Полный текст (2 939 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وَكَنيِابَةٍ عَنِ الفِعْلِ بِلاَ ... والمَعْنَوِيِّ فِي مَتَى وَفِي هُنَا
تَأَثُّرٍ وَكَافْتِقَارٍ أُصِّلاَ
هذه ستة أبواب: الأول: المضمرات، الثاني: أسماء الشرط، وأسماء الاستفهام، وأسماء الإشارة، هذه كم؟ أربعة.
وَكَنيِابَةٍ عَنِ الفِعْلِ: هذا الخامس وهو أسماء الأفعال، وكافتقار: المراد به الموصولات.
نقف على هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ...
стр. 177
عناصر الدرس
* الإسم المعرب وأقسامه بإعتبار آخره
* الأصل في الأفعال البناء
* شرط إعراب الفعل المضارع.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فهذه ثلاثة أوجه من أوجه شبه الاسم بالحرف، قلنا: الشبه الوضعي، والشبه المعنوي، والشبه الاستعمالي، إذاً: حاصل البيتين: أن البناء الواجب يكون في ستة أبواب: المضمرات، وأسماء الشرط، وأسماء الاستفهام، وأسماء الإشارة، وأسماء الأفعال، والأسماء الموصولة، وبعض الظروف هذا يأتي في باب الإضافة، إلا ما استثني كما ذكرنا في أسماء الشرط: أي الشرطية، وأسماء الاستفهام: أي الاستفهامية، كذلك يستثنى من الأسماء الموصولة: اللذان واللتان، كما استثني هذان هاتان، لضعف الشبه بما عارضه من المجيء على صورة التثنية، وكذلك أي الموصولية لما عارض هذا اللفظ من لزوم الإضافة، إذاً بعض المستثنيات من هذه الأبواب معدودة، وما عدى الباب يعتبر أصلاً في البناء.
هل يزاد على هذه الثلاثة أو الأربعة؟ زاد ابن مالك في شرح الكافية التي هي أصل لهذا النظم نوعين: الشبه الإهمالي، والشبه اللفظي، الشبه الإهمالي: أن يشبه الاسم الحرف في كونه لا عاملاً ولا معمولاً، ومثل له بأوائل السور: ((الم)) [البقرة:١] ((ق)) [ق:١] ((ص)) [ص:١] وهذا جارٍ على القول بأن مفاتح السور لا محل لها من الإعراب، هذا المثال فيه نظر، وكذلك جعل بعضهم من هذا النوع الأسماء قبل التركيب، وهذا أيضاً فيه نظر، وأسماء الهجاء المسرودة وهذا أيضاً فيه نظر، وأسماء العدد المسرودة وهذا أيضاً فيه نظر.
على كل هذا الشبه الإهمالي في إثباته نظر.
النوع الخامس أو السادس: الشبه اللفظي، وهذا وارد وهو ثابت، وهو أن يكون لفظ الاسم كلفظ حرف من حروف المعاني، قد تأتي حرفية وتأتي اسمية، الاسمية إذا بنيت على وجه حينئذٍ نقول: أشبهت الحرف، في ماذا؟ قالوا: في الشبه اللفظي، كون اللفظ واحداً، مع كوننا يمكن أن نقول: أشبهت الحرف قد في ماذا؟ الوضع، نعم أحسنت، الوضع؛ لأن قد الاسمية هذه جاءت على حرفين، وهذا هو الأصل في وضع الحروف، حينئذٍ نقول: هذا شبه وضعي، وقد يجتمع عدة أوجه من الشبه في لفظ واحد.
لذلك المضمرات هنا قال محيي الدين: فإن فيها الشبه المعنوي إذ التكلم والخطاب والغيبة من المعاني التي تتأدى بالحروف، وفيها الشبه الافتقاري؛ لأن كل ضمير يفتقر افتقاراً متأصلاً إلى ما يفسره، وفيها الشبه الوضعي، فإن أغلب الضمائر وضع على حرف أو حرفين، وما زاد في وضعه على ذلك فمحمول عليه طرداً للباب على وتيرة واحدة.
إذاً: وجد عدة أوجه للشبه، لكن المعتمد المغلَّب في جانب التعليم هو كونها وضعت على حرف أو حرفين.
ثم قال الناظم رحمه الله تعالى:
وَمُعْرَبُ الأَسْمَاءِ مَا قَدْ سَلِمَا ... مِنْ شَبَهِ الْحَرْفِ كأَرْضٍ وَسُمَا
لما أنهى المبني من الأسماء شرع في بيان المعرب، -معرب الأسماء-، وهو قال في الترجمة: المعرب والمبني، ثم قال:
стр. 178
وَالاسْمُ مِنْهُ مُعْرَبٌ: قدم ما قدمه في الترجمة، ثم لما أراد أن يعلل ويسرد، قال: وَمَبْنِي لِشَبَهٍ مِنَ الْحُرُوفِ مُدْنِي: علل المبني، ثم ذكر أنواع المبني، قدم في الترجمة المعرب لشرفه، وفي التقسيم كذلك قدم المعرب لشرفه، ثم لما أراد أن يفصل المعربات كثيرة، والمبني يمكن حصره، ولذلك حصره في بيتين، وكل ما سيأتي مختص بالمعربات، حينئذٍ ما كان محصوراً الأولى أن يقدم في العرض على ما لم يكن محصوراً.
حينئذٍ نقول: أوجه الشبه، هذه محصورة في ثلاثة أو أربعة، حينئذٍ قدمها لمناسبة سرعة الإنهاء من هذه الأسباب، ثم يشرع بعد ذلك في المعربات، إذاً: بدأ في التقسيم بالمعرب لشرفه، ثم بدأ بالتعليل للمبني، ثم ذكر أوجه الشبه، ثم بعد ذلك شرع في بيان معرب الأسماء.
كذلك يقال: التعليل في جهة المبني وجودي، وهنا عدمي، والوجودي أشرف من العدمي، ولذلك قدم التعليل للمبني لهذه العلة.
وفي التعليل بالمبني لكون علته وجودية، وعلة المعرب عدمية، والاهتمام بالوجودي أولى من العدمي، وأيضاً لأن أفراد معلول علة البناء محصورة بخلاف علة الإعراب، فقدم علة البناء ليبين أفراد مدلولها.
إذاً: المحصور مقدم على غير المحصور.
وَمُعْرَبُ الأَسْمَاءِ مَا قَدْ سَلِمَا ... مِنْ شَبَهِ الْحَرْفِ: هنا صرح الناظم بتعريف معرب الأسماء، مع كونه يمكن فهم هذا التعريف مما سبق؛ لأنه قال:
وَالاِسْمُ مِنْهُ مُعْرَبٌ وَمَبْنِي ... لِشَبَهٍ مِنَ الْحُرُوفِ مُدْنِي
مفهومه: أن ما لا يشبه الحرف أو سلِم من شبه الحرف فهو معرب، إذاً: لماذا صرح هنا بما يفهم ضمناً في السابق؟ نقول: توطئةً لتقسيم المعرب إلى ما إعرابه ظاهراً وما إعرابه تقديراً، إذاً: صرح الناظم نقول: بتعريف معرب الأسماء مع انفهامه من تعريف المبني فيما سبق توطئةً لتقسيمه إلى ظاهر الإعراب ومقدره؛ لأنها قال: كأرض وسُما، زاد فائدةً، كأرض وسُماء، أرض: هذا إعرابه ظاهر، وسما: كهدى مقصور، هذا إعرابه مقدر.
وَمُعْرَبُ الأَسْمَاءِ: معرب هذا مضاف مبتدأ وهو مضاف والأسماء مضاف إليه، والإضافة على معنى: من، يعني: معرب من الأسماء؛ لأن الأسماء ليست كلها معربة، بل بعضها معرب، وبعضها الآخر مبني، إذاً: الإضافة على معنى: من، وضابطها موجود هنا وهو أن يكون بين المضاف والمضاف إليه عموم وخصوص من وجه، يعني: كل معرب في هذا الباب اسم، والكلام في معربات الأسماء،-ليس على الإطلاق-، وليس كل اسم يكون معرباً.
وَمُعْرَبُ الأَسْمَاءِ (مَا) .. هذه واقعة على اسم، اسم موصول بمعنى: الذي، خبر معرب، مفهومها ومصدقها: اسم قد سلما، الألف للإطلاق، من شبه الحرف: هذا تعريف للمعرب، إذاً: ما هو المعرب؟ هو الاسم الذي سلم من شبه الحرف، الشبه المذكور السابق، يعني: الشبه المدني من الحرف، وليس مطلق الشبه، لماذا؟ لأن: أي الشرطية، قلنا: هذه معربة، هل سلمت من شبه الحرف؟ لا، لم تسلم من شبه الحرف، وكذلك: اللذان واللتان، وأي الموصولة لم تسلم من شبه الحرف، ومع ذلك قلنا: معربة، كيف نقول: المعرب هو الذي سلم من شبه الحرف، ثم نقول: (أيٌّ)، لم يسلم من شبه الحرف؟!
стр. 179
إذاً: الذي عُلل هنا وأدخل في الحد الشبه المذكور السابق، فحينئذٍ ما قد سلما من شبه الحرف، الإضافة هنا في شبه الحرف للعهد الذكري، والمعهود هو شبه الحرف المتقدم، أي: المُدني على جهة الخصوص، سلم من الشبه القوي.
إذاً: الاسم المعرب نوعان: اسم سلم مطلقاً من شبه الحرف، اسم معرب وهو قد أشبه الحرف، لكنه شبه ضعيف، فهو داخل في الحد، ولذلك نجعل من شبه الحرف هنا الإضافة للعهد الذكري، والمعهود هو الشبه المدني، فحينئذٍ لا يعترض على المصنف بأن أي الشرطية، أو اللذان واللتان ونحوهما مما وجد فيها الشبه، ولكن عارضه ما هو من خواص الأسماء فأعربت.
فنقول: معرب الأسماء نوعان: نوع خلص من مشابهة الحرف مطلقاً، ونوع وجد فيه نوع شبه، لكنه ضعيف غير مدني، فهو داخل في الحد، والمنفي ما هو؟ هو الشبه المدني القوي القريب من الحرف، من شبه الحرف، إذاً: من الشبه المعهود السابق وهو المدني، أي: الذي لم يعارضه معارض من خواص الأسماء فيرده إلى أصله.
وبجعل الإضافة عهدية دخلت: أي ونحوها من المعربات التي أشبهت الحرف شبهاً ضعيفاً، فلا يقال حينئذٍ: التعريف غير جامع بخروج أيٍّ ونحوها؛ لأن فيها شبهاً بالحرف.
كأرضٍ وسُما، يعني: معرب الأسماء نوعان: نوع يظهر فيه إعرابه عليه على الحرف الأخير، وذلك فيما إذا كان صحيح الآخر، كأرض تقول: هذه أرضٌ، ورأيت أرضاً، واشتريت أرضاً، ومررت بأرضٍ، الإعراب ظاهر، وسُما كهدى، هذا كالفتى، جاء الفتى، ورأيت الفتى، ومررت بالفتى، نقول: هذا الإعراب مقدر، وأعرابه تقديري لماذا؟ لأنه معتل الآخر، والمعتل هنا عند النحاة ما كانت لامه واواً أو ياءً أو ألفاً.
والياءُ وَالواوُ جميعًا والألفْ ... ... هُنَّ حروفُ الاعتِلالِ المُكتَنِفْ
حينئذٍ ما كانت لامه واواً أو ياءً أو ألفاً نحكم بأنه معتل وأن الإعراب مقدر عليه.
كأرض وسُما: سُما هذا بالقصر لغة في الاسم، وهو فيه ثماني عشرة لغة، إذاً: هذا البيت تضمن فيه أمرين، أو ضمنه المصنف أمرين: أولاً تعريف معرب الأسماء، ثم قسمه إلى نوعين، لكن قوله:
وَمُعْرَبُ الأَسْمَاءِ مَا قَدْ سَلِمَا ... مِنْ شَبَهِ الْحَرْفِ
стр. 180
هل هذه هي العلة فحسب، أم أنها جزء علة؟ نقول: هذا البيت تضمن تعليل الإعراب بسلامة الاسم من شبه الحرف؛ لأن تعليق الحكم بالمشتق يؤذن بالعِلِّية؛ لأنه قال: وَمُعْرَبُ الأَسْمَاءِ مَا قَدْ سَلِمَا: الذي سلم من شبه الحرف هو المعرب للإعراب، هو علة الإعراب، معرب: هذا اسم مفعول، حينئذٍ إذا علق الحكم وهو الحد هنا على مشتق، نقول: التعليق والحكم على المشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق، كما نقول: ((وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا)) [المائدة:٣٨] لأي شيء؟ للسرقة، فإذا وجدت السرقة بشرطها وجد الحكم وهو القطع، ما الذي دلنا على أن السرقة الحدث هو العلة؟ كونه عُلق الحكم وهو: فاقطعوا على مشتق، هنا عَلق التعريف وهو حكم في المعنى على لفظ، وهو معرب الأسماء، فدل على أنه علة في الإعراب، لكن هل هو جزء علة أو علة تامة؟ هذا محل نظر، ظاهر كلامه أنه علة تامة، والصواب: أنه جزء علة، فلا يرد أن الناظم لم يعلل إعراب الاسم، ولكن هنا العلة ناقصة، بخلافها في المبني فهي تامة، فلا يرد أن علة إعراب الاسم ليست السلامة فقط، بل توارد المعاني التركيبية المختلفة عليه مع السلامة.
إذاً: أُعرب الاسم لماذا؟ الأصل أنه لا يسأل عنه .. الأصل أنه لا يسأل عن علة إعراب الاسم؛ لأنه جاء على الأصل، وما جاء على الأصل لا يبحث عنه ولا يسأل عنه، أليس كذلك؟ لا تقل: لم أعرب الاسم، لكن لما ألحق به الفعل المضارع، حينئذٍ بحث عن وجه الشبه بينهما، فاكتشفوا علة وعلقوا عليها الحكم، وهي توارد المعاني التركيبية المختلفة على الاسم، قالوا: الاسم يطلبه العامل على أن يكون فاعلاً أو مفعولاً به، أو مضافاً أو مضافاً إليه، أو حالاً أو تمييزاً، قالوا: هذه محآلٌّ قد يوجد الاسم فيه وهو واحد، وتختلف المعاني باختلاف العوامل المسلطة عليه، وهذا إنما يكون بعد التركيب؛ لأنه لا إعراب ولا بناء إلا بعد التركيب، فلا إشكال، زيد .. جاء زيدٌ، رأيت زيداً، مررت بزيدٍ، هذا زيدٌ، زيدٌ أخوك، أخوك زيدٌ، زيد واحد اللفظ واختلفت المعاني باختلاف العوامل المسلطة عليه.
جاء زيدٌ ليس ضربت زيداً، هو نفسه مثلاً، الأول وصفته بالمجيء والثاني وصفته بأنه مضروب، وقد يكون ضارباً، ضرب زيدٌ عمرواً، فاختلف الحكم، إذاً: تواردت المعاني المختلفة التركيبية على لفظ واحد، ومثالهم المشهور عند النحاة: ما أحسن زيد، هكذا بالإسكان، ما أحسن زيد، قالوا: زيد هنا يحتمل أن يكون منصوباً ويحتمل أن يكون مجروراً ويحتمل أن يكون مرفوعاً، وباختلاف هذه الأحوال يختلف الحكم ويختلف الوصف والمعنى، فإذا قلت: ما أحسن زيداً، صارت (ما) هذه تعجبية، وزيداً مفعول به، وإذا قلت: ما أحسنُ زيدٍ صارت (ما) هذه استفهامية، وزيد: مستفهم عنه، وإذا قلت: ما أحسنً زيدٌ صارت نافية.
стр. 181
إذاً: زيد نفي تارةً وتعجب منه من حسنه تارةً، واستفهم عن جزئه أو أجزاءه تارةً أخرى، واللفظ واحد والمعاني تركيبية؛ لأنها لا توجد إلا بعد التركيب، ما الذي ميز: (ما) التعجبية، عن: ما النافية، عن: ما الاستفهامية؟ هذا بالاستلزام لا أقصد ما نفسها، لكن ما الذي دلنا على أن السياق هنا تعجب أو نفي أو استفهام هو الحركات التي تعاقبت على زيد، فلما قلت: ما أحسنْ زيداً عرفنا أن ما تعجبية وأحسنْ هذا فعل ماضي، والفاعل ضمير مستتر وجوباً، وزيداً هذا مفعول به وهو متعجب من حسنه، ولما رفعته: ما أحسنَ زيدٌ عرفنا أنه منفي .. حسنه منفي، ولما جررته علمنا أنه مستفهم عنه، الذي دلنا على هذا هو الإعراب.
إذاً: علة إعراب الاسم هو توارد وتعاقب المعاني التركيبية على صيغة واحدة لا يميز هذه المعاني ويفصلها عن بعضها إلا الإعراب، فولا الإعراب ما عرفنا أن هذه ما تعجبية ولا استفهامية.
وَمُعْرَبُ الأَسْمَاءِ مَا قَدْ سَلِمَا مِنْ شَبَهِ الْحَرْفِ .. إذاً: سلامته من الحرف جزء علة في إعرابه، وكذلك يضاف إليه توارد المعاني المختلفة عليه، فلا اعتراض على المصنف حينئذٍ:
وَمُعْرَبُ الأَسْمَاءِ مَا قَدْ سَلِمَا ... مِنْ شَبَهِ الْحَرْفِ كأَرْضٍ وَسُمَا
وينقسم المعرب أيضاً إلى متمكن أمكن، وهو المنصرف، وإلى متمكن غير أمكن، متمكن يعني: في باب الاسمية؛ لأن غير المتمكن هو الذي خرج بالكلية عن باب الاسمية وهو الذي أشبه الحرف، فيما سبق المضمرات وغيرها، أمكن .. ما المراد بمتمكن أمكن؟ أريد اللفظ، متمكن: عرفنا أنه معرب، أمكن: أمكن من غيره من المعربات في الاسمية، زيد: هذا ينون تنوين صرف، أحمد معرب أو لا؟ معرب، زيدٌ معرب، أيهما أمكن في باب الاسمية؟ زيد، لماذا؟ لأنه مصروف وأحمد غير منصرف.
إذاً: متمكن في باب الإعراب والاسمية، أمكن من غيره؛ لأنه يقابله ماذا؟ متمكن غير أمكن، وهو الممنوع من الصرف، إذاً: ينقسم المعرب إلى متمكن أمكن .. متمكن في باب الاسمية، وأمكن من غيره في باب الاسمية أيضاً وهو المنصرف، كزيد وعمرو، وإلى متمكن غير أمكن وهو غير المنصرف، أي: الممنوع من الصرف كأحمد ومساجد ومصابيح.
وغير المتمكن هو المبني، والمتمكن هو المعرب، وهو قسمان كما ذكرنا.
ثم لما أنهى ما يتعلق بالاسم من جهة إعرابه وبناءه ثنى بالفعل: وَالفعل مِنْهُ مُعْرَبٌ وَمَبْنِي كذلك، كما أن الاسم منه معرب ومبني، إلا أن الإعراب في باب الأسماء أصل، وفي باب الأفعال فرع، هذا مذهب البصريين، مذهب البصريين: أن الإعراب في باب الأسماء أصل، وفي باب الأفعال فرع، لماذا؟ لما ذكرناه سابقاً: أن الاسم قد تعتري وتعتوره معانٍ لا يميزها إلا الإعراب، بخلاف الفعل، فالأصل فيه ألا تعتوره معانٍ مختلفة، سواء كان الماضي أو الأمر، وأما المضارع فهذا بعضه معرب وبعضه مبني بشرطه كما سيأتي.
