← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 36130

شرح ألفية ابن مالك للحازمي

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (2 939 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

إذاً: (إِنْ كَانَ تَرْكُهَا يُفِيتُ المَعْرِفَهْ) متى؟ بأن تكون هي مَقصودة بالنداء يعني: (الصفة)، واسم الإشارة قبلها لمُجرَّد الوصْلة إلى نِدائها، كقولك لقائمٍ بين قومٍ جلوس: يا هذا القائم، فيَتَعيَّن حينئذٍ الوصف .. لا بد من ذكر الصفة؛ لأن الوصف هو المقصود بالنداء، فصار (هذا) مثل (أي) في كونه وصْلة يُتَوَصل بها إلى نِداء ما فيه (أل)، أمَّا إذا كان اسم الإشارة هو المقصود بالنداء بأن قَدَّرت الوقوف عليه، يعني: يُمكن الوقف عليه فيَتم المعنى، فلا يلزم شيءٌ من ذلك، أي: مجموع ما ذُكِر، لأن بعضه يَلزم وهو القرن بـ (أل) .. منعوت (أل) .. صفة (أل) لا بُدَّ أن يكون مُحلىً بـ (أل). وإلا لصَحَّ: يا هذا رجلٌ وليس كذلك، لكن نقول: هنا (مَصْحُوبَ أَلْ) لا يُؤْخَذ حكمُه من هنا، وإنما يُؤْخَذ حكمه من باب النعت،؟؟؟ أن النَعْت .. اسم الإشارة لا بُدَّ أن يكون مُحلىً بـ (أل)، لا يجوز أن يكون نكرة: يا هذا رجلٌ لا يصح، بل لا بُدَّ أن يكون مُحلىً بـ (أل)، حينئذٍ يكون الحكم مأخوذ من حكمٍ سابق .. من باب النعت. ويجوز في صفته حينئذٍ ما يجوز في صفة غيره من المُنَاديات المبنيات على الضم، يعني: إذا قُصِد اسم الإشارة حينئذٍ لا يلزم الصفة، لكن لو ذُكِرَت فيجوز فيه الوجهان، مثل غيره من تابع المُنَادى، كأنك قلت: يا زيد الظرِيفُ الظرِيفَ، إذا قُلت: يا هذا القائم، وكان المقصود بالنداء هو لفظ (هذا) حينئذٍ لا نحتاج إلى القائم، لو ذكرناه جاز فيه الوجهان، وأما إذا كان هو المقصود تَعيَّن فيه الرفع وهو وجهٌ واحد. (وَذُو إِشَارَةٍ كَأَيٍّ فِي الصِّفَةْ) يعني: في لزومها، ولزوم رفعها، ولزوم كونها بـ (أل) على ما مَرَّ، نحو: يا ذا الرجل، ويا ذا الذي قام، ويا هذا الرجلُ، ويا هذا الذي قام، ويا هؤلاء الكرام، فـ (ها) للتنبيه، واسم الإشارة مُنَادى مُقدَّرٌ فيه الضَّم، وما بعده صفةٌ له مرفوعة باعتبار اللفظ للمُشاكَلة. وَذُو إِشَارَةٍ كَأَيٍّ فِي الصِّفَةْ ... إِنْ كَانَ تَرْكُهَا .. يعني: ترك الصفة .. (يُفِيتُ المَعْرِفهْ) .. (إِنْ كَانَ تَرْكُهَا)، (تَرْكُهَا) هذا اسم كان، و (يُفِيتُ المَعْرِفهْ)، (يُفِيتُ): خبر كان، و (المَعْرِفهْ): مفعول يفيت، فَات .. يُفِيت، أي: يُفَوِّت عِلْم المُخاطب بالمُنَادى. قال هنا الشارح: " يُقال: يا هذا الرجل، فيجب رفع الرجل إن جُعِل (هذا) وُصْلة لنِدائه، كما يجب رفع صفة (أي)، وإلى هذا أشار بقوله: (إِنْ كَانَ تَرْكُهَا يُفِيتُ المَعْرِفهْ)، فإن لم يُجْعَل اسم الإشارة وصْلة لنِداءِِ ما بعده لم يجب رفع صفته، بل يجوز الرفع والنصب ". فِي نَحْوِ سعْدُ سعْدَ الاَوْسِ ينتَصِبْ ... ثانٍ وضُمَّ وَافْتَحْ أَوَّلاً تُصِبْ (فِي نَحْوِ) فُهِم منه أنه ليس مقصوراً على المذكور، بل فيه قياسٌ كما سيأتي. (فِي نَحْوِ سَعْدُ سَعْدَ) يا سعد .. (سعد) هذا مُنَادى حُذِف (يا) النداء، (سعْدُ سعْدَ الأَوْسِ) يعني: في مثل هذا التركيب انظر: (سعْدُ سعْدَ الأَوْسِ) الأول علم مُفرد، والثاني علم مُفرد، والثاني مضاف: يا زَيْدُ زَيْدُ العِلْم مثلاً .. مثلُه.

стр. 1962

من كل تركيبٍ وقع فيه المُنَادى مُفرَداً مُكرَّراً .. نفس اللفظ: (يَا زَيْدُ زيْدَ الْيَعْمَلاَتِ) .. من كل تركيب وقع فيه المُنَادى مُفرَداً مُكرَّراً، ووقع بعد المرة الثانية مضافٌ إليه، يعني: الثاني أُضِيْف وقع مضاف، وبعضهم لا يقول الثاني أُضِيْف من أجل إدخال بعض المذاهب، يُقال: ووقع بعد المرة الثانية مُضَافٌ إليه. إذاً: في مثل هذا التركيب يَنْتَصب ثانٍ وجُوباً، الذي هو (سعد) الثاني، (ينتَصِبْ ثَانٍ) وجُوباً، (ثانٍ) هذا فاعل، أين الرفع؟ مُقَدَّر على الياء المحذوفة تَخفيفاً، أو يُقال: بأنه سُكِّنَ (ثَانِي) ثُمَّ نُوِّنَ (ثانٍ) إذاً: فاعل ينتصب. (يَنتَصِبْ ثَانٍ) وجوباً، لماذا؟ لأنه مُضاف، مثل: يا غُلامَ زيدٍ .. يا صَاحبَ عِلْمٍ، مثلُه مضاف. (وَضُمَّ وَافْتَحْ أَوَّلاً) يعني: الأول يجوز فيه الوجهان: (سَعْدُ سَعْدَ) الضَمُّ بناءً على الأصل، والفتح هنا جاء فيه الخلاف كما سيأتي. إذاً (فِي نَحْوِ): هذا جار ومجرور مُتعلِّق بقوله: (يَنتَصِبْ). (فِي نَحْوِ) يا (سَعْدُ سَعْدَ الأَوْسِ يَنْتَصِبْ ثَانٍ) وجوباً، (وَضُمَّ) على الأصل (وَافْتَحْ) على الإتباع (أَوَّلاً)، - (أَوَّلاً) هذا متنازع فيه (ضُمَّ وَافْتَحْ) -، (تُصِبْ): هذا جواب الأمر، ضُمَّ تُصِب، (تُصِبْ): هذا فعل مضارع مجزوم لوقوعه في جواب الطلب. فإن ضَمَمْتَه فلأنه مُنَادى .. مُفرَد .. مَعرِفة، وانتصاب الثاني حينئذٍ، لأنه مُنَادى مضاف، أو توكيد، وهذا انْتُقِد كما سيأتي، أو عطف بيان، أو بدل، أو بِإضْمَار (أعني) كم وجه؟ خمسة: يجوز فيه أن يكون مُنَادى مضاف، يعني كأنه قال: (يا سَعْدُ يا سَعْدَ الأَوْسِ) .. (يا سَعْدَ) مُنَادى مضاف فهو منصوب. أو توكيد، وتوكيد المنصوب منصوب .. باعتبار المحل. أو عطف بيان، أو بدل، أو بإضْمَار (أعني)، يعني: صار مقطوعاً بتقدير عاملٍ محذوف. فإن ضُمَّ الأول كان الثاني منصوباً على التوكيد، وهذا مُعْتَرَض، لأنه إمَّا أن يكون تَوكِيداً مَعنَوياً أو لَفظِياً، (معنوياً) هذا محصور في السبعة الألفاظ: نفس، وعين إلى آخره. إذاً: ليس واحداً منها، وتوكيد اللفظ بأن يكون الثاني هو عَيْن الأول، وهنا هل هو عَيْنَه؟ (يَا سَعْدُ) غير مُضاف مفرد، (سَعْدَ الاَوْسِ) إذاً: يمتنع أن يكون توكيداً في اللفظي أو المعنوي، ولذلك أُعْتُرِض إعرابه توكيداً. أو على إضْمَار (أعني) أو على البدلية، أو عطف البيان، أو على النداء، وإن نُصِبَ الأول: (يا سَعْدَ)، فمذهب سيبويه: أنه مُنَادى مضاف إلى ما بعد الاسم الثاني، وأن الثاني مُقْحَمٌ بين المضاف والمضاف إليه، وهذا غريب! لماذا؟ لأنه يقول: أن الأول مضافٌ للثاني .. أنه مضافٌ إلى ما بعد الاسم الثاني، يعني: الأول مضاف للأوس. أصل التركيب: يا سَعْدَ الأَوْسِ سَعْدَ، ثُمَّ جيء بـ: (سعد) فأُقْحِم بين المضاف والمضاف إليه، وهذا مُعْتَرَض بأن المضاف والمضاف إليه كالكلمة الواحدة فلا يُفْصَل بينهما وهذا أجنبي عنه، حينئذٍ يكون يا سَعْدَ الأَوْسِ سَعْدَ، (يَا سَعْدَ) هذا يكون النصب هنا على الأصل، لأنه مضاف ومضاف إليه، وهذا يَتعيَّن فيه النصب، وهذا ضعيف.

стр. 1963

المذهب الثاني .. مذهب المُبَرِّد: أنه مُضاف إلى محذوفٍ مثل ما أُضيف إليه الثاني، والثاني مضافٌ إلى الآخر كذلك، يعني كأن التركيب: يا سَعْدَ الاَوْسِ يا سَعْدَ الاَوْسِ .. يا سَعْدَ الأَوْسِ سَعْدَ الأَوْسِ، فحُذِف من الأول لدلالة الثاني عليه، حذف الأول: الأَوْسِ فقال: يا سَعْدَ سَعْدَ الأَوْسِ، وهذا مُعْتَرضٌ أن الحذف إنما يكون من الثاني لدلالة الأول عليه، لا العكس، لأن الذي يَدل ليس في أول الكلام .. ليس هو الذي يُحْذَف، وإنما لو قال: يا سْعَدَ سَعْدَ الأَوْسِ بأنه حُذِفَ الثاني ودَلَّ عليه الأول لصَحَّ: يا سَعْدَ الأَوْسِ سَعْدَ: هذا لا بأس به .. أن يُقال: حُذِف من الثاني (الأوس) فَدَّل عليه الأول، أما بالعكس هذا قليل نادر، فلا يُحْمل عليه. المذهب الثالث: أن الاسمين رُكِّبَا تركيب خمسة عشر، ففتْحَتُهما حينئذٍ فتحة بناء لا إعراب، ومجموعهما مُنَادى مضاف، وهذا مذهب الأعلى. إذاً: يا سَعْدَ سَعْدَ الأَوْسِ: إن ضُمَّ الأول يا سَعْدُ جاز في الثاني خمسة أوجه، وإن فُتِح الأول: يا سَعْدَ سَعْدَ الأَوْسِ: هنا وقع الإشكال. فلو قيل: بأن الفتحة هنا ليست فتحة إعراب، وإنما هي حركة مُشاكَلة لما بعده، وهو مُنَادى مبني في المحل .. انتهينا من الخلاف، وأمَّا على رأي سيبويه حينئذٍ: يا سَعْدَ سَعْدَ الأَوْسِ أصله: يا سَعْدَ الأَوس سَعْدَ، فأُقْحِم (سعد) بين المضاف والمضاف إليه. وعلى مذهب المُبَرِّد: أنه مضافٌ محذوف المضاف، يعني: يا سَعْدَ الأوس سَعْدَ الأوس، فحُذِف من الأول: يا سَعْدَ الأوس، فقيل: (يا سَعْدَ) وأُبقي الثاني دليلاً عليه، وهذا فيه ضعف. أو .. المذهب الثالث: أن الاسمين رُكٍّبَا تركيب خمسة عشر، وكل هذا فيها إشكال. إذاً: فِي نَحْوِ سعْدُ سعْدَ الاَوْسِ ينتَصِبْ ... ثانٍ وضُمَّ وافتح أَوَّلاً تُصبْ أما الثاني فهو منصوبٌ مُطلقاً، وإنما الوجهان في الأول فحسب. صَرَّح في الكافية: بأن الضَمَّ أمثل الوجهين، يعني قوله هنا: (وَضُمَّ وَافْتَحْ) قَدَّم الضَّمَّ فَدَّلَ على أنه أرجح، بل صَرَّحَ في الكافية: بأن الضَّمَّ أمثلُ الوجهين. ومذهب البصريين: أنه لا يُشْتَرط في الاسم المُكرَّر أن يكون عَلَماً بل اسم جنس: يا رَجُلُ رَجُلَ قومٍ، ولذلك قال: (فِي نَحْوِ)، إذاً يَجوز القياس، فلا يُشْتَرط في الأول أن يكون عَلَماً، فُهِم منه: أن ذلك جائزٌ في العلَم، وفي النكرة المقصودة، يُقال: يا غُلامُ غُلامَ زيد .. يا غُلامُ .. يا غُلامَ، بالوجهين، إذاً: لا يُشْتَرط أن يكون في العلَم، وهو مذهب البصريين كما ذكرناه سابقاً. مذهب البصريين: أنه لا يُشْتَرط في الاسم المُكرَّر أن يكون عَلَماً، بل اسم جنسٍ، نحو: يا رَجُلُ رَجُلَ قومٍ، هذا جائز مثل: يا غُلامُ غُلامَ زجلٍ أو زيدٍ، و (الوصف) نحو: يا صَاحِبُ صاحبَ زيدٍ يجوز فيه الوجهان، يا صَاحِبُ صَاحِبَ .. صَاحِبَ زيدٍ كالعَلَم.

стр. 1964

وخالف الكوفيون: فمنعوا نصبه، وفي الوصف فذهبوا: إلى أنه لا يُنْصَب إلا مُنوَّناً، نحو: يا صاحباً صاحبَ زيدٍ، يعني لا يُقال: يا صَاحِبَ بدون تنوين كما هو مذهب البصريين، بل لا بُدَّ من تَنوِينه، هذا إذا كان الثاني مضاف، أمَّا إذا كان الثاني غَير مضاف: يا زيدُ زيدُ، دون إضافة، جاز ضَمُّه يعني: ضَمَّة بناء بدلاً ورفعه ونصبه عطف بيان على الأول أو المحل: يا زَيِدُ زَيِدَ .. يا زَيِدُ زَيدُ، يجوز فيه الوجهان. فأمَّا البدل فَمُنِع لأنه لا يَتَّحِد لفظ بدلٍ ومبدلٍ منه، إلا ومع الثاني زيادة بيان - وهذا ذكرناه من الفوارق -. وجَوَّز بعضهم أن يكون مُنَادىً ثانياً: يا زَيْدُ، كأنه مستقل، وأن يكون توكِيداً لفظياً، وهذا لا مانع منه لاتحاد اللفظ، ورَدَّه في شَرِح الكافية .. ردَّ كونه عطف بيان، لأن الشيء لا يُبيِّن نفسه، لو قيل: يا زيدُ .. (زيد) الثاني توكيد كان جيد، أو يُجْعَل كأنه مُنَادىً مستقل، أمَّا كونه عطف بيان: زيد وزيد، ليس فيه فائدة، بل قلنا: عطف البيان إذا اتَّحَد اللفظ خَرَج عن كونه بياناً، صار تُوكِيداً. ومثلُ: (يَا سَعْدُ سَعْدَ الأَوْسِ) .. (يَا تَيْمُ تَيْمَ عَدِيٍّ)، ومثله المثال المشهور: (يَا زَيْدُ زيْدَ الْيَعْمَلاَتِ). إذاً خلاصة هذا الفصل، وهو أحكام تابع المُنَادى، نقول: تابع المُنَادى المبني على أربعة أقسام .. من أجل التشويش الذي أوْرَدَه النَّظم: القسم الأول: ما يجب نصبه مراعاةً لمحل المُنَادى، وهو ما اجتمع فيه شيئان: مضاف، ودون (أل): أن يكون نعتاً، أو بياناً، أو توكيداً. والثاني: أن يكون مُضافاً أو مُجرَّداً من (أل) .. (تَابِعَ ذِي الضَّمِّ المُضَافَ دُونَ أَلْ)، يُشْترط فيه: ما يجب فيه النصب مراعاةً لمحل المُنَادى، ما اجتمع فيه شيئان، الأول: أن يكون نعتاً، أو بياناً، أو توكيداً، يعني: لا بدلاً، أو عطف نسقٍ بالوجهين. الثاني: أن يكون مضافاً، أو مُجرَّداً من (أل) نحو: يا زَيدُ صاحبَ عمروٍ، ويا زَيدُ أبا عبد الله، ويا تَيمُ كلَّهم أو كلَّكم، هذا ذكرناه فيما سبق، ووجوب النصب هنا لتابع المُنَادى، بالشرطين المذكورين هو مذهب جمهور النحاة. وحُكِي عن جماعةٍ من الكوفيين منهم الكِسائي والفَرَّاء: جواز الوجهين النصب والرفع، فأمَّا النصب مراعاةً لمحل المُنَادى والرفع تبعاً للفظه، يعني: حركة مُشاكَلة وإتباعٍ، لأن هذه الضمة عارضة، لأن المبني طارئ لا أصلي، فتزول الضمة بزوال النداء، فأشبهت حركة الإعراب فجاز مُراعاتُها، وحكوا ذلك في النعت والتوكيد لا في عطف البيان؛ لقرب الشبه بالبدل، والبدل إذا كان مُضَافاً وجب نَصبُه، لأنه كنِداء مستقل، فما أشبهه وأخذ حكمه. الحاصل: أن القِسم الأول: ما يجب نَصبُه عند جمهور النحاة، خلافاً للكِسائي وغيره، وهو ما وُجِدَ فيه أمران: - أن يكون توكيداً، أو نعتاً، أو عطف بيان. - وأن يكون مضافاً مقروناً بـ (أل) هذا القسم الأول: ما يجب نصبه، وهو الذي عناه الناظم بالبيت الأول. القسم الثاني: ما يجب رفعه مراعاةً للفظ المُنَادى، وهو نعت (أيٍّ) و (أيَّةٍ) .. (أيَّةٍ): هذه التي ننبه عليها، (أيتها) نفسها.

стр. 1965

ونعت اسم الإشارة إذا كان اسم الإشارة وُصْلة لنِدائه، نحو: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ)) [البقرة:٢١] .. ((يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ)) [الفجر:٢٧] .. يا هذا الرجل، إن كان المُراد أولاً نِداء الرجل، هذا يَتعيَّن فيه الرفع وهو صفة (أيّ) أو (ذو) الإشارة الذي عُومِل معاملة (أيّ)، ليس فيه إلا وجه واحد وهو الرفع .. يَلْزَمُ بِالرَّفْعِ. القسم الثالث: ما يجوز رفْعُه ونصْبُه وهو نوعان: الأول: النعت المضاف المقرون بـ (أل) نحو: يا زيد الحسَنُ الوجهِ. الثاني: ما كان مُفْرداً من نعتٍ، أو بيانٍ، أو توكيدٍ، أو كان معطوفاً مقروناً بـ (أل) نحو: يا زيد الحْسَنُ الحْسَنَ، يجوز فيه الوجهان، ويا غُلامُ بشرٌ وبشراً، يجوز فيه الوجهان، ويا تَيْمُ أجمعون وأجمعين يجوز فيه الوجهان، قال تعالى: ((يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ)) [سبأ:١٠] قراءة السبعة بالنصب وقُرِئ بالرفع. القسم الرابع: مَا يُعْطى تابعاً ما يَستَحقه إذا كان مُنَادىً مستقلاً، يعني: هو تابع، لكنه يُعَامل مُعامَلة المُنَادى المستقل وهو: البدل، وعطف النسق المُجرَّد من (أل)، يا زيد بِشْرُ .. (بِشْرُ) هذا بدل كل من كل، حينئذٍ نقول: هو على نِيَّة تكرار العامل: يا زَيدُ يا بِشرُ. ويا زَيدُ وبِشرُ، ويا زيدُ أبا عبد الله، ويا زيدَ وأبا عبد الله، وهكذا حكمهما مع المُنَادى المنصوب. هذا ما يتعلق بأحكام تابع المُنَادى. ونقف على هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!

