Полный текст (2 939 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.
стр. 2346
هذا الباب وضعه النَّحويون لامتحان الطالب وتدريبه كما وضعوا باب التمرين في التَّصرِيف لذلك، ولذلك يقول: ائت مثلاً: (قرأ) على وزن (سَفَرْجَل) .. تأتي بالزيادات، (قرأ) ثلاثة أحرف، و (سَفَرْجَل) خماسية، كيف تأتي هذه على وزن هذه؟! أو (قرأ) على وزن (جَعْفَر).
على كلٍ: المراد به التطبيق، وإذا طَبَّقْت أنْت وفَهِمْت القواعد ما تحتاج إلى هذا الباب، لو طبقت القواعد في كل موضع أعربت وكذا .. ما تحتاج إلى هذا الباب، لأنَّ فيه تكلُّف.
(الإِخْبَارُ بِالَّذِي وَالأَلِفِ وَاللاَّمِ) .. (الإِخْبَارُ بِالَّذِي) هذا أول امتحان، ظاهره أن يكون (الَّذِي) خبر .. أنْ تُخبِر بِـ: (الَّذِي) ولذلك قال: (مَا قِيلَ أَخْبِرْ عَنْهُ بِالَّذِيْ) أخبر عن زيد من قولك: ضربت زيداً بـ "الذي"؟ ظاهره: تجعل (الَّذِي) خبراً عن المبتدأ، وتجعل (زيد) مبتدأ.
أخبر عن (زيد) من قولك: ضربت زيداً، أخبر عنه بِـ: (الَّذِي) كأنك تجعل (زيد) مبتدأ وتأتي بِـ: (الَّذِي) فتجعله خبراً عنه، لا، المراد العكس: أن تجعل (الَّذِي) مبتدأ، وتُخبر عنه بالاسم المسئول عنه: ضربت زيداً .. أخبر بـ "الذي" عن زيد حِينئذٍ نقول: قوله (بِالَّذِي) الباء هنا بِمعنى: (عن) ليصح التركيب، لأنَّهم ما أرادوا هذا الذي هو الظَّاهر، إنَّما أرادوا أنْ يُجعل (الَّذِي) مبتدأ، والاسم المسئول عنه خبراً.
الذي ضربته زيدٌ، حِينئذٍ جعلت (الَّذِي) مبتدأ، وجعلت الاسم الذي طُلِب منك أنْ تُخبِر عنه بـ: (الَّذِي) جعلته خبراً، إذاً: القضية عكسية ابتداءً من أول الأمر.
(الإِخْبَارُ بِالَّذِي) الباء في قوله: (بِالَّذِي) باء السَّببيَّة لا باء التَّعدِية، لأنَّك إذا جعلتها باء التَّعدِية يكون المعنى: أنَّ (الَّذِي) به يكون الإخبار وليس كذلك .. لفظ (الَّذِي) هو الذي يكون به الإخبار .. يكون خبراً، وليس هذا كذلك .. ليس هذا المراد، المراد أن تجعل (الَّذِي) مبتدأً، كأنه قال: أخْبِر عن الذي، الإخبار عن الذي هذا واضح، فالباء بِمعنى: (عن) وبعضهم يقول: أنَّها للسَّببيَّة كما ذهب إليه الصَّبَّان.
ورجح هنا ابن عقيل أن الباء في (الَّذِي) بِمعنى: (عن) فكأنه قيل: أخْبِر عن الذي وهذا واضح، بل الإخبار يكون عن الذي بغيره، ثُم إنَّ الإخبار يكون بـ: (الَّذِي) وفروعه (التي) و (اللذان) و (الذين) ويكون كذلك بالألف واللام.
حاصل هذا الباب أنْ يُقال لك: كيف تُخبِر عن زيد من قولك: ضربت زيداً، أو: زيدٌ مُنطلقٌ، بـ: (الَّذِي) أخبر عن زيد بـ: (الَّذِي) من قولك: زيدٌ منطلق، ماذا تصنع؟ عندنا أربعة أمور، نأخذها أولاً ثُم نأتي إلى النَّظم.
إذا قيل لك: كيف تُخبِر عن (زيدٍ) من قولنا: زيدٌ منطلق بـ: (الَّذِي) فاعْمَد إلى ذلك الكلام فاعمل فيه أربعة أعمال .. أربعة وظائف:
الأول: أن تبتدئه بِموصولٍ مطابقٍ للاسم المسئول عنه وهو زيد مُفرد ومُذَكَر، (الَّذِي) .. تأتي بـ: (الَّذِي) تجعله مبتدأ.
ثانياً: أنْ تُؤخِّر (زيداً) إلى آخر التركيب.
стр. 2347
الثالث: أنْ ترفعه على أنه خبرٌ لـ: (الَّذِي)، قد يكون مرفوعاً في الأصل مثل: زيدٌ مُنطلقٌ، وقد يكون منصوباً مثل: ضربت زيداً، أو مجروراً: مررت بزيدٍ، قد يكون هذا وذاك، ترفعه على أنَّه خبر.
الرابع: أن تجعل في مكانه الذي نقلته عنه ضميراً مُطابقاً له في معناه وإعرابه، حِينئذٍ إذا قلت: زيدٌ منطلقٌ، أخْبِر عن (زيد) بـ: (الَّذِي)، ماذا تقول؟ تقول: الذي .. تَجعله مبتدأ، تبدأ بـ: (الَّذِي)، ثُم تأتي بـ: (زيد) المسئول تجعله في آخر التركيب، (زيدٌ) ترفعه على أنَّه خبر.
إذاً: (الذي) مبتدأ، و (زيدٌ) خبرٌ عنه، ما هي الجملة التي أخذت منها لفظ (زيد)؟ زيدٌ مُنطلقٌ، أنْتَ أخذت (زيد) الآن، صار: منطلقٌ، ضع مكان (زيد) ضمير مناسب لـ: (زيد) هو منطلقٌ، إذاً صارت النتيجة: الذي هو منطلقٌ زيدٌ، فـ: (زيدٌ) المسئول عنه صار خبراً، وهو في الأصل مبتدأ، و (الذي) الذي طُلِب السؤال به أن يُخبَر به صار مبتدأً، والجملة نفسها التي أُخِذ منها زيد وسِّطَت بين اللفظين: (الذي) والخبر، ووضعتَ مكان (زيد) الذي أخذته وجعلته خبراً وضعت مكانه ضميراً مطابقاً له في المعنى والإعراب، فقلت: الذي هو منطلقٌ زيدٌ.
ضربت زيداً، أخْبِر عن (زيد) بـ: (الَّذِي) تقول: الذي زيدٌ .. ضربتُ زيداً، حذفت (زيد) ضع مكانه ضمير: ضربته، صارت النتيجة: الذي ضربته زيدٌ، هذا ما يُسمَّى: (بَابُ: الإِخْبَارُ بِالَّذِي).
قال هنا:
مَا قِيلَ أَخْبِرْ عَنْهُ بِالَّذِيْ خَبَرْ ... عَنِ الَّذِي مُبْتَدَأً قَبْلُ اسْتَقَرّْ
(مَا قِيلَ أَخْبِرْ عَنْهُ بِالَّذِيْ) (مَا) مبتدأ، اسم موصول واقع على المخْبَر به عن (الَّذِيْ) .. عن الاسم الذي سئل عنه، لو قلت: أخْبِر عن زيد، من قولك: ضربت زيداً، هذا المراد بـ: (مَا) هنا: مررت بزيدٍ .. مررت زيداً التاء، هو المراد بـ: (مَا) هنا، يعني: اسمٌ موصول واقعٌ على المخبر به عن (الَّذِيْ) الذي جعلته خبراً وأخَذْتَه من الجملة الأصليَّة.
(مَا قِيلَ) (قِيلَ) هذا صلة الموصول، (أَخْبِرْ عَنْهُ بِالَّذِيْ) هذا سؤالٌ محكي، تفصيله: (أَخْبِرْ) هذا فعل أمر، (عَنْهُ) جار ومجرور مُتعلِّق بقوله: (أَخْبِرْ)، (بِالَّذِيْ) كذلك مُتعلِّق بـ: (أَخْبِرْ)، أين صلة الموصول؟ المراد هنا قُصِد لفظه: (أَخْبِرْ عَنْهُ بِالَّذِيْ) كلمة: (الَّذِيْ) قُصِد لفظه، حِينئذٍ لا صلة له .. ليس له جملة.
(أَخْبِرْ عَنْهُ بِالَّذِيْ) (بِالَّذِيْ) هذا مُتعلِّق بقوله: (أَخْبِرْ)، (خَبَرْ) خبر (مَا) .. ما اسمٌ قيل لك أخبر عنه بـ: (الَّذِيْ) خبرٌ، ذلك الاسم تَجعله خبراً: ضربت زيداً .. زيداً أخبر عنه بـ: (الَّذِيْ) خبرٌ، تجعل (زيداً) المنصوب مفعولاً به خبراً، (مَا) اسمٌ موصولٌ يقع عن الاسم المسئول عنه، لو قلت لك: زيداً، من: ضربت زيداً، أخبر عن (زيداً)، نقول: زيداً قيل أخبر عنه بالذي خبر، يعني: تجعله خبراً، فالاسم المسئول عنه بأن يُخبر عنه بالذي .. تَجعله خبراً.
стр. 2348
(عَنِ الَّذِي مُبْتَدَأً قَبْلُ اسْتَقَرْ) (عَنِ الَّذِي) عن لفظ (الَّذِي) قُصِد لفظه، (مُبْتَدَأً) حال كونه مبتدأً (قَبْلُ) أولاً (اسْتَقَرْ) يعني: تجعله أولاً مبتدأ، وتخبر عنه بالاسم الذي طُلِب منك أن تخبر عنه بـ: (الَّذِيْ).
إذاً عندنا لفظان: لفظ (الَّذِيْ) والاسم الذي قيل لك أخبر عنه بـ: (الَّذِيْ).
تجعل لفظ (الَّذِيْ) مبتدأً وهو الذي عناه بقوله: (عَنِ الَّذِي مُبْتَدَأً) حال كونه مبتدأً، يعني: أعربته مبتدأ، (قَبْلُ) يعني: قبل ذكر الاسم ذاك، (اسْتَقَرْ) ثَبَت أنَّه مبتدأ، ولذلك قال: (مَا قِيلَ أَخْبِرْ عَنْهُ بِالَّذِيْ خَبَرْ) يعني: تجعله خبراً، و (الَّذِيْ) تجعله مبتدأً، (عَنِ الَّذِي) هذا مُتعلِّق بقوله: (خَبَرْ) خبرٌ عن الذي، وهذا الخبر هنا مُؤخَّرٌ وجوباً، يجب تأخيره ولا يجوز تقديمه.
(عَنِ الَّذِي) هذا مُتعلِّق بقوله: (خَبَرْ)، (مُبْتَدَأً) بالنَّصب، هذا حال من الضمير المستتر في (اسْتَقَرْ) حال كونه مبتدأً قبل، يعني: قبل الخبر، مُتعلِّق بقوله: (اسْتَقَرّْ).
تقدير البيت: ما قيل لك أخبر عنه بهذا اللفظ، أعني: (الَّذِيْ) هو خبرٌ عن لفظ الذي في حال كونه مستقراً قبلُ مبتدأ.
(وَمَا سِوَاهُمَا) ما سوى (الَّذِيْ) والاسم المسئول عنه، ما سواهما بعد أنْ تأخذه من الجملة، قال: (وَسِّطْهُ) يعني: اجعله وسطاً بين (الَّذِيْ) وبين الخبر، (وَسِّطْهُ)، (صِلَهْ) لأي شيء؟ للاسم الموصول، لأنك جعلت الاسم الموصول مبتدأً، حِينئذٍ لا بُدَّ له من صِلَة .. لا بُدَّ له من جملة صلة الموصول، الذي أخذْتَ منه .. الاسم الذي جعلته خبر تجعله جملة: ضربت زيداً .. الذي ضربت.
(وَمَا سِوَاهُمَا) أي: سوى المبتدأ والخبر (الَّذِيْ) والاسم، (فَوَسِّطْهُ) بينهما حال كونه (صِلَهْ) لـ: (الَّذِيْ).
(عَائِدُهَا خَلَفُ مُعْطِيْ التَّكْمِلَهْ) (عَائِدُهَا) هذا ضمير الموصول، يعني: إذا جعلت الجملة تلك صلة الموصول، حِينئذٍ لا بُدَّ من ضميرٍ يعود على الموصول، ما هو الضمير؟ الضمير هو الذي جعلته خلفاً عن الاسم الذي أخَذْتَه، أما نقول: ضربت زيداً، تأخذ (زيد) وتجعله خبر، وتأتي بـ: (الَّذِيْ) تجعله مبتدأ، ضربتُ .. الذي ضربت زيدٌ، قلنا: عَوِّض مكان (زيد) ضمير يعود على (الَّذِيْ) فصار خلفاً عن الاسم الظَّاهر، حِينئذٍ صار هذا الضمير هو العائد على الاسم الموصول فصَحَّت الجملة، لأنَّه لو لم يكن عندنا ضمير ما صَحَّ أن تكون (ضربتُ) صلة الموصول، لأنَّه لا بُدَّ من عائدٍ عَلَى ضَمِيرٍ لاَئِقٍ مُشْتَمِلَهْ.
حِينئذٍ الضمير الذي جئت به خلفاً عن ذلك الاسم الظَّاهر هو الذي يكون عائد، ولذلك قال: (عَائِدُهَا) يعني: عائد الصِّلَة .. الضَّمير الذي اشتملت عليه الصِّلة (خَلَفُ مُعْطِيْ التَّكْمِلَهْ) اسم فاعل مضاف إلى المفعول، (مُعْطِيْ التَّكْمِلَهْ) وهو الخبر، يعني: الضمير الذي جعلته خلفاً عن الذي جعلته خبراً، هو الذي يكون عائداً على الموصول، نَحْوُ الَّذِيْ ضَرَبْتُهُ زَيْدٌ، هذه النتيجة، (الَّذِيْ) مبتدأ، (ضَرَبْتُهُ) فعل وفاعل ومفعول به لا مَحلَّ لها صلة الموصول، (زَيدٌ) هذا خبر.
стр. 2349
إذا فهمت هذا التركيب تفهم السؤال، (الَّذِيْ ضَرَبْتُهُ زَيْدٌ) (الَّذِيْ) اسم موصول مبتدأ (ضَرَبْتُهُ) فعل وفاعل ومفعول صلة الموصول لا مَحلَّ لها من الإعراب، (زَيدٌ) هذا خبر، ما أصل التركيب هذا؟ التركيب فرع ليس بأصل، الأصل: ضربت زيداً، المسئول عنه أنْ تُخبِر عنه بـ: (الَّذِيْ) زيداً، وهو مفعولٌ به، ماذا صنعت؟ جئت بـ: (الَّذِيْ) جعلته مبتدأ، ثُم زيداً، المنصوب جعلته خبراً (زيدٌ)، ثُم الجملة التي أخذت منها زيد جئت بها ووسَّطَّها بين (الَّذِيْ) وبين الاسم المرفوع، وجعلت بدلاً عن الاسم الذي أخَذْتَه ضميراً يعود على الاسم الموصول فصَحَّ التركيب.
في المفرد لا إشكال، المشكلة في التَّثنية هناك!
(الَّذِيْ ضَرَبْتُهُ زَيْدٌ فَذَا) التركيب السَّابق (ضَرَبْتُ زَيْدَاً كَانَ) قبل ذلك التركيب الفرعي، (فَادْرِ الْمَأَخَذَا) فاعلم المأخذ، حِينئذٍ جعله قياساً، نبَّه به على أنْ تقيس على هذا العمل غيره في هذا المثال.
إذاً قوله: (فَادْرِ الْمَأَخَذَا) (فَادْرِ) هذا فعل أمر، و (الْمَأَخَذَا) يعني: مَحلَّ الأخذ، كيف أخذنا: (الَّذِيْ ضَرَبْتُهُ زَيْدٌ) من قولك: (ضَرَبْتُ زَيْدَاً)، إذا عرفت المأخذ حِينئذٍ عرفت العِلَّة فتقيس عليها ما عداها، فتقول في الإخبار عن التاء من قولك: ضربت زيداً، عرفنا إذا أرَدْت أن تُخبِر عن زيد: أخْبِر عن زيد بـ: (الَّذِيْ) الذي ذكره النَّاظِم.
طيب! أخْبِر عن التاء .. ضربت زيداً، أخْبِر عن التاء، فتقول: الذي ضرب زيداً أنا، إذا أخْبَرت عن التاء تأخذ التاء وتجعلها خبراً، التاء ضمير مُتَّصل لا يُمكن أن يكون خبراً، لأنَّ الخبر لا يكون إلا ضميراً منفصلاً، حِينئذٍ الذي أنا، انفصل التاء فصار (أنا) طيب! ضرب زيداً حَذَفْت التاء، وجد ضمير يعود على الاسم الموصول، لأنَّ: ضَرَبْتُ، خُذْ التاء وأعمل (ضَرَبَ) في ضميرٍ، حِينئذٍ ينوب الضمير المستتر عن البارز، فتوسِّط هذه الجملة بين (الَّذِيْ) وبين (أنا): الذي ضرب زيداً أنا، وجد ضمير يعود على (الَّذِيْ).
إذاً: (الَّذِيْ) هذا مبتدأ، و (ضرب زيداً) فعل وفاعل ومفعول، الفاعل من أين جاء؟ لم يكن (ضربت) الفاعل ضمير مستتر، و (ضَرَبْتُ) الفاعل ضمير بارز وأخذناه .. جعلناه خبراً، إذاً: جَرَّدْنا الفعل عن الضمير البارز، ووضعنا مكانه ضميراً مستتراً، فقيل: الذي ضرب زيداً هو .. ضرب هو زيداً أنا.
إذاً إذا قيل: (أَخْبِرْ) عن التاء من قولك: ضربت زيداً، تقول: الذي ضرب زيداً أنا.
وفُهِم من إطلاقه (فَادْرِ الْمَأَخَذَا): أنَّ الإخبار بالذي يكون في الجملة الفعليَّة كما مُثِّل، ويكون في الجملة الاسْميَّة، فلو قيل: أخبر عن زيد من قولك: زيدٌ أبوك .. أخبر عن زيد بـ: (الَّذِيْ) زيدٌ أبوك: الذي زيدٌ، أخَذْتَ (زيد)، ضع مكانه ضميراً مناسب له (هو): الذي هو أبوك زيدٌ.
أخبر عن (أبوك) من قولك: زيدٌ أبوك، الذي زيدٌ هو أبوك.
стр. 2350
زيدٌ أبوك، أخبر عن الخبر، تجعل الخبر خبراً كما هو مَحلُّه لا إشكال، فتأخذ الخبر من الجملة الأصليَّة فتضع مكانه ضمير: الذي زيدٌ هو أبوك، هذا التركيب، تأخذ الاسم المسئول عنه، ما هو؟ زيدٌ أبوك، أخَذْتَ (أبوك) ضعها خبر، (الَّذِيْ) ثُم: زيدٌ أبوك، أخَذْتَ (أبوك) ضع مكانه ضمير: الذي زيدٌ هو أبوك.
أخبر عن (زيد) من قولك: زيدٌ أبوك، قلت: الذي هو أبوك زيدٌ، أو عن أبيك، قلت: الذي زيدٌ هو أبوك، (أبوك) أخذته من الخبر وجعلته خبراً، لا إشكال فيه، إن سئل عن شيءٍ هو خبر واضح أنَّه يكون خبراً كما هو.
إذاً:
مَا قِيلَ أَخْبِرْ عَنْهُ بِالَّذِيْ خَبَرْ ... عَنِ الَّذِي مُبْتَدَأً قَبْلُ اسْتَقَرْ
(مَا قِيلَ) اسمٌ سواءٌ كان مرفوعاً، مثل: أبوك زيدٌ .. زيدٌ أبوك، أو منصوباً: ضربت زيداً، (زيداً) هذا الذي يدخل معنا، أو مجروراً: مررت بزيدٍ، (مَا) اسمٌ (قِيلَ أَخْبِرْ عَنْهُ بِالَّذِيْ خَبَرْ) الاسم عينُه يُجعل خبراً، اسمٌ من قولك: ضربت زيداً، الاسم المنصوب، أو مرفوع: زيدٌ أبوك الأول أو الثاني، أو مجرور: مررت بزيدٍ، اسمٌ (مَا) هنا يقع على الاسم الذي قيل لك أخبر عنه بـ: (الَّذِيْ) (خَبَرٌ) تجعله خبراً، عن أي شيء؟ عن (الَّذِيْ) انظر في النَّظم، فتجعل (الَّذِيْ) مبتدأً، وتجعل الاسم الذي سئلت عنه أن تُخبِر عنه بـ: (الَّذِيْ) تجعله خبراً، (مُبْتَدَأً) هذا حال من (الَّذِي) الذي حال كونه مبتدأً، (قَبْلُ اسْتَقَرْ) استقرَّ قبل الاسم الذي جعلته خبراً.
(وَمَا سِوَاهُمَا) سوى (الَّذِيْ) والمسئول عنه، يعني: سوى المبتدأ والخبر (فَوَسِّطْهُ) الفاء واقعة في جواب (مَا)، (فَوَسِّطْهُ) يعني: اجعله واسطة، على أي شيء؟ (صِلَهْ) وسِّطه صِلَةً للموصول، لأن التركيب هذا باب الإخبار بـ: (الَّذِيْ) كل مبتدأ يكون هو (الَّذِيْ) أو (التي) أو (اللذين) أو (الذين) إذاً: لا بُدَّ له من صلة، فالجملة التي أخذت منها المسئول عنه تجعله صلةً للموصول.