стр. 182
إذاً: لما فرغ المصنف من بيان المعرب والمبني من الأسماء شرع في بيان المعرب والمبني من الأفعال، ومذهب البصريين: أن الإعراب أصل في الأسماء، فرع في الأفعال، فالأصل في الفعل البناء عندهم، فإذا جاء الاسم معرباً لا يسأل عنه، وإذا جاء الفعل مبنياً حينئذٍ لا يسأل عنه؛ لأن الأصل في الأفعال البناء، كما أن الأصل في الحروف البناء.
وذهب الكوفيون إلى أن الإعراب أصل في الأسماء وفي الأفعال مطلقاً، لماذا؟ أصل في الأفعال وفي الأسماء، والأول هو الصحيح، الذي هو مذهب البصريين، لماذا قال الكوفيون أنه أصل فيهما؟ ليس عندهم من المبني من الأفعال إلا الفعل الماضي، وفعل الأمر عندهم معرب مجزوم بلام مقدرة، والفعل المضارع في غالب أحواله يعتبر معرباً حينئذٍ لوجود بعض المعاني التي تعتري الفعل المضارع كما سيأتي وهذا مسلم عند البصريين، قالوا: بكونه معرباً في الفعل كما أنه معرب في الأسماء، يعني: أصل في الأفعال كما أنه أصل في الأسماء، يعني: توارد المعاني يوجد في الأفعال ويوجد في الأسماء، فصار أصلاً فيهما وهذا منتقد.
قال ﵀:
وَفِعْلُ أَمْرٍ وَمُضِيٍّ بُنِيَا وَأعْرَبُوا مُضَارِعاً .. هذه ثلاثة أنواع،
فِعْلُ أَمْرٍ وَمُضِيٍّ بُنِيَا وَأعْرَبُوا مُضَارِعاً ... فعْلٌ مُضَارِعٌ يَلِي لَمْ كَيَشَمْ
وَمَاضِيَ الأَفْعَالِ بِالتَّا مِزْ وَسِمْ ... بِالنُّونِ فِعْلَ الأَمْرِ إِنْ أَمْرٌ فُهِمْ
والترتيب هنا مخالف لما سبق، هنا قدم الأمر: وَفِعْلُ أَمْرٍ وَمُضِيٍّ بُنِيَا .. وهناك قدم الفعل المضارع: ِفعْلٌ مُضَارِعٌ يَلِي لَمْ، لماذا قدم هناك الفعل المضارع؟ لأنه في مقام بيان العلامات وهو أشرف من غيره، ثم قال: وَمَاضِيَ الأفْعَالِ .. ثم قال: وَسِمْ بِالنُّونِ فِعْلَ، قدم ماذا؟ قدم الماضي على فعل الأمر، لماذا؟ لكون الماضي متفقاً على بنائه، وفعل الأمر مختلف فيه، وهنا قدم ماذا؟ قد فعل الأمر، ثم أتى بالماضي ثم أتى بالمضارع، عكس ما سبق على التوالي .. هناك قدم المضارع ثم الماضي ثم الأمر، هنا قدم الأمر ثم الماضي ثم المضارع، لماذا؟ قدم الأمر للاستدلال به أو للاستدلال بهذا التقديم على أن الراجح فيه أنه مبني، مع التنصيص على الحكم، كأنه يقول: أن بناء فعل الأمر كالمتفق عليه من جهة بنائه كما هو متفق عليه في الماضي.
وَفِعْلُ أَمْرٍ وَمُضِيٍّ .. سوَّى بينهما، إذاً: هما في درجة واحدة، ولذلك عند البصريين لا خلاف عند أكثرهم أن فعل الأمر كالفعل الماضي، وإنما نازع بعض الكوفيين في كونه معرباً لعلة تمسكوا بها.
إذاً: وَفِعْلُ أَمْرٍ: قدمه هنا للدلالة على أن الراجح فيه أنه مبني، بل هو مساوٍ للماضي في البناء، ثم ثلَّث بالفعل المضارع؛ لأنه خرج عن أصله، وما جاء عن الأصل سواء كان ماضياً أو أمراً فهو أولى بالتقديم على ما خرج عن الأصل وهو الفعل المضارع، إذاً: ثلاثة أفعال:
стр. 183
وَفِعْلُ أَمْرٍ وَمُضِيٍّ ومضيٌ يجوز الوجهان، وَمُضِيٍّ بُنِيَا .. هذا يحتمل أن الألف هذه ألف الفاعل .. ألف الاثنين، ويحتمل أنها ألف الإطلاق، على حسب توجيه وَمُضِيٍّ، وَمُضِيٍّ بجر مضيٍ وتقدير مضاف حذفه الناظم لمماثلته المعطوف عليه، وأبقى المضاف إليه بحاله، يعني: أصل التركيب: وفعل أمرٍ .. وفعل مضيٍ بنيا، هذا أصل التركيب، قد يحذف المضاف ويبقى المضاف إليه على حاله .. كحاله كما سيأتي، فحذف المضاف فعل مضيٍ وأبقى مضي على حاله.
وقوله: بُنِيَا، الرافع لضمير التثنية خبر عن المذكور والمحذوف، فحينئذٍ أخبر بالمثنى عن مفرد أو عن مثنى؟ مثنى معنىً لا حقيقةً، بُنِيَا، لا بد من التطابق بين المبتدأ والخبر، وفعل أمر .. فعل: هذا مبتدأ، أين خبره؟ بني، أليس كذلك؟ هذه الألف ألف الاثنين، وفعل أمر واحد، كيف يخبر عنه بقوله: بنيا؟ نقول: أصل التركيب: وفعل أمرٍ .. وفعل مضيٍ بنيا، هذا لا إشكال فيه، يعني: صار بنيا الألف هذه عائدة على فعل أمر المذكور وفعل مضي المحذوف، فعادت على اثنين: على مذكور وعلى محذوف، فلما أبقى المضاف إليه كحاله كأن المضاف صار موجوداً؛ لأن أثره موجود، وإذا كان أثره موجود حينئذٍ فهو كالموجود.
فقوله: بُنِيَا، هذا يعود الاثنين، فلا يلزم الإخبار عن المفرد بمتحمل ضمير التثنية، وهو بنيا، ويجوز رفع مضيٌ عطفاً على فعلُ، على أنه أقيم مقام المضاف عند حذفه، وَفِعْلُ أَمْرٍ وَمُضِيٍّ .. أصله: وفعل مضيٍ حذف المضاف فعل ثم أقيم المضاف إليه مقامه فارتفع ارتفاعه، هذا وجهٌ، أو على أنه بمعنى ماضٍ، ومضيٍ بمعنى: ماضٍ، ولكنه تغيرت صيغته ولم يجعله مضافاً إليه، يعني: لم يكن ثم لفظ فعل موجوداً، بل مضي بمعنى: ماضي، وهذا فيه تكلف.
ويحتمل أن ألف بني للإطلاق وأن ضميره يرجع إلى فعل أمر مراداً به الجنس، ضمن نوعيه فعل الأمر وفعل المضي، يعني: كما قلنا هناك بتَا فَعَلْتَ وَأَتَتْ، يحتمل أن وأتت هذا معطوف على المضاف إليه، فحينئذٍ بتاء صار اسماً مشتركاً بين التائين، وَفِعْلُ أَمْرٍ وَمُضِيٍّ، يحتمل أن مضي هذا معطوف على أمر، وحينئذٍ يصير فعل، هذا ليس خاصاً بالأمر بل صار جنساً مشتركاً يصدق على الأمر وعلى الماضي، وفعل أمر هذا من إضافة الدال إلى المدلول، يعني: فعل يدل على الأمر، والفعل الدال على الأمر، -أي أمر اصطلاحي أو لغوي-؟ إذا قيل: فعل الأمر المراد به الاصطلاحي؛ لأن هذا اسمه فعل الأمر من إضافة الدال إلى المدلول، فعل أمر يدل على الأمر الاصطلاحي بتوفر شرطه، يعني: وجود علامتيه.
وَفِعْلُ أَمْرٍ وَمُضِيٍّ بُنِيَا: إذاً الحكم على الفعل فعل الأمر بأنه مبني، والحكم على الفعل فعل الماضي أنه مبني، يبنى على أي شيء؟ ما بين المصنف رحمه الله تعالى وجه البناء، بل حكم عليه أنه مبني، وأحال على المُوَقِّف، فحينئذٍ نقول: فعل الأمر هل هو معرب أو مبني؟ على الخلاف الموجود بين البصريين والكوفيين، هنا قال:
стр. 184
المبنيُّ من الأفعال ضربان: ما اختلف في بنائه والراجح أنه مبني، هذا نوع، وهذا خاص بفعل الأمر، نحو: اضرب، هذا مبني عند البصريين ومعرب عند الكوفيين، لماذا؟ قالوا: أصله مشتق ومقتطع من الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر هذا أصله، اضرب، أصله: لتضرب، مجزوم بلام الأمر ظاهرة، وأصله: لتضرب فحذفت اللام تخفيفاً، -دعوى الحذف والتخفيف هذه لا حدود لها-، لتضرب، هذا أصله، اضرب أصله لتضرب، فعل مضارع مقرون بلام الأمر فهو مجزوم، حذفت اللام تخفيفاً ..
ثم صار تضرب، هذا الأمر .. تضرب، التبس بالفعل المضارع المرفوع في حال الوقف، يعني: إذا وقفت على تضرب .. لو وصلته، قلت: تضرب، وتضرب يا زيد، لما حصل لبس، وإنما التبس بالفعل المضارع في حال الرفع عند الوقف لا عند الوصل، فحينئذٍ ماذا صنعوا؟ حذفوا التاء من أجل الفرق بين المضارع في حال الرفع عند الوقف، وبين فعل الأمر، حذفت التاء، صارت الضاء هنا ساكنة، وحينئذٍ لا يمكن الابتداء بالساكن، فاجتلبت همزة الوصل للتمكن من الابتداء بالساكن، ثم التقى ساكنان ففصلت الهمزة على أصل بالكسر فقيل: اضرب.
إذاً: اضرب، هذا ليس أصلاً بل هو فرع، من أين؟ من قوله: لتضرب، حذفت اللام تخفيفاً، ثم بعد ذلك اشتبه والتبس بالفعل المضارع المرفوع في حالة الرفع، فحذفت التاء دفعاً لهذا اللبس، ثم صار الحرف ساكناً فاجتلبت همزة الوصل فقيل: اضرب، يرد هذا المذهب: أن الحرف لا يعمل محذوفاً، وهذا سيأتي معنا في حروف الجر هناك، الحرف لا يعمل محذوفاً سواء كان حرف جر، أو كان حرف جزم، فحينئذٍ قولهم: اضرب يا زيد، اضرب: هذا فعل أمر مجزوم عند الكوفيين؛ مجزوم لأنه معرب، ما العامل فيه؟ قالوا: اللام، أين هي؟ محذوفة، وهل يعمل المحذوف في الموجود؟ نقول: لا، الصواب: لا، لا يعمل المحذوف في الموجود.
لو كان فعلاً، جاء زيدٌ، من جاء؟ زيدٌ .. زيدٌ، هذا مرفوع فاعل، ما العامل فيه؟ جاء، أين هو؟ محذوف، لو قال لك قائل: من جاء؟ قلت: زيدٌ، زيد ما إعرابه؟ فاعل، والعامل فيه .. أين هو جاء ما في جاء هنا، محذوف؛ لأنه وقع في جواب سؤال، قلت لك: من جاء، أنت تجيب بماذا؟ زيد فقط، كلمة: زيد، والأصل: جاء زيدٌ، حذف جاء، وبقي الفاعل على حاله، فقلت: زيدٌ، زيدٌ إعرابه فاعل لفعل محذوف جوازاً، تقديره: جاء زيد، ما الذي جوز حذفه؟ كونه واقعاً في جواب سؤال وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ، كيف جوزنا هنا أن يعمل الفعل في اللفظ المذكور وهو محذوف؟ نقول: لأنه أصل، الأصل في العمل للأفعال، ولذلك قدرنا في البسملة هناك الفعل؛ لأنه أصل في العمل.
стр. 185
فحينئذٍ يقوى على أن يعمل مذكوراً ومحذوفاً، ودائماً الأصول هكذا، الأصول تعمل محذوفةً ومذكورةً، أما الحرف فالأصل فيه ألا يعمل، الحرف وهو ملفوظ الأصل فيه ألا يعمل، فإذا عمل الحرف وهو ملفوظ به حينئذٍ جاء على خلاف الأصل، وما جاء على خلاف الأصل فهو ضعيف، فإعماله وهو ملفوظ به ضعيف، هذا الحرف، فإذا حذف كان من باب أولى وأولى أن يكون أضعف في العمل، فكيف يبقى تأثيره بعد حذفه؟ إذاً: القول بكون اضرب مجزوم بلام الأمر محذوفة، نقول: هذا قول ضعيف؛ لأن الحرف لا يعمل محذوفاً، بل هو وهو ملفوظ به ضعيف، فمن باب أولى ألا يعمل محذوفاً.
إذاً: هذا ما اختلف فيه بين البصريين والكوفيين، وهو مبني عند البصريين على الأصل، هل يحتاج البصريون إلى إثبات بنائه إلى دليل؟ نقول: لا؛ لأنه ثبت أن البناء أصل في الفعل، فحينئذٍ ما جاء على الأصل لا يطالب بدليل، فإذا قال البصري: الفعل فعل الأمر مبني لا نقول له: ائت بالدليل؛ لأنه استدل بالأصل، يعني: واقع عنه حالاً.
حينئذٍ من قال: خرج عن الأصل قيل له: ائت بالدليل؟ ((قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ)) [البقرة:١١١] فإن أثبته دليلاً صحيحاً قبل على العين والرأس، ويستثنى من الأصل، وإن لم يأت فحينئذٍ نستصحب الأصل، هذا هو الأصل فيه.
إذا قلنا: أنه مبني على الصحيح على أي شيء يبنى؟ المشهور عند النحاة أن الأمر مبني على ما يجزم به مضارعه، هذا هو المشهور عند النحاة، فالأمر مبني على ما يجزم به مضارعه، فإذا كان المضارع مجزوماً بالسكون حينئذٍ بني على السكون، وإذا كان مضارعه جزم بحذف حرف العلة حينئذٍ يبنى فعل الأمر على حذف حرف العلة، وإذا كان مضارعه يجزم بحذف النون بني فعل الأمر على حذف النون، الأمثلة نحتاجها أم لا؟ ما نحتاج أمثلة.
لم يضرب: هذا فعل مضارع مجزوم بالسكون، اضرب: هذا فعل أمر مبني على السكون؛ لأن مضارعه يضرب إذا دخل عليه جازم جزم بالسكون، يغزو .. لم يغزُ .. لم يدعُ .. لم يرمِ .. لم يخشَ، نقول: هذه جزمت بحذف حرف العلة، أغز يا زيدُ، ارم يا عمرو .. اخش يا زيدُ، نقول: هذه كلها مبنية على حذف حرف العلة، ماذا بقي؟
المجزوم بحذف النون، لم يقوما .. لم يقوموا .. لم تقومي، إذاً نقول في فعل الأمر قوما: مبني على حذف النون، قوموا: مبني على حذف النون، قومي: مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه يجزم بحذف النون، في هذه الأمثلة واضح بين: أن فعل الأمر يبنى على ما يجزم به مضارعه، وهذه القاعدة في مثل هذا لا بأس بها: الأمر مبني على ما يجزم به مضارعه.
لكنها أورد عليها بعض الإيرادات من حيث ماذا؟ عدم الشمول؛ لأنها لا تشمل بعض الأشياء، ويدخل تحتها بعض ما كان الأصل أنه خارج عنها، يرد عليها: أمر جمع المؤنث صحيحاً كان أو معتلاً، إذا أمرت نسوة ماذا تقول؟ قمن، ((وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ)) [الأحزاب:٣٣] مضارعه، ما هو مضارعه .. مجزوم؟ النسوة يقمن، قمن؟ مبني على السكون، هنا يقول: على ما يجزم به مضارعه! خص نوعاً من أنواع المضارع، فحينئذٍ لا يدخل تحته أمر المؤنث، صحيحاً كان أو معتلاً، لماذا؟ لأن مضارعه مبني وليس مجزوماً: النسوة يقمن، فحينئذٍ نقول: الأمر منه مبني على السكون، كما أن مضارعه مبني على السكون.
стр. 186
وقوله: الأمر مبني على ما يجزم به مضارعه، لا يدخل تحته هذا الصنف، إذاً: أمر جمع المؤنث صحيحاً كان أو معتلاً، فإنه مبني على السكون ومضارعه ليس مجزوماً فإنه مبني على السكون أيضاً، نحو: قمن، هذا أمر، وهو مبني على السكون لاتصاله بنون الإناث، وتقول في المضارع: النسوة يقمن .. ارمين .. يرمين .. النسوة يرمين، هذا معتل اتصلت به نون الإناث، فهو مبني على السكون، النسوة يرمين، الأمر منه: ارمين .. أرمين، أليس كذلك؟ حينئذٍ بني على السكون كما أن أصله مبني على السكون.
إذاً: اختصاص القاعدة بما جزم مضارعه أخرج المبني، فهذا الفرد ليس داخلاً تحت هذه القاعدة، فزيد على القاعدة لإخراج هذا النوع لو كان معرباً، الأمر مبني على ما يجزم به مضارعه لو كان معرباً، الأصل أن نأتي بالقيد للإدخال أو للإخراج، للإخراج أو للإدخال؟، هنا نريد أن ندخل هذا النوع أم نخرجه؟ ندخله، وهم قالوا: لو كان معرباً إذاً: إذا كان مبنياً لا يأخذ الحكم، وهذا قيد فاسد، لكن أرادوا أن يجمعوا بين نظيرين، لماذا؟ قولهم: لو كان معرباً، أرادوا أن يجمعوا بين نظيرين؛ لأنهم قالوا: ما يجزم به مضارعه.
إذاً: عينوا الفعل المضارع أنه مجزوم، فكيف يضم إليه النوع المبني؟! هذا متعذر، لكنهم خصوا القاعدة بالمعرب فحسب، حينئذٍ تكون القاعدة أغلبية فهي خاصةٌ بالفعل المضارع المعرب المجزوم، إذاً: إذا كان مبنياً هذه القاعدة لا تنطبق على المبنيات، فحينئذٍ يؤخذ حكم فعل الأمر الذي بني مضارعه من غير هذه القاعدة.
