← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 36130

شرح ألفية ابن مالك للحازمي

أحمد بن عمر الحازمي

Полный текст (2 939 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وَصِلْ أوِ افْصِلْ هَاءَ سَلْنِيهِ: يعني: ثاني ضميرين أولهما أخص، وغير مرفوع، والعامل فيهما غير ناسخ للابتداء. عندنا ضميران أولهما أخص، انظر إلى (سَلْنِيهِ) الياء أخص من الهاء؛ لأننا قلنا المراتب ثلاثة: المتكلم أولاً، ثم المخاطب، ثم الغائب، الياء للمتكلم، والهاء للغائب، إذاً (سَلْنِيهِ) ضميران: الأول أخص من الثاني، وغير مرفوع. ثم العامل: سل، هذا لا ينصب مفعولين الثاني خبراً في الأصل، هذا مثل: أعطى وكسى، فحينئذٍ ينصب مفعولين الثاني ليس أصلهما خبراً، ولذلك نقول: الأول العامل فيهما في الضميرين غير ناسخ للابتداء سواء كان فعلاً نحو سلنيه وسلني إياه، حينئذٍ يجوز الوصل فتقول: سلنيه كما نطق به المصنف وقدمه؛ لأنه الأرجح عنده. ويقال على الفصل: سلني إياه، سلني: الياء أبقيتها كما هي، وإياه: الهاء هي التي فصلتها وجئت بدلها بضمير منفصل. إذاً الفعل إذا نصب ضميرين وكان متعدياً الثاني منهما ليس خبراً في الأصل، يعني هذا ليس من النواسخ، والأول -أول الضميرين- أخص من الثاني، حينئذٍ نقول على مذهب الناظم: أن الوصل أرجح من الفصل، سلنيه أرجح من سلني إياه، يجوز الوجهان، لو قال قائل: سلني إياه، هذا خالف القاعدة، نقول: هذا مستثنى من القاعدة. (وَمَا) أي: وكذا، (مَا أشْبَهَهُ) يعني: كل فعل أشبه سلنيه، يعني ثاني ضميرين أولهما أخص غير مرفوع، والعامل فيهما غير ناسخ للابتداء، العامل ليس من النواسخ .. هذا هو الفرق بين المسألة الأولى والمسألة الثانية، (كُنْتُهُ)، (خِلْتَنيهِ). المسألة الأولى: ليس العامل من النواسخ. المسألة الثانية: قال: في كُنْتُهُ الخُلْفُ انْتَمَى كَذَاكَ خِلْتَنيهِ. المسألة الثانية هي عين المسألة الأولى، إلا أن العامل يعتبر من النواسخ، هل الحكم واحد؟ المصنف اختار في المسألتين: الوصل على الفصل، (في كُنْتُهُ) يعني: في اتصال وانفصال ما هو خبرٌ لكان، أو إحدى أخواتها الخلف انتمى. في اتصال وانفصال ما هو خبر لكان، أو إحدى أخواتها الخلف، أي الاختلاف (انتمى) أي: انتسب بين النحاة. كذاك: أي مثل الخلاف الواقع في (كنته)، أو مثل الهاء من خلتنيه في اتصاله وانفصاله خلاف انتسب. يحتمل هذا أو ذاك، كذاك أي: مثل كنته في وقوع الخلاف في اتصال الضمير وانفصاله خلتنيه. خلت: هي أخت ظن، كان: ترفع المبتدأ على أنه اسم لها، وتنصب الخبر على أنه خبر لها، إذا كان الاسم والخبر ضميرين، كنته .. كنت، التاء هنا ضمير متصل مبني على الضم في محل رفع اسم كان، كنته الضمير الثاني الهاء في محل نصب خبر، كنت إياه، كنته: يجوز فيه الوجهان، لماذا؟ لأن كان هنا تعدت إلى ضميرين: الأول في محل رفع، والثاني في محل نصب، ثم هي من النواسخ، والثاني الذي هو الهاء خبر في الأصل. ظننته خلتنيه نفسه، ظننته التاء هنا في محل نصب فاعل، التاء هنا فاعل، (ني) النون هذه وقاية (وَقَبْلَ يا النَّفْسُ)، والهاء مفعول ثاني، نمشي على مثال المصنف. كذاك خلتنيه، يعني الهاء من خلتنيه في اتصاله وانفصاله خلاف انتمى.

стр. 352

في المسألتين المصنف رحمه الله تعالى قال: واتصالا أختار، اتصالا هذا مفعول مقدم، والألف للإطلاق، أختار، هذا فعل مضارع، أختار اتصالا، يعني اتصال هاء سلنيه، وهاء كنته، وهاء خلتنيه، فلا أقول: سلني إياه أرجح من سلنيه، ولا أقول: كنت إياه أرجح من كنته، ولا أقول: خلتني إياه من خلتنيه، بل العكس هو أرجح عند المصنف. غَيْرِي: سيبويه قالوا: لم يصرح به تأدباً. غَيْرِي اخْتَارَ: الانفصال على الوصل، واتصال أختار، تبعاً لجماعة من النحاة، وإن كان الجمهور على مذهب سيبويه، لكن الجمهور على مذهب سيبويه من باب إذا قالت حذام فصدقوها، كما قال ابن عقيل، هو نص على هذا، يقول: هو المشافه للعرب: وإذا قالت حذام فصدقوها، وهذا ليس بمقياس تبعاً لجماعة؛ إذ الأصل في الضمير الاختصار، هذا الأصل، حينئذٍ الرجوع إلى الأصل نقول هو الأصل، إذا كان سلنيه هذا يساند الأصل وهو الاختصار في الضمير، لماذا أرجح سلني إياه عليه؟ وكذلك كنته، إذا كان هذا يؤدي إلى الموافقة للاختصار- الأصل في وضع الضمائر-، لماذا أرجح كنت إياه عليه، وكذاك خلتنيه، ولأنه وارد في الفصيح قال ﷺ : ﴿إن يكنه فلن تسلط عليه، وإلا يكنه فلا خير لك في قتله﴾ هنا جاء الوصل. الصواب في المسألة أن يقال: ورد الوصل وورد الفصل، يعني ورد الأمران. بعضهم رأى أن الأكثر في لسان العرب هو الوصل فرجحه، وبعضهم نظر ورأى أن الفصل هو الأكثر في لسان العرب، وعليه رجح الفصل على الوصل كما هو مذهب سيبويه، إذاً جاء في فصيح الكلام، ولذلك جاء ((فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ)) [البقرة:١٣٧] ليس في السنة فحسب، ((فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ)) [البقرة:١٣٧]، وجاء: ((أَنُلْزِمُكُمُوهَا)) [هود:٢٨]، ((إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا)) [محمد:٣٧] كلها أمثلة للمقام الذي نحن فيه. غَيْرِي اخْتَارَ الانْفِصَالا: غيري -سيبويه ﵀ والجمهور- اختار الانفصال على الوصل، لكونه في الصورتين خبراً في الأصل، في الصورتين كنته، وخلتنيه خبراً في الأصل، ما يتأتى في الأولى ولو بقي على ما كان لتعين انفصال كما تقدم، يعني كأنه يقول: تعارض عندنا أصلان: الأصل هو اتصال الضمير، والأصل هو انفصال الخبر، أيهما أولى بالترجيح؟ قال: الخبر لو لم يرد ضميراً وجاء اسماً ظاهراً لكان منفصلاً؛ لأنه الأصل فيه. فكأنه جعله مستثنى من متابعة الأصل، ابن مالك رحمه الله تعالى رأى أنه وجد في القرآن في أمثلة عديدة وورد في لسان العرب في أمثلة عديدة، فرجح الاتصال مع جواز الانفصال، ورجح سيبويه الانفصال مع جواز الاتصال. قال ابن عقيل -حتى تفهم المسألة-: أشار في هذين البيتين إلى المواضع التي يجوز أن يؤتى فيها بالضمير منفصلاً مع إمكان أن يؤتى به متصلاً، فأشار بقوله: سلنيه إلى ما يتعدى إلى مفعولين الثاني منهما ليس خبراً في الأصل، وهما ضميران، واضح هذه العبارة؟ سلني إياه، سلنيه، هذا ضابط المسألة أن يقال: فعل يتعدى إلى مفعولين الثاني -وهو الهاء- ليس خبراً في الأصل وهما ضميران. ابن هشام في التوضيح عبر بأسلوب آخر فقال: أن يكون عامل الضمير عاملاً في ضمير آخر.

стр. 353

عامل الضمير سلني، سل .. عمل في الياء وعمل في ضمير آخر –نفسها-، أعرف منه مقدم عليه، يعني الأول أعرف من الثاني وهو مقدم عليه، وليس مرفوعاً، هذا قيد؛ لأنه إن كان مرفوعاً وجب الوصل (ضربته) وجب الوصل هنا، وهنا سلنيه الضميران ليسا مرفوعين. ولو كان غير أعرف وجب الفصل تقول: أعطاه إياك، أو أعطاه إياي، أو أعطاك إياي، يجوز هذا وذاك، بل هو رأى الوجوب. فالوصل هنا أرجح في سلنيه؛ إذ العامل فعل غير ناسخ كهاء سلنيه، ومثَّل بقوله: ((فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ)) [البقرة:١٣٧]، ((إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا)) [محمد:٣٧]، ((أَنُلْزِمُكُمُوهَا)) [هود:٢٨]. وإن كان فعلاً ناسخاً -وهو المسألة الثانية- نحو: خلتنيه، فالأرجح عند الجمهور الفصل، أخي حسبتك إياه، عند الناظم الوصل. إذاً قال ابن عقيل: ما يتعدى إلى مفعولين الثاني منهما ليس خبراً في الأصل، وهما ضميران نحو: الدرهم سلنيه، الدرهم مبتدأ، وسلنيه تعرب الجملة خبر، فيجوز لك في هاء سلنيه الاتصال نحو: سلنيه والانفصال نحو: سلني إياه، وكذلك كل فعل أشبهه نحو: الدرهم أعطيتكه وأعطيتك إياه. لذا قال: وَما أَشْبَهَهُ، يعني: وكذا كل فعل أشبه سلنيه، وليس الفعل خاص بسلني فحسب، بل المسألة مطردة. وظاهر كلام المصنف أنه يجوز في هذه المسألة الانفصال والاتصال على السواء، وهو ظاهر كلام أكثر النحويين، وظاهر كلام سيبويه أن الاتصال فيها واجب وأن الانفصال مخصوص بالشعر. هذه المسألة الأولى. المسألة الثانية: أن يكون منصوباً بكان أو إحدى أخواتها، أو أن يكون العامل -كما عبر ابن هشام- أن يكون ناسخاً، فيشمل كان ويشمل ظن وأخواتها. وأشار بقوله: فِي كُنْتُهُ الْخُلْفُ انْتَمَى، إلى أنه إذا كان خبر كان وأخواتها ضميراً فإنه يجوز اتصاله وانفصاله واختلف في المختار منهما فاختار المصنف الاتصال نحو: كنته واختار سيبويه الانفصال نحو: كنت إياه (الصديق كنته وكنت إياه). الصديق كنتَه يعني: أنتَ، وكنت إياه. وكذلك المختار عند المصنف الاتصال في نحو: خلتنيه: كل فعل تعدى إلى مفعولين الثاني منهما خبر في الأصل وهما ضميران. ومذهب سيبويه أن المختار في هذا أيضاً الانفصال نحو: خلتني إياه ومذهب سيبويه أرجح؛ لأنه هو الكثير في لسان العرب على ما حكاه سيبويه عنهم وهو المشافه لهم .. إلى آخر ما قاله. وهنا لافتة أن الناظم رحمه الله تعالى وافق في التسهيل سيبويه، هنا خالفه في مسألة ووافقه هناك في التسهيل، وافق الناظم في التسهيل سيبويه على اختيار الانفصال في باب خلتنيه، قال: لأنه خبر مبتدأ في الأصل، وقد حجزه عن الفعل بمنصوب آخر بخلاف هاء كنته، فإنه خبر مبتدءٍ في الأصل، ولكنه شبيه بهاء ضربته في أنه لم يحجزه إلا ضمير مرفوع، والمرفوع كجزء من الفعل. إذاً المسألة جائزة بكلا الوجهين إلا أن الترجيح أيهما أرجح، هذه مسألة نظر. وَقَدِّمِ الأَخَصَّ فِي اتِّصَالِ ... وَقَدِّمَنْ مَا شِئْتَ فِي انْفِصَالِ هذا يتعلق بالمسألة السابقة أيضاً، ضمير المتكلم أخص من ضمير المخاطب، وضمير المخاطب أخص من ضمير الغائب، فإن اجتمع ضميران منصوبان أحدهما أخص من الآخر، تقدم أياً فيها؟