(عَائِدُهَا) عائد الصِّلة، لا بُدَّ من عائدٍ، (عَائِدُهَا) مبتدأ، (خَلَفُ مُعْطِيْ التَّكْمِلَهْ) ما هو معطي التَّكْمِلة؟ الخبر الذي جعلته مُكمِّلاً للإسناد، (الَّذِيْ) هذا مبتدأ، أين خبره؟ الاسم المسئول عنه الذي سُئِلت أن تُخبِر عنه بـ: (الَّذِيْ) هو مُعطي التَّكْمِلة في الإسناد للمبتدأ، خلفه ضمير، لا تأخذ الاسم هكذا وتترك الجملة وحدها، لا، تَخلُفُه ضمير .. تُعوِّضه بضمير، هذا الضمير إذا أخذت الجملة وجعلتها صِلَة الموصول هو العائد، فحِينئذٍ يُطابق الموصول إن كان مُذكَّراً ذَكَّرته، وإن كان مؤنَّثاً مفرداً أنَّثته، وإن كان مثنَّىً أو جمعاً ثنَّيته أو جمعته، لماذا؟
لأنَّك لَمَّا أخذْتَ الاسم عوَّضْتَ ضميراً يعود على الاسم الموصول، فلا بُدَّ أن يكون مطابقاً له، (عَائِدُهَا خَلَفُ مُعْطِيْ التَّكْمِلَهْ).
(عَائِدُهَا) قلنا: هذا مبتدأ، و (خَلَفُ) هذا خبر، (خَلَفُ) مضاف، و (مُعْطِيْ) مضاف إليه، اسم فاعل مضاف إلى المفعول، (التَّكْمِلَهْ) يعني: تكملة الجملة.
стр. 2351
(وَمَا سِوَاهُمَا) يعني: والذي، هذا مبتدأ وهي اسمٌ موصول تقع على ما سوى (الَّذِيْ) والاسم المُخبَر به، وهو باقي الجملة، ويجوز أن تكون (مَا) مفعول به بفعلٍ مضمر يُفسِّره (فَوَسِّطْهُ)، لأنه قال: (فَوَسِّطْهُ) .. (مَا فَوَسِّطْهُ) وسِّط ما، يعني: على أنَّها مفعول به يجوز هذا بل هو أحسن.
(نَحْوُ الَّذِيْ) نحو قولك: (الَّذِيْ ضَرَبْتُهُ زَيْدٌ فَذَا) هذا التركيب السَّابق: (الَّذِيْ ضَرَبْتُهُ زَيْدٌ) ضَرَبْتُ زَيْدَاً كَانَ في الأصل، فقيل لك: أخبر عن زيداً بـ: (الَّذِيْ)، قلت: (الَّذِيْ ضَرَبْتُهُ زَيْدٌ) انظر! قال: (مَا قِيلَ أَخْبِرْ عَنْهُ بِالَّذِيْ خَبَرْ) أخذت زيداً فجعلته خبراً، (عَنِ الَّذِي مُبْتَدَأً) جعلت (الَّذِيْ) مبتدأً.
(وَمَا سِوَاهُمَا) المبتدأ والخبر (فَوَسِّطْهُ) .. (عَائِدُهَا خَلَفُ مُعْطِيْ التَّكْمِلَهْ): (ضَرَبْتُهُ).
قال الشَّارح: " فإذا قيل لك: أخْبِر عن اسمٍ من الأسماء " انظر! قال: عن اسمٍ من الأسماء، هو ليس كل اسمٍ سيأتي شروط، "فإذا قيل لك: أخبر عن اسمٍ من الأسماء بـ: (الَّذِيْ) يعني: بلفظ (الَّذِيْ)، فظاهر هذا السؤال: أخْبِر عنه بـ: (الَّذِيْ) ظاهره أنك تَجعل (الَّذِيْ) خبراً عن ذلك الاسم، لكن الأمر ليس كذلك، بل المجعول خبراً هو ذلك الاسم المسئول عنه، والمخبر عنه إنَّما هو (الَّذِيْ) كأنَّه قال لك: اجعل الذي مبتدأً، وأخبر عنه بالاسم الذي سئلت عنه.
والمخبر عنه إنَّما هو (الَّذِيْ) كما ستعرفه، فقيل: إن الباء في (بِالَّذِيْ) بمعنى: (عن) فكأنَّه قيل: أخبر عن (الَّذِيْ)، لو صرَّحوا به لكان أجوَد، أخْبِر عن الاسم بـ: (الَّذِيْ) يعني: عن (الَّذِيْ) أخْبِر بهذا الاسم عن (الَّذِيْ)، ولذلك يُسمِّيه بعضهم: باب السَّبْكِ، لأنَّه يُسْبَك كلامٌ من كلامٍ آخر.
والمقصود: أنَّه إذا قيل لك ذلك فجيء بـ: (الَّذِيْ) واجعله مبتدأ .. لفظ (الَّذِيْ) اجعله مبتدأ، واجعل ذلك الاسم خبراً عن (الَّذِيْ) وخذ الجملة التي كان فيها ذلك الاسم فوسِّطْها بين (الَّذِيْ) وبين خبره وهو ذلك الاسم، واجعل الجملة صِلَة (الَّذِيْ) لا بُدَّ من هذا، واجعل العائد على (الَّذِيْ) الموصول ضميراً تَجعله عِوضاً عن ذلك الاسم الذي صَيَّرته خبراً.
فإذا قيل لك: أخبر عن (زيد) من قولك: ضربت زيداً، فتقول: الذي ضربته زيد، مثال النَّاظم فـ: (الذي) مبتدأ، و (زيدٌ) خبره، و (ضربته) صلة (الذي) والهاء في (ضربته) خلفٌ عن (زيد) الذي جعلته خبراً، وهي عائدةٌ على (الذي).
وَبِاللَّذَيْنِ وَالَّذِينَ وَالَّتِي ... أَخْبِرْ مُرَاعِيَاً وِفَاقَ الْمُثْبَتِ
القول هو القول، لكن يبقى الضمير الذي يراعى هناك في التذكير والإفراد هنا يكون تأنيثاً، إذا كان (الَّتِي) أو يكون مثنًّى، أو جمعاً.
стр. 2352
(وَبِاللَّذَيْنَ) هذا جار ومجرور مُتعلِّق بقوله: (أَخْبِرْ) (وَالَّذِينَ وَالَّتِي) معطوفٌ عليه، ولذلك النَّاظم هنا قال: (الإِخْبَارُ بِالَّذِي) ثُم تَبَرَّع بذكر (اللَّذَيْنِ وَالَّذِينَ وَالَّتِي) والمشهور عند النُّحاة أنهم يقولون: (الإخْبَار بِالَّذِي وَفُرُوعِهِ) إذا كان كذلك حِينئذٍ وفَّى بالتَّرجَمة، لأنَّه ترجم لشيءٍ واحد وزاد، يسمى تَبَرُّع، حِينئذٍ لَمَّا لم يقل: (بِالَّذِي وَفُرُوعِهِ) نقول: تَبَرَّع النَّاظِم، يعني: زادنا.
(وَبِاللَّذَيْنِ) هذا قلنا: مُتعلِّق بقوله: (أَخْبِرْ)، (وَالَّذِينَ وَالَّتِي) معطوفٌ على الأول، (أَخْبِرْ) أنت (مُرَاعِياً) في الضمير، هذا حال من الضمير المستتر في (أَخْبِرْ) أخبر حال كونك (مُرَاعِياً) في الضمير (وِفَاقَ الْمُثْبَتِ)، (مُرَاعِياً وِفَاقَ) يعني: موافقة (الْمُثْبَتِ) يعني: القواعد التي سبقت في باب الاسم الموصول، عَلَى ضَمِيرٍ لاَئِقٍ مُشْتَمِلَهْ.
فحِينئذٍ نقول: (وِفَاقَ) هذا مفعولٌ لـ: (مُرَاعِياً) .. (مُرَاعِياً) هذا اسم فاعل، (الْمُثْبَتِ) أي: المخبر عنه في المعنى، يعني: أنَّ المخبَر عنه إذا كان مثنَّىً أو مجموعاً، أو مؤنَّثاً جيء بالموصول مُطابقاً له، لأنَّه خبرٌ عنه: ضربت الزَّيْدين، أخبر عن (الزَّيْدَيْن) اللذان ضربتهما الزيدان، ضربت الزَّيْدِيِن، أخر عن (الزَّيْدِيِن) الذين ضربتهم الزَّيْدُوُن، ضربت هنداً .. التي ضربتها هندٌ.
أي: إذا كان الاسم الذي قيل لك أخْبِر عنه مثنىً فجئ بالموصول مثنىً كـ: (اللَّذَيْنِ) وإن كان مجموعاً فجيء به كذلك كـ: (الَّذِينَ)، وإن كان مؤنَّثاً فجيء به كذلك كـ: (الَّتي) والحاصل: أنَّه لا بُدَّ من مطابقة الموصول للاسم المخْبَر عنه به، لأنَّه خبرٌ عنه، ولا بُدَّ من مطابقة الخبر للمخْبَر عنه، إن مفرداً فمفرد، وإن مثنَّىً فمثنَّىً، لأنَّه يقول لك: أخْبِر بـ: (الَّذِيْ) عند الزَّيْدَيْن، تغلط تقول: الذي الزيدان .. لا! حِينئذٍ لا بُدَّ من المطابقة، وإذا حذفت الضمير حِينئذٍ لا بُدَّ أن يكون مطابقاً للاسم الموصول.
إن مفرداً فمفرد، وإن مثنَّىً فمثنَّىً، وإن مجموعاً فمجموع، وإن مُذكَّراً فمُذكَّر، وإن مؤنَّثاً فمؤنَّث، فإذا قيل لك: أخبر عن الزَّيْدَين من: ضربت الزَّيْدَين، قلت: اللذان ضربتهما الزيدان، وإذا قيل أخبر عن الزَّيْدِين من: ضربت الزَّيْدِين، قلت: الذين ضربتهم الزَّيْدُون، فإذا قيل: أخبر عن هندٍ من: ضربت هنداً، قلت: التي ضربتها هندٌ.
ابن عقيل هذا شرح عصري، يعني: بدل من الكتب التي تؤلَّف الآن يُجعل مكانها ابن عقيل أجْوَد.
قَبُولُ تَأْخِيْرٍ وَتَعْرِيفٍ لِمَا ... أُخْبِرَ عَنْهُ هَا هُنَا قَدْ حُتِمَا
كَذَا الْغِنَى عَنْهُ بِأَجْنَبِيٍّ اوْ ... بِمُضْمَرٍ شَرْطٌ فَرَاعِ مَا رَعَوْا
يعني: لَمَّا بَيَّن كيفية الإخبار شرع في شروطه، يعني: هل كل اسمٍ يُقال فيه: (أَخْبِرْ عَنْهُ بِالَّذِيْ)؟ الجواب: لا، لا بُدَّ من استيفاء شروط ذكر منها النَّاظِم أربعة، وفي الحقيقة هي ثلاثة، لا بُدَّ من استيفائها، فإن لم تكن كذلك لا يجوز أنْ يُقال: (أَخْبِرْ عَنْهُ بِالَّذِيْ).
стр. 2353
قال: (قَبُولُ تَأْخِيْرٍ) (قَبُولُ) هذا مبتدأ، وهو مضاف و (تَأْخيْرٍ) مضاف إليه، (وَتَعْرِيفٍ) هذا معطوف على (تَأْخِيْر)، (لِمَا أُخْبِرَ عَنْهُ) (لِمَا) هذا مُتعلِّق بقوله: (حُتِمَا)، (قَدْ حُتِمَا) هذا خبر المبتدأ، (قَبُولُ) مبتدأ، (قَدْ حُتِمَا) .. (قَدْ) للتحقيق هنا، (حُتِمَا) هو، والألف للإطلاق، الجملة خبر.
(لِمَا) مُتعلِّق بقوله: (حُتِمَا)، (أُخْبِرَ عَنْهُ) .. (عَنْهُ) نائب فاعل، والجملة صِلَة الموصول لا مَحلَّ لها من الإعراب (لِمَا أُخْبِرَ عَنْهُ)، (هَا هُنَا) يعني: في هذا المَحل: (بَابُ الإِخْبَار بِالَّذِي وفُرُوعِهِ) مُتعلِّق بـ: (حُتِمَا).
(كَذَا الْغِنَى عَنْهُ) .. (كَذَا) هذا شرطٌ.
. . الْغِنَى عَنْهُ بِأَجْنَبِيٍّ اوْ ... بِمُضْمَرٍ شَرْطٌ. . . . . . . . .
(الْغِنَى) مبتدأ، و (شَرْطٌ) خبره، و (كَذَا) مُتعلِّق بـ: (شَرْطٌ) شرطٌ كذا، أي: مثل الذي سبق من الشُّروط في كونه مُتحتِّم، لأنَّه أخبر عن قبول التأخير والتَّعريف بأنَّه حُتِم فدلَّ على أنَّه واجب، فإذا كان كذلك فهو شرطٌ، ثُم فَصل الكلام قال:
كَذَا الْغِنَى عَنْهُ بِأَجْنَبِيٍّ اوْ ... بِمُضْمَرٍ شَرْطٌ. . . . . . . . .
هذا معنى الوجوب أو التَّحتُّم الذي ذكره أولاً.
إذاً: (كَذَا) هذا متعلق بقوله: (شَرْطٌ) الذي هو خبر، و (ذَا) اسم إشارة أراد بها الشَّرطين السَّابقين، قَبُولُ تَأْخِيْرٍ وَتَعْرِيفٍ.
(الْغِنَى عَنْهُ) (عَنْهُ) مُتعلِّق بـ: (الْغِنَى)، مصدر وهو مبتدأ، (بِأَجْنَبِيٍّ) مُتعلِّق بـ: (الْغِنَى)، (أَوْ) بِمعنى الواو، (بِمُضْمَرٍ) ما إعراب (بِمُضْمَرٍ)؟ (بِأَجْنَبِيٍّ اوْ بِمُضْمَرٍ) لا تقل: مُتعلِّق كما ذكرناه سابقاً (بِظَاهِرٍ)، يكون معطوفاً، الجار والمجرور قد لا يكون مُتعلِّقاً فتنظر إلى السِّياق.
هنا قال: (أَوْ بِمُضْمَرٍ) معطوف على قوله: (بِأَجْنَبِيٍّ).
(فَرَاعِ مَا رَعَوْا) راعي ما رعوه، (مَا) اسم موصول مفعولٌ به، (رَعَوْا) رعوه.
إذاً: يُشترط فيما ذكره النَّاظم أربعة شروط:
- الأول: (قَبُولُ تَأْخِيْرٍ) يعني: هذا الاسم الذي قيل لك: أخْبِر عنه، يقبل التَّأخير .. أنْ يكون قابلاً للتَّأخير احترازاً مِمَّا له صدر الكلام، لأنَّك لو سئلت عن (أيِّهم) كما مثَّل بعضهم، (أيُّهم) من قولك: أيُّهم في الدار؟ أخبر عن (أيهم) بـ: (الَّذِيْ) ستأخذ: (أيُّ) تجعلها ماذا .. هل يجوز هذا؟ ما يجوز، لأنَّ (أيّ) لها صدر الكلام.
إذاً: ليس كل اسمٍ يسأل عنه أخبر عنه بـ: (الَّذِيْ) يجوز، حِينئذٍ لا بُدَّ أن يكون قابلاً للتأخير، لأنك ستجعله خبراً مُتأخِّراً، إذاً: (مَا) التَّعجُبيَّة، و (كم) الاستفهاميَّة، و (كم) الخبريَّة، وأسماء الشَّرط، وأسماء الاستفهام، كل ما قيل فيه: إنَّه له صدر الكلام لا يَصِح دخوله في هذا الباب.
وهذا فيه معنى التمرين، لأنَّه يقول لك: أخبر عن (أيهم) نقول: لا .. ما يجوز، (أيُّ) هذا سبق في باب الاستفهام أنَّه له حق الصَّدارة فلا يجوز تأخيره.
стр. 2354
إذاً: أن يكون قابلاً للتأخير فلا يُخبر عَمَّا يلزم التقديم، وهو ما له صدر الكلام كأسْماء الشَّرط والاستفهام نحو: (من) و (مَا) و (كم) الخبريَّة، و (مَا) التَّعجبيَّة، وضمير الشأن، فلا يُخبر عن (أيهم) من قولك: أيهم في الدار، لأنَّك تقول: الذي هو الدار أيهم، وهذا باطل، فتزيل الاستفهام عن صدريَّتِه.
إذً: قَبُولُ تَأْخِيْرٍ أن يكون هذا الاسم قابلاً للتأخير، فإن لم يقبل التأخير فيما إذا كان له صدر الكلام لا يجوز الإخبار عنه بـ: (الَّذِيْ).
- (وَتَعْرِيفٍ): أن يكون قابلاً للتَّعريف، وهذا احترز به عن واجب التنكير، وهو الحال والتمييز، لأنَّك لو قلت في: جاء زيدٌ ضاحكاً، أخبر عن (ضاحكاً) بـ: (الَّذِيْ) الذي جاء زيدٌ إياه ضاحكٌ، لأنَّك ستأتي بضمير يَحلُّ مَحلَّ الاسم الذي جعلته خبراً، يَحلُّ مَحلَّه .. مثله، هل يَصِح أن يكون الضمير حالاً؟ إذا قلت: جاء الذي .. الذي جاء إياه .. الذي جاء زيدٌ إياه ضاحكٌ، أخذت (ضاحك) فجعلته خبراً، لا بُدَّ أن تَخلُفه بضمير يكون مَحلَّه، حِينئذٍ جعلت (إياه) حالاً وهو ضمير.
حِينئذٍ لا يَجوز أن يكون الضمير حالاً لأن الحال لا يكون إلا نكرة، والضمير لا يكون إلا معرفة، إذاً: مُمتنع، لذلك قال: (قَبُولُ تَأْخيْرٍ وَقَبُولُ تَعْرِيفٍ) فما كان لا يقبل التعريف لا يجوز، لأنَّك ستجعل الضمير قائماً مقام الاسم المسئول عنه .. مثله .. يعرب إعرابه: جاء زيدٌ ضاحكاً .. الذي جاء زيدٌ إياه ضاحكٌ، نقول: جعلت الضمير هنا حالاً وهذا لا يجوز، لأنَّه لا يقبل التعريف.
إذاً: الشَّرط الثاني أن يكون قابلاً للتعريف، فلا يُخبر عَمَّا يلزم التنكير كالحال والتمييز، لأنَّك لو قلت في (جاء زيدٌ ضاحكاً): الذي جاء زيدٌ إياه ضاحكٌ، لكنت قد نَصبْت الضمير على الحال وذلك ممتنع، لأنَّ الحال واجب التنكير، لأنَّك ستُخلِف هذا الموضع الاسم المسئول عنه بضميرٍ يُعرب أعرابه، فإذا قلت: الذي جاء زيدٌ إياه، (إياه) حال، كيف يكون (إياه) حال؟ هذا ضمير لا يصح أن يعرب حالاً، لأنَّ الحال واجب التنكير.
قَبُولُ تَأْخيْرٍ وَتَعْرِيفٍ لِمَا ... أُخْبِرَ عَنْهُ. . . . . . . . . . .
يعني: للذي أخبر عنه .. الاسم الذي أُخْبِر عنه، (هَا هُنَا) في هذا الموضع (قَدْ حُتِمَا) الألف للإطلاق، يعني: تَعيَّن.
- (كَذَا الْغِنَى عَنْهُ بِأَجْنَبِيٍّ) هذا الشَّرط الثالث: أن يكون صالحاً للاستغناء عنه بأجنبي، فلا يُخبَر عن الضمير الرَّابط للجملة الواقعة خبراً، يعني: هل يصِح أنْ تَحذف الضمير وتأتي باسمٍ أجنبي كـ: بكر، وعمرو، وزيد، أم لا؟ إنْ صَحَّ حِينئذٍ صَحَّ وإلا فلا.
стр. 2355
أن يكون صالحاً للاستغناء عنه بأجنبي فلا يُخبَر عَمَّا يقع به الرَّبط في الجمل كـ: جملة المبتدأ، وجملة الخبر، وجملة النعت، وجملة الحال، تقول: الضمير يقع رابطاً بين الجملتين، كذلك اسم الإشارة، اسم الإشارة لا يُستغنى عنه باسمٍ ظاهر، والضمير لا يستغنى عنه باسمٍ ظاهر، لو قلت: زيدٌ قام أبوه، أو: زيدٌ هو قائمٌ، جملة: (هو قائمٌ) خبر، ما الرَّابط؟ هو، هل يَصِح أن يَحُل مَحل (هو) عمرو أو بكر، قلت: زيدٌ عمروٌ قائمٌ، ويَصِح الرَّبط؟ لا، إذاً: لا يَصِح أن يَحلَّ محل هذا الضمير أو هذا الاسم ما هو أجنبي، فإذا كان كذلك حِينئذٍ لا يَصِح الإخبار عنه.
أن يكون صالحاً للاستغناء عنه بأجنبي، فلا يُخبَر عَمَّا يقع به الرَّبط، وشَمِل الضمير نَحو: زيدٌ ضربته، واسم الإشارة نحو: زيدٌ ضربت ذلك، (ذلك) لا يُخبَر عنه، لأنَّه لا يَحُل مَحلَّه اسمٌ ظاهر، فلا يُستغنى عنه بأجنبي، كذلك: زيدٌ ضربته، الهاء هنا لا يصح الإخبار عنه، لأنَّه رابط.
إذاً: كل ضميرٍ رابطٍ بين جملة المبتدأ والخبر لا يصح الإخبار عنه، سواء كان ضميراً أو اسم إشارة، نَحو: زيدٌ ضربت ذلك، فلا يَجوز الإخبار عن واحدٍ منهما، لأنَّك لو أخبرت عنه للزم أن تضع ضميراً في موضعه يَخلُفه على القاعدة السابقة المُتقدِّمة، وهو قد كان يربط الخبر بالمبتدأ، ثُم زِدْتَ الموصول وهو أيضاً يلزم أنْ يعود عليه ضميرٌ من الصِّلة، وليس في الكلام عندنا إلا ضمير واحد.
عندنا رابط بين جملة المبتدأ والخبر، وعندنا ضمير نحتاجه يرجع إلى الصِّلة، أنْتَ أخْلَفْتَ الاسم الظَّاهر ضميراً واحداً، هذا الضمير تنازعه شيئان: إمَّا أنْ يكون عائداً رابطاً للمبتدأ .. خبراً للمبتدأ، وإمَّا أن يكون الضمير عائداً للصِّلة، إمَّا هذا أو ذاك هو واحد، إنْ جعلته للمبتدأ .. عائداً على المبتدأ حِينئذٍ تَخلَّت الصِّلة عن ضمير يعود الموصول وهذا مُمتنع، وإنْ جعلت الضمير عائداً على الاسم الموصول حِينئذٍ خَلَت الجملة الخبرية من ضميرٍ يعود على المبتدأ.