كذلك يرد عليها بعد الزيادة أيضاً: الأمر الذي باشرته نون التوكيد، فإنه يبنى على الفتح صحيحاً كان أو معتلاً: ((لَيُنْبَذَنَّ)) [الهمزة:٤] ليضربنَّ .. ليأكلنَّ، نقول: هذا فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، الأمر منه: انبذنَّ، اضربنَّ مبني على الفتح، مضارعه مبني على الفتح، وهذا مبني على الفتح:
الأمر مبني على ما يجزم به مضارعه لو كان معرباً، هل هذا النوع يمكن أن نأخذه من هذه القاعدة؟ الجواب: لا؛ لأنه مبني، -والكلام في المعرب-، لا تشمل هذه القاعدة الأمر الذي لا مضارع له، نحو: هاتِ، هذا اسم فعل، أو فعل أمر؟ الصحيح أنه فعل أمر، مجزوم على حذف حرف العلة، هاتي هذا هو الأصل، في الخطاب للمذكر .. -المفرد المذكر-، هاتِ: هذا فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، والكسرة دليلة على المحذوف، مثل: ادع، واخش، وارم، هل له مضارع، هاتِ؟ ليس له مضارع، إذاً: كيف نأخذ من القاعدة حكم هذا النوع؟ لكن هذا يجاب عنه بأنه قليل، لا يعلم حكم الأمر الذي مضارعه ليس معرباً على تلك الزيادة.
إذاً: هذا خلل في هذه القاعدة: الأمر مبني على ما يجزم به مضارعه، نقول: هذه قاعدةٌ أغلبية، ولا يصح أن يؤخذ منها أحكام أفراد فعل الأمر على جهة التفصيل، ولذلك نقول: أحوال فعل الأمر للمبني على أربعةٍ باستقراء كلام العرب:
стр. 187
الحالة الأولى: أنه يبنى على السكون، ظاهراً أو مقدراً، يعني: السكون قد يكون ظاهراً وقد يكون مقدراً، إذا كان صحيح الآخر غير معتل الآخر، ولم يتصل به ضمير تثنية، ولا ضمير جمع، ولا ضمير المؤنثة المخاطبة، يعني: ليس من الأمثلة الخمسة، اضرب يا زيد، نقول: هذا يبنى على السكون؛ لأنه فعل أمر صحيح الآخر، يعني: لامه ليست حرفاً من أحرف العلة الثلاثة، اضرب: الباء ليست واوً ولا ياءً ولا ألفاً، حينئذٍ يبنى على السكون، وهذا السكون هنا ظاهر: ((قُمِ اللَّيْلَ)) [المزمل:٢] قمٍ، نقول: هذا فعل أمر أو لا؟ فعل أمر، مبني على السكون، لماذا بني على السكون؟ لأنه صحيح الآخر، يعني: لامه ليست واوً ولا ياءً ولا ألفاً، فحينئذٍ يبنى على السكون، وليس من الأمثلة الخمسة.
وأين السكون؟ مقدر، ((قُمِ اللَّيْلَ)) [المزمل:٢] قم: هذا فعل أمر مبني على السكون المقدر، منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة التخلص من التقاء الساكنين، وهذه الحركة ليست أصلية، والحركة العارضة كاسمها عارضة، لا اعتبار لها، إذ لو كان لها اعتبار لرجعت الواو التي حذفت للتخلص من التقاء الساكنين، قم: أصله قوم، واو ساكنة وميم ساكنة، التقى الساكنان حينئذٍ لا يحرك الأول بالكسر، لماذا؟ لأن الواو ثقيل، تعين الطريق الثاني وهو حذفه؛ لوجود الدليل عليه وهو ضمة قبله، قُم حينئذٍ لما حركت الميم وهي ساكنة في الأصل، ومن أجلها حذفت الواو .. لما حركت بحركة عارضة لم ترجع الواو، فدل على أنها ليست هي الأصل، وأن السكون الذي حذف من أجله الواو معتبر لكنه من جهة التقدير لا من جهة اللفظ.
إذاً: يبنى على السكون ظاهراً أو مقدراً .. ظاهراً في نحو: اضرب يا زيد، ومقدراً في نحو: قم الليل، متى؟ إذا كان صحيح الآخر، ولم يكن من الأمثلة الخمسة، لم يتصل به ضمير تثنية، ولا ضمير جمع، ولا ضمير المؤنثة المخاطبة، أو اتصلت به نون الإناث، يعني: يبنى على السكون إذا اتصلت به نون الإناث: ((وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ)) [الأحزاب:٣٣] أقمن ما إعرابه؟ .. لاتصاله بنون الإناث: ((وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ)) [الأحزاب:٣٣] هذه كلها أفعال أمر، أطعن: هذا فعل أمر مبني على السكون، لماذا بني؟ أجيبوا .. لاتصاله بنون التوكيد .. بنون الإناث، أولاً: لماذا بني؟ نقول: لا يسأل عن الفعل المبني، لماذا بني؟ لأنه جاء عن الأصل، لم بني السكون هنا؟ لاتصاله بنون الإناث، ونون الإناث حرف أم اسم؟ ما الدليل؟ وَمُسْنَدٍ لِلاِسْمِ تَمْيِيزٌ حَصَلْ.
ومسندٍ: إذاً أسند إليها، فدل على أنها اسم فهي فاعل، إذاً: أقمن الصلاة .. أطعن الله، نقول: هذا فعل أمر اتصلت به نون الإناث فيبنى على السكون.
стр. 188
والمدغم بفك إدغامه عند اتصاله بالنون، امدُدْنَ .. مَدَّ هذا مشدد مدغم، إذا اتصل به نون الإناث فك الإدغام، فصار: امددن، وهذا فيه تفصيل طويل، اضرب يا رجل .. قم الليل .. مد .. اضربن يا هندات وارمين، مد، ما إعرابه، كيف يعرب مدَّ؟ مد الحبل يا زيد، أمر أو لا، مدَّ، أمر .. أولا هو أمر أو لا؟ أمر ما هو الدليل؟ دل على الطلب ويقبل ياء افعلي، مدي يا هند .. مد يا زيد .. مدي، إذاً: قبل يا الفاعلة، إعرابه كيف مُدَّ؟ فعل أمر مبني على السكون، أين السكون؟ مُدَّ: فعل أمر مبني على السكون المقدر، منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة التخلص من التقاء الساكنين.
كيف التقاء الساكنين وهو فتحة؟! يجوز أن يقال: مُدُوا .. مُدي .. مُدَّ، في التحريك: مدوا على الإتباع، والسكون مقدر، مُدَّ: للتخلص من التقاء الساكنين، لكنه طلباً للخفة؛ لأن الأصل الفعل أنه لا يدخله كسر، مُدِّي: هذا أضعفها بالكسر على الأصل في التخلص من التقاء الساكنين، ففيه ثلاث لغات: أشهرها وأحسنها: مُدَّ، ثم مُدُّوا، ثم مُدِّي، ومُدُّوا: الدال مضمومة هنا للإتباع التي ذكرها اليوم، حركة الإتباع، فتقول: مدوا فعل أمر مبني على سكون مقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة الإتباع، مدي: فعل أمر مبني على السكون المقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة التخلص من التقاء الساكنين وهي الكسرة على الأصل، مَدَّ: نفسه لكنها فتحاً.
إذاً: هذا الحالة الأولى: أنه يبنى على السكون ظاهراً أو مقدراً إذا كان صحيح الآخر، ولم يكن من الأفعال الخمسة.
الثاني: يبنى على الفتح، فتح آخره إذا اتصلت به نون التوكيد الثقيلة أو الخفيفة: اضْرِبَنّ .. اضْرِبْنَ، اضْرِبَن .. اضْرِبَن، ليس اضْرِبْنَ، اضْرِبَن يا زيدُ: هذه نون التوكيد الخفيفة، اضرِبَ .. اضرِبَن .. اضرِب: هذا فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، اضْرِبَنَّ، اضرب: تقول: هذا فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة.
الثالث: يبنى على حذف حرف العلة، إذا كان آخره معتلاً، يعني: واو أو ياء أو ألف، يدعوا تقول: ادع، كما ذكرناه سابقاً، يخشى اخش، يرمي ارم، بشرط ألا يتصل به ألف الاثنين أو واو الجماعة، أو ضمير المؤنثة المخاطبة، أو نون الإناث، أو نوني التوكيد، لا يتصل به هذا ولا ذاك؛ لأنه إذا اتصل به ضمير تثنية أو واو جماعة أو ضمير المؤنثة المخاطبة حينئذٍ بني على حذف النون وهو الحالة الرابعة: أنه يبنى على حذف النون، متى؟ إذا اتصل به ألف اثنين أو واو جماعة، أو ياء المؤنثة المخاطبة، اضرِبَانِِّ يا زيد .. هنا فعل أمر اتصل به نون التوكيد الثقيلة، فبني على حذف النون؛ لأن الألف هذه ألف تثنية، يعني: فاعل، مثل يضربان، هنا نقول: فعل الأمر مبني على ما يجزم به مضارعه، الأفعال الخمسة أوالأمثلة الخمسة تجزم بحذف نونها، حينئذٍ إذا اتصل ألف الاثنين بفعل الأمر نقول: بني على حذف النون، اضربا .. اضربا، اضربوا، اضربي، نقول: هذا مبني على حذف النون، إذاً: قاعدة هنا أن الفعل فعل الأمر يبنى على واحد من أربعة:
إما على السكون، وإما على الفتح، وإما على حذف حرف العلة، وإما على حذف النون.
стр. 189
وَفِعْلُ أَمْرٍ وَمُضِيٍّ بُنِيَا .. مضيٍ: هذا اتفق على بنائه وأنه مبني، والأصل فيه ماذا؟ الأصل فيه البناء، ومتى يبنى؟ نقول: يبنى على الفتح أو الضم أو السكون، وهو الذي ذهب إليه هنا من؟ ابن عقيل.
ما اتفق على بنائه وهو الماضي، وهو مبني على الفتح نحو: ضرب، وانطلق، ما لم يتصل به واو جمع فيضم، أو ضمير رفع متحرك فيسكن، وهذا مذهب الجمهور: أن الفعل الماضي له ثلاثة أحوال: يبنى على الفتح ظاهراً أو مقدراً، ويبنى على الضم، ويبنى على السكون.
يبنى على الفتح: إذا لم يتصل بآخره شيء، نحو: ضرب وعصى، ضرب: فعل ماضي، ضرب زيد: ضرب فعل ماضي مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، لم بني؟ لا يسأل عنه؛ لأنه جاء على الأصل، لماذا بني على الفتح، أو لماذا حرك؟ نقول: لأنه أشبه المضارع كما سيأتي، لم كانت عين الحركة فتحة؟ طلباً للخفة.
إذاً: هذه الحالة الأولى: أنه يبنى على الفتح، وذلك إذا لم يتصل به شيء، سواء كان هذا الفتح ظاهراً أو مقدراً، ظاهراً نحو: ضرب، ومقدراً، نحو: عصى .. ((وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ)) [طه:١٢١].
أو اتصل به تاء التأنيث الساكنة، ضربت هندٌ، ضرب: فعل ماضي مبني على الفتح، واتصلت به تاء التأنيث الساكنة، إذاً: لم تخرجه عن الأصل، أو اتصلت به ألف الاثنين نحو: ضربا الزيدان .. الزيدان ضربا، ضربا: هذا فعل ماضي مبني على الفتح، والألف هذه ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل، إذاً: اتصل الفعل الماضي بألف الاثنين وبقي على أصله، إذاً: الحالة الأولى يبنى على الفتح ظاهراً أو مقدراً سواء اتصلت به تاء التأنيث أو ألف الاثنين لا يخرجه عن أصله.
الحال الثانية: أنه يبنى على السكون إذا اتصل به ضمير رفع متحرك، هي التي عناها بقوله: ما لم يتصل به واو جمع فيضم، إذاً: يبنى على السكون إذا اتصل به ضمير رفع متحرك، ضمير: هذا احترازاً من الاسم الظاهر: ضرب زيدٌ، فإنه يكون مبنياً على الفتح، ضمير رفع: احترازاً من ضمير نصب، نحو: أكرمنا، فهو مبني على الفتح على الأصل، وبالمتحرك احترازاً عن الساكن، ما عدى الواو: ضربنا، إذاً: ضمير رفع متحرك، خرج بالضمير الاسم الظاهر، وبالمتحرك الساكن، ما عدى الواو نحو: ضربا .. هذا ضمير ساكن الألف، أليس كذلك؟ يكون مبنياً معه على الفتح.
يبنى على السكون إذا اتصل به ضمير رفع متحرك، إذا وجدت فيه هذه القيود الثلاثة حينئذٍ بني على السكون، مثل ماذا؟ التاء، ونا، ونون الإناث ثلاثة، ضربت .. قمت .. ضربنا .. النسوة، قمن، هذه كلها الثلاثة مبنية على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك، واضح هذا؟
الحالة الثالثة: أنه يبنى على الضم، متى؟ إذا اتصل به ضمير جمع، وهو واو الجماعة، ضربوا .. قاموا، قالوا هذا مبني على الضم، لماذا؟ لأن الواو لا يناسبها ما قبلها إلا أن يكون مضموماً، إذاً: هذا حال، هذا قول الجمهور: التفصيل في حال الفعل الماضي، يبنى على الفتح، ويبنى على السكون، ويبنى على الضم.
стр. 190
المذهب الثاني: أن يبنى على الفتح والسكون فقط لا على الضم، وهذا رجحه ابن هشام في: أوضح المسالك، يعني: نفس المذهب السابق إلا أنه أسقط البناء على الضم، وجعل الفتحة فيه مقدرة، قاموا: فعل ماضي مبني على الفتح المقدر، منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة المناسبة.
إذاً، المذهب الثاني: أن الماضي يبنى على الفتح والسكون، ونحو ضربوا الفتح مقدر.
المذهب الثالث: يبنى على الفتح في جميع الأحوال مطلقاً سواء اتصل به ضمير رفع متحرك أو اتصل به واو الجماعة أو لا، يبنى على الفتح مطلقاً، وهذا هو الأرجح والأصح.
أما نحو: ضرَبْتُ، فنقول: هذا مبني على فتح مقدر؛ لأن هذا السكون عارض، الأصل: ضرَبَتٌ بتحرك الباء بالفتح على الأصل، ضرَبَ: فعل ماضي اتصل ضمير رفع، قيل: ضرَبَتُ، حينئذٍ من قاعدة العرب: أنه لا يوجد في كلمة واحدة، أربع متحركات متوالية، دفعاً لهذا التوالي سكن آخر الفعل، فحينئذٍ هذا السكون ليس سكون بناء، وإنما هو سكون عارض، فإذا علمت العلة من وجود هذا السكون رجعنا إلى الأصل في إعراب الفعل الماضي عند التجرد، يعني: قبل اتصال تاء الفاعل، فضرَبْتُ نقول: أصله ضرَبَتُ سكنت الباء دفعاً لتوالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة، حينئذٍ بقي على أصله، فنقول: ضرب، فعل ماضي مبني على الفتح المقدر، منع من ظهوره اشتغال المحل بسكون دفع توالي أربع متحركات، فيما هو كالكلمة الواحدة.
وأما: قاموُا، فهذا واضح بين أن هذه الضمة إنما جيء بها لأجل مناسبة الواو؛ لأن الواو لا يناسبها ما قبلها إلا أن يكون مضموماً، إذاً نقول: الفعل الماضي الصحيح أنه مبني على الفتح مطلقاً سواء اتصل به ضمير رفع متحرك، أو اتصل به واو الجماعة، وأما مذهب الجمهور فهذا فيه نظر.
وَفِعْلُ أَمْرٍ وَمُضِيٍّ بُنِيَا ... وَأعْرَبُوا مُضَارِعاً إنْ عَرِيَا
هذا شروع في الفعل المضارع، أعربوا، من الذي أعرب، العرب أو النحاة؟ يحتمل ويحتمل؟ يحتمل أعربوا .. العرب أو النحاة، يحتمل هذا وذاك، وأعربوا، أي: العرب نطقوا بالمضارع معرباً، أو النحاة حكموا للفعل المضارع بالإعراب، واضح؟ يحتمل هذا ويحتمل ذاك.
وَأعْرَبُوا مُضَارِعاً إنْ عَرِيَا: وأعربوا، أي: العرب بمعنى: نطقوا به معرباً، أو النحاة بمعنى: حكموا بإعرابه، أعربوا مضارعاً، يعني: فعلاً مضارعاً على خلاف الأصل؛ لأن الأصل فيه أن يكون مبنياً، هذا الأصل في الفعل المضارع، ولكن لكونه أشبه الاسم أخذ حكمه، أشبه الاسم في وجه شبه سيأتي، لوجود هذا الشبه قالوا: أخذ حكم الاسم وهو الإعراب، ما وجه الشبه؟ فيه قولان:
القول الأول وهو المرجح: أن الفعل المضارع تتوارد عليه معانٍ مختلفة، وهذه معانٍ تركيبية يعني: إنما توجد بعد تركيبه، لا يتميز وتتميز هذه المعاني المختلفة إلا بالإعراب، لما وجدت فيه علة إعراب الاسم وهي توارد المعاني المختلفة، حينئذٍ ألحق الفعل المضارع بالاسم فأخذ حكمه وهو الإعراب، قلنا: ما أحسنَ زيداً .. ما أحسنُ زيدٍ .. ما أحسنَ زيدٌ، هذه ثلاثة أحوال.
стр. 191
قال: ومثلها في المثل المشهور: لا تأكلِ السمكَ وتشربَ اللبن، قالوا: تشربَ .. تشربُ .. تشربِ، هذا يحتمل كم معنى؟ ثلاث، لا تأكل السمك، هذا واحد، لا: ناهية، وتأكل: هذا فعل مضارع مجزوم بلا، وجزمه سكون مقدر على آخره، هذا ثابت: لا تأكل السمك، هذا مفروغ منه، بقي: وتشربَ اللبن، وتشرب: هذا يجوز فيه من حيث الإعراب ثلاثة معاني، وتشربَ .. وتشربِ .. وتشربُ، أما: وتشربِ اللبنَ، فهذا عطفاً على مدخول لا الناهية، حينئذٍ يكون مجزوماً، وحرك بالكسر للتخلص من التقاء ساكنين.
المعنى على هذا: لا تأكل السمك، ولا تشرب اللبن، منهي عن هذا وذاك، سواء جمعت بينهما أو أفردت أحدهما عن الآخر، فأنت منهي عنه، هذا في حالة الجزم، وتشربِ، وتشربَ: على جعل الواو واو المعية، وتشربَ: فعل مضارع منصوب بأن مضمرةً وجوباً بعد الواو، المعنى على هذا: لا تأكل السمك مع شربك، إذاً: لا تجمع ولك أن تفرد، يعني: لا تأكل السمك مع شربك اللبن، فإن أكلت السمك وحده دون شرب للبن لا بأس، وإن عكست فلا بأس.
لا تأكل السمك وتشربُ .. بالرفع، يعني: ولك شرب اللبن، الثاني مباح، لا تأكل السمك منهي عنه، وتشربُ، نقول: هذا على الإباحة، إذاً: هذه معانٍ مختلفة تركيبية على صيغة واحدة، الفعل واحد المثال واحد، ما الذي ميز هذه المعاني من حيث النهي والجمع والإفراد؟ هو الإعراب.