стр. 354

يقول: وَقَدِّمِ وجوباً، الأَخَصَّ يعني: الأعرف على غيره، قدمه على غيره، فِي اتِّصَالِ يعني: في الضميرين في الأبواب الثلاثة على غير الأخص منهما وجوباً، يعني في المسائل السابقة، سلنيه، وكنته، وخلتنيه. حينئذٍ نقول: قد يأتي ضميران أحدهما أعرف من الثاني حينئذٍ وجب تقديم الأخص، فيقدم المتكلم على المخاطب، والمخاطب يقدم على الغائب. وَقَدِّمِ: هذا أمر، وهو يقتضي الوجوب. الأَخَصَّ: يعني الأعرف على غيره، في ماذا؟ في حال اتصال الضمائر السابقة. فقدم ضمير المتكلم على ضمير المخاطب، وضمير المخاطب على ضمير الغائب كما في سلنيه وأعطيتكه. أعطيت: فعل وفاعل، أعطيتكه: الكاف خطاب، وهو غائب، أعطيتهُك يصح؟ لا يصح؛ لأنك قدمت ماذا؟ الغائب على الخطاب. وكنته، وخلتنيه، وظننتُكَهُ، فلا يجوز تقديم الهاء على الكاف، ولا الهاء ولا الكاف على الياء في الاتصال. وَقَدِّمَنْ مَا شِئْتَ في انْفِصَالِ: هذا إذا أوصلت كنته، خلتنيه، أما إذا فصلت عن الراء الثاني سلني إياه، وخلتني إياه .. حينئذٍ قدمن ما شئت، هذا جواز، يعني: يجوز لك أن تقدم الأعرف على ما هو دونه. وَقَدِّمَنْ مَا شِئْتَ -من الأخص أو غيره- في انْفِصَالِ يعني: في حال الانفصال -انفصال الضمير- لكن بشرط عند عدم اللبس، يعني إذا أمن اللبس قدم ما شئت، وإذا لم يؤمن اللبس حينئذٍ يجب أن تقدم الأعرف الأخص على غيره، الناظم هنا أطلق فينبغي تقييده. فتقول: الدرهم أعطيتكه، وأعطيتنيه .. بتقديم بتقديم الكاف والياء على الهاء؛ لأنه أخص من الهاء؛ لأن الكاف للمخاطب، والياء للمتكلم، والهاء للغائب، ولا يجوز تقديم الغائب مع الاتصال، فلا تقول: أعطيتُهُك، هذا غلط لا يصح، فإن فصل أحدهما كنت بالخيار –مخير- بين ذا وذاك، فإن شئت قدمت الأخص فقلت: الدرهم أعطيتك إياه، وأعطيتني إياه .. (أعطيتك إياه) قدمت المخاطب على الغائب، (أعطيتني إياه) قدمت المتكلم على الغائب، وإن شئت قدمت غير الأخص فقلت: أعطيته إياك (أعطيته) غائب، (إياك) على المخاطب، يجوز هذا ويجوز ذاك. وإليه أشار بقوله: وَقَدِّمَنْ مَا شِئْتَ في انْفِصَالِ، وهذا الذي ذكره ليس على إطلاقه، بل إنما يجوز تقديم غير الأخص في الانفصال عند أمن اللبس، فإن خيف لبس لم يجز، فإن قلت: زيد أعطيتك إياه، لم يجز تقديم الغائب، زيد أعطيته إياك، زيد أعطيتك إياه، زيد آخذ أو مأخوذ؟ زيد أعطيتك إياه زيد، طيب لو قدمت وأخرت زيد أعطيته إياك، زيد صار آخذ، أعطيته، أعطيت زيد إياك .. لذلك هذه المباحث قليلة –وجودها قليل- وإن وجد في القرآن لكن معانيها واضحة. وَفِي اتِّحَادِ الرُّتْبَةِ الْزَمْ فَصْلاَ ... وَقَدْ يُبِيحُ الْغَيْبُ فِيهِ وَصْلاَ وَفِي اتِّحَادِ الرُّتْبَةِ: يعني رتبة الضميرين: أولاً: في التخالف، ضمير متكلم وضمير مخاطب، لو جاء هنا الضميران لمتكلم، والضميران لمخاطب، أو الضميران لغائب، قال: (وَفِي اتِّحَادِ الرُّتْبَةِ) إذا اتحدا كل من الضميرين في رتبة واحدة، متكلم أو مخاطب، قال: الْزَمْ فَصْلاَ، يجب ماذا؟ الفصل.

стр. 355

وَفِي اتِّحَادِ الرُّتْبَةِ: أي: رتبة الضميرين، وهو ألا يكون فيهما أخص، ما يكون بينهما تخصيص، كل منهما مرتبة واحدة، بأن يكونا معاً ضميري تكلم أو خطاب أو غيب. الْزَمْ فَصْلاَ: وجب الفصل (الْزَمْ فَصْلاَ) الألف للإطلاق، يعني وجب الفصل. فتقول: أعطيتني إياي، وأعطيتك إياك، ولا يجوز اتصال الضميرين، فلا تقول: أعطيتني ني. وَقَدْ يُبِيحُ الْغَيْبُ فِيهِ وَصْلاَ: (وَقَدْ يُبِيحُ الْغَيْبُ) يعني ضمير الغائب. (فِيهِ): في الاتحاد. (وَصْلاَ): أي قد يباح الوصل متى؟ إن كان الاتحاد في الغيبة قد يبيح ... ، كأنه استثنى من الشطر الأول (وَفِي اتِّحَادِ الرُّتْبَةِ) مطلقاً لمتكلم أو مخاطب أو غائب (الْزَمْ فَصْلاَ) استثنى من هذا فيما إذا كان الضميران لغيبة، كل منهما لغائب، إذاً بقي ضميرا المتكلم والمخاطب على الأصل، أنه يجب الفصل. (وَقَدْ يُبِيحُ) أي: كونهما للغيبة (وَقَدْ يُبِيحُ الْغَيْبُ) الإباحة هنا بعد منع، حينئذٍ صار للجواز. (وَقَدْ يُبِيحُ الْغَيْبُ) يعني ضمير الغائب، (فِيهِ): في الاتحاد (وَصْلاَ): أي قد يباح الوصل إن كان الاتحاد في الغيبة، واختلف لفظ الضميرين، وهذا اشترطه المصنف في غير هذا الكتاب، وأما هنا فأطلق. (وَقَدْ يُبِيحُ الْغَيْبُ) أي: الضمير -ضمير الغائب- (فِيهِ وَصْلاَ) فحينئذٍ سواء اتفقا أم اختلفا، لكنه اشترط اختلاف الضميرين في غير هذا الكتاب، وشرط الناظم أن يختلف لفظاهما، فإن اتفقا في الغيبة وفي التذكير والتأنيث، وفي الإفراد والتثنية أو الجمع، ولم يكن الأول مرفوعاً، وجب كون الثاني بلفظ الانفصال نحو: فأعطاه إياه، فأعطاهَهَ .. فأعطاه إياه. (وَقَدْ يُبِيحُ الْغَيْبُ فِيهِ وَصْلاَ). معَ اختلافِ مَا ونحو ضمِنتْ ... إياهُم الأَرض الضرورةُ اقتضتْ هذا البيت مختلف فيه هل هو من الألفية أو لا، لكن الصواب أنه ليس من الألفية، والسيوطي ﵀ في البهجة شرحه على أنه من الألفية، والصواب أنه ليس من الألفية، ولذلك قال هنا: وربما أثبت هذا البيت في بعض نسخ الألفية وليس منها؛ لأن فيه تكرار، ثم ما يوافق بقية سبك النظم. إذاً يشترط يشترط اختلافه لفظ الضميرين، وإليه أشار بقوله في الكافية: مع اختلاف ما، يعني لا بد أن يكون بين الضميرين اللذين يجوز أو يباح الفصل بينهما في الغيب أن يكون بينهما اختلاف، ألا يكون متحدين إفراداً وتثنية وجمعاً، بل لا بد أن يكون أحدهما مفرد والثاني مثنى، أو العكس أو أحدهما مذكر والثاني مؤنث، والأمثلة موجودة. قال ﵀: وَقَبْلَ يَا النَّفْسِ مَعَ الْفِعْلِ التُزِمْ ... نُونُ وِقَايَةٍ وَلَيْسي قَدْ نُظِمْ (وَقَبْلَ يَا النَّفْسِ) هذا أحكام ياء المتكلم، ياء المتكلم سهلة، هذه واضحة محفوظة. ياء المتكلم قلنا هذه ضمير باتفاق، يعني ليست بحرف، ياء المتكلم من الضمائر المشتركة كما سبق بين محلي النصب والخفض، وَلَفْظُ مَا جُرَّ كَلَفْظِ مَا نُصِبْ. حينئذٍ نقول: ضمير ياء متكلم إني، ولي، وبي .. هذا جاء في محل نصب وفي محل جر.

стр. 356

ياء المتكلم من الضمائر المشتركة كما سبق بين محلي النصب والخفض، -الكلام على النصب، ويأتي الكلام على الخفض- فإن نصبها فعل، أو اسم فعل، أو ليت وما شاكلها، وجب قبلها نون الوقاية، إذا نصب ياء المتكلم، نصبها لأنها ضمير في محل نصيب، إن نصبها فعل مطلقاً ماضياً، أو مضارعاً، أو أمراً، أو فعل دراكني، أو ليت وما يعمل عمل ليت، حينئذٍ وجب أن يفصل بين العامل واحد من هذه الثلاث، وبين الياء بنون تسمى نون الوقاية، والوقاية هذه مأخوذة من وقى يقي، أصلها وقوا، والمراد بها المنع؛ لأنها وقت ومنعت الفعل عن الكسر، والأصل في العمل هو للأفعال؛ لأنه كما تقرر أن الفعل لا يدخله كسر ولا ضم، حينئذٍ إذا قيل أكرمِي، إذا نصبتها فعل ماضي أكرمَ، وأردت أن تخبر في المعنى بأن الكرم قد وقع عليك، الأصل أن تقول: أكرمِي، لزم أن يكون ما قبل الياء التي هي مفعول به مكسور، حينئذٍ يحتاج إلى فاصل. أتوا بالنون، هذه النون تسمى نون الوقاية، وقت الفعل عن الكسر، فتحملت هي الكسر قالت: أنا له، ويبقى الفعل سالماً عن الكسر، ولذلك سميت بهذا الاسم. (يَا النَّفْسِ) يعني ياء المتكلم، وتسمى ياء النفس. (وَقَبْلَ يَا النَّفْسِ مَعَ الْفِعْلِ) إذا كانت مع الفعل مطلقاً سواء كان الفعل ماضياً: أكرمني، أو مضارعاً: يكرمني، أو أمراً: أكرمني مطلقاً نقول: التزم. وَقَبْلَ يَا النَّفْسِ: إذا كانت مع الفعل احترز به عما كانت مع الاسم أو الحرف، فلا يلزم معها نون الوقاية في غير ما سيأتي، ليس مطلقاً، فحينئذٍ المفهوم هنا، قَبْلَ يَا النَّفْسِ مع الفعل له مفهوم، مفهومه: أنه لا يلتزم بنون الوقاية مع غير الفعل والصادق بالحرف والاسم، لكنه ليس على إطلاقه. فالمفهوم مخصص بما سيأتي. (وَقَبْلَ يَا النَّفْسِ مَعَ الْفِعْلِ التُزِمْ) (مع الفعل) مطلقاً، متصلة بـ: التزم، نون وقاية، التزم: هذا فعل مغير الصيغة. (نُونُ وِقَايَةٍ) هذا نائب فاعل. إذا اتصل بالفعل ياء المتكلم لحقته لزوماً وجوباً نون تسمى نون الوقاية، وسميت بذلك لأنها تقي الفعل من الكسر، وذلك نحو أكرمني، ويكرمني، وأكرمني، وقام القوم ما خلاني، ما خلاني هذا جاءت مع أفعال الاستثناء خلى، وما عداني، وحاشاني، إن قدرتهن أفعالاً؛ لأن الفعل في نحو ما عداني نقول: (ما) هنا مصدرية، فالفعل بعدها يتعين أن يكون فعلاً، وإذا تعين أن يكون فعلاً فحينئذٍ تنصب وترفع، وفاعلها يكون مستتراً واجب الاستتار، وإذا نصبت مفعولاً به وهو ياء المتكلم حينئذٍ وجب الاتصال، فإذا وجب الاتصال حينئذٍ وجب كسر ما قبل ياء المتكلم الذي هو آخر الفعل، فحينئذٍ لزم أن يؤتى بـ: نون تسمى نون الوقاية، وتقول: ما أفقرني إلى عفو الله، (ما): تعجبية، وأفقر: فعل ماضي، ما أفقر زيداً، حينئذٍ: ما أفقرني، إذا أراد أن ينصب به ليس اسماً ظاهراً وإنما ياء المتكلم، حينئذٍ وجب أن تتصل به نون الوقاية على الصحيح من أن أفقر فعل لا اسم. وأما اسم الفعل دراكني بمعنى: أدركني، دراكني يا زيد يعني: أدركني، حينئذٍ دراكني نقول: الياء هذه منصوبة بدراك، وهو اسم فعل، اتصلت به الياء لأنه ضمير متصل فيجب الاتصال، فحينئذٍ جيء بنون الوقاية.