إذاً: وليس في الكلام غير ضميرٍ واحدٍ وهو المَجْعُول خَلَفْ المُخْبَر عنه، فإن أعَدْتَه على المبتدأ أبقي الموصول بلا ضمير، وإن أعدته على الموصول بقي المبتدأ يلا ضمير فامتنع الإخبار، يعني لو قيل لك: أخْبِر عن الضمير: الذي زيدٌ ضربته هو، (زيدٌ ضربته) أخبر عن الضمير، تقول: الذي زيدٌ ضربته هو، لأنَّ الضمير انفصل: زيدٌ ضربته، أخبر عن الضمير، انفصل .. صار (هو) جعلته مُتأخِّراً وجئت بـ: (الَّذِيْ) مبتدأ .. الذي هو، (هو) من أين جاء هذا؟ الضمير المتَّصِل (ضربته) تأخذ الجملة توسِّطها بين (الَّذِيْ) والخبر: الذي ضربته هو، (الذي) مبتدأ، و (هو) خبر.
طيب! الذي زيدٌ ضربته، أخْلَفت الضمير الذي أخذته ضمير مَحلَّه، حِينئذٍ (ضربته) هذا الضمير إمَّا أنْ يعود إلى (زيد) وهو المبتدأ لأنَّ الجملة خَبَريَّة هنا، وإمَّا أن يعود إلى الاسم الموصول وهو واحد، إنْ أعَدْتَه إلى (زيد) امتنع أن يكون للموصول، إنْ أعَدْتَه للموصول امتنع أن يكون لـ: (زيد) حِينئذٍ امتنع في هذا التركيب إذا كان الاسم المسئول عنه رابطاً بين الجملتين: زيدٌ ضربته .. الذي زيدٌ ضربته هو.
стр. 2356
(ضربته) الضمير هنا إمَّا أن يعود على (زيد) فحِينئذٍ خَلَت الصِّلَة عن الضمير، وإمَّا أن يعود على (الَّذِيْ) وحِينئذٍ (ضربته) هذه جملة خبَريَّة، أين العائد على (زيد)؟ لا يوجد، هو واحد لا يُمكن أن يعود على شيئين مختلفين، فلذلك امتنع.
(كَذَا الْغِنَى عَنْهُ بِأَجْنَبِيٍّ) إذاً: عرفنا أن يكون صالحاً للاستغناء عنه بأجنبي، (أَوْ بِمُضْمَرٍ) أن يكون صالحاً للاستغناء عنه بضمير، قيل: هذا الشَّرط مغنٍ عن اشتراط الثاني: تعريفٍ بِمضمرٍ، هذا شرطٌ في الحقيقة واحد، ولذلك في: (شرح الكافيَّة) قال: " زِدْتُه لزيادة الإيضاح " لبيان فقط، لو ترك هذا الشَّرط لعُلِم من الشَّرط الرابع: (تَعْرِيْفٍ)، ولو ترك: (بِمُضْمَرٍ) لعُلِم من الشَّرط الثاني، كلٌ منهما مؤداه واحد.
وهذا الشَّرط مغنٍ عن اشتراط الثاني، لأنَّ ما لا يقبل التعريف لا يقبل الإضمار، لأنَّه في الأول اشترط التعريف، والرابع هنا اشترط الإضمار .. يجوز إضماره، وما لا يقبل التعريف لا يقبل الإضمار.
أن يكون صالحاً للاستغناء عنه (بِمُضْمَرٍ) فلا يُخبَر عن الموصوف دون صفته، إذا كان عندنا موصوف وصفته لا بِخبر عن واحد منهما دون الآخر، ولا عن المضاف دون المضاف إليه، لأنَّ ذلك كله لا يُستغنى عنه بِمضمرٍ، وكذلك لا يُخبَر عن الاسم المُجرَّد المجرور بـ: (حتى)، أو بـ: (مُذ)، أو (منذ)، لأنَّ هذه ملازمة للظاهر، وأنْتَ ستضع مَحلَّه ضمير، فكيف تدخل (مُذْ) على الضمير، أو (حتى) على الضمير؟ نقول: هذه مُختصَّة بِجر الاسم الظاهر.
ويُشترط في الاسم الذي يخبر عنه بـ: (الَّذِيْ) أن يَحلَّ مَحلَّه ضمير هذه القاعدة، لا يجوز أن تأخذه إلا أوقعت مكانه ضمير، إذاً: ما لا يَجُر الضمير لا يمكن تُوقِع مَحلَّه الضمير فامتنع. لأنَّهنَّ لا يَجررنَّ إلا الظاهر، والإخبار يستدعي إقامة ضمير مقام المخبر عنه كما تَقدَّم.
فلا تخبر عن رجل وحده من قولك: ضربت رجلاً ظريفاً، أخبر عن (رجلاً) بـ: (الَّذِيْ) تقول: لا يَصِح، لأنَّ (رجلاً) هنا الموصوف، حِينئذٍ لا بُدَّ إمَّا أن يُقال: أخبر عن رجلاً ظريفاً معاً أو لا، أمَّا (رجلاً) لوحده، أو (ظريف) لوحده فلا.
فلا تقول: الذي ضربته ظريفاً رجلٌ، هذا فاسد، لأنَّك لو أخبرت عنه لوضعت مكانه ضميراً، وحِينئذٍ يلزم وصف الضمير: الذي ضربته ظريفاً رجلٌ، (ظريفاً) ما إعرابه؟ ضربت رجلاً ظريفاً، (ظريفاً) هذا نعت لـ: (رجل) أنْتَ أخَذْتَ (رجل) ووضعت مكانه ضمير، إذاً: (ظريفاً) صار نعتاً للضمير والضمير لا يُنْعَت، إذاً: لا يصح.
ضربت رجلاً ظريفاً، فلا تقول: الذي ضربته ظريفاً رجلٌ، (ضربته) الضمير هنا وضعته موضع (رجل)، و (ظريفاً) بقي على حاله، و (رجلٌُ) رفعته على أنَّه خبر، إذاً: الإعراب يصير هكذا: (ضربته) فعل وفاعل ومفعولٌ به، و (ظريفاً) نعتٌ للمفعول به الذي هو الضمير، وهذا فاسد لأنَّ الضمير لا يُنْعت، لأنَّك لو أخبرت عنه لوضعت مكانه ضميراً، وحِينئذٍ يلزم وصف الضمير، والضمير لا يوصف ولا يوصف به، فلو أخبرت عن الموصوف مع صفته جاز ذلك لانتفاء هذا المحذور.
стр. 2357
الذي ضربته رجلٌ ظريفٌ، لا إشكال فيه، يعني: أخبر عن رجلاً ظريفاً بـ: (الَّذِيْ) تقول: الذي ضربته رجلٌ ظريف، لا إشكال صار (ظريف) على الأصل أنَّه نعت لـ: (رجل).
وكذلك لا تُخبِر عن المضاف وحده، فلا تخبر عن (غلام) وحده من قولك: ضربت غلام زيدٍ، لأنَّك تضع مكانه ضمير، والضمير لا يكون مضافاً، فلو أخبرت عنه مع المضاف إليه معاً حِينئذٍ جاز لانتفاء المانع، فتقول: الذي ضربته غلام زيدٍ.
إذاً: هذه أربعة شروط لا بُدَّ من توفُّرِها في الاسم الذي يُقال: (أَخْبِرْ عَنْهُ بِالَّذِيْ):
- الأول: (قَبُولُ تَأْخِيْرٍ) أن يكون قابلاً للتَّأخير، احترز به عن ما له صدر الكلام.
- (وَتَعْرِيفٍ) احترز به عن لازم التَّنْكِير، وهو الحال والتمييز.
- (كَذَا الْغِنَى عَنْهُ بِأَجْنَبِيٍّ) يستغنى عنه بأجنبي، يعني: بلفظٍ منفصل، احترز به عن الرَّابط في جملة الخبر، وعن اسم الإشارة، في هذين الموضعين.
- (أَوْ بِمُضْمَرٍ) قلنا: هذا هو عين السَّابق .. التعريف.
(الْغِنَى عَنْهُ بِأَجْنَبِيٍّ أَوْ) (أَوْ) قلنا: بمعنى الواو، لأنَّ هنا الشُّروط، (شَرْطٌ) هذا خبر، (فَرَاعِ مَا رَعَوْا) تتميم، هذه أربعة شروط.
الخامس يُزاد عليه: جواز وروده في الإثبات، يعني: ألا يلزم النَّفي، مرَّ معنا مراراً: (أحدٌ) و (ديَّار) و (عِرِّيب) هذه كلَّها ملازمة للنَّفي، حِينئذٍ لا يُقال: ما في الدار أحدٌ، أخبر عن (أحدٍ) بـ: (الَّذِيْ) الذي في الدار هو أحدٌ، ما يَصِح هذا! لأنَّك جعلته في سياق الإثبات .. في الإيجاب، وهو لا يكون إلا نفياً.
إذاً الخامس: جواز وروده في الإثبات، فلا يُخبر عن (أحدٍ) ونحوه من نحو: ما جاءني أحدٌ، لأنَّه لو قيل: الذي جاءني أحدٌ، (أحدٌ) صار في سياق الإثبات وهذا مُمتنع، لزم وقوع (أحد) في الإيجاب، هذا الخامس: جواز وروده في الإثبات.
السادس: كونه في جملةٍ خبريَّة، فلا يُخبر عن الاسم في مثل: اضرب زيداً، (اضرب زيداً) أخبر عن (زيد) لماذا؟ هنا نقول: لا بُدَّ أن يكون في جملة خبريَّة لا طلبيَّة، لا يَصِح أن تقول: اضرب زيداً .. أخبر عن (زيداً) بـ: (الَّذِيْ) لا يصح .. لا تكون طلبيةً .. هو هذا التبرير .. هذا المقصود.
(اضرب) توسِّطه بين (الَّذِيْ) والخبر، إذاً: سيكون جملة الصِّلة ولا تكون جملة طلبيَّة.
كونه في جملة خبريَّة، فلا يُخبر عن الاسم في مثل: اضرب زيداً، لأن الطَّلب لا يقع صلةً.
السابع: ألا يكون في إحدى جملتين مستقلتين، (زيدٌ) من نحو: قام زيدٌ وقعد عمروٌ، يعني: جملتين لا، وإنَّما جملة واحدة، وإلا يلزم بعد الإخبار عطف ما ليس صِلةً على الذي استقرَّ أنَّه صِلَة بغير الفاء، فإن كانتا غير مستقلتين بأن كانتا في حكم الجملة الواحدة كجملتي الشَّرط والجزاء جاز الإخبار لانتفاء المحذور.
стр. 2358
فتقول في الإخبار عن (زيد) من نحو: إن قام زيدٌ قام عمروٌ، إن كان جملة واحدة جاز، أمَّا جملتين مستقلتين لا: إن قام زيدٌ قام عمروٌ، أخبر عن (زيد) بـ: (الَّذِيْ) تقول: الذي إنْ قام قام عمروٌ زيدٌ، جعلت (زيد) مُتأخِّر، وعن (عمروٍ) تقول: الذي إن قام زيدٌ قام عمروٌ، لأنَّه لا بُدَّ من أنْ يُجعل التركيب هنا جملة شرطيَّة على الأصل، ولذلك لا بُدَّ أنْ يُصدَّر بـ: (إنْ).
إذاً: ألا يكون في إحدى جملتين مستقلتين، يعني: كلٌ منهما معطوف على الآخر، فإن كان جملة واحدة كجملة الشَّرط جاز.
الثامن: جواز استعماله مرفوعاً، فلا يُخبَر عن لازم النَّصب كالمصادر والظروف التي تلازم النَّصب: (سُبحان) لا يُقال: أخبر عن (سُبحان) بـ: (الَّذِيْ)، لأنَّك ستجعله خبراً فستخرجه عمَّا استقرَّ له في لسان العرب.
(عِنْدَ) لا يُقال: أخبر عن (عِنْدَ) بـ: (الَّذِيْ)، قلنا: هذا لا يصح لأنَّ (عِنْدَ) ملازمة للنَّصب.
وَأَخْبَرُوا هُنَا بِأَلْ عَنْ بَعْضِ مَا ... يَكُونُ فِيْهِ الْفِعْلُ قَدْ تقَدَّمَا
إِنْ صَحَّ صَوْغُ صِلَةٍ مِنْهُ لأَلْ ... كَصَوْغِ وَاقٍ مِنْ وَقَى اللهُ الْبَطَلْ
هذا النوع الثاني، لأنَّه قال: (الإِخْبَارُ بِالَّذِي وَالأَلِفِ وَاللاَّمِ) يعني: يُخبر بـ: (أل) الموصولة، لأنَّ المراد (أل) الموصولة، نحن نبحث الآن في: (الإِخْبَارُ بِالَّذِي وَالأَلِفِ وَاللاَّمِ) الموصولة .. نُقيِّدُها!
(وَأَخْبَرُوا) من؟ النُّحاة هنا، ويَحتمل أنَّهم العرب، لأنَّهم لا يَخرجون عن التراكيب: الذي ضربته زيدٌ، هذا تركيب عربي .. ليس فيه إشكال، مبتدأ وخبر، وجملة الصِّلَة، لأنَّ الكلام لا يشترط فيه الآحاد أنْ يكون مسموعاً، أنْ يكون مقيساً، وهذا كلام مقيس، الذي ضربته زيدٌ هذا كلام مقيس، إذاً: يَحتمل، وإن كان الظَّاهر المراد به النُّحاة.
(وَأَخْبَرُوا) أي: النُّحاة، (هُنَا) ظرف مُتعلِّق بقوله: (أَخْبَرُوا)، (بِأَلْ) أخْبِر عن (زيد) بـ: (أَلْ) ليس بـ: (الَّذِيْ) وإنَّما بـ: (أَلْ) فتجعل (أَلْ) هي المبتدأ.
(وَأَخْبَرُوا هُنَا بِأَلْ) الموصولة:
. . . . . . . عَنْ بَعْضِ مَا ... يَكُونُ فِيْهِ الْفِعْلُ قَدْ تقَدَّمَا
يعني أنَّ الإخبار يكون بـ: (أَلْ) كما يكون بـ: (الَّذِيْ)، لكن قيَّده النَّاظِم هنا: (عَنْ بَعْضِ) يعني: عن مسئولٍ هو جزء في الكلام، يعني: به (زيد) مثلاً، ضربت زيداً .. أخبر عن (زيد) بـ: (أَلْ).
. . . . . . . عَنْ بَعْضِ مَا ... يَكُونُ فِيْهِ الْفِعْلُ. . . . . .
إذاً: هذا تقييد، الذي يُسأل عنه بأن يُخبر عنه بـ: (أَلْ) لا بُدَّ أنْ يكون جملة فعليَّة، بخلاف (الَّذِيْ) فلا يُشترط فيه، فعمَّم هناك بأنَّه يُسأل عن الاسم لو كان في جملةٍ فعليَّة أو جملة اسْميَّة فهو عام، وأمَّا هنا هذا مِمَّا خالفت فيه (أَلْ) (الَّذِيْ) وفروعه.
حِينئذٍ يُشترط في المسئول عنه أخبر عنه بـ (أَلْ): أن يكون في جملة فعليَّة.
(عَنْ بَعْضِ) يعني: جزءٍ من الكلام، (بَعْضِ مَا) .. (مَا) واقعة على الأسماء المشتملة عليها الجملة، (يَكُونُ فِيْهِ الْفِعْلُ) في ذلك التركيب (قَدْ تقَدَّمَا) هذا شرطٌ ثاني:
- كونه مُتقدِّماً، فلو تأخَّر لَم يَجُز.
стр. 2359
- (إِنْ صَحَّ صَوْغُ صِلَةٍ مِنْهُ لأَلْ) هذا شرطٌ ثالث.
إذاً: يشترط في (أَلْ) في صِحَّة الإخبار بها عن الاسم المسئول عنه بعشرة شروط: السبعة المتقدِّمة أو الثمان - زدنا ثامناً - وهذه الثلاثة التي معنا:
الأول: أن يكون المخبر عنه من جملة فعليَّة، احترازاً عن الجملة الاسْميَّة، وهذا أشار إليه بقوله:
. . . . . . . عَنْ بَعْضِ مَا ... يَكُونُ فِيْهِ الْفِعْلُ. . . . . .
أشار إلى أنَّ الجملة لا بُدَّ أن تكون فعليَّة.
ثانياً: أن يكون فعلها مُتقدِّماً بقوله: (قَدْ تقَدَّمَا).
الثالث: أن يكون فعلها مُتصرِّفاً لا جامداً، لأنَّه قال: (إِنْ صَحَّ صَوْغُ صِلَةٍ مِنْهُ) لأنَّ (أَلْ) سبق معنا: أنَّ صلتها يكون مشتقاً، إذاً: الفعل الذي تَصدَّر لا بُدَّ أن يكون مِمَّا يشتق منه اسم فاعل واسم مفعول، إذا كان جامداً كيف نأتي بصلة: (أَلْ)؟! إذاً: هذا مُمتنع، إذاً: ثلاثة شروط على السبعة أو الثمانية السابقة، تصير عشرة أو أحد عشر شرطاً:
- أنْ يكون المُخبَر عنه من جملة فعليَّة.
- وأن يكون فعلها مُتصرِّفاً.
- وأن يكون مُتقدِّماً.
فلا يُخبَر بـ: (أَلْ) عن (زيد) من قولك: زيدٌ أخوك، لو قال لك: أخبر عن (زيد) بـ: (أَلْ) تقول: ما يصح لأنَّ الجملة هنا (زيد) في جملة اسْميَّة، كيف أشتق اسم فاعل اسم مفعول والجملة ليس فيها فعل؟! إذاً: يِمتنع، لأنَّ (أَلْ) لا بُدَّ أنْ يتلوها صفةٌ:
وَصِفَةٌ صَرِيحَةٌ صِلَةُ أَلْ ..
تُطبِّق هذه القاعدة، فإذا كانت الجملة الاسْميَّة مشتملة على الاسم المسئول عنه امتنع.
ولا من قولك: عسى زيدٌ أن يقوم، أخبر عن (زيد)، نقول: هذا مُمتنع، لأنَّ (عسى) جامد، كيف نقول: العاسي؟! ما يصح هذا! كذلك: نعم زيدٌ أن يقوم، ولا من قولك: ما زال زيدٌ عالماً، المنفي كذلك لا يُشتَق وهنا تَقدَّم عليه، (ما زال) لَم يَتصدَّر، لا بُدَّ أن يكون مُتصدِّراً في أول الجملة. ما زال زيدٌ عالماً لتقدمه، ويُخبِر عن كلٍّ من الفاعل والمفعول في نَحو قولك: (وَقَى اللهُّ الْبَطَلْ) الذي ذكره النَّاظم.
إذاً: (وَأَخْبَرُوا) أي: النُّحاة، ويَحتمل العرب، (هُنَا) هذا ظرف مكان مُتعلِّق بـ: (أَخْبَرُوا)، (بِأَلْ) الموصولة، (عَنْ بَعْضِ) يعني: جزء الكلام، لأنَّ المسئول عنه اسمٌ يكون جزءاً، (بَعْضِ مَا) بعض الذي، (يَكُونُ فِيْهِ الْفِعْلُ) يعني: في ذلك البعض، حِينئذٍ خَصَّص الجملة التي يسأل عن الاسم الذي اشتملت عليه الجملة أن يكون فعليَّة، (قَدْ تقَدَّمَا) هذا شرطٌ ثانٍ، الألف للإطلاق.
(إِنْ صَحَّ صَوْغُ صِلَةٍ مِنْهُ) (مِنْهُ) الضمير هنا يعود على .. من الفعل المتقدِّم، (إِنْ صَحَّ صَوْغُ) (صَوْغُ) يعني: اشتقاق، (صِلَةٍ)، (صَوْغُ) هذا فاعل وهو مصدر مضاف إلى مفعوله، صوغك أنْتَ (صِلَةً) يعني: صِلَة (أَلْ)، (مِنْهُ) من ذلك الفعل المتقدِّم، (لأَلْ) مُتعلِّق بـ: (صَوْغُ).
стр. 2360
(كَصَوْغِ وَاقٍ) هذا مصدر مضاف إلى المفعول، (مِنْ) قولك: (وَقَى اللهُّ الْبَطَلْ) لو قيل: أخبر عن لفظ الجلالة بـ: (أَلْ) ماذا تقول؟ الواقي .. لا بُدَّ .. اشتققت من (وقا) الفعل .. الواقي، ثُم تَجعل لفظ الجلالة خبراً، (الْبَطَلْ) الواقي البطلَ اللهُ، طيب! أخْبِر عن (البَطل) بـ: (أَلْ)، تجعل (البطل) متأخِّراً، ثُم تَجعل (أَلْ) ومعها الصِّفة المشتقة (الواقي).
(البطل) هذا منصوب على ماذا؟ المفعوليَّة، أما قلنا: تأخذه وتضع محله ضمير؟ الواقيهِ اللهُ - بقي الفاعل كما هو – الواقيه اللهُ البطلُ، جعلته خبراً.
إذا قيل: أخبر عن (البطل) من قولك: وقى الله البطل، حِينئذٍ تقول: الواقي، ثُم: اللهُ .. البطلُ، ثُم تأتي بضمير محل المفعول الذي رفعته على أنَّه خبر: الواقيه.
إذاً: (إِنْ صَحَّ صَوْغُ صِلَةٍ مِنْهُ لأَلْ) الجواب محذوف .. إنْ صَحَّ فأخْبِر، وإنْ لم يَصِح فلا تخبر.
(وَأَخْبَرُوا هُنَا بِأَلْ عَنْ بَعْضِ مَا) (مَا) قلنا: الواقعة على الأسماء المشتملة عليها الجملة، (يَكُونُ فِيْهِ الْفِعْلُ) أي: أنَّ الإخبار بالذي يكون بالجملة الاسْميَّة والفعليَّة كما سبق، والإخبار بـ: (أَلْ) لا يكون إلا بالجملة الفعليَّة.
(إِنْ صَحَّ صَوْغُ صِلَةٍ مِنْهُ لأَلْ) هذا مُتعلِّق بـ: صوغ منه، (لأَلْ) إذ لا يَصِح صَوْغ صِلَة (أَلْ) من الجامد ولا من المنفي، (كَصَوْغِ وَاقٍ مِنْ) قولك: (وَقَى اللهُّ الْبَطَلْ) أي: الشُّجاع.