إذاً: وجدت فيه علة إعراب الأسماء، فانتقل الحكم حكم الإعراب من الأسماء إلى الفعل، لكنه لم يجعل أصلاً فيه كما جعل أصلاً في الأسماء؛ لأن هذه المعاني يمكن تمييزها بغير الفعل، لا تأكلِ السمكَ، ولك شربُ .. حذفنا الفعل، لا تأكلِ السمكَ شارباً اللبن، جئنا بالحال نصاً، لا تأكلِ السمكَ ولا تشرب، جئنا بالحرف على أصله، لما أمكن أن نفر عن اللبس والاختلاف في فهم المعنى التصريح بالاسم أو بلا الناهية عن الإعراب، صار الإعراب فرعاً في الفعل المضارع دون ماذا؟ صار الإعراب فرعاً في الفعل المضارع ولم يكن أصلاً.
إذاً: وأعربوا مضارعاً، لماذا أعرب الفعل المضارع مع كون الأصل فيه أنه مبني؟ نقول: لكونه أشبه الاسم، أشبه الاسم في ماذا؟ في توارد المعاني المختلفة عليه، هذه العلة هي الصحيحة وهي التي نكتفي بها.
لكن إعرابه مطلقاً؟ قال: لا، إنْ عَرِيَا .. مِنْ نُونِ تَوْكِيدٍ مُبَاشِرٍ وَمِنْ .. نُونِ إنَاثٍ، يعني: كأنه قال لك: وأعربوا مضارعاً لا مطلقاً، بل إن عري من نون توكيد، وعري هنا، بمعنى: خلا، وعري من باب رضي، بمعنى: خلا، ويأتي من باب قعد بمعنى آخر، إن خلا الفعل المضارع من نون توكيد مباشرٍ ولو تقديراً.
وإن عرى من نون إناث، إذاً: شرط إعراب الفعل المضارع أن يكون خالياً، يعني: لم يتصل به لا نون التوكيد الثقيلة أو الخفيفة المباشرة ولا نون الإناث، فإن لم يعرَ فحينئذٍ رجع إلى أصله وهو البناء، هذا مأخوذ من مفهوم المخالفة.
стр. 192
وأعربوا، هذا ليس على إطلاقه بل قيده بحرف الشرط: إن عري .. يعني: إن خلا من النونين، فإن لم يخل من النونين حينئذٍ الحكم وهو الإعراب منتف، لماذا؟ لأنه قيد الإعراب بشرط، وإذا كان كذلك وحينئذٍ يزول المشروط بزوال الشرط وهو الإعراب، فإن لم يتصل .. فإن اتصل به نون التوكيد ونون الإناث حينئذٍ رجع إلى أصله وهو البناء.
وأعربوا مضارعاً .. على خلاف الأصل، وإلا مطلقاً، بل إن عري .. قلنا: عري بكسر الراء ماضي يعرى، كرضي يرضى، أي: خلا، وأما عرى يعروا كعلا يعلو فبمعنى: عرض، عَرِيَا .. مِنْ نُونِ تَوْكِيدٍ مُبَاشِرٍ، ولو تقديراً كما سيأتي، وإن عري من نون إناث، يعني: نون موضوعة للإناث، وإن استعملت مجازاً في الذكور.
ولذلك ابن مالك في هذه الألفية باستقراء أنه لا يعبر بنون النسوة، وإنما يقول: نون الإناث، لماذا؟ لأنها قد تستعمل في غير النسوة، النسوة عقلاء .. عاقلات، حينئذٍ إذا استعملت النون في غير النسوة ويقال: هي نون النسوة هذا محل إشكال، فإذا استعملت في غير نون النسوة حينئذٍ لا تسمى بهذه، لذلك نقول: لم يقل: نون النسوة لأنها تشمل العاقل ولغير العاقل، الناقة، أو النوق يسرحن، يسرحن: هذا فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون الإناث.
إذاً: نون الإناث التعبير بها أولى من التعبير بنون النسوة، كَيَرُعْنَ مَنْ فُتِنْ، هذا مثال لأي شيء، للمعرب أو للمبني؟ يَرُعْنَ، كقولك: يَرُعْنَ .. يَرُعْنَ: هذا مضارع راع بمعنى: أفزع، يَرُعْنَ النسوة .. يَرُعْنَ: هذا فعل مضارع مبني، على السكون لاتصاله بنون الإناث، من فتن، ونون الإناث ضمير متصل مبني على الفتح في محل رفع فاعل، مَنْ فُتِنَ، يعني: مَنْ فُتِنَ بِهنَّ، وحينئذٍ هذا مثال للمبني لا للمعرب.
إذاً: الفعل المضارع نقول: له حالان: حال إعراب، وحال بناء، حال إعرابه له ثلاثة أحوال:
إما أن يكون مرفوعاً، وإما أن يكون منصوباً، وإما أن يكون مجزوماً، وهذه كلها سيفرد لها المصنف أبواب .. المرفوع سيذكره في بيت، ثم يذكر باباً للمنصوبات أو الفعل المضارع المنصوب والنواصب، وكذلك الجوازم، وهنا ذكر المبني.
.......................
مِنْ نُونِ تَوْكِيدٍ مُبَاشِرٍ وَمِنْ ... وَأعْرَبُوا مُضَارِعاً إنْ عَرِيَا
نُونِ إنَاثٍ ..............................
قال ابن عقيل هنا: والمعرب من الأفعال هو المضارع، ولا يعرب إلا إذا لم تتصل به نون التوكيد أو نون الإناث، فهو شرط عدمي، يعني: عدم اتصال هذين اللفظين بالفعل المضارع هو المسوغ لإعرابه، فإن وجد هذا الشرط المنفي، يعني: من جهة الوجود حينئذٍ انتفى الإعراب ورجع إلى الأصل.
مثال نون التوكيد المباشرة: هل تَضْرِبَنَّ .. تَضْرِبَنَّ: هذا فعل مضارع مبني على الفتح، لماذا بني، هل نسأل: لماذا بني؟ بل نسأل؛ لأن الفعل المضارع لما صار معرباً في أكثر أحواله صار الإعراب فيه كالأصل والبناء كالفرع، فإذا بني حينئذٍ نحتاج إلى سؤال: لم بني الفعل المضارع في هذا؟ سيأتينا، هل تَضْرِبَنَّ؟ إذا اتصلت نون التوكيد الثقيلة بالفعل المضارع وبني معها على الفتح، والفعل معها مبني على الفتح، ولا فرق في ذلك بين الخفيفة والثقيلة، فإن لم تتصل به لم يبنَ.
стр. 193
ابن عقيل هنا شرح ماذا؟ شرح المبني ولم يشرح المعرب، مع كونه نص ابن مالك على قوله: وَأعْرَبُوا مُضَارِعاً؛ لأن إعرابه واضح بين لا يحتاج إلى تفصيل، فإعرابه إما أن يكون رفعاً وهذا إذا تجرد عن الناصب والجازم، وإما أن يكون نصباً وهذا يستلزم العلم بالمنصوبات، يعني: أدوات النصب، وإما أن يكون مجزوماً، وهذا يستلزم العلم بأدوات الجزم، وهذه إحالة على ما سيأتي، وإنما الذي يعنيه الناظم هنا: هو البناء فحسب، وأما الإعراب فسيأتي ذكره.
إذاً: إذا اتصلت نون التوكيد الثقيلة أو الخفيفة بالفعل المضارع وكانت مباشرةً له حينئذٍ بني معها على الفتح، إن لم تتصل به، بمعنى أنها لم تباشره، ولذلك قيد ابن مالك هنا، قيد بماذا؟ من نون توكيدٍ مباشرٍ، بمعنى: أنها اتصلت بالفعل ولم يفصل بينهما فاصل، وهل يتصور أن تكون نون التوكيد الثقيلة مع الفعل المضارع وبينهما فاصل؟ نقول: نعم، هذا يتصور، فإن وجد الفاصل لفظاً أو تقديراً حينئذٍ رجع الفعل إلى أصله وهو الإعراب، إذاً: ليس كلما رأيت نون التوكيد الثقيلة بجوار الفعل المضارع فهو مبني، بل لا بد أن نعرف: هل هذه النون مباشرةً للفعل أم لا؟ فإن باشرته بمعنى: أنه لم يفصل بين الفعل والنون فاصل، فحينئذٍ هو مبني، فإن فصل بينهما فاصل فحينئذٍ نقول: هو معرب، فإن لم تتصل به لم يبن، وذلك كما إذا فصل بينه، يعني: بين الفعل وبين النون فاصل ملفوظ به كألف الاثنين.
لو قلت: هل تضربانِّ؟ أصلها ماذا؟ انظروا إلى ابن عقيل: هذه لا ينطق بها، هل تضربان، هذا أكد فعل مضارع أسند إلى ألف الاثنين، فاعله ألف الاثنين، حينئذٍ هذه النون ليست متصلة .. ليست مباشرةً بالفعل المضارع، لماذا؟ لوجود الفاصل الملفوظ به وهو ألف الاثنين، فانتفى أن يركب بين نون التوكيد والفعل، لماذا؟ لأن العرب لا تركب ثلاثة أشياء، لأنه هناك اغتفر .. ((لَيُنْبَذَنَّ)) [الهمزة:٤] لكون الفعل ركب مع نون التوكيد تركيب خمسة عشر؛ لأن العرب تركب بين شيئين، وأما ثلاثة أشياء فلا، فلذلك امتنع بناؤه.
هل تضربانِّ، ما أصله؟ هل تضرباننن .. النون الأولى: نون الرفع، والنونان الأخريان نون التوكيد، هذه كم نون؟ ثلاث نونات، نون الرفع ونون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد الثقيلة عبارة عن نونين: الأولى الساكنة وهي المدغمة في الثانية المتحركة، إذاً: ثلاث نونات، العرب تكره توالي الأمثال، وإذا كانت زائدة هذا أعظم وأعظم.
стр. 194
فحينئذٍ دفعاً لكراهة توالي الأمثال حذفت نون الرفع، فصار ماذا؟ تضربانَ، بالفتح على الأصل، ثم كسرت نون التوكيد بعد ألف الاثنين تشبيهاً لها بنون المثنى مسلمان، إذاً: هل اتصلت النون هنا بالفعل؟ الجواب: لا، فإذا لم تتصل بالفعل حينئذٍ انتفى شرط بنائه؛ لأن شرط بناء الفعل المضارع مع نون التوكيد أن تكون مباشرة، بمعنى: أنه لا يفصل بينهما فاصل، وهنا قد فصل بينهما فاصل، وهو ألف الاثنين، إذاً أصله: هل تضربان .. تضربان، لا ينطق به، ثم بعد ذلك جاءت نون التوكيد، فاجتمعت ثلاث نونات، فحذفت الأولى وهي نون الرفع كراهة توالي الأمثال، أي: الممنوع وذلك إذا كانت كلها زائدة فصار هل تضربانِّ، ولم تحذف الألف مع كون الألف ساكنة، والنون الأولى ساكنة، التقى ساكنان هنا: الألف والنون، لم تحذف الألف لماذا؟
قالوا: لئلا يلتبس بفعل الواحد، لو حذفت الألف لقيل: هل تضرِبَنّ على الأصل، كسرت النون من أجل وجود الألف، فإذا حذفت رجعت إلى أصلها بالفتح، فحينئذٍ هل تضربن، هل هذا مثنى أو مفرد؟ هذا ملتبس، متى هذا؟ إذا حذفنا الألف، ولكن نبقيها دفعاً لهذا اللبس، إذا نحذف نون الرفع ولا نحذف نون التوكيد، لماذا؟ نقول: لم تحذف نون التوكيد لماذا؟ لفوات المقصود منها بحذفها، أليس كذلك؟ نون الرفع حرف معنى أو لا؟ حرف معنى لا شك؛ لأنه يدل على الفاعلية .. يدل على أنه مرفوع، ونون التوكيد كذلك حرف معنى.
أيهما يتضرر الفعل بفواته: حذف نون الرفع، أو نون التوكيد؟ لو حذفت نون التوكيد لما صار الفعل مؤكداً .. لو عكسنا وحذفنا نون الرفع هل يتضرر الفعل؟ نقول: لا، بدليل أنه لم يسبقه ناصب ولا جازم، فدل على أن هذا الفعل مرفوع، نعلم من يقرأ: هل تضربان، يعرف أن هذا الفعل مرفوع، أين النون؟ محذوفة، هل وجد ناصب؟ لا، هل وجد جازم؟ لا، إذاً: حذفت دفعاً لتوالي، أو كراهة توالي الأمثال.
إذاً: ولم تحذف نون التوكيد لفوات المقصود منها بحذفها، أي: لعدم ما يدل عليها، بخلاف نون الرفع فإنها وإن أتي بها لمعنىً مقصود لكن لا يفوت بحذفها، لوجود الدليل عليها وهو أن الفعل معرب لم يدخل عليه ناصبٌ ولا جازمٌ للعلم حينئذٍ بأن نون الرفع مقدرة.
وكذلك يعرب الفعل المضارع إذا فصل بينه وبين نون التوكيد فاصل مقدر كواو الجمع، أو ياء المخاطبة.
стр. 195
إذاً: إذا أردنا الضابط في هذا نقول: إذا أسند الفعل إلى الواحد فالنون مباشرة، وإذا أسند إلى ألف الاثنين، أو واو الجماعة، أو يا المخاطبة، فالنون نون التوكيد غير مباشرة، هذه خلاصة الأمر: إذا أسند إلى الواحد: ((لَيُنْبَذَنَّ)) [الهمزة:٤] الفاعل واحد، حينئذٍ نقول: هذه النون مباشرة، فالفعل مبني معها على الفتح؛ لكونه مركباً تركيب خمسة عشر، وإذا فصل بينهما فاصل، ألف اثنين، أو واو جماعة، أو ياء المؤنثة المخاطبة حكمنا عليه بأنه معرب لانتفاء شرط وهو كون هذه النون غير مباشرة، إذا فصل بينه وبين نون التوكيد فاصل واو الجمع، هل تَضرِبُنّ يا زيدون، هل تَضرِبِنّ يا هندُ؟ أصل: تَضرِبُنّ تَضرِبُونَنَّ .. تضربون ثم نون التوكيد، حذفت النون نون الرفع كراهة توالي الأمثال، تضربون النون، حذفت لكراهة توالي الأمثال، ماذا حصل؟ التقى ساكنان، الواو ساكنة والنون الأولى ساكنة، هل يمكن تحريك الأول؟ الجواب: لا، ماذا حصل؟ حذفت، ما المجوز لحذفه كونه حرف علة ووجود دليل يدل عليه، هل تضربُن الباء هذه مضمومة لمناسبة الواو المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين، هل هذا الفعل مبني أو معرب؟ تضربُن اتصلت به نون التوكيد الثقيلة، هل هذا الفعل المضارع معرب أو مبني؟ نقول: معرب، لماذا أعرب، وقد اتصلت به نون التوكيد الثقيلة؟
نقول: شرط بنائه باتصال نون التوكيد أن تكون مباشرة، ألا يفصل بينها وبين الفعل فاصل، وقد فصل هنا، وإن كان فاصلاً مقدراً وهو الواو المحذوفة؛ لأن المحذوف لعلة تصريفية كالثابت، وهنا قد حذفت الواو لعلة تصريفية، وهي التخلص من التقاء الساكنين، هل تضربُنّ؟ نقول: هل حرف استفهام، تضربُنّ فعل مضارع مرفوع، بثبوت النون المحذوفة دفعاً لتوالي الأمثال، الفاعل ضمير مستتر تقديره .. هيا، أين الفاعل، تضربُنّ أين الفاعل .. أين الواو؟ إذاً: والفاعل هو الواو المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين، أو تقول: والواو ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل، وحذف للتخلص من التقاء الساكنين، قدم هذا أو ذاك لا إشكال.
إذاً نقول: الفاعل هنا ليس ضميراً مستتراً وإنما هو: لينبذنَّ، نقول: الفاعل أين هو؟ ضمير مستتر، وأما مع الواو فنقول: الواو هي الفاعل، هل تضرِبِنّ يا هند، يقال فيها ما قيل في السابق: تضربينن حذفت النون لدفع توالي الأمثال، ثم التقى ساكنان الياء النون الأولى فحذفت الياء، تضرِبِنّ وإعرابه كما سبق.
وهذا هو المراد بقوله:
.......................
مِنْ نُونِ تَوْكِيدٍ مُبَاشِرٍ ... وَأعْرَبُوا مُضَارِعاً إنْ ..............................
فإن لم تكن النون مباشرةً بأن فصل بينهما فاصل ألف اثنين، أو واو جماعة، أو ياء المؤنثة المخاطبة، حينئذٍ حكمنا عليه بأنه معرب على الأصل.
وذهب الأخفش: إلى أنه مبني مع نون التوكيد مطلقاً، ونقل عن بعضهم أنه معرب مطلقاً، إذاً: فيه ثلاثة أقوال يأتينا إن شاء الله.
стр. 196
الثاني من حالتي بناء الفعل المضارع: أن يتصل به نون الإناث، ونون الإناث ليست هي كنون التوكيد، نون التوكيد حرف، ونون الإناث اسم فاعل، إذا اتصلت بالفعل المضارع حينئذٍ بني معها على السكون: ((وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ)) [البقرة:٢٣٣] يرضعن: هذا فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون الإناث.
إذاً قوله: وَأعْرَبُوا مُضَارِعاً أراد به أن يبين أن الفعل المضارع معرب، لكن بشرط عدمي، وهو ألا تتصل به نون التوكيد الثقيلة أو الخفيفة بشرط أن تكون مباشرة، فإن لم تكن فهو معرب على الأصل، وألا تتصل به نون الإناث، فإن اتصلت به إحدى النونين فهو مبني، وسيأتي التفصيل فيه إن شاء الله تعالى.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ...
стр. 197
عناصر الدرس
* الأصل في الحروف البناء
* الأصل في البناء وفروعه (الأصل) ـ (القاب البناء) ـ
* ألقاب الإعراب ومايختص به كل لقب
* علامة الإعراب الأصلية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
- هذا يقول: وجدت كتاب: موصل الطلاب إلى قواعد الإعراب .. هل هو المقصود بتمرين الطلاب؟
هو؟ ها نجيب: موصل الطلاب إلى قواعد الإعراب، هل هو تمرين الطلاب؟ هذه من كتب المبتدئين، يعني: لا بد أنها تكون معروفة، هو؟
- لا، موصل الطلاب هذا شرح قواعد الإعراب لابن هشام رحمه الله تعالى، ليس هو، لكنه مفيد جداً.
- هذا يقول: ما الأصل في الفعل المضارع؛ لأنك ذكرت بالأمس ولم يجعل الإعراب أصلاً له لكونه يتميز بغير الإعراب، فصار الإعراب فرعاً، ثم ذكرت آخر الدرس لما صار المضارع في أكثر أحواله معرباً صار الإعراب أصلاً له.
- كالأصل .. ليس أصلاً كالأصل، إن كنت قلتها فهو سبق، لكن بعضهم يصرح، الصبان صرح أنه صار أصلاً له، ولا بأس.
- ذكرتم أن الحركات سبعة أنواع: الإعراب .. البناء .. البنية، ولم تذكروا حركة المناسبة.
- نعم صحيح، حركة المناسبة داخلة.
- ما مقصود المصنف -رحمه الله تعالى- بقوله: مِنْ نُونِ تَوْكِيدٍ مُبَاشِرٍ؟
- احترازاً من نون التوكيد غير المباشرة، وهي التي فصل بينها وبين الفعل فاصل ظاهر أو مقدر، وهذا فيما إذا كان الفعل أسند إلى الواو أو إلى الألف، أو الياء.