стр. 357

(وَلَيْسي قَدْ نُظِمْ): ليس هذا فعل، نصب يا النفس، حينئذٍ الأصل أن يقال: ليسني، هذا الأصل طرداٌ للقاعدة. وَقَبْلَ يَا النَّفْسِ مع الفعل مطلقاً، وليس فعل، إذاً إذا نصبت ياء المتكلم، حينئذٍ وجب أن تتصل بها نون الوقاية، لكن سمع في الشعر شذوذاً ليسي على حذف نون الوقاية، واتصال الياء بدون نون الوقاية (وَلَيْسي قَدْ نُظِمْ) ليس المراد به تجويس ألا تتصل نون الوقاية بالفعل إذا نصبها ياء المتكلم، وإنما المراد التنصيص على أنه قد نظم، يعني جاء في الشعر خاصة. حينئذٍ يحكم عليه بأنه شاذ يحفظ ولا يقاس عليه. (وَلَيْسي) بلا نون الوقاية (قَدْ نُظِمْ)، كما قال الشاعر: عَدَدْتُ قَوْمي كَعَديدِ الطَّيْسِ ... إذْ ذَهَبَ القَوْمُ الكرامُ ليْسي هذا الشاهد ليسي، هذا نظم، وهو شاذ وسهله، سهل هذا الشذوذ أنه فعل جامد لا يتصرف، فأشبه الاسم كغلام، غلامي، ليسي، غلام اسم جامد، وليس فعل جامد، كأنه قاسه عليه. وكذلك ليس بمنزلة غيري في المعنى .. ليسي، غيري، كأنه قاسه عليها لأن غير لا تدخلها نون الوقاية. وغير لا تتصل بها نون الوقاية، إذا وصلت بياء المتكلم. إذاً: نقول الذي سوغ له أن يأتي بالياء متصلة دون نون الوقاية بليس، أنها لا تتصرف وأشبهت الحروف الآتي ذكرها. (وَلَيْسي قَدْ نُظِمْ) ولذلك سمع: عليه رجلاً ليسني، سمع هكذا: عليه رجلاً، يعني يلزمه، رجلاً ليسني: أي ليلزم رجلاً غيري، -هذا يعتبر لغز- إذاً: عليه رجلاً ليسني: أي ليلزم رجلاً غيري. قال ابن عقيل: واختلف في أفعل في التعجب هل تلزمه نون الوقاية أم لا؟ وهذا الخلاف مبني على خلاف آخر: هل أفعل التعجب اسم أم فعل؟ هذا يأتي في محله والصواب: أنه فعل، بدليل اتصال نون الوقاية به، كما سيأتي في محله. وَلَيْتَني فَشَا وَلَيْتي نَدَرَا فِي الْبَاقِيَاتِ وَاضْطِرَاراً خَفَّفا ... وَمَعْ لَعَلََّ اعْكِسْ وَكُنْ مُخَيَّرَا مِنِّي وَعَنِّي بَعْضُ مَنْ قَدْ سَلَفََا حينئذٍ لما اتصلت نون الوقاية بما سبق، والعامل هو الفعل كما ذكرناه، والعامل هو اسم الفعل، والعامل أيضاً قلنا: هو الفعل، واسم الفعل (دراكني)، وأفعل التعجب. إذا نصبت ياء المتكلم بحرف كليت ولعل، المسألة نقلية سماعية، هل الأصل دخول نون الوقاية بين ليت والياء أو الأصل العدم؟ قلنا ما علة وجود نون الوقاية مع الفعل؟ تقي الفعل الكسر، العلة موجودة في الحروف؟ لا؛ لأن الحرف لا يمنع من الكسر، بل يبنى على الكسر ويبنى على السكون، ويبنى على الفتح، ويبنى على الضم .. كما ذكرناه. وَمِنْهُ ذُو فَتْحٍ وذُو كَسْرٍ وَضَمْ ... كَأَيْنَ أَمْسِ حَيْثُ وَالسَّاكِنُ كَمْ حينئذٍ الحرف يدخله الكسر، إذاً الأصل عدم الدخول أو الدخول نون الوقاية للحرف؟ الأصل عدم الدخول. إذاً المسألة سماعية نقلية. وَلَيْتَني: إذاً حكم نون الوقاية مع الحروف. وَلَيْتَني فَشَا: يعني كثر، ليتني بثبوت النون إذا نصبت ياء المتكلم ليت، هذه تعمل عمل إن، حينئذٍ تنصب ياء المتكلم فتكون في محل نصب، ياء المتكلم يلزم ما قبله أن يكون مكسوراً، وليت مبنية على الفتح، وقد يقال: لا بأس أنه ينقل من الفتح إلى الكسر للمناسبة؛ لأن الكسر يدخل الحرف.

стр. 358

وَلَيْتَني فَشَا: بثبوت النون أي: كثر وذاع؛ لمزيتها على أخواتها في الشبه بالفعل؛ لأن ليت إنما تعمل عمل إن، والأصل في النصب والرفع أن يكون للفعل كما سيأتي في محله. ليت: هذا في قوة أتمنى، فلما فسّرت بالفعل حينئذٍ إذا نصبت ياء المتكلم فالفعل تلحقه نون الوقاية مثله: ليت. لمزيتها على أخواتها في الشبه بالفعل، يدل على ذلك سماع إعمالها مع زيادة ما كما سيأتي. وَلَيْتَني فَشَا: أي: كثر، بل جاء في القرآن كما في قوله تعالى: ((يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ)) ((يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي)) جاء بإثبات النون وهو كثير، وهل جاء في القرآن بدون نون؟ لم يرد، لم يرد ليتي، وإنما الكثير في لسان العرب ثبوتها، وبه ورد القرآن. وَلَيْتَني فَشَا وَلَيْتي نَدَرا: (ليتي) يعني بدون نون، (ندرا) مراده: شذ، ومنه قول الشاعر: كَمُنْيَةِ جَابِرٍ إِذْ قَالَ لَيْتِي ... أُصَادِفُهُ وَأَفْقِدُ جُلَّ مَالِي ليتي: جاء بياء المتكلم متصلة بالحرف وهي ناصبة لها بدون نون الوقاية. وَلَيْتَني فَشَا، (وليتي) بدون نون (ندرا): أي: شذ. وَمَعْ لَعَلََّ اعْكِسْ، اعكس مع لعل فقل: لعلي كثر، ولعلني ندرا، اعكس في القلة والكثرة. وَمَعْ لَعَلََّ اعْكِسْ: يعني هذا الأمر، فتجريدها من النون كثير، ((لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ))، به جاء القرآن، فتجريدها من النون كثير؛ لأنها أبعد من الفعل لشبهها بحرف الجر واتصالها بها قليل، يعني نون الوقاية بها قليل. إذاً: وَمَعْ لَعَلََّ اعْكِسْ: يعني: لعلني، هذا قليل، ولعلي هذا كثير. ثبوت نون الوقاية مع لعل أكثر من حذفها مع ليت، وحذف النون من ليت أقل من إثباتها في لعل. فالمرد ليس عكساً بالمعنى المساوي ولكن أي عكسها بجامع القلة فقط، ومع قلته هو أكثر من ليتي، هو قليل: ليتني، هذا قليل إلا أنه مع قلته هو أكثر من ليتي، المراد أن اتصال النون بلعل هذا قليل، وخلوه عن النون كثير، بقطع النظر عن ليتي قليل، ولعلني قليل، أيهما أكثر؟ ليس مراد الناظم هذا. وَكُنْ مُخَيَّرَا ... فِي الْبَاقِيَاتِ: البقايات ما هي؟ أخوات إن: إن، وأن، وكأن، ولكن .. إذا نصبت ياء المتكلم إنني، وإني، بحذف إحدى النونين كراهة الأمثال، كأنني، كأني، أني أنني، لكنني لكني، يجوز فيها الوجهان، ولذلك سوى بينهما، وكن: أيها المتكلم أو الحاكم مخيراً في إلحاق النون وعدمها، قال الفراء: عدم إلحاق النون هو الاختيار، يعني اختار أنه لا تلحق النون في هذه الباقيات الأربعة، دون ليت ولعل. وَمَعْ لَعَلََّ اعْكِسْ وَكُنْ مُخَيَّرَا فِي الْبَاقِيَاتِ: في الباقيات التي هي: إن، وأن، ولعل. فتقول: إني، وإنني، وأني وأنني، وكأني وكأنني، ولكني ولكنني، وعلة الحذف هي: التخفيف. هذا إن نصبت ياء المتكلم بالحرف، إذاً ياء المتكلم قلنا تأتي في محل نصب وتأتي في محل خفض، إن جاءت في محل نصب إما فعل، وإما اسم فعل، وإما أفعل التعجب، وإما حرف .. عرفنا أحكامها، إذا خفضت ما الحكم؟ قال: واضْطِراراً خَفَّفا ... مِنِّي وَعَنِّي بَعْضُ مَنْ قَدْ سَلَفََا