قال الشَّارح: يُخبَر بـ: (الَّذِيْ) عن الاسم الواقع في جملة اسْميَّة أو فعليَّة، فتقول في الإخبار عن (زيد) من قولك: زيدٌ قائم .. الذي هو قائمٌ زيد، وتقول في الإخبار عن (زيد) من قولك: ضربت زيداً .. الذي ضربته زيد - هذا واضح سبق - ولا يُخبَر بالألف واللام عن الاسم إلا إذا كان واقعاً في جُملة فعليَّة، وكان ذلك الفعل مِمَّا يَصِح أن يُصاغ منه صلة الألف واللام كاسم الفاعل واسم المفعول – لا بُدَّ أن تكون الجملة فعليَّة –.
ولا يُخبَر عن الألف واللام عن الاسم الواقع في جملة اسْميَّة، ولا على الاسم الواقع في جملة فعليَّة فعلها غير مُتصرِّف، لأنه انتفى الشَّرط: (إِنْ صَحَّ صَوْغُ) هذا لم يِصح، كـ: (الرجل) من قولك: نِعْم الرجل، أخْبِر عن (الرجل) بـ: (أَلْ) ما يَصِح هذا. إذ لا يَصِح أن يستعمل من (نِعْم) صلة الألف واللام – لا يشتق منه اسم فاعل ولا اسم مفعول -.
وتُخبِر عن الاسم الكريم من قولك: وقى الله البطل، فتقول: الواقي البطل الله، وتخبر أيضاً عن (البطل) فتقول: الواقيه لله البطل.
وَإِنْ يَكُنْ مَا رَفَعَتْ صِلَةُ أَلْ ... ضَمِيرَ غَيْرِهَا أُبِينَ وَانْفَصَلْ
(وَإِنْ يَكُنْ) هذا شرط، (مَا) اسم (يَكُنْ) موصولة واقعة على الضمير العائد على غير (أَلْ).
(وَإِنْ يَكُنْ مَا رَفَعَتْ صِلَةُ أَلْ) .. (رَفَعَتْ صِلَةُ) .. (صِلَةُ) هذا فاعل، وأين المفعول؟ (رَفَعَتْهُ) ضميرٌ يعود على (مَا) .. (رَفَعَتْهُ صِلَةُ أَلْ ضَمِيرَ غَيْرِهَا) الأصل في اسم الفاعل الذي هو مدخول (أَلْ) أن يرفع ضميراً مستتراً يعود على (أَلْ) هذا الأصل فيه:
стр. 2361
الضارب زيداً .. الضارب هو، (هو) ضمير مستتر يعود على (أَلْ) هذا الأصل فيه، حِينئذٍ إذا عاد على (أَلْ) رجع الضمير إلى ما هو له فيبقى على استتاره، وإذا رجع الضمير إلى غير (أَلْ) حِينئذٍ نقول: عاد الضمير على غير ما هو له فوجب أنْ ينفصل، لذلك قال: (أُبِينَ وَانْفَصَلْ) .. (انْفَصَلْ) بِمعنى: (أُبِينَ).
(وَإِنْ يَكُنْ مَا رَفَعَتْهُ صِلَةُ أَلْ) ما الذي رفع؟ ليست (أَلْ) هي، وإنَّما (صِلَةُ أَلْ) الذي هو اسم الفاعل واسم المفعول هو الذي يرفع وهذا واضح، كونه معتمداً على (أَلْ).
(وَإِنْ يَكُنْ مَا) الذي .. هذا اسم (يَكُنْ)، (مَا رَفَعَتْ صِلَةُ أَلْ ضَمِيرَ) هذا خبر (يَكُنْ) منصوب، (ضَمِيرَ غَيْرِهَا) يعني: غير (أَلْ)، (أُبِينَ) هذا جواب الشَّرط، (وَانْفَصَلْ) .. (أُبِينَ وَانْفَصَلْ) فُهِم منه: أنَّ الضمير إذا كان لـ: (أَلْ) وجب اتِّصاله، لأنَّه قيَّده: (ضَمِيرَ غَيْرِهَا أُبِينَ وَانْفَصَلْ) مفهومه: إذا كان ضميرها اتَّصل واستتر.
فُهِم منه: أنَّ الضمير إذا كان لـ: (أَلْ) وجب اتِّصاله، نَحو: أخبر عن (التاء) من: ضربت زيداً، بـ: (أَلْ) قلت: الضارب زيداً أنا، ضربت زيداً، أخبر عن (التاء) تفصلها: أنا، الضارب زيداً أنا، (الضارب) الضمير المستتر هنا يعود على (أَلْ)، إذاً: لا يَحتاج إلى أن يُبْرز.
الضارب زيداً أنا، فـ: (الضارب) فيه ضمير مستتر عائد على (أَلْ) مستتر واجب الاستتار، وأمَّا: ضربت زيداً، إذا قيل: أخْبِر عنه، قلت: الضاربه أنا زيدٌ، فالضمير العائد على (أَلْ) وهو (أنا) ضمير غيرها فوجب إظهاره.
ضربت زيداً، أخبر عن (زيد) بـ: (أَلْ) تقول: الضاربه زيدٌ، (الضارب) فيه ضمير يعود على (أَلْ) أو على (زيد)؟ على زيد، فحِينئذٍ وجب إبرازه، الضَّاربُه أنا زيدٌ، إذاً: ضربتُ زيداً، إذا أخبرت عن (زيد) تقول: الضَّاربُه أنا زيدٌ، فالضمير العائد على (أَلْ) وهو (أنا) ضمير غيرها فوجب إظهاره .. الضاربه أنا زيدٌ.
قال هنا الشَّارِح: الوصف الواقع صِلَة لـ: (أَلْ) إن رفع ضميراً – هو يرفع ضمير – فإمَّا أنْ يكون عائداً على الألف واللام، أو على غيرها، فإن كان عائداً عليها استتر، وإن كان عائداً على غيرها انفصل .. وجب إظهاره، فإذا قلت: بَلَّغْت من الزَّيْدَين إلى العمرين رسالةً، فإن أخبرت عن التاء في: (بَلَّغْت) ماذا تقول؟ المُبلِّغ من الزَّيْدَين إلى العمرين رسالةً أنا، الجملة كما هي، فقط: المبلِّغ أنا، فَصَلْت الضمير لأنَّه (التاء) بَلَّغْت، إذا قيل: أخبر عن التاء وجب فَصْلُه، لأنَّك ستجعله خبراً.
المبلِّغ أنا، إذاً: الضمير مستتر هنا وعاد إلى (أَلْ) فلا يحتاج إلى إبرازه، ففي المبلِّغ ضميرٌ عائدٌ على الألف واللام فيجب استتاره، لأنَّه في المعنى لـ: (أَلْ) لأنَّه خَلَفٌ عن ضمير المُتكلِّم، و (أَلْ) للمتكلِّم لأنَّ خبرها ضمير المتكلِّم والمبتدأ نفسه الخبر.
стр. 2362
وإن أخْبَرت عن (الزَّيْدَين) من المثال المذكور قلت: المبلِّغ أنا منهما إلى العمرين رسالةً الزَّيدان، فـ: (أنا) مرفوعٌ بـ: (المبلِّغ) .. المبلِّغ أنا، وليس عائداً على الألف واللام، لأنَّ المراد بالألف واللام هنا مُثنَّى وهو المُخبَر عنه فيجب إبراز الضمير: المبلِّغ أنا الزَّيدَان، فـ: (أنا) مرفوعٌ بـ: (المبلِّغ) وليس عائداً على الألف واللام، لأنَّ المراد بالألف واللام هنا مُثنَّى، وحِينئذٍ لا بُدَّ من التطابق، لكن من جهة المعنى.
وإن أخبرت عن (العمرِين) من المثال المذكور، قلت: المبلِّغ أنا من الزَّيْدَين إليهم، (إليهم) حذفت (العمرين) وجئت بـ: (إلى) والضمير، رسالةً العمرون، فيجب إبراز الضمير.
وكذا يجب إبراز الضمير إذا أخبرت عن (رسالة) من المثال المذكور، لأنَّ المراد بالألف واللام هنا الرسالة، والمراد بالضمير الذي ترفعه صلةُ (أَلْ) المتكلِّم، فتقول: المبلِّغُها أنا من الزَّيْدَين إلى العمرين رسالة.
إذاً: في موضعٍ واحد يكون الضمير فيه مستتراً، وهو إذا أخبرت عن (التاء)، وأمَّا إذا أخبرت عن اسمٍ ظاهرٍ من هذه الأحوال الثلاثة: (الزَّيْدَين) أو (العَمْرِين) أو (الرسالة) حِينئذٍ وجب إبراز الضمير.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 2363
عناصر الدرس
* شرح الترجمة (العدد) وحده
* الأعداد من (٣_١٠) وتمييزها
* تمييز المائة والألف
* الأعداد المركبة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعد:
قال النَّاظِم - رحمه الله تعالى -: (الْعَدَدُ)
(الْعَدَد) هذا كسبب وبطل، على وزن (فَعَل) وهو في اللغة: اسمٌ للمعدود، والمراد هنا: الألفاظ الدَّالة على المعدود، المعدود مثلًا: كتاب .. كتابان .. ثلاثة .. أربعة، المعدود نفس الكتاب، واللفظ الذي دلَّ على العدد هو الذي عناه النَّاظم هنا، فـ: (الْعَدَد) لفظٌ له لفظ، والمعدود: الشيء الذي حُسِب وعُدَّ، هذا معناه في اللغة: اسمٌ للمعدود.
وفي الاصطلاح: المشهور أنَّه .. وإلا الأصل أنَّه لا يَحتاج إلى التعريف، العدد معروف: الواحد والاثنان والثلاث .. إحدى عشر .. عشرون .. الألف .. المائة، ما يحتاج إلى تعريف، لكن جَرَت عادة النُّحاة أنَّهم يُعرِّفونه بقولهم: ما يساوي نصف مجموع حاشيتيه الصغرى والكبرى، كل عدد إلا الواحد له حاشيتان: صغرى وكبرى.
مثلًا: ثلاثة، يقال: له حاشية صغرى، يعني: العدد الذي هو دونه الاثنان، فالاثنان بالنِّسبة للثلاث حاشية صغرى، والأربعة بالنِّسبة للثلاث حاشية كبرى، تجمعهما الحاشية الصغرى والكبرى ثُم تقسمها على اثنين يطلع العدد، فالاثنان مثلًا: واحد وثلاثة أربعة، تقسمه على اثنين خرج العدد، كذلك الخمسة: أربعة وستة هذه عشرة، تقسمها على اثنين خمسة.
كذلك العشر مثلًا: تسعة وأحد عشر، تجمعهما الحاشية الصغرى والكرى عشرون، حِينئذٍ تقسمه على اثنين يعطيك عشرة .. نصفها، لكن ما في فائدة من هذا.
على كلٍّ: هكذا قالوا: ما يساوي نصف مجموع حاشيتيه الصغرى والكبرى، وقيل: القريبتين كذلك، أو البعيدتين لكن مع التَّساوي، يعني: بالنسبة للأربعة مثلاً: له حاشية سفلى قريبة، وحاشية سفلى بعيدة، كل ما كان دون الأربعة مثلاً فهو حاشية سفلى: قريبة وبعيدة، قريبة واحدة مثلاً: ثلاثة، والاثنان حاشية سفلى لكنَّها بعيدة، والخمسة حاشية كبرى قريبة، والست بعيدة.
إذا جمعت القريبتين مباشرًة حِينئذٍ نقول: تقسم العدد على اثنين، كما ذكرناه، كذلك البعيدتان، يعني: بالنسبة للأربعة: الاثنين والست، ست واثنين ثمانية، تقسم على اثنين بأربعة.
إذًا: بشرط أن تكون البعيدة متقاربة، يعني: في مرتبة واحدة، يعني: تأخذ الاثنين بالنسبة للأربعة والست بالنسبة للأربعة، ما تأخذ الاثنين وتأخذ السبعة لا، هنا لم يتوافقا، لأنَّ الذي بين الاثنين والأربعة واحد، يعني: مرتبة واحدة، وبين السبع والأربعة مرتبتان، حِينئذٍ ما يعطيك النتيجة.
إذًا: ما ساوى نصف مجموع حاشيتيه القريبتين أو البعيدتين على السواء، هكذا عرَّفه النُّحاة.
إذًا: المراد بالعدد هنا: الألفاظ الدالة على المعدود:
ثَلاَثَةً بِالتَّاءِ قُلْ لِلْعَشَرَهْ ... فِي عَدِّ مَا آحَادُهُ مُذَكَّرَهْ
فِي الضِّدِّ جَرِّدْ وَالْمُمَيِّزَ اجْرُرِ ... جَمْعَاً بِلَفْظِ قِلَّةٍ فِي الأَكْثَرِ
(ثَلاَثَةً) بدأ بالثلاثة لأنَّ الواحد والاثنين يخالفان الثلاثة والعشرة في حكمين، الثلاثة والعشرة وما بينهما لهم حكمٌ خاص، وهو ما يُعنوَن له عندهم في هذا الباب بـ: (مخالفة القياس) والواحد والاثنان موافقين للقياس.
стр. 2364
أولاً: يُذكَّران مع المُذكَّر، يعني: الواحد والاثنان، يُذكَّران مع المُذكَّر، ويؤنَّثان مع المؤنَّث، يقال: واحد واثنان، ويقال: واحدة واثنتان، في المؤنَّث: (واحدة) بالتاء، و (اثنتان) كما سبق في باب المثنَّى، وواحدٌ واثنان يُقال في المُذكَّر.
وأمَّا الثلاثة وأخواتها فهذه تجري على العكس من ذلك، ولذلك إذا وافق العدد المعدود تذكيرًا وتأنيثًا قيل: وافق القياس، هذا الأصل، لأنَّ الصِّفة توافق الموصوف في التذكير والتأنيث، وأمَّا إذا خالف فيُقال فيه على غير القياس، أو: مخالفٌ للقياس، وهنا الواحد والاثنان باعتبار التَّذْكير والتَّأنيث موافقان للقياس، فيُذكَّر مع المذكر ويؤنَّث مع المؤنَّث.
وأمَّا الثلاثة والعشرة وما بينها، فالعشرة المراد بها قبل التركيب .. إذا لم تُركَّب، حِينئذٍ نقول: تجري على خلاف القياس، هذا الحكم الأول.
الحكم الثاني: أنَّهما لا يُجمع بينهما وبين المعدود، إذا عَدَدْتَ شيئًا بواحد لا تقل: واحد رجلٍ، تقول: عندي واحد، أو: رجلٌ واحدٌ، حِينئذٍ يصير نعتًا، أمَّا المعدود الذي هو التمييز تضيفه إليه هذا مُمتنع، واحد رجلٍ هذا لا يَصِح، كذلك لا يُقال: اثنا رجلين، هذا لا يَصِح، لماذا .. ما التَّعليل - وهذا يُخالف الثلاثة والعشرة وما بينهما -؟ لأنَّ قولك: رجلٌ واحد، لفظ: (رجل) يُفيد الجنسيَّة ويُفيد الوحدة، كما سبق معنا في باب: (لا) النَّافية للجنس.
فإذا قلت: لا رجل، حِينئذٍ سُلِّط النفي هنا على الجنس، إذًا: (رجل) يدلُّ على الجنس، ونَفْسُه يدلُّ على الوحدة .. من اللفظ يدلُّ على الوحدة، وقولك: رجلان، يُفيد الجنسيَّة وشَفْع الواحد، يعني: واحدٌ وزيادة، (رجلان) دلَّ على التَّثنيَّة.
(رجلان) يفيد الجنسيَّة وشَفْع الواحد، فلا حاجة حِينئذٍ للجمع بينهما، فلا يُقال: واحد رجلٍ، لأنَّ مدلول الواحد دلَّ عليه لفظ رجل، ماذا تريد بـ: واحد رجلٍ؟ تريد على أنَّ الرجل معدود بالواحد، إذًا: رجل لوحده دلَّ على الواحد والواحد مدلول الرَّجل، إذًا: لا فائدة من الجمع بينهما، وإنَّما يعتبر تكرارًا وحشوًا.
كذلك: اثنان رجلان، (رجلان) يدلُّ على ماذا؟ يدلُّ على شفع الواحد، يعني: واحد وزيادة وهو ما دلَّ عليه لفظ اثنان، إذًا: لا حاجة أنْ يُقال: اثنا رجلين، نقول: هذا لا يَصِح.
وأمَّا البواقي فلا تُستفاد العِدَّة والجنس إلا من العدد والمعدود جميعًا، إذا قيل: ثلاثة رجال، (رجال) لا يدلُّ على الثلاثة فحسب، وإنَّما قد يكون المراد بـ: (الرجال) ثلاثة فما زاد وليس خاصًَّا بالثلاثة، هو موضوع لأقلِّ الجمع ثلاثة فصاعدًا، لكنَّه ليس نصًا ولا مفهومًا أنْ يراد به الثلاثة فحسب، بخلاف (رجلين) إنَّما يدل به العدد اثنان فقط، (رجل) يدلُّ على واحد.
стр. 2365
إذًا: مفهومه الدلالة على العدد .. يفهم العدد منه، وأمَّا (رجال) فهذا لا يفهم منه العدد، فلا يُقال بأنَّ (ثلاثة) هي داخلةٌ في الرجال نعم صحيح، لكن من حيث إنَّ (رجال) يدلُّ على جمع، يعني: اثنان فصاعدًا، أو إن شئت قل: ثلاثة فصاعدًا، حِينئذٍ أقلُّ الجمع ثلاثة، لكن هل لفظ (رجال) موضوعٌ لِمَا دلَّ عليه (ثلاثة)؟ لا، لأنَّه قد يكون عشرة، ثُم خصَّصْته فقلت: ثلاثة رجال، فهو قابلٌ للتَّخصيص بالعدد.
إذًا: ما عدا الواحد والاثنين فلا تستفاد العِدَّة والجنس إلا منهما جميعًا الذي هو العدد والمعدود، لا بُدَّ أنْ يُذكرا معًا، فـ: (رجال) يدلُّ على الجنسية، و (ثلاثة) يدلُّ على العدد بخلاف الواحد والاثنين، وذلك لأنَّ قولك: (ثلاثة) يفيد العِدَّة دون الجنس، و (رجال) يفيد الجنس دون العِدَّة، فإن قصَدْتَ الإفادتين جمعت بين الكلمتين.
إذًا: واحد واثنان، نقول: يُخالف الثلاثة والعشرة وما بينهما في حكمين:
أولًا: أنَّهما على القياس يذكَّران مع المذكَّر ويؤنَّثان مع المؤنَّث، بخلاف الثلاثة والعشرة وما بينهما.
ثانيًا: لا يُجمع بينهما وبين المعدود، يعني: لا تمييز لهما، هذا المراد، إذ المعدود في الثلاثة والعشرة وما بينهما يُسمَّى تمييزًا سواءً كان مضافًا أو كان منصوبًا، وأمَّا هنا في باب واحد واثنين لا نحتاج إلى التمييز.
ثَلاَثَةً بِالتَّاءِ قُلْ لِلْعَشَرَهْ ... فِي عَدِّ مَا آحَادُهُ مُذَكَّرَهْ
(ثَلاَثَةً) بالنَّصب مفعول مُقدَّم لقوله (قُلْ)، لأن المراد به مُجرَّد لفظه (ثَلاَثَةً) الحكم هنا على العدد، ألفاظ العدد قد يُطلق ويُراد به اللفظ عينه .. نفس اللفظ: (ثَلاَثَةً) وقد يراد به المعدود، حِينئذٍ هنا (ثَلاَثَةً) قُصِد لفظه، المراد به هذا العدد بقطع النَّظر عن المعدود، ما هو المعدود بالثلاثة؟ قد يكون كتاب .. قد يكون بيت .. قد يكون قلم إلى آخره، هذا يُسمَّى معدود، وأمَّا اللفظ نفسه وهو (ثَلاَثَةً) نقول: هذا عددٌ.
المقصود هنا قولنا: (ثَلاَثَةً) المقصود العدد نفسه، قد يُجرَّد من التاء وقد تتصل به التاء، فالحكم على اللفظ نفسه لا على المعدود، (ثَلاَثَةً) قلنا: بالنَّصب مفعول مُقدَّم لـ: (قُلْ) على التضمين، لأنَّ المراد به مُجرَّد لفظه، أو إذا أردنا به المعدود حِينئذٍ نقول: لتضمين (قُلْ) معنى: (اذكر).
(ثَلاَثَةً بِالتَّاءِ) نقول: هذا مُتعلِّق بـ: (قُلْ) (قُلْ بِالتَّاءِ) يعني: اذكره بالتاء، إذا ضُمِّن (قُلْ) معنى: (اذكر) يعني: اذكر ثلاثةً بالتاء، (لِلْعَشَرَهْ) كذلك مُتعلِّق بقوله: (قُلْ) فالجار والمجرور بالتاء، و (بِالتَّاءِ ولِلْعَشَرَهْ) متعلقان بقوله: (قُلْ).
(ثَلاَثَةً) جوَّز بعضهم الرَّفع، عرفنا وجه النَّصب (ثَلاَثَةً) على أنَّه مفعول لـ: (قُلْ)، وأمَّا الرَّفع فهذا جوَّزه البعض وهو الكثير ونفاه البعض، فإذا قيل: (ثَلاَثَةٌ) حِينئذٍ يكون مبتدأ، بِالتَّاءِ نعته، و (قُلْ) خبره على تقدير: قُلْهُ، حِينئذٍ لا بُدَّ من ضمير يعود على المبتدأ، لأنَّ (قُلْ) صارت جملة فعليَّة وهو الخبر، لا بُدَّ من رابط، ما هو الرَّابط؟ قيل: محذوف التقدير: قُلْهُ.
стр. 2366
(ثَلاَثَةً بِالتَّاءِ قُلْ لِلْعَشَرَهْ) يعني: اذكر للعشرة، و (لِلْعَشَرَهْ) اللام هنا بمعنى: (إلى)، والغاية داخلةٌ فيما قبله، يعني: من الحكم، فالحكم هنا مُنصبٌّ على الثلاثة، كما أنَّه منصبٌ على الأربعة والخمسة والستة والسبعة والثمانية والتسعة والعشرة كذلك، فهذه الألفاظ من ثلاثة إلى العشرة، والعشرة داخلة في الحكم.
