي تعمل تعمل فيما بعدها، أليس كذلك؟ هل يعمل فيها شيء؟ لا، لا تكون فاعلاً ولا مفعولاً به، ولا مضافاً ولا مضافاً إليه ولا غيرها.
стр. 171
فحينئذٍ هو عامل ليس بمعمول، فإذا ناب عن الفعل اسم يعمل في غيره ولا يعمل فيه شيء نقول: أشبه الحرف في كونه عاملاً لا معمولاً، وهذا الباب خاص بباب أسماء الأفعال.
إذاً: كل باب أسماء الأفعال مبنية، والبناء فيها لازم واجب؛ لأنها أشبهت الحرف، لماذا أشبهت الحرف؟ في كونها عاملةً لا معمولة، هيهات العقيق، (هيهات)، نقول: هذا اسم فعل ماضي مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، العقيق: لا محل له من الإعراب، ما معنى الجملة؟ يعني: لا محل له من الفاعلية، ولا المفعولية، ولا كونه تمييزاً، ولا حالاً، ولا مضافاً، ولا مضافاً إليه، كل الأسماء التي تعرب في هذه المحال ابتداء وخبر وتمييز ونعت، اسم الفعل لا يأتي فيها أبداً، اسم الفعل لا يحل محل هذه المواضع.
العقيق: فاعل، والعامل فيه: هيهات، إذاً: هيهات لا محل له من الإعراب، كما نقول: قام لا محل له من الإعراب، فحينئذٍ كونه يعمل في العقيق ولا يتسلط عليه عامل أشبه باء الجر، مررت بزيد، بزيد: الباء حرف جر عمل في زيد، هل ثم شيء يعمل في الباء؟ الجواب: لا، فهو عامل لا معمول.
وَكَنيِابَةٍ، قلنا: لا بد من التقدير، أي: وكشبه اسم ذي نيابة عن الفعل بحرف فيكون على حذف مدخول الكاف، أو له وجه آخر، نقول: وكالشبه الاستعمالي، نقدر الشبه الاستعمالي؛ لأن الشبه الاستعمالي يعم النوعين، الذي هو بالنيابة والافتقار، أو وكالشبه الاستعمالي بأن يلزم طريقةً من طرائق الحروف كنيابةٍ إلى آخره، وكافتقار، فالشبه النيابي والافتقاري قسمان للشبه الاستعمالي.
ولذلك لك أن تجعل هذه الوجوه ثلاثةً، ولك أن تجعلها أربعةً، إن قلت: الشبه هو: الأول: الشبه الوضعي، الثاني: الشبه المعنوي، الثالث: الشبه الاستعمالي، وتحته قسمان: شبه نيابي وشبه افتقاري، وهذا أجود، فالشبه النيابي والافتقاري قسمان للشبه الاستعمالي.
وَكَنيِابَةٍ له، يعني: للاسم عن الفعل في العمل بلا تَأَثُّرٍ، يعني: بلا حصول تأثر، يعني: لا يتأثر بالعامل، وَكَنيِابَةٍ له، يعني: الاسم ينوب عن الفعل، وَكَنيِابَةٍ له، يعني: للاسم عن الفعل، الاسم نائب عن الفعل.
بِلاَ تَأَثُّرٍ، ناب عنه في أي شيء؟ في العمل، بلا تأثر، لا هنا بمعنى: غير، ولا هذه بمعنى: غير، إذا كان كذلك حينئذٍ صار ما بعدها مزحلقاً حركتها إليها، فتأثر، نقول: هذا لا: مضاف، وتأثر: مضاف إليه مجرور وجره كسرة مقدرة، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة العارية؛ لأن لا هذه اسم بمعنى: غير، ولا يظهر عليها الكسر، حينئذٍ زحلقت الكسرة إلى المضاف إليه.
إذاً: بِلاَ تَأَثُّرٍ، يعني: لا يحصل فيه تأثر بالعوامل، وظاهر العبارة حينئذٍ على هذا أن العامل يدخل على أسماء الأفعال لكنها لا تؤثر فيه، صحيح؟ إذا قيل: وكنيابة له، يعني: الاسم ينوب عن الفعل في العمل بلا تأثر، يعني: لا يؤثر فيه العامل، هل يلزم منه ألا يدخل عليه عامل؟ لا، ظاهر العبارة أن العوامل تدخل على أسماء الأفعال، ولكنها لا تؤثر، والصواب: أن العوامل لا تتسلط على أسماء الأفعال اتفاقاً، فالعبارة موهمة لا بد من تصحيحها.