стр. 359

خَفَّفا ... بَعْضُ مَنْ قَدْ سَلَفََا: من العرب من الشعراء، خففوا ماذا؟ خففوا نون منِّي، فقالوا: مني، وعنّي فقالوا: عني، فالأصل حينئذٍ إذا كان اضطراراً التخفيف فالأصل ماذا؟ الأصل التشديد، يعني أن يؤتى بنون الوقاية من، ثم جاءت ياء المتكلم جررتها قلت: مني، هذا الأصل، لكن نقول هنا: يجب –سماعاً-، يجب اتصال الحرف بنون الوقاية، حينئذٍ اجتمع عندنا نونان: من، ثم النون -نون الوقاية-، أدغمت الأولى في الثانية فقلت: منّي، وعن مثله عنّي. واضْطِراراً: يعني لا في سعة الكلام، ليس في الاختيار، بل هو في الشعر خاصة. واضْطِراراً خَفَّفا: يعني: خففوا بحذف إحدى النونين التي هي نون الوقاية. مِنِّي وَعَنِّي: فقالوا: مني وعني. بَعْضُ مَنْ قَدْ سَلَفََا: من الشعراء. ولذلك حفظ عنهم: أَيُّها السّائلُ عنهُمْ وعَني ... لَسْتُ من قَيْسِ ولا قَيْسُ مِني قيل: هذا مصنوع، لكن إن ثبت حينئذٍ يكون مستثنى. إذاً انخفض الياء بحرف، فإن كان من أو عن وجبت النون، إن كان الخافض لياء المتكلم من وعن، حينئذٍ وجبت النون إلا في الضرورة على ما ذكره الشاعر، وإن كان غيرهما امتنعت يعني: لو قال: (لي) جرها بماذا؟ باللام، هل يجب أن يؤتى بنون الوقاية؟ نقول: لا، يمتنع هنا لا يجوز، إذا جرت الياء ياء المتكلم بحرف جر غير (من وعن)، يمتنع دخول نون الوقاية، فتقول: لي، وبي، وعداي، وحاشاي. إذاً: إذا جرت بحرف جر ننظر إن كان من وعن، وجبت النون، ولا يجوز حذفها إلا في ضرورة الشعر واضْطِراراً خَفَّفا مِنِّي وَعَنِّي: تعلم أن الحكم هنا مخصص بهذين الحرفين، ما عداهما يمتنع دخول نون الوقاية عليها، ولا تخفف إلا في الشعر خاصة، هذا حرف الجر، إن خفضت ياء المتكلم بمضاف ليس بحرف جر، هو الذي عناه بقوله: وَفِي لَدُنِّي لَدُني قَلَّ وَفِي ... قَدْني وَقَطْنِي الْحَذْفُ أيْضاً قَدْ يَفِي إن كان الخافض للياء مضافاً فإن كان: لدن، أو قط، أو قد .. -هذه ثلاث- هي التي نص عليها، كل ما نص عليه في هذا الباب هو الذي يتعلق به الحكم، وما لم ينص عليه -حتى تضبطها- ما لم ينص عليه تنفي عنه. هنا إذا أضيفت ياء المتكلم، المضاف إما أن يكون: لدن، أو قد، أو قط .. -هي التي ذكرها الناظم- ما عداها الحكم على المنع، فإن كان المضاف لدن أو قط أو قد، فالغالب الإثبات ويجوز الحذف قليلاً. لدني، قدني، قطني: هذا هو الغالب، وأما الحذف لدن لدني، هذا ليس إثبات، هذا حذف لدنّي هذا الإثبات؛ لأن لدن مختومة بنون، ثم إذا جاءت النون نون الوقاية أدغمت فيها، فلدني هذا بنون الوقاية، قدني قطني بنون الوقاية، قدي قطي، هذا بدون نون الوقاية. إذاً أيهما أكثر؟ الإثبات، والحذف قليل، ولا يختص بالضرورة خلافاً لسيبويه وإن كان غيرهن، -يعني غير هذه الأمثلة الثلاثة: لدن، وقد، وقط- امتنعت نحو: أبي، وأخي، وحمي .. هذه لا يؤتى بنون الوقاية، لماذا؟ لأنها ليست من الثلاث هكذا تعلل، ليست من الثلاث، وإنما إذا جرت أو خفضت ياء المتكلم بمضاف لا يؤتى بنون الوقاية إلا في ثلاث محال، ثم إذا جيء بها واتصلت بها الإثبات أكثر من الحذف فيجوز، ما عدا هذه فالسماع عدم الإتيان بنون الوقاية. امتنعت نحو: أبي وأخي.

стр. 360

وَفِي لَدُنِّي لَدُني قَلَّ: كأنه قال: وقل في لدُنّي لدني، وقل: نحن نقول الإثبات كثير، والحذف قليل، وقل في لدنّي لدني. إذاً الكثير هو لدنّي، وبه قرأ السبعة في قوله: ((قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا)) [الكهف:٧٦] ^ ويقل حذفها كقراءة من قرأ ((من لدُني)) بالتخفيف، وفي قدني وقطني بمعنى: حسبي، ليست مطلقاً، وإنما بمعنى حسب احترازاً من قد الحرفية، فإنها لا تدخل عليها من، ولو جرت، قدي نقول: هذه حرفية. قد الحرفية، وقط الظرفية لا تتصل بهما ياء المتكلم -على خلاف- لا تتصل بهما ياء المتكلم، وقد وقط في كلام الناظم اسما فعل بمعنى: يكفي. فإن نون الوقاية تلزمهما عند اتصال الياء بهما، وفي الحديث ﴿قط .. قط وعزتك﴾ بالإسكان، يروى بسكون الطاء وبكسرها مع ياء ودونها، ويروى ﴿قطني .. قطني﴾، و ﴿قط .. قط﴾ يروى بهذا وذاك. إذاً: وَفِي لَدُنِّي لَدُني قَلَّ: قل القليل هذا قرأ به نافع ((من لدني))، وفي إلحاق النون بقدني وقطني بمعنى: حسبي كثير. الْحَذْفُ أيْضاً: آض يئيض أيضاً نرجع إلى ذكر الحذف قلة وكثرة. قَدْ يَفي: قد هنا للتقليل، يعني قد يأتي، وأشار بقد إلى قلة الحذف لكنه ليس من الضروريات. قال الشارح: أشار بهذا إلى أن الفصيح في لدني إثبات النون، هذا هو الفصيح، وبه قرأ الستة، كقوله تعالى: ((قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً)) ويقل حذفها، لكن القلة ليست على جهة الشذوذ، وإنما هي لغة، وقرأ بها نافع وقراءته معتبرة، كقراءة من قرأ من لدني بالتخفيف. والكثير في قد وقط ثبوت النون نحو: قدني، وقطني، ويقل الحذف نحو قدي وقطي أي حسبي وقد اجتمع الحذف والإثبات في قوله: قَدْني مِنْ نَصْرِ الخُبَيْبَيِنِ قَدِي ... لَيْسَ الإِمامُ بالشَّحِيحِ الملْحِد والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ...

стр. 361

عناصر الدرس * شرح الترجمة (العلم) ـ * أقسام العلم من حيث التسمية * أقسام العلم من حيث (الوضع وغيره) ـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: سبق البيت الأخير الذي ذكرناه في المعرفة والنكرة: وَفِي لَدُنِّي لَدُنِي قَلَّ وَفِي ... قَدْنِي وَقَطْنِي .... قلنا: قد وقط اسم بمعنى حسب، وسبق أنها (اسم فعل) ليس بصحيح، الصواب أنها اسم بمعنى حسبي، قدني أي: حسبي، وقطني أي: حسبي. وأما التي بمعنى يكفي فهذه يجب اتصالها؛ لأنه سبق أن ياء المتكلم إذا نصبت باسم الفعل أنه يجب اتصال نون الوقاية بها، وقط وقد هذه تأتي اسمان بمعنى حسب، ويأتيان بمعنى اسم الفعل يكفي، إذا كانت بمعنى اسم الفعل يكفي فحينئذ تلزمها نون الوقاية. وأما إذا كانت بمعنى فحسب، فحينئذ يجوز فيها الوجهان، والأكثر اتصال نون الوقاية بها وقليل حذفها. ثم قال الناظم رحمه الله تعالى: العلم، (هذا باب العلم) بعد أن انتهى من كلامه على النكرة والمعرفة، وقدم الضمير لأنه هو أعرف المعارف، ومضمر أعرفها ثم العلم، العلم يأتي في الرتبة الثانية. العلم أي: هذا باب العلم، إعرابه واضح كما سبق بيانه. والعلم في لسان العرب: لفظ مشترك يطلق على عدة معان، منها: الجبل، قال الله تعالى: ((وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ)) [الرحمن:٢٤] يعني: كالجبال. وقالت الخنساء ترثي أخاها صخراً: وَإِنَّ صَخراً لتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ ... كَأَنَّه عَلَمٌ فِي رَأْسهِ نَار كأنه جبل. ومنها من المعاني: الراية التي تجعل شعاراً للجند ونحوه. ومنها: العلامة، وهذا هو المعنى الأنسب لاشتقاق العلم للشخص المعين أو الذي يعين مسماه، لأنهم يقولون: إنه علامة على مسماه. زيد نقول: هذا لفظ أطلق وأريد به مسماه، إذاً عيَّن مسماه، فهو علامة عليه. وإذا كان كذلك حينئذ الأنسب أن يكون مشتقاً من العلم بمعنى العلامة. العلم في اصطلاح النحاة ينقسم إلى قسمين: علم شخص وعلم جنس، والمصنف رحمه الله تعالى يرى أن علم الشخص مغاير لعلم الجنس، وحينئذ عَّرف لنا أولاً بما يختص بعلم الشخص، ولا يدخل تحته علم الجنس. وبدليل قوله: وَوَضَعُوا لِبَعْضِ الأجْنَاسِ عَلَمْ إذاً قوله: اسْمٌ يُعَيِّنُ المُسَمَّى مُطْلَقاً عَلَمُهُ مع قوله: وَوَضَعُوا لِبَعْضِ الأجْنَاسِ عَلَمْ يدل على أنه لا يرى دخول علم الجنس تحت علم الشخص، يعني لا يمكن أن يجمعهما تعريف واحد. العلم؛ قال: اسْمٌ يُعَيِّنُ المُسَمَّى مُطْلَقاً عَلَمُهُ عَلَمُهُ: الضمير هنا يعود على المسمى، أي: علم المسمى: اسم يعين المسمى مطلقاً. عَلَمُهُ: هذا مبتدأ مؤخر. واسْمٌ: هذا خبر مقدم. ويُعَيِّنُ المُسَمَّى: هذا فصل أو صفة في محل رفع. ومُطْلَقاً: هذا حال من فاعل يعين مستتم، يعيِّن المسمى تعييناً مطلقاً.

стр. 362

عَلَمُهُ: هذا قلنا: مبتدأ مؤخر، هذا أنسب من أن يجعل اسم مبتدأ وعلمه خبره، لماذا؟ لأن العلم هو المحدود، وإذا كان كذلك حينئذ كان الأنسب أن يكون مبتدأً والحد يكون خبراً، ولذلك الأصل، -هل الأصل أن يقدم المحدود على الحد أو بالعكس؟ - هل نقول: القول المفرد كلمة أو الكلمة قول مفرد؟ هذا فيه نزاع، والصواب أنه يقدم المحدود الذي هو لفظ كلمة ثم يؤتى بالحد، لماذا؟ لأننا نريد أن نكشف حقيقة الكلمة. إذا قيل: ما الكلمة؟ قلنا: الكلمة هي التي نريد أن نكشف حقيقتها، وهي التي نريد أن نخبر عنها بالحد، فنقول: الكلمة: قول مفرد. علم المسمى: اسم يعين المسمى مطلقاً، إذاً علم هذا الأصل أن يكون مبتدأً وأن يكون محكوماً عليه. وكونه مؤخراً هنا في اللفظ في تركيب البيت هذا لضرورة النظم، وإلا الأصل: علم المسمى اسْمٌ يُعَيِّنُ المُسَمَّى مُطْلَقاً، هذا أولى، بل قد يتعين عند بعضهم، خاصة قوله: اسم، هذا نكرة في الأصل وإن وصف، إلا أن قوله: علمه، معرفة بالإضافة إلى الضمير، فيكون هو الأولى بجعله مبتدأً، فإذا دار الأمر بجواز أمرين أن يجعل أحد اللفظين مبتدأ والآخر نكرة حينئذ الأعرف هو الذي يجعل مبتدأ. إذاً: علمه أعرف من قوله: اسم يعين، إذاً هو أولى بأن يكون مبتدأ. ثانياً: علمه محدود، والمحدود أولى أن يجعل مبتدأ. علم: اسم يعين المسمى، هذا أولى مما ذكره المعرب ..... اسْمٌ يُعَيِّنُ المُسَمَّى اسْمٌ: هذا جنس، جنس يشمل ماذا؟ يشمل النكرة والمعرفة، لأننا في مقام الحديث عن الاسم باعتبار تقسيمه إلى نكرة ومعرفة، ولا زال الحديث في باب النكرة والمعرفة، هذا هو الأصل، وإنما عقد فصلاً أو باباً لبيان العلم؛ لأن كلاً من هذه المعارف الستة تحتاج إلى تفصيل، فالأنسب أن يفصل بعضها عن بعض بهذه التبويبات، وإلا الأصل أن الحديث لا زال في باب المعارف. اسْمٌ: إذاً اسم هذا يشمل النكرة والمعرفة، ودخلت النكرة في حد العلم، أراد أن يخرج النكرة فقال: يعين المسمى، يعين المسمى: هذا فصل أخرج به النكرة، ودخل معنا جميع المعارف؛ لأن المعارف كلها تدل على معناها، على مسماها، ولذلك المعرفة: لفظ أو ما وضع ليستعمل في معين. كل المعارف كاسمها معارف، يعني وضعت في أصل وضعها في لسان العرب من أجل أن تعين وأن تحدد المسمى الذي يراد من إطلاق هذا اللفظ، ولكن يبقى أن كلاً من هذه المعارف بعضها يعين مسماه بقرينة وبعضها يعين مسماه بلا قرينة. المعارف وضعت لتستعمل في معين، إذاً تدل على معين، ثم دلالتها سواء كان ضميراً أو علماً أو اسم إشارة أو موصولاً أو محلىً بـ (أل) أو مضافاً قد تدل على المسمى إما بقرينة أو بلا قرينة. ما دل على المسمى بلا قرينة نقول: هذا هو المراد بالعلم، هذا المراد بالعلم.