стр. 1966

عناصر الدرس * المنادى المضاف إلى ياء المتكلم , وأحكامه * أسماء لازمت النداء. وأنواعه * شرح الترجمة / الإستغاثة , وحدها * حكم المستغاث وحكم لامه * حذف لام المستغاث. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعد: فقال الناظم - رحمه الله تعالى -: (المُنَادَى المُضَافُ إِلَى يَاءِ المُتَكَلِّمْ). المنادى قد يكون مُجرَّداً عن إضافةٍ مُطلقاً، وقد يكون مُضافاً، ثُمَّ إذا أضيف قد يُضاف إلى ياء المُتَكلِّم، وقد يضاف إلى غير ياء المُتَكلِّم، لمَّا اختص المنادى المضاف إلى ياء المُتَكلِّم بأحكام أفْرَدَه بفصلٍ كعادته فيما سبق. المنادى المضاف إلى ياء المُتَكلِّم أفرده بالترجمة لأن له أحكاماً تَخصُّه، فَتَقَدَّم فيما سبق في باب الإضافة: أن الأصل في ياء المُتَكلِّم، قيل السكون، وقيل الفتح .. لغتان: السكون والفتح، وأيهما أصل؟ قيل السكون، وقيل الفتح، كلٌ منهما ادعي أنه أصلٌ والآخر هو الفرع. وجُمِعَ بين القولين لأن السكون أصلٌ أول، والفتح أصلٌ ثاني، السكون أصلٌ أول، لأن الأصل في المبني أن يُسَكَّن: (وَالأَصْلُ فِي الْمَبْنِيِّ أَنْ يُسَكَّنَا)، والفتح أصلٌ ثانٍ إذ هو الأصل فيما وضع على حرفٍ واحد، هذا فيما سبق معنا أيضاً، قلنا: التاء ضَرَبْتُ، هنا الأصل فيما وضع على حرفٍ واحد يكون مُحَرَّكاً، ثُمَّ إذا حُرِّكَ بالفتح حينئذٍ يكون حُرِّكَ طلباً للخفة، يعني: لماذا كانت الحركة فتحة؟ نقول: طلباً للخفة. (المُنَادَى المُضَافُ إِلَى يَاءِ المُتَكَلِّمْ). لو قال إلى الياء لاحتمل أنه مضاف إلى ياء المخاطبة، هكذا قيل! إذ لا يُضاف لياء المخاطبة، حينئذٍ نقول: قوله (المُتَكَلِّمْ) هذا لبيان الواقع، إذ لا يُضَاف لياء المخاطبة، وليس في الضمائر ياءٌ غيرهما، يعني: غير ياء المُتَكلِّم وغير ياء المخاطبة، لكن لا يضاف إلى ياء المخاطبة، لأن ياء المخاطبة هذه علامةٌ على الفعلية، فلا تدخل على الاسم .. لا تكون مضافاً. قال ﵀: وَاجْعَلْ مُنَادَىً صَحَّ إِنْ يُضَفْ لِيَا ... كَعَبْدِ عَبْدِي عَبْدَ عَبْدَا عَبْدِيَا هذه خمس لغات (وَاجْعَل) هذا فعل أمر، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت (مُنَادَىً) هذا مفعولٌ أول، لأن اجعل يَتَعدَّى إلى مفعولين، (كَعَبْدِ) هذا مُتعَلِّق بمحذوف هو المفعول الثاني لاجعل، إذاً (مُنَادَىً) هذا مفعول أول، (كَعَبْدِ) هذا مفعولٌ ثاني، (اجْعَلْ مُنَادَىً) هذا مفعول أول، المنادى يعم .. يشمل المنادى الصحيح الآخر، والمعتل الآخر، لأنه نوعان: إمَّا أن يكون صحيحاً، وإمَّا أن يكون معتلاً، وسبق بيان الحكم في النوعين، ماذا قال هناك؟ آخِرَ مَا أُضِيفَ لِلْيَا اكْسِرْ إِذَا ... لَمْ يَكُ مُعْتَلاًّ. .... . . . إذاً: فَرَّقَ بين ما كان معتلاً، وما كان صحيح الآخر. هنا قال: (اجْعَل مُنَادَىً) فَعَمَّ، والحكم الخاص هنا وهو جعل خمس لغات في المضاف إليه المُتَكلِّم خاصٌ بالصحيح، حينئذٍ قال: (صَحَّ) يعني: منادىً صحيح .. صَحَّ آخره، صح: فعلٌ ماضي، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، يعود على المنادى، والجملة صفة، حينئذٍ صار قيداً .. قيداً لإخراج المنادى المعتل المضاف لياء المُتَكلِّم، حينئذٍ ليس له إلا لغةٌ واحدة، قبل النداء وبعد النداء حكمه واحد.

стр. 1967

إذاً قوله: (صَحَّ) بأن يكون آخره حرفاً غير لين، يعني: غير حرف علة، أو آخره حرف علة لكنه يكون ساكن، يعني: ما قبله يكون ساكن، إذ شرط حروف العلة: أن يكون ما قبلها من جنس الحرف، إن كان واواً أن يكون مضموماً، إن كان ياءً أن يكون ما قبلها مكسوراً، والألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحاً، ولذلك هي حرف مدٍ ولين، وأمَّا الواو والياء فيفترقان، إن ضُمَّ ما قبل الواو فهي حرف علة .. إن سَكن حينئذٍ نقول: هذا حرف لين. (صَحَّ) بأن آخره صحيحاً، يعني: ليس حرفاً من حروف العلة، أو كان آخره حرفاً من حروف العلة .. الواو أو الياء على التوسع، ولكن يكون ما قبلها ليس من جنسها، حينئذٍ نقول: هذه يجري مجرى الصحيح، مثل: دلوٍ وضبيٍ، (دلوٍ) هذا آخره واو، لكنه ليس معتلاً عند النحاة ولا عند الصرفيين، لأن شرط المعتل أن يكون ما قبله من جنس الحرف، يعني: حرَكَتُه دلوٌ .. ضبيٌ، إذاً: هذا يَجري مَجرى الصحيح. (صَحَّ) بأن يكون آخره حرفاً غير لين، أو ليناً قبله ساكن، لِين أو لَين يجوز فيهما الوجهان. إذاً: المعتل آخره ليس فيه إلا لغةٌ واحدة، وهي ثبوت ياءه مفتوحة، نحو: يا فتايَّ .. يا قاضيَّ، قاضيَّ نقول: هذا أدغمت الياء في الياء، يا فتايَّ .. يا قاضيَّ ليس فيه إلا لغةٌ واحدة، فالمعتل في النداء كحاله في غير النداء، الحكم واحد قبل النداء وبعد النداء، هنا قال: (صَحَّ إِنْ يُضَفْ لِيَا) لِيَا أي ياء؟ ياء المُتَكلِّم، لأنه كما سبق لا يضاف إلا إليها، وهي اسمٌ، لذلك نقول: هي مُرَكَّب إضافي، يعني: المضاف والمضاف إليه: غلامي .. عبدي، نقول: هذا مُرَكَّب إضافي، ولا تركيب إلا بين اسمين، إذ لا تركيب في حرف، لا نقول: ذاك وذلك مُرَكَّب تركيب إضافي، لأن الكاف واللام حرفان، وأمَّا هنا غلامي، نقول: هذه الياء اسمٌ. (إِنْ يُضَفْ لِيَا كَعَبْدِ) هنا المثال: كعبدِ قَيَّد قوله: (إِنْ يُضَفْ)؛ لأن إِنْ يُضَفْ .. يُضَف: هذا فعل، وهو مُنسبِك من مصدر، وقع في حَيِّز الشرط فيعم نوعي الإضافة: الإضافة المحضة، والإضافة اللفظية، لكن بقوله: (كَعَبْدِ) أخرج الإضافية اللفظية، إذ هذه الأوجه الخمسة المذكورة في الشطر الثاني لا تتأتى إلا في الإضافة المحضة، ولذلك قال: (عَبْدِ) هذا مثالٌ لأي شيء؟ للإضافة المحضة، عبدٌ لي: هذا الأصل. إذاً: هذه الأوجه الخمسة الآتية فيما إضافته إضافةٌ محضة، حينئذٍ لا بُدَّ من تقييد قوله: (إِنْ يُضَفْ) لأن هذا عام .. صيغة عموم (إِنْ يُضَفْ) كل إضافة لفظية أو معنوية، وهذه الأوجه فيما إضافته إضافة محضة ليست لفظية، وهذا مشعرٌ به التمثيل .. أشعر بهذا، أمَّا الوصف المشبه للفعل، وهو الإضافة اللفظية فإن يائه ثابتةٌ لا غير لا تحذف: ضاربي مطلقاً، لكن في الياء وجهان: الفتح والإسكان، إذاً: الياء ثابتة لا غير، لا يجوز حذفها إذا نودي: يا ضاربي .. يا مكرمي .. نقول: الياء ثابتة لا غير، لا بُدَّ من إثباتها ولا يجوز حذفها، ثُمَّ فيها وجهان: الإسكان والفتح، فياؤه ثابتة لا غير، وهي إمَّا مفتوحة أو ساكنة، نحو: يا مكرمي .. مكرميَّ، ويا ضاربي.

стр. 1968

وهذا إن لم يكن الوصف مثنىً أو جمعاً وإلا تَعيَّن الفتح، يعني: إذا كان الوصف مفرداً حينئذٍ يكون فيه وجهان: الفتح في الياء .. الياء ثابتة لا غير، الكلام في حركة الياء، إمَّا ساكنة أو مفتوحة، فيما إذا كان الوصف ليس مثنىً أو جمعاً، فأمَّا إذا كان مثنىً أو جمعاً فليس فيه إلا الفتح. إذاً قوله (صَحَّ) أخرج المعتل فليس فيه إلا لغة واحدة، قبل النداء وبعد النداء، وهي إثبات الياء وتحريكها بالفتح، قوله: (إنْ يُضَفْ كَعَبْدِ) أخرج الإضافة اللفظية، وما حكمها؟ نقول: وجوب إثبات الياء ولا يجوز حذفها البَتَّة، ويجوز في الياء لغتان: الإسكان والفتح، وهذا إذا لم يكن الوصف مثنًى أو جمعاً، يعني: كان مفرداً: مكرمي .. ضاربي، وأمَّا إذا كان مثنىً أو مجموعاً فالياء ثابتة كذلك، وليس فيه إلا الفتح، وأمَّا الإسكان فلا يجوز. (إِنْ يُضَفْ لِيَا) أَيُّ ياء؟ نقول: ياء المُتَكلِّم .. تقييد بالترجمة، لأنه إذا قيَّد في الترجمة حينئذٍ يُحمل ما تحت الترجمة على الترجمة، فلما قال: المضاف إلى ياء المُتَكلِّم، أخرج المضاف إلى غير ياء المُتَكلِّم، كصاحب زيدٍ وغلام زيد، هذا ليس داخلاً معنا، ولذلك أضافه إلى ياء المُتَكلِّم، فقَيَّد الياء هنا بالمُتَكلِّم، إذاً: لمَّا أطلق (إنْ يُضَفْ لِيَا) حُمِلَ على ما قُيِّد به في الترجمة. هذا المضاف الصحيح الآخر، إذا أضيف لياء متكلم وليس معتلاً، وليس وصفاً مشبهاً للفعل، فيه خمس لغات، أشار إليها بالشطر الثاني، وسردها سرداً، ذكر الأولى، وهي الأشهر والأفصح، ثُم ثنى بما دونها، ثم الثالث والرابع والخامس لم يسوي بينهما، وإنما لم يستطع الترتيب من أجل الوزن، وإلا الأصل أنها مرتبة، لكنه قدم الأُولى وهي: (عَبْدِ) الأصل: عبدي، نقول: هذا هو الأكثر والأفصح، أن يُحْذَف الياء وتبقى الكسرة دليلاً عليها، تقول: يَا عَبدِ. إذاً: الأُولى أشار إليها بقوله: (كَعَبْدِ)، وقلنا (كَعَبْدِ) هذا مُتعلِّق بمحذوف مفعول ثاني لـ (اجْعَلْ)؛ لأن (اجْعَلْ) يطلب مفعوليه. (كَعَبْدِ) هذه اللغة الأولى، وهي حذف الياء والاستغناء بالكسرة، يعني: الاكتفاء بالكسرة .. يحذف ويستغني بالكسرة: عَبْدِ .. يَا عَبْدِ .. يَا غُلَامِ، تبقى الميم مكسورة وتبقى الدال مكسورة، نحو: يا عبد، وهذا هو الأكثر والأفصح، ومنه قوله تعالى: ((يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ)) [الزمر:١٦] سواءً كان في المفرد أو الجمع، المضاف قد يكون مفرداً وقد يكون جمعاً، وكلٌ منهما قد يُضاف إلى ياء المُتَكلِّم: غِلْمَانِ، نقول حينئذٍ إذا أضيف مطلقاً فالأفصح الاستغناء بالكسرة عن الياء: ((يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ)) [الزمر:١٦]. (كَعَبْدِ عَبْدِي) هذا الثاني، وهو إثبات الياء ساكنة: (عَبْدِي) الياء ثابتة لم تحذف، لكنها ساكنة، وهذا دون الأول في الكثرة، ومنه: ((يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ)) [الزخرف:٦٨] بإثبات الياء ساكنة.

стр. 1969

الثالث مِمَّا أشار إليه الناظم: (عَبْدَ) وهو بقلب الياء ألفاً وحذفها والاستغناء عنها بالفتحة، أصله: يا عبدي، قُلِبَتْ الياء ألفاً، والألف لا يناسبها ما قبلها إلا مفتوحاً، ونُقِلَتْ الكسرة صارت فتحة، حُذِفَتْ الألف فقال: (عَبْدَ) .. (يَا عبْدَ) .. (يا غُلَامَ) حينئذٍ نقول: هذه الفتحة بدلٌ عن الكسرة، لماذا قلبت الكسرة فتحة؟ لأن الياء انقلبت ألفاً، والألف لا يناسبها ما قبلها إلا أن يكون مفتوحاً. حينئذٍ عَبْدِ بالكسر استغناءً بها عن الياء هذا حُذِفَتْ الياء أصلاً، يعني: ليست مُنْقَلبة، وبقيت الكسرة على أصلها، وأمَّا: (عَبْدَ) حينئذٍ نقول هنا: حُذِفَتْ الألف لكنها فرعٌ عن الياء، وبقي دليلها وهو الكسرة منقلبة إلى الفتحة. إذاً: قلب الياء ألفاً وحذفها، والاستغناء عنها بالفتحة، نحو: يَا عَبْدَ، هذا أجَازه الأخْفَش، والمازني، والفارسي، ونُقِلَ عن الأكثرين المنع: بأن تبقى الألف: يَا عَبْدَا، ولا تحذف. وأمَّا قلبها فهو وارد .. وارد في فصيح الكلام: ((يَا حَسْرَتَا)) [الزمر:٥٦] .. ((يَا أَسَفَى)) [يوسف:٨٤]، هذا وارد في الفصيح، فقلب الياء ألفاً لا إشكال فيه ثابتٌ في فصيح الكلام، وأمَّا حذفها والاجتزاء بالفتحة هو الذي منعه الجمهور: عَبْدَا هو أصل: عَبْدَ، يعني: قُلِبَتْ الياء ألفاً وفُتِحَ ما قبلها لمناسبة الألف فبقيت كما هي، إذاً: أيهما أصل، وأيهما فرع؟ عَبْدَا بالألف أصل، والتي تليها .. التي هي حذف الألف وإبقاء الفتحة دليلاً عليها هذه فرع، ولكن قَدَّم وأخر هنا كما ذكرنا للنظم. إذاً الرابع: أشار إليه بقوله: (عَبْدَا) وهو قلبها ألفاً، لتَحَرُّكِها وانفتاح ما قبلها، لأن الألف أخف من الياء، حينئذٍ هذه الألف هل هي اسمٌ أم حرفٌ؟ اسمٌ لأنها مُنْقَلِبة عن اسمٍ، ليست كالياء المُنْقَلِبة في (فتى) مثلاً أو (رمى) تلك نقول: حرف، لأنها مُنْقَلِبة عن حرف: فَتَيا .. رَمَيا هذا الأصل، حينئذٍ: رميا نقول: تَحرَّكت الياء وانفتحَ ما قبلها فَقُلِبَتْ ألفاً، هذه الألف حرف لا شك، لأنها مُنْقَلِبة عن حرف، وأمَّا: (عَبْدا) الأصل: عبدِيَ، نقول: قُلِبَت الكسرة فتحةً للتمكُّن من قلب الياء ألفاً، فقيل: تَحرَّكت الياء وانْفَتح ما قبلها فقُلِبَت ألفاً فصار: عَبْدا، بقيت كما هي. ومنه قوله تعالى: ((يَا حَسْرَتَا)) [الزمر:٥٦] .. ((يَا أَسَفَى)) [يوسف:٨٤] .. يا حسرتي: هذا الأصل، يا أسفي .. يا أسفي على يوسف .. هذا الأصل، فحصل فيها ما حصل. إذاً: قَلْبُها ألفاً وإبقاؤها، وقلب الكسرة فتحة، وقلبت لماذا؟ كما ذكرنا: لِتَحرُّكها وانفتاح ما قبلها، لأن الألف أخف من الياء، والظاهر أن هذه الألف اسمٌ، لأنها مُنْقَلِبةٌ عن اسمٍ، فهي مضاف إليه في محل جر، ((يَا حَسْرَتَا)) [الزمر:٥٦] حسرتا تقول: هذا منادى منصوب، ونصبه فتحة مُقدَّرة، حسرتا نقول: هنا منادى منصوب لأنه مضاف ومضاف إليه، فهو منصوب على الأصل، والفتحة مُقدَّرة، وهذه الفتحة الموجودة: يا حسرَتَا .. يا غُلامَا، ليست حركة إعراب، وإنما هي حركة مناسبة، لأنها في الأصل مُنْقَلِبة عن الكسرة التي لمناسبة الياء، وهذه لمناسبة الفتحة.

стр. 1970

حينئذٍ نقول: منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة .. مناسبة الألف، وحسرتا: مضاف، والألف مضاف إليه، وإن شئت قل: الألف المُنْقَلِبة عن ياء مضاف إليه في محل جر بالمضاف، ومثله: ((يَا أَسَفَى)) [يوسف:٨٤]. الخامس أشار إليه بقوله: (عَبْدِيَا) إثبات الياء مُحَرَّكَة بالياء، (عَبْدِيَا) الألف هذه للإطلاق، أصله: عَبْدِيَ. عَبْدِي: بالإسكان وبالفتح لغتان، بالإسكان وهي الأكثر وهي الأفصح، وبالفتح: عَبْدِيَ، ثُمَّ تُقْلَب الياء ألفاً، وتبقى .. هذه لغة، وتُحذَف ويُكْتَفَى بالفتحة قبلها .. هذه لغةٌ رابعة، بقي لغةٌ واحدة: وهي حذف الياء والاجتزاء بالكسرة، هذه خمس لغات ((قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا)) [الزمر:٥٣] هذا دليلٌ على الخامسة. وَاجْعَل مُنَادَىً صَحَّ إِنْ يُضَفْ لِيَا ... كَعَبْدِ عَبْدِي عَبْدَ عَبْدَا عَبْدِيَا هذه خمس لغات، قال في شرح الكافية: " وذكروا أيضاً وجهاً سادساً - يعني: لغةً سادسة - وهو: الاكتفاء عن الإضافة بنيتها، وجَعْلُ الاسم مضموماً كالمنادى المفرد "، يعني: يُحذف المضاف ويُنْوى معناه، حينئذٍ إذا حُذِفَ المضاف ونُويَ معناه بُنِيّ .. بُنِيّ على ماذا؟ على الضم تشبيهاً له بالمفرد. وهو: الاكتفاء عن الإضافة بنيتها، وجَعْلُ الاسم مضموماً كالمنادى المفرد، ومنه قراءة: (رَبُّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ) .. ربي .. رَبُّ، رَبُّ احْكُمْ بِالْحَقِّ، هنا رَبُّ بالضم بناءً على أنه حُذِفَ المضاف إليه وهو الياء ونُويَ معناه، حينئذٍ ضُمَّ كالمنادى المفرد. وحكا يونس عن بعض العرب: يا أم لا تفعلي، أصله: يا أمي، ويقولون: رَبُّ اغفر لي، والأصل: ربي، حُذِفَتْ الياء ونُويَ معناها، ويا قَومُ لا تفعلوا، يا قومي: هذا الأصل، هذا كله محكي عن العرب، حينئذٍ نجعل هذه سادسة، وإن كان بعضهم قال: إنها شاذة أو نادرة، هو قليل لا شك، لأن الضَمَّ ثقيل. ويا قَومُ لا تفعلوا، ويظهر أن قائله يحذف الياء والكسرة، ثُمَّ يعامله معاملة الاسم المفرد، فيضم آخره ضَمَّة مشاكلة للمفرد المبني فهو منصوبٌ تقديراً، يعني: أبقاه على أصله، هذا كلام الصبَّان: أنه أبقاه على أصله، فحينئذٍ حَذَفَ الياء ونَوَى معناها، ثُم أعطى المضاف ما يُعْطَى المفرد وهو الضم تشبيهاً له بالمفرد. حينئذٍ: رَبُّ احْكُمْ، رَبُّ: هذا منادى منصوب لأنه مضاف باعتبار الأصل .. منادى منصوب، ونصبه فتحة مُقدَّرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المشاكلة أو المناسبة .. المشاكلة أحسن. فهو منصوبٌ تقديراً بفتحة مُقدَّرة، منع من ظهورها ضمة المشاكلة. إذاً: هذا المضاف إلى ياء المُتَكلِّم الصحيح الآخر ليس معتلاً، وليس المضاف شبيهاً بالفعل، وليست الإضافة فيه إضافة لفظية، فيه خمس لغات، وزاد في شرح الكافية لغةً سادسة. ثُمَّ قال: وَفَتْحٌ اوْ كَسْرٌ وَحَذْفُ اليَا اسْتَمَرّ ... فِي يَا ابْنَ أُمَّ يَا ابْنَ عَمَّ لاَ مَفَرّ