стр. 172
وَكَنيِابَةٍ عَنِ الفِعْلِ بِلاَ، يعني: بلا حصول تأثير فيه بالعوامل، قال ابن عقيل: والثالث شبهه له في النيابة، أنا أقرأ الشرح من أجل أن .. هذه صعبة تتعلق بالكتاب، شبهه له في النيابة، يعني: شبه الاسم للحرف، في النيابة عن الفعل، يعني: في العمل، وعدم التأثر بالعامل، كون الحرف يعمل ولا يعمل فيه الفعل، وذلك كأسماء الأفعال، هذا يسمى ماذا؟ يسمى الشبه الاستعمالي، وذلك موجود في أسماء الأفعال، فإنها تعمل نيابةً عن الأفعال ولا يدخل عليها عامل اتفاقاً، فالمراد بالتأثر وقوعه معمولاً، نحو ماذا؟ دراك زيداً، يعني: أدرك، دراك: هذا اسم فعل أمر، الدليل؟ نعم أحسنت، الدليل:
واَلأَمْرُ إِنْ لَمْ يَكُ لِلنُّونِ مَحَلْ ... فِيهِ هُوَ اسْمٌ نَحْوُ صَهْ وَحَيَّهَلْ
لا بد تستشهد، فإذا قيل الدليل، يعني: ائت بنص، وليس عندنا قرآن هنا، عندنا ألفية ابن مالك وابن آجروم، فلا بد أن تأتي بالعبارة كما هي، فحينئذٍ أقول: دراك هذا اسم فعل أمر؛ لأنه دل على الطلب ولم يقبل النون، دراك زيداً، دراك: اسم فعل أمر مبني على الكسر لا محل له من الإعراب، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت كما في صه، وزيداً: مفعول به، فدراك، نقول: هذا مبني، وهو اسم، لما بني؟ لأنه أشبه الحرف، في ماذا أشبه الحرف؟ في الاستعمال؛ لأنه يعمل في غيره، فيرفع فاعلاً وينصب مفعولاً ولا يعمل فيه شيء، بل لا يدخل عليه عامل البتة، فدراك مبني لشبهه بالحرف في كونه يعمل ولا يعمل فيه غيره.
هذه عبارة ابن عقيل أيضاً فيها نظر، لشبهه بالحرف في كونه يعمل ولا يعمل فيه غيره، لا ينفي أن يدخل عليه عامل، بل يدخل عليه عامل ولكن لا يعمل فيه، والصواب: أنه لا يدخل عليه عامل البتة، وما استشهد به من جواز دخول العامل على بعض أسماء الأفعال فهذه كلها فيما استشهد به الأشموني وغيره قصد بها لفظها، فخرجت عن أصلها، صارت علماً، كما أن الحرف كذلك، يعني: يعمل في غيره ولا يعمل فيه شيء.
واحترز بقوله: بلا تأثر، لم نفى التأثر؟ قوله: بلا تأثر أولاً يفيد: أن العوامل تدخل عليه، ولكن لا تؤثر فيه، فعبارة يعمل ولا يعمل فيه، أولى من قوله بلا تأثر، واحترز بقوله: بلا تأثر، عما ناب عن الفعل وتأثر بالعوامل، وهذا يقصدون به المصدر الذي ناب مناب فعله: ((فَضَرْبَ الرِّقَابِ)) [محمد:٤] ضرباً زيداً، فصبراً في مجال الموت صبراً، فصبراً: هذا ناب مناب اصبروا، حينئذٍ تأثر بذات العامل المحذوف الذي ناب عنه أو لا؟ تأثر، ولذلك نصب، صبراً، نقول: هذا منصوب والعامل فيه: اصبروا المحذوف الذي ناب عنه المصدر.
стр. 173
إذاً: المصدر ينوب عن الفعل، واسم الفعل ينوب عن الفعل، اشتركا في الإنابة، كل منهما ينوب عن الفعل، إلا أن أسماء الأفعال بنيت، والمصادر التي نابت عن الفعل لم تبنى، ما الفرق بينهما؟ أن أسماء الأفعال نابت مناب الفعل ولم تتأثر بعامل البتة، بل لا يجوز دخول عامل عليها، وأما المصادر التي نابت مناب الفعل فهي على أصلها في تسلط العوامل عليها، فثم فرق اشتركا في قدر وافترقا في قدر آخر، اشتركا في أن كلاً منهما ينوب مناب الفعل، وليست العلة هنا في الشبه المقتضي للبناء أن يكون مجرد إنابة فحسب، الإنابة هذا يسمى جزء علة، والعلة مركبة هنا، أليس كذلك؟ علة مركبة.