- إن كان واضع اللغة هو الله ، فهل يجوز أن نقول: إن الإشارة معنىً كان حقه أن يوضع له حرف فلم يوضع؟
- نعم، هذا الأولى تركه.
- ما الأصل في الفعل المضارع: الإعراب أم البناء؟
- ما الأصل؟ الفعل المضارع ما الأصل فيه؟ البناء.
- هل الياء في: مدني إشباع، أم هي لام الكلمة ثبتت لعدم وجود ما يستدعي حذفه؟
- لا، وجد ما يستدعي حذفه، مدنٍ مثل: قاضٍ، مدني هذا الأصل، نُوِّن: ونَوِّنِ المُنَكَّرَ المَنقُوصَا، حينئذٍ وجب حذف الياء للتخلص من التقاء الساكنين، لكن الخلاف إذا حذف التنوين في الوقف، هل ترجع أو لا؟ سيأتينا هذا.
- إذا كان الظرف متضمناً معنى في، والتمييز من، فلماذا لا يبنيان؟
- سيأتي معنى التضمن هناك.
- هل يقال في أل: الألف واللام، أم الهمزة واللام؟
- ذكرناه.
- نرجو أن يخصص أحد الدروس للمراجعة وطرح الأسئلة وإشكالات، وجزاكم الله خيراً.
- الوقت الآن ..
- يقول: لماذا لا نحمل كلام المصنف: وَكِلْمَةٌ بِهَا كَلاَمٌ قَدْ يُؤَمْ، أنه أراد بذلك أنه قد يقصد بالكلمة: الكلام لغةً.
- هو أراد بهذا طيب، ماذا أراد؟ وَكِلْمَةٌ بِهَا كَلاَمٌ قَدْ يُؤَمْ: أنه أراد بذلك قد يقصد بالكلمة الكلام لغةً، وهذا المراد.
-حتى نداوي به هذا الجرح الذي لا دواء له ..
- ما شاء الله تبارك الله ..
- ضمير رفع متحرك، لماذا قلنا: احترزنا من متحرك عن واو الجماعة؟
- لا، عن الساكن ما عدا واو الجماعة، أليس كذلك؟ عن الساكن الذي هو ألف الاثنين؛ لأننا نقول: يتصل بالفعل الماضي ضمير رفع متحرك، حينئذٍ يبنى على السكون، طيب! ضمير رفع متحرك، إذا قلت: ضربا، الألف هذه فاعل، ساكن .. ضمير رفع نعم لكنه ساكن، الفعل يكون معه مبنياً على الفتح لا على السكون، وأما مع الواو نقول: هو مبني على الضم، إذاً: احترزنا بقول: متحرك عن ساكنٍ ما عدى الواو.
- في المجزوم ونحوها، هل نقول مثلاً: في نحو لم يضرب مجزوم بالسكون، أم مجزوم بلم وجزمه السكون؟
стр. 198
- يتوسع في هذا، أصل الفعل المضارع مجزوم بلم، تبين العامل، وجزمه السكون، أو وعلامة جزمه السكون.
- هل نقول في: اذهبن أنه مبني على السكون لاتصاله بنون الإناث، أم لأنه الأصل في البناء السكون؟
- اذهبن، يعني: فعل أمر، هذا مبني على السكون؟ إذا اتصل به نون الإناث، هنا لا نعلل؛ لأنه جاء على الأصل.
- كيف يكون السكون والحذف من الإعراب الظاهر لا المقدر، من أن كل منهما عدم فسكون، والعدم حركة، والحذف عدم حركة .. ؟
- لذا قلنا: الظاهر المراد به .. ما المقصود بالظاهر .. أثر ظاهر أو مقدر، أثر ظاهر، يعني: ملفوظ؟ لا، ما نفسره بملفوظ، وإنما نفسره بموجود؛ لأن السكون موجود، والحذف كذلك موجود.
- كيف يكون العهد في التنوين مع أن المفترض أن السائل لا يعرف ما هو التنوين؟
- موقف.
- هل يحذف التنوين من زيد بن حارثة، وكيف يلفظ هذا الاسم؟
- زيِدُ بنُ حارِثَة.
- ما علامة اسمية: نزالِ ودراكِ؟
-نزالِ ودراكِ، ما علامة اسميتهما؟
- واَلأَمْرُ إنْ لَمْ يَكُ لِلنُّونِ مَحَلْ فِيهِ هُوَ اسْمٌ: نعم .. نعم هو هذا.
- أعربتم الياء في: مدني، بأنها زائدة، لم لا يقال: هي لام الكلمة، وإنما لم تحذف لعدم وجود المقتضي الذي هو التقاء الساكنين، وذلك لأن التنوين تحذف عند ..
- نعم، سيأتي هذا بحثه في المنقوص إذا وقف عليه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
سبق معنا أن المصنف رحمه الله تعالى شرع في بيان ما يتعلق بالفعل من كونه مبنياً، وقسم الفعل إلى ثلاثة أقسام، فعلٌ ماضٍ، وفعلٌ أمر، وفعلٌ مضارع، وذكرنا أن الأصل في الأفعال هو البناء، والأصل في الأسماء الإعراب، ولما كانت الأقسام ثلاثية، ومنه ما هو متفق عليه، ومنه ما هو مختلف فيه، المتفق عليه هو إعراب الفعل المضارع بشرطه، وبناء الفعل الماضي، وأما فعل الأمر فهو مختلف فيه مبني عند البصريين، ومعرب عند الكوفيين:
وَفِعْلُ أَمْرٍ وَمُضِيٍّ بُنِيَا .. وأطلق البناء ولم يبينه، وعرفنا أن فعل الأمر له أربعة أحوال، وأن الفعل الماضي له فيه ثلاثة مذاهب من حيث البناء وتفصيل البناء، يعني: يبنى على أي شيء، ومذهب الجمهور أنه يبنى على الفتح إذا لم يتصل به شيء، وإذا اتصل به ضمير رفع متحرك بني على السكون، وإذا اتصل به ضمير الجمع أو واو الجماعة، بني على الضم، والصواب: أنه يبنى على الفتح مطلقاً، سواء اتصل به ما يقتضي سكونه، أو ما يقتضي بنائه؛ لأن كل من السكون والبناء على الضم عارض، وإذا كان كذلك حينئذٍ نرجع إلى الأصل، والصواب: أن يقال أن الفعل الماضي مبني على الفتح مطلقاً، حينئذٍ ضربت تقول: فعل ماضي مبني على الفتح المقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بسكون دفع توالي أربعٍ متحركاتٍ فيما هو كالكلمة الواحدة.
стр. 199
وعند ابن مالك رحمه الله تعالى: أن العلة غير هذه العلة، وهي: التمييز بين فاعل والمفعول في نا، نا الدالة على الفاعلين، ونا الدالة على المفعولين، أكرَمْنا .. أكرَمَنا، كل منهما في اللفظ واحد، لكن أكرَمْنا نا هذه فاعل في محل رفع فاعل، أكرَمَنا، نا هنا في محل نصب مفعول به، الذي يميز هذا عن ذاك هو السكون، وإلا الأصل: أكرَمَنا في الموضعين، هذا الأصل.
حينئذٍ سُكِّنَ الفعل المتصل بنا الدالة على الفاعلين ليتميز أن هذا الفعل مسند إلى الفاعل، وأن الذي فيه الفتح أكرَمَنا مسند إلى الفاعل أيضاً، لكنه ضمير مستتر، أو تقول: زيدٌ أكرَمَنا، زيدٌ: مبتدأ، وأكرم: فعل ماضي، وفاعله ضمير مستتر، و (نا) هنا دالة على المفعولين، والضمير متصل في محل نصب مفعول به، وحملت النون والتاء على (نا) للمساواة في الرفع والاتصال، يعني: من باب القياس؛ لأن الذي يبنى معه الفعل الماضي على السكون ثلاثة: (تا) فاعل قمت، وقمنا (نا) الدالة على الفاعلين، و (نون) النسوة.
نا: عرفنا أنها للتمييز، هي الأصل، والتاء قمت لم بني على السكون؟ ليس عندنا لبس، وكذلك النسوة قمن، ليس عندنا لبس، قال: من باب القياس، والعلة الجامعة هي المساواة في الرفع الاتصال، كل منها ضمائر متصلة، وكل منها ضمائر رفع، هذه العلة عند ابن مالك، وعلى هذا وذاك الأصل السماع، الأصل أنه مبني على السكون، وهذا هو الصحيح.
وأما فعل الأمر فله أربعة أحوال ذكرناها بالأمس.
............................... ... مِنْ نُونِ تَوْكِيدٍ مُبَاشِرٍ وَمِنْ ... وَأَعْرَبُوا مُضَارِعاً إِنْ عَرِيَا
......................................
يعني: الفعل المضارع معرب، وهل الأصل فيه الإعراب؟ الجواب (لا): الأصل فيه من حيث إنه فعل البناء، ثم لما أشبه الاسم فيما ذكرنا بالأمس حينئذٍ انتقل الحكم من الاسم وهو الإعراب إلى الفعل المضارع، لكن بشرط ألا يتصل به إحدى النونين: نون التوكيد بنوعيها، ونون الإناث، فإن اتصلت به نون التوكيد بنوعيها، حينئذٍ ينظر فيها: هل هي مباشرة أو لا؟ فإن كانت مباشرة، حينئذٍ بني الفعل معها على الفتح، وإن لم تكن مباشرة حينئذٍ الفعل معرب على الأصل، وضابط الفرق بين النوعين مباشر وغير المباشر أن الفعل المسند إلى المفرد الواحد: ((لَيُنْبَذَنَّ)) [الهمزة:٤] نقول: هذا مبني، والنون هنا مباشرة، ليس ثم فاصل بين النون نون التوكيد والفعل.
وأما إذا أسند الفعل إلى ألف الاثنين، أو واو الجماعة، أو ياء المؤنثة المخاطبة، حينئذٍ نقول: ثم فاصل بين الفعل ونون التوكيد الثقيلة، ثم هذا الفاصل في الألف ملفوظ به: ((وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)) [يونس:٨٩] وقد يكون محذوفاً، وقد يكون .. في الألف لا يكون إلا ملفوظاً، وأما في الواو والياء فقد يكون ملفوظاً به وقد يكون مقدراً، يعني: محذوفاً للتخلص من التقاء الساكنين، والمحذوف لعلة كالثابت حينئذٍ هو كأنه موجود، ومنه: ((لَتُبْلَوُنَّ)) [آل عمران:١٨٦] .. ((فَإِمَّا تَرَيِنَّ)) [مريم:٢٦] هذا كله داخل في هذا، ولا يمكن شرحها إلا بالرؤى، يعني: لا بد أن تشرح بالكتابة، أما بالنطق فلا تفهم.
стр. 200
إذاً: يشترط في نون التوكيد أن تكون مباشرة، فإن لم تكن مباشرة حينئذٍ رجعنا إلى الأصل في الفعل المضارع، فهو معرب، وهذا على الصحيح وهو قول الجمهور، أما من قال بالبناء مطلقاً، أو قال بالإعراب مطلقاً، فقوله ضعيف.
وَمِنْ نُونِ إنَاثٍ: لم يقيدها بالمباشرة، لماذا؟ لأنها لا تكون إلا مباشرة، نون الإناث لا تكون إلا مباشرة.
إذاً: إذا عري الفعل المضارع عن هاتين النونين، قلنا: هو معرب، وسيعقد الناظم رحمه الله تعالى للنواصب والجوازم.
ثم قال ﵀:
وَكُلُّ حَْرفٍ مُسْتَحِقُّ لِلْبِنَا
وَمِنْهُ ذُو فَتْحٍ وذُو كَسْرٍ وَضَمّ ... وَالأَصْلُ فِي الْمَبْنِيِّ أَنْ يُسَكَّنَا
كَأَيْنَ أَمْسِ حَيْثُ وَالسَّاكِنُ كَمْ
هذا هو النوع الثالث من أنواع الكلمة على الترتيب، قدمها بالأشرف الاسم، ذكر المعرب منه والمبني ووجَّه علة المبني، وذكر أوجه الشبه، ثم انتقل إلى النوع الثاني وهو الفعل، ثم لم يبق إلا الحرف.
والحروف كلها مبنية، ولذلك قال: وَكُلُّ حَْرفٍ .. جاء بقاعدة كلية، وكل هذه من ألفاظ العموم، ولذلك هناك في قطر الندى قال: والحروف كلها مبنية، لم يستثن منها حرف البتة، لماذا؟ لأن الحروف لا يوجد فيها علة إعراب الاسم، ولا الفعل المضارع، وهو اعتوار المعاني المختلفة التركيبية عليها، إذاً: لا تفتقر إلى الإعراب.
وإذا كان كذلك حينئذٍ نقول: الحرف مبني لما علل، ولذلك نقول: الأصل في الاسم الإعراب ولا يعلل هذا الأصل، ولكن لما نظر غيره في غيره الفعل والحرف احتجنا إلى التماس علة في الاسم المعرب من أجل أن نفهم لماذا كان الأصل في الفعل البناء، ولماذا كان الأصل في الحرف البناء، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فإذا علل الأصل الاسم بالإعراب ووجدت علته حينئذٍ متى ما وجدت هذه العلة في الفعل فثم الحكم، ومتى ما وجدت في الحرف فثم الحكم.
لما وجدت في بعض أنواع الفعل وهو الفعل المضارع حينئذٍ وجد الحكم وهو الإعراب، نظرنا في الحرف فإذا به لا يمكن أن تتوارد عليه المعاني؛ لأن الفعل يوجد مسنداً بل يكون مسنداً، حينئذٍ يمكن أن تتوارد عليه المعاني التركيبية، وهو أحد ركني الإسناد، وأما الحرف فلا يسند ولا يسند إليه، لا يخبر به ولا يخبر عنه.
إذاً: لا يمكن أن تتوارد عليه فلا يمكن أن توجد فيه علة الإعراب في الاسم، فلا يمكن أن يكون معرباً، ولذلك قال:
وَكُلُّ حَْرفٍ مُسْتَحِقُّ .. أي: مستوجب للبناء، اعترض على الناظم في قوله: مستحق، قالوا: هذا فيه نوع إشكال؛ لأن الحرف أو الشيء قد يكون مستحقاً للشيء ولا يعطاه، حينئذٍ قوله وَكُلُّ حَْرفٍ مُسْتَحِقُّ لِلْبِنَا، لا يلزم منه أن يكون مبنياً، فالأسماء كلها مستحقة للإعراب ومع ذلك لم تعط كلها الإعراب، والأصل في الفعل أنه مستحق للبناء، ولم يعط كل أنواع الفعل البناء.
стр. 201
اعترض بأن هذا لا يفيد بناء الحروف بالفعل، إذ لا يلزم من الاستحقاق الحصول، لا يلزم من أن يكون مستحقاً للشيء أنه حاصل له، وجوابه: أن أل في البناء (لِلْبِنَا) للعهد الحضوري، أي: البناء الحاضر في الحرف، وَكُلُّ حَْرفٍ مُسْتَحِقُّ لِلْبِنَا، أي: البناء الحاضر، فهو مبني، ومع ذلك مستحق له، يعني: أفاد بهذه الجملة: أن الأصل في الحرف أن يكون مبنياً، لماذا؟ لأنه لو قال مبني .. لو قال الحرف مبني، نحن نقول: اسم الاستفهام مبني أيضاً، الفعل المضارع مبني .. الفعل الماضي مبني .. أسماء الشرط مبنية، هل التعبير بكونه مبنياً يدل على أنه مستحق للبناء؟ إذا قلنا الفعل الماضي مبني، وقلنا: أسماء الاستفهام وأسماء الشرط والمضمرات مبنية، هل ثم فرق بين البنائين؟ نعم، الخبر واحد مبني، ولكن في الفعل الماضي مبني مع كونه مستحقاً للبناء، يعني: الأصل فيه أنه مبني، وأسماء الشرط والمضمرات مبنية، لكن مع كونها ليست مستحقة في الأصل البناء.
إذاً: القول بأن الشيء مبني لا يدل على أنه أصله، وعلى أنه مستحق لذلك الشيء، ولكن إذا قيل: بأن أل هنا للعهد الحضوري، أي: البناء الحاضر، فحينئذٍ أفادك بهذه الجملة حكمين: أن الحرف مبني، وأن هذا البناء أصل ومستحق له، لله دره مع أنهم انتقدوه في هذا البيت.
حينئذٍ: وَكُلُّ حَْرفٍ مُسْتَحِقُّ لِلْبِنَا، أي بناء؟ البناء الذي هو عليه، إذاً: هو مبني، فأل هنا للعهد الحضوري، ثم أفادك أن هذا البناء الحرف مستحق له، بمعنى: أنه مبني والبناء أصل فيه، بخلاف المضمرات مبنية، والبناء ليس أصلاً فيها، فهمتم الاعتراض والجواب؟ نعم.
إذاً: اعترض بأن هذا الكلام قوله: مستحق، لا يفيد بناء الحروف بالفعل، إذ لا يلزم من الاستحقاق الحصول، وجوابه .. لذلك ابن أم غازي غير البيت؛ لأنه ما فهم هذا الفهم، وجوابه: أن أل في البناء للعهد الحضوري، أي: البناء الحاضر في الحرف، فيفيد كلام الناظم بناء كل حرف، يفيد أنه مبني، واستحقاق بناءه الحاصل له، يعني أفادنا حكمين: أنه مبني، وأفادنا أن هذا البناء ليس بعارضٍ، كما هو الشأن في المضمرات، بل هو أصل فيه، فوافق أصله.
ويجاب أيضاً: بأن حصول البناء للحرف، علم من قوله: لِشَبَهٍ مِنَ الْحُرُوفِ مُدْنِي، ومبني لِشَبَهٍ مِنَ الْحُرُوفِ مُدْنِي، والمشبه أخذ حكم المشبه به، في ماذا؟ في البناء، إذاً: هذه الجملة: وَكُلُّ حَْرفٍ مُسْتَحِقُّ لِلْبِنَا، إن لم تدل على أن الحرف مبني وأفادنا هنا أنه مستحق؛ لأن الإشكال هنا هذه الجملة تدل على أن الحرف مستحق فحسب للبناء، ولا تدل على أنه مبني.
نقول: فيما مضى في قوله:
وَالاِسْمُ مِنْهُ مُعْرَبٌ وَمَبْنِي ... لِشَبَهٍ مِنَ الْحُرُوفِ مُدْنِي
يدل على أن الحرف مبني، إذاً: الحكم ببناء الحرف سابق .. العلم به سابق، وهنا بهذا الشطر دلنا على أن ذاك البناء الذي انتقل من الحرف إلى الاسم بناء أصلي وليس ببناء عارض، وهذا جواب جيد أيضاً، ولكن الجواب الأول أحسن.
стр. 202
فالقصد الآن بهذا البيت والشطر بيان استحقاق الحرف بنائه الحاصل له، ولإفادته أن البناء أصل فيه بخلاف مبني، لو قال: مبني، لم نستفد أنه أصل فيه، إذاً: وَكُلُّ حَْرفٍ مُسْتَحِقُّ، أي: مستوجب للبناء، نأخذ من هذا: أن الحرف مبني .. كل الحروف مبنية، ثم البناء أصلي، وليس بطارئ كما هو الشأن في بعض الأسماء.