(فِي عَدِّ) هذا مُتعلِّق كذلك بقوله: (قُلْ) قُلْ في عَدِّ، أي: معدودِ، (مَا آحَادُهُ مُذَكَّرَهْ) يعني: إذا عَدَدْتَ شيئًا آحاده وأفراده مذكرة، يعني: إذا كان المعدود الذي هو التمييز الذي أريد إضافة العدد ثلاثة إلى العشرة وما بينهما إليه، يُنظر إلى الآحاد، لا باعتبار اللفظ نفسه وإنَّما ينظر إلى الآحاد، فإن كان مذكرًا قال: (ثَلاَثَةً بِالتَّاءِ) .. (فِي عَدِّ مَا آحَادُهُ مُذَكَّرَهْ).
حِينئذٍ تتَّصِل التاء .. تاء التأنيث بـ: (الثلاثة) إذا كان التمييز الذي أضيف إليه لفظ (ثلاثة) بالنَّظر إلى آحاده وأفراده، يعني: واحده مذكَّراً، فالعبرة حِينئذٍ بالمفرد: ثلاثة رجالٍ، لا تقول: (رجال) هذا مذكر، إنَّما تقول: (رجال) هذا جمع (رجل)، و (رجل) هذا مذكر، إذًا: (ثلاثة) يكون بالتاء، لماذا؟ لأنَّه قال: (فِي عَدِّ مَا آحَادُهُ) وآحاد (رجال) واحده: (رجل) وهو مذكر.
(فِي الضِّدِّ جَرِّدْ) جرِّد ثلاثة من التاء في الضِّد .. ضد ما آحاده مذكرة وهو ما آحاده مؤنَّثة، حِينئذٍ من الثلاثة إلى العشرة ينظر إلى واحد التمييز الذي أضيف إليه العدد، فإن كان مذكرًا حِينئذٍ اتَّصلَت التاء باسم العدد، وإن كان مؤنَّثا حِينئذٍ جُرِّد العدد من التاء، ولذلك قال: (فِي الضِّدِّ) وهو ما آحاده مؤنَّثة، ولو مجازًا .. ولو مجازًا جَرِّد، يعني: جَرِّده من التاء.
إذًا: من الثلاثة إلى العشرة نقول: ينظر فيه من جهة التأنيث والتذكير ينظر إلى المضاف إليه الذي هو التمييز، إن كان واحده مذكرًا حِينئذٍ عكست، وإن كان واحده مؤنَّثاً كذلك عكست، ولهذا يُعبَّر عن هذا القسم: من الثلاثة إلى العشرة، بأنَّه على غير القياس .. مُخالف للقياس، والواحد والاثنان على القياس موافقٌ للقياس.
والعشرة المراد به هنا: ما قبل التركيب، يعني: ليست العشرة هنا في الموافقة والمخالفة هي العشرة في أحد عشر إلى تسعة عشرة، نقول: لا، هناك الحكم يَختلف، هناك تجري على القياس، وأمَّا قبل التركيب فهي التي معنا: عندي عشرةُ رجالٍ وعشرُ إماءٍ، لماذا قلت: عشرة رجالٍ؟ نقول: عشرة بالتاء هنا بالنَّظر إلى الآحاد، وهو (رجال) واحده (رجل) وهو مذكر.
حِينئذٍ نقول: ننظر إلى الواحد فنعطي حكم العدد عكسه، فإن كان مذكرًا أُنِّث، وعشر إماء، (عشر) بدون تاء، (إماء) لأنَّ (إماء) جمع (أمةٍ) والأمة مؤنَّث، إذًا (عشرُ) نقول: هذا بدون تاء.
(فِي الضِّدِّ جَرِّدْ) يعني: جَرِّد العدد ثلاثة إلى العشرة من التاء في الضِّدِّ، وهو ضِدُّ ما سبق، يعني: ما آحاده مؤنَّثة.
стр. 2367
مُميِّز الثلاثة والعشرة وما بينهما، إنْ نظرنا إلى التمييز كما سيأتي قد يكون اسم جنس، حِينئذٍ لا يُنْظر إليه باعتبار التاء وعدمه، لأنَّه في الغالب يُجرُّ بـ: (من) وكقوله مثلًا: ((فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ)) [البقرة:٢٦٠] (الطَّيْرِ) هذا هو المُميِّز، وحِينئذٍ إذا جُرَّ بـ: (من) فالأصل أن يكون اللفظ على أصله.
ولذلك سيأتي أنَّ ألفاظ العدد قد تستعمل ويراد بها اللفظ من حيث هو لفظ، ويكاد يكون إجماع، حِينئذٍ أنْ يُستعمل بالتاء إذا أصلها كذلك، فيقال: الثلاثة نصف الستة، هنا لا يجوز أنْ يُقال: بدون التاء، لماذا؟ لأنَّنا قصدنا العدد نفسه دون المعدود .. ليس عندنا معدود: الثلاثة نصف الستة.
ولذلك حكا ابن مالك أنَّه في هذا الموضع يكون ممنوعًا من الصَّرْف، لأنَّ المراد به علم جنس.
ثَلاَثَةً بِالتَّاءِ قُلْ لِلْعَشَرَهْ
فِي الضِّدِّ جَرِّدْ .......... ... فِي عَدِّ مَا آحَادُهُ مُذَكَّرَهْ
إذًا قوله: (ثَلاَثَةً لِلْعَشَرَهْ) خرج واحد واثنان، لأنَّه بدأ العد من الثلاثة، حِينئذٍ ليس لهما هذا الحكم الذي رتَّبه على الثلاثة إلى العشرة، فخرج واحد واثنان، وواحدةٌ واثنتان، فهي جاريةٌ على القياس، فتخالف الثلاثة والعشرة وما بينهما في هذا الحكم كما ذكرناه.
وتخالفهما أيضًا في أنَّها لا تضاف إلى المعدود، بل ليس لها تمييز يضاف إليه، لأنَّ الثلاثة إلى العشرة التمييز يكون مجرورًا: (وَالْمُمَيِّزَ اجْرُرِ) وأمَّا الواحد والاثنان، والواحدة والاثنتان ليس لهما تمييزٌ تضاف إلى المعدود، فلا يُقال: واحد رجلٍ، ولا اثنا رجلين، لأنَّ قولك: (رجل) يفيد الجنسيَّة والوحدة، وقولك: (رجلين) يفيد الجنسيَّة وشفع الواحد فلا حاجة إلى الجمع بينهما كما ذكرناه سابقًا.
ثَلاَثَةً بِالتَّاءِ قُلْ لِلْعَشَرَهْ ... فِي عَدِّ مَا آحَادُهُ. . . .
(مَا آحَادُهُ) هنا ماذا نفهم منه؟ أنَّه إذا أضيف إلى الجمع من الثلاثة إلى العشرة - وهو جمع كما سينصُّ عليه - يكون النَّظر فيه إلى الواحد، ولا ينظر فيه إلى اللفظ نفسه، ولذلك قيل: فُهِم منه أنَّ المعتبَر تذكير الواحد وتأنيثه لا تذكير الجمع وتأنيثه، وعلى رأي الزَّمَخْشَري: أنَّ كل جمعٍ مؤنَّث، فـ: (رجال) من حيث الجمع مؤنَّث، حِينئذٍ نقول: ثَلاثُ رجالٍ، ولا نقول: ثلاثة رجال لو اعتبرنا الجمع، وإنَّما نَعتبِر الواحد، وهذا ما نَصَّ عليه هنا: (آحَادُهُ).
إذًا: النَّظر يكون فيه إلى الواحد لا إلى الجمع، لأننا لو اعتبرنا الجمع حِينئذٍ الجمع قد يكون حقيقيًا وقد يكون مجازيًا يراعى فيه التأنيث مطلقًا، (كل جمعٍ مؤنَّث) هكذا قال الزَّمَخْشَري، فإذا كان كل جمعٍ مؤنَّث: (وَالْمُمَيِّزَ اجْرُرِ جَمْعَاً) من ثلاثة إلى عشرة.
إذًا: كل مُميِّز للعدد من الثلاثة إلى العشرة يكون جمعًا، إذًا: لا يمكن أن تَخلُ التاء من الثلاثة إلى العشرة، وهذا ليس الأمر كذلك.
إذًا قوله: (مَا آحَادُهُ) فهم منه: أنَّ المعتبر تذكير الواحد وتأنيثه، لا تذكير الجمع وتأنيثه، فيقال: ثلاثة حمامات، كما يُقال: ثلاثة رجال، فالنَّظر للواحد.
стр. 2368
وقال الكِسَائي: "تقول: مررت بثلاث حمامات، بغير هاء" لكنَّه قليل هذا، وإن كان الواحد مذكرًا وقاس عليه ما كان مثله، لكنَّ المعتمد هو أنَّه يُنْظر إلى الواحد لا إلى الجمع.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... فِي عَدِّ مَا آحَادُهُ مُذَكَّرَهْ
فِي الضِّدِّ جَرِّدْ. . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نَحو: ((سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ)) [الحاقة:٧] هنا جمع بين طرفين: (سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ) ما قال: (سَبْعَة لَيَالٍ) لماذا؟ (سَبْعَ) بدون تاء: (فِي الضِّدِّ جَرِّدْ) يعني: ما كان المميِّز مؤنَّثا بالنَّظر إلى واحده (جَرِّدْ) اسم العدد من التاء، حِينئذٍ قال: (سَبْعَ لَيَالٍ) ولم يقل: (سَبْعَة) لأنَّ (لَيَالٍ) جمع (ليلة)، و (ليلة) هذا مؤنَّث.
وقال كذلك: ((وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ)) [الحاقة:٧] (ثَمَانِيَةَ) بالتاء، لماذا؟ لأنَّ (أَيَّام) جمع (يوم)، واليوم هذا مذكر، إذًا: في آية واحدة جمع بين النَّوعين، وهذا أعلى فصاحة.
هذا إذا ذُكِر المعدود، فإن قُصِد ولم يذكر في اللفظ يعني: حُذِف، إذا ذُكِر أضيف إليه لا إشكال فيه، حِينئذٍ لا بُدَّ من القاعدة المطَّرِدة وهو التذكير مع المؤنَّث، والتأنيث مع المذكر، فإن قُصِد ولم يذكر في اللفظ فالفصيح أن يكون كما لو ذُكِر، يعني: إذا كان مقصودًا المعدود وحُذِف من اللفظ حِينئذٍ الأفصح أنك تعامله معاملة الموجود.
فإذا قيل لك: كم عندك من الرجال؟ تقول: ثلاثةٌ، ويجوز أن تقول: ثلاثٌ بدون تاء، ولا يَتعيَّن هنا التأنيث، وإنَّما يكون من باب فصيح وأفصح، فالأفصح أن تقول: ثلاثةٌ، يعني: ثلاثة رجال .. كأنك نطقت به، لأنَّه مقصود، وإذا حذفت التاء قلت: ثلاثٌ، حِينئذٍ نقول: هذا سائغٌ كذلك وفصيح.
فالفصيح أن يكون كما لو ذُكِر، فتقول: صمت خمسةً وتريد أياماً، وسرت خمسًا تريد ليال، خمس ليال، خمسةً يعني: خمسة أيام.
ويجوز أن تحذف التاء في المذكر، ومنه: ﴿وَأَتْبَعهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّال﴾ هذا وارد في النَّص، (بِسِتٍّ) هنا جَرَّده من التاء، هل يدلُّ تَجرِيده من التاء على أن المُميِّز مؤنَّث؟ لا يدل، لأنَّ ذلك الحكم إذا ذُكِر المعدد .. المُميِّز، وأمَّا إذا حذف فلا، فيجوز فيه الوجهان: التذكير والتأنيث، والأفصح التأنيث.
حِينئذٍ ﴿فَأَتْبَعهُ بِسِتٍّ﴾ الأصل: بستة أيامٍ، لأنَّ الصَّوم يكون في اليوم لا في الليلة، فدلَّ على أنَّ المحذوف هو اليوم .. أيام، واليوم هذا مذكر، والأصل أنْ يقول: بستة أيام، لكن حذف، والقاعدة إنَّما تكون مُطَّرِدة أو واجبة فيما إذا ذُكِر المعدود، وأمَّا إذا لم يذكر حِينئذٍ نقول: يجوز فيه الوجهان، والأفصح أن يُعامل معاملة المذكور.
وبعضهم ألحق بهذا: ما إذا تَقدَّم الموصوف، المعدود إذا تَقدَّم جاز فيه التذكير والتأنيث، حِينئذٍ تُحمل هذه القاعدة على أمرين، يعني:
ثَلاَثَةً بِالتَّاءِ قُلْ لِلْعَشَرَهْ ... فِي عَدِّ مَا آحَادُهُ مُذَكَّرَهْ
فِي الضِّدِّ جَرِّدْ. . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2369
بشرط أن يذكر المعدود، فإن حُذف مع قصده أو تَقدَّم ولو لم يُحذف، حِينئذٍ أنت مُخيَّر بين أمرين، والأفصح أن يُعامل معاملة الموجود.
إذًا: ويجوز أنْ تُحذف التاء في المذكر، ومنه: ﴿وَأَتْبَعهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّال﴾ أمَّا إذا لم يقصد معدود، وإنَّما قُصِد العدُّ المطلق، هذا الذي افتتحنا به الكلام: أنَّه قد يراد باللفظ اللفظ من حيث هو: ثلاثة .. ستة .. سبعة، تريد أن تحكم على هذا اللفظ بقطع النَّظر عن معدود، أو أن يكون له معدود.
حِينئذٍ نقول: هنا قُصِد به اللفظ المطلق فحسب، أمَّا إذا لم يقصد معدود فليس عندك معدود، وإنَّما قصد العدُّ المطلق كانت كلها -كانت هي- كلها بالتاء .. لزمت التاء، حِينئذٍ ليس عندنا مذكر: ثلاثة نصف ستة، هكذا تقول: ثلاثةُ، بمنعها من الصَّرْف: نصف ستة، وهنا ليس عندنا معدود، هنا تريد أن تحكم على اللفظ بأنَّه نصف الستة، حِينئذٍ نقول: هذا اللفظ المراد به عين اللفظ، ليس عندنا شيء معدود.
ولا تنصرف لأنَّها أعلامٌ مؤنَّثة، وذكر ابن مالك أنَّها عَلَم جنس، حِينئذٍ هي مؤنَّثة وعلم فمنعت من الصَّرف للعمليَّة والتأنيث، فتقول: ثلاثةُ نصف ستة .. أربعةُ ضعف اثنين، (أربعةُ) بدون تنوين، لأنَّها ممنوعة من الصَّرْف.
إذًا: قد يُقصَد المعدود، وقد يُقصَد اللفظ عينه، وإذا قصد المعدود قد يذكر وقد يحذف، الأحوال: ثلاثة .. قد يقصد اللفظ عين اللفظ هذا أولًا، وقد يقصد المعدود، ثُم قد يذكر وقد يحذف، ثلاثة.
إذا قصد اللفظ .. عين اللفظ لزمت التاء، ابن مالك يقول: أصلها بالتاء، هي الأصل فيها، وحذف التاء فرع، إذًا: ثلاثةُ نصف ستة، هذه حالٌ.
حالٌ ثانية: أن يقصد المعدود، عندك شيء تعدُّه: ثلاثةُ رجال .. ثلاثُ إماء، عندك شيءٌ معدود، هذا المعدود الثلاثة والرجال الذي هو المُميِّز .. الذي يضاف إليه، قد يذكر وقد يُحذف، إن ذُكِر جاءت القاعدة، وإن حُذِف حِينئذٍ لا يجب، وإنَّما يُختار أن يعامل معاملة المذكور.
ثَلاَثَةً بِالتَّاءِ قُلْ لِلْعَشَرَهْ ... فِي عَدِّ مَا آحَادُهُ مُذَكَّرَهْ
يعني: أنَّ ألفاظ العدد من ثلاثة إلى عشرة، إذا كان واحد المعدود مذكرًا لحقته التاء، فإن كان واحده مؤنَّثا لم تلحقه التاء، ولذلك قال: (فِي الضِّدِّ) الذي هو المؤنَّث (جَرِّدْ) يعني: من التاء.
. . . . . . وَالْمُمَيِّزَ اجْرُرِ ... جَمْعَاً بِلَفْظِ قِلَّةٍ فِي الأَكْثَرِ
هذه لا بُدَّ لها من مُميِّز، الثلاثة إلى العشرة لا بُدَّ لها من مُميِّز، والمراد بالمُميِّز هنا: ما يكشف حقيقتها، لأنَّ أسماء العدد من المبهمات، وهذا البحث بعضهم يذكره في باب التمييز، وسبق أنَّ باب التمييز قد يكون في المفردات، وقد يكون في الجمل، يعني: النِّسبة.
من المفردات المقادير والمساحات إلى آخره، ومنها: العدد، لأنك تقول: عندي عشرون .. عشرون ماذا؟ عشرون كتابًا، عندي ثلاثة .. ثلاثة ماذا؟ ثلاثة ريال .. ثلاثة ملايين، يختلف الحكم، فحِينئذٍ (ثلاثة) صار لفظًا مبهمًا يحتاج إلى مُميِّز يكشف حقيقة هذا اللفظ المبهم.
حِينئذٍ نقول: العامل فيه هو ما أضيف إليه إن كان مجرورًا أو نصبًا إن كان منصوبًا كما في: (أحد عشر) ((أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا)) [يوسف:٤].
стр. 2370
(وَالْمُمَيِّزَ) إذًا: لا بُدَّ لها من مُميِّز، لأنَّها من قبيل المبهمات، فإذا كانت مبهمة حِينئذٍ تحتاج إلى ما يكشف عن ذاتها ليس عن هيئتها، وإنَّما عن ذاتها وحقيقتها وماهيتها، ما المراد بها .. ما هو هذا المعدود؟ عندي ثلاثةٌ .. ثلاثة ماذا؟ فيحتمل، فإذا جئت بالمُميِّز كشفت حقيقة هذه الثلاثة، عندي شيءٌ معدودٌ بالثلاثة، عندي عشرون .. عندي شيءٌ معدود بالعشرين .. عدده عشرون، ما هو هذا الشيء؟ كتابًا، إذًا: جاء التمييز هنا كاشفًا وموضحًا ومبينًا ومُفسِّرًا لحقيقة هذا الشيء المعدود بالعشرين أو الثلاثة إلى آخره، إذًا: هذه وظيفة المُميِّز هنا.
(وَالْمُمَيِّزَ) ما حكمه هنا من الثلاثة إلى العشرة؟ قال: (اجْرُرِ) اجرر المُميِّز، يعني: يجب جر تمييز هذه الألفاظ من الثلاثة إلى عشرة، بحرف جر أو بالمضاف بالإضافة؟ (اجْرُرِ) ماذا تقول أنت؟ عندي ثلاثة رجالٍ، (ثلاثةُ) مبتدأ وهو مضاف، و (رجال) مضاف إليه، و (عندي) خبر.
إذًا: صار التمييز هنا مضافًا إليه، وإذا كان مضافًا حِينئذٍ المضاف يكون مجرورًا بالمضاف، إذًا: نفس الذي كُشِف بالمُميِّز هو الذي عَمِل الجَرَّ في التمييز.
ويجوز الجرُّ عند بعضهم بـ: (من)، وهذا جعلوه غالبًا في اسم الجنس واسم الجمع، وهو أن يقال: عندي ثلاثةٌ من الرجال، وعندي ثلاثةٌ من النساء، وهذا جائزٌ عند بعضهم وهو مُطَّرِد، ولذلك قال ابن هشام: "مُميِّز الثلاثة والعشرة وما بينهما إن كان اسم جِنْسٍ كـ: شجرٍ وتَمرٍ، أو اسم جمعٍ كـ: قومٍ ورهطٍ، خُفِض بـ: (من) ".
(اجْرُرِ) إذًا بـ: (من) ليس بالإضافة، إذا كان اسم جِنْس أو اسم جمعٍ، خُفِض بـ: (من) تقول: عندي ثلاثةٌ من التمر، وعشرةٌ من القوم، هذا أفصح هنا، ومنه: ((فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ)) [البقرة:٢٦٠].
وقد يُخفض - (وقد) للتقليل– يُخفض بإضافة العدد نفسه: ((وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ)) [النمل:٤٨] (رَهْطٍ) هذا اسم جمع، دلَّ على الجمع وليس له واحدٌ من لفظه، وفي الحديث: ﴿لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ﴾، وإن كان جمعًا خفض بإضافة العدد إليه، نَحو: ثلاثةُ رجالٍ.
إذًا: اجرر المُميِّز، متى؟ إذا كان جمعًا، وأمَّا إذا كان اسم جِنْس أو اسم جمعٍ يجوز فيه وجهان:
- خفضه بالإضافة: ((تِسْعَةُ رَهْطٍ)) [النمل:٤٨] وجاء في فصيح الكلام.
- وإن كان الأكثر أن يكون مجرورًا بـ: (من) عندي تسعة من القوم .. تسعة من الرَّهط، عندي تسعة من البقر .. من الغنم، هكذا تقول، تَجرَّه بـ: (من) تسعة غنمٍ يجوز لكنَّه على قِلَّة، وقد جاء في القرآن.
إذًا: (وَالْمُمَيِّزَ اجْرُرِ جَمْعَاً) أي: مُميِّز الثلاثة وأخواتها لا يكون إلا مجرورًا بإضافة العدد إليه، لكن يُستثنى منه ما ذكرناه: اسم الجمع واسم الجنس.
(جَمْعَاً) هذا ما إعرابه (اجْرُرِ جَمْعَاً)؟ حال من المفعول به، اجرُر المُميِّز حال كونه جمعًا، والحال وصفٌ لصاحبها .. قيدٌ لعاملها، إذًا: لا يكون المُميِّز هنا إلا جمعًا.