إنابة بلا تأثر، فإذا ناب عن الفعل وتأثر لا نقول أنه مبني، هذا وجد فيه جزء العلة، والحكم مرتب على علة مركبة، وإذا رتب الحكم حتى في الشرعيات عند الأصوليين .. إذا رتب الحكم على علة مركبة فات الحكم بفوات العلة، أو بفوات جزء العلة، لا يوجد إلا عند تمام العلة.
إذاً: بِلاَ تَأثُّرٍ احترز بانتفاء التأثر عن ماذا؟ عما ناب عن الفعل في العمل وهو متأثر بالعامل كالمصدر النائب عن فعله فإنه معرب على الأصل، المصدر النائب عن الفعل، فإنه معرب لعدم كمال مشابهته للحرف، نحو ماذا؟ ضرباً زيداً، ضرباً: هذا مفعول مطلق، منصوب لعامل محذوف وجوباً، اضرب ضرباً، فضرباً هذا ناب مناب اضرب، ضرباً زيداً، وزيداً: هذا .. مفعول لضرباً أو لضَربَ؟ للمصدر أو للفعل المحذوف؟ لماذا عمل المصدر هنا؟ منون .. ضرباً زيداً.
إذاً: اضرب ضرباً زيداً، اضرب ضرباً، فضرباً: هذا منصوب بالفعل المحذوف الذي ناب عنه المصدر، هل تأثر بالفعل الذي ناب عنه أو لا؟ تأثر، ووجه التأثر هنا: أنه باق على النصب، إذ لو كان الفعل الذي ناب عنه صار نسياً منسياً، حينئذٍ لا بد من تغيير النصب إلى الرفع، لا بد من تغيير المثال: ضرباً زيداً، فإنه نائب مناب اضرب، وليس بمبني لتأثره بالعامل، فإنه منصوب بالفعل المحذوف، فالفعل المحذوف باقٍ تأثيره في المصدر.
بخلاف (دراكِ) فإنه وإن كان نائباً عن أدرك فليس متأثراً بالعامل.
إذاً: حاصل ما ذكره المصنف هنا أن المصدر الموضوع موضع الفعل وأسماء الأفعال اشتركا في قدر، يعني: في النيابة مناب الفعل، لكن المصدر متأثر بالعامل فأعرب لعدم مشابهته الحرف، ليس لعدم مشابهته الحرف، بل لعدم تمام مشابهته الحرف، هذا تعبير أدق، لعدم تمام مشابهته الحرف، وأسماء الأفعال غير متأثرة بالعوامل، فبنيت لمشابهتها الحرف في أنها نائبة عن الفعل وغير متأثرة به -هذا النوع الثالث-: وهو شبه الاسم الحرف في النيابة، وهذا شبه استعمالي يعني: بالنظر إلى الاستعمال، اسم أشبه الحرف في كونه يعمل فيما بعده ولا يتسلط عليه عامل، وهو خاص بباب أسماء الأفعال.
стр. 174
وَكافْتِقَارٍ أُصِّلا: هذا الباب السادس، من المبنيات بناءً واجباً، ستة أبواب في الأسماء، وكافتقار أصلا، يعني: وكافتقار، هذا معطوف على أي شيء؟ هذا معطوف على كنيابة إذا جعلناه نوعين تحت الشبه الاستعمالي، إذا جعلناه النوع الثاني تحت النوع الثالث من أنواع الشبه فهو معطوف كنيابة، وإن جعلناه رابعاً فهو معطوف على الأول كالشبه الوضعي؛ لأن ما جاء معطوفاً بالواو فحينئذٍ مرده إلى الأول، والظاهر أنه معطوف على قوله: كنيابةٍ؛ لأن هذين النوعين الشبه فيهما شبه استعمالي.
وكافتقار له: إلى الجملة، أُصِّلا: أُصِّل، َأُصِّل-، هذا فعل ماضي مغير الصيغة، والألف هذه للإطلاق، ونائب الفاعل ضمير يعود على الافتقار، يعني: افتقار مؤصل، إذاً: النوع الرابع أو الثالث: وكافتقار له إلى الجملة، يعني: افتقار الاسم إلى الجملة كافتقار الحرف إلى الجملة، فحينئذٍ نقول: هذا أشبه الاسمُ الحرفَ، بشرط أن يكون هذا الافتقار مؤصلاً، يعني: متأصلاً، بخلاف الافتقار العارض فلا تأثير له البتة.