قوله: (للبناء)، لماذا؟ لو أردنا أن نعلل نقول: للبناء هنا، وأقول: إذا أردنا أن نعلل لأن الأصل عدم التعليل، إذ ليس فيه مقتضى الإعراب الذي ذكرناه قبل قليل، ليس في الحرف مقتضى الإعراب، الذي هو ماذا؟ توارد المعاني التركيبية المختلفة على الصيغة الواحدة أو اللفظ الواحد الذي لا يميز هذا المعنى عن ذاك إلا الإعراب، هذا غير موجود في الحرف.
حينئذٍ يرد الإشكال: أن الحرف فيه معاني، من للابتداء، وترد للتبعيض، وتأتي لبيان الجنس، هذه معاني أو لا؟ معاني مختلفة، هل تتوارد على اللفظ الواحد وهو من، حينئذٍ نحتاج إلى ما يميزها، هل تتوارد؟ يعني: يحتمل أن هذا اللفظ من يحتمل التبعيض، أو لبيان الجنس .. ؟ نقول: العلة التي هي علة إعراب الاسم، أن المعاني حاصلة بماذا؟ بالتركيب نفس التركيب، وأما الحرف هنا فالمعنى الذي يتوارد عليه معنىً إفرادي، ولذلك لا تأكل السمك وتشربِ اللبنَ، لمن ننظر إليه لوحده تشرب فقط، وإنما نظرنا إليه بعامله، هل هو معطوف على ما قبله أو لا، وهذا نتيجة للتركيب.
وأما المعاني الإفرادية كالابتداء والتبعيض بمن فتعتور الحرف، لكن لا يميز بينها بالإعراب، وإنما تعرف بالسياق، يعني: لا يدل الضم أو الفتح أو الكسر أو السكون على المعنى، إذا أردت أن تعرف أن من هذه للتبعيض أو لبيان الجنس لا تنظر إلى حركتها، هذا قطعاً، وإنما تنظر إلى المعنى السابق واللاحق، ولذلك الحرف من حيث دلالته على المعنى، نقول: يدل على المعنى في غيره، ما المراد؟ يدل على معنىً في غيره، هل معناه: أنه لا يفهم منه المعنى البتة؟ نقول: لا، ليس هذا المراد، ولذلك نقول: الاسم والفعل والحرف، كل منها كلمة، والكلمة قول مفرد.
إذاً: الاسم قول مفرد، والفعل قول مفرد، والحرف قول مفرد، هل الواضع وضع اللفظ وجرده عن المعنى؟ نقول: لا لم يجرده عن المعنى، بل دل على معنىً، لكن هذا المعنى لا يفهم بذاته لو أطلق اللفظ هكذا (من)، لا يفهم منه الابتداء أو التبعيض إلا بعد تركيبه، إذاً: كونه دل على معنىً في غيره مرادهم به أنه لا يدل على معنىً بذاته بنفسه بحيث يفهم منه المعنى بخلاف الاسم والفعل، إذا قلت: زيد، فهمت منه المعنى مباشرة، إذا قلت: قلم .. سماء .. أرض، اللفظ بنفسه إذا أطلق فهمت منه المعنى مباشرة.
إذاً: دل على معنى دون افتقاره إلى ضميمة كلمة سابقة ولا لاحقة، إذا قلت: قام، فهمت منه معنىً وهو إخبار بوقوع حدث وهو القيام في زمن مضى وانقطع، إذا قلت: يقوم كذلك، قم تفهم من الكلمة لوحدها، هذا المعنى لا يفتقر إلى كلمة أخرى من أجل أن تفهم، بخلاف (من)، هذا لا يفهم منه التبعيض أو الابتداء أو لبيان الجنس، (من): هذه محتملة لهذه المعاني كلها، لكن متى يفهم منها الابتداء؟ لا بد أنك تركبها.
стр. 203
إذاً: افتقرت إلى كلمة سابقة التي هي المتعلَق، وكلمة لاحقة التي هي المتعلِق، ولذلك يشترطون أن يكون الحرف حرف الجر الأصلي أن يكون له متعلَق، لا بد منها .. لا بد للجر من التعلق.
لا بد للجارِ من التعلق بفعل أو معناه نحو مرتقي
لأن حروف الجر تعدي معاني الأفعال إلى الأسماء التي لا تتعدى بنفسها، إذاً: الحرف فيه معنى، لكن هذه المعاني إفرادية، ثم لا يفهم المعنى بإطلاق اللفظ هكذا فحسب، بل لا بد من أن يكون ثم ما يفسره من كلمة سابقة تسمى متعلَقاً عند النحاة بفتح اللام، وكلمة لاحقة بعده: مررت بزيدٍ، لا بد من: مر، وزيد، لا يطلق الحرف هكذا حتى يفهم، إذا قيل: بأن المراد بالباء هنا التعدية .. لو قيل: الباء مجرد الباء هكذا، لا يفهم منها التعدية ولا يفهم منها السببية ولا غيرها، ولكن لما قيل: مررت بزيد ظهر معناها، ولا يظهر معناها إلا بكلمة سابقة كمر، وزيد كلمة لاحقة.
إذاً: لا يرد أن علة إعراب الاسم موجودة في الحرف، نقول: ذاك المعنى الموجود في الاسم معانٍ تركيبية، وهذه معانٍ إفرادية، فتفهم من التركيب ولا نحتاج فيها إلى الإعراب.
وَكُلُّ حَْرفٍ مُسْتَحِقُّ لِلْبِنَا ... وَالأَصْلُ فِي الْمَبْنِيِّ أنْ يُسَكَّنَا
إذاً: انتهى بقوله: وَكُلُّ حَْرفٍ مُسْتَحِقُّ لِلْبِنَا، من التقسيم الثلاثي، بين لنا الاسم أن منه معربٌ ومبني، والفعل كذلك، والحرف كله مبني.
ثم يبنى على أي شيء، ما هي ألقاب البناء؟ هذا الذي أراد أن يبينه بقوله: وَالأَصْلُ فِي الْمَبْنِيِّ أنْ يُسَكَّنَا، والأصل، أي: الراجح فيه أو المستصحَب، وليس المراد به الغالب، إذ ليس غالب المبنيات ساكناً، الأصل قد يطلق ويراد به الغالب الأكثر، وقد يراد به الراجح فيه أو المستصحَب، قلنا لا يحمل على الغالب؛ لأنه ليس الغالب في المبنيات أن يكون مسكناً على الأصل، بل منه ما هو مكسور ومضموم.
وَالأَصْلُ فِي الْمَبْنِيِّ: هنا عام يشمل الاسم والفعل والحرف، أنْ يُسَكَّنَا: أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر، والألف هذه للإطلاق، والأصل في المبني السكون، هذا التقدير، فأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر، أنْ يُسَكَّنَا: سكَّن يُسكِّنُ تَسكيناً، هذا مصدر، هل المراد به عين المصدر، أو المراد أثره؟ الثاني، لماذا؟ لأن التسكين هو فعلك أنت، كونك تجعل الحرف الأخير عليه سكون، هذا فعلك، ولكن السكون أثر التسكين، سكنت الآخر فنطقت به ساكناً، حينئذٍ المراد به أثر المصدر.
وَالأَصْلُ فِي الْمَبْنِيِّ اسماً كان أو فعلاً أو حرفاً أنْ يُسَكَّنَا، أي السكون، لماذا؟ قالوا: لخفته، وثقل الفعل، وثقل الحركة، والمبني ثقيل فلو حرك اجتمع فيه ثقيلان، المبني ثقيل؛ لأنه ملازم لحالة واحدة، والحركة ثقيلة والسكون خفيف، فأعطي الثقيل الذي هو المبني الخفيف، لماذا؟ سلوكاً مسلك التعادل والتناسب، هكذا يقال، سلوكاً مسلك التعادل؛ لأن لا يعطى الثقيل الثقيل، كما أنه لا يعطى الخفيف الخفيف، إنما يعطى الثقيل الخفيف، ويعطى الخفيف الثقيل، هذا الأصل فيه، هكذا يقولون.
стр. 204
وَالأَصْلُ فِي الْمَبْنِيِّ أنْ يُسَكَّنَا: إذا كان كذلك لا يفهم منه أنه لا يوجد مبني إلا وهو ساكن، بل منه ما خرج عن أصله، ولذلك قال: ومنه، أي: من المبني ما حرك لعارضٍ اقتضى تحريكه، منه، يعني: بعضه، إشارةً إلى عدم الانحصار فيما ذكره؛ لأن من المبني ما بني، قال: (وَمِنْهُ)، أي: بعضه وَمِنْهُ ذُو فَتْحٍ وذُو كَسْرٍ وَضَمْ، إذاً: الأصل فيه السكون، ثم منه ما حرك عن أصله للتخلص من التقاء الساكنين، إما بفتح وإما بكسر وإما بضم، فألقاب البناء على هذا تكون أربعة، هل هي محصورة في هذا النوع؟ الجواب: لا، ما الذي دلنا؟ قوله: ومنه .. من هنا للتبعيض، فدل على أن بعضه مبني على غير السكون، وذكر منه الفتح والكسر والضم؛ لأن من المبني ما بني على حرف فيا زيدان، أو على حذف .. حذف حرف: أغزُ، هذا مبني على ماذا؟ على حذف حرف العلة، والمبني فيه أصل أو فرع .. البناء فيه أغزُ، أصل أو فرع؟ .. لماذا تترددون؟
وَفِعْلُ أَمْرٍ وَمُضِيٍّ بُنِيَا: على الأصل، ولذلك قلنا: قدم فعل الأمر ليدل على أنه كأنه لا نزاع فيه، قدمه على المتفق عليه، فحينئذٍ أغز، نقول: هذا فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، وهو لم يذكر الحذف، كذلك: يا زيدان، يا: حرف نداء، زيدان: منادى مبني على الألف في محل نصب.
إذاً: قد يبنى على حرف، وقد يبنى على حذف، وقد يبنى على حركةٍ، وقد يبنى على سكون، لذلك قال: ومنه ذو فتح، أي: صحاب فتح، ذو هنا بمعنى: صاحب، وهو مبتدأ مؤخر، (ومنه) هذا خبر مقدم، ذو فتح، أي: صاحب فتح، قدمه على الكسر والضم؛ لأن الفتحة أخف الحركات.
قدم الفتح على الكسر وقدم الكسر على الضم، هل هو مقصود الترتيب هنا؟ نقول: نعم؛ لأن الحركة وإن كان جنسها ثقيلاً من حيث هي إلا أنها عند التفصيل بعضها أثقل من بعض، فالكسر أثقل من الفتح، والضم أثقل من الكسر، إذا أردنا أن نبدأ من الأخف نقول: فتحٌ ثم كسرٌ ثم ضمٌ، وإذا أردنا العكس، نقول: الأثقل الضم، ثم الكسر، ثم الفتح، حينئذٍ صار الترتيب هنا مقصوداً للناظم، ولذلك بدأ بالفتح؛ لأنه أقرب إلى السكون؛ لأن السكون خفيف، قلنا: صار أصلاً في البناء لخفته.
إذاً: إذا خرج عن أصله حينئذٍ أولى ما يبنى عليه ما هو أقرب الحركات إلى السكون، ثم الكسر، ثم الضم.
وَمِنْهُ ذُو فَتْحٍ وذُو كَسْرٍ، يعني: ومنه وذُو كَسْرٍ، وَضَمْ، يعني: ومنه ذو ضم.
كَأيْنَ أمْسِ حَيْثُ وَالسَّاكِنُ كَمْ: كَأيْنَ: الكاف هذه تمثيلية، وليست استقصائية، كقولك: أين زيد؟ أين هذه اسم استفهام، الأصل أنها معربة أو مبنية؟ معربة، لم بنيت؟ لشبهها بالحرف شبهاً قوياً، لِشَبَهٍ مِنَ الْحُرُوفِ مُدْنِي، ما نوع الشبه؟ معنوي، ما وجهه؟ أين زيدٌ، أُدِّيَ بـ (أين) معنىً كان حقه أن يؤدَّى بالهمزة، هذا معنى الشبه المعنوي، الأصل فيه أن يبنى على السكون، لكنه بني على الفتح، لماذا؟ للتخلص من التقاء الساكنين، أي .. أيْ: ساكن الياء، أين.
أمْسِ: مبني أو معرب؟ مبني، والأصل فيه الإعراب، لم بني؟ قلنا لم يذكر فيما سبق، فنحتاج إلى بيانه.
стр. 205
أمْسِ: هذا مختلف فيه، أمس عند الحجازيين بني لتضمنه معنى حرف التعريف؛ لأنه معرفة بغير أداة ظاهرة، بدليل وصفه بالمعرفة، تقول: أمس الدابرُ لا يعود، أمس: مبتدأ مرفوع بالابتداء، في محل رفع مبتدأ، الدابر: بالضم هذا نعته، لا يعود: الجملة خبر، انظر نعت بماذا؟ بالضم، الدابرُ؛ لأنه في محل رفع، فباعتبار المحل حينئذٍ نقول: اتجه أن نعرب الدابر بالرفع.
إذاً: أمسِ، نقول: بني لتضمنه معنى حرف التعريف، والأصل فيه أن يسكن، وهنا حرك بالكسر، لم؟ للتخلص من التقاء الساكنين، وهناك أين، قلنا: بني على الفتح تخلصاً من التقاء الساكنين، لكنه رجع إلى ماذا؟ إلى الفتح دون الكسر طلباً للخفة، وهنا بقي على أصله؛ لأن أمس أخف من أين.
حيثُ: هذا مبني على الضم، لم بني حيث؟ للشبه الافتقاري؛ لأنها ملازمة للإضافة مثل الذي وإذ وإذا، لم حرك؟ ليعلم أن له أصلاً في الإعراب، لم كانت الحركة ضمة؟ تمام ما شاء الله، جبراً لما فاته، يعني: فاته ماذا؟ الإعراب، فأعطي أقوى الحركات، جبراً لأنه صار فيه نقص، حيثُ: هذا على لغة الضم، وإلا فيه ثلاث لغات: حيثِ .. حيثَ .. حيثُ، على هذه اللغة نعلل بهذا، حينئذٍ نقول: التغير هنا والتبدل حيثِ .. حيثَ .. حيثُ هذا ليس من أجل العامل بل تبدل لغات.
وَالسَّاكِنُ كَمْ، يعني: والساكن كثير، لا يحتاج إلى مثال، أو والساكن كم الاستفهامية أو الخبرية، يحتمل هذا ويحتمل ذاك، وجعل كم هنا على أنها هي مثال أولى؛ لأنه إذا قيل: والساكن كم، يعني: كثير لا يحصر، حينئذٍ نقول: ما مَثَّلَ للساكن، أليس كذلك؟ لكن إذا قيل: والساكن، يعني: مثال الساكن، لفظ كم الاستفهامية أو الخبرية حينئذٍ صح، وبني كم للشبه الوضعي؛ لأنها وضعت على حرفين: كم، وهذا الأصل فيه أن يكون للحرف، أو لتضمن الاستفهامية معنى الهمزة، الاستفهامية بنيت لتضمنها معنى الهمزة، يعني: الشبه المعنوي .. الشبه المعنوي.
والخبرية تضمنت معنى: رُبَّ التي للتكثير، كم مال؟ يعني كثير، حينئذٍ تضمنت معنى: رُبَّ، -رُبَّ التي للتكثير-، هذا أو ذاك على كلٍ هي مبنية.
إذاً: أشار بهذا البيت إلى أن الحرف مبني، وأن بنائه على الأصل، ثم بين لنا أن الأصل في البناء أن يكون على السكون لخفته ولثقل المبني، ثم بين أن من ألقاب البناء الفتح والكسر والضم، فالبناء على السكون كما مَثَّل هنا يكون في الاسم والفعل والحرف، لكونه الأصل، ولكونه خفيف، يكون في الاسم والفعل والحرف، لماذا؟ لأنه الأصل، فحينئذٍ دخل الاسمَ، ودخل الفعلَ، ودخل الحرفَ، كم .. اضرب .. هل، كم: هذه مثال للاسم، اضرب: هذا مثال للفعل، وعلى قول الجمهور: قمتُ، أيضاً مثال للفعل، هل .. قد .. بل الحرف، فدخل الكل الكلمات الثلاث: الاسم والفعل والحرف، لكونه الأصل، وكذلك الفتح لكونه أخف الحركات وأقربها إلى السكون.
وأما الضم والكسر فهذا يدخل الحرف ولا يدخل الفعل، يدخل الحرف مثل ماذا؟ منذ على لغة من جر بها، لا .. يدخل حرف الضم، مثال لماذا أنا ذكرت؟ الكسر والضم يدخلان الحرف، مثل ماذا؟ باء الجر: مررت بزيد، مبني على الكسر، هذا حرف مبني على الكسر، حرف مبني على الضم: (منذ)، في لغة من جَرَّ ِبها.
стр. 206
الضم هل يدخل الاسم؟ نعم حيثُ، الكسر هل يدخل الاسم؟ نعم، أمسِ، لكن الضم والكسر هل يدخلان الفعل؟ الجواب: لا؛ لأن الفعل ثقيل والكسر ثقيل ولا يجتمعان، فإذا لم يجتمع الكسر مع الفعل الذي هو أدنى من الضم فالضم من باب أولى، أليس كذلك؟
إذاً: الضم والكسر فيكونان في الاسم والحرف لا الفعل؛ لثقلهما وثقل الفعل، وأما نحو: ضربوا على ما ذكرناه أولاً، ضرَبُوا، نقول: هذه الحركة حركة مناسبة، والفتح مقدر، حينئذٍ ضرَبُوا: هذا مبني على الفتح، ليس مبنياً على الضم؛ لأن الضم لا يدخل الفعل، وأما نحو: رُدُّوا بضم الدال فمبني على سكون مقدر وضمته للإتباع كما ذكرناه أمس، ردَّ .. ردِّ .. ردُّ، فحينئذٍ كيف يقال: الفعل لا يدخله الضم وردُ هذا فعل أمر مبني على الضم؟! نقول: لا، ليس مبنياً على الضم بل هو مبني على السكون المقدر، والحركة هذه للإتباع، إتباع الدال حركة الفاء، رُدُ.
كذلك اللغة الأخرى: رُدِّ، نقول: الكسر دخل الفعل، نقول: لا، لم يدخل الفعل؛ لأنه فعل أمر مبني على السكون المقدر، ونحو: عي وقي، عي: هذا فعل أمر من الوقاية، وقي: وقى يقي قي، قِه قي، نقول: هذا مبني على الكسر، لا، ليس مبنياً على الكسر، وإنما هو مبني على حذف حرف العلة، وقى يقي فحينئذٍ يحذف أوله حرف المضارعة، ثم يبنى على حذف آخره، فصار: عي قي قِه .. عِه بهاء السكت .. إذاً: ردِّ ورُدُّ، نقول: هذا ليس بمبني على الضم.
وَكُلُّ حَْرفٍ مُسْتَحِقُّ لِلْبِنَا
وَمِنْهُ ذُو فَتْحٍ وَذُو كَسْرٍ وَضَمْ ... وَالأَصْلُ فِي الْمَبْنِيِّ أَنْ يُسَكَّنَا
كَأيْنَ أمْسِ حَيْثُ وَالسَّاكِنُ كَمْ
ثم قال:
وَالْرَّفْعَ وَالنَّصْبَ اجْعَلَنْ إِعْرَاباً
وَالاِسْمُ قَدْ خُصِّصَ بِالْجَرِّ كَمَا ... لاِسْمٍ وَفِعْلٍ نَحْوُ لَنْ أَهَابَا
قَدْ خُصِّصَ الْفِعْلُ بِأَنْ يَنْجَزِمَا
هذا شروع من المصنف في ذكر ألقاب الإعراب وهي أربعة.