стр. 2371
(بِلَفْظِ قِلَّةٍ) قوله: (بِلَفْظِ قِلَّةٍ) هل يُخصِّص قوله: (جَمْعَاً) بأنَّه جمع تصحيح أو جمع تكسير .. مدلول جمع التَّصحيح ما هو قِلَّة أو كثرة؟ جمع التكسير ينقسم إلى قسمين: جمع قِلَّة، وجمع كثرة، وجموع القِلَّة محصورة .. أربعة فقط، وما عداه فهو جمع كثرة: أَفْعِلَةٌ أَفْعُلُ ثُمَّ فِعْلَهْ ... ثُمَّتَ أَفْعَالٌ جُمُوعُ قِلَّةْ هذه كلها نقول الأربعة جموع قِلَّة، وجمع القِلَّة يبدأ من الثلاث على الصحيح إلى العشرة، وأحد عشر إلى ما لا نهاية جمع الكثرة، هذا المشهور، والصحيح أنَّهما يتفقان مبدأً ويختلفان انتهاءً.
جمع القِلَّة وجمع الكثرة يبدءان من الثلاث، ثُم يسيران إلى العشرة فيقف جمع القِلَّة، ثُم يسير جمع الكثرة هذا الصحيح، وأمَّا قول الكثير: بأنَّ جمع الكثرة يبدأ من أحد عشر، وجمع القِلَّة ينتهي عند العشرة هذا ليس عليه دليل .. هذا مُجرَّد اصطلاح خاص .. استنباط .. اجتهاد، فهو مُخالفٌ لِمَا عليه أهل اللغة.
إذًا: (جَمْعَاً بِلَفْظِ قِلَّةٍ) جمع التَّصحيح جمع قِلَّة، وجمع التَّصحيح المؤنَّث السالم جمع قِلَّة، حِينئذٍ قوله: (بِلَفْظِ قِلَّةٍ) قد لا يُفْهِم بأنَّ المراد به جمع التكسير، لكن المراد به جمع التكسير، وسيأتي أنَّه قد يكون جمع تصحيح في أحوالٍ ثلاثة.
إذًا: (جَمْعَاً) أي: مُكسَّرًا، هذا الأصل فيه، لأنَّ ألفاظ العدد أقرب إلى جمع التكسير لفظًا، فتحصل المطابقة لفظًا.
(جَمْعَاً بِلَفْظِ قِلَّةٍ) هذا مُتعلِّق بقوله: (جَمْعَاً)، (بِلَفْظِ) جار ومجرور مُتعلِّق بقوله: (جَمْعَاً) لأنَّه مصدر، و (لَفْظِ) مضاف، و (قِلَّةٍ) مضاف إليه، احترز به من جمع كثرة، لكنَّه ليس باحتراز مُخرِج عنه بالكليَّة، وإنَّما أراد به (فِي الأَكْثَرِ) يعني: ما يُخالف الأكثر ألا يكون جمع مُكسَّر بلفظ الكثرة، وألا يكون جمع تصحيح بخلاف جمع التكسير.
إذًا: (فِي الأَكْثَرِ) يعني: المراد أنَّ المُميِّز يكون جمع تكسيرٍ بلفظ القِلَّة، يُقابل الأول .. ألا يكون جمع تكسير بأن يكون جمع تصحيح، يقابل الثاني: أن يكون جمع تكسير لكن لا جمع قِلَّة، إذًا: عندنا قيدان في الأكثر يرجع إليهما معًا، ولكل واحدٍ، حِينئذٍ يُحترَز بالأول .. جمع تكسير، نقول: أخرج جمع التَّصحيح، لكنَّه ليس مطلقًا، وإنَّما أخرجه من حيث الكثرة، وأمَّا على جهة القِلَّة فهو وراد كما سيأتي.
كذلك قوله: (لَفْظِ قِلَّةٍ) إذًا: جمع التَّكسير لا يأتي تمييزًا بلفظ الكثرة؟ نقول: لا، يأتي، لكن بِقلَّة.
إذًا: (جَمْعَاً) أي: مُكسَّرًا، (بِلَفْظِ قِلَّةٍ) أي: من أبْنيَة القِلَّة، إذا جعلنا (بِلَفْظِ) المراد به أبْنيَة القِلَّة حِينئذٍ جعلناه مُخصّصًا بأنَّ المراد بقوله (جَمْعَاً): جمع تكسير، إذا راعينا اللفظ بأنَّ المراد (بِلَفْظِ قِلَّةٍ) يعني: ببناء قِلَّة، وهذا إنَّما يكون في جمع التكسير.
(جَمْعَاً بِلَفْظِ قِلَّةٍ فِي الأَكْثَرِ) .. (فِي الأَكْثَرِ) مفهومه أنَّه يُميَّز قليلاً بِجمع الكثرة، كذلك على الصحيح يُميَّز قليلًا بجمع التَّصحيح.
стр. 2372
قال الشَّارح: "تثبت التاء في ثلاثة وأربعة وما بعدهما إلى عشرة" (في ثلاثة) يعني: في اللفظ: (ثلاثة)، وفي اللفظ: (أربعة)، وما بعدهما إلى عشرة، وما بعد (إلى) داخلٌ في الحكم، "إن كان المعدود بهما مذكرًا، وتسقط إن كان مؤنَّثا، ويضاف إلى جمعٍ" هذا شرحٌ لقوله: (اجْرُرِ) بأنَّ المراد بالجر هنا إنَّما يكون بالإضافة، يعني: بالمضاف، "نحو: عندي ثلاثة رجالٍ، وأربع نساء، وهكذا إلى عشرة" عشرة رجال، وعشر إماء.
فانظر هنا: عندي ثلاثة رجال، نقول: (ثلاثة) بالتاء لأنَّ المضاف إليه وهو معدود جمع (رجل)، و (رجل) مذكر، وهو مَذكُورٌ هنا في اللفظ، وهو جمع تكسير، وأربع نساء، هنا بدون تاء، لأنَّ (نساء) ليس له واحد، إذًا: هنا ماذا صنع؟ ليس له واحد مطلقًا من لفظه، له واحد من معناه امرأة.
إذًا: ينظر فيه إلى واحده باعتبار المعنى لا باعتبار اللفظ، وهذا (نساء) اسم جمعٍ، أربعٌ من النساء، يجوز فيه .. يُجر بـ: (من)، "وهكذا إلى عشرة" عشرة رجالٍ كذلك، و (عشرة) مراد النَّاظم هنا أطلقها (لِلْعَشَرَهْ)، انظر لم يُقيِّدْها بكونها مركبة، لأنَّ العشرة لها حالان:
- حالةٌ توافق القياس فتُذكَّر مع المذكر، وتؤنَّث مع المؤنَّث وذلك إذا رُكِّبَت، أحد عشر إلى تسعة عشر.
- وحالٌ أخرى تخالف القياس: وهي فيما إذا أُفرِدت، عشرة رجال .. عشر إماء، فـ: (رجال) يُقال فيه مثل ما قيل في: ثلاثة رجال، وهذا الحكم هنا تُقيِّده فيما إذا ذُكِر المعدود، وأمَّا إذا حُذِف وقُصِد حِينئذٍ فلك وجهان، والأفصح مراعاته كما لو كان موجودًا، وكذلك أخرج ما إذا قُصِد اللفظ عينه، يعني: نفس اللفظ، ليس المقصود المعدود، حِينئذٍ تلزم التاء، كل الأعداد من الثلاثة إلى العشرة، نقول: عشرة نصف العشرين، هنا قُصِد اللفظ عينه ولم يُقصد معدود .. ليس عندك شيءٌ معدود.
وأشار بقوله: (جَمْعَاً بِلَفْظِ قِلَّةٍ فِي الأَكْثَرِ) إلى أنَّ المعدود بها إن كان له جمع قِلَّة وكثرة لم يُضف العدد في الغالب إلا إلى جمع قِلَّة، جموع التكسير على ثلاثة أنواع:
- جمع تكسير جمع قِلَّة، سُمِع فيه جمع القِلَّة، ولم يسمع فيه جمع الكثرة.
- والثاني: عكسه، سُمِع فيه جمع الكثرة ولم يُسمَع فيه جمع القِلَّة.
- والثالث: ما سُمِع فيه النَّوعان معًا، جمع قِلَّة وجمع كثرة.
هذا سيأتينا بحثه في موضعه.
إذًا: إذا سُمِع له جَمع قِلَّة وجمع كثرة فالأفصح والأكثر أن يضاف إلى جمع القِلَّة، إذا لم يُسمَع له إلا جمع قِلَّة ما لنا حِيْلة! هو نفسه، وإذا لم يُسمع إلا جمع كثرة، كذلك ليس لنا حِيْلة! لأنَّه لا بُدَّ أن يضاف إلى جمعٍ وجمع تكسير، حِينئذٍ نقول: يضاف إلى جمع تكسير .. جمع قِلَّة وهو الأكثر هذا فيما إذا سُمِع له جمع كثرة، فيُخيَّر بين الأمرين ويُقال: الأكثر أن يضاف إلى جمع القِلَّة، وأمَّا إذا لم يسمع هذا شأنه آخر.
стр. 2373
وأشار بقوله: (جَمْعَاً بِلَفْظِ قِلَّةٍ فِي الأَكْثَرِ) إلى أنَّ المعدود بها إن كان له جمع قِلَّة وكثرة لم يضف العدد في الغالب إلا إلى جمع القِلَّة، فتقول: عندي ثلاثة أفلس، ولا تقل: فلوس، (فلوس) مسموع (فعُول) حِينئذٍ نقول: (فلوس) هذا جمع كثرة، و (أفلس) هذا جمع قِلَّة، عندك اللفظان: عندي ثلاثة أفلسٍ، هذا الشائع والكثير، أمَّا: ثلاثة فلوس يَجوز، لكنَّه خلاف الشائع.
وثلاث أنفس ونفوس، عندنا: (أنفس) و (نفوس) سُمِع فيه النَّوعان، ويقِلُّ عندي ثلاثة فلوس وثلاث نفوس.
ومِمَّا جاء على غير الأكثر قوله تعالى: ((وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ)) [البقرة:٢٢٨] (قُرُوءٍ) .. (أقراء) (قُرُوء .. فُعُول) وهو جمع كثرة، و (أقراء) جمع قِلَّة، فأضاف ثلاثة إلى جمع الكثرة مع وجود جمع القِلَّة وهو (أقراء) والسَّبب أنَّه شاذ، يعني: قد يُعدَل .. لأنَّه قرآن هنا، لا بُدَّ أنَّها حكمة .. من حكمة في ترك الأكثر ثُم الإقدام على الأقل، نقول: لأنَّ (أقراء) هذا شاذ كما سيأتي إن شاء الله.
فإن لم يكن للاسم إلا جمع كثرة لم يُضَف إلا إليه: ثلاثةُ رجال.
إذًا: (جَمْعَاً بِلَفْظِ قِلَّةٍ فِي الأَكْثَرِ) نقول: مفهومه أنَّه قد يكون جمع كثرة لكنَّه قليل، وهذا إذا سُمِع له جمع قِلَّة وأضيف إلى جمع الكثرة مع وجود جمع القِلَّة نقول: هذا مُخالف للأكثر، أمَّا إذا لم يُسمَع إلا جمع كثرة لا نقول: مُخالف.
وَمِائَةً وَالأَلْفَ لِلْفَرْدِ أَضِفْ ... وَمِائَةٌ بِالجَمْعِ نَزْراً قَدْ رُدِفْ
(وَمِائَةً وَالأَلْفَ لِلْفَرْدِ أَضِفْ) أضف للفرد، هذا مُتعلِّق بـ: (أَضِفْ)، (وَمِائَةً) هذا مفعولٌ به مُقدَّم، (وَالأَلْفَ) معطوفٌ عليه: أَضِفْ مِائَةً وَالأَلْفَ لِلْفَرْدِ.
إذًا: (وَمِائَةً وَالأَلْفَ) أسماء عدد، والمراد به هنا: المائة وتثنيتها وجمعها، والمراد بالألف وتثنيتها وجمعها، حِينئذٍ: (أَضِفْ) للفرد، فليكن حِينئذٍ تمييزه مضافًا وهو مفرد، يُخالف السَّابق في كون ذاك جمعًا، وهذا إنَّما يكون مثله مضافًا إلا أنَّه مفرد.
(وَمِائَةً وَالأَلْفَ لِلْفَرْدِ أَضِفْ) يعني: أنَّ مائًة وألفًا يضافان إلى مفرد، فتمييزهما حِينئذٍ يكون مفردًا، وفهم من إطلاقه (مِائَةً وَالأَلْفَ) أنَّ تثنية ألفٍ ومائة وجمعهما كذلك، نَحو: ألفا رجلٍ .. عندي مائة رجل، ومائتا رجل، وعندي ألف رجل، وألفا رجل، وآلاف رجلٍ، آلاف ومائتا رجلٍ.
إذًا: يضاف مطلقًا المائة والألف سواءٌ كانا مفردين في اللفظ أو مثنيين أو مجموعين، حِينئذٍ تمييزهما يكون مفردًا مضافًا.
وشذَّ تمييز المائة بمفردٍ منصوب، وإنَّما يكون مضافًا لذلك قال: (أَضِفْ) يعني: وجوبًا، وسُمِع مفردًا منصوبًا لكنه شاذ يُحفظ ولا يُقاس عليه، كقوله:
إِذَا عَاشَ الْفَتَى مِائَتَيْنِ عَامَا ..
(مائتي عامٍ) هذا الأفصح .. هذا الواجب، أمَّا (مِائَتَيْنِ عَامَا) على أنَّه مُفرد منصوب نقول: هذا شاذٌّ يُحفظ ولا يُقاس عليه.
стр. 2374
(وَمِائَةً وَالأَلْفَ لِلْفَرْدِ أَضِفْ) نَحو: عندي مائة درهم (درهم) واحد، (مائة) هذا مبتدأ وهو مضاف، و (درهمٍ) مضافٌ إليه، والعامل في الدِّرهم هنا هو نفس العدد (مائة)، و (عندي) هذا خبر مُقدَّم، ومائتا ثوبٍ .. عندي مائتا ثوبٍ، (عندي) خبر مُقدَّم، و (مائتا) هذا مبتدأ مُؤخَّر وهو مضاف، و (ثوبٍ) مضاف إليه.
هنا لا تقل تمييز، ولا تقل عدد، ولا اسم عدد إلى آخره، تُعرِب كما هو الشأن في الأسماء، وإنَّما هذا من حيث الإقدام لا من حيث الإعراب، يعني: لا يُعرب إنَّما يُقال: مضاف ومضاف إليه، إذا سئلت: ما الذي أفاده (مائتا ثوبٍ) ثوبٍ ماذا أفاد؟ نقول: هو مُميِّز، كشف حقيقة المائتين، عندي مائتا .. هذا مُبهَم .. مُجمَل يحتاج إلى إيضاح، إذا قلت: ثوبٍ، عَرفْتَ أن الشيء المعدود بالمائتين، وأمَّا من حيث الإعراب فتقول: (مائتا) هذا مبتدأ، ولا تقل: اسم عدد، إنَّما نوعه، كما تقول هناك: زيدٌ قادمٌ، (زيدٌ) تقول: مبتدأ، ولا تقل: هذا اسمٌ، إنَّما تقول: هذا مبتدأ، حِينئذٍ تذكر الإعراب فحسب.
هنا كذلك: عندي مائتا ثوبٍ، (مائتا) هذا مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و (ثوبٍ) مضاف إليه، من حيث المعنى: (مائتا) اسم عددٍ مُجمل يحتاج إلى مُفسِّر، و (ثوبٍ) هذا مضاف إليه هو المُفسِّر وهو المميز، و (مائتا) النون هنا حُذِفت للإضافة لأنَّه مُثنَّى (مائة)، فإذا قيل لك: لماذا جئت به مفردًا مضافًا؟ تقول: لأنَّ تمييز المائة في لسان العرب إنَّما يكون مفردًا مضافًا، هكذا سُمِع والحجَّة في السماع، ولا نحتاج إلى تعليل في مثل هذه التَّراكيب، لأنَّها أمور تُحفظ كما هو الشأن في فنِّ الصَّرف.
إذًا: مائتا ثوب، وثلاثمائة دينارٍ، هنا جُمعت: (ثلاثمائة) أضيفت (ثلاث) إلى المائة، ثُم قيل: ثوبٍ، هذا مضاف إلى المائة لا إلى الثلاث، وألف عبدٍ .. عندي ألف عبدٍ، (عندي) خبر مُقدَّم، و (ألف) هذا مبتدأ مؤخَّر وهو مضاف، و (عبدٍ) مضاف إليه، وانتهينا.
وأمَّا من حيث المعنى فتقول: (ألف) هذا اسم عدد يحتاج إلى مُميِّز، وهو عبدٍ، وجيء به مفردًا مجرورًا لأنَّه مُميِّزٌ بالألف، فلا يصح: عندي ألف رجالٍ، لأن هذا يكون تَمييزًا للثَّلاثة إلى العشرة.
وألفا أمةٍ، (ألفا) بدون نون، لأنَّه مثنَّىً وهو مضاف وأضيف إلى (أمةٍ) وهو مضاف إليه، وكذلك: عندي ثلاثة آلاف فرس، (عندي) خبر، (ثلاثة) هذا مبتدأ مُؤخَّر، وهو مضاف، و (آلاف) مضاف إليه، و (آلاف) مضاف، و (فرس) مضاف إليه، هكذا تُعربه .. إعراب كما هو الشَّأن في غيره.
وأمَّا أحكام العدد والتمييز وإلى آخره، هذه إنَّما تكون في مقام التَّعليم من أجل أنْ تنتهي إلى القاعدة السابقة أو التركيب السابق، عند السؤال والبحث حِينئذٍ تقول: هذا عدد، وهذا مائة وتمييز، وفي لسان العرب يكون مفردًا مجرورًا، وتمييز (أحد عشر) يكون مفردًا منصوبًا وإلى آخر ما يذكر من قواعد.
إذًا: (مِائَةً وَالأَلْفَ) سواءٌ كانَا مُفردين من حيث اللفظ، أو مثنيين، أو مجموعين يُلزم أن يكون المُميِّز مفردًا مجرورًا، لا يجوز أن يكون جمعًا ولا منصوبًا، وما سُمِع من نصبه فهو شاذٌّ يُحفظ ولا يقاس عليه، هذا الأصل فيه.
стр. 2375
ثُم قال: (وَمِائَةٌ بِالجَمْعِ نَزْرَاً قَدْ رُدِفْ) (مِائَةٌ) هذا مبتدأ، و (بِالجَمْعِ) .. (وَمِائَةٌ قَدْ رُدِفْ) لذلك إذا أرَدْتَ المُتعلَّقات اعرب الخبر قبل، (وَمِائَةٌ) مبتدأ (قَدْ رُدِفْ) هذا خبره، (بِالجَمْعِ) هذا مُتعلِّق به، و (نَزْرَاً) قَدْ رُدِفْ حال كونه نزرًا، يعني: قليلًا، إذًا: قد يكون تمييز مائة مجرورًا، وهذا أشار به إلى قراءة حمزة والكِسَائي: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةِ سِنِينَ) هذا جاء بالجمع، بإضافة (مائة) إلى (السنين)، فـ: (سِنِينَ) تَمييزٌ، وفي ذلك شذوذٌ من جهة واحدة، وسَهَّلَه شِبْه المائة بالعشرة.
على كلٍ: هذا خلاف الأفصح.
(وَمِائَةٌ بِالجَمْعِ نَزْرَاً قَدْ رُدِفْ) (رُدِفْ) هذا مُغيَّر الصِّيغة، أي: تُبِع بالجمع، (مِائَةٌ) تُبِع (بِالجَمْعِ نَزْراً) أي: قليلاً.
إذًا: أراد النَّاظم أن يُبيِّن بهذا البيت: أنَّ تمييز المائة والألف إنَّما يكون في الفصيح الكثير، الذي هو القاعدة العامة: أن يكون مجرورًا، وأن يكون مفردًا، فلا يخرج عن هذين النوعين إلا ما شذَّ، وإنَّما قَدَّم النَّاظم: مائة وألفًا، على ما دونهما من العدد، يعني: إلى أحد عشر، لاشتراكهما مع ثلاثة عشر وما بينهما في كون تمييزهما مجرورًا بالإضافة.
الأصل أن يقول: (ثَلاَثَةً)، ثُم قال: (لِلْعَشَرَهْ) ثُم يقول: (أَحَدَ اذْكُرْ وَصِلَنْهُ بِعَشَرْ) هذا الأصل، لماذا قَدَّم المائة والألف؟ لأنَّ تمييز أحد عشر وما بعده يكون منصوبًا، وأمَّا تمييز الثلاثة والعشرة يكون مجرورًا، فناسب لذلك أن يذكر المجرور بجوار المجرور.
قال هنا: قد سبق أنَّ (ثَلاَثَةً) وما بعدها إلى (عشرة) لا تضاف إلا إلى جمعٍ، وذكر هنا أنَّ (مائةً وألفًا) من الأعداد المضافة كذلك، وأنَّهما لا يُضافان إلا إلى مفردٍ، نَحو: عندي مائة رجلٍ، وألف درهمٍ، وورد إضافة (مائة) إلى جمعٍ قليلًا، ومنه قراءة حمزة والكسائي التي ذكرها.
والحاصل: أنَّ العدد المضاف على قسمين:
- أحدهما: ما لا يضاف إلا إلى جمعٍ، وهو من ثلاثة إلى عشرة.
- والثاني: ما لا يضاف إلا إلى مفرد، وهو مائة وألف، وتثنيتهما نحو: مائتا درهم، وألفا درهمٍ، وأمَّا إضافة (مائة) إلى جمعٍ فقليل، بل حكم بعضهم على أنَّه شاذٌّ.
وَأَحَدَ اذْكُرْ وَصِلَنْهُ بِعَشَرْ ... مُرَكَِّبَاً قَاصِدَ مَعْدُودٍ ذَكَرْ
وَقُلْ لَدَى التَّأْنِيْثِ إِحْدَى عَشْرَةْ ... وَالشِّينُ فِيهَا عَنْ تَمِيمٍ كَسْرَهْ
وَمَعَ غَيْرِ أَحَدٍ وَإِحْدَى ... مَا مَعْهُمَا فَعَلْتَ فَافْعَلْ قَصْدَا
وَلِثَلاَثَةٍ وَتِسْعَةٍ وَمَا ... بَيْنَهُمَا إِنْ رُكِّبَا مَا قُدِّمَا
(وَأَحَدَ اذْكُرْ وَصِلَنْهُ بِعَشَرْ) يعني: رَكِّب (أَحَدَ) مع (عَشَرْ) هنا شرع في الكلام على العدد المضاف .. المركَّب، العدد المضاف سبق هذا، والآن العدد المركَّب.