النوع الرابع، قال: شبه الحرف في الافتقار اللازم، يعني: شبه الاسم الحرف، في الافتقار اللازم، وهو أن يفتقر الاسم إلى الجملة افتقاراً مؤصلاً، أي: لازماً، لا يوجد هذا الاسم إلا مع الجملة، لا ينفك عنه البتة، مثل ماذا؟ الذي،-وهذا الباب خاص بالموصولات حتى تفهمونه من أوله-، الذي: جاء الذي .. الذي: هذا اسم موصول مبهم، والموصول عند النحاة ما افتقر إلى صلة وعائد .. صلة، هذه الصلة جملة أو شبه جملة، وشبه الجملة يكون متعلقاً بفعل أو نحوه فيكون جملةً:
وَجُمْلَةٌ أَوْ شِبْهُهَا الَّذِي وُصِلْ ..
إذاً: يوصل بجملة أو شبه جملة، هل يوجد الذي دون جملة الصلة، هل يوجد في كلام منفكاً عن الصلة، فيقال: جاء الذي .. مر الذي .. رأيت الذي؟ لا يمكن، فحينئذٍ افتقار الذي للجملة بعده افتقاراً مؤصلاً .. متأصلاً فيه، بمعنى: أنه لا ينفك عنه البتة، هذا المراد بالافتقار المؤصل، أن يفتقر الاسم إلى الجملة افتقاراً مؤصلاً، أي: لازماً كالحرف، وذلك كالأسماء الموصولة، نحو: الذي، فإنها مفتقرةٌ في سائر أحوالها إلى الصلة، فأشبهت الحرف في ملازمة الافتقار، الحرف يفتقر إلى ماذا؟ هل يوجد حرف بلا مدخول، مررت بـ .. جاء في .. مر عن .. يوجد؟ إذاً: الحرف مفتقر إلى ما بعده في ماذا؟ في إيضاح معناه؛ لأنه لا يتم له المعنى إلا في غيره، الحرف حقيقته ما دل على معنىً في غيره، إذاً: لا يمكن أن يوجد معنى الحرف ويستعمل في جملة اسمية أو فعلية إلا بما بعده، ولو يشترط أن يكون جملةً، هذا افتقار مؤصل أو لا؟ افتقار مؤصل، كما أن الذي لا يمكن أن يوجد هكذا مفرداً دون جملة الصلة، كذلك لا يوجد حرف من حروف المعاني إلا وبعده إما اسمٌ أو فعلٌ، فهذا افتقار، أشبه الاسم الحرف في الافتقار.
هذا استعمال أو يرجع إلى الوضع، أو إلى المعنى، أو النيابة؟ هذا في الاستعمال، ولذلك الأولى أن نجعل أنواعُ الشبهِ ثلاثةٌُُ: استعمالِيٌّ ووضعِيٌّ ومعْنَوِيٌّ، ثم الاستعمالي هذا تحته نوعان: أسماء الأفعال بالنيابة عن الفعل والافتقار.
стр. 175
أما ما افتقر إلى مفرد كـ (سُبْحَان)، بعض الأسماء كما سيأتي في باب الإضافة يفتقر الإضافة إلى مفرد، كسبحان الله، هذا لا يوجد إلا وهو مضاف إلى مفرد، ومثلها: عند، عند: هذه ملازمة للإضافة إلى مفرد.
أما ما افتقر إلى مفرد كـ (سُبْحَان) أو إلى جملةٍ لكن افتقاراً غير مؤصل، يعني: غير لازم، كافتقار المضاف في نحو: ((هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ)) [المائدة:١١٩] يوم: مضاف، وينفع: الجملة في محل جر مضاف إليه، واضح؟ يوم: مضاف، وينفع: الجملة في محل جر مضاف إليه، المضاف مفتقر إلى المضاف إليه، صحيح؟ لا يوجد مضاف دون مضاف إليه، لكن هل هذا بخصوص اللقب وهو المضاف، أو مصدقه؟ يعني: عندنا مضاف مفتقر إلى مضاف إليه، (يَوْمُ يَنفَعُ) [المائدة:١١٩]: هذا صورة من صور المضاف الذي يفتقر إلى المضاف إليه، هذا الافتقار في (يَوْمُ يَنفَعُ) [المائدة:١١٩]، هل هو افتقار لازم، أم أنه غير لازم؟
الثاني، بدليل ماذا؟ أنه يمكن وجود لفظ يوم دون إضافة، هذا يوم مبارك .. ((فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ)) [المعارج:٤] ((وَاتَّقُوا يَوْماً)) [البقرة:٢٨١] انفك عن الإضافة، فخلاف الذي، حينئذٍ يوم في هذا التركيب: (يَوْمُ يَنفَعُ)، هو مفتقر لا من حيث ذاته، وإنما من حيث كونه مضافاً؛ لأن المضاف يلزم منه مضاف إليه.