стр. 1971

المنادى إذا كان مضافاً عرفنا حكمه من البيت السابق، ثُم المنادى إذا كان مضافاً إلى مضافٍ إلى ياء المُتَكلِّم .. مضاف إلى مضاف إلى ياء المُتَكلِّم، هنا: يَا ابْنَ أمي .. (يَا ابْنَ أُمَّ)، (ابْنَ) هذا مضاف، و (أُمَّ) مضاف إليه، أصله: يا ابن أمي .. يا ابن عمي، ابن: هذا مضاف، وهو مضاف إلى مضاف إلى مضاف إلى ياء المُتَكلِّم، الأصل في هذا أن حكمه حكم غير المنادى .. حكم واحد، لأنه غير مضاف إلى ياء المُتَكلِّم، لكن خُصَّ هذان اللفظان لكثرة الاستعمال بمزيد عناية عند العرب. ثُمَّ إن المنادى إذا كان مضافاً إلى مضافٍ إلى ياء المُتَكلِّم، فإن حكم الياء منه كحكمها في غير النداء، لا فرق: يا ابن أمي .. يا ابن أخي .. يا ابن عمي .. يا ابن خالي .. يا ابن جاري، كلها الحكم واحد، قبل النداء وبعد النداء، وإنما يَخْتَص المضاف إلى ياء المُتَكلِّم .. هو نفسه المنادى يكون مضاف، وياء المُتَكلِّم تكون مضافاً إليه. أمَّا إذا كان المنادى مضافاً إلى اسمٍ صحيح، وليس ياء متكلم، ولكن هذا المضاف إليه مضاف إلى ياء المُتَكلِّم، فالحكم لا يدخل في الحكم السابق، بل هو مستقل. فإن حكم الياء منه كحكمها في غير النداء، نحو: يا ابن أخي، ويا ابن صاحبي، إلا إذا كان لفظ: ابن أم، وابن عم .. ابن أمِّ .. ابن عمِّ، هذان اللفظان مختصان فقط لكثرة الاستعمال خُصَّا بمزيد عناية، ولذلك عناه بهذا البيت. (وَفَتْحٌ أَوْ كَسْرٌ) يعني: يَجوز الوجهان الفتح والكسر، (وَحَذْفُ اليَا) الواو بمعنى: مع، يعني: مع حذف الياء، (وَفَتْحٌ أَو كَسْرٌ) أنت مُخيَّر بين الاثنين، يعني لغتان: الفتح والكسر، وحذف الياء مع الكسر، والألف مع الفتح، وحذف الياء والألف كما سيأتي (اسْتَمَرَّ) يعني: اطَّرَد، في قولهم: (يَا ابْنَ أُمَّ) يا ابن أمِّ، (يا ابْنَ أُمَّ) بالفتح و (يا ابْنَ أمِّ) بالكسر، وأصله: يا ابن أمي، أم: مضاف إلى ياء المُتَكلِّم، وكذلك: (يَا ابْنَ عَمَّ) يا ابْنَ عمِّ، بكسر الميم وفتحها في اللفظين، ولذلك تقول: وفتحٌ أو كسرٌ للميم، وأجاز بعضهم الضَم: يا ابْنَ أُمُّ .. يا ابْنَ عَمُّ، لكنه قليل هذا، والمشهور هو الفتح والكسر. في قولهم: (يَا ابْنَ أُمَّ) ومثل: ابْنْ ابْنَه، كما سبق .. الحكم واحد، لأنه نفس اللفظ لكنه مُؤنَّث. يا ابْنَ أُمَّ ويا ابْنَة أُمَّ، ويَا ابْنَ أُمِّ، ويا ابْنَة أُمِّ، بالكسر فقط، ويا ابْنَ عَمَّ ويا ابْنَة عَمَّ، ويا ابْنَ عَمِّ بالكسر دون ياء .. مع حذف الياء، ويا ابْنَة عَمِّ، لا فرار عن هذين الوجهين. أمَّا الفتح: يا ابْنَ أَمَّ ويا ابْنَ عَمَّ ففيه قولان: أحدهما: أن الأصل أُمَّا وعُمَّا، يعني: بقلب الياء ألفاً، مثل: يَا عَبْدا .. يَا غُلَاما، قُلِبَتْ الياء ألفاً، ثُمَّ حُذِفَتْ الألف، يعني: يا ابْنَ أُمَّ، ويا ابْنَ عَمَّ مثل عَبْدا .. مثل غُلَاما .. يا غُلاما، قُلِبَتْ الياء ألفاً ثُمَّ حذفت الألف فبقيت الفتحة دليلاً عليها، هذا وجهٌ. أن الأصل: أُمَّ وعَمَّ بقلب الياء ألفاً، فحذفت الألف وبقيت الفتحة دليلاً عليها، وهذا وجهٌ حسن.

стр. 1972

والثاني: أنهما جُعلا اسماً واحداً مُرَكَّباً وبُنِيا على الفتح، هذا بعيد: ابْنَ أمَّا .. أمَّا، فحينئذٍ رُكِّبَ تركيب خمسة عشر، مثل: عَشَرَ الراء مفتوح هذا مثله، وهذا بعيد. والأول قول الكِسَائي: وهو أن الأصل: أمَّا وعمَّا، وحذفت الألف ثُم اكتفي بالفتحة، والثاني قول سيبويه والبصريين، أنه مُرَكَّب تركيب خمسة عشر، هذان الوجهان في الفتح، لمَ فُتِحا يا ابْنِ أمَّ، ويا ابْنَ عَمَّ؟ مذهب الكِسَائي إمام الكوفيين: أن الأصل (أمَّا) بالألف، قُلِبت الياء ألفاً ثُمَّ حُذِفت، يا ابْنَ عَمَّا، الأصل: يا ابن عمي، قلبت الياء ألفاً ثُمَّ حذفت، وهذا جيد وله أصل هناك .. له أصلٌ في الصحيح، وهذا ما دام أنه خارجٌ عن الأصل فالأولى أن يُحمل على الأصل ذاك، هذا جيد. والثاني: أنه مُرَكَّب تركيب خمسة عشر، وهو قول البصريين، وقول إمامهم سيبويه. وأمَّا الكسر: يا ابْنَ أمِّ .. يا ابْنَ عَمِّ، فظاهر مذهب الزَجَّاج أنه مِمَّا اجتزئ فيه بالكسرة عن الياء المحذوفة من غير تركيب وهذا واضح، يا ابْنَ أمِّ أصله ماذا؟ مثل: عَبْدِ ((يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ)) [الزمر:١٦] عباد .. عبد، يا ابن أمي، بالياء ثم حذفت الياء، واكتفي بالكسرة دليلاً على المحذوف، يا ابن عمي بالياء حذفت الياء واكتفي بالكسرة عن المحذوف، إذاً: لا إشكال هذا واضح. إذاً: هذان اللفظان محمولان على بعض اللغات السابقة: (كَعَبْدِ عَبْدِي عَبْدَ عَبْدَا عَبْدِيَا) إذاً: هاتان اللغتان مأخوذتان مما سبق، فالقول فيهما قولٌ في السابق، وإنما انفردا لكون المنادى ليس مضافاً إلى ياء المُتَكلِّم، وإنما مضاف إلى مضاف إلى ياء المُتَكلِّم، والأصل أنه يستوي فيه قبل النداء وبعد النداء. (وَفَتْحٌ او كَسْرٌ) يعني: للميم، وأجاز قومٌ ضمها أيضاً، إذاً: ثلاث لغات. (وَحَذْفُ اليَا .. وَفَتْحٌ) ما إعراب فتحٌ؟ مبتدأ، (أَو كَسْرٌ) عطفٌ عليه، (وَحَذْفُ اليَا) كذلك عطفٌ عليه، (حَذْفُ) مضاف و (اليَا) مضافٌ إليه للضرورة الياء وكلها لغة. (اسْتَمَر) الجملة خبر المبتدأ، والمراد بالاستمرار هنا هو معنى اطَّرَد، يعني: مُطَّرِد، يعني: كثير في لسان العرب، يستعملون هذا اللفظ: يا ابْنَ أمَّ .. يا ابْنَ عَمَّ، يا ابن أمَّ .. يا ابن أمِّ، ولذلك قرئ بهما في السبع. في: يا ابن أمَّ ويا ابن عمَّ، لماذا خُصَّ هذان اللفظان؟ نقول: لكثرة الاستعمال، أمَّا ما لا يكثر استعماله من نظائر ذلك نحو: يا أبن أخي، ويا ابن خالي، فالياء ثابتةٌ لا غير، ولذلك قال الناظم هنا: (فِي يَا ابْنَ أُمَّ) ولم يقل: في نحو كما سبق معنا مراراً: فِي نَحْوِ سَعْدُ سَعْدَ الاَوسِ يَنْتَصِبْ ... ثَانٍ. . . . . . . . . . قلنا (فِي نَحْوِ) إشارة إلى أن غيره يُقاس عليه مثله، وأمَّا هنا قال: (فِي يَا ابْنَ) حينئذٍ دَلَّ على أنه مقصورٌ على اللفظين المذكورين، وقوله: (يَا ابْنَ) هذا خاصٌ بالنداء، ولذلك قال الناظم: (فِي يَا ابْنَ أُمَّ) إلى آخره، ولم يقل: في نحو.

стр. 1973

قال الشارح هنا: " إذا أضيف المنادى إلى مضافٍ إلى ياء المُتَكلِّم وجب إثبات الياء إلا في (ابْنَ أُمّ) و (ابْنَ عَمّ) فتحذف الياء منهما لكثرة الاستعمال " وتكسر الميم أو تفتح، فتقول: يا ابن أمَّ .. يا ابن أمِّ أقبل، ويا ابن عمَّ يا ابن عمِّ، (لاَ مَفَرّ) هذا تابعٌ للمثال، ويَحتمل أنه تابعٌ للحكم، لا مفر عن هذين النوعين، يعني: اختصاص هذين النوعين بهذين اللفظين لا فرار عنه، يحتمل هذا وذاك. " بفتح الميم وكسرها، وقد ورد ثبوت الياء في: ابن أمِّ في قول أبي زُبِيد الطائي يرثي أخاه: (يَا ابنَ أُمِّي ويَا شُقَيِّقَ نَفْسِي) " (يَا ابنَ أُمِّي) بإثبات الياء، هذا على الأصل، وورد قلب الياء ألفاً وبقاؤها في ابنة عم: (يَا ابنةَ عَمَّا لاَ تَلُومِي واهْجَعِي) إذاً: كم لغة؟ أربع لغات، لكن المشهور هو ما ذكره الناظم، وأمَّا إبقاء الياء وقلب الياء ألفاًف حكم بعضهم بأنها ضرورة أو شاذ، كما يأتي في: مثلهما، وأبتِ وأمتِ: وَفِي النِّدَا أَبَتِ أُمَّتِ عَرَضْ ... وَاكْسِرْ أَوِ افْتَحْ وَمِنَ اليَا التَّا عِوَضْ (وَفِي النِّدَا أَبَتِ أُمَّتِ عَرَضْ) ولذلك يُمكن أن يُقال: بأن قول الناظم هنا: (اسْتَمَرَّ) يعني: اطرد في هذين اللفظين الحذف .. حذف الياء، ولذلك قال: (وَحَذْفُ اليَا) قد يُقال بأنه يُفهم منه أنه في غير هذين اللفظين إثبات الياء فيه ضعف. فُهِمَ منه أن غيره وهو إثبات الياء غير مُطَّرِد ضعيف، يعني: في هذين اللفظين، أمِّ .. يا ابن أمِّ .. يا ابن عمِّ، قال: اطرد حذف الياء، إذاً: إثبات الياء أو قلبها ألفاً غير مُطَّرِد، فإذا لم يكن مُطَّرِد صار مسموعاً. وَفِي النِّدَا أَبَتِ أُمَّتِ عَرَضْ ... وَاكْسِرْ أَوِ افْتَحْ وَمِنَ اليَا التَّا عِوَضْ (فِي النِّدَا) يعني: وفي النداء، هذا مُتعَلِّق بقوله: (عَرَضْ) .. عرض في النداء، إذاً: قَدَّم الجار والمجرور فدل على الاختصاص، على أن هذين اللفظين يكونان باللغتين المذكورتين في النداء فحسب، أمَّا غير النداء فلا، ولذلك سيأتي: أن هذين اللفظين مما اختصا بالنداء، (وَفِي النِّدَا) دَلَّ على أن التعويض هنا من ياء المُتَكلِّم في أبٍ وأمٍ لا يكون إلا في النداء، إذاً: هو خاص. (أَبَتِ أُمَّتِ)، (أَبَتِ) هذا مبتدأ، و (أُمَّتِ) هذا معطوفٌ عليه بإسقاط حرف العطف، يعني: يا أبتِ يا أُمتِ هذا المراد، (عَرَضَ) هذا فعل ماضي، والجملة خبر، (وَاكْسِرْ أَوِ افْتَحْ) أمران، (وَمِنَ اليَا التَّا عِوَضْ) التاء مبتدأ، و (عِوَضْ) خبر، (وَمِنَ اليَا) مُتعَلِّق بقوله: (عِوَضْ). إذاً: في النداء لا في غيره، يا أبتِ .. يا أُمتِ (عَرَضْ) ما هو الذي عَرَض؟ قلب الياء تاءً، السابق في اللغتين: ابن عمِّ وعَبْدِ، المعروف المشهور: أن الياء تقلب ألفاً، وأمَّا أنها تقلب تاءً هذا خاصٌ بهذين اللفظين، إذاً: عرض في النداء لا في غيره أبتِ .. أمتِ، بقلب الياء تاءً، والأصل: أبي .. أمي.

стр. 1974

إذاً: فُهِمَ من قوله: (فِي النِّدَا) أن التعويض هنا من ياء المُتَكلِّم في أبٍ وأم لا يكون إلا في النداء، لتقديمه الجار والمجرور، وفُهِمَ أيضاً من التنصيص على قوله، بقوله: (أَبَتِ أُمَّتِ) أنه خاصٌ بهذين اللفظين، ولذلك لم يقل: في نحو، وإنما قال: (أَبَتِ أُمَّتِ) فدل على أنه خاصٌ بهذين اللفظين، وفُهِمَ أيضاً أن ذلك مختصٌ بالأب والأم، وأفْهَمَ أيضاً: أن التعويض ليس بلازمٍ فيهما، لأنه قال: (عَرَضْ) والعَرَض ليس بلازمٍ. إذاً: نأخذ من الشطر الأول: أن اللفظين خاصان بأب وأم، أصله: أبي وأمي، في النداء لا في غيره عَرَضَ، إذاً: ليس بلازم، تقلب الياء تاءً، (وَاكْسِرْ أَوِ افْتَحْ) يعني: التاء أبتِ .. أبتَ، أمتِ .. أمتَ، يا أبتِ .. يا أبتَ، يا أمتِ .. يا أمتَ، بالفتح والكسر، وهنا قَدَّم الكسر لأنه أكثر، وأخر الفتح لأنه أقل، وإن كان الثاني أقْيس من الأول، الثاني الذي هو الفتح أقْيس، والكسر أكثر، يعني: هو الشائع في لسان العرب. (وَاكْسِرْ أَوِ افْتَحْ) وهو الأقْيس الذي هو الفتح، لأن التاء عوضٌ عن الياء، وحركتها الفتح، وتَحرُّكها بحركة أصلها هو الأصل، لماذا؟ لأن التاء عِوضٌ عن الياء، والياء في الأصل أنها مُحرَّكة، لأن ما نقلبها تاء إلا إذا تَحرَّكت، وتَحرَّكت بالفتح. إذاً نقول: يا أبتَ .. يا أمتَ، بالفتح لمناسبة الياء لأنها مُنْقَلِبة عن الياء، والياء حركتها حركة فتح، فحينئذٍ نقول: تُعْطَى حكم ما انقلبت عنه، إذاً: الفتح هو الأقْيس، لأن التاء عوضٌ عن الياء وحركة الياء الفتح، وتَحرُّكها يعني: التاء بحركة أصلها وهو الياء هو الأصل، وهذا واضح، لذلك قيل: أقيس. والكسر أكثر في لسان العرب، لأن الكسر عوضٌ عن الكسر الذي كان يستحقه ما قبل الياء، يعني: كأنه قيل: يا أبتِ .. يا أمتِ، لماذا كُسِرَتْ التاء؟ لأن التاء منقلبة عن ياء، هذه الياء يناسبها ما قبلها أن يكون مكسوراً، هذا بعيد قليلاً، حينئذٍ نقول: الأقْيس هو التاء، ولكن الكسر مسموعٌ في لسان العرب، كأنهم راعوا أن ما قبل الياء يكون مكسوراً فأُعْطِي حركةً للتاء، والكسر أكثر لأن الكسر عوضٌ عن الكسر الذي كان يستحقه ما قبل الياء، وزال حين مجيء التاء لأن ما قبلها لا يكون إلا مفتوحاً، كأنهم أخذوا الكسرة التي قبل الياء فأعطوها للتاء. على كل: هكذا سُمِعَ بالكسر والفتح، وننطق بهما. (وَاكْسِرْ أَوِ افْتَحْ) إذاً: قَدَّم الكسر لأنه أكثر وإن لم يكن أقْيس، والفتح ثنى به لأنه أقل استعمالاً في لسان العرب.

стр. 1975

(وَمِنَ اليَا التَّا عِوَضْ) تاء التأنيث هذه التي في: أبتِ وأمتِ، كما سيأتي أنها تاء التأنيث، عوضٌ عن الياء، وإذا كان كذلك فلا يُجْمَع بينهما، فلا يُقال: يا أبتي ويا أمتي، نَجمع بين التاء والياء، لأن التاء عوضٌ عن الياء، حينئذٍ لا يُجْمَع بين العِوَضْ والمُعَوَض عنه، وإنما عُوضَ تاء التأنيث عن الياء .. لماذا اختير تاء التأنيث عن الياء؟ قيل في التعليل عن الياء إذا أضيف إليها: لأن الأب والأم مَظِنة التفخيم والتعظيم، والتاء هذه تستعمل في: علاَّمة، فيها معنى المبالغة والتعظيم والتهويل، حينئذٍ ناسب أن يُبْدَل عن الياء تاء .. هكذا قيل! وإنما عُوِّضَ تاء التأنيث عن الياء إذا أضيف إليه الأب والأم، لأن كلاً منهما مَظِنة التفخيم الذي هو الأب والأم، والتاء تدل عليه كما في: علاَّمة. إذاً نأخذ من قوله (وَمِنَ اليَا التَّا عِوَضْ) التاء عوضٌ من الياء أنهما لا يكادان يجتمعان، لأن العِوَضْ والمُعَوَض لا يجتمعان. ويجوز فتح التاء وهو الأقْيس كما سبق، وكسرها وهو الأكثر وبالفتح قرأ ابن عامر، وبالكسر قرأ غيره من السبعة: (قَالَ يَبْنَؤُمِّ لاَ تَأْخُذْ) [طه:٩٤]. إذاً (وَفِي النِّدَا أَبَتِ أُمَّتِ) بالتاء فيهما على النداء يا أبتِ .. يا أمتِ (عَرَضَ) الذي هو إبدال الياء تاءً، (عَرَضْ) بمعنى: أنه عارضٌ ليس بلازمٍ، فلك أن تستعمله كما سبق: يا أبي .. يا أبَ .. يا أبا، باللغات الخمس، حينئذٍ تزيد عليه هاتان اللغتان صار سبع، سيأتي مزيد لغتين .. (وَاكْسِرْ أَوِ افْتَحْ). إذاً قوله: (عَرَضْ) أفْهَم أن التعويض ليس بلازمٍ، فيجوز فيهما ما جاز في غيرهما من الأوجه السابقة، والأصل: يا أبي ويا أمي. قال الشارح هنا: يُقال في النداء: يا أبتِ ويا أمتِ بفتح التاء وكسرها، وكلٌ منهما حينئذٍ منصوب على الأصل، لأنه مضاف ومضاف إليه، والكلام في المنادى المضاف إلى ياء المُتَكلِّم، حينئذٍ الأصل فيه أنه منصوب، ثم تنظر في الحركة وتُقدِّر على حسب ما يظهر. وكلٌ منهما منصوب لأنه مُعْرَب، فإنه من أقسام المضاف لفتحة مُقدَّرة على ما قبل التاء .. ليس على التاء، لأن التاء هذه منقلبة عن الياء، والتقدير إنما يكون على الحرف الذي هو قبل الياء: يا أبي الباء، إذاً: يا أبتِ على الباء تُقَدِّره، وأمَّا التاء فهي عِوَضٌ عن الياء فلا تُقَدَّر عليه. بفتحة مُقدَّرة على ما قبل التاء منع من ظهورها اشتغال المحل بالفتحة لأجل التاء لاستدعائها فتح ما قبلها، لا على التاء لأنها في موضع الياء التي يسبقها إعراب المضاف إليه، ولذلك يُقال: يا أبتِ .. يا أمتِ، بفتح التاء وكسرها، ولا يجوز إثبات الياء، فلا تقول: يا أبتي ويا أمتي، لأن التاء عوضٌ من الياء فلا يُجمع بين العِوَضْ والمُعَوض منه، وقد ورد ثبوت الياء في الشعر: (يا أَبَتِي لا زلتَ فينا فإنما) إلى آخره، يا أبَتِي، جاء فيه إثبات الياء. وكذلك ورد ثبوت الألف المنقلبة عن ياء المُتَكلِّم. تَقُولُ بِنْتِي قَدْ أَنَى أَنَاكَ ... يَا أَبَتَا عَلَّكَ أَو عَسَاكَا يَا أَبَتَا عَلَّكَ أَو عَسَاكَا، وقول الراجز في البيت المشهور: يَا أبتا أرَّقنِى القِذّانُ ... فالنّوْمَ لا تَطْعَمُهُ الْعَيْنَانُ