стр. 2376
(وَأَحَدَ اذْكُرْ) اذكر أحد، يعني: لفظ (أَحَدَ) اذكره، إذًا: (أَحَدَ) هذا يكون مفعولاً مُقدَّمًا، (وَصِلَنْهُ بِعَشَرْ) .. (بِعَشَرْ) هكذا حكاها مُجرَّدًا من التاء، (وَصِلَنْهُ) (صِلْ) هذا فعل أمر مبني على الفتح لاتَّصاله بنون التوكيد الخفيفة، والهاء ضمير مُتَّصل مبني على الضَّمِّ في مَحلِّ نصب مفعول به.
(وَصِلَنْهُ بِعَشَرْ مُرَكَّبَاً) حال كونك مُركِّبًا (قَاصِدَ مَعْدُودٍ ذَكَرْ) إذًا: (أَحَدَ) لا (إحدى)، و (عَشَرْ) لا (عشرة)، إذًا: جمعت بين مذكر ومذكر، متى؟ (قَاصِدَ مَعْدُودٍ ذَكَرْ) ((أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا)) [يوسف:٤] (كَوْكَبًا) هذا المقصود بالعدِّ فهو المعدود، فالكوكب هو المعدود، قلت: (أَحَدَ عَشَرَ) جئت به مذكرًا في الأول والثاني.
(وَقُلْ لَدَى التَّأْنِيْثِ إِحْدَى عَشْرَةْ) بتأنيث الأول (إِحْدَى) وهو مؤنَّث (أَحَدَ) و (عَشْرَةْ) بالتاء وهو مؤنَّث (عَشْر).
وَأَحَدَ اذْكُرْ وَصِلَنْهُ بِعَشَرْ ... مُرَكَِّبَاً. . . . . . . . . . . . . .
قلنا: هذا مُرَكِّبَاً ومُرَكَّبَاً يجوز فيه الوجهان، بكسر الكاف أي: حال كونك مُركِّبًا هذا حالٌ من فاعل (صِلْ) أو (اذْكُرْ): اذكر أحد (وَصِلَنْهُ بِعَشَرْ) حال كونك مُرَكِّبَاً أنْتَ .. أنْتَ الذي ركَّبت ويجوز أن يكون بفتح الكاف حالًا من (عَشَرْ) أي: مُرَكَّبَاً معه، أي: مع (أَحَدَ).
(وَصِلَنْهُ بِعَشَرْ مُرَكَّبَاً) يعني: (عَشَرْ) نفسه مركَّبًا مع (أَحَدَ) هذا يَحتمل .. يَحتمل أنَّه حالٌ من فاعل (اذْكُرْ) ويحتمل أنَّه حالٌ من (عَشَرْ) لكن إذا جعلته من فاعل (اذْكُرْ) كسرته: مُركِّب، وإذا كان من (عَشَرْ) صار هو الذي رُكِّب فهو مركَّب.
(وَقُلْ لَدَى التَّأْنِيْثِ إِحْدَى عَشْرَةْ) يعني: في التأنيث، (لَدَى) هنا بمعنى: (في) (إِحْدَى عَشْرَةْ) بإسكان الشِّين.
(وَالشِّينُ فِيهَا عَنْ تَمِيمٍ كَسْرَهْ) عَشِرَة .. عَشْرَه، يجوز فيه الوجهان، هذا نأتي عليه غدًا إن شاء الله تعالى.
نقف على هذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 2377
عناصر الدرس
* إعادة الأعداد المركبة مع بعض الإضافات
* تميز العدد المفرد من (٢٠_٩٠) ـ
* اضافة العدد المركب إلى غير مميزه
* صوغ العدد على وزن فاعل على وجوه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعد:
قال النَّاظم - رحمه الله تعالى -: (العَدَدُ).
وعرفنا حقيقته في اصطلاح النُّحاة، وقلنا: يكفي ذكر الأعداد وما يَتعلَّق بها عن الحد.
قال النَّاظم:
ثَلاَثَةً بِالتَّاءِ قُلْ لِلْعَشَرَهْ ... فِي عَدِّ مَا آحَادُهُ مُذَكَّرَهْ
فِي الضِّدِّ جَرِّدْ وَالْمُمَيِّزَ اجْرُرِ ... جَمْعَاً بِلَفْظِ قِلَّةٍ فِي الأَكْثَرِ
بيَّن بهذين البيتين حكم الثلاثة إلى العشرة، بأنَّها تخالف القياس، احترز بالثلاثة في قوله:
ثَلاَثَةً بِالتَّاءِ قُلْ لِلْعَشَرَهْ ..
احترز به عن الواحد والاثنين، وقلنا هذان العددان يُخالف الثلاثة والعشرة وما بينهما في حكمين:
أولاً: أنهما على القياس، يعني: يُذَكَّران مع المُذَكَّر ويُؤَنَّثان مع المؤنَّث، فيقال: واحد واثنان، وكذلك يُقال: واحدةٌ بالتأنيث واثنتان، والثلاثة وأخواتها إلى العشرة هذه تُخالف على خلاف القياس، فتذكَّر مع المؤنَّث، وتؤنَّث مع المذكَّر.
كذلك لا يُجمع بينها وبين المعدود فلا يُقال: واحد رجلٍ، ولا اثنا رجلين، وعرفنا العلَّة فيما سبق، بخلاف الثلاثة إلى العشرة، لأنَّ الثلاثة يدلُّ على العدد (وَالْمُمَيِّزَ) يدلُّ على الجنس، فلا بُدَّ من الجمع بينهما.
وأمَّا الثلاثة إلى العشرة فقال هنا:
ثَلاَثَةً بِالتَّاءِ قُلْ لِلْعَشَرَهْ ... فِي عَدِّ مَا آحَادُهُ مُذَكَّرَهْ
فِي الضِّدِّ جَرِّدْ. . . . ... . . . . . . .
إذاً: (فِي عَدِّ مَا آحَادُهُ مُذَكَّرَهْ) تأتي بالتَّاء، (فِي الضِّدِّ) الذي هو المؤنَّث، أو (عَدِّ مَا آحَادُهُ) مؤنَّثه (جَرِّدْ) العدد الثلاثة إلى العشرة من التاء، وقوله: (مَا آحَادُهُ) قلنا: أشار به إلى أنَّ النظر إنَّما يكون في المفرد لا في اللفظ، إذ يُشترط كما نَصَّ عليه: بأن يكون (الْمُمَيِّزَ) جمعاً، وكل جمعٍ مؤنَّث، فلو اعْتُبِر اللفظ من حيث هو المضاف إليه حينئذٍ لَمَا بقي للتذكير مجال، وحينئذٍ لا بُدَّ من التذكير .. من نزع التاء، لأنَّ المضاف إليه يكون مؤنَّثاً مُطلقاً، وحينئذٍ يكون النَّظر إلى المفرد نقول: ثلاثة رجالٍ وثلاث إماءٍ، (ثلاثة رجال) باعتبار المفرد وهو واحد، (وثلاث إماءٍ) باعتبار المفرد وهو (أمةٌ) وهو مؤنَّث.
وأمَّا (الْمُمَيِّزَ) إذا كان اسم جنس كـ (شجر)، أو اسم جمعٍ كـ (قوم) قلنا: الأفصح والأكثر أن يؤتى به مجروراً بـ (مِنْ) ويجوز إضافته كما ذكرناه سابقاً.
ثَلاَثَةً بِالتَّاءِ قُلْ لِلْعَشَرَهْ ... فِي عَدِّ مَا آحَادُهُ مُذَكَّرَهْ
فِي الضِّدِّ جَرِّدْ وَالْمُمَيِّزَ اجْرُرِ ... جَمْعَاً بِلَفْظِ قِلَّةٍ فِي الأَكْثَرِ
قوله: (مَا آحَادُهُ مُذَكَّرَهْ) ثُمَّ قال: (جَمْعَاً) دلَّ على أنَّه يُضاف إلى الجمع، والنظر يكون باعتبار المعنى، لأنَّه في الأول قال: (مَا آحَادُهُ)، ثُمَّ قال: (اجْرُرِ الْمُمَيِّزَ جَمْعَاً) كيف يكون (آحَادُهُ) مذكَّر أو مؤنَّث ثُمَّ يقول الجمع؟ نقول: الجمع باعتبار اللفظ على الأصل، وأمَّا الآحاد فهذا باعتبار المعنى.
стр. 2378
هنا قاعدة: اعتبار التأنيث في واحدٍ المعدود إن كان اسماً فبلفظه .. إن كان اسماً فيُنْظَر حينئذٍ إلى اللفظ تقول: ثلاثة أشخُصٍ، و (أشخص) هنا جمع شخص، و (شخصٌ) مُذكَّر أو مؤنَّث؟ مُذكَّر، حينئذٍ تقول: ثلاثة أشخصٍ، ولو كان المراد بالأشخص نِسوة.
لو أردت بالأشخص النسوة حينئذٍ نقول: النَّظر إلى اللفظ من غير نظرٍ إلى المعنى المقصود من مصدق اللفظ، فقد تريد بالشخص أنثى، وقد تريد بالشخص ذكراً، حينئذٍ: ثلاثة أشخصٍ، نقول: هنا يُعتبر فيه اللفظ من حيث هو لا باعتبار المعنى، ولو كان المصدق الذي يصدق عليه لفظ شخص وهو الآحاد، لأنَّه قال:
فِي عَدِّ مَا آحَادُهُ مُذَكَّرَهْ ..
هنا آحاد (أشخص .. شخص) وهو مذكَّر حينئذٍ تأتي بالتاء، ولو كنت قاصداً بالأشخص النِّسوة، لأنَّ هذا شيءٌ خارجٌ عن اللفظ، إذاً: إن كان اسماً فبلفظه تقول: ثلاثة أشخصٍ، قاصداً نِسوة، وثلاث أعين، قاصداً رجال، لأنَّ العين هذه في الأصل: أعيُن جمع عين وهي مؤنَّثة.
لأنَّ لفظ (شخصٍ) مذكَّر، ولفظ (عينٍ) مؤنَّث، هذا ما لم يتَّصل بالكلام ما يقوي المعنى، أو يكثر فيه قصد المعنى، إذاً: قد تريد بالثلاثة هنا المعدود: أن يكون مذكَّراً أو مؤنَّثاً باعتبار المعنى لكن باعتبار اللفظ حينئذٍ يُنظر إليه باعتبار التذكير والتأنيث، فلو استعملت الشخص مُراداً به النسوة .. لو قلت: عندي ثلاثة أشخص، حينئذٍ أنَّثت، كيف تؤنِّث وأنت تريد بالشخص المؤنَّث؟ حينئذٍ نقول: النَّظر يكون إلى اللفظ (والشخص) هذا مذكَّر.
كذلك: ثلاث أعيُن، إذا أردت بالعين هنا الرجل نقول: (أعيُن) جمع عين (والعين) هذه مؤنَّثة أو مذكَّرة؟ مؤنَّثة، تقول: (هذه عين .. عينٌ فيها) إذاً: هذه يرجع إليها الضمير بالتأنيث، وحينئذٍ تقول: ثلاثُ أعيُن، ولو قصدت بالعين الرجل، فلا يُنظر إلا إلى اللفظ من حيث هو، هل هو مُذكَّر في لسان العرب أم لا؟ أمَّا ماذا تعني به؟ هذا شيءٌ آخر.
إذاً: إن كان اسماً فبلفظه من حيث هو لا باعتبار مصدقه، فقد يصدق الشخص على المؤنَّث فتقول: ثلاثة أشخص، وقد تصدق العين على المُذكَّر فتقول: ثلاث أعيُن، ولا تنظر إلى المعنى.
قلنا: هذا ما لم يتَّصل به ما يقوي المعنى، يعني: قد يتَّصل به ما يقوي المعنى من حيث انتشار الاستعمال، أو من حيث القرينة. ما لم يتَّصل بالكلام ما يقوي المعنى، أو يكثر فيه قصد المعنى، فإن اتَّصل به ذلك جاز مُراعاة المعنى.
فالأول كقوله:
ثَلاَثُ شُخُوصٍ كَاعِبَانِ وَمُعْصِرُ ..
وقوله:
وَإنَّ كِلاَبَاً هَذِهِ عَشْرُ أَبْطُنٍ ..
والقياس: عشرة أبطن، لأنَّ (البطن) مُذكَّر أو مؤنَّث؟ مذكَّر، حينئذٍ القياس: عشرة أبطن، لأنَّ (البطن) مذكَّر بحسب اللفظ، ولكن راعى فيه المعنى وهو: القبيلة، اسْتُعْمِل (البطن) مُراداً به: القبيلة فلذلك أنَّث، وإلا الأصل أن يقول: عشرة أبطن، لأنَّ (أبطن) هذا جمع (بطن) والبطن مُذكَّر، حينئذٍ يقول: عَشَرة أَبْطُنٍ.
стр. 2379
لكن هنا لَمَّا اسْتُعْمِل (البطن) مُراداً به القبيلة والقبيلة مؤنَّث، حينئذٍ راعى المعنى، متى؟ إذا غَلَب الاستعمال، وهذا عند من يعرف إذا أُطْلِق (البطن) المراد به: القبيلة. فـ (البطن) مُذكَّر بحسب اللفظ ولكن راعى فيه المعنى وهو: القبيلة.
والثاني كقوله: ثلاثة أنفس، جمع نفسٍ و (النَّفس) مؤنَّث: ((وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا)) [الشمس:٧] ولم يقل: ما سواه، إذاً: أعاد إليه الضمير بالمؤنَّث، نحن نقول: ثلاثة أنفس، صحيح أو لا؟ ليس بصحيح، ثلاث أنفس، لأنَّ (أنفس) جمع نفس وهو مؤنَّث، حينئذٍ القاعدة: التَّذكير (فِي الضِّدِّ جَرِّدْ) جرِّده من التاء إذا كان مُؤنَّثاً .. إذا كان (فِي عَدِّ مَا آحَادُهُ) مؤنَّث حينئذٍ تُجرِّد العدد من التاء فتقول: ثلاث أنفس، لكن النَّفس يُطْلَق ويُراد به: الإنسان كثيراً، حينئذٍ إذا روعي هذا المعنى صحَّ اتَّصاله بالتاء.
والثاني كقوله: ثلاثة أنفس، وثلاث ذودٍ، فإنَّ (النَّفس) كثيراً ما يُستعمل مقصوداً به: الإنسان والإنسان هذا مذكَّر، والقياس: ثلاث أنفس، لأنَّ (النَّفس) مؤنَّثة فراعى المعنى وهو مُذكَّر لكثرة استعمال (النَّفس) في الإنسان، وكذلك (الذَّود) من الإبل من الثلاثة إلى العشرة وهو مؤنَّث لا واحد له من لفظه.
إذاً القاعدة: أنَّه يُراعى الواحد، فإن كان اللفظ نفسه مذكَّراً أُنِّثَ العدد، وإن كان مؤنَّثاً ذُكِّر العدد، ولو كان مَصْدَق، يعني: ما يقع عليه ذلك اللفظ مؤنَّثاً أو مُذكَّراً، قد يُراعى في بعض الأحوال مؤنَّث اللفظ المُذكَّر فيؤنَّث العدد، وقد يُراعى في بعض الأحوال مؤنَّث العدد فيُراعى حينئذٍ.
إذاً: ننظر إلى اللفظ .. الاسم الواحد: إن كان لفظه مؤنَّثاً ذَكَّرنا العدد ولو كان مَصْدَقُه مُذكَّراً، وقد يُراعى هذا المعنى حينئذٍ يؤنَّث العدد، وننظر إلى اللفظ نفسه فإن كان مؤنَّثاً من حيث هو اللفظ مثل (عين ونفس) من حيث هو، حينئذٍ نُجرِّد الاسم العدد من التَّاء ولو كان مصدقه مذكَّراً، إن راعينا ذلك المعنى الذي يَصدُق عليه الواحد حينئذٍ جاز لنا التأنيث.
وإن كان صفةً فبموصوفها المنوي لا بها، ولذلك جاء قوله تعالى: ((فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)) [الأنعام:١٦٠] (عَشْرُ أَمْثَال) جمع (مثل) وهو مُذكَّر، وقلنا: العشرة مِثل الثلاثة عند عدم التركيب فتخالف القياس، تُذكَّر مع المؤنَّث، وتؤنَّث مع المذكَّر.
وهنا المِثْل الذي هو واحد الأمثال مُذكَّر وقال (عَشْرُ) والقياس أن يقول: (عشرة أمثالها) لم قال هنا: (عَشْرُ) بالتذكير مع كون (مَا آحَادُهُ) هنا مذكَّر؟ لأنَّ (أَمْثَال) ليس هو المعدود، وإنَّما هو صفةٌ لموصوفٍ محذوف فروعي في العدد من جهة المعنى، والأصل: عشر حسناتٍ أمثالها.
حينئذٍ روعي الموصوف المحذوف المنوي، ولذلك قاعدة العرب: أن الأصل إذا حُذِف الشيء قد يكون مُراعىً منوياً وقد يُحذف ولا يراعى بأن يصير نسياً منسياً، إذا صار منوياً حينئذٍ يُلاحظ في القواعد، وهذا واضح بَيِّن هنا.
стр. 2380
أي: عشر حسناتٍ، إذاً: هنا صفة فبموصوفها المنوي روعي العدد فَذُكِّر مع الأمثال، وتقول: ثلاثة دوابٍّ، إذا قصدت ذكوراً، لأنَّ الدَّابة صفة في الأصل، وثلاث دوابٍّ، إذا قصدت إناثاً، ولا يُعتبر لفظ المفرد إن كان علماً، فتقول: ثلاثة الطَّلحات، سبق أنَّ (طلحة) يُجمع بواوٍ ونون باعتبار المعنى، وهذا من المآخذ على مذهب البصريين هناك، لأنَّه قد وقع نوع تعارض.
هناك راعوا المعنى فقالوا: لا يُجمع بألفٍ وتاء، وإنَّما يُجمع بواوٍ ونون، يعني: احترزوا باتِّصال التاء هناك .. بألا يكون متَّصلاً بالتاء من نحو: طلحة وحمزة، قالوا: لا يُجمع بواوٍ ونون لأنَّه مؤنَّث، وهنا راعوا المعنى، وهناك لم يُراعوا المعنى، قَدَّموا اللفظ هنا على المعنى، وهناك قَدَّموا المعنى على اللفظ، واللفظ واحد هو: طلحة وحمزة، فكيف يُراعى جانب التذكير هنا، ويُراعى جانب التأنيث هناك؟ ولا شَكَّ أنَّ المعنى أقوى من اللفظ، وخاصَّةً إذا اعتبرنا التاء هذه تاء تأنيث فهي في نية الانفصال، هذا محل إشكال عند البصريين، ولذلك قلنا الصواب هناك: أنَّه يُجمع بواوٍ ونون: طلحون وحمزون، ولا إشكال موافقةً لمذهب الكوفيين.
قالوا هنا: لا يُعتبر لفظ المفرد إن كان عَلَماً نحو: ثلاثة الطَّلحات، وخمسٌ الهندات، فهنا اعْتُبِر معنى المفرد لا لفظه، فتقول: ثلاثة الطَّلحات، الأصل: ثلاث الطَّلحات، لأنَّ (الطَّلحات) هذا جمعٌ واحده (طَلْحَة) وهو مؤنَّث من حيث اللفظ، الأصل: ثلاث الطَّلحات، قالوا: لا، هنا نُراعي المعنى، لأنَّ (طلحة) مُسمَّاه مُذكَّر.
كذلك يُقال: خمسٌ الهندات، (هندات) جمع (هند)، و (هند) في اللفظ مؤنَّث، حينئذٍ قالوا: خمس الهندات، وهذا غريب عندهم، فهنا اعْتُبِر معنى المفرد لا لفظه.
وإذا كان في المعدود لغتان: التذكير والتأنيث كالحال، لفظ الحال قلنا: هذا يُذكَّر ويُؤَنَّث، حالٌ حسنٌ، وحالٌ حسنةٌ، حينئذٍ جاز الحذف والإثبات تقول: ثلاث أحوالٍ، وثلاثة أحوال، يجوز فيه الوجهان.
إذاً: القاعدة عندهم في قوله (مَا آحَادُهُ): النظر إلى الواحد إن كان اسماً حينئذٍ يُنظر إلى اللفظ: ثلاثة أشخُص، ننظر إلى اللفظ (شخص) فهو مُذكَّر حينئذٍ نؤنِّث العدد، ولو كان مُسمَّى الشَّخص مؤنَّثاً، ثلاثة أنفس، ننظر إلى اللفظ واحده (نفسٌ) فنُذكِّر اسم العدد لكون هذا مؤنَّثاً هذا هو الأصل، ولو كان مُسمَّاه مذكَّراً، فلا ننظر إلى المعنى في الأصل، ويَجوز اعتبار المعنى لكنَّه فرع إمَّا بغلبة استعمال، وإمَّا بقرينةٍ أخرى كما ذكرناه.
стр. 2381
ثُمَّ إنْ كانت صفةً فبموصوفها المنوي لا بها، وعليه يُخَرَّج قوله تعالى: ((فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)) [الأنعام:١٦٠] (عَشْرُ) بترك التاء مع (أَمْثَالِهَا)، و (أَمْثَال) جمع (مِثْل) وهو مذكَّر، وإنَّما يُراعى فيه هنا المنعوت الـ؟؟؟ وأمَّا العَلَم فعندهم لا يُراعى من حيث اللفظ، وإنَّما يُنظر فيه إلى المعنى، الأعلام يُنظر فيه إلى المعنى، فما كان مَختوماً بالتاء حينئذٍ يُؤنَّث له أو يُذكَّر .. العَلَم المذكَّر إن كان اتصلت به التاء، يؤنَّث له العدد أو يذكَّر؟ يؤنَّث نعم، ولذلك يُقال: ثلاثة الطَّلحات، أنَّثوا له العدد باعتبار المعنى لا باعتبار اللفظ.
وقالوا: خمس الهندات، (هندات) جمع (هند) وهو مُؤنَّث من حيث اللفظ ومن حيث المعنى، أو هو مشترك لكنَّه غلب استعماله في الإناث، حينئذٍ قالوا: خمس الهندات، باعتبار المعنى، لأنَّ مَصْدَق (هند) مؤنَّث، فذكَّروا له العدد، وإذا كان المعدود فيه لغتان حينئذٍ جاز الوجهان، تجريد اللفظ .. الاسم العدد من التاء واتِّصال التاء فتقول: ثلاث أحوالٍ، وثلاثة أحوالٍ.