стр. 363

اسْمٌ يُعَيِّنُ المُسَمَّى مُطْلَقاً: أي بدون قرينة من ذات اللفظ، حسب ذات اللفظ، وأخرج سائر المعارف بقوله: مطلقاً، وحينئذ كل معرفة ليست علماً إنما تدل على المسمى بواسطة، وهذه الواسطة تسمى قرينة: إما الحس، وإما اللفظ، وإما المعنى. إما قرينة لفظية، وإما قرينة معنوية، وإما قرينة حسية. قرينة لفظية مثل المحلى بـ (أل) نقول: رجل، الرجل، الرجل دل على مسمى معين، اسْمٌ يُعَيِّنُ المُسَمَّى، الغلام، المسجد، الفرس، هذه كلها أسماء عينت المسمى، لكن بماذا؟ بواسطة (أل)، إذاً: هذه قرينة لفظية. غلام زيد، عين المسمى لكن تعيينه للمسمى بواسطة هنا بقرينة، ليس بذات اللفظ، وإنما بقرينة الإضافة، وهي قرينة لفظية. إذاً: المحلى بـ (أل) والمضاف إلى المعرفة نقول: هذا عيَّن مسماه بقرينة لفظية. أما القرينة المعنوية فهذه خاصة بالضمير؛ لأن الضمير إنما يعرف ويعين مسماه، إن كان ضمير متكلم فبقرينة التكلم، وإن كان بضمير خطاب فالخطاب قرينة دالة وهي معنوية، إن كان بضمير الغيبة وحينئذ نقول: الغيبة هي القرينة المعنوية. ثالثاً: القرينة الحسية، هذه خاصة بأسماء الإشارة، وحينئذ أسماء الإشارة كما سيأتي في حدها: ما وضع لمسمىً وإشارة إليه، فالإشارة الحسية باليد مثلاً هذه داخلة في ما وضع له في لسان العرب، ولذلك إذا قلت: هذا زيد، ما يعرف زيد، لو كان عندنا أشخاص ولا تعرفهم قلت: هذا زيد ولم أشر إليه بيدي تعرفونه؟ لو قلت: هذا عبد الله، ما تعرفون، مع أن هذا اسم إشارة وهو معرفة ويعين المسمى، لكن لما لم تحصل معه الإشارة التي وضعت لفظة هذا شاملة لتعيين المسمى مع الإشارة الحسية، -لما لم يكمل الجزء الثاني- لم يكن معرفاً، لكن لو قلت: هذا عبد الله بالإشارة، فحينئذ صار معرفة، بذاته أم بقرينة خارجية؟ بقرينة خارجية. لفظية أو معنوية أو حسية؟ حسية، بقرينة حسية. بقي الموصول -هذا على خلاف فيه-، هل التعريف فيه بـ (أل) أو بالصلة؟ على خلاف، سواء قلنا بـ (أل) أو قلنا بالصلة حينئذ يكون داخلاً في القرينة اللفظية. اسْمٌ يُعَيِّنُ: قلنا: هذا فصل مخرج للنكرات، كرجل وفرس؛ فإنها لا تعيين فيها أصلاً مطلقاً، أي: مجرداً عن القرائن الخارجية -عن ذات الاسم-، مطلقاً أي: مجرداً عن القرائن الخارجية. قلنا: هذه المعارف كلها إما أن تدل على المسمى بقرينة أو لا، كلها تدل على المسمى بقرينة إلا واحد، وهو العلم. إذاً قوله: مطلقاً أخرج الضمير؛ لأنه يدل أو يعين مسمى لا مطلقاً، بل بقرينة معنوية وهي التكلم والخطاب والغيبة، أخرج اسم الإشارة، قوله: مطلقاً أخرج اسم الإشارة؛ لأنه يعين المسمى لكن مع قرينة حسية وهي الإشارة إليه، أخرج الموصول؛ لأنه يعين المسمى، لكن بقرينة لا مطلقاً وهو الصلة أو (أل) على الخلاف، أخرج المحلى بـ (أل) لأنه اسم يعين المسمى، لكن لا مطلقاً وإنما بقرينة وهي (أل)، كذلك المضاف، ماذا بقي؟ بقي نوع واحد وهو العلم، حينئذ صدق هذا الحد على العلم كزيد، فهو يدل ويعين مسمى مطلقاً بدون قرينة لا لفظية ولا معنوية ولا حسية. اسْمٌ: هذا جنس يشمل النكرة والمعرفة.

стр. 364

يُعَيِّنُ المُسَمَّى: الجملة في محل رفع صفة لاسم. قلنا: أخرج النكرات، بقي سائر المعارف، نريد أن نخرج سائر المعارف حتى يبقى معنا العلم ليختص به الحد فيكون جامعاً مانعاً، نظرنا فإذا المعارف تدل على المسمى إما بقرينة أو لا، الثاني العلم فقلنا: مطلقاً، أي: مجرداً عن القرائن عن ذا الخارجية عن ذات الاسم. عَلَمُهُ: هذا خبر، أو مبتدأ، والأولى أن يكون مبتدأً. إذاً: يعين المسمى قلنا: خرج به النكرات كرجل وفرس، فإنها لا تعيين فيها أصلاً، وشمس وقمر، إذا قيل: شمس نكرة أو معرفة؟ نكرة، لماذا؟ ... نَكِرَةٌ قَابِلُ أَلْ مُؤَثِّرَا وحينئذ أفادت التعريف، شمس نقول: هذا نكرة ولذلك يعامل معاملة النكرات، لكن من جهة المسمى هل مسماه معين أو لا؟ معين. قمر: معين، هذا التعيين هل هو في أصل الوضع أم أنه طارئ؟ طارئ، عرفنا الجواب. إذاً شمس وقمر نقول: هذا يعين المسمى، فإنهما وإن عينا فردين لكن ذلك التعيين لأمر عارض بعد الوضع، وإلا يصدق عليه حد النكرة، ما شاع في جنس موجود أو مقدر، شاع في جنس موجود يعني: في أفراد جنس موجود، -له وجود، له آحاد، له أفراد- كرجل، رجل هذا يطلق على كل ذكر بالغ عاقل من بني آدم، لا نحتاج إلى عاقل. كل ذكر من بني آدم بالغ يطلق عليه أنه رجل، له آحاد؟ له آحاد، هذا الأصل. زيد رجل، عمرو رجل، خالد رجل .. إلى آخره. إذاً: له أفراد وله آحاد وله جنس، قدر مشترك بينهم، حينئذ زيد وخالد ومحمد كل منهما رجل، وهو قدر مشترك بين ثلاثة، لكن شمس نقول: هذا في أصل وضعه، وضع لكل، اسم لكل كوكب نهاري ينسخ ظهوره وجود الليل-هكذا قيل- حينئذ الأصل أن يكون له أفراد، لكن لما لم يوجد في الخارج إلا فرد، حينئذ تعين مسماه لا باعتبار أصل وضعه، وإلا لو وجد شمس أخرى ووجد ثانية وثالثة كل منهما سمي شمساً أو سميت شمساً، وحينئذ الكوكب النهاري -الذي وصفه وصف الشمس الفرد المعين- لو وجد نظير له حينئذ سمي شمساً، وثالثاً ورابعاً .. كرجل، لكن لما لم يوجد إلا شمس واحدة حينئذ تعين باعتبار عدم وجود فرد آخر لا باعتبار أصل وضعه، وإلا فهو صالح لكل كوكب نهاري ينسخ ظهوره وجود الليل، فحينئذ نحكم على كلمة شمس أنها نكرة، ولا نقول: إنها علم، مع كون حد العلم قد يصدق عليها، اسْمٌ يُعَيِّنُ المُسَمَّى، فإذا قلت: شمس عيَّن المسمى، قمر عين المسمى، لكن نقول: تعيين المسمى هنا طارئ عارض، والعبرة بالأصول في أصل الوضع لا بما عرض لها. لأمر عارض بعد الوضع، وهو عدم وجود غيرهما من أفراد المسمى، وأما بحسب الوضع فلا تعيين فيهما، إذاً خرج بقوله: يُعَيِّنُ المُسَمَّى شمس وقمر؛ لأنهما وإن عيَّنا فإنما كان التعيين باعتبار أمر عارض لا باعتبار أصل الوضع. ودخل نحو زيد مسمىً به جماعة، زيد وزيد وزيد، نقول: جاء زيد، قد لا يعرف من زيد هذا، ما عين المسمى، أليس كذلك؟ لو عندك محمد ومحمد، قلت: جاءني محمد، محمد من هذا؟ هل عيَّن المسمى؟ ما عين المسمى، لماذا؟ لكونه مشتركاً بين أفراده. هل هو داخل في حد العلم أم لا؟ نقول: نعم، داخل.

стр. 365

ودخل: نحو زيد مسمىً به جماعة، فإنه باعتبار كل وضع يعين مسماه، والشيوع إنما جاء من تعدد الأوضاع وهو أمر عارض، الأصل زيد وزيد وزيد، هذا اسمه زيد وهذا اسمه زيد وهذا اسمه زيد، هل الوضع واحد أو متعدد؟ متعدد، كل لفظ من هذه الألفاظ موضوع لذات مشخصة بالخارج، ثم وضع وضعاً ثانوياً لفظ زيد ليعين مسماه ثم زيد ثم زيد، لو وجد عندنا مائة كلهم اسمهم زيد نقول: هؤلاء ألفاظهم وضعت مرة واحدة أو مائة مرة؟ مائة مرة، لماذا؟ لأننا لو قلنا الوضع متحد فحينئذ صار اللفظ مشتركاً من حيث الوضع ومن حيث المعنى، فحينئذ لا يعين المسمى إلا بقرينة، فلا يصدق عليه حد العلم، وإنما نقول: الوضع متعدد، فكل لفظ من هذه الألفاظ التي اشترك جماعة في الاسم حينئذ كل لفظ من هذه الألفاظ وضع وضعاً مستقلاً عن الآخر، إذاً لا اشتراك، فدخل في قوله: يُعَيِّنُ المُسَمَّى. ولا يخرج بقوله: مطلقاً؛ لأنه وإن احتاج إلى قرينة في تعيين مسماه من وصف أو إضافة أو نحوهما، لكن ذلك الاحتياج عارض لا بالنسبة إلى أصل الوضع كبقية المعارف، يعني إذا قيل: زيد يعين المسمى، هو مشترك بينه وبين غيره، قلنا: الوضع متعدد، مطلقاً أخرج ما عين المسمى بقرينة، فإذا قلت: جاءني زيد أو محمد وله متعدد حينئذ نحتاج إلى قرينة حتى نميز من الذي جاء، صار كالمحلى بـ (أل) وكالضمير وغيره. هل يخرج بقوله مطلقاً؟ نقول: لا. لماذا؟ لأن الاحتياج هنا إلى قرينة عارض وليس في أصل الوضع كما هو في المحلى بـ (أل) أو الموصول ونحو ذلك. اسْمٌ يُعَيِّنُ المُسَمَّى مُطْلَقَاً ... عَلَمُهُ كَجَعَفَرٍ وَخِرْنِقَا قال السيوطي: العلم ما وضع لمعين لا يتناول غيره البتة، يعني: يشخصه، وحينئذ إذا شخصه لا يحتمل إلا مسماه، فإذا قيل: جاء زيد لا يحتمل إلا واحد شخصاً واحداً، واحتماله لآخر نقول: هذا أمر عارض والأصل فيه التقعيد بأصل الوضع، فخرج بالمعين النكرات، وبما بعده سائر المعارف، فإن الضمير صالح لكل متكلم ومخاطب وغائب، وليس موضوعاً لأن يستعمل في معين خاص بحيث لا يستعمل في غيره، لكن إذا استعمل صار جزئياً، وهذه المعارف بعضهم يرى أنها كلية الوضع جزئية الاستعمال، يعني (أنا) لفظ (أنا) ضمير نقول: هو معرفة وضع ليستعمل في معين، لكن في أصل الوضع إذا قلت: أنا، اختص بي دون غيري أم لغيري أن يستعمله فيقول: أنا؟ منذ أن وضع لفظ (أنا) والأمم كلها تستعملها، أنا أنا أنا، أنت، هو، هي، أنتما، الضمائر كلها على هذا النمط، فحينئذ من حيث أصل الوضع وضع كلياً بحيث يدخل تحته أفراد لا حصر لهم، وهذا الذي يسمى الكلي عند المناطقة، ما لا يمنع العقل من تصوره وقوع الشركة فيه، فَمُفْهِمُ اشْتِراكٍ الكُلِّيُّ.