стр. 1976

هذا سبق معنا الْعَيْنَانُ، ويجوز إبدال هذه التاء هاءً: يا أبتاه، وهو يدل على أنها تاء التأنيث، قال في التسهيل: " وجعلها هاءً في الخط والوقف جائزٌ، وقد قُرِئ بالوجهين في السبع، ورسمت في المصحف بالتاء"، إذاً: تقلب هذه التاء هاء، فدل على أنها تاء التأنيث. اخْتُلِف في جواز ضم التاء في أبتِ وأمتِ، مثل: رَبُّ احْكُمْ هناك، قلنا: فيه لغة سادسة، هل أبَتُ وأمتُ مثلها، يعني: تضم فيهما التاء أم لا؟ اخْتُلِف في جواز ضم التاء في أبتِ ويا أمتِ، فأجازه الفراء ومنعه الزَجَّاج، ونُقِل عن الخليل: أنه سَمِع من العرب من يقول: يا أبَتُ ويا أمَتُ بالضم، إذاً: سُمِعَ ضم التاء. وعلى هذا يكون في ندائهما عشر لغات: ست سابقة، وأربع لاحقة، الأربع اللاحقة: يا أبَتِ .. يا أمتِ بكسرهما، ويا أبَتَ ويا أمتَ بفتحهما .. الكسر والفتح، ويا أبَتِي بإثبات الياء ويا أبَتَا بقلب الياء ألفاً، هذه عشرة، يا أبَتِ بالفتح والكسر: (وَاكْسِرْ أَوِ افْتَحْ) لغتان، وإثبات الياء لغة ثالثة، وقلب الياء ألفاً لغة رابعة، مع الست فهي عشرٌ. وعلى هذا يكون في ندائهما عشر لغات: الست السابقة، في: يا عَبْدِ، وهذه الأربعة: تثليث التاء، يعني: الفتح والكسر والضم، يا أبَتِ يا أبَتَ يا أبَتُ .. يا أُمتِ يا أُمتَ يا أُمتُ، هذه ثلاث لغات، والجمع بينهما وبين الألف في نحو: يا أبَتَا ويا أبَتِي، هذه كلها عشر لغات. إذاً خلاصة ما سبق نقول: المنادى المضاف للياء أربعة أقسام: الأول: ما فيه لغةٌ واحدة، وهو المعتل، فإن ياءه واجبة الثبوت والفتح، نحو: يا فتايَ وقاضيَّ، ولا يجوز إسكانها لئلا يلتقي ساكنان، ولا بالكسر والضَّم لأن هاتين الحركتين ثقيلتان على الياء فلم يبق إلا الفتح، إذاً: ما فيه لغةٌ واحدة، وهو المعتل المضاف إلى ياء المُتَكلِّم، ليس فيه إلا إثبات الياء ولا يجوز حذفها، بل إثباتها واجب ثم تُحرَّك بالفتح، وأمَّا الكسر والضَّم فثقيلان. القسم الثاني: ما فيه لغتان، وهو الوصف المشبه للفعل، يعني: ما كانت إضافته إضافة لفظية، فإن ياءه ثابتة لا غير، وهي إمَّا مفتوحة وإمَّا مكسورة، مثل: يا مكرمي ويا ضاربي. القسم الثالث: ما فيه ست لغات، وهو ما عدى ذلك وليس أباً ولا أمَّاً .. لا بُدَّ أن نُقَيِّده، ما عدى ذلك، يعني: ما عدى المعتل، والوصف المشبه للفعل، وليس أباً ولا أمَّاً، فيه ست لغات، مثل: غلامي وعبدي. الرابع: ما فيه عشر لغات، وهو الأب والأم، ففيهما مع اللغات الست أن تُعَوِّض تاء التأنيث عن ياء المُتَكلِّم، وتكسرها وهو الأكثر، أو تفتحها وهو الأقيس، أو تضمها على التشبيه بنحو: ثبةٍ وهبة، وهو شاذٌ .. قيل: شاذ، يعني: قليل، يعني: يُثْبَت لغة ثُم بعد ذلك هل يستعمل أو لا؟ مسألة ثانية، نحن نتكلم في اللغات الواردة.

стр. 1977

وربما جُمِعَ بين التاء والألف فقيل: يا أبَتَا ويا أُمتَا، وهذا في الشعر خاصة، وأَمَّا: ابْنَ أُمّ وابْنَ عَمّ، فالأكثر الاجتزاء بالكسرة عن الياء، يا ابْنَ أمِّ .. يا ابْنَ عَمِّ الأكثر الكسر وهذا واضح، أو أن يفتحا للتركيب المزجي .. وهذا على قول، سيبويه والبصريون على أنه تركيب، لكن المشهور أنه تركيب خمسة عشر. وقد قُرِئ بالوجهين: ((قَالَ يَبْنَؤُمَّ)) [طه:٩٤] .. قال يَبْنَؤُمِّ، وهذا تخريج سيبويه والبصريين. وذهب الكسائي والفراء إلى أن الأصل: يا ابن أمَّا، يعني: بالياء ثُم قلبت الياء ألفاً، ابن عَمَّا بقلب ياء المُتَكلِّم ألفاً، ثُمَّ حذفت الألف المنقلبة عن ياء المُتَكلِّم وبقيت الفتحة التي قبلها دليلاً عليه. إذاً: أربعة أقسام، ولم نذكر ابن أمَّ .. ابن عمَّ من الأقسام، لماذا؟ لأنه ليس منادى مضاف، وإنما هو يُذْكَر فرعاً ولا يَدْخُل في الأربعة الأقسام، وإنما الذي يُعْنَى به هو أن يكون المضاف نفسه الذي يلي حرف النداء: أن يكون مضافاً، أمَّا المضاف إلى مضاف إلى ياء المُتَكلِّم هذا خارج، لأن الأصل فيه عدم دخوله فيما ذُكِر. أَسْمَاءُ لاَزَمَتِ النِّدَاءْ الأصل في الاسم أن يكون منادىً .. مِمَّا جاز نداؤه، أن يصلح أن ينادى وألا ينادى، هذا الأصل فيه، زيد .. جاء زيد .. يا زيد، جاء غلام زيد .. يا غلام زيد، يجوز فيه الوجهان هذا الأصل، فإذا لزم حالة واحدة وهو النداء حينئذٍ نقول: هذا خارجٌ عن الأصل، ولذلك كلمات معدودة هي التي لزمت النداء. قال: أَسْمَاءُ لاَزَمَتِ النِّدَاءْ، لأن الذي يلازم النداء .. الذي يكون مدخولاً للنداء هو .. أو الذي ينادى هو الاسم "لازمت النداء"، ثُمَّ هذا الملازم للنداء على ثلاثة أقسام: مسموعٌ، ومقيس، وشائعٌ غير مقيس، مسموع .. منقول عن العرب، ومقيس، وشائع غير مقيس. وَفُلُ بَعْضُ مَا يُخَصُّ بِالنِّدَا ... لُؤْمَانُ نَومَانُ كَذَا وَاطَّرَدَا فِي سَبِّ الاُنْثَى وَزْنُ يَا خَبَاثِ ... وَالأَمْرُ هَكَذَا مِنَ الثُّلاَثِي وَشَاعَ فِي سَبِّ الذُّكُورِ فُعَلُ ... وَلاَ تَقِسْ وَجُرَّ فِي الشِّعْرِ فُلُ (وَفُلُ) بضمتين للمُذكَّر، وفُلةُ: للمُؤنَّث، (بَعْضُ مَا يُخَصُّ بِالنِّدَا) يُفْهَم منه أن هناك ألفاظاً أُخر تَختَّص بالنداء، وهذا ما أشار إليه، وقلنا يأتي: (وَفِي النِّدَا أَبَتِ أُمَّتِ عَرَضْ) إذاً: مِمَّا يَختص بالنداء (أبَتِ وأمتِ) بالأحوال السابقة، إذاً قوله: (بَعْضُ) إشارة إلى أن هناك ألفاظاً أُخر تختص بالنداء كـ: (أبت وأمت). (وَفُلُ) و (فُلةُ) هذا مِمَّا يَختَّص بالنداء، يعني: لا يستعمل إلا منادى، ولا يأتي إلا مسبوقاً بِحرف نداء، وأمَّا هكذا جاء فل .. جاء فلة، ما يصح هذا، لماذا؟ لأنها في هذا اللفظ: (فُلُ وفُلةُ) لم يُنقَل في لسان العرب أنه مستعمل إلا في سياق النداء فيختص به، ما المراد بـ (فُلُ) و (فُلةُ)؟ مختلفٌ فيه:

стр. 1978

مذهب سيبويه: أنهما كنايتان عن نكرتين، يعني مثل (هنُ) سبق أن الهنُ هذا كناية، إذاً: لا يستعمل إلا ويراد به معنىً آخر، إمَّا اسم جنس .. إمَّا الفَرْج خاصةً .. إمَّا نكرات، إلى آخر ما ذكرناه سابقاً، أو ما يستقبح ذكره فَيُكنَّى عنه بلفظ (هنُ)، هنك، يعني: عينك ونحو ذلك، كذلك (فُلُ) و (فُلةُ) كنايتان، عن ماذا؟ قال سيبويه: كنايتان عن نكرتين فـ (فُلُ) كناية عن رجل، يعني إذا قال: يا فُلُ يعني: يا رجل، فَكَنَّى عن كلمة: رجل بـ (فُلُ) و (فُلةُ) كنايةٌ عن امرأة، فإذا قال: يا فُلةُ كأنه قال: يا امرأة، وإنما لم يُصَرِّح بامرأة كنَّى .. أتى بلفظٍ يصدق على امرأة، هذا مذهب سيبويه وهو المشهور. ومذهب الكوفيين: أن أصلهما: فلانٌ وفلانةٌ، (فُلُ) فلان، فإذا قال: يا فُلُ، كأنه قال: يا فلان، ويا فُلةُ، كأنه قال: يا فلانة .. مُؤنَّث فلان. فَرُخِّمَا ترخيماً، يعني: حذف منهما المتأخر .. حرف أو حرفان أو ثلاث فصار (فُلُ)، فلان يعني: حذف منه الألف والنون، رُخِّمَ بحذف الحرفين المتأخرين فصار (فُلُ)، وكذلك: فُلةُ .. فُلانةٌ حذف منه الألف والنون، والتاء بقيت للتأنيث، للفرق بين (فُلُ) و (فُلةُ) هذا مذهب الكوفيين، أصلهما: فلان فَرُخِّم فقيل (فُلُ)، وفلانةٌ فَرُخِّم وقيل (فُلةُ). ورُدَّ هذا المذهب .. مذهب الكوفيين، بأنه لو كان مُرَخَّماً لقيل فيه: فلا، لأنه يحذف الحرف الأخير فقط، أمَّا حذف الحرفين، فلان: أربعة أحرف، وهذا لا يحذف إلا الحرف الأخير كـ: يا سعا، وهي: سعاد، يحذف الحرف الأخير هذا القياس، أمَّا حذف الحرفين إنما يكون فيما زاد على أربعة: (مُكَمِّلاً أَرْبَعَةً فَصَاعِداً) كما سيأتي. إذاً: هذا مردود، لأنه لو كان كذلك لقيل: (فُلا) ولما قيل في التأنيث: (فُلةُ). وقيل: هما كنايةٌ عن العَلَم، فـ (فُلُ) كنايةٌ عن زيد مثلاً، بدلاً من أن أقول: يا زيد، أقول: يا فُلُ، أُكَنِّي به بدلاً عن كلمة: رجل، وهو نكرة يكون كنايةً عن العلم، يا فُلةُ، يعني: يا هند .. بدلاً من أن أقول: يا هندُ، أقول: يا فُلةُ، إذاً: كناية عن العَلَمْ مقابل للقول الأول .. كناية عن النكرة. هما كنايةٌ عن العلم نحو: زيد وهند، بمعنى: فلان وفلانة. قال في شرح التسهيل: " إن يا فُلُ بمعنى: يا فلان، ويا فُلةُ بمعنى: فلانة، فلا يستعملان منقوصين – يعني: محذوفين الأخير – في غير النداء إلا في ضرورة ".

стр. 1979

وحاصل مذهب الناظم: أنهما كنايتان عن العلم فأصلهما: فلان وفلانة، فدخلهما مُجَرَّد الحذف تخفيفاً لا ترخيماً، إذاً: على مذهب الناظم أن (فُلُ) هو أصله: فلان، يعني: مثل مذهب الكوفيين، الكوفيين يقولون أصلهما: فلان، لكن اختلفا في علة الحذف، فالكوفيون يرون أن الحذف ترخيماً، والصواب أنه ليس بترخيم وإنما هو تخفيف، وهذا سائغ في لسان العرب، إذاً: فلان وفلانة هما الأصل، فدخلهما مُجرَّد الحذف تخفيفاً لا ترخيماً، والكوفيون يقولون: هما كنايتان عن العَلَم، وأصلهما: فلان وفلانة، فدخلهما خصوص الترخيم، إذاً: اتفق مذهب الناظم مع الكوفيين في: أنهما كنايتان عن فلان وفلانة، واختلفا في علة الحذف، فالكوفيون يرون أن الحذف ترخيماً، والناظم يرى أنه تخفيفاً وليس بترخيم. على كلٍّ: المشهور مذهب سيبويه: أن (فُلُ) كناية رجل، و (فُلةُ) كنايةٌ عن امرأة. (وَفُلُ بَعْضُ مَا يُخَصُّ بِالنِّدَا)، (لُؤْمَانُ) هذا الثالث، (لُؤْمَانُ) بِضَمِّ اللام والهمز الساكن، (لُؤْمَانُ) يعني يُقال: (يا لؤمان) للعظيم اللؤم .. كثير، فـ: (لؤمان) على وزن (فُعْلَان) لا يستعمل إلا في النداء خاصة، (لُؤْمَانُ) بمعنى: كثير .. عظيم اللؤم، (نَومَانُ) (مَفْعَال) لكثير النوم، يا نومان استيقظ، هذا كثير النوم .. ينام وهو جالس .. وهو واقف، (لُؤْمَانُ نَومَانُ) يعني: ونومان بفتح النون، (كَذَا) أي: مِمَّا يَختَّص بالنداء، (لُؤْمَانُ نَومَانُ كَذَا)، ما إعراب (لُؤْمَانُ نَومَانُ كَذَا؟ لُؤْمَانُ) مبتدأ، و (نَومَانُ) معطوفٌ عليها بإسقاط حرف العطف، (كَذَا) أي: مثل ذا، مِمَّا يختص بالنداء. إذاً (وَفُلُ) هذا مبتدأ، (بَعْضُ) هذا خبره، (وَفُلُ) قلنا: للمُذكَّر، وحذف فُلةُ بناءً على ماذا؟ على أنه إذا علم المُذكَّر حينئذٍ فُهِمَ المُؤنَّث، (بَعْضُ) هذا خبر وهو مضاف، و (مَا يُخَصُّ) ما اسمٌ موصول بمعنى: الذي، في محل جر مضاف إليه، و (يُخَصُّ) هذا مُغيَّر الصيغة، و (بِالنِّدَا) مُتعَلِّقٌ به، والباء هذه داخلةٌ على المقصور عليه، يعني: قُصِرَ على النداء، مقصورٌ على النداء: هذا (بَعْضُ مَا يُخَصُّ بِالنِّدَا) فلا يستعمل في غير النداء. (لُؤْمَانُ نَومَانُ كَذَا) مِمَّا يختص بالنداء، هذا كله سَماعي. ثُمَّ قال: . . . . . . . . ... . . . . . . . وَاطَّرَدَا فِي سَبِّ الاُنْثَى وَزْنُ يَا خَبَاثِ ... . . . . . . . . . هذا مِمَّا لازم النداء لكنه مقيس، (وَاطَّرَدَا) الألف للإطلاق .. فعل ماضي، (فِي سَبِّ الاُنْثَى) يعني: شتمها، (وَزْنُ يَا فَعَال) كل فعلٍ دَلَّ على سبٍ فأتِ به على وزن: فَعَاَل، فتقول: (يَا خَبَاثِ) يا لَكاع .. يا فَساق، حينئذٍ نقول: هذا مقيس، لكنه ملازمٌ للنداء، لا يأتي إلا في سياق النداء، ما عداه فلا.

стр. 1980

(فِي سَبِّ الاُنْثَى وَزْنُ يَا خَبَاثِ) يعني: يا فَعَاَل، معناه: أن بناء وزن فَعَاَل -هكذا بفتح الفاء والعين- من كل فعلٍ دَالٍّ على السَبِّ مُطَّرِد، ومعنى الاطراد: أنك لا تحتاج فيه إلى السماع من العرب .. هذا المراد، أنك لا تحتاج فيه إلى السماع من العرب بل كل فعلٍ دالٍّ على السب يجوز أن يُبْنَى منه هذا الوزن في النداء .. على وزن: يا فَعَاَل .. لَكاع .. فَساق .. خَباث إلى آخره. (وَالأَمْرُ هَكَذَا مِنَ الثُّلاَثِي) لمَّا ذَكَر فَعَاَل استدرج فذكر اسم فعل الأمر .. اسم فعل الأمر قد يكون على وزن فَعَاَل، فناسب أن يذْكُره وإلا ليس هذا محله، (وَالأَمْرُ) هذا على حذف مضافين، يعني: واسم فعل الأمر، (هَكَذَا) مثل ذا، مُطَّرِد وهو على وزن (فَعَاَل)، (مِنَ الثُّلاَثِي) عند سيبويه، فحينئذٍ تقول: نَزال .. دَراك لا مسموع، هو يُقال: دراك، لكن سيأتي أنه مسموع ليس مقيس، ولذلك قال: (مِنَ الثُّلاَثِي) فشرطه: أن يكون ثلاثياً، يعني: إذا زاد عن ثلاثة أحرف حينئذٍ لا يجوز أن يؤتى به على وزن: فَعَال إلا السماع، فدراك: هذا اسم فعل أمر من أدرِك، وأدرك هذا رباعي، إذاً: ليس بقياسي. إذاً: ينقاس استعمال فَعَاَلِ -هكذا مبنياً على الكسر- من كل فعلٍ ثلاثي للدلالة على الأمر، نحو: نَزال وضَراب وقَتال، أي: انزل واضرب واقتل، وتَراك من اترك. (وَالأَمْرُ هَكَذَا مِنَ الثُّلاَثِي)، وَالأَمْرُ مبتدأ، و (هَكَذَا)؟؟؟، (مِنَ الثُّلاَثِي) جار مومجرور متعلق بـ؟؟؟ يعني: اطَّرَد من الثلاثي، يحتمل أنه مُتعَلِّق باطَّرَد من الثلاثي، أمَّا إذا لم يكن من الثلاثي فغير مُطَّرِد، يشترط في: (فَعَاَلِ) إذا كان أمراً أربعة شروط: الأول: ما نص عليه الناظم بقوله: (مِنَ الثُّلاَثِي) أن يكون مُجرَّداً عن الزوائد، لأنه إذا قال: ثلاثي، معناه: مُجرَّد، لأن المزيد يكون من أربعة أحرف فأكثر، أن يكون مُجرَّداً أي: عن الزوائد، فأمَّا غير المُجرَّد لا يُقال فيه إلا ما سُمِع .. لا يُقال: قياساً، إلا ما سُمِع، نحو: دراك من أدرك، أدرك هذا فعل أمر، اسم فعل الأمر منه: دراك على وزن فَعَاَلِ، لَكِنَّه مسموعٌ لا قياس، لماذا؟ لأنه من الرباعي .. مما زاد على ثلاثة أحرف، وهذا معلوم من اشتراط الناظم كونه ثلاثياً، لأن قوله: (مِنَ الثُّلاَثِي) وهو جرى على طريقة النحاة لا يشمل المزيد، إذا قال: الثلاثي، لا يدخل فيه المزيد، وهذا حتى عند الصرفيين، بل هو خاصٌ بمقابل المزيد، لأن المزيد نوعان: مزيدٌ ثلاثي، ومزيدٌ رباعي، والمُجرَّد قد يكون ثلاثياً وقد يكون رباعياً. الشرط الثاني: أن يكون تاماً، فلا يبنى من ناقص، كان وأخواتها، وكاد وأخواتها، لا يبنى منه فَعَاَلِ: كواني ما يصلح .. كوادي ما يصلح. الثالث: أن يكون مُتَصرِّفاً فخرج الجامد: نعم وبئس ونحوهما. الرابع: أن يكون كامل التَصَرُّف، فلا يُبْنى من يدَع ويذَر: داعِ .. ذارِ لا يصح، لأنه غير مُتَصرِّف كامل التَصَرُّف. وَشَاعَ فِي سَبِّ الذُّكُورِ فُعَلُ ... وَلاَ تَقِسْ. . . . . . ......... إذاً قوله: (وَفُلُ) إلى قوله: (كَذَا) هذا مسموعٌ، وقوله: . . . . . . . ..... ... . . . . . . . وَاطَّرَدَا