إذاً: من حيث اللقب والعنوان هو مفتقر، ومن حيث آحاده ونفسه غير مفتقر، كافتقار المضاف في نحو: ((هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ)) إلى الجملة بعده، فلا يبنى، لا نقول: يوم هذا مبني هنا، لماذا؟ لأنه غير مفتقر افتقاراً مؤصلاً، وإن افتقر في هذا التركيب إلى ما بعده، لا لكونه لفظ يوم وإنما من جهة كونه مضافاً، لأن المضاف يستلزم مضافاً إليه.
إلى الجملة بعده فلا يبنى؛ لأن الافتقار افتقار يوم إلى الجملة بعده ليس لذاته، وإنما هو لعارض كونه مضافاً إليها، والمضاف من حيث هو مضاف مفتقر إلى المضاف إليه، -أرجو أن يكون واضحاً- لأنه يقال: هذا يوم مبارك، فلم يفتقر إلى الجملة، ومثله النكرة الموصوفة، مررت برجل يضحك، أو تقول: هذا رجل يضحك، يضحك: هذه الجملة في محل رفع صفة لرجل، الصفة والموصوف بينهما تلازم كتلازم المضاف مع المضاف إليه، فحينئذٍ رجل: هذا مفتقر افتقاراً شديداً إلى يضحك، لكن هذا الافتقار من حيث كونه لفظ رجل، أو من حيث كونه موصوفاً منعوتاً؟ الثاني.
فحينئذٍ قد يفتقر الشيء إلى غيره لا من حيث ذاته، وإنما لما يعرض له.
ومثله النكرة الموصوفة بالجملة، فإنها مفتقرة إليها، لكن افتقاراً غير مؤصل؛ لأنه ليس لذات النكرة وإنما لعارض كونها موصوفةً بها، والموصوف من حيث هو موصوف مفتقر إلى صفته، وعند زوال عارض الموصوفية يزول الافتقار، وعند انفكاك المضاف إلى المضاف إليه يزول الافتقار.
إذاً: وَكافْتِقَارٍ أُصِّلا: المراد به الافتقار المؤصل، يعني: لا يوجد هذا اللفظ أينما استعمل في كلام العرب وقُلِّب وبُدِّل إلا وهو مفتقر إلى ما بعده، وأما إذا كان مفرداً يضاف في تارةٍ .. -في مرةٍ- ثم ينفك عنه مرةً أخرى، حينئذٍ نقول: هذا ليس بمفتقر إلى المضاف إليه.
إذاً: هذه أربعة أنواع:
كالشَّبَهِ الْوَضْعِيِّ فِي اسْمَيْ جِئْتَنَا
стр. 176
وَكَنيِابَةٍ عَنِ الفِعْلِ بِلاَ ... والمَعْنَوِيِّ فِي مَتَى وَفِي هُنَا
تَأَثُّرٍ وَكَافْتِقَارٍ أُصِّلاَ
هذه ستة أبواب: الأول: المضمرات، الثاني: أسماء الشرط، وأسماء الاستفهام، وأسماء الإشارة، هذه كم؟ أربعة.
وَكَنيِابَةٍ عَنِ الفِعْلِ: هذا الخامس وهو أسماء الأفعال، وكافتقار: المراد به الموصولات.
نقف على هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ...
стр. 177
عناصر الدرس
* الإسم المعرب وأقسامه بإعتبار آخره
* الأصل في الأفعال البناء
* شرط إعراب الفعل المضارع.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فهذه ثلاثة أوجه من أوجه شبه الاسم بالحرف، قلنا: الشبه الوضعي، والشبه المعنوي، والشبه الاستعمالي، إذاً: حاصل البيتين: أن البناء الواجب يكون في ستة أبواب: المضمرات، وأسماء الشرط، وأسماء الاستفهام، وأسماء الإشارة، وأسماء الأفعال، والأسماء الموصولة، وبعض الظروف هذا يأتي في باب الإضافة، إلا ما استثني كما ذكرنا في أسماء الشرط: أي الشرطية، وأسماء الاستفهام: أي الاستفهامية، كذلك يستثنى من الأسماء الموصولة: اللذان واللتان، كما استثني هذان هاتان، لضعف الشبه بما عارضه من المجيء على صورة التثنية، وكذلك أي الموصولية لما عارض هذا اللفظ من لزوم الإضافة، إذاً بعض المستثنيات من هذه الأبواب معدودة، وما عدى الباب يعتبر أصلاً في البناء.