стр. 366

إذاً: هذا أفهم اشتراك من حيث أصل الوضع، ولكن إذا استعمل بالفعل حينئذ صار جزئياً لا يحتمل غيره، ألا نقول: الضمير يعين المسمى؟ عين المسمى، طيب في أصل وضعه نقول: هو صالح لكل متكلم، كل متكلم أراد أن يتكلم عن نفسه فليقل: أنا، والجماعة يقولون: نحن، إذاً ليس خاصاً بزيد وليس خاص بعمرو وليس خاص بجماعة كذا ولا طائفة، وإنما هو مشترك بين كل متكلم، وكذلك ضمير المخاطب أنت مشترك بين كل مخاطب، وضمير الغيبة كذلك مشترك بين كل غائب، طيب هذا الاشتراك هو المفهوم الكلي، ثم إذا قلت: أنا صار معيناً وهذا معنى الجزئي؛ فيتناقضان، نقول: لا، لا تناقض، وإنما في أصل الوضع هو كلي وفي الاستعمال جزئي. إذاً: وضع المعارف كلها من حيث أصل الوضع كليات، وهو يصدق عليه حد الكل، فمفهم اشتراكٍ الكلي. كأسد، وعكسه الجزئي الذي لا يفهم اشتراكاً، فإذا استعملت لفظ الضمير في شأنك أنت بالفعل حينئذ نقول: هذا جزئي، لأنه لا يحتمل إلا مسماه وهو أنت المتكلم، زيد ضربته الضمير هنا يعود إلى زيد لا يحتمل غير زيد، هذا حقيقة الكلي أو الجزئي؟ الجزئي، لكن قبل استعماله (أنا) نقول: قبل استعماله هذا يصلح أن يتكلم به زيد وعمرو وخالد .. إلى آخره، صار مشتركاً. إذاً: في أصل الوضع هو مشترك وهو كلي، ومن حيث الاستعمال فهو جزئي، هذا، هذان، هاتان، نقول: أسماء الإشارة في أصل الوضع كلية، لأن هذا يصدق أن يشار به إلى زيد، إلى عمرو، إلى البيت، إلى السماء، إلى .. إلى آخره. كل مشارٍ إليه يصلح لمفرد مذكر، سواء كان عاقل أو غير عاقل، عالم أو لا، يصلح أن يكون أو أن يشار إليه بـ (ذا)، إذاً هذا صار مشتركاً، فَمُفْهِمُ اشْتِراكٍ، لكن إذا استعمل بالفعل صار جزئياً لا يحتمل غيره، فإذا قلت: هذا زيد صار مسمى هذا معين ولا يحتمل غير زيد الذي أشير إليه، وأما قبل الاستعمال فهو صالح لزيد أن تشير إليه ولغيره. وهذا مراده إن الضمير صالح لكل متكلم، كيف صالح لكل متكلم؟ نقول: هذا قبل استعماله، قبل الاستعمال، فهو كلي يفهم اشتراكاً، وأما بعد الاستعمال فهو جزئي صالح لكل متكلم ومخاطب وغائب. وليس موضوعاً في الأصل في أوصل وضعهن لأن يستعمل في معين خاص بحيث لا يستعمل في غيره، لأنه لو كان خاصاً أول واحد يستعمل كلمة (أنا) أخذها عنا، ما نستعملها انتهى، انتهت صلاحيتها. إذا قال: هذا زيد الذي سبق أولاً، سبق إليها نحن لا نستحقها، لماذا؟ لأنه صار خاصاً. وليس موضوعاً لأن يستعمل في معين خاص بحيث لا يستعمل في غيره، لكن إذا استعمل صار جزئياً، ولم يشركه أحد في ما أسند إليه، واسم الإشارة صالح لكل مشار إليه، فإذا استعمل في واحد لم يشركه في ما أسند إليه أحد، و (أل) صالحة لأن يعرف بها كل نكرة، فإذا استعملت في واحد عرفته وقصرته على شيء بعينه، وهذا معنى قولهم: إنها كليات وضعاً جزئيات استعمالاً. وهذا القول هو المرجح في هذه المسألة، وبعضهم يرى أنها جزئية وضعاً واستعمالاً، وبعضهم يعكس: كلية وضعاً واستعمالاً، والوسط هو الذي ذكرناه أنها كلية باعتبار الوضع جزئية باعتبار الاستعمال. اسْمٌ يُعَيِّنُ المُسَمَّى مُطْلَقاً إذاً: يعين المسمى فصل يخرج النكرات. واسْمٌ: هذا جنس.

стр. 367

ويُعَيِّنُ المُسَمَّى: قلنا: المصنف لا يرى أن علم الجنس داخل معنا في هذا الحد، وإنما فصله لأنه يرى أنه نكرة، فأخرجه وخصه بقوله: وَوَضَعُوا لِبَعْضِ الأجْنَاسِ عَلَمْ يُعَيِّنُ المُسَمَّى: حينئذ نخصص تعريفه بالعلم الشخصي، والعلم الشخصي هو الذي يعين مسماه خارجاً -خارج الذهن-، لأنه كما سبق أن التعيين -تعيين الحقائق- إما أن يكون في الذهن فحسب، وإما أن يكون في الخارج، وإما أن يكون في الذهن باعتبار فرد في الخارج، فحينئذ إذا كان المعين –المسمى- خارجاً فهو علم الشخص، زيد إذا قلت زيد أنت في ذهنك أن هذا اللفظ مسمى شخص، هذا الشخص أين يوجد؟ في داخل ذهنك أو في الخارج؟ في الخارج قطعاً؛ لأنه ليس معنى، الذات نفسه الشخص هذا وجوده خارج الذهن، لأنك تقول: اسم زيد، أحمد مثلاً مسماه هذا الذي تراه، هذا أين يوجد؟ في الخارج، هل يمكن أن يوجد في الذهن؟ لا وجود له في الذهن. إذاً: تَشَخُّصُ علم الشخص يكون خارجياً، يعني: خارج الذهن، وداخلياً يعنون به داخل الذهن، إذ قد يكون الشيء مشخصاً في الداخل لا في الخارج، وقد يكون مشخصاً في الداخل باعتبار فردٍ في الخارج ملاحظاً به. يُعَيِّنُ المُسَمَّى: أي خارجاً كعلم الشخص الخارجي، أو ذهناً كالعلم الذي يضعه الوالد لابنه المتوهم وجوده خارجاً في المستقبل. اسْمٌ يُعَيِّنُ المُسَمَّى مُطْلَقاً لو قال قائل: إذا جاء لي ولد أسميه محمد، محمد علم أو لا؟ -هو ما جاء- هل يصدق عليه اسْمٌ يُعَيِّنُ المُسَمَّى، أين هو؟ نحن نقول: علم الشخص له مشخص في الخارج، هذا متوهم في الذهن، إذاً: صار التعيين هنا أمراً ذهنياً لا أمراً خارجياً، أليس كذلك؟ إذا قال: حد العلم اسم يعين المسمى في الخارج -خارج الذهن- مثل الذات فحينئذ إذا قال: إذا جاءني ولد أسميه محمداً، نقول: محمد هذا علم، كيف نحكم عليه بأنه علم ثم نقول: العلم اسم يعين المسمى؟ هذا ما له وجود في الخارج، بل قد يكون ما وجد حتى في بطن أمه؟ نقول: هذا علم ويعين المسمى مطلقاً لكنه في الذهن، أو ذهناً يعني: يكون تعيين المسمى ذهناً، كالعلم الذي يضعه الوالد لابنه المتوهم وجوده خارجاً في المستقبل، وكعلم القبيلة كذلك مثله -لكن هذا عام وذاك خاص- وكعلم القبيلة؛ فإنه موضوع لمجموع أبناء الأب الموجودين حين الوضع وغير الموجودين حينه، فإن الجميع لا وجود له إلا في ذهن الواضع، إذا قيل: هذا قبيلة حرب مثلاً، قبيلة حرب يصدق على الموجودين وعلى ما سيكون في المستقبل، إذاً هذا صار علماً، -حرب علم- علم على الموجودين الآباء وأبنائهم، وأبناء أبناء أبناء الأبناء غير الموجودين؟ نقول: هذا مشخص لكنه ذهني، كالأول المتوهم لكن ذاك شخص واحد سمى ولده وهذا علم على قبيلة، وحينئذ نقول: اسم يعين المسمى مطلقاً كحرب، -بني تميم- ونحو ذلك، وحينئذ نقول: هذا اسم يعين المسمى مطلقاً، طيب، قد يكون بعد مائة سنة لا وجود لمسمى هذا اللفظ؟ نقول: لكنه موجود في الذهن. فقولهم: تشخص العلم الشخصي خارجي أغلبي. نخلص من هذا: أن تشخص العلم الشخصي الأصل فيه أن يكون خارجياً بالفعل موجود، وقد لا يكون موجوداً.

стр. 368

إذاً قول النحاة: تشخص علم الشخص خارجي يعني: مسماه لا بد أن يكون خارج الذهن، نقول: هذه قاعدة أغلبية، بل قد يكون في الذهن ولا وجود له في الخارج كعلم من توهم ولداً فسماه قبل أن يولد، وكذلك أبناء القبيلة. وقوله: يُعَيِّنُ المُسَمَّى: أي أنه يدل على مسمى معين لا أنه يحصل له التعيين؛ لأنه معين في نفسه فيلزم تحصيل الحاصل. إذا قلنا: العلم يعين المسمى قبل العلمية، قبل أن نطلق اللفظ هل هو معين أم لا؟ إن قلنا معين فعينه العلم صار من باب تحصيل الحاصل. إذاً: يعين المسمى المعين في نفسه، هو متعين في نفسه، لكن اللقب أو اللفظ جعل دليلاً عليه من جهة الوضع الشخصي. إذاً: يعين المسمى، أي: أنه يدل على مسمىً معين، لا أنه يحصل له التعيين لأنه معين في نفسه، فيلزم تحصيل الحاصل. فالمراد بتعينه: تمييزه عند المخاطب عما عداه، وهذا التمييز حاصل بالعلم كسائر المعارف. اسْمٌ يُعَيِّنُ المُسَمَّى مُطْلَقاً مُطْلَقاً: المراد به: بدون قيد، وهذا القيد إما أن يكون لفظياً، وإما أن يكون معنوياً، وإما أن يكون حسياً. هذه ثلاثة تشمل سائر المعارف، يبقى: من يعين المسمى لا بقيد، فهي أربعة، الأخير هذا هو الذي يسمى علماً. ومطلقاً فصل يخرج المقيدات: إما بقيد لفظي وهو المعرفة بالصلة و (أل) والمضاف إليه، أو معنوي وهو اسم الإشارة والمضمر، فدخل في المعنوي الحسي في اسم الإشارة. ................................. وَقَرَنٍ وَعَدَنٍ وَلاَ حِقِ ... ........ كَجَعَفَرٍ وَخِرْنِقَا وَشَذْقَمٍ وَهَيْلَةٍ وَوَاشِقِ هذه أنواع نوع الأمثلة المصنف رحمه الله تعالى ليدل على أن العلم شخصي لا يختص بأولي العلم من الناس البشر، وإنما هو عام، فنوع المثال لذلك، ولذلك قال في الشرح: ثم مثل الشيخ بأعلام أناسي وغيرهم تنبيهاً على أن مسميات الأعلام، العقلاء وغيرهم من المألوفات. كَجَعَفَرٍ: يعني وذلك كجعفر، وهو اسم رجل جعفر. وَخِرْنِقَا: الألف للإطلاق، اسم امرأة من شعراء العرب وهي أخت طرفة بن العبد لأمه. وَقَرَنٍ: بفتحتين علم على قبيلة في اليمن من بني مراد ومنها أويس القرني. وَعَدَنٍ: عدن كذلك اسم مكان علم لبلد بساحل بحر اليمن، هكذا قيل. وَلاحِقِ: اسم فرس. وَشَذْقَمٍ: بالذال وضبط بالدال، وقيل: يجوز فيه الوجهان. شدقم، شذقم، إما هذا وإما ذاك. وقيل: يجوز فيه الوجهان، شذقم اسم جمل قيل للنعمان بن المنذر. وَهَيْلَةٍ: اسم شاة. وَوَاشِقِ: اسم كلب، اسم كلب هذا وقع ثامناً، قال بالتصريح: ((وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ)) [الكهف:٢٢] يعني: وافق الآية، لأنه قال: كجعفر واحد، وخرنق اثنين، وقرن ثلاثة، وعدن أربعة، ولاحق خمسة، وشذقم ستة، وهيلة سبعة، وواشق ثمانية. ((وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ)). وَاسْمَاً أتَى وَكُنْيَتةً وَلَقَبَا إذاً حد العلم: اسْمٌ يُعَيِّنُ المُسَمَّى مُطْلَقاً (عَلَمُهُ)، هذا الأولى أن يجعل مبتدأ، واسم هذا خبر مقدم، وإذا كان خبر مقدم صار واجب التقديم، كما سيأتي في محله أن المبتدأ إذا اشتمل على ضمير يعود على بعض الخبر حينئذ وجب تأخير المبتدأ وتقديم الخبر. على التمرة مثلها زبدة، سيأتينا إن شاء الله.