стр. 1981

فِي سَبِّ الاُنْثَى وَزْنُ يَا خَبَاثِ ... . . . . . . . . . هذا مقيس وَشَاعَ فِي سَبِّ الذُّكُورِ فُعَلُ ... وَلاَ تَقِسْ. . . . . . . هذا شائعٌ غير مقيس، يجتمع (فُلُ) وما عُطِفَ عليه مع فُعَلُ في أن كلاً منهما سماعي، لكن الثاني هذا فُعَلُ كثير شائع، ولذلك قيل بقياسه، وأمَّا (فُلُ) وما عُطِفَ عليه فهي كلمات مسموعة قليلة. إذاً: مسموع قليل، ومسموعٌ شائعٌ لا ينقاس عليه، ومقيس، المقيس: هذا ماكان على وزن خَبَاثِ. (وَشَاعَ) يعني: كَثُرَ، (فِي سَبِّ الذُّكُورِ) كما يُسَبُّ الإناث .. قسمان، فُعَلُ لكن جعلوه في النساء مقيساً، وفي الرجال .. قال: (وَلاَ تَقِسْ) يعني: مسموعٌ وليس مقيساً، (وَشَاعَ فِي سَبِّ الذُّكُورِ فُعَلُ) يعني: يا فُعَلُ .. يا خُبَثُ .. يا غُدَرُ .. يا لُكَعُ، ولا ينقاس ذلك، واختار ابن عصفور كونه قياسياً ونُسِبَ لسيبويه. إذاً: (وَشَاعَ) يعني: كَثُرَ، (فِي سَبِّ الذُّكُورِ) كما كان قياسياً في سب الأنثى، (فُعَلُ) يعني: يا فُعَلُ (وَلاَ تَقِسْ) وإنما هو سماعي. (وَجُرَّ فِي الشِّعْرِ فُلُ) هذا عطفٌ على الأول، و (فُلُ) خُصَّ بالنداء (وَفُلُ بَعْضُ مَا يُخَصُّ بِالنِّدَا)، إذاً: الأصل فيه ماذا؟ هو خارجٌ عن الأصل في كونه التزم النداء، ثُمَّ جُرَّ في الشعر على جهة الخصوص فهو شذوذٌ بعد شذوذ، فهو ضرورة بعد ضرورة، حينئذٍ نقول: (وَجُرَّ فِي الشِّعْرِ فُلُ) .. جُرَّ فُلُ .. (فُلُ) هذا نائب فاعل، و (فِي الشِّعْرِ) مُتعَلِّق به، وهو في قول القائل: في لُجَّةٍ أَمْسِكْ فُلاَناً عَنْ فُلِ .. (عَنْ فُلِ) عن حرف جر، وفل: اسمٌ مجرورٌ بعن، إذاً: لم يأت في النداء، حينئذٍ نقول: خرج عن الأصل .. خروجٌ عن خروج، والأصل فيه أن يكون مختصاً بالنداء، فخرج عن النداء فقيل: عن فل، وهذا مختلفٌ فيه، هل هو (فُلُ) الذي يختص بالنداء، أو (فُلُ) الذي هو مجزوء من فلان؟ فيه قولان، ورجَّحَ الأشْمُوني: أنه ليس هو (فُلُ) الذي يختص بالنداء، وإنما هذا (فُلُ) الذي هو مقتطعٌ من: فلان. فالشاهد في البيت: (عَنْ فُلِ) حيث استعمل (فُلِ) في غير النداء، وجرَّه بالحرف وذلك ضرورة، هذا إذا سَلَّمنا أنه هو الذي يختص بالنداء، لأن من حقه: ألا يقع إلا منادى، إلا إذا ادَّعَييَا أن (فُلُ) هنا مقتطعٌ من (فلان) بحذف النون والألف، وهذا صَوَّبَه الأشْمُوني، قال: " إذ معناهما مختلفٌ على الصحيح، فالمُختَّص بالنداء كنايةٌ عن اسم الجنس: رجل، وفلان كناية عن علم، ومادتهما مختلفة ". (فُلُ) الذي هو مختصٌ بالنداء: فَه .. لَه .. يَه، وأمَّا (فُلُ) الذي يكون مختصراً من (فلان) فهو: فَه .. لَه .. نَه، يعني: آخر حرف نون .. اللام نون، والذي يختص بالنداء: اللام ياء، ففرقٌ بينهما من حيث المادة ومن حيث المعنى، ولذلك قال: " فالمختص مادته: فَه .. لَه .. يَه " يعني: لامه ياء، ولذلك يُصَغَّر على: (فُلِيٍّ) بإرجاع الياء المحذوفة وإدغامها في ياء التصغير. وهذا مادته: فه .. له .. نه، فالتصغير على: (فُلَين) فُعَيِل.

стр. 1982

إذاً إذا قيل: بأنه أصله (فلان) وحذفت منه الألف والنون حينئذٍ لا إشكال .. ليس عندنا استثناء، وإذا قيل: أنه هو الأصل (فُلُ) الذي يَخْتَص بالنداء، حينئذٍ نقول: هذا استعمل ضرورةً في الشعر. قال الشارح هنا: " من الأسماء ما لا يستعمل إلا في النداء " وهذا خروجٌ عن الأصل، وإلا الأصل في الاسم أنه يستعمل منادى وغير منادى. نحو: يا فُلُ، أي: يا رجل، ويا لؤمان: للعظيم اللؤم، ويا نومان: لكثير النوم وهو مسموع، ويؤخذ ذلك من تعبيره بالاطِّرَاد فيما بعدها، لأنه قال: (وَاطَّرْدَا) مفهومه: أن ما قبله ليس مُطَّرِداً، يعني: ليس مقيساً. وأشار بقوله: (وَاطَّرَدَا فِي سَبِّ الأُنْثَى) إلى أنه ينقاس في النداء استعمال فَعَالِ مبْنِياً على الكسر في ذم الأنثى وسبها، من كل فعلٍ ثلاثي -وزدنا عليه ثلاثة شروط-: يا خباث .. يا فساق .. يا لكاع، وأمَّا استعمال (لكَاَع) في قول الشاعر: إليَ بَيْتٍ قَعيدَتُهُ لكَاَعِ .. هذه يُخَرَّج .. خَرَّجُوه على أنه على تقدير قولٍ محذوف، أي: بيتٍ قعيدته مقولٍ لها: يا لكاع، إذاً: ليس مستعملاً في غير النداء، وكذلك ينقاس استعمال (فَعَالِ) المبني على الكسر من كل ثلاثي للدلالة على الأمر .. نعم الثلاثي والشروط في الأمر ليست في سب الأنثى، أنا قلت هناك. نحو: نزالِ وضرابِ وقتالِ، أي: انزل واقتل واضرب، وتراك أي: اترك، وكَثُرَ استعمال (فُعَلْ) في النداء خاصةً، مقصوداً به سب الذكور، نحو: يا فُسَقُ .. يا فاسق يعني، يا غُدَرُ .. يا غادر، يا لُكَعُ .. يا لاكع، ويا خُبَثُ، يعني: يا خبيث، ولا ينقاس ذلك، واختار ابن عصفور كونه قياسياً ونُسِبَ لسيبويه. وأشار بقوله: (وَجُرَّ فِي الشِّعْرِ فُلُ) إلى أن بعض الأسماء المخصوصة بالنداء قد تستعمل في الشعر في غير النداء: في لُجَّةٍ أَمْسِكْ فُلاَناً عَنْ فُلِ .. والأكثر في بناء: (مفعلان) نحو: ملئمان أن يأتي في الذم: (لُؤْمَانُ ونَومَانُ) (مَفْعَلاَن) .. وزن مَفْعَلاَن، الأكثر أن يكون في الذم .. الأكثر وزن مَفْعَلاَن أن يكون في الذم. نحو: ملئمان، من اللؤم، وقد جاء في المدح نحو: يا مكرمان، وهو العزيز المُكْرَم .. يا مكرمان، حكاه سيبويه والأخفش، ويا مطيبان، طيب يعني، هذا مدح. قال في (شرح الكافية): " هذه الصفات مقصورة على السماع بإجماع " ما كان على وزن (مفعلان) نَوْمَان بالفتح، هذه مقصورة على السمع بإجماع، وهو صحيحٌ في غير مفعلان فإن فيه خلافاً، أجاز بعضهم القياس عليه، فتقول: يا مخبثان، وفي الأنثى: يا مخبثانة. وحكا في الهمع: الذي سُمِعَ منه من (مفعلان) ستة ألفاظ فحسب .. فقط ستة -وهذا طيب-: مكرمان، وملئمان، ومخبثان، وملعكان، ومطيبان، ومكذبان، هذه كلها مسموعة، يعني: تُحفظ ولا يُقاس عليها، إذاً: هذه أسماء لازمت النداء على الترتيب الذي ذكرناه، منها ما هو مسموعٌ قليل، ومنها ما هو مقيس، ومنها ما هو شائعٌ غير مقيس. (الاِسْتِغَاثَةُ) المنادى قد يكون استغاثةً، يعني: يستعمل ويراد به الاستغاثة، والاستغاثة مأخوذةٌ من الغوث، والغوث المراد به: نداء من يُخلِّص من شدةٍ ويعين على دفع مشقة، هذا المراد بالاستغاثة، ولذلك قيل: مستغيثٌ ومستغاثٌ به.

стр. 1983

نداء من يُخلِّص، إذاً: هي نوعٌ من المنادى .. نوعٌ من أنواع النداء، ولكن اخْتَصَّت بوصفٍ أو حالٍ دون غيرها، لمَّا كان المنادى هنا إنما يُنادى ويستغاث به ليدفع مشقة أو يُخلِّص من شدة، إذاً: لها واقعة معينة، فلذلك اخْتَصَّت بحرفٍ واحد، واخْتَصَّت ببعض الأحكام الآتي ذكرها. (الاِسْتِغَاثَةُ) إِذَا اسْتُغِيثَ اسْمٌ مُنَادَىً خُفِضَا ... بِاللاَّمِ مَفْتُوحَاً كَيَا لَلْمُرْتَضَى (إِذَا اسْتُغِيثَ اسْمٌ) استغيث: هذا مُغَيَّر الصيغة، و (اسْمٌ) هذا نائب فاعل، إذاً: أصله مفعولٌ به، وعليه فـ (استغاث): مُتعدٍّ يَتَعدَّى بنفسه، حينئذٍ استعمال النحاة: المستغاث به، نقول: هذا في غير محله، إلا إذا ادُّعِي أنه يستعمل لازماً ومتعدياً .. وقد ادُّعِي، أو يُقال: إنه من باب التوسع، وإلا (استغاث) يَتَعدَّى بنفسه، حينئذٍ لا نحتاج إلى حرف جر، وإنما نحتاج إلى حرف جر متى؟ إذا كان الفعل لازماً، وأمَّا إذا كان مُتعدِّياً بنفسه فلا. (إِذَا اسْتُغِيثَ اسْمٌ) إذاً: دَلَّ على أن (استغاث) يَتَعدَّى بنفسه، والنحاة يقولون: مستغاثٌ به، قال تعالى: ((إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ)) [الأنفال:٩] انتهينا! يعني: ربكم: هذا مفعولٌ به، فدل على أن الاستغاثة تتعدى بنفسها. (إِذَا اسْتُغِيثَ اسْمٌ) يعني: إذا نؤدِي ليُخَلِّص من شدةٍ أو يعين على مشقةٍ، (اسْمٌ مُنَادىً)، اسْمٌ قلنا: نائب فاعل، و (مُنَادىً) نعته، اسمٌ: هذا شامل للمضاف وشبه المضاف، يعني: يكون مفرداً، ويكون مضافاً، ويكون شبيهاً بالمضاف، وأمَّا النكرة غير المقصودة، فهذه وقع تردد فيها عند الشاطبي وغيره، هل مما يصلح أن يستغاث به أو لا؟ لأن الأصل هنا الإقبال .. الإقبال على المستغاث به، فحينئذٍ كيف يكون نكرة غير مقصودة؟ هذا محل تردد. إذاً: (إذَا اسْتُغِيثَ اسْمٌ) هذا قد يكون مفرداً، وأطلق الاسم فيشمل المضاف والشبيه بالمضاف، وأمَّا النكرة غير المقصودة فهي محل نظر، وإيقاع الاستغاثة هنا على الاسم على جهة التأويل، لأنك لا تستغيث بالاسم: يا زيد، إنما تستغيث بمسمى زيد .. بمدلول اللفظ، والحقيقة إنما تكون .. الذي يرفع ويدفع هو المسمى وليس باللفظ، حينئذٍ (إِذَا اسْتُغِيثَ اسْمٌ) نقول: هنا على جهة التأويل. إيقاع الاستغاثة على الاسم، أي: على اللفظ، اصطلاحي، يعني: شأنه اصطلاحٌ عند النحاة، فإن المستغاث حقيقةً المعنى، أي: مدلول اللفظ، أو نقول: التقدير مدلول اسمٍ .. (إِذَا اسْتُغِيثَ اسْمٌ) يعني: مدلول اسمٍ، وهذا حسن أيضاً. (إِذَا اسْتُغِيثَ اسْمٌ مُنَادىً) هذا فيه فائدة: وهو أن المستغاث لا يكون إلا منادى، لأنه قد يرد أنه ذكر المنادى ثم أتبعه بفصول المنادى، وهذه عادة النحاة، يبدؤون بالمنادى ثم تأتي الفصول متتابعة، والاستغاثة نوعٌ منها، ولذلك سبق: غير مندوب ومستغاث، فاستثنى المستغاث فدل على أنه نوعٌ من أنواع المنادى، إذاً: هنا تأكيد إلى أن الاستغاثة من باب النداء. (إِذَا اسْتُغِيثَ اسْمٌ مُنَادىً) منادىً: هذا نعت لاسم، فائدته: التنبيه على أن المستغاث اصطلاحاً لا يكون إلا منادىً.

стр. 1984

(خُفِضَا بِاللاَّمِ)، (خُفِضَا) فعل ماضي، والألف هذه للإطلاق، والفاعل ضمير مستتر يعود على الاسم .. خفض الاسم، يعني: الذي وقعت عليه الاستغاثة، (خُفِضَا بِاللاَّمِ) والجملة جواب (إِذَا) .. (إِذَا اسْتُغِيثَ) أين الجواب؟ (خُفِضَا بِاللاَّمِ)، باللام: جار ومجرور مُتعَلِّق بخفض، غالباً .. ليس مُطَّرِداً غالباً، ولذلك سيأتي: وَلاَمُ مَا اسْتُغِيثَ عَاقَبَتْ أَلِفْ .. يعني: أنه قد لا يكون فيه لام .. (خُفِضَا بِاللاَّمِ) أي: غالباً، فخفضه للتنصيص على الاستغاثة. (بِاللاَّمِ مَفْتُوحاً) مفتوحاً: هذا حالٌ من اللام، إذاً: يَتَعيِّن في المستغاث أن يُخْفَضَ باللام مفتوحاً، فيقال: يا لَلمرتضى .. يا لَزيدٍ، يا لَـ .. باللاَّم مفتوحة، زيدٍ: هذا مجرور، إذاً المستغاث نقول: تدخل عليه اللام غالباً، وهي مفتوحة، وإذا دخلت عليه اللام فهي حرف جر كما سيأتي، وإذا كانت حرف جر حينئذٍ صار مدخولها مخفوضاً. إذاً: (خُفِضَا) أي: الاسم المستغاث، (بِاللاَّمِ مَفْتُوحاً) حال كون اللام مفتوحاً، (كَيَا لَلمُرْتَضَى) فخفضه للتنصيص على الاستغاثة، وفتح اللام لوقوعه موقع الضمير الذي تُفتَح معه اللام لكونه منادى، لأن المنادى قلنا: في قوة ضمير الخطاب .. فيما سبق، المنادى في معنى ضمير الخطاب .. الكاف، ولذلك بُنِي، لأنه أشبه الكاف الاسمية لفظاً ومعنى، المشبهة للكاف الحرفية لفظاً ومعنى، حينئذٍ ماثله إفراداً وتعريفاً، ولذلك بُنِي المنادى. هنا نقول: جُرَّ باللام للتنصيص، وكانت اللام مفتوحة تشبيهاً لما بعده بالضمير، لأنه في قوة المخاطب. فخَفْضُه للتنصيص على الاستغاثة، وفُتِح اللام معه لوقوعه موقع الضمير الذي تفتح معه اللام لكونه منادى، ليحصل بذلك فرقٌ بينه وبين المستغاث من أجله: يا لَزيدٍ لِعمروٍ، زيدٍ: هذا مستغاثٌ به، ولعمروٍ: مستغاثٌ له، اللام تكون مفتوحة مع المستغاث به، وأمَّا مع المستغاث له فهذه تكون مكسورة، إذاً: فُتِحَتْ مع المستغاث به ليكون ثَمَّ فرقٌ بين النوعين. ليحصل بذلك فرقٌ بينه وبين المستغاث من أجله، وإنما أُعْرِبَ مع كونه منادىً مفرداً معرفةً، لأن تركيبه مع اللام أعطاه شبهاً بالمضاف، إذاً: إذا قيل بأنه منادى، وزيد: هذا في الأصل أنه إذا نُودِي يكون مبنياً، وهنا نقول: يا لَزيدٍ، لماذا خفضناه، والخفض يكون إعراب؟ قالوا: للزوم اللام معه غالباً كأنه صار شبيهاً بالمضاف، حينئذٍ أشبه المضاف. إِذَا اسْتُغِيثَ اسْمٌ مُنَادَى خُفِضَا ... بِاللاَّمِ مَفْتُوحَاً ............ وإنما اخْتِيرت اللام دون غيرها لمناسبة معناها للاستغاثة، قالوا: لأن لامها للتخصيص، أدخلت على المستغاث دلالةً على أنه مخصوصٌ من بين أمثاله، فتدل على التخصيص، ولذلك هناك تدل على الملك، وتدل على الاستحقاق، وتدل على الاختصاص، حينئذٍ لها مزية على غيرها من حروف الجر، فهي تدل على التخصيص، إذاً: كأن المنادِي أقبل على فلان .. زيد، وخَصَّه بالاستغاثة.

стр. 1985

وإنما اختيرت اللام لمناسبة معناها للاستغاثة لأن لامها للتخصيص أُدخلت على المستغاث دلالةً، على أنه مخصوصٌ من بين أمثاله بالنداء، وكذا المُتَعَجب منه كما سيأتي .. مخصوصٌ من بين أمثاله باستحضار غرابته. وقوله: (خُفِضَا بِاللاَّمِ) دَلَّ على أن المستغاث معربٌ مطلقاً، لكنه يكون بالخفض. واختلف في هذه اللام الداخلة على المستغاث، فقيل: هي بقية (آل) وهو مذهب الكوفيين، والأصل: يا آل زيدٍ، فاللام مقتطعة من (آل) فأصل العبارة: يا آل زيدٍ، فحذفت الهمزة تخفيفاً لكثرة الاستعمال، ثُمَّ حذفت الألف تخلصاً من التقاء الساكنين وبقيت اللام، لكن هذا ضعيف. فقيل: هي بقية (آل) فالأصل: يا آل زيدٍ، فزيدٌ مخفوضٌ بالإضافة، ونُسِبَ للكوفيين، وذهب الجمهور إلى أنها لام الجر، وهو الصحيح، لأن تلك (آل) اللام ليست حرف معنى، وإنما هي حرف مبنى، فكيف خفَضت .. فإذا حذف المضاف حينئذٍ كيف عَمِل؟ هذا يحتاج .. والجمهور على أنها لام الجر، ثم اختلفوا: هل هي زائدة لا تتعلق بشيء، أم أنها حقيقية أصلية تحتاج إلى مُتَعَلَّق؟ إذا قيل: يا لَزيدٍ، اللام حرف جر، مثل: مررت بزيدٍ، حينئذٍ إذا قيل: بأنها حرف جر، فالحرف قد يكون زائداً، وقد يكون أصلياً، إذا قيل: بأنها زائدة لا نحتاج إلى مُتَعَلَّقٍ تَتَعلَّق به، نقول: اللام حرف جر زائد، وزيد: مجرور وانتهينا، لا نحتاج إلى أن نقول: الجار والمجرور مُتعَلِّق بكذا. وإذا قلنا بأنها أصلية .. وهو الصحيح، حينئذٍ لا بُدَّ من مُتَعَلَّقٍ تَتَعلَّق به، فما هو هذا المُتَعَلَّق؟ فاختلفوا -القائلون بأنها لام الجر-، فقيل: زائدة لا تتعلق بشيء، وهذا ضعيف لأن الزيادة خلاف الأصل، لا يحكم بزيادة شيءٍ إلا بِثَبَت، وقيل: ليست بزائدة، وفيما تتعلق به قولان، إذا قيل أنها أصلية: أحدهما: بالفعل المحذوف، لأننا قلنا: (إِذَا اسْتُغِيثَ اسْمٌ مُنَادَى) إذاً: المنادى موجود .. النداء موجود، ولذلك: يا لزيدٍ، يا: هذه نائبةٌ مناب أدع، حينئذٍ له أثرٌ. بالفعل المحذوف، وهو مذهب سيبويه. والثاني: بحرف النداء، قلنا: هذا ضعيف، لأن حرف النداء لا يعمل، والفعل ملاحظ، بدليل بقاء أثره في المحل. وعلى مذهب سيبويه: أنه الفعل الذي نابت عنه ياء، لكن بتضمينه معنى فعلٍ يَتَعدَّى بالحرف، يعني: أدعو زيداً، أدعو لزيدٍ ما يأتي هذا، لا بُدَّ أن نُضَمِّن أدع معنى فعلٍ يَتَعدَّى باللام، ألتجئ لزيدٍ، إذاً: أدعو زيداً نُضَمِّنه معنى ألتجئ فيَتَعدَّى باللام فلا إشكال فيه، وعلى مذهب سيبويه: لا بُدَّ أن نُضَمِّنه معنى فعلٍ يَتَعدَّى بالحرف كألتجئ ونحوه، في نحو: يا لزيدٍ، وأتَعَجَّب في نحو: يا للماء .. يا للعلماء .. يا للمصيبة، هذا من باب التعجب، حينئذٍ: أدعو .. ألتجئ لزيدٍ، لأن معنى الاستغاثة كذلك، يا للماء .. تعجب من كثرة الماء، حينئذٍ يا للماء، أدعو بمعنى: أتعجب .. أتعجب للماء، لأنه يَتَعدَّى باللام. إذاً: (خُفِضَا بِاللاَّمِ) نقول: هذا غالب، ثُم الصحيح أن هذه اللام لام الجر، وليست بقية: (آل)، ثُم الصحيح أنها أصلية، ثُم الصحيح أنها مُتعَلِّقة بالفعل لا بالياء، كل المسائل داخلة في قوله:

стр. 1986

خُفِضَا ... بِاللاَّمِ مَفْتُوحاً كَيَا لَلمُرْتَضَى. كَيَا لَلمُرْتَضَى يعني: كقولك .. وذلك كقولك، والقول وما دخل عليه نقول: هذا خبر مبتدأ محذوف، وذلك كقولك: يَا لَلمُرْتَضَى. دَلَّ لمثال على أمور، يعني: فيه أحكام: أولاً: أنه يجوز اقترانه بـ (أل)، يعني: المستغاث يجوز اقترانه بـ (أل)؛ لأنه قال: المرتضى .. (لَلمُرْتَضَى)، إذاً: دخلت اللام .. لام الجر الاستغاثة هنا و (يا) واستغيث بما هو محلىً بـ (أل). أنه يجوز اقترانه بـ (أل) وإن كان منادى، وإن كان السابق معنا هناك نقول: المنادى لا يجوز أن يكون محلًى بـ (أل) إلا بواسطة، لا يُقال: يا العالم .. يا الرجل، لكن هنا لمَّا فُصِلَ باللام حينئذٍ سَاغَ أن يكون مدخول اللام محلًى بـ (أل). وإن كان منادىً لأن حرف النداء (يا) لا يباشرها، وهذا مُجمعٌ عليه. ما هو المجمع عليه؟ أن يكون المستغاث .. الاسم المستغاث محلىً بـ (أل) .. هذا متفقٌ عليه. الثاني: يفهم من المثال أن المستغاث يختص من حروف النداء بـ (يا)، ولا يجوز أن يُقال: ألا المرتضى .. أيا المرتضى .. هيا المرتضى، كل هذا غير جائز، وإنما يختص بـ (يا). فوجب كون الحرف ياء. ثالثاً: كونها مذكورة، ولا يجوز حذفها، وهذا سبق مما يمتنع حذفه .. حذف (يا) أو حرف النداء المستغاث، لأنه يلتبس .. لو حُذِفَ التبس بغيره. إِذَا اسْتُغِيثَ اسْمٌ مُنَادَى خُفِضَا ... بِاللاَّمِ مَفْتُوحَاً كَيَا لَلْمُرْتَضَى قوله: (اسْمٌ) هذا يشمل الضمير، وهذا مختلفٌ فيه، يجوز أن يكون كلٌ من المستغاث له والمستغاث ضميراً كقولك: يا لك لي، لك: الكاف مستغاث به، لي: الياء هنا مستغاثٌ من أجله، إذاً: وقع ضميراً في الموضعين، هذا جائزٌ عند بعضهم. يجوز أن يكون كلٌ من المستغاث له والمستغاث ضميراً كقولك: يا لك لي، تدعو المخاطب لنفسك. قال الشارح: " يُقال: يا لزيدٍ لعمروٍ، فيُجَر المستغاث بلامٍ مفتوحة - الداخلة على زيد -،ويُجَر المستغاث له بلامٍ مكسورة " وهذا سيأتي الذي هو: لعمروٍ، فعمروٍ: هذا اللام هنا مكسورة، وهو مستغاثٌ له، أو من أجله، سمه بذا أو ذاك، واللام في الموضعين تسمى لام الاستغاثة سواءً كانت داخلة على المستغاث به أو المستغاث له، لكنها تفتح مع المستغاث وتكسر مع المستغاث من أجله: يا للمسلمين .. يا لله .. تكون مفتوحة. وإنما فتحت مع المستغاث لأن المنادى واقعٌ موقع المضمر، والضمير تفتح معه .. له ولك، بخلاف الياء: لي، واللام تفتح مع المضمر نحو: لك وله. ثم قال: وَافْتَحْ مَعَ المَعْطُوفِ إِنْ كَرَّرتَ يَا ... وَفِي سِوَى ذَلِكَ بِالكَسْرِ ائْتِيَا قوله: (إِنْ كَرَّرتَ يَا) يؤكِّد معنى السابق وهو قوله: (يَا لَلمُرْتَضَى)، أن المُتَعيِّن من حروف النداء هو (يا) على جهة الخصوص، ولا يجوز غيرها .. لا يجوز غيرها البَتَّة. (وَافْتَحْ) افتح ماذا؟ افتح اللام، (مَعَ المَعْطُوفِ)، (افتح) هذا فعل أمر، والفاعل: أنت، المفعول به لا بُدَّ من تقديره، افتح اللام مع المعطوف، (مَعَ المَعْطُوفِ) يعني: مع المستغاث المعطوف، (مَعَ) منصوبٌ على الحالية مُتعَلِّق بمحذوف حال، حالٌ من اللام .. افتح اللام حال كونها مع المعطوف.

стр. 1987

(إنْ كَرَّرتَ يَا) إن كَرَّرت أنت .. فعل وفاعل، (يَا) مفعولٌ به قُصِدَ لفظه، ماذا تقول إن كَرَّرت (يا)؟ يا لَزيدٍ ويا لَعمروٍ لِبَكرٍ، إذا كان المستغاث به اثنين، إذا كان المستغاث به اثنين حينئذٍ تقول: يا لَزيدٍ ويا لَعمروٍ لِبَكرٍ، فيحتمل إمَّا أنك تكَرِّر الياء وإمَّا ألا تُكَرِّر. هنا قال: (وَافْتَحْ مَعَ المَعْطُوفِ إنْ كَرَّرْتَ) مفهومه: إن لم تكَرِّر اكسر، يعني: إذا قلت: يا لزيدٍ ولعمروٍ لبكرٍ، عَطَفَت على الأول المستغاث به مع عدم تكرار (يا) حينئذٍ اكسر. وإذا أعدت (يا) .. كَرَّرتها حينئذٍ وجب الفتح، إذاً: وافتح اللام مع المعطوف .. مع المستغاث المعطوف، (إنْ كَرَّرْتَ يَا) متى؟ (إنْ كَرَّرتَ يَا)، مفهومه: إن لم تكَرِّر (يا) حينئذٍ لا تفتح بل اكسر، فتقول: يا لَزيدٍ ولِعمروٍ لِعمروٍ لِبكرٍ، لماذا؟ لأنه لا يلتبس حينئذٍ الثاني بالمستغاث من أجله، كونه معطوفاً على الأول ولامه مكسورة، والأول مستغاثٌ به لا يلتبس بالمستغاث من أجله، هكذا عندنا التركيب. أولاً قلنا: يا لَزيدٍ لِعمروٍ، فتحت اللام في الأول فرقاً بينها وبين لام المستغاث من أجله، قد يقع اللبس هنا .. تقديم وتأخير، لكن إذا قيل: يا لَزيدٍ ولِعمروٍ لِبكرٍ، هل يقع لبس في الثاني .. أنه مستغاثٌ به؟ لا يقع، لأن الواو حرف عطف، فحينئذٍ لِعمروٍ معطوف لَزيدٍ .. يا لَزيدٍ، والأول مُتعيِّن أنه مستغاثٌ به، وعطفنا عليه ما لم تتصل به (يا) وكسرنا اللام، إذاً: لا لَبس. وأمَّا إذا كَرَّرنا (يا) فحينئذٍ نبقى على الأصل، هذه جملة منفكة وهذه جملة منفكة، مثل ما قلنا: يا زيدُ زيدُ الثاني نُقَدِّر له (يا) في البدل. وَافْتَحْ مَعَ المَعْطُوفِ إِنْ كَرَّرتَ يَا ... وَفِي سِوَى ذَلِكَ ............. وَفِي سِوَى ذَلِكَ -التكرار- ائْتِيَا بِالْكَسْرِ، هذا تصريحٌ بالمفهوم، يعني: لا نحتاج إليه، إلا على تأويل، (وَفِي سِوَى ذَلِكَ) في سوى جار ومجرور مُتعَلِّق بـ: (ائتيا)، و (ائتيا) هذا فعل أمر، والألف هذه منقلبة عن نون التوكيد الخفيفة، (فِي سِوَى ذَلِكَ) المشار إليه هنا التكرار .. في سوى الكرار، سوى: مضاف، وذلك: مضاف إليه، (بِالكَسْرِ) ائتيا بالكسر، جار ومجرور مُتعَلِّق بـ: (ائتيا). (بِالكَسْرِ) الكسر واجب أو جائز؟ واجب، بالكسر وجوباً ائتيا على الأصل لأمن اللبس، لأن الأصل في اللام هنا قلنا: هي لام الجر، والأصل فيها هو الكسر، حينئذٍ لمَّا أُمِنَ اللبس رجعنا إلى الأصل وهو كسر اللام، وفي سوى ذلك التكرار ائتيا بالكسر وجوباً، ولا يجوز الفتح. إذا عُطِفَ على المستغاث مستغاثٌ آخر، فإمَّا أن تتكَرَّر معه (يا) أو لا .. إذا عُطِفَ على المستغاث الأول مستغاثٌ ثاني، فإن تكَرَّرت لزم الفتح: يا لَزيدٍ ويا لَعمروٍ لِبكرٍ، وهذا واضح نَصَّ عليه بقوله: (وَافْتَحْ مَعَ المَعْطُوفِ إنْ كَرَّرتَ يَا). ومنه: يَا لَقَومي ويَا لأَمْثَالِ قَوْمي، أعاد (يا) كَرَّرها، وفتح اللام مع الثاني كما هو الشأن في الأول، يا لَزيدٍ ويا لَعمروٍ لبكرٍ، هذا إذا كُرِّرَت، وإن لم تُكَرَّر لزم الكسر نحو: يا لَزيدٍ ولِعمروٍ لِبكرٍ، ومنه قوله:

стр. 1988

يا لَلْكُهُولِ ولِلشُّبَابِ لِلْعَجَبِ .. يا لَلْكُهُولِ: الكبار .. جمع كهل، (ولِلشُّبَابِ) حينئذٍ نقول: للشباب، لم يقل: يا لَلشباب، لو أعاد (يا) وَجَبَ فتح اللام، ولمَّا حذف ياء .. لم يُكَرِّرها وإنما عطفه على الأول حينئذٍ تَعيَّن الكسر لأمن اللبس، لأنه لا يلتبس بغيره .. مع التكرار والعطف لا يلتبس بغيره. وإن لم تَتَكَرَّر لزم الكسر، كما يلزم كسر اللام مع المستغاث له، لام المستغاث له واجبة الكسر، الذي هو يكون في الأخير: يا لَزيدٍ لِبكرٍ، نقول: اللام هنا على الأصل، وإنما فتحت في الأول لتنزيل المستغاث منزلة الضمير، وأمَّا الثاني فلا. كسرُ اللام مع المستغاث من أجله .. المستغاث له، واجبٌ على الأصل، وهو ظاهرٌ في الأسماء الظاهرة، وأمَّا المُضْمَر .. لو كان ضميراً، فتفتح معه إلا مع الياء .. على الأصل، نحو: يا لَزيدٍ لَك، لك: اللام هذه .. لَك: الكاف مستغاثٌ من أجله، هنا وجب فتحه، لقيام مانعٍ من الكسر، الأصل الكسر إلا إذا منع منه مانع، فحينئذٍ رجعنا إلى الفتح لأن الكاف ضمير ولا يُكْسر معه اللام، فتقول: لك .. يا لَزيدٍ لَك، وأمَّا: يا لَزيدٍ لِ كُسِر على الأصل. وإذا قلت: يا لك احتمل الأمرين، وفي اللام .. لام المستغاث من أجله خلافٌ لما تتعلق به، في الأول: يا لَزيدٍ، قلنا: اختُلِفَ فيه على ما مضى، والصواب أنها مُتعَلِّقة بالفعل الذي نابت عنه (يا) مع التضمين، ولام المستغاث من أجله كذلك مختلفٌ فيما تتعلق به، فقيل بحرف النداء، وقيل بفعلٍ محذوف، أي: أدعوك لِزيدٍ، فيُقَدَّر بعد المستغاث والكلام حينئذٍ جملتان، يعني: يُقَدَّر له فعل غير الأول .. غير الذي تعلق به لَزيدٍ المستغاث، حينئذٍ نُقَدِّر له بعد المستغاث، كأنه يقول: أدعوك لَزَيدٍ .. أدعوك لَبكرٍ، فيُقَدَّر فعل آخر وإن لم يكن مُضَمَّنا معنى اللام، فهما جملتان. وإلى هذا أشار بقوله: (وَفِي سِوَى ذَلِكَ بِالكَسْرِ ائْتِيَا) أي: وفي سوى المستغاث والمعطوف عليه الذي تَكَرَّرَت معه (يا) اكسر اللام وجوباً، فتكسر مع المعطوف الذي لم تَتَكَرَّر معه (يا) ومع المستغاث له. وَلاَمُ مَا اسْتُغِيثَ عَاقَبَتْ أَلِفْ ... وَمِثْلُهُ اسْمٌ ذُو تَعَجُّبٍ أُلِفْ (وَلاَمُ) هذا مبتدأ، وهو مضاف، و (مَا اسْتُغِيثَ) ما اسم موصول بمعنى: الذي، في محل جر مضاف إليه، و (اسْتُغِيثَ) فعل ماضي مُغيَّر الصيغة، فُهِمَ منه أن اللام غير لازمة في قوله: (عَاقَبَتْ)، ولذلك قلنا هناك (خُفِضَا بِاللاَّمِ) .. قلنا: غالباً، لماذا غالباً؟ لأنه استثنى هنا: (وَلاَمُ مَا اسْتُغِيثَ عَاقَبَتْ أَلِفْ) قد تُحْذَف اللام ويُعَوَّض عنها ألف، فبدلاً من أن يُقال: يا لَزيدٍ، يُقال: يا زيدا، بالألف .. الألف هذه ألف الاستغاثة نائبةٌ عن لام المستغاث حُذِفَت وعُوِّضَ عنها ألف، دَلَّ على أنها ليست بلازمة، لأن الحذف هنا قياسي.

стр. 1989

(وَلاَمُ مَا اسْتُغِيثَ) التي عناها الناظم بقوله: (خُفِضَا بِاللاَّمِ مَفْتُوحاً)، هذه اللام (عَاقَبَتْ أَلِفْ) عاقبت ألفاً، ألفاً: هذا مفعولٌ به، و (عَاقَبَتْ) فعل وفاعل، وألفاً: هذا مفعولٌ به وَقَفَ عليه بالسكون على لغة ربيعة، ويَحتمل أن (أَلِفْ) فاعل .. عَاقَبَتْ أَلِفٌ: عاقبتها ألفٌ، هذا مُحتمل، وجَوَّزه المكودي هناك، وهذا لا بأس به. (عَاقَبَتْ أَلِفْ) وهذه الألف عِوَضٌ عن اللام، وفُهِمَ بهذا أن اللام غير لازمة، لأن الألف تعاقبها، وفُهِمَ من كون الألف عِوَضاً عن اللام أنه لا يجوز الجمع بينهما، فلا يُقال: يا لَزيدا، هذا ممنوع، لأن: زيدا .. الألف هذه عِوَض عن اللام، وأنت جمعت بينهما: يا لزيدا، هذا غير جائز .. ممتنع، لأنه لا يُجمع بين العِوَض والمُعَوَّض عنه. ولا يجوز الجمع بينهما فلا تقول: يا لزيدا، وقد يخلوا منهما، يعني: إذا دَلَّ عليه دليل، فلا تُذْكَر اللام ولا العِوَض عنه: أَلاَ يَاقُومِ للْعَجَبْ العَجِيبِ، ألا يا لَقُومِ، أو: ألا قوما، لم يأت بالألف ولا باللام، هنا الشاعر حذف اللام وحذف الألف: أَلاَ يَاقُومِ للْعَجَب العَجِيبِ. (وَلاَمُ مَا اسْتُغِيثَ عَاقَبَتْ أَلِفْ) إذاً نَخلُص من هذا: أن الألف قد تكون نائبةً عن اللام التي تدخل على المستغاث، حينئذٍ تأخذ حكمها في الدلالة على الاستغاثة، نحو: يا زيدا، وإذا وقفت على المستغاث أو المتعجب منه حالة إلحاق الألف جاز الوقف بهاء السَّكت، فيقال: يا زيدا .. يا زيداه، جاز الوقف بهاء السَّكت، إذاً يجوز: يا لَزيدٍ .. يا زيدا .. يا زيداه. وإذا جُعِلَ الحذف قياساً يجوز: يا زيدِ، وهذا فيه إشكال. (وَمِثْلُهُ اسْمٌ ذُو تَعَجُّبٍ أُلِفْ) هذا استطراد، كما قال هناك: (وَالأَمْرُ) هنا استطرد كذلك، وإنما ذكر اسم التعجب هنا وإن لم يكن من هذا الباب لاشتراكهما في الحكم، والداعي إلى نداء المُتَعَجب منه استعظام أمر، كما سبق: أن التعجب إنما هو استعظام، قد يناديه .. يرى الماء كثير يقول: يا لَلماء، قد يرى قلة العلماء: يا لَلعلماء .. يا لَلدَّواهي، ونحو ذلك، قَدْ يُتَعَجب من شيء فينادى جنسه. كل أحكام الاستغاثة: من حيث اللام وفتحها، ومن حيث حذفها، وتعويض الألف عنها، كله ثابت للمُتَعَجب منه. (وَمِثْلُهُ اسْمٌ ذُو تَعَجُّبٍ أُلِفْ) قلنا: النداء المُتَعَجب منه سببه استعظام أمرٍ بعده عظيماً، أو يَعُود عظيماً، فينادَى جنس ما رآه المُتَعَجِّب، كا يالَلماء، ويا للعشب ونحو ذلك. (وَمِثْلُهُ) هذا خبر مُتَقَدِّم .. مثله في ذلك، (اسْمٌ) هذا مبتدأ، (وَمِثْلُهُ) خبر مُتَقَدِّم، ولا بأس بالعكس، و (ذُو تَعَجُّبٍ) نعت .. صفة لاسم، (أُلِفَ) يعني: مألوف، صار مثله مثل حكم المتسغاث، فالألفة بينهما في تساوي الأحكام سَوَّت بينهما، (أُلِفْ) فالجملة حينئذٍ تكون صفةً لتعجب.

стр. 1990

قال هنا: تُحذف لام المستغاث، ويؤتى بألفٍ في آخره عوضاً عنها، نحو: يا زيدا لِعمروٍ، ومثل المستغاث المُتَعَجب منه: يالَلدَّاهية .. يالَلعجب، فيُجَرُّ بلامٍ مفتوحة كما يُجَرُّ المستغاث، وتُعَاقِب اللام في الاسم المُتَعَجب منه ألفٌ، فتقول: يا عجباً لِزيدٍ، يا عجباً أصلها: يا لَعَجبٍ، حذفت اللام فنُصِِبَ، لِزيدٍ: هذا بالكسر، كقولهم: يا لَلماء، ويا لَلدواهي، إذا تعجبوا من كثرتهما، ويُقال: يا للعجب، ويا عجباً لزيدِ. إذاً: هذا ما يتعلق بالاستغاثة. ثُمَّ قال: (النُّدْبَةُ). وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!