. . . وَالْمُمَيِّزَ اجْرُرِ ... جَمْعَاً بِلَفْظِ قِلَّةٍ فِي الأَكْثَرِ
قلنا: المُراد بالجمع هنا: جمع التكسير، وبالقلَّة: الأربعة الأوزان، وقوله: (فِي الأَكْثَرِ) هذا يعود إلى النوعين: الجمع، فقد لا يكون جمع تكسير، و (بِلَفْظِ قِلَّةٍ) .. (الأَكْثَرِ) أن يكون بلفظ قلةٍ، وقد لا يكون بلفظ القِلَّة.
وذكرنا أن جمع التكسير على ثلاثة أنحاء، لأنَّه: إمَّا جمع قِلَّة، وإمَّا جمع كثرة، قد يكون لجمع التكسير جمع قِلَّة فقط، ولم يُسمع فيه جمع كثرة، وقد يكون بالعكس، وقد يكون له الجمعان.
متى نقول: (فِي الأَكْثَرِ)؟ إذا كان له جمعان: جمع قلَّة، وجمع كثرة، حينئذٍ نقول: الأفصح والأكثر: أن يُضاف اسم العدد إلى جمع قِلَّة، ولا نضيفه إلى جمع الكثرة هذا الفصيح وهذا الأكثر، إن لم يكن له إلا جمع قِلَّة فلا محال أنَّه يُضاف إلى جمع القِلَّة، وإن لم يكن له إلا جمع كثرة فلا محال أن يُضاف إلا إلى جمع الكثرة.
فتمييز الثلاثة إلى العشرة يكون جمعاً مُكَّسَّراً من أبنية القِلَّة، وقد يتخلف كل واحدٍ من هذه الثلاثة فيضاف للمفرد وذلك إن كان (مائةً) نحو: ثلاث مائةٍ وسبعمائة، وشَذَّ في الضرورة قوله:
ثَلاَثُ مِئِينٍ لِلْمُلُوْكِ وَفَى بِهَا ..
ويُضاف لجمع التَّصحيح في ثلاث مسائل -احترازا من جمع التكسير-، قد يضاف إلى جمع التَّصحيح – وهذه نسينا أن ننبه عليها بالأمس - يضاف إلى جمع التَّصحيح في ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: أن يُهمل تكسير الكلمة، يعني: لا يُسمع في لسان العرب أنَّهم كسَّروا الكلمة، يعني: ما حُفظ لها جمع تكسير، نحو: سَبْعَ بَقَرَاتٍ .. سَبْعَ سَمَوَاتٍ .. خمس صلوات، (صلوات .. صلاةٌ) جُمع بألفٍ وتاء، هل سُمع جمع تكسير للصلاة؟ ما سُمع، ليس عندنا إلا (صلوات) وهو جمع تصحيح، هو جمع تصحيح (صلوات)؟ نعم، جمع مؤنَّث سالم يُسمَّى: جمع التصحيح، كذلك: بقرات جمع بقرة، لم يُسمع تكسيره.
стр. 2382
الثانية: أنْ يُجاور ما أُهْمل تكسيره نحو: سنبلات، فإنَّه في التنزيل مجاور لسبع بقرات، يعني: قد يكون له جمع تكسير ولكنَّه يُؤتى به على صيغة جمع التَّصحيح للمجاورة، مثل تنوين مجاورة: ((سَلاسِلاً وَأَغْلالًا)) [الإنسان:٤] قلنا: (سَلاسِلا) هذا مَمنوعٌ من الصَّرف ولكنَّه نُوِّن لمجاورة (أَغْلالًا) و (أَغْلالًا) مصروف، هنا مثله، قد يُضاف إلى جمع التصحيح مع كون ذلك اللفظ له جمع تكسير، والسبب في ذلك: المجاورة .. كونه جاور اسم عدد أُضيف إلى ما أُهْمِل تكسيره كـ: (سنبلات).
والثالثة: أن يَقِل استعمال غيره، يعني: يكون له جمع تصحيح وجمع تكسير، لكنَّ الأكثر من حيث الاستعمال جمع التصحيح فحينئذٍ يُراعى فيه الأكثر، نحو: ثلاث سعادات، سُمع (سعائد) لكنَّه قليل، (سعائد) هذا جمع تكسير و (سعادات) جمع تصحيح، يُضاف إلى (سعادات) ويَجوز إضافته إلى (سعائد)، لكن الأفصح أنْ يُضاف إلى (سعادات) لأنَّه أكثر استعمالاً من (سعائد).
ويَجوز: ثلاث سعائدَ أيضاً، والمختار في الأخيرتين التَّصحيح، الذي هو: أنْ يُجاور ما أُهْمِل تكسيره المختار التصحيح، مع كونه له جمع تكسير، وكذلك أنْ يَقِلَّ استعمال غيره مع كونه له جمع تكسير، فالأفصح حينئذٍ التَّصحيح، ويَتعيَّن في الأولى التصحيح لإهمال جمع التكسير .. ليس له جمع تكسير، وإنَّما تَعيَّن ذلك لوجود جمع التَّصحيح فحسب، وإذا كان كذلك حينئذٍ يَتعيَّن.
فإن كثُر استعمال غيره ولم يُجاور ما أُهْمِل تكسيره لم يُضف إليه إلا قليلاً، يعني: إذا لم يكن واحداً من الثانية أو الثالثة، الأولى أُهْمِل تكسيره فلا بُدَّ منه، الثانية والثالثة حينئذٍ نقول: إذا لم يكن من الثانية ولا من الثالثة لم يُضف إليه إلا قليلاً .. إلى جمع التصحيح، نحو: ثلاثة أحمدين، وثلاث زينبات (زينبات) .. (زينبات) له زيانب، و (أحمدين) (أحمد .. أفعل .. أفاعل .. أحامد) حينئذٍ له جمع تكسير وله جمع تصحيح (أحمدين) هذا جمع تصحيح بياء ونون (وزينبات) جمع تصحيح بألفٍ وتاء، نقول: هذا قليل ولذلك يُقال: يُحفظ ولا يقاس عليه.
ويُضاف لبناء الكثرة في مسألتين، لأنَّه قال: (بِلَفْظِ قِلَّةٍ)، قلنا: (فِي الأَكْثَرِ) هذا احترازاً مِمَّا إذا كان جمع تكسير وأُضيف إلى جمع الكثرة، يُضاف لبناء الكثرة في مسألتين:
الأولى: أن يُهمل بناء القِلَّة فلا يُسمع، نحو: ثلاث جوارٍ، وأربعة رجال، وخمسة دراهم، (دراهم) هذا ليس له جمع قِلَّة، و (رجال) ليس له جمع قلَّة، و (جواري) ليس له جمع قلَّة، حينئذٍ لا محال أن يُضاف إلى جمع الكثرة.
الثاني: أنْ يكون له بناء قِلَّة، سُمع بناء القِلَّة وبناء الكثرة، ولكن بناء القلَّة شاذٌّ قياساً أو سماعاً، حينئذٍ سماعه كعدم سماعه، فيُنَزَّل لذلك مُنَزَّلة المعدوم كأنَّه لم يُسمع له جمع قِلَّة.
فالأول نحو: ((ثَلاثَةَ قُرُوءٍ)) [البقرة:٢٢٨] قلنا: (قُرُوءٍ) هذا جمع قرءٍ، (وقرْءٍ) جمعه جمع قِلَّة على (أقراء) هذا شاذ، ولذلك عُدل عنه في القرآن إلى (قُرُوءٍ) جمع كثرة وسُمِع (أقراء) جمع (قرءٍ) بفتح القاف وإسكان الراء لكنَّه شاذ، وحينئذٍ عُدِل إلى جمع الكثرة.
стр. 2383
فإن جمع (قرءٍ) بالفتح على (أقراء) شاذ، والثاني: ثلاثة شسوع، فإنَّ أشساعاً قليل الاستعمال، (أشساع) مسموع، ليس بشاذ لكنَّه قليل الاستعمال، أكثر منه (شسوع) وهو جمع كثرةٍ حينئذٍ يُضاف إليه.
إذاً: يُضاف إلى جمع كثرة في مسألتين:
الأولى: ألا يُسمع له جمع قلَّة.
الثانية: أن يُسمع لكنَّه قليل بالنسبة للكثرة أو شاذ، حينئذٍ يُعدل عنه إلى جمع الكثرة.
إذاً قوله:
. . . وَالْمُمَيِّزَ اجْرُرِ ... جَمْعَاً بِلَفْظِ قِلَّةٍ فِي الأَكْثَرِ
قلنا: لكل لفظٍ من هذين اللفظين جمعاً، و (بِلَفْظِ قِلَّةٍ) هذا له محترزات، (جَمْعاً) يعني: جمع تكسير، وكذلك جمع التكسير يكون (بِلَفْظِ قِلَّة)، فإن لم يكن جمع تكسير يخرج إلى جمع التصحيح في المسائل الثلاث، وإذا لم يكن بجمع قِلَّة فإنَّما يكون بجمع كثرة في المسألتين اللتين ذكرناهما.
ثُمَّ قال:
وَمِائَةً وَالأَلْفَ لِلْفَرْدِ أَضِفْ ... وَمِائَةٌ بِالجَمْعِ نَزْراً قَدْ رُدِفْ
إذاً: الثلاثة إلى العشرة والمائة يكون التَّمييز فيها مضافاً، إلا أنَّ الثلاثة إلى العشرة يكون جمعاً، والمائة والألف وما ثُنِّي منهما وجُمِع منهما كذلك يكون مضافاً لكنه مفرد.
وَمِائَةٌ بِالجَمْعِ نَزْراً قَدْ رُدِفْ ..
يعني: قليل، وحكم بعضهم عليه بالشذوذ أن يُضاف إلى الجمع، وإنَّما الأصل فيه والفصيح: أن يكون مُفرداً، إذاً بهذه الأبيات الثلاثة نقول: العدد المضاف على قسمين:
ما لا يُضاف إلا إلى جمعٍ وهو من ثلاثةٍ إلى عشرة، وعرفنا الجمع المراد به هنا.
والثاني: ما لا يُضاف إلا إلى مفرد وهو: مائةٌ وألفٌ وتثنيتهما وجمعهما، مهما جُمِع الآلاف أو المئات فإنَّما يُضاف إلى المفرد، وما سُمِع من إضافته إلى الجمع فهو خلاف الأصل.
ثُمَّ قال:
وَأَحَدَ اذْكُرْ وَصِلَنْهُ بِعَشَرْ ... مُرَكِّبَاً قَاصِدَ مَعْدُودٍ ذَكَرْ
وَقُلْ لَدَى التَّأْنِيْثِ إِحْدَى عَشْرَةْ ... وَالشِّينُ فِيهَا عَنْ تَمِيمٍ كَسْرَهْ
هذا شروعٌ منه من ذكر العدد من أحد عشر إلى تسعة عشر، وهذا ما يُسمى بالعدد المركب، الأول العدد المفرد وهذا العدد المركَّب.
وَأَحَدَ اذْكُرْ وَصِلَنْهُ بِعَشَرْ ..
يعني: قل: أحد عشر، متى؟ (قَاصِدَ مَعْدُودٍ ذَكَرْ) إذا أردت بأنَّ المعدود ذَكَر حينئذٍ تأتي بـ: (أَحَدَ عَشَرْ)، وإذا كان مؤنَّثاً حينئذٍ قلت: (إِحْدَى عَشْرَةْ) الأول: بتذكير الجزئيين والثاني بتأنيث الجزئيين: ((أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا)) [يوسف:٤] (كَوْكَبًا) هذا تمييز وهو مذكَّر، حينئذٍ تُذكِّر الجزئيين الصدر والعجز، فتقول: (أَحَدَ عَشَرَ) وتقول: إحدى عشرة امرأة (امرأة) هذا تمييز مؤنَّث، وحينئذٍ تؤنِّث له الجزئيين فتقول: (إحدى) الجزء الأول .. الصدر (عشرة) هذا العجز .. الجزء الثاني.
إذاً: أحد عشر وإحدى عشر، يكون النظر فيهما باعتبار المُميِّز، لا بُدَّ أن يكون مفرداً منصوباً كما سيأتي، وحينئذٍ تنظر إليه: إن كان هذا المفرد المنصوب مُذكَّراً ذكَّرت الجزئيين، وإن كان مؤنَّثاً أنَّثْتَ الجزئيين.
стр. 2384
(وَأَحَدَ اذْكُرْ) اذكر أحد، هذا مفعول مُقدَّم لقوله: (اذْكُرْ)، (وَصِلَنْهُ بِعَشَرْ) (بِعَشَرْ) هذا مُتعلِّق بقوله: (صِلَنْهُ)، والهاء في (صل) المتصلة بها في محل نصب مفعول به، (وَصِلَنْ) هذا فعل أمر مبني على الفتح لاتِّصاله بنون التوكيد الخفيفة.
هنا قال: (وَأَحَدَ) لفظ به مُذكَّراً، ثُمَّ قال: (بِعَشَرْ) لفظ به مُجرَّداً من التاء، إذاً: التجريد ولفظ أحد مقصودٌ في هذا التركيب، (مُرَكِّبَاً) لهما، قلنا: (مُرَكِّبَاً) يجوز فيه الوجهان، (مُرَكِّبَاً .. مُرَكَّبَاً) (مُرَكِّبَاً) على أنَّه حالٌ من فاعل (اذْكُرْ) اذْكُرْ أَحَدَ عَشَرْ وَصِلَنْهُ بِعَشَرْ، يعني: صله به حال كونك مُرَكِّبَاً لهما.
(مُرَكَّبَاً) بالفتح أيضاً حال لكنَّه من عشر، وَصِلَنْهُ بِعَشْرٍ حال كونه مركَّباً مع (أَحَدَ) (قَاصِدَ مَعْدُودٍ ذَكَرْ) اذكر أحد قاصداً حال كونك (قاصداً) إذا قصدت المذكَّر (مَعْدُودٍ ذَكَرْ) قلت: أحد عشر بغير تاء نحو: ((أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا)) [يوسف:٤].
وهمزة (أحد) مبدلةٌ من واو، وقد قيل: وحد عشر على الأصل، يعني: نُطق به وهذا فيه كشفٌ عن الأصول، وهو أصلٌ مهجور، وإن كان لغةً إلا أنَّه أصلٌ مهجور، يُقال: أحد عشر ووحد عشر، بإبدال الهمزة واو، أيُّهما أصلٌ وأيُّهما فرع؟ (أحد) فرعٌ (ووحد) هذا أصلٌ، وهذا تصريحٌ بالأصل.
وقد قيل: وحد عشر على الأصل وهو قليل، وقد يُقال: واحد عشر على أصل العدد.
إذاً: (أحد) فيه ثلاث لغات، ما هي؟ (أحد) هذا الفصيح وجاء في القرآن (وحد عشر، واحد عشر) (واحد) على الأصل: واحد .. اثنان.
إذاً:
وَأَحَدَ اذْكُرْ وَصِلَنْهُ بِعَشَرْ ... مُرَكِّبَاً قَاصِدَ مَعْدُودٍ ذَكَرْ
هذا في التذكير.
وَقُلْ لَدَى التَّأْنِيْثِ إِحْدَى عَشْرَةْ ..
(قُلْ) إذا قصدت المؤنَّث قلت: إِحْدَى عَشْرَةْ امرأةً بإثبات التاء، وقد يُقال: واحدة عشرة، يعني: بإثبات التاء، كما قيل: واحد عشر يُقال: واحدة عشر، هذا فيه ثِقل.
إذاً: (قُلْ لَدَى التَّأْنِيْثِ) إذا قصدت التأنيث (إِحْدَى عَشْرَةْ)، انظر! النَّاظم هنا نَطَق بـ (عَشْرَةْ) بإسكان الشين، وهناك قال: (وَصِلَنْهُ بِعَشَرْ) بإثبات الفتح، إذاً: الفتح يكون مع المذكَّر: أَحَدَ عَشَرْ، والتسكين .. تسكين الشين يكون مع المؤنَّث فتقول: إحدى عَشْرَة امرأة، بسكون الشين وزيادة التاء: إحدى عَشْرَة امرأة، هذه هي اللغة الفصحى.
وَالشِّينُ فِيهَا عَنْ تَمِيمٍ كَسْرَهْ ..
هذه اللغة الثانية: إحدى عَشِرَة بكسر الشين، (الشِّينُ) مبتدأ، والشين كسرةٌ فيها عن تميمٍ، ما إعراب (كَسْرَهْ)؟ الشِّينُ كَسْرَةٌ فِيهَا: مبتدأ وخبر ولذلك نطقت به على الترتيب حتى تفهم: والشِّينُ كَسْرَةٌ فِيهَا، (كَسْرَةٌ) مبتدأٌ ثاني و (فِيهَا) هذا خبر الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول.
إذاً: (وَالشِّينُ) سابقاً من (عَشْرَةْ) التي قيَّدها في البيت الثاني، والمراد به التأنيث لا التذكير، (وَالشِّينُ كَسْرَةٌ فِيهَا عَنْ تَمِيمٍ) (عَنْ تَمِيمٍ) جار مجرور متعلِّق بما تعلَّق به فيها، لأنَّه لا بُدَّ له من متعلَّقٍ يتعلَّق به.
стр. 2385
وَالشِّينُ فِيهَا عَنْ تَمِيمٍ كَسْرَهْ ..
أي: مع المؤنَّث فيقولون: إحدى عَشِرة، واثنتا عَشِرة بكسر الشين، وبعض تميم يفتحها وهو الأصل إلا أن الأفصح التسكين وهو لغة الحجاز، إذاً: الشين من عشرة بالتأنيث فيه ثلاث لغات:
-اللغة الفصحى تسكين الشين.
-وعن تميمٍ فيها كسرة يعني: تُكسر عَشِرة.
وفيها لغةٌ وهو لبعض تميم فتحها: إحدى عَشَرة .. إحدى عَشْرة .. إحدى عَشِرة، ثلاث لغات، والأفصح: التسكين وهو لغة الحجاز.
وأمَّا في التذكير فالشين مفتوحة، ولذلك ذكر النَّاظم هنا اللغة الثانية عندما قال:
وَقُلْ لَدَى التَّأْنِيْثِ إِحْدَى عَشْرَةْ ... وَالشِّينُ فِيهَا عَنْ تَمِيمٍ كَسْرَهْ
نطق بـ (إِحْدَى عَشْرَةْ) بإسكان الشين فدلَّ على أنَّها مخالفة لقوله (وَصِلَنْهُ بِعَشَرْ) فالحكم متعلِّق بالتأنيث، إذاً في التذكير الشين تكون مفتوحة.
وقد تُسْكن عين عشَر فيقال: أَحَدَ عْشَر بإسكان العين وكذلك: أخوات وهذا في المذكر لتوالي الحركات ولإفادة المبالغة في الامتزاج.
إذاً يُقال: أَحَدَ عَشَر مع المذكَّر، ويُقال: إحدى عَشْرة مع المؤنَّث، الشين من المذكَّر تكون مفتوحة لا غير، والشين من المؤنَّث الأفصح أن تكون: ساكنة كما نطق بها النَّاظم، وجوَّز لغةً أخرى وهي: لغة تميم الكسر، وفيها لغةٌ ثالثة وهي: الفتح.
وَمَعَ غَيْرِ أَحَدٍ وَإِحْدَى ... مَا مَعْهُمَا فَعَلْتَ فَافْعَلْ قَصْدَا
وَلِثَلاَثَةٍ وَتِسْعَةٍ وَمَا ... بَيْنَهُمَا إِنْ رُكِّبَا مَا قُدِّمَا
(فَافْعَلْ) هنا يبدأ الكلام (فَافْعَلْ مَعَ غَيْرِ أَحَدٍ وَإِحْدَى مَا فَعَلْتَ مَعْهُمَا قَصْدَا)، (فَافْعَلْ) الفاء زائدة (افْعَلْ مَعَ غَيْرِ أَحَدٍ وَإِحْدَى) ما هو (غَيْرِ أَحَدٍ وَإِحْدَى)؟ اثنان واثنتان إلى تسعة عشر.
وَمَعَ غَيْرِ أَحَدٍ وَإِحْدَى ..
(افْعَلْ مَعَ غَيْرِ أَحَدٍ وَإِحْدَى مَا فَعَلْتَ مَعْهُمَا) ما هو الذي فعلته معهما .. ماذا صنعت بالعشرة هناك .. وافَقَت أم خالَفَت؟ وافقت، و (أَحَدَ وَإِحْدَى) وافقت أم خالفت؟ وافقت، إذاً: وافق الجزءان هناك، وهنا حكم بالبيت الأول على الجزء الثاني وهو: العجز بأن تفعل فيه هنا (مَعَ غَيْرِ أَحَدٍ وَإِحْدَى) ما فعلته هناك من موافقة القياس، فيُذَكَّر مع المذكَّر ويُؤَنَّث مع المؤنَّث.
وأمَّا الصدر فله حكم ما قُدِّم وهو: أنَّه مخالفٌ للقياس، ولذلك قال:
وَلِثَلاَثَةٍ وَتِسْعَةٍ وَمَا ... بَيْنَهُمَا إِنْ رُكِّبَا. . . . . . . .
بعد التركيب لا قبل التركيب (مَا قُدِّمَا) وما هو الذي (قُدِّمَا)؟ مخالفة القياس.
إذاً: عندنا نظران:
تقول: ثلاث عَشَر امرأة غير صحيح، ثلاث عَشْرة امرأة .. ثلاثة عَشْرة رجلاً .. ثلاثة عَشَر رجلاً، إذاً: عَشَرة هذا يُطابق المعدود .. التَّمييز إن كان مذكَّراً: عَشَرة امرأة، ثُمَّ ثلاثة إلى التسعة التي قبل عشرة الجزء الأول تنظر إلى المرأة فإذا به واحدٌ مؤنَّث فتخالفه فتقول: ثلاث بدون تاء، لأنَّه قبل التركيب هو مخالف، ثُمَّ بعد التركيب حكمه واحد، إذاً من الثلاثة إلى التسعة حكمها مخالفة القياس قبل التركيب وبعد التركيب.
следующие страницы →