стр. 369

وَاسْمَاً أَتَى وَكُنْيَةً وَلَقَبَا ... وَأَخِّرَنْ ذَا إِنْ سِوَاهُ صَحِبَا قسم لنا العلم إلى ثلاثة أقسام: اسم وكنية ولقب. واسماً أتى: واسماً هذا حال من الضمير المستتر في الفعل الذي يليه. أتى: وأتى العلم حالة كونه اسماً وكنية ولقباً، والاسم له ثلاث إطلاقات إذا وقفنا عند هذا. واسماً أتى: صار الاسم له ثلاث إطلاقات، الاسم مقابل الفعل والحرف هناك، واسم وفعل ثم حرف الكلم، صار له إطلاق وهو مقابل الفعل، ويرد أيضاً مقابل للصفة كعامر ومذنب، ويأتي كذلك مقابل للكنية واللقب، وهو الذي معنا. هذه ثلاثة إطلاقات إلى هذا الموضع. وَاسْمَاً أتَى وَكُنْيَتةً: ينقسم العلم إلى ثلاثة أقسام: إلى اسم وكنية ولقب، والمراد بالاسم هنا: ما ليس بكنية ولا لقب، -بالنفي- إذاً نعرف الكنية أولاً ثم اللقب ثم نعرف أن الاسم ما عدا الكنية واللقب؛ لأنه نفي. ما المراد بالاسم؟ ما ليس بكنية ولا لقب، طيب. ما هي الكنية؟ ما صدر بأب أو أم. ما هو اللقب؟ ما أشعر بمدح أو ذم. وبالكنية ما كان مصدراً بأب أو أم، أم عبد الله، أبو عبد الله، أبو أم، هذا يشترط فيه أن يكون كنية ما لم يسم به ابتداءً، فلو سمى الأب ابنه ابتداءً أول ما وضع عليه من العلمية سماه أبو بكر صار علماً، ولا يقال بأنه كنية، صار اسمه أبو بكر، مثل أبو الدرداء، أبو الدرداء هذا اسمه أول ما وضع ليس كنيته، ولذلك يقول: يا أبو الدرداء! على الأصل، فحينئذ إذا سماه ابتداءً أبو بكر نقول: هذا ليس بكنية، وإنما الكنية تكون طارئة بعد العلم الذي وضع له ابتداءً، فإذا سماه زيداً ثم قال: هو أبو عبد الله نقول: هذا الكنية طارئة ولم يجعله اسماً. إذاً: الكنية ما كان في أوله أب أو أم. وقيل: أو بابن أو ابنة. هل إذا صدر بابن كابن عمر أو بنت كبنت عمر مثلاً، هل يعتبر كنية أو لا؟ هذا محل نزاع، والأكثر على أنه يشترط في الكنية أن تكون مصدرة بأب أو أم، لكن الصحيح أنه اشتهر عند الصحابة بعضهم من عرف بكنيته ومنها -لأنه قد تتعدد الكنى- ومنها أنه ابن عمر، ابن عباس، هذا سيأتي أنه كنية وله جهة أخرى أن يكون علماً بالغلبة، فلا تنافي بين كونه علماً بالغلبة وبين كونه كنية، ولذلك صحح الرضي: أن الكنية يصح أن تصدر بابن أو بنت، لكن المشهور ما ذكره المصنف هنا. واللقب ما أشعر بمدح أو ذم، ما أشعر بمدح كزين العابدين، جمال العابدين –زينهم- زين العابدين، الصديق، الفاروق، هذه ألقاب وهي مشعرة بالمدح. أو ذم كأنف الناقة هذا ذم اسم قبيلة، ذم، نقول: هذا أشعر بذم. إذاً: وَاسْمَاً أتَى: أتى العلم حالة كونه اسماً، وأتى العلم كنية وهو ما كان في أوله أب أو أم. وَلَقَبَا: الألف هذه بدلٌ من التنوين وقفا. وهو ما أشعر بمدح أو ذم.

стр. 370

قال الرضي: والفرق بين اللقب والكنية معنىً، يعني ما الفرق بين هذا وذاك؟ أنف الناقة، الصديق، الفاروق، ما الفرق بينه وبين الكنية؟ قال: الفرق معنىً أن اللقب يُمدح المُلَقَبُ به أو يُذم بمعنى ذلك اللفظ، ما تحمَّله اللفظ من معنى يصدق على المُلَقَبِ به. الصديق هذا لقب لكثرة صدقه، والفاروق، لأن الله تعالى فرق به بين الحق والباطل، زين العابدين، لأنه كان من العباد ومن أجودهم وأحسنهم، أنف الناقة؛ لأنه كان من الأفعال ما يصير أنفاً للناقة. أن اللقب يمدح الملقب به أو يذم بمعنى ذلك اللفظ، بخلاف الكنية؛ فإنه لا يعظم المكني بمعناها بل بعدم التصريح بالاسم ليس لها معنى، أبو عبد الله، كل الناس أبو، ليس فيه معنىً ينفرد به عن غيره بخلاف زين العابدين والصديق والفاروق ونحو ذلك، هذا فيه معنى قد ينفرد به عن غيره، أما أبو عبد الله وأم عبد الله، كل الناس، كل من كني فيكون هذا الوصف مشتركاً. إذاً: ليس المدح بما دل عليه لفظ الكنية، وإنما بكونه لم يصرح باسمه، -هذا فيه تعظيم- بخلاف الكنية؛ فإنه لا يعظم المكني بمعناها، بل بعدم التصريح بالاسم، فإن بعض النفوس تأنف أن تخاطَب باسمها، بعض النفوس تأنف، لا تقل له: يا زين، لا بد أن تأتي بكنيته أو نحو ذلك، فإذا كان الفرق بين الكنية واللقب: أن يكون المعنى المراد من اللقب حصل به المدح أو الذم حينئذ دل اللفظ على مسماه، وإذا كان المراد بالكنية ليس معناها الذي هو الوضعي في لسان العرب وإنما من جهة عدم التصريح باسمه تعظيماً له، لا يقال: يا زيد أو يا محمد .. إلى آخره. أُكنيهِ حِينَ أُنادِيهِ لأُكرِمَهُ ... ولاَ أُلقِّبهُ والسوأَةُ اللَّقَبُ وَاسْمَاً أتَى وَكُنْيَةً وَلَقَبَا عرفنا هذه الثلاثة. وَأخِّرَنْ ذَا إنْ سِوَاهُ صَحِبَا وَأخِّرَنْ: وجوباً، ولذلك جاء بفعل الأمر مؤكَّداً بنون التوكيد الخفيفة، إذاً هو واجب وهو مراد المصنف. وَأخِّرَنْ ذَا: المشار إليه يعود إلى أقرب مذكور وهو اللقب. إنْ سِوَاهُ: سوى اللقب. صَحِبَا: الألف للإطلاق. بعد ما قسم لك العلم إلى اسم وكنية ولقباً، قد يجتمع بعضها مع بعض أو قد يجتمع الجميع، هل بينها ترتيب أو تقول ما شئت؟ قال: لا. وَأخِّرَنْ ذَا إنْ سِوَاهُ صَحِبَا: إذا صحب اللقب الاسم أو الكنية وجب تأخير اللقب، وهل هذا متفق عليه؟ الجواب: لا. وَأخِّرَنْ ذَا: أي اللقب. إنْ سِوَاهُ صَحِبَا: إذا صحب اللقب الاسم وجب تأخيره، زيد أنف الناقة، زيد زين العابدين وجب تأخير اللقب، ولا يصح أن تقول: زين العابدين زيد، أنف الناقة زيد نقول: هذا لا يجوز، بل يجب تأخير اللقب عن الاسم. ولا يجوز تقديمه على الاسم، فلا تقول: أنف الناقة زيد إلا قليلاً ومنه قول الشاعر: بِأَنَّ ذَا الْكَلْبِ عَمْراً خَيْرَهُمْ حَسَباً ... بِبَطْنِ شِرْيَانَ يَعْوِي حَوْلَهُ الذِّيبُ بأن ذا الكلب عمْراً صاحب الكلب، بأن ذا، ذا: اسم إشارة بمعنى: صاحب، اسم أن. الكلب: صاحب الكلب عمْراً كيف يكون لقباً إذاً؟ ما يكون لقباً. بِأَنَّ ذَا الْكَلْبِ عَمْراً خَيْرَهُمْ حَسَباً، إذا جُعِل ذا اسم بمعنى صاحب هذا فيه إشكال.

стр. 371

على كلٍ؛ الكلب المراد به هنا اللقب، وعمْراً هذا اسم، حينئذ قدم اللقب على الاسم، وهذا قليل. وابن مالك جرى على أنه يجب التقديم في ظاهر عبارته هنا، يجب تقديم الاسم مع اللقب والكنية مع اللقب، يعني يقدم الاسم ويؤخر اللقب، وتقدم الكنية ويؤخر اللقب، هذا ظاهر العبارة؛ لأنه قال: سواه، وسوى اللقب أمران، لكن جماهير الشراح إن لم يكونوا كلهم قالوا: لا، العبارة ليست على ظاهرها، بل ثَمَّ إما خلل في النسخ وإما في غيرها. وَأخِّرَنْ ذَا إنْ سِوَاهُ: قالوا: المراد به الاسم فحسب، وليس مراده الكنية؛ لأن اللقب إذا اجتمع مع الكنية فقدمن ما شئت، قدم وأخر، قدمت اللقب أو أخرته كلاهما سيان، وإنما مراد المصنف هنا أنه إذا اجتمع الاسم مع اللقب. إنْ سِوَاهُ: المراد به الاسم كما وجد في بعض النسخ، إن سواها، سواها يعني: سوى الكنية، وهو الاسم، إذا اجتمع الاسم مع اللقب وجب تأخير اللقب. وعلله ابن مالك وصرح به في التسهيل، وعلله في شرحه بأن الغالب أن اللقب منقول من اسم غير إنسان، هذا الغالب، بطة وقُفَّة هذا الأصل لقب .. ؟؟؟ ... أنف الناقة .. إلى آخره. فإذا قدم اللقب حينئذ قد يظن السامع المخاطب أن المراد به معناه الأصلي. إذاً: أوقع في لبس، وكل ما يوقع في لبس حينئذ الأصل منعه، فوجب تأخير اللقب لئلا يقع في اللبس. لو قال: بطة، ماذا يفهم منها؟ يظن البطة بطة هي نفسها، لكن قال: زيد بطة عرف أنه لقب. بأن الغالب أن اللقب منقول من اسم غير إنسان كبطة وقُفَّة، فلو قدم لتوهم السامع أن المراد مسماه الأصلي، وهذا لبس، وذلك مأمون بتأخيره فلم يعدل عنه، لا يجوز أن يتقدم اللقب على الاسم لئلا نقع في محذور وهو اللبس؛ لأن أكثر الألقاب إنما هي منقولة عن غير إنسان -أوصاف- إما حيوانات أوغيرها، فحينئذ لو أطلق ابتداءً توهم السامع أن المراد معناه الأصلي، وهذا يجب دفعه صيانة للإنسان. وعلله غيره بأنه أشهر من الاسم، اللقب أشهر من الاسم؛ لأن فيه العلمية مع شيء من معنى النعت، فلو أتى به أولاً لأغنى عن الاسم، لو قال: بطة محمد أو زيد، حينئذ هذا فيه وصل، لأن اللقب يكون مشعراً بمدح في نفس المسمى، أو مشعراً بذم في نفس المسمى، وحينئذ فيه دلالة على الاسم وشيء من النعت، فلو قدم لقدم الوصف على الموصوف، وقدم الاسم على الاسم الحقيقي، قالوا: إذاً نمنع. والأشهر ما ذكره ابن مالك أولاً.