стр. 1991

عناصر الدرس * شرح الترجمة (الندبة) وحدها * مايجوز ندبه ومالا يجوز * حكم آخر المندوب * حكم ندب المضاف إلى ياء المتكلم * شرح الترجمة (الترخيم) وحده * مايجوز ترخيمه ومالايجوز * الترخيم بحذف حرف واحد وشروطه. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال الناظم - رحمه الله تعالى -: (النُّدْبَةُ). أي: هذا باب ما يتعلق بأحكام النُّدْبَة .. (النُّدْبَة) بضَمِّ النون، مصدر: نَدَب الميت إذا ناح عليه وذكر خصاله الحميدة، وأكثر من يتكلم بها النساء لضعفهن عن احتمال المصائب، لأنه في مقابل توَجُّع وتَفَجُّع، وهذا في النساء غالب، لأن المرأة ضعيفة ولا تقبل المصائب إذا وقعت عليها وإنما يقع منها توَجُّع وتفَجُّع. إذاً: (أكثر من يتكلم بها النساء لضعفهن عن احتمال المصائب). (النُّدْبَة) .. وأمَّا في اصطلاح النحاة: فالمراد (بالمندوب) المتفَجَّعُ عليه والمتَوَجَّع منه، هكذا يُعرِّفها كثير من النحاة، وهذا فيه نوع قصور، لأن لا بُدَّ من التقييد: أن النُّدْبَة إنما تكون بـ (وا) هذا هو الأصل فيها، و (يا) إذا أُمِن اللبس. حينئذٍ يُقال: المتَفَجَّع عليه بـ (وا) أو (يا) ليخرج نحو: تَفَجَّعت على زيدٍ، هذا في المعنى (مندوب) أنا مُتَفجَّعٌ عليه، نقول: هذا (نُدْبَة) لكنه ليس في اصطلاح النحاة، يعني: لا يسمى مندوباً في اصطلاح النحاة، لأنه يُشْتَرط: أن يكون بـ (وا) على جهة الخصوص أو (يا) بشرط أمْن اللبْس. (مُتَفَجَّع عليه) لِفَقْده حقيقةً، أو لتنزيله مُنَزَّلة المفقود .. (المُتَفَجَّع عليه حقيقةً) يعني: أن يكون مفقوداً .. مات، حينئذٍ يُتَفجَّع عليه. كقول القائل: وَقُمْتَ فِيهِ بِأَمرِ اللَّهِ يَا عُمرَا، كما سبق معنا أنه قاله عند موته، حينئذٍ صار مفقوداً حقيقةً. أو لتنزيله مُنَزَّلة المفقود، كقول عمر وقد أُخْبِر بجدبٍ أصاب بعض العرب: واعمراه .. واعمراه، هو موجود حيّ، لكنه يَنْدُب نفسه: واعمراه .. واعمراه، تنزيلاً له مُنَزَّلة المفقود. إذاً: (المتُفَجَّع عليه بـ (وا) أو (يا) لفقده حقيقةً أو لتنزيله مُنَزَّلة المفقود). (والمُتَوَجًّع منه): وارأساه .. واظهراه .. وامصيبتاه، الأول في الذوات .. (المتَفَجَّع عليه)، (المُتَوجَّع) الألم، وهذا قسمان: ما هو محل الألم نحو: وارأساه .. واظهراه، وهذا محل الألم. أو النوع الثاني: ما هو سبب الألم: وامصيبتاه، نقول: هذا سببٌ للألم، إذاً: (المندوب) المُصطلح عليه عند النحاة هو: المُتَفَجَّع عليه بـ (وا) أو (يا)، ليخرج ما جاء لفظ (التَفَجُّع) ومشتقاته، ولا يسمى مندوباً عند النحاة. (تَفَجَّعت عليه) و (التَفَجُّع) المراد به: إظهار الحزن: وازيداه، و (المُتَوَجَّع منه) بقسميه كذلك نحو: واظهراه .. وارأساه .. وامصيبتاه. إذاً: هذا المندوب، لذا قال الناظم هنا: (النُّدْبَة) لكنه من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول، لأن الندْبَة ليس هو عين ما أراده النحاة، لأن أحكامهم تتعلق بالألفاظ، حينئذٍ يكون من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول. قال - رحمه الله تعالى -: مَا لِلْمُنَادَى اجْعَلْ لِمَنْدُوبٍ وَمَا ... نُكِّرَ لَمْ يُنْدَبْ وَلاَ مَا أُبْهِمَا وَيُنْدَبُ المَوْصُولُ بِالَّذِيْ اشْتَهَرْ ... كَبِئْرَ زَمْزَمٍ يَلِي وَا مَنْ حَفَرْ

стр. 1992

(مَا لِلمُنَادَى اجْعَل لِمَنْدُوبٍ): هذه قاعدة عامة .. (اجعل ما للمنادى لمندوبٍ)، (اجْعَلْ) هذا فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره: أنت، (مَا) اسم موصولٌ بمعنى الذي .. مفعول مُقدَّم .. مفعول أول لـ: (اجْعَلْ)، و (لِلمُنَادَى) هذا مُتعلِّق بمحذوف صلة الموصول، (لِمَنْدُوبٍ) هذا المفعول الثاني. (اجعل ما للمنادى لمندوبٍ) ما هو الذي للمنادى؟ فـ (مَا) واقعة على الأحكام، يعني: الأحكام التي تَعلَّقت بالمنادى اجعلها لمندوبٍ، اجعل ما .. (ما) واقعةٌ في الاسم الموصول بمعنى: الذي، مُبْهَم .. واقعة على أحكام المُنَادى. إذاً: اجعل الأحكام الثابتة السابقة التي ثبتت للمُنَادى من حيث البناء، ومن حيث النصب، ومن حيث ما يصح نداؤه وما لا يصح، جميع الأحكام السابقة اجعله لمندوبٍ، فَيُضَمُّ في نحو: وازيد .. يُضَّم، وإذا جئت بالألف أبدلت الضَمَّة فتحة: وازَيْدَا، فتكون الضَمَّة مُقدَّرة، إذا حذفتها تقول: وازيدُ .. واعُمرُ، وإذا جئت بالألف وهي ليست لازمة إنما غالبة، حينئذٍ تقول: واعُمرَا .. وا زَيْدَا. إذاً: يُضَّمُّ المندوب كما يُضَّمُّ المُنَادى، ويُنْصَب في نحو: وا أمير المؤمنين كما ينصب المندوب: يا أمير المؤمنين، ونَصْبُه واضح بَيِّن، ويُنصَب إذا قيل: واطالعاً جبلاً، كما تقول: يا طالعاً جبلاً، لكن قوله: (اجعل ما للمُنَادى لمندوبٍ) وفي السابق قال: (إِذَا اسْتُغِيثَ اسْمٌ مُنَادًى) هناك حَكَم على الاسم المُستَغَاث بأنه مُنَادى، وهنا قال: اجعل الأحكام التي للمُنَادى لمندوبٍ، أليس فيه إشارة بأن المندوب ليس مُنَادى؟ ألا يفهم من عبارته أن المندوب ليس مُنَادى؟ لأنه لم يَحكم أنه مُناَدى كما حكم في باب الاستغاثة؟ الاستغاثة عَيَّن .. جَزَم: إِذَا اسْتُغِيثَ اسْمٌ مُنَادَى خُفِضَا ... بِاللاَّمِ مَفْتُوحَاً كَيَا لَلْمُرْتَضَى إذاً: حَكَم بكون الاسم المستغاث (مُنادى). وهنا غَايَر في العبارة، فقال: (اجْعَل مَا لِلمُنَادَى لِمَنْدُوبٍ)، نقول: فيه إشارة إلى أنه - يعني: المندوب - في المعنى ليس بمُنَادى وهو كذلك، لأن المُنادى فيه إشارة إلى أنه في المعنى ليس بمُنَادى وهو كذلك، لماذا؟ لأن المُنَادى هو طلب إقبال، وهنا ليس فيه طَلَب إقبال، لأنه لم يَطْلَب إقباله. وقيل: (منه) يعني: من المُنَادى. وقيل: المندوب والمتعجب منه ليسا مناديين حقيقةً، وإنما هما مناديان مجازاً، إذاً: فيه خلاف: هل المندوب مُنَادى أو لا؟ لكن الظاهر أنه مُنَادى، ولذلك سبق عَدَّ حروف الندْبِ في أحرف النداء (وا) و (يا) إذا أُمِنَ اللبْس، ولذلك صَحَّ أن يُؤتى بـ (يا) وهي حرف نِداء قطعاً في الندْبَة، فَدَلَّ على أنه جزءٌ منه، إذ لو لم يكن كذلك حينئذٍ لما صَحَّ أن يؤتى بـ (يا) وهي الأصل في النداء بل هي أمُّ الباب: أن تستعمل في الندْبَة، وهذا فيه نوع طلب إقبال، إذا قيل: وارأساه، تنزيلاً للشيء المندوب مُنَزَّلة الشيء الذي يُخَاطب، ويُطْلَب إقباله أو دفعه ونحو ذلك. إذاً: في قوله السابق في أول الباب .. باب المُنادى: عَدَّ (وا) لمن نُدب، و (يا) إذا أُمِنَ اللبْس، وعَدَّهما في باب المُنادى.

стр. 1993

إذاً: لكونه في الظاهر ليس مندوباً، عَامَله هنا مُعامَلة المقابلة، فقال: (اجْعَل مَا لِلمُنَادَى لِمَنْدُوبٍ) يعني: كأنه مُقابلٌ له، لكن في الحقيقة عند التأمل، قد يُقال: بأن المندوب مُنَادى، وإن كان فيه نوع بحثٍ. (مَا لِلمُنَادَى اجْعَل لِمَنْدُوبٍ) إذاً حُكم المندوب كحُكم المُنَادى فيُضَمُّ في حالة الضَّم، وينصب كذلك في حالة النصب، وإذا اضْطُّرَ إلى تنوينه، إذا ضَمَّ (وازيدُ) جاز ضَمُّه ونصبه: وافقْعَسُ هذا الأصل، مثل: وازَيْدُ، إذا اضْطُّرَ إلى تنوينه جاز رفعه ونصبه، كما هو الشأن فيما سبق، كقول الشاعر: وَافَقْعسٌ وَأَيْنَ مِنِّي فَقْعَسُ .. (وافقعساً) أصله (وافَقْعَسُ) فلما اضْطُّرَ إلى تنوينه حينئذٍ رَدَّه إلى أصله وهو النصب، ويجوز: وافقْعسٌ بالرفع. إذاً: كل ما ثَبَت للمُنَادى من الأحكام يَثبُت للمندوب، لكن من حيث ما يصح ندائه وما لا يصح، وما يصح ندبه وما لا يصح، القاعدة هذه: (مَا لِلمُنَادَى اجْعَل لِمَنْدُوبٍ) تَدُل على أن كُلَّ ما نُودِي هناك يَصِح نَدْبُه هنا، ولكن هذا ليس على ظاهره، ولذلك استثنى الناظم بقوله: ....................... وَمَا ... نُكِّرَ لَمْ يُنْدَبْ وَلاَ مَا أُبْهِمَا وَيُنْدَبُ المَوْصُولُ بِالَّذِيْ اشْتَهَرْ ... ........................................ إذاًَ: ليس كل ما صَحَّ نِداؤه صَحَّ ندبه، بل هو خاصٌ بما سيذكره. (وَمَا نُكِّرَ لَمْ يُنْدَبْ) إذاً: بَعدمَا بَيَّن الحُكم نَبَّه على ما يمتنع الإتيان به في حالة الندب، قال: (وَمَا نُكِّرَ لَمْ يُنْدَب) يعني: والذي نُكِّرَ .. (الذي) مبتدأ .. (ما) هنا، و (نُكِّر) فعل ماضي مُغيَّر الصيغة، والضمير نائب الفاعل يعود على (ما). (لَمْ يُنْدَبْ) يعني: لا يجوز ندْبُه، إذاً: كل نكرة لا يجوز ندبها، سواءٌ كانت نكرة مقصودة أو لا، إذاً: خَالَف المندوب المُنَادى في كونه يَختص بالمعرفة، فالنكرة لا وجود لها في باب المندوب. وَمَا نُكِّرَ لَمْ يُنْدَبْ وَلاَ مَا أُبهِمَا، هذا الثاني، يعني: ولا يُنْدَب ما .. (مَا) معطوفٌ على ما نُكِّرَ، (أُبهِمَا) من الإبهام، الألف للإطلاق: وهو فعل ماضي مُغيَّر الصيغة، والمبهم المراد به هنا ثلاثة أشياء: اسم الإشارة، والضمير، والموصول بما لا يعيِّنه. إذاً: (وَلاَ مَا أُبهِمَا) المبهم وهو اسم الإشارة لا يَصِح نَدْبُه مطلقاً، فلا يقال: (واهذاه) على أنه مندوب، ولا: (واأنتاه) أنتَ أتى بألف الندْبَة، نقول: هذا لا يصح، ولا: (وامن ذهباه) الذي ذهب، من هو الذي ذهب؟ غير مُعيَّن، هذه صلة موصول (مَنْ)، (مَنْ) سيأتي أنه يجوز نَدْبُها لكن بشرط: أن تكون الصِّلَة مشهورة .. مُتعيِّنة بذاتها، موضحة لـ (من) لأن (من) مبهم. حينئذٍ إذاً كانت الصلة .. صلة الموصول واضحة بَيِّنة مُعيَّة جاز ندبها وإلا فلا، فيكون الأصل في الموصول: أنه لا يصح ندبه، لأنه مُبهَم هذا هو الأصل، ولو عُرِّف بالصلة، إلا إذا كانت الصلة مشهورة تغني عن المعرفة، يعني: في قوة المعرفة.

стр. 1994

إذاً لا يُقال: (واهذاه) ولا: (واأنتاه) ولا: (وامن ذهباه) هذه الثلاثة داخلة في قوله: (وَلا مَا أُبهِمَا) يعني: ولا يُنْدَب ما أبهم، (ما) اسم موصول، والموصول مع صلته في قوة المشتق، كأنه قال: (وَمَا نُكِّرَ) (المنكر لم يندب) و (المبهم لا يندب) ولا يندب المبهم، لماذا؟ قالوا: لأن غَرَض الندْبَة وهو الإعْلام بعظمة المصاب مفقودٌ في هذه الثلاثة: (وامصيبتاه) مصيبة عظيم حلت بها، حينئذٍ الإعلام بعظمة المصاب مفقودٌ في هذه الثلاثة، فلذلك لا يُنْدَب إلا المعرفة السالمة من الإبهام هذه القاعدة، لأن هذا مَعرِفة لكنه مُبْهَم. إذاً: (وَمَا نُكِّرَ لَمْ يُنْدَبْ) مفهومه: أنه لا يُنْدَب إلا المعرفة، ثُمَّ المعرفة قد تكون مبهمةً، وقد تكون سالمةً من الإبهام، لأن قوله: (وَلاَ مَا أُبهِمَا) أخرج اسم الإشارة وهو معرفة، ونحن نقول: (لا يندب إلا المعرفة). إذاً: المعرفة قسمان: معرفة مبهمة .. فيها إبهام، وهو: اسم الإشارة، والضمير، والموصول من حيث هو موصول، فهذه الثلاثة مُبْهمة، قال: (وَلاَ مَا أُبهِمَا) إذاً: هذا استثناءٌ بعد استثناء. فقوله: (مَا لِلمُنَادَى اجْعَل لِمَنْدُوبٍ) عام، حينئذٍ كما أنه يُنَادى النكرة يندب النكرة، وكما أنه يُنَادى الموصول بشرطه السابق، كذلك في الندْبَة، قال: (وَمَا نُكِّرَ لَمْ يُنْدَبْ) إذاً: أخرج النكرة. مفهومه: أنه لا يُنْدَب إلا المعرفة، والمعرفة منها ما هو مبهم، ومنا ما هو واضح، حينئذٍ لمَّا كان المبهم لا يصح نداؤه ولو كان معرفة، قال: (وَلاَ مَا أُبهِمَا)، إذاً: فلذلك لا يُنْدب إلا المعرفة السالمة من الإبهام. وأمَّا (الموصول) فقلنا: فيه تفصيل. قال هنا: اختار مذهب الكوفيين خلافاً للبصريين، وهذا تصريحٌ منه بتجويز ما منعه جماهير البصريين، بل يكاد يكون إطباق أنه لا يجوز ندب الموصول مطلقاً، فهو داخل في قوله: (وَلاَ مَا أُبهِمَا) لكن ابن مالك منصف، رَاعَى مذهب الكوفيون هنا. (وَيُنْدَبُ المَوصُولُ بِالَّذِي اشْتَهَرْ) الموصول بالصلة أو بالوصل المشْتَهِر، يعني: الصلة إذا كانت شهيرة .. مشتهرة واضحة بيِّنة، إذا تَكلَّم بها المتَكلِّم علمها كل سامع جاز، وما لا فلا، لكن هل كل موصول؟ قوله: (يُنْدَبُ المَوصُولُ) هذا فيه تعميم، لأن الموصول: منه ما كان مبدوءاً بالهمزة كـ: (الذي) و (التي) و (الذين) ومنه: ما ليس كذلك. أجمع الكوفيون والبصريون قولاً واحداً: على أنه لا يُندَب المبدوء بالهمزة، فلا يقال: (واالذي) مَن حَفَر بئر زمزمٍ، ولو كان شهيراً، لكونه مبدوءاً بالهمزة. إذاً: الموصول المبدوء بالهمز، هذا ممنوع مطلقاً، ثُمَّ ما لم يكن مبدوءاً بالهمزة كـ (من) و (ما) هذا نوعان: منه ما صلته .. جملة الصلة شهيرة، ومنه ما ليس كذلك. البصريون قلنا: على المنع مطلقاً سواءً كان مبدوءاً بالهمزة أو لا، والكوفيون فَصَّلُوا، قالوا: نَنْظر إلى الموصول، ما هي صلته؟ إن كانت شهيرة واضحة بيِّنة ترفع الإبهام عن الموصول، ويعرفها كل سامع جاز نَدْبُه، وإلا فالمنع على الأصل.

стр. 1995

إذاً قوله: (وَيُنْدَبُ المَوصُولُ) هذا فيه رجوعٌ إلى قوله: (وَلاَ مَا أُبهِمَا) لأن الموصول مبهم عام، الناظم يستثني جملة بعد جملة. (وَلاَ مَا أُبهِمَا) دخل فيه الموصول مطلقاً، ثُمَّ استثنى الموصول بالصلة المشتهرة، قال: (وَيُنْدَبُ المَوصُولُ بِالَّذِي اشْتَهَر) إذاً: دخل في قوله: (مَا أُبهِمَا): الموصول بالذي لم يشتهر، لكن بقي عليه تخصيص يؤخذ من المثال، وهو أن المراد بقوله: (المَوصُولُ) ما ليس مبدوءاً بهمزة الوصل، لأن قوله: (وَيُنْدَبُ المَوصُولُ) عام، يشمل كل موصول سواءٌ بُدء بالهمزة أو لا، لكن نقول: الناظم يُعْطِي الأحكام بالأمثلة، لأنه قال: (كَبِئْرَ زَمْزَمٍ يَلِي وَا مَنْ حَفَر) .. (مَنْ) اسم موصول بمعنى: الذي. فحينئذٍ نُقيِّد قوله: (المَوصُولْ) بكونه لم يبدأ بهمزة الوصل، أجمعوا على عدم جواز نُدْبَة الموصول المقترن بـ (أل): (الذي) و (التي) و (الذين)، واختلفوا في جواز نُدْبَة الموصول غير المقترن بـ (أل) فمنعه البصريون مُطلقاً دون استثناء، وذهب بعضهم إلى الجواز إذا كانت الصلة لما اشتهر، كالمثال الذي ذكره الناظم. إذاً قوله: (المَوصُولُ) أي: الخالي من (أل)، أي: عند الكوفيين، وهو عند البصريين شاذ. واتفق الجميع على منع نُدْبَة الموصول المبدوء بـ (أل) وإن اشتهرت صلته، كالمثال الذي ذكره، لو قال: (والذي حفر بئر زمزمٍ) من الذي حفر بئر زمزم؟ عبد المطلب، ولذلك لمَّا كانت هذه مشتهرة، كأنه قال: (واعبد المطلباه .. وامن حفر بئر زمزمٍ) نُدْبَة هذا، واتفق الجميع على منع ندبة الموصول المبدوء بـ (أل) وإن اشتهرت صلته فلا يُقال: (وا الذي حفر بئر زمزماه) إذ لا يُجْمَع بين حرف الندْبَة و (أل). إذاً: (وَيُنْدَبُ المَوصُولُ بِالَّذِي اشْتَهَر) .. (بِالَّذِي) جار مجرور مُتعلِّق بقوله: (المَوصُولُ)، و (الموصول) هذا نائب فاعل (يُنْدَبُ)، و (يُنْدَبُ) مُغيَّر الصيغة، (بِالَّذِي) متعلقٌ به، (اشْتَهَر) يعني: المشتهر اشتهاراً يُعيِّنُه ويرفع الإبهام، فصار معرفةً واضحة بينة. (كَبِئْرَ زَمْزَمٍ يَلِي)، (بِئْرَ) هذا حكاية لأنه مفعولٌ به، حينئذٍ يكون مجروراً بالكاف، لكن الحركة مُقدَّرة. (بِئْرَ زَمْزَمٍ يَلِي) الذي هو بئر زمزمٍ، قول القائل: (وَا مَنْ حَفَرْ)، (وَا مَنْ حَفَرْ) الجملة هذه مَحْكية: مفعول به لقوله: (يَلِي). (وا من حفر بئر زمزمٍ)، (وا) حرف نُدْبَة، (من) اسم موصول ليس مبدوءاً بـ (أل)، (وا من حفر بئر زمزمٍ) الذي حفر بئر زمزم معروف وهو عبد المطلب، كأنه قال: إذاً قالوا بمنزلة (واعبد المطلباه) وهو معرفة واضح بَيِّن، كأنه عَدَلَ عن العَلَم إلى وصفٍ مختصٍ بالعَلَم، وهذا جائزٌ وهو بيِّنٌ واضح. إذاً الخلاصة: ليس كل منادىً يَصح نَدْبُه، بل إنما يُندب ما ليس بنكرة، ولا مبهماً من عَلَمٍ، ومضافٍ إلى معرفةٍ تُوضَّحُ بها، وموصولٍ بما يُعيِّنه خالٍ من (أل) نحو: (وازيداه) .. (وغلام زيداه) .. (وامن حفر بئر زمزماه) هذا الذي يَتعلَّق به من حيث الأحكام العامة.