هل يزاد على هذه الثلاثة أو الأربعة؟ زاد ابن مالك في شرح الكافية التي هي أصل لهذا النظم نوعين: الشبه الإهمالي، والشبه اللفظي، الشبه الإهمالي: أن يشبه الاسم الحرف في كونه لا عاملاً ولا معمولاً، ومثل له بأوائل السور: ((الم)) [البقرة:١] ((ق)) [ق:١] ((ص)) [ص:١] وهذا جارٍ على القول بأن مفاتح السور لا محل لها من الإعراب، هذا المثال فيه نظر، وكذلك جعل بعضهم من هذا النوع الأسماء قبل التركيب، وهذا أيضاً فيه نظر، وأسماء الهجاء المسرودة وهذا أيضاً فيه نظر، وأسماء العدد المسرودة وهذا أيضاً فيه نظر.
على كل هذا الشبه الإهمالي في إثباته نظر.
النوع الخامس أو السادس: الشبه اللفظي، وهذا وارد وهو ثابت، وهو أن يكون لفظ الاسم كلفظ حرف من حروف المعاني، قد تأتي حرفية وتأتي اسمية، الاسمية إذا بنيت على وجه حينئذٍ نقول: أشبهت الحرف، في ماذا؟ قالوا: في الشبه اللفظي، كون اللفظ واحداً، مع كوننا يمكن أن نقول: أشبهت الحرف قد في ماذا؟ الوضع، نعم أحسنت، الوضع؛ لأن قد الاسمية هذه جاءت على حرفين، وهذا هو الأصل في وضع الحروف، حينئذٍ نقول: هذا شبه وضعي، وقد يجتمع عدة أوجه من الشبه في لفظ واحد.
لذلك المضمرات هنا قال محيي الدين: فإن فيها الشبه المعنوي إذ التكلم والخطاب والغيبة من المعاني التي تتأدى بالحروف، وفيها الشبه الافتقاري؛ لأن كل ضمير يفتقر افتقاراً متأصلاً إلى ما يفسره، وفيها الشبه الوضعي، فإن أغلب الضمائر وضع على حرف أو حرفين، وما زاد في وضعه على ذلك فمحمول عليه طرداً للباب على وتيرة واحدة.
إذاً: وجد عدة أوجه للشبه، لكن المعتمد المغلَّب في جانب التعليم هو كونها وضعت على حرف أو حرفين.
ثم قال الناظم رحمه الله تعالى:
وَمُعْرَبُ الأَسْمَاءِ مَا قَدْ سَلِمَا ... مِنْ شَبَهِ الْحَرْفِ كأَرْضٍ وَسُمَا
لما أنهى المبني من الأسماء شرع في بيان المعرب، -معرب الأسماء-، وهو قال في الترجمة: المعرب والمبني، ثم قال:
стр. 178
وَالاسْمُ مِنْهُ مُعْرَبٌ: قدم ما قدمه في الترجمة، ثم لما أراد أن يعلل ويسرد، قال: وَمَبْنِي لِشَبَهٍ مِنَ الْحُرُوفِ مُدْنِي: علل المبني، ثم ذكر أنواع المبني، قدم في الترجمة المعرب لشرفه، وفي التقسيم كذلك قدم المعرب لشرفه، ثم لما أراد أن يفصل المعربات كثيرة، والمبني يمكن حصره، ولذلك حصره في بيتين، وكل ما سيأتي مختص بالمعربات، حينئذٍ ما كان محصوراً الأولى أن يقدم في العرض على ما لم يكن محصوراً.
حينئذٍ نقول: أوجه الشبه، هذه محصورة في ثلاثة أو أربعة، حينئذٍ قدمها لمناسبة سرعة الإنهاء من هذه الأسباب، ثم يشرع بعد ذلك في المعربات، إذاً: بدأ في التقسيم بالمعرب لشرفه، ثم بدأ بالتعليل للمبني، ثم ذكر أوجه الشبه، ثم بعد ذلك شرع في بيان معرب الأسماء.
كذلك يقال: التعليل في جهة المبني وجودي، وهنا عدمي، والوجودي أشرف من العدمي، ولذلك قدم التعليل للمبني لهذه العلة.
وفي التعليل بالمبني لكون علته وجودية، وعلة المعرب عدمية، والاهتمام بالوجودي أولى من العدمي، وأيضاً لأن أفراد معلول علة البناء محصورة بخلاف علة الإعراب، فقدم علة البناء ليبين أفراد مدلولها.
إذاً: المحصور مقدم على غير المحصور.