الإعراب: أثر ظاهر أو مقدر يجلبه العامل في آخر الكلمة أو ما نُزِّلَ مُنَزَّلَتَه، حينئذٍ أثر ظاهر، قلنا: هذا الأثر إما حركة، وإما حرف، وإما سكون، وإما حذف واحد منها، فالإعراب صار جنساً، تحته أنواع أربعة: رفع وضم وكسر وجزم، أو الرفع والنصب والخفض والكسر، وهي أربعة.
وعن المازني: أن الجزم ليس بإعراب، وإنما أعطي الفعل الجزم من أجل أن يكون ثلاثة أحوال، موافقةً للاسم؛ لأن الاسم إما أن يكون مرفوعاً وإما أن يكون منصوباً، وإما أن يكون مجروراً وهذا محل وفاق، الفعل المضارع أشبه الاسم فأخذ حكمه في الإعراب، فحينئذٍ ليس له إلا الرفع والنصب، نقص واحد، قالوا: نكمل له بالجزم من أجل أن يتعادل مع الاسم، هكذا قيل!
وهذه الأربعة منها ما هو مشترك بين الأسماء والأفعال، ومنها ما هو مختص بقبيل منها، حينئذٍ صارت ثلاثة، هي أربعة من حيث الأنواع، ومن حيث المحل هي ثلاثة، مشترك بين الأسماء والأفعال .. مختص بالأسماء .. مختص بالأفعال.
وَالْرَّفْعَ: الرفع لغةً: العلو والارتفاع، وأما في الاصطلاح القول بأن الإعراب لفظي وهو الصحيح، نفس الضمة وما ناب عنها، هذا المراد بالرفع، الضمة نفسها، نقول: هي الإعراب .. هي الرفع، والرفعَ سواء كان ظاهراً أو مقدراً.
стр. 207
وَالنَّصْبَ: النصب في اللغة: الاستقامة والاستواء، وأما في الاصطلاح: فهو نفس الفتحة وما ناب عنها، نقول: هذا هو النصب.
الْرَّفْعَ وَالنَّصْبَ: هنا قدم الرفع على النصب لماذا؟ لأن الرفعَ إعراب العمد: الفاعل والمبتدأ والخبر ونائب الفاعل، ولا يخلو كلامٌ من اسم مرفوع البتة، لا يخلوا كلام، أقل ما يتألف منه الكلام اسمان أو اسم وفعل، اسمان: مبتدأ وخبر، كلاهما مرفوعان، اسم وفعل، الاسم هنا إما فاعل وإما نائب فاعل، وهما مرفوعان.
إذاً: لا يمكن أن يوجد كلام وليس فيه اسم مرفوع البتة، أليس كذلك؟ إذاً: قدم الرفع؛ لأنه إعراب العمد، يعني: المبتدأ والخبر والفاعل ونائب الفاعل، ثم عدم خلو أي كلام عن رفعٍ، لا يتصور وجود كلام لا يوجد فيه اسم مرفوع البتة.
وَالْرَّفْعَ وَالنَّصْبَ: ثنَّى بالنصب؛ لأنه قد يكون معمولاً لفعل، والفعل هو الأصل في العمل، حينئذٍ صار أقوى من الخفض، الخفض هذا خاص بالأسماء، والنصب مشترك، والفعل إنما أعرب حملاً على الاسم، فأيهما أولى: أن يقدم ما هو خاصٌ بالاسم، أو ما هو مشترك مع غيره؟ الأولى: ما هو خاصٌ بالاسم؛ لأنه أشرف، لكن هنا لما كان ما اختص بالاسم عامله لا يكون إلا اسماً أو حرفاً وهو الجر، وعامل النصب قد يكون فعلاً: ضربت زيداً، زيداً: هذا منصوب بماذا؟ بضرب، وقلنا: الأصل في العمل الأفعال.
فمن هذه الحيثية قدم النصب على الجر. ...
وَالْرَّفْعَ وَالنَّصْبَ اجْعَلَنْ إِعْرَاباً ... لاِسْمٍ وَفِعْلٍ نَحْوُ لَنْ أَهَابَا
اجْعَلَنْ الرفع، اجْعَلَنْ: هذا فعل أمر مبني على الفتح؟ اجعلن مبني على الفتح لا تتردد! مبني على الفتح لماذا؟ لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، اجعل: هذا يتعدى إلى مفعولين، أين مفعوله الأول؟ الرفع، والنصب مفعوله الثاني؟ لا، هذا معطوف عليه أحسنت، إعراباً: هذا هو المفعول الثاني؛ لأنه قال: اجعلن الرفع النصب إعراباً لاسم، لاسم: هذا متعلق بإعراباً.
وهنا قدم معمول الفعل المؤكد بالنون، وهذا ممتنع عند الجماهير، معمول الفعل .. الفعل إذا أكد بالنون معمولاته كلها لا تتقدم عليه، وهنا قدم من أجل الوزن، ضرورة يعني.
وَالْرَّفْعَ وَالنَّصْبَ اجْعَلَنْ إعْرَاباً ... لاِسْمٍ .. نحو: إن زيداً قائمٌ، (إن): حرف توكيد ونصب، وزيداً: اسم إن منصوب بها، وعلامة نصبه الفتحة، قائمٌ: هذا خبر إن مرفوعاً بها، إذاً: اجتمع في هذا المثال مثالان: الرفع والنصب للاسم، فالاسم مرفوع في هذا التركيب، وهو قائمٌ خبر إن، والاسم منصوب في هذا التركيب وهو اسم إن.
وَفِعْلٍ: أطلق الفعل ومراده به المضارع، هل يرد اعتراض عليه بأنه يشمل الماضي والأمر؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأنه يتكلم في مقام الإعراب، وسبق أنه نص على أن المضارع معرب، قال: وأعربوا مضارعاً، إذاً: لما أطلق هنا الفعل يجب أن يحمل على المضارع ولا يشركه غيره فيه.
لاِسْمٍ وَفِعْلٍ مضارعٍ، نحو: يقوم، ولن أهابا، يقوم زيدٌ، يقوم: هذا فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، إذاً: فعل مضارع رفع بالضم على الأصل، نفس الضمة وما ناب عنها.
ولن أهابا، لن: حرف نصب، وأهابا: الألف هذه للإطلاق، أهاب: هذا فعل مضارع منصوب بلن، ونصبه الفتحة الظاهرة على آخره.
стр. 208
والاسْمُ قَدْ خُصِّصَ بِالْجَرِّ كَمَا: هذا شروع فيما اختص كل قبيل بنوع من أنواع الإعراب، اشتركا الاسم والفعل المضارع في الرفع والنصب، وانفرد الاسم بالجر، وانفرد الفعل بالجزم، إذ هي أربعة لا خامس لها: رفع ونصب وخفض وجزم، والاسْمُ قَدْ خُصِّصَ بِالْجَرِّ، قوله بالجر: الباء هنا داخلة على المقصور كما هو الأكثر.
والاسْمُ قَدْ خُصِّصَ بِالْجَرِّ، يعني: الاسم مخصوص بالجر، هل هذا فيه معنىً زائد عن قوله فيما سبق بالجَرِّ لِلاِسْمِ تَمْيِيزٌ حَصَلْ؟ قلنا: العلامة لا تكون علامة إلا إذا اختصت بمدخولها، صحيح؟ يعني: ما كان علامةً للاسم لا يجوز دخوله على الفعل، صح؟ (أل) الموصولة قلنا فيها خلاف، هل هي من علامات الأسماء أو لا؟ قيل: من علامات الأسماء، قيل: لا، ما السبب في هذا الخلاف؟ دخولها على الفعل المضارع، من جَوَّز دخولها على الفعل المضارع منع اختصاص الاسم بها، لم يمنع دخولها على الاسم انتبه! وإنما منع اختصاص الاسم بها فحسب، لم يجعلها علامةً له.
فحينئذٍ ما كان علامةً فهو خاص به، يلزم منه، وإلا فلا.
قوله: بالجَرِّ –هناك- لِلاِسْمِ تَمْيِيزٌ حَصَلْ، دل على أنه مخصوص، هل استفدنا من هذا الشطر شيء أم لا؟ نقول: نعم استفدنا، والاسْمُ قَدْ خُصِّصَ بِالْجَرِّ، وقوله: سابقاً بالجر إلى آخره لبيان علامة الاسم، وهنا لبيان أنه نوع من أنواع الإعراب خاص بالاسم فلا تكرار، هناك قلنا: الشيء قد ينظر إليه باعتبارين هذه قاعدة، وخاصة عند النحاة يكثر عندهم مثل هذه الأمثلة، الشيء الواحد قد يكون له اعتباران، مثلاً الجر هو علامة وهو نوع من أنواع الإعراب، حينئذٍ قد نتحدث عنه من جهة كونه علامة، فنقول: بالجَرِّ لِلاِسْمِ تَمْيِيزٌ حَصَلْ، وقد نتكلم عنه من جهة أخرى، وهي كونه نوعاً من أنواع الإعراب، حينئذٍ نقول: والاسْمُ قَدْ خُصِّصَ بِالْجَرِّ، إذاً: افترقا فلا تكرار.
والاسم قد خصص بالجر، لماذا؟ قيل: لخفته؛ ولأن كل مجرور مخبر عنه في المعنى، ولا يخبر عن الأسماء، إذاً: لا يدخل الجر إلا الاسم، فلا يدخل الفعل؛ لأن المجرور مخبر عنه في المعنى، ولا يخبر إلا عن الاسم، بدليل: ومسندٍ للاسم تمييز حصل، وهذا دل على أن الإسناد أو الإخبار إنما هو من علامة الأسماء، وكل مجرور أو مضافٍ إليه فهو مخبر عنه في المعنى.
إذاً: والاسْمُ قَدْ خُصِّصَ بِالْجَرِّ، نقول: الباء هنا داخلة على المقصور كما هو الأكثر، وسبب التخصيص وعلته: خفة الاسم، والجر هذا ثقيل؛ لأنه حركة، ثم هو كسرة، والكسرة أثقل من الفتحة، فحينئذٍ مناسبةً أعطي البسيط الخفيف الكسرة، بِالْجَرِّ: فلا يوجد حينئذٍ في الفعل .. لا يمكن أن يكون الفعل مجروراً، لماذا؟ أحسن ما يعلل به نقول: امتناع دخول عامل الجر عليه، هذه واضحة بينة.
стр. 209
إذا قلت: الجر من خصائص الأسماء، ما الذي يعمل الجر في الاسم، ما العامل؟ الحرف والمضاف، يعني: حرف الجر هو الذي يعمل الجر، والمضاف هو الذي يعمل الجر، طيب! إذا جوزنا أن يكون الفعل مجروراً بالكسرة، ما الذي سيحدثه؟ حرف الجر ولا يدخل الفعل، المضاف والفعل لا يضاف، كيف نأتي بالجر؟ وقد امتنع عامله من الدخول على الفعل، إذاً: لا يدخل الجر الفعل لامتناع دخول عامله عليه، واضح هذا؟
إذاً: امتنع دخول عامل الجر على الفعل وهو حرف الجر لاختصاصه بالأسماء وكذلك الإضافة، المضاف لا يضاف إلا إلى الاسم، والاسْمُ قَدْ خُصِّصَ بِالْجَرِّ، فلا يوجد في الفعل لامتناع دخول عامله عليه.
كَمَا ** قَدْ خُصِّصَ الْفِعْلُ بِأنْ يَنْجَزِمَا .. كَمَا قَدْ خُصِّصَ، يعني: كتخصيص، الكاف هذه: للتشبيه، وقد تأتي الكاف لمجرد التنظير من غير اعتبار كون المشبه به أقوى كما هنا، أيهما حمل على الآخر هنا: الجزم على الجر، أو الجر على الجزم، في كونه مختصاً به؟
ذكرنا أن المازني هناك ينكر ماذا؟ الجزم، يقول: ليس بإعراب؛ لأنه عدم ليس بحركة، الإعراب حركة أو حرف نائب عنه .. عن الحركة، وأما الجزم والعدم هذا ليس بشيء، حينئذٍ ليس بإعراب، قالوا: أعطي الفعل الجزم من باب أن يتعادل مع الاسم المشبه به؛ لأنه أشبه الاسم في اعتوار المعاني فأعرب لأجل هذه العلة، الاسم يعرب بماذا؟ برفع أو نصب أو جر، إذا أشبهه قلنا: أخذ حكمه.
إذاً: الفعل يرفع وينصب لا يمكن أن يجر لامتناع دخول العامل عليه، إذاً: صار هذا ثلاثة وهذا اثنين، قالوا: نكمل له القسمة ونعطيه الجزم، إذاً: أيهما أولى أن يُشّبَهَ بالآخر: الجزم بالجر، أو العكس؟ الجزم، يعني: الأصل أن يقال: والْفِعْلُ قَدْ خُصِّصَ بالجَزمِ كَمَا قَدْ خُصِّصَ الاسْمُ بأن يجر مثلاً، هذا الأصل، لكن المراد هنا بالكاف مجرد التنظير في التخصيص فحسب، يعني: خص الاسم بالجر، وخص الفعل بالجزم، بقطع النظر عن أيهما ألحق بالآخر، وأيهما أقوى في الشبه من الآخر، هذا المراد.
) والاسْمُ قَدْ خُصِّصَ بِالْجَرِّ كَمَا قَدْ خُصِّصَ .. إذاً: الكاف قد تأتي لمجرد التنظير من غير اعتبار كون المشبه به أقوى كما هنا:
كَمَا قَدْ خُصِّصَ الْفِعْلُ: أي أنواع الفعل؟ المضارع؛ لأنه إذا أطلق الفعل عنا انصرف إلى المضارع.
بِأنْ يَنْجَزِمَا، يعني: بجزمه، أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر، مجرور بالباء، يعني: كأنه قال: كَمَا قَدْ خُصِّصَ الْفِعْلُ بالجَزمِ لكونه فيه كالعوض من الجر، فلا يجزم الاسم.
إذا قلنا: لا يجزم الاسم وأردنا علةً، نقول كما قلنا في صاحبه: لامتناع دخول عامله عليه؛ لأن الجزم إنما يكون بأدوات الجزم، وهذه علامة للفعل المضارع، ِفعْلٌ مُضَارِعٌ يَلِي لَمْ كَيَشَمْ .. يَلِي لَمْ فقط، أم لم وأخواتها؟ ما المراد: لم فحسب، هذا ما نبهنا عليه:
ِفعْلٌ مُضَارِعٌ يَلِي لَمْ كَيَشَمْ، ولمَّا، وإن الشرطية، وكل أدوات الشرط، فليس الحكم خاصاً بلم، فحينئذٍ أدوات الجزم خاصة بالفعل، فإذا كان كذلك لا يُتصور حصول الجزم في الاسم؛ لامتناع دخول عامل الجزم على الاسم، إذاً: خُصَّ الاسم بالجر، خُصَّ الفعل بالجزم، الجزم: عدم حركة، والجر: حركة.
стр. 210
قالوا: الاسم خفيف بسيط؛ لأنه يدل على شيء واحد، والفعل ثقيل؛ لأنه يدل على شيئين: حدث، وزمن، فأعطي الخفيف الذي هو الاسم الثقيل الذي هو الكسر، وأعطي الثقيل الذي هو الفعل الخفيف الذي هو السكون من باب التعادل والتناسب.
إذاً: بهذه الأبيات أو هذين البيتين أشار إلى أن ألقاب الإعراب أربعة: رفع ونصب وجزم وخفض، وأن منها ما هو مشترك ومنها ما هو خاص.
يبقى أن ننبه: أن أنواع البناء وأنواع الإعراب متحدان في الصورة كما ذكرنا، هناك قال:
مِنْهُ ذُو فَتْحٍ وذُو كَسْرٍ وَضَمْ وسكون ..
وهنا قال: رفع ونصب .. والرفع هو نفس الضمة، والنصب هو نفس الفتحة، والجر هو نفس الكسرة وما ناب عنها، والجزم سكون وما ناب عنها، إذاً: اتفقا واتحدا في الصورة، صورتهما واحدة، وإن اتحدتا في الصورة مختلفتان في الحقيقة، لماذا؟ لأن السكون الذي يكون في المبني هل هو مجلوب لعامل أو لا؟ لا، والسكون الموجود في: ((لَمْ يَلِدْ)) [الإخلاص:٣] هل هو مجلوب لعامل أم لا؟ مجلوب لعامل، إذاً: فرق بينهما، في الصورة متحدان، إذا قلت: إن حرف شرط مبني على السكون، ((لَمْ يَلِدْ)) [الإخلاص:٣] السكون الذي على الدال في: ((لَمْ يَلِدْ)) [الإخلاص:٣] في النطق هو عينه الذي على النون في: إن، لكن ما الفرق بينهما؟ يلد: السكون جلبه لم، وهنا غير مجلوب لشيء.
إذاً: من حيث الحقيقة مختلفان، ومن حيث الصورة متفقان.
ثم قال رحمه الله تعالى:
فَارْفَعْ بِضَمٍّ وَانْصِبَنْ فَتْحاً وَجُرّ ... وَاجْزِمْ بِتَسْكِينٍ وَغَيْرُ مَا ذُكِرْ ... كَسْراً كَذِكْرُ اللهِ عَبْدَهُ يَسُرّ
يَنُوبُ نَحْوُ جَا أَخُو بَنِي نَمِرْ
هذه الأنواع الأربعة لها علامات، المعرب .. الأصل في كل معرب أن إعرابه يكون بالحركات أو السكون هذا الأصل: أن يكون إعرابه بالحركات أو السكون، والأصل في كل معرب بالحركات إن كان مرفوعاً فرفعه يكون بالضمة، وإن كان منصوباً فنصبه يكون بالفتحة، وإن كان مخفوضاً أو مجروراً فجره يكون بالكسرة، وإذا كان مجزوماً فجزمه يكون بالسكون.
إذاً: الإعراب له علامات .. علامات أصول، وعلامات فروع، هو أراد أن يبين لنا بهذين البيتين أن الأصول أربعة، وأن الفروع هذه باعتبار النائب وباعتبار المحل كما سيأتي.
فَارْفَعْ بِضَمٍّ .. فارفع: الفاء هذه فاء الفصيحة، فصيحة: فعيلة، يعني مفصحة بمعنى اسم الفاعل مفصحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، إذا أردت معرفة علامات الأنواع السابقة الرفع والنصب، فأقول لك: فارفع بضم، الباء هذه تسمى باء التصوير، من تصوير النوع بصنفه، يعني: ارفع رفعاً مصوراً بضم، ما صورة هذا الرفع؟ على القول بأن الإعراب لفظي الرفع هو عين الضمة.