стр. 1996

قال الشارح هنا: المندوب هو المتَفَجَّعُ عليه نحو: (وازيداه) والمتَوَجَّعُ منه نحو: (واظهراه) ولا يُندب إلا المعرفة، فلا يُندب النكرة .. فلا يقال: (وارجلاه) - رجُل .. (وارجلاه) ما يصح هذا - ولا المُبهَم كاسم الإشارة نحو: (واهذا)، كاسم الإشارة: يعني ليس خاصاً بها، إنما هو أعَم، ندخل معه الضمير، لا يُقال: (وا أنتاه) هذا فاسد، (واهذاه) ولا الموصول إلا إن كان خالياً من (أل) واشتهر بالصلة كقولهم: (وامن حفر بئر زمزماه). ثم قال: وَمُنْتَهَى المَنْدُوبِ صِلْهُ بِالأَلِفْ ... مَتْلُوُّهَا إِنْ كَانَ مِثْلَهَا حُذِفْ كَذَاكَ تَنْوِينُ الَّذِيْ بِهِ كَمَلْ ... مِنْ صِلَةٍ أَوْ غَيْرِهَا نِلْتَ الأَمَلْ (وَمُنْتَهَى المَنْدُوبِ) يعني: نهايته وآخره، وهو الحرف الأخير، (صِلْهُ بِالأَلِفْ) وهي ألف الندْبَة، حينئذٍ إذا وصَلْته بالألف، الألف لا يناسبها ما قبلها إلا الفتح، فإذا كان مضموماً في الأصل، لأننا قلنا: (مَا لِلمُنَادَى اجْعَل لِمَنْدُوبٍ) فيُضَّمُ، في نحو: (وازيدُ) هذا مبني على الضَّم، حينئذٍ قال: (صِلْهُ بِالأَلِفْ) والألف لا يناسبها ما قبلها إلا الفتح، فتقول: (وازيدا) بالألف، أين الضَمَّة؟ نقول: هذه الحركة أُبْدِلَت الضَمَّة فتحاً لمناسبة الألف حينئذٍ: (زيدا) نقول: هنا مُقدَّرٌ الضَمُّ عليه لحركة المناسبة، وكذلك: (واأمير المؤمنا) .. (واأمير المؤمنينا) بالنون ثابتة، (واغلام زيدا). (وَمُنْتَهَى المَنْدُوبِ صِلْهُ بِالأَلِفْ)، (وَمُنْتَهَى) هذا منصوبٌ على الاشتغال، وهو مضاف، و (المَنْدُوبِ) مضاف إليه، أي: صل منتهى المندوب، (صِلْهُ بِالأَلِفْ) .. (بِالأَلِفْ) هذا مُتعلِّق بقوله: (صِلْهُ)، و (صِلْهُ) أمر لَكِنَه المراد به الجواز، إذ يجوز خُلوُّ المندوب عن هذه الألف. (صله جوازاً لا وجوباً)، (وَمُنْتَهَى المَنْدُوبِ) أي: آخر حرفٍ منه، ومنتهى المندوب مطلقاً، أي: منتهاه حقيقةً أو حكماً، كما في الموصول، فإن الألف تكون في آخر الصلة، المندوب ما هو؟ (وامن حفر بئر زمزم) أين المندوب هنا .. ما الذي نُعْرِبه أنه مندوب؟ (مَن) إذاً: إذا ألحقناه بألف الندْبَة هل نلحقها بـ (من) أو بآخر الصلة؟ آخر الصلة. إذاً قوله: (وَمُنْتَهَى المَنْدُوبِ) هنا لحق صلة الموصول ولم يلحق المندوب نفسه، لكن نقول: لحقه حُكماً، لأن الموصول مع صلته في قوة الكلمة الواحدة، وعند البيانيين: في قوة المشتق، ولذلك يقول: (مُنْتَهَى المَنْدُوبِ) يعني: آخره، (صِلهُ بِالأَلِفْ) يعني: منتهاه حقيقةً كقولنا: (وازيدا) .. (زيد) هو المندوب آخره الدال، وصلته بالألف، وحكماً في الموصول .. صلة الموصول، لأنك تقول: (وامن) أنت ما تقول: (وامنَا حفر) لا وإنما تقول: (وامن حفر بئر زَمْزَمَا) تأتي بالألف بعد الميم، حينئذٍ لحقت الألف .. ما لحقت المندوب، وإنما لحقت صلة المندوب فهي له حُكماً لا حقيقةً. إذاً: (مُنْتَهَى المَنْدُوبِ) حقيقةً أو حكماً، و (حكماً) المراد به هنا كما في الموصول، فإن الألف تكون في آخر الصلة وهو آخر الموصول حكماً، (وَمُنْتَهَى المَنْدُوبِ) أطلق الناظم هنا، نقول: مطلقاً، حينئذٍ يشمل المفرد، والمضاف، والشبيه بالمضاف.

стр. 1997

فتقول في المفرد: (وازيدا) أصلها: (وازَيْدُ) ألحقته ووصلته بألف الندْبَة، قلت: (وازيدا) فتحت الدال لمناسبة الياء، وفي المضاف: (يا غلام زيدا) وصلته بالمضاف إليه، لأنه كالكلمة الواحدة، ولذلك حُذِفَ التنوين هنا: (واغلام زيدٍ) هذا الأصل، حَذَفت التنوين كما سيأتي: كَذَاكَ تَنْوِينُ الَّذِي بِهِ كَمَلْ .. تحذِفه، حينئذٍ تقول: (واغلام زيدا) .. وكذلك تقول: (واعبد الملكا .. واعبد الملك) وصَلْته بألف الندْبَة في آخره، وهو المضاف إليه. وفي المشبه به: (واثلاثةً وثلاثينا) إذا كان اسم رجل ثلاثةً وثلاثين، (واثلاثةً وثلاثيناه)، وفي الصلْة: (وامن حفر بئر زمزما) بالألف، وفي المركب: (وامعد كربا) وفي المحكي، لو سُمي رجل بقام زيد: (واقام زيدا) يَلْحق الأخير أيضاً، فيمن اسمه: (قام زيد). إذاً قوله: (وَمُنْتَهَى المَنْدُوبِ) مُطْلقاً .. مُفرَداً، أو مضافاً، أو شبيهاً بالمضاف، أو مُركباً عددي، أو مركباً مَزْجي، فيَعُم .. كل ما صَحَّ نَدْبُه تَصِلُه بالأخير، ثُمَّ قد يكون آخراً له حقيقةً، وقد يكون حُكماً. وأجاز يونُس وصْلَ ألف الندْبَة بآخر الصفة لو وصفته: (وازيد الظريفا) هذا حُكماً أو حقيقةً؟ قال يونُس: يجوز أن تُلْحِق الألف بالصفة: (ظريف) بدلاً من أن تقول: (وازيدا الظريف) تقول: (وازيد الظريفا) تأتي بالألف في الصفة، يعني: تُلحِقها بالصفة، هذا آخر المندوب حُكماً لا حقيقةً: (وازيد الظريف)، وعزاه في الهمع إلى الكوفيين؛ لأن مذهب الكوفيين جواز إلحاق ألف النُدْبَة بالصفة، يعني: صفة المندوب. وحينئذٍ لم يتصل بالمندوب، وإنما اتصل بآخره حُكْماً، والمشهور هو الأول. إذاً: (وَمُنْتَهَى المَنْدُوبِ) مُطلقاً، (صِلهُ بِالأَلِفْ) .. صِلْه جوازاً بالألف، (بِالأَلِفْ) هذا مُتعلِّقٌ به. (مَتْلُوُّهَا إِنْ كَانَ مِثْلَهَا حُذِفْ): واموسى، صل به الألف؟ هذا ما يُمكن، (مَتْلُوُّهَا) سابقها إن كان مثلها ألف، كما في ندبة (موسى) تقول: (واموساه) تحذف الألف الأصلية السابقة، ألف (موسى) تحذفها، وتأتي بألف الندْبَة، لأنه التقى عندنا ألفان ساكنان، ولا يمكن التحريك .. لا يمكن أن يجتمعا البتة، حينئذٍ يَتعيَّن أن نَحذف الأولى؛ لأنها حرف بِنْيَة، وأن نُبْقِي الثانية؛ لأنها حرف معنى فنقول: (واموساه) بِحذف الألف الأولى لأنها صارت ألف واحدة: (واموسا) هذه ألف واحدة، أين الألف الثانية؟ نقول: حُذِفت، وهي الألف الأصلية السابقة. ولذلك قال: (مَتْلُوُّهَا)، (مَتْلُوُّهَا) مبتدأ حُذِفْ هذا الخبر، (إِنْ كَانَ مِثْلَهَا) إن كان ألفاً مثلها .. إن كان هو المتلو، و (مِثْلَهَا) هذا خبر كان، حُذِفْ وجب حذفه، لأجلها .. لأجل ألف الندْبَة، لأنه جيء بها لمعنى نحو: (واموساه). وأجاز الكوفيون قلبه ياءً قياساً فقالوا: (وامُوسِياه) بقلب الألف الأولى ياءً، إذاً: إذا كان آخر المندوب ألف عند البصريين وجماهير النحاة يجب حذف الألف الأولى للتخلُّص من التقاء الساكنين التي هي: ألف موسى، وجوَّز الكوفيون قلبها ياءً (وامُوسِياه) قلبت الألف ياءً.

стр. 1998

إذاً: (مَتْلُوُّهَا) وهو منتهى ما يتلوها .. (مَتْلُوُّهَا) يعني: ما تتلوه هي، (مَتْلُوُّهَا) هذا مبتدأ .. (مَتْلُوُّهَا) وهو منتهى المندوب إن كان ألفاً مثلها حُذِف لأجلها. (كَذَاكَ) يُحْذَف لأجل ألف الندْبَة، قوله: (بِالأَلِفْ) هذه (أل) هنا للعهد الذهني، ليست أيَّ ألف، وإنما المراد بها: الألف المعهودة عند النحاة في هذا الباب، أي: العهد الذهني، وهي المسماة: بألف الندْبَة، (كَذَاكَ) يُحْذَف لأجل ألف النُدْبَة: تَنْوِينُ الَّذِي بِهِ كَمَلْ، كَمُلْ .. كَمَلْ يجوز فيه الوجهان، لكن هنا بالفتح من أجل الأمل. كَذَاكَ تَنْوِينُ الَّذِيْ بِهِ كَمَلْ ... مِنْ صِلَةٍ أَوْ غَيْرِهَا نِلْتَ الأَمَلْ (نِلْتَ الأَمَلَ) فعل وفاعل ومفعولٌ به .. تتميم للبيت، إذاً: يُحْذَف لأجل ألف الندْبَة التنوين، مثل ماذا؟ (يا غلام زيدٍ .. واغلام زيدٍ)، (غلام زيدٍ) مضاف ومضاف إليه، والمضاف إليه هنا مُنوَّن واجب التنوين، قلنا: تَصِله الألف .. صله .. آخره ألف، فتقول: (واغلام زيدا) حَذَفت التنوين (زيدٍ .. زيدا) إذاً: يُحْذَف التنوين لأجل ألف الندْبَة كما تُحذف الألف إذا كانت أصلية في أصل الكلمة. كذلك إذا كان في الصلة، لأنه قال: (مِنْ صِلَةٍ) .. (وامن حفر بئر زمزمٍ .. زمزما)، (زمزمٍ) فيه وجهان: هل هو ممنوع من الصرف أو لا؟ لكن على الثاني، (زمزمٍ .. زمزما) حَذَفْت التنوين لأجل ألف الندْبَة، لماذا حذفت التنوين؟ تخلصاً من التقاء الساكنين، لا يمكن الجمع، ويُذْكَر عِلَّة أخرى. (كَذَاكَ تَنْوِينُ) يعني: التنوين الذي في آخر المندوب يُحْذَف، (كَذَاكَ) هذا خبر مقدم، و (تَنْوِينُ) هذا مبتدأ مؤخر وهو مضافٌ، و (الَّذِي) مضاف إليه، و (كَمَل .. بِهِ) هذا صلة الموصول، و (كَمَلْ) أي: المندوب .. الضمير يعود على المندوب، (مِنْ صِلَةٍ) بيانٌ لـ: (الذي) يعني ما هو الذي كمل؟ لأن التنوين معروف أنه يُكَمِّل مدخوله، لأنه يَدُّل على تَمكينه، ويَدُّل على كمام اسميته، وتَمَكُّنِه في باب الاسمية وباب الإعراب، فهو مُكَمِّلٌ له، وما عداه فهو ناقص. (مِنْ صِلَةٍ) مثل: بئر زمزما، (أَو غَيرِهَا) يعني: غير الصلة، كما مَثَّلْناه بالشبيه بالمضاف: (واغلام زيدٍ .. واغلام زيدا). (نِلتَ الأَمَلْ) قيل لضرورة أن الألف لا يكون قبلها إلا فتحة، والتنوين لا حظ له في الحركة بل هو ساكن، لأن ألف الندْبَة ألفٌ، ومعلومٌ أن الألف لا يناسبها ما قبلها إلا أن يكون مُحرَّكاً، ولا يناسبها أن يكون ساكناً، مُحرَّك لا بد أولاً، أمَّا الساكن فلا، حينئذٍ إذا كان ثَمَّ ساكن فلا يجتمعان، لأنه لا يُمكن أن يُحَرَّك الأول، لأنه إذا كان ألف فالأصل: أن الألف لا تَقبَل الحركة، فإذا كان تنوين فالتنوين كذلك مُلازِم للسكون هذا الغالب، لأن التنوين قد يُحَرَّك: ((عَاداً الأُولَى)) [النجم:٥٠] حُرِّك التنوين لا إشكال فيه، لكن على جهة التعميم، قالوا: التنوين ساكن والألف ساكن، حينئذٍ ما قبل الألف يلزم أن يكون مُحرَّكاً والتنوين ليس بِحركة.

стр. 1999

لضرورة أن الألف لا يكون قبلها إلا فتحة، والتنوين لا حظ له في الحركة، فعِلَّة وجود حَذْف التنوين هي التخلص من التقاء الساكنين، وهذا مذهب سيبويه والبصريين: (أنه يجب حذف التنوين كما تُحْذَف الألف). وأجاز الكوفيون فيه مع الحذف وجهين، يعني: جَوَّزوا ما ذهب إليه سيبويه وهو: حذف التنوين، فيُقال: (يا غلام زيدا) عند الكوفيين كما هو الشأن عند البصريين، لكن جَوَّزوا مع ذلك وجهين: فتحه وكسره. جَوَّزوا مع حذف التنوين وجهين: فتحه فتقول: (واغلام زيدنا) يبقى التنوين ويُحرَّك: ((عَاداً الأُولَى)) [النجم:٥٠] هذا بالكسر. إذاً: قد يُحرَّك التنوين لأنه نون، وإذا كان نوناً فحينئذٍ النون تقبل الحركة، فأثبتوه كما هو، قالوا: بدلاً من حذفه، لأنه حرف معنى، حينئذٍ إذا كان حرف معنى فالأصل: بقاؤه ولا يجوز حذفه إلا عند عدم تَمكُّن تحريكه، وقد أمكن تحريكه. فقالوا: تقول: (واغلام زيدناه) زيدٍ قالوا: نبقيه ونُحرِّكه بالفتحة، هذا مذهب جيِّد. وكسره مع قلب الألف ياءً، إذا كُسِر التنوين .. نون مكسورة وجاء بعدها الألف، معلوم أن الألف إذا كُسِر ما قبلها قُلِبَت الألف ياءً، كما أنه إذا ضُمَّ ما قبلها قُلِبَت واواً، فقيل: (واغلام زَيِدَنِيهِ) .. (زَيدَنِيهْ) بإسكان الهاء .. هاء السكت هذه .. تكون ساكنة، (واغلام زَيدَنِيهْ) النون التي هي التنوين مكسورة، ثم جاءت بعدها ألف الندْبَة، فجاءت الألف وقبلها مكسور، وجب قلب الألف ياءً فقيل: (واغلام زَيدَنِيهْ) بإسكان الهاء. إذاً قوله: (كَذَاكَ) أي: يُحْذَف لأجل ألف الندْبَة (تَنْوِينُ الَّذِي بِهِ كَمَلْ مِنْ صِلَةٍ أَوْ غَيرِهَا) هذا واجبٌ عند سيبويه والبصريين، وأمَّا عند الكوفيين فليس بواجب، وإنما هو جائز مع كسر أو فتح التنوين، يجوز الكسر ويجوز الفتح، إلا أنه إذا فُتِحَ بقيت الألف على حالها، وإذا كُسِر قلبت الألف ياءً. قال الشارح هنا: يَلحق آخر المُنَادى المندوب ألفٌ .. انظر: حَكَم بكون المندوب مُنَادى. ألفٌ نحو: (وازيدا) ويُحْذَف ما قبلها إن كان ألفاً كقولك: واموساه، فحُذِف ألف موسى وأُتي بالألف للدلالة على الندْبَة، أو كان تنويناً في آخر صلةٍ أو غيرها، نحو: (وامن حفر بئر زمزما) هاء السَّكْت ليست بلازمة، ونحو: (يا غلام زيداه) فأتي بالألف هنا وحُذِف التنوين، وهذا على مذهب البصريين واجب، ولا يجوز تحريك التنوين البتة، وجَوَّزه الكوفيون فتحاً وكسراً. وَالشَّكْلَ حَتْمَاً أَوْلِهِ مُجَانِسَا ... إِنْ يَكُنْ الْفَتْحُ بِوَهْمٍ لاَبِسَا (وَالشَّكْلَ) أي: الحركة، ابن مالك يُطلق على الحركة (الشكل): وَإِنْ بِشَكْلٍ خِيفَ لَبْسٌ يُجْتَنَبْ .. فالشكل، يعني: الحركة، (وَالشَّكْلَ حَتْماً أَولِهِ حَرْفاً مُجانِساً) قلنا: الألف يلزم ما قبلها أن يكون مفتوحاً، حينئذٍ إذا كان المندوب مفتوحاً في أصله فلا إشكال: (واأحمداه) .. جاءت الألف، (وازيداه) كذلك لا إشكال. وإذا كان مكسوراً .. آخره كسر أو ضَّم، حينئذٍ وجب قلب الكسرة فتحة لمناسبة الألف، ووجب قلب الضَّمَّة فتحة لمناسبة الألف.

стр. 2000

إذاً: إذا جيء بألف الندْبَة وجب أن يكون ما قبلها مفتوحاً، إن كان مفتوحاً حينئذٍ لا إشكال، وإن كان مكسوراً أو مضموماً حينئذٍ وجب قلب الكسرة والضَّمَّة فتحة .. هذه القاعدة، إلا إذا وقع لبسٌ أو خِيف اللبس، وهو ما إذا كان المضاف مُضافاً إلى ضمير، وهذا الضمير للمخاطبة أو للمخاطب، حينئذٍ إذا غَيَّرت الكسرة إلى الفتحة، أو الضمة إلى الفتحة أوقعنا في لبْسٍ. لو قلت: (غُلامَكِ .. واغُلامكِ)، (غلام) هذا منصوب بالفتحة، وهو مضاف والكاف: مضاف إليه، الكسرة هذه هل لها معنى؟ مُخاطبة تَدُّل على امرأة .. تُخاطب امرأة: (واغلامك) لو أرَدت أن تَصِله بألف الندْبَة، لا يُمكن أن تَصِله إلا إذا قلبت الكسرة فتحة، ماذا يكون النتيجة؟ (واغُلامَكَا) تُخاطب رجل أو امرأة؟ أوقعنا في لبْسٍ. كذلك إذا قلت: (غلامَه .. واغلامَهُ) المُخاطب هنا .. الضمير عائد على مُذَكَّر، فإذا وَصَلْته بألف الندْبَة وجئت بالألف قَلَبْت الضَّمَّة فتحة، فقلت: (واغلامَهَا) انقلب المعنى من مُذَكَّر إلى مُؤنَّث، كما أن الأول انقلب المعنى من المؤنَّث إلى المُذَكَّر. حينئذٍ في هاتين الحالتين إذا أوقعا في لبْسٍ، قال الناظم: وَالشَّكْلَ حَتْماً أَولِهِ حرفاً مُجَانِساً إِنْ يَكُنِ الفَتْحُ بِوَهْمٍ لاَبِسَا إن أوقع الفتح .. فتح المكسور .. قلب الكسرة فتحة، أو الضمة كسرة .. إن أوقع في لبْسٍ وجَبَ أن تأتي بـ .. (أَولِهِ حرفاً مُجَانِساً) بأن تَقْلِب الألف حَرَفاً من جنس الحركة، فتقول في (غُلامَكِ) تأتي بالألف، ثُم ألفٌ قبلها كسرة، فماذا نصنع؟ نَقْلِب الألف ياء، نقول: (واغلامكيه) لأنه لا يُمكن أن تبقى الألف كما هي. كما قال الكوفيون في: (واغلام زَيدَنِيهِ) لمَّا كسروا التنوين وجَبَ قلب الألف ياءً، هنا تَقْلِب الألف من جنس الحركة السابقة، إن كانت الحركة كسرة قَلَبت الألف ياءً، وإن كانت الحركة السابقة ضَمَّة، وامتنع قلبها ألفاً، حينئذٍ وجَبَ قلب الألف واواً، فتقول: (واغلامهُوه .. واغلامكيه). (وَالشَّكْلَ) بالنصب .. من باب الاشتغال، (أَولِهِ) أولِ الشكل أي: الحركة، وهو منصوبٌ بفعلٍ مضمر واجب الإضمار، دَلَّ عليه اللاحق، (حَتْماً) هذا حالٌ من الضمير في (أَولِهِ) المفعول الأول. (أَولِهِ) حالة كونه حتْماً أي: محتوماً، (أَولِهِ حرفاً مُجَانِساً) مُجَانِساً هذا صفة لموصوفٍ محذوف، و (مجانس) هذا المفعول الثاني. (أَوْلِ) هذا يَتعدَّى إلى مفعولين، فعل أمر، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تَقْدِيره أنت، والهاء (أَولِهِ) في محل نصب مفعول أول، و (حَتْماً) حالٌ منه، و (مُجَانِساً) هذا مفعولٌ ثاني لـ: (أَولِهِ)، مُجانساً للحركة السابقة، فإن كانت كسرة حينئذٍ تأتي بالياء، وإن كانت ضَمَّة جئت بالواو. (فَأَولِ الكسرة ياءً والضمة واواً)، هكذا كأنه قال: (فَأَولِ الكسرة ياءً والضمة واواً) متى؟ (إِنْ يَكُنِ الفَتْحُ بِوَهْمٍ لاَبِسَا) لاَبِسَا الألف هذه بدل تنوين، يعني: دفعاً للبْس.
следующие страницы →