وَمُعْرَبُ الأَسْمَاءِ مَا قَدْ سَلِمَا ... مِنْ شَبَهِ الْحَرْفِ: هنا صرح الناظم بتعريف معرب الأسماء، مع كونه يمكن فهم هذا التعريف مما سبق؛ لأنه قال:
وَالاِسْمُ مِنْهُ مُعْرَبٌ وَمَبْنِي ... لِشَبَهٍ مِنَ الْحُرُوفِ مُدْنِي
مفهومه: أن ما لا يشبه الحرف أو سلِم من شبه الحرف فهو معرب، إذاً: لماذا صرح هنا بما يفهم ضمناً في السابق؟ نقول: توطئةً لتقسيم المعرب إلى ما إعرابه ظاهراً وما إعرابه تقديراً، إذاً: صرح الناظم نقول: بتعريف معرب الأسماء مع انفهامه من تعريف المبني فيما سبق توطئةً لتقسيمه إلى ظاهر الإعراب ومقدره؛ لأنها قال: كأرض وسُما، زاد فائدةً، كأرض وسُماء، أرض: هذا إعرابه ظاهر، وسما: كهدى مقصور، هذا إعرابه مقدر.
وَمُعْرَبُ الأَسْمَاءِ: معرب هذا مضاف مبتدأ وهو مضاف والأسماء مضاف إليه، والإضافة على معنى: من، يعني: معرب من الأسماء؛ لأن الأسماء ليست كلها معربة، بل بعضها معرب، وبعضها الآخر مبني، إذاً: الإضافة على معنى: من، وضابطها موجود هنا وهو أن يكون بين المضاف والمضاف إليه عموم وخصوص من وجه، يعني: كل معرب في هذا الباب اسم، والكلام في معربات الأسماء،-ليس على الإطلاق-، وليس كل اسم يكون معرباً.
وَمُعْرَبُ الأَسْمَاءِ (مَا) .. هذه واقعة على اسم، اسم موصول بمعنى: الذي، خبر معرب، مفهومها ومصدقها: اسم قد سلما، الألف للإطلاق، من شبه الحرف: هذا تعريف للمعرب، إذاً: ما هو المعرب؟ هو الاسم الذي سلم من شبه الحرف، الشبه المذكور السابق، يعني: الشبه المدني من الحرف، وليس مطلق الشبه، لماذا؟ لأن: أي الشرطية، قلنا: هذه معربة، هل سلمت من شبه الحرف؟ لا، لم تسلم من شبه الحرف، وكذلك: اللذان واللتان، وأي الموصولة لم تسلم من شبه الحرف، ومع ذلك قلنا: معربة، كيف نقول: المعرب هو الذي سلم من شبه الحرف، ثم نقول: (أيٌّ)، لم يسلم من شبه الحرف؟!
стр. 179
إذاً: الذي عُلل هنا وأدخل في الحد الشبه المذكور السابق، فحينئذٍ ما قد سلما من شبه الحرف، الإضافة هنا في شبه الحرف للعهد الذكري، والمعهود هو شبه الحرف المتقدم، أي: المُدني على جهة الخصوص، سلم من الشبه القوي.
إذاً: الاسم المعرب نوعان: اسم سلم مطلقاً من شبه الحرف، اسم معرب وهو قد أشبه الحرف، لكنه شبه ضعيف، فهو داخل في الحد، ولذلك نجعل من شبه الحرف هنا الإضافة للعهد الذكري، والمعهود هو الشبه المدني، فحينئذٍ لا يعترض على المصنف بأن أي الشرطية، أو اللذان واللتان ونحوهما مما وجد فيها الشبه، ولكن عارضه ما هو من خواص الأسماء فأعربت.
فنقول: معرب الأسماء نوعان: نوع خلص من مشابهة الحرف مطلقاً، ونوع وجد فيه نوع شبه، لكنه ضعيف غير مدني، فهو داخل في الحد، والمنفي ما هو؟ هو الشبه المدني القوي القريب من الحرف، من شبه الحرف، إذاً: من الشبه المعهود السابق وهو المدني، أي: الذي لم يعارضه معارض من خواص الأسماء فيرده إلى أصله.
وبجعل الإضافة عهدية دخلت: أي ونحوها من المعربات التي أشبهت الحرف شبهاً ضعيفاً، فلا يقال حينئذٍ: التعريف غير جامع بخروج أيٍّ ونحوها؛ لأن فيها شبهاً بالحرف.
كأرضٍ وسُما، يعني: معرب الأسماء نوعان: نوع يظهر فيه إعرابه عليه على الحرف الأخير، وذلك فيما إذا كان صحيح الآخر، كأرض تقول: هذه أرضٌ، ورأيت أرضاً، واشتريت أرضاً، ومررت بأرضٍ، الإعراب ظاهر، وسُما كهدى، هذا كالفتى، جاء الفتى، ورأيت الفتى، ومررت بالفتى، نقول: هذا الإعراب مقدر، وأعرابه تقديري لماذا؟ لأنه معتل الآخر، والمعتل هنا عند النحاة ما كانت لامه واواً أو ياءً أو ألفاً.