إذا قلنا مثلاً: زيد يقوم .. يقوم زيد، إذا قلت: يقوم، هذا مرفوع، كيف أصور الرفع؟ أنطق بالضمة: يقومُ، فنطقك بالضمة هو عين الإعراب، إذاً: صورت هذا الرفع بماذا؟ بالتلفظ بالضمة، زيدٌ، إذا لفظت بالضمة حينئذٍ صورت الرفع، إذاً: النوع الأول وهو الرفع إيجاده وتحقيقه في محله من اسم أو فعل، يكون بنطقك بالضمة، فالضمة هي عين الإعراب، والإعراب الرفع هو عين الضمة، فهما متحدان.
стр. 211
فَارْفَعْ بِضَمٍّ، يعن: ارفع رفعاً مصوراً بضم، تصويرك لهذا الرفع إنما يكون بضم.
هنا قال: بضمٍ، والأصل أن يقول: بالضمة، الضم: من ألقاب البناء، ومنه ذو ضمٍ .. فكيف جعل إعراباً أو علامة إعراب؟ يقال في الجواب: بأن عبارة المصنف هنا فيها مسامحة؛ لأن جرى عادة البصريين وهذا منسوب لهم وإن نسب إليهم غيره: أنهم يفرقون بين ضمٍ وضمٍ، فإذا كان المبنيُ مبنياً على الضم حذفوا منه التاء، وإذا كان المعرب معرباً بضم أضافوا إليه التاء، فيقولون: زيدٌ مرفوع ورفعه ضمةٌ بالتاء، وإذا كان مبنياً حيثُ، قالوا: مبني على الضم، فرقوا بينهما .. وهذا مجرد اصطلاح.
وقيل: البصريون يطلقون ألقاب البناء على علامات الإعراب، يتوسعون .. يطلقون ألقاب البناء: الضم والكسر والفتح، على ألقاب الإعراب، يعني: يتوسعون في إطلاق كل منهما على الآخر، والمسألة مجرد اصطلاح فحسب، إن فُرِّق فهو أحسن، يعني: إن جعل للبناء الضم، وللإعراب الضمة فهذا أجود وأحسن؛ لأن ثم فرقاً بين المبني والمعرب.
فَارْفَعْ بِضَمٍّ، نقول: لا منافاة بين جعل هذه الأشياء إعراباً وجعلها علامات إعراب؛ لأن القول بأن الضمة علامة إعراب، هذا يوافق القول بأن الإعراب معنوي وليس لفظي، إذا قلت: يقوم زيدٌ، زيدٌ: مرفوع ورفعه ضمة، هذا على القول بأن الإعراب لفظي، إذا قلت: مرفوع وعلامة رفعه .. علامة رفعه، حينئذٍ هذا نقول: هذا جرى على أنه معنوي، لكن جرت عادة البصريين القائلين: بأنه لفظي، أنهم يتوسعون في العبارة، فقد يُعَبِّرُون برَفْعُه .. برَفعِه، ورَفعُه ضمة، أو يقولون: وعلامة رَفْعِه ضمة، وهذا ..
ثم جواب آخر: نقول: وجعلها علامات إعراب هي إعراب من حيث عموم كونها أثراً جلبها العامل، وعلامات من حيث الخصوص، يعني: هي علامة من حيث الخصوص، وهي إعراب لفظي من حيث كونها مجلوباً للعامل.
يقوم زيدٌ، زيدٌ: هذه الضمة ننظر لها نظرين: من جهة كونها مجلوبةً للعامل، أي: جلبها فحينئذٍ هي عينه، ومن جهة خصوص التعبير عنها، لو قلنا: علامة الرفع الضمة، قالوا: لا بأس به، لكن هذا فيه نظر.
فَارْفَعْ بِضَمٍّ: إذاً الرفع يكون بضم وما ناب عنه، وسواء كان هذا الضم ظاهراً أو مقدراً، والأمثلة واضحة.
وانْصِبَنْ فَتْحاً: وانصبن فتحاً، يعني: بفتح، فتحاً هنا منصوب بنزع الخافض، إذاً: كأنه قال: وانصبن فتحاً، يعني: بفتح، وانصبن: مصوراً النصب بفتح، حينئذٍ تكون الباء التي نزعت تكون ماذا؟ تكون للتصوير،
وَجُرّ كَسْراً ..
فَارْفَعْ بِضَمٍّ وانْصِبَنْ فَتْحاً وَجُرّ .. هذا فعل أمر أنت .. كَسْراً: أيضاً منصوب بنزع الخافض، كأنه قال: وجر جراً مصوراً بكسر، فكسراً هذا منصوب بنزع الخافض.
مثال ما ذكر: كَذِكْرُ اللهِ عَبْدَهُ يَسُرّ .. كَذِكْرُ: الكاف هذه حرف جر للتشبيه تجر ما بعدها، وذكر: بالرفع على أنه مبتدأ، حينئذٍ لا بد من التأويل، إما أن نقول: الكاف اسمية، مثل ذِكْرُ .. ومثل هذه تضاف إلى الجمل ولا إشكال فيها، وإما أن يقال: بأن الكاف على أصلها حرف جر، لكنها دخلت على محذوف، كقولك: ذكر، وهذا في جميع ما يمر بك في الأمثلة:
стр. 212
إذا دخلت .. أو دخل حرف الجر على جملة كتسعدوا ونحو ذلك حينئذٍ لك توجيهان: إما أن تجعل الكاف اسمية، وإما أن تجعلها حرفيةً ومدخولها محذوف؛ لأنه تقرر أن حرف الجر لا يدخل إلا على الأسماء.
كَذِكْرُ اللهِ عَبْدَهُ يَسُرّ، ذكر: هذا مبتدأ مرفوع ورفعه ضمةٌ .. فَارْفَعْ بِضَمٍّ، وهو مضاف، ولفظ الجلالة مضاف إليه مجرور بكسرٍ .. وَجُرّ كَسْراً، عبده: هذا مفعول به لذكر المصدر؛ لأنه ينصب، أضيف هنا فنصب، عبده: هذا منصوب بذكر، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره.
وانْصِبَنْ فَتْحاً .. إذاً: مَثَّل للكل لكن لا على جهة الترتيب.
يَسُرّ، يعني: .. هذا مثال لأي شيء؟ هذا للمضارع المرفوع، فكأنه مثل للاسم والفعل، والجملة في محل رفع المبتدأ ذِكْرُ
واجْزِمْ بِتَسْكينٍ: هذا النوع الرابع من أنواع الإعراب، واجزم آخر الكلمة بتسكينٍ، نحو: لم يقم، وهذا خاص بالأسماء، بِتَسْكينٍ: هذا من إطلاق المصدر وإرادة الأثر وهو السكون، واجزم بتسكينٍ، يعني: بالسكون، كقولك أو نحو: لم يقم، لم: حرف نفي وجزم وقلب، ويقم: فعل مضارع مجزوم بلم وجزمه سكون آخره، إذاً: هذه أربعة أنواع للإعراب:
النوع الأول: الرفع، وعلامته الأصلية الضمة، والثاني: النصب، وعلامته الأصلية الفتحة، والثالث: الجر، وعلامته الأصلية الكسرة، والرابع: الجزم، وعلامته الأصلية السكون، إذاً: أربع علامات أصلية، وثم فروع، قال:
وَغَيْرُ مَا ذُكِرْ يَنُوبُ: وغير ما ذكر من الإعراب بالحركات السابقة والسكون ينوب عنه، يعني: يكون نائباً عنه، في ماذا؟ في الإعراب، إن كان مرفوعاً بضمةٍ فما ناب عنه، ناب عنه في كونه مرفوعاً، وإذا ناب عنه في كونه منصوباً حينئذٍ ناب عنه في نفس الإعراب.
واجْزِمْ بِتَسْكينٍ وَغَيْرُ مَا ذُكِرْ .. من الحركات والسكون ينوب عنه، فينوب عن الضمة ثلاثة أشياء: الواو والألف والنون، وعن الفتحة: الألف الياء والكسرة وحذف النون، أربعة، وعن الكسرة أمران: الفتحة والياء، وعن السكون: حذف الحرف.
فللرفع أربع علامات: علامةٌ أصلية وثلاثة فرعية، وللنصب خمس علامات: علامةٌ أصلية وأربع فرعية، وللجر ثلاث علامات: علامةٌ أصلية وثنتان فرعية، وللجزم علامتان، فهذه أربع عشرة علامة، منها أربعة أصول وعشرة فروع، فروع باعتبار الحال نفسه، وأما باعتبار المحل فهي سبعة أبواب، إن نظرنا إلى الذي ينوب .. النائب نفسه فهي عشرة، وإذا نظرنا إلى الأبواب فهي سبعة: خمسة في الأسماء واثنان في الأفعال، خمسة في الأسماء .. الأسماء الستة، والمثنى، وجمع المذكر السالم، وجمع المؤنث السالم في حالة النصب، والممنوع من الصرف في حالة الجر، هذه خمسة.
واثنان في الأفعال: الفعل المضارع معتل الآخر، والأفعال الخمسة، والأحسن تقول: الأمثلة الخمسة.
وَغَيْرُ مَا ذُكِرْ .. من الإعراب بالحركات والسكون ينوب عنه.
стр. 213
نَحْوُ جَا أخُو بَنِي نَمِرْ: جَا أخُو .. جاء هذا الأصل، جاء بالقصر، لغةً أو ضرورةً؟ نقول: لغة، جاء إذا كان مهموز هو وغيره، إذا تلاه همزة، يعني: مفتتح بالهمزة جاز حذف الهمزة الأولى، جاء أخو .. أصلها: جاء أخو، حينئذٍ يجوز التخفيف لغةً، فيقال: جا أخو بالقصر، حينئذٍ يكون من باب اللغة، لا من باب الضرورة، بقصر جا لا للضرورة، بل لكثرة حذف إحدى الهمزتين من كلمتين إذا اجتمعتا.
أخُو بَنِي نَمِرْ .. جا: فعل ماضٍ مبني على الفتح فتح الهمزة المحذوفة تخفيفاً، جا أخو، أخو: فاعل مرفوع ورفعه الواو نيابة عن الضمة، هنا ناب، هذا مثال للضم في النيابة بالواو، وهو من الأسماء الستة، أخو: مضاف، وبني: مضاف إليه، مجرور بماذا؟ بالياء؛ لأنه من الأسماء الستة، لأنه ماذا؟
مثنى .. مجرور بالكسرة .. هل من قولٍ رابع؟ نعم محلق يا إخوان ملحق، الأصل في هذه المسائل تكون واضحة، دارس الألفية يختلف عن المبتدئ، أنت لست مبتدئ، الأصل هذه المسائل تكون واضحة، يعني: بَنِي أصلها: ابن، سيأتي معنا غداً في جمع المذكر السالم: أن جمعه بواو ونون يعتبر شاذ، يعني: من الملحق، إذاً: بني، نقول: ملحق بجمع المذكر السالم، مجرور وجره الياء نيابةً عن الكسرة، إذاً: هو ملحق بالجمع.
نَمِرْ، نمر على وزن فعل، هذا يحتمل أنه ممنوع من الصرف إذا للعلمية والتأنيث -إذا جعل اسماً لقبيلة-، ومصروفاً إذا جعل اسم رجل، يحتمل هذا وذاك، نمرٍ .. نمرَ بالفتح، وكل منهما .. جَا أخُو بَنِي نَمِرْ، كل منهما .. نقول نمر، ما إعرابه هنا؟ نعم، أخو بني، نعم أصلها: بنين، حذفت النون للإضافة، إذاً: بني مضاف، ونمر مضاف إليه، إما أن يكون مجروراً السكرة على الأصل إذا جعل اسماً لرجل أبو القبيلة الأصل، وإما أن يكون مجروراً بالفتحة نيابةً عن الكسرة ممنوعاً من الصرف للعلمية والتأنيث.
إذاً: جَا أخُو بَنِي نَمِرْ، أشار به إلى كون الواو نيابةً عن الضمة، والياء نيابةً عن الكسرة، والفتحة نيابةً عن الكسرة إذا جعلناه ممنوعاً من الصرف.
ثم شرع في بيان الأسماء، أو الأبواب التي تنوب عن هذه الحروف فقال:
وَارْفَعْ بَوَاوٍ وانْصِبَنَّ بِالأَلِفْ .. وهذا يأتينا المغرب إن شاء الله تعالى,
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
- ما علة بناء من الشرطية؟
- أجيبوا .. من الشرطية ..
- الشبه الوضعي .. الشبه المعنوي قولان .. والراجح؟ الأظهر عند النحاة أنه المعنوي، وإذا ألحق به الشبه الوضعي لا بأس.
- هذا يقول: ما كان علامةً لأمر ما فهو خاص به، ألا يرد على هذا أن قد علامة للماضي وليست مختصة به، بل تدخل على المضارع؟
- هي ليست علامة مختصة، هي علامة مشتركة تدخل على الماضي وتدخل على المضارع.
- قيل: أن البصريين يطلقون ألقاب البناء على .. هل على علامات الإعراب، أم على ألقاب البناء؟
- لا، يقال: أنواع الإعراب وألقاب الإعراب، لا بأس هذا بذاك.
- والاسم قد خصص بالجر كما .. ما: اسم موصول ..
- لا ليس في الظاهر اسم موصول، ما مصدرية كتخصيص الفعل، فهي مؤولة بمصدر.
- ضربوا: على الصحيح أنه مبني على الفتح المقدر، وعلى مذهب الجمهور: مبني على الضم، هل هذا الإعراب صحيح؟
стр. 214
- نعم، هل نقول: هذا الإعراب صحيح؟ هو مبني، إذا قلنا: جاء فعل ماضي مبني، نحن نقول: أعرب .. الإعراب خاص بالمعربات، ثم تقول: جاء فعل ماضي مبني، إذا قلنا: أعرب جاء زيد، ماذا تقول؟ جاء فعل ماضي مبني على الفتح، الأصل أن تقول: زيدٌ مرفوع فاعل، وتترك جاء؛ لأن السؤال بماذا؟ عن الإعراب، أليس كذلك؟ نعم، الإعراب يطلق بمعنيين: معنىً خاص ومعنىً عام، المعنى العام: هو الذي يكون بإجراء وتنزل القواعد على الكلام العربي نفسه، فإن نزلت جاء على ما قعده النحاة يسمى إعراب، ليس هو الإعراب الذي يقابل البناء لا، واضح هذا.
- ما الأفصح في لغة العرب إذا كان ما اسم موصول بمعنى الذي؟ فهل إذا قلنا: ما، اتفق على بنائه أفصح، أو نقول: الذي اتفق على بنائه؟
- ما أدري ماذا يقصد هذا؟! ما نفسها اتفق على بنائها، والذي أيضاً اتفق على بنائه، هذا شيء وهذا شيء، لكن: ما، تفسر من حيث المعنى، ومن وما وأل تساوي ما ذكر.
- ما هي الجمل التي ليس لها محل من الإعراب، وما هي الجمل التي لها محل من الإعراب، وما هو الضابط في معرفتها؟
- هذا كتاب كامل اسمه: قواعد الإعراب، ونظمه الزواوي وشرحناه ترجع إليه، كتاب كامل سنة جلسنا فيه أظن، هذه سبعة وهذه سبعة.
- لم أفهم قول الناظم: ذكر الله عبده يسر ..
- ذكر: هذا مثال للمرفوع، ولفظ الجلالة هذا مثال للمجرور، وعبده: هذا مثال للمنصوب.
والله أعلم وصلى الله وسلم ... !!!
стр. 215
عناصر الدرس
* علامة الإعراب الفرعية (النيابة) ـ وأقسامها.
* بيان الباب الأول من أبواب النيابة (الأسماء الستة) ـ
* بيان عدد الأسماءالستة وعلامة إعرابها (حكمها) ـولغاتها.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
وقفنا عند قول الناظم:
وَارْفَعْ بِوَاوٍ وَانْصِبَنَّ بِالأَلِفْ .. إلى آخره
هذا شروع منه في بيان أبواب النيابة، وقد ذكرنا أن الإعراب: جنس تحته أربعة أنواع: رفع ونصب وخفض وجزم، وأن لهذه الأنواع علامات، علامات أصول، وعلامات فروع، والفروع ينظر إليها نظران: إما باعتبار المحل وإما باعتبار الحال، الحال يعني: نفس الألف والواو والياء، واعتبار المحل نفس الكلمة التي تكون محلاً للنيابة، فباعتبار المحل النائب سبعة أبواب: خمسة في الأسماء، واثنان في الأفعال، وأما باعتبار النائب فعشرة: ثلاثة عن الضمة، وأربعة عن الفتحة، واثنان عن الكسرة، وواحد عن السكون.
ثم اعلم أن النائب في الاسم إما حرف وإما حركة، قد ينوب حرف عن حركة كما هو الشأن في الأسماء الستة، الواو نابت عن الضمة، وقد تنوب حركة عن حركة، كما هو في جمع المؤنث السالم: نابت الكسرة عن الفتحة في حالة النصب، وكذلك الممنوع من الصرف نابت الفتحة عن الكسرة، إذاً: إما حرف وإما حركة، وفي الفعل إما حرف وإما حذف، حرْفٌ: مثل النون -ثبوت النون-، والحذْفُ: مثل حذف النون فهو نائب عنه.
فنيابة الحرف عن الحركة في الاسم يكون في ثلاثة مواضع: الأسماء الستة، والمثنى، والجمع على حَدِّه، هذا ماذا؟ نقول: نيابة الحرف عن الحركة في الاسم يكون في ثلاثة مواضع: الأسماء الستة، والمثنى، والجمع على حَدِّه، فبدأ بالأسماء الستة، قدم الأسماء الستة على المثنى وعلى الجمع على حد المثنى؛ لأنها أسماء مفردة، أبوك .. أبٌ .. أخٌ .. حمٌ .. هنُ، هذه أسماء مفردة يعني: ليست مثناة ولا مجموعةً، والمفرد سابق المثنى، والجمع هو أسبق، أبٌ أبوان أبون، أيهما أسبق؟ المفرد، ثم المثنى ثم الجمع.
إذاً: قدم المفرد لأنه أسبق، ولأن إعرابها على الأصل في الإعراب بالفرع من كل وجه، المثنى هو نائب للفعل، لكنه ينوب الألف عن الضمة، والياء عن الكسرة، وأما في حالة النصب فهذا لم ينب شيء عن شيء في الحقيقة، وإنما ناب حرفان عن ثلاث حركات، ولذلك نقول: يرفع بالألف وينصب ويجر بالياء، الياء ليست هي عين الياء كما سيأتي، فحينئذٍ لم يستوف الثلاث، فالأصل في الإعراب بالحروف أن تكون الواو نائبة عن الضمة، والألف نائبة عن الفتحة، والياء نائبة عن الكسرة.
ولذلك يقال: إن الإعراب بالحروف أقوى من الإعراب بالحركات، لماذا؟ لأن الواو عبارة عن ضمتين، والألف عبارة عن فتحتين إشباع، والياء عبارة عن كسرتين، فحينئذٍ ما استوفى هذه الحروف الثلاثة تمت النيابة فيه عن جميع الحركات، فالواو نائبة عن الضمة، والألف نائبة عن الفتحة، والياء نائبة عن الكسرة، وهذا لا يوجد لا في المثنى ولا في جمع المذكر السالم؛ لأنه في جمع المذكر السالم نابت الواو والياء فقط، وفي المثنى نابت الألف والياء، إذاً: لم يستوف، فلذلك قدم هذا الباب من هذين الجهتين:
أولاً: لأنه مفرد، والمفرد سابق المثنى.
следующие страницы →