والياءُ وَالواوُ جميعًا والألفْ ... ... هُنَّ حروفُ الاعتِلالِ المُكتَنِفْ
حينئذٍ ما كانت لامه واواً أو ياءً أو ألفاً نحكم بأنه معتل وأن الإعراب مقدر عليه.
كأرض وسُما: سُما هذا بالقصر لغة في الاسم، وهو فيه ثماني عشرة لغة، إذاً: هذا البيت تضمن فيه أمرين، أو ضمنه المصنف أمرين: أولاً تعريف معرب الأسماء، ثم قسمه إلى نوعين، لكن قوله:
وَمُعْرَبُ الأَسْمَاءِ مَا قَدْ سَلِمَا ... مِنْ شَبَهِ الْحَرْفِ
стр. 180
هل هذه هي العلة فحسب، أم أنها جزء علة؟ نقول: هذا البيت تضمن تعليل الإعراب بسلامة الاسم من شبه الحرف؛ لأن تعليق الحكم بالمشتق يؤذن بالعِلِّية؛ لأنه قال: وَمُعْرَبُ الأَسْمَاءِ مَا قَدْ سَلِمَا: الذي سلم من شبه الحرف هو المعرب للإعراب، هو علة الإعراب، معرب: هذا اسم مفعول، حينئذٍ إذا علق الحكم وهو الحد هنا على مشتق، نقول: التعليق والحكم على المشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق، كما نقول: ((وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا)) [المائدة:٣٨] لأي شيء؟ للسرقة، فإذا وجدت السرقة بشرطها وجد الحكم وهو القطع، ما الذي دلنا على أن السرقة الحدث هو العلة؟ كونه عُلق الحكم وهو: فاقطعوا على مشتق، هنا عَلق التعريف وهو حكم في المعنى على لفظ، وهو معرب الأسماء، فدل على أنه علة في الإعراب، لكن هل هو جزء علة أو علة تامة؟ هذا محل نظر، ظاهر كلامه أنه علة تامة، والصواب: أنه جزء علة، فلا يرد أن الناظم لم يعلل إعراب الاسم، ولكن هنا العلة ناقصة، بخلافها في المبني فهي تامة، فلا يرد أن علة إعراب الاسم ليست السلامة فقط، بل توارد المعاني التركيبية المختلفة عليه مع السلامة.
إذاً: أُعرب الاسم لماذا؟ الأصل أنه لا يسأل عنه .. الأصل أنه لا يسأل عن علة إعراب الاسم؛ لأنه جاء على الأصل، وما جاء على الأصل لا يبحث عنه ولا يسأل عنه، أليس كذلك؟ لا تقل: لم أعرب الاسم، لكن لما ألحق به الفعل المضارع، حينئذٍ بحث عن وجه الشبه بينهما، فاكتشفوا علة وعلقوا عليها الحكم، وهي توارد المعاني التركيبية المختلفة على الاسم، قالوا: الاسم يطلبه العامل على أن يكون فاعلاً أو مفعولاً به، أو مضافاً أو مضافاً إليه، أو حالاً أو تمييزاً، قالوا: هذه محآلٌّ قد يوجد الاسم فيه وهو واحد، وتختلف المعاني باختلاف العوامل المسلطة عليه، وهذا إنما يكون بعد التركيب؛ لأنه لا إعراب ولا بناء إلا بعد التركيب، فلا إشكال، زيد .. جاء زيدٌ، رأيت زيداً، مررت بزيدٍ، هذا زيدٌ، زيدٌ أخوك، أخوك زيدٌ، زيد واحد اللفظ واختلفت المعاني باختلاف العوامل المسلطة عليه.
جاء زيدٌ ليس ضربت زيداً، هو نفسه مثلاً، الأول وصفته بالمجيء والثاني وصفته بأنه مضروب، وقد يكون ضارباً، ضرب زيدٌ عمرواً، فاختلف الحكم، إذاً: تواردت المعاني المختلفة التركيبية على لفظ واحد، ومثالهم المشهور عند النحاة: ما أحسن زيد، هكذا بالإسكان، ما أحسن زيد، قالوا: زيد هنا يحتمل أن يكون منصوباً ويحتمل أن يكون مجروراً ويحتمل أن يكون مرفوعاً، وباختلاف هذه الأحوال يختلف الحكم ويختلف الوصف والمعنى، فإذا قلت: ما أحسن زيداً، صارت (ما) هذه تعجبية، وزيداً مفعول به، وإذا قلت: ما أحسنُ زيدٍ صارت (ما) هذه استفهامية، وزيد: مستفهم عنه، وإذا قلت: ما أحسنً زيدٌ صارت نافية.
следующие страницы →