стр. 372

وإن كان مع الكنية فالذي ذكروه جواز تقديمه عليها، يجوز: أبو عبد الله أنف الناقة، أنف الناقة أبو عبد الله، يجوز الوجهان، لكن ظاهر كلام المصنف المنع أيضاً، لماذا؟ لأن العلة -إذا قلنا: الأحكام معللة- حينئذ العلة من منع تقديم اللقب على الاسم ما هي؟ توهم مراد المعنى الأصلي من اللفظي. لو قال: بطَّة أبو عبد الله، العلة موجودة أو لا؟ قلنا: يمتنع أن نقول: بطة محمد، لماذا؟ لأنك أول ما قدمت بطة ظن أنها البطة، لكن إذا أخرت قلت: محمد بطة علمت أن هذا لقب له، طيب هذا المعنى الذي أوجب تأخير اللقب؛ لو قلت: بطة أبو عبد الله مع الكنية، -لأنهم يقولون: قدمن ما شئت- العلة موجودة، المحذور، اللبس موجود أو لا؟ موجود نفسه، فكان الأصل يقتضي أن يمنع مطلقاً، أن يمنع تقديم الكنية على اللقب، كما يمنع تقديم الاسم على اللقب، هذا الظاهر، وهو ظاهر عبارة المصنف ولا تحتاج إلى تأويل، بل هو قوله وهو منسوب إليه. وَأخِّرَنْ ذَا إنْ سِوَاهُ: يعني سوى الاسم والكنية، فيجب تأخير اللقب مع الكنية، ويجب تأخير اللقب مع الاسم، ولا نحتاج أن نقول: قال في الكافية كذا وقال في التسهيل كذا. وإن كان مع الكنية؛ فالذي ذكروه جواز تقديمه عليها وتقدمها عليه. ومقتضى تعليل ابن مالك: امتناع تقديمها عليه، وهو المختار -وهكذا قال السيوطي في جمع الجوامع- أن المختار هو ما يقتضيه تعليل ابن مالك رحمه الله تعالى من منع تقديم اللقب على الاسم لأن العلة موجودة مع الكنية كذلك، قال السيوطي: وهو المختار. إذاً قوله: وَأخِّرَنْ ذَا إنْ سِوَاهُ: هذا شامل للاسم والكنية، فيجب تأخير اللقب مع الكنية، ويجب تأخير اللقب مع الاسم. هل هو مراد المصنف أو لا؟ ظاهر العبارة أنها مرادة. إنْ سِوَاهُ صَحِبَا: سواه نقول: شامل للاسم والكنية، وقيل: الضمير وسواه عائد إلى الكنية باعتبار تأولها بالعلم، لكن هذا أيضاً فيه تحريف. قال ابن عقيل: وظاهر كلام المصنف أنه يجب تأخير اللقب إذا صحب سواه، ويدخل تحت قوله: سواه؛ الاسم والكنية، وهو إنما يجب تأخيره مع الاسم -عند الشارح، أما المصنف لا-. فأما مع الكنية فأنت بالخيار بين أن تقدم الكنية على اللقب، فتقول: أبو عبد الله زين العابدين، وبين أن تقدم اللقب على الكنية فتقول: زين العابدين أبو عبد الله، ويوجد في بعض النسخ بدل قوله: وَأخِّرَنْ ذَا إنْ سِوَاهُ صَحِبَا: وذا اجعل آخراً إذا اسماً صحبا، نص على الاسمية، وهو أحسن منه لسلامته مما ورد على هذا، لكن دعوى الإجماع أنهم أجمعوا على جواز التقديم والتأخير بين اللقب والكنية هذا محل خلاف، ليس محل إجماع، وإنما نص السيوطي في جمع الجوامع أنه مختلف فيه، والمختار هو أنه يمنع والحكم واحد، وأنه لا فرق بين الكنية والاسم في وجوب تأخير اللقب عليهما، وهو الظاهر. وَإِنْ يَكُونَا مُفْرَدَيْنِ فأَضِفْ ... حَتْمَاً وَإِلاَّ أَتْبِعِ الَّذِي رَدِفْ إذا تأخر اللقب عن الاسم أو اجتمع الاسم واللقب. وَإنْ يَكُونَا: الاسم واللقب. مُفْرَدَيْنِ: المفرد هنا ما يقابل المضاف، فإما مفردين فأضف حتماً.

стр. 373

َإنْ يَكُونَا مُفْرَدَيْنِ فأضِفْ حَتْماً: يعني وجوباً عند البصريين، إذا كان الاسم مفرداً وكان اللقب مفرداً عند البصريين لا يجوز إلا وجه واحد: وهو أن تضيف الأول إلى الثاني، فأضِفْ –وجوباً- الأول إلى الثاني، وهذا عند البصريين نحو: سعيد كرز، سعيد: هذا علم –اسم- وكرز: هذا لقب، هو في الأصل خرج الراعي، ويطلق على اللئيم والحاذق، سعيد كرزٍ: مضاف ومضاف إليه. وسيأتي في باب الإضافة: أنه يمتنع إذا اتحد المعنى أن يضاف بين الاسمين. وَلاَ يُضَافُ اسْمٌ ِلَما بِهِ اتَّحَدْ ... مَعْنىً وَأَوِّلْ مُوهِمَاً إِذَا وَرَدْ سعيد كرزٍ هذا مثال يذكرونه هناك. سعيد كرزٍ، حينئذ لا بد من التأويل؛ لأن سعيد مسماه هو مسمى كرز، وكرز مسماه هو مسمى سعيد، إذاً كيف يضاف الشيء إلى نفسه؟ هذا أشبه ما يكون بالمترادفين. قالوا: لا بد من التأويل، يعني: مسمى كرزٍ، فلوحظ في الأول الذات –الاسم-، ولوحظ في الثاني المعنى. وإلاَّ يكونا مفردين بأن كان أحدهما مركباً، وحينئذ إما أن يكونا مركبين، وإما أن يكون الأول مركب والثاني مفرد أو بالعكس، فالصور أربعة. اجتماع اللقب مع الاسم، الصور أربعة: إما أن يكون مفردين، يعني غير مضافين، وحينئذ عند البصريين وجوب إضافة الأول للثاني، سعيد كرزٍ لا وجه له ثانٍ. وعند الكوفيين يجوز الإتباع، وسيأتي. وإلاَّ يكون مفردين بأن كانا مركبين، أنف الناقة عبد الله، عبد الله أنف الناقة، عبد الله، هذا مركب، وأنف الناقة، هذا مركب، أو يكون الأول مفرد، والثاني مركب، الأول مفرد مثل: زيد أنف الناقة، أو بالعكس أن يكون الأول مركب الذي هو الاسم عبد الله، والثاني يكون مفرداً: عبد الله كرز، إذاً افترقا. وإلا يكونا مفردين بأن كانا مركبين، أو أحدهما مركب والثاني مفرد قدمت أو أخرت. أَتْبِعِ: الثاني. الَّذِي رَدِفْ: أتبع الثاني للأول، يعني يكون تابعاً له، والتوابع كم أربعة. والمراد هنا إما أن يكون بدلاً، بدل كل من كل أو عطف بيان، إما أن تعربه بدل كل من كل، أو عطف بيان، يعني: لا تجوز الإضافة؛ لأن العرب لا تضيف ثلاثة أشياء، وإنما جوزوا في الأول: سعيد كرز لأن كلاً منهما مفرد، وأما إذا كانا مركبين حينئذ أضفت أربعة أشياء، أربعة أسماء وهذا ممتنع، وإذا كان أحدهما مفرد والثاني مركب حينئذ أضفته بين ثلاثة أشياء، وهذا أيضاً ممتنع. إذاً: وجب الإتباع، ولا يجوز الإضافة، وإنما الإضافة فيما إذا كانا مفردين. وَإنْ يَكُونَا: يعني اللقب والاسم. مُفْرَدَيْنِ: غير مضافين. فأضِفْ حَتْماً: أضف الأول إلى الثاني حتماً وجوباً عند البصريين، نحو: سعيد كرزٍ أي: مسماه. وأجاز الكوفيون الإتباع، سعيدٌ كرزٌ، جاء سعيدٌ كرزٌ، جاء: فعل ماض، وسعيد: فاعل، وكرز: هذا بدل كل من كل أو عطف بيان، مع الإضافة. وأجاز الكوفيون الإتباع، واختاره في الكافية والتسهيل، وعلى الأول جواز الإضافة حيث لا مانع من (أل) نحو: الحارث وكرزٍ. دائماً الشراح يفسرون الألفية بالكافية، وهذا مثال واضح بين أن هذا الطريق ليس صحيح. هنا قال: وَإنْ يَكُونَا مُفْرَدَيْنِ فأضِفْ حَتْماً

стр. 374

اختار وجوب الإضافة، في الكافية رجح مذهب الكوفيين: وهو أنه يجوز الإتباع، حينئذ لا ينبغي أن يفسر هذا بذاك، لماذا؟ لأنه لم يختصر الخلاصة من الكافية مباشرة حتى نقول: أنه لم يرجع عن أقواله، -لم يصحح بعض المذاهب- وإنما ألف الكافية والله أعلم كم الزمن الذي وقع بين الخلاصة والكافية، في هذا الزمن تتغير وتتبدل أمور، يرجع عن أقوال وينفي أمور يثبتها، ويثبت أموراً نفاها .. إلى آخره. فالآراء تتبدل وتتغير؛ لأنها من باب الاجتهادات، وحينئذ: وَإنْ يَكُونَا مُفْرَدَيْنِ نقول: في الكافية اختار مذهب الكوفيين، وهنا رجح مذهب البصريين. وهذا يدل على أنه لا علاقة من حيث الترجيح -وإن كانت هذه خلاصة- لا علاقة من حيث الترجيح بما في الكافية وتكون حاكمة على الألفية. وأجاز الكوفيون الإتباع، واختاره في الكافية والتسهيل، وعلى الأول جواز الإضافة حيث لا مانع من (أل)، نحو: الحارث كرزٌ، يعني: مذهب البصريين أنه لا يجوز أن يكون المضاف محلىً بـ (أل) وهذا متفق عليه لا إشكال فيه إلا إذا كان وصفاً، وهذا له حالاته. الحارث، نقول: هذا محلىً بـ (أل). الحارثُ كرزٌ، هل يصح أن نضيف الأول إلى الثاني فيكون داخلاً في قوله: وَإنْ يَكُونَا مُفْرَدَيْنِ، مع كونهما مفردين؟ نقول: نعم. فإذا أضفنا قلنا: الحارث كرزٍ -على الأصل على القاعدة- وقعنا في محذور: وهو أن المضاف هنا محلىً بـ (أل)، فإذا كان كذلك حينئذ وجب الاستثناء من القاعدة - وَإنْ يَكُونَا مُفْرَدَيْنِ - بشرط ألا يكون الأول محلىً بـ (أل)، فالحارثُ كرزٍ هذا عندهم لا يصح، وإنما تقول: الحارثُ كرزٌ بالرفع على أنه بدل أو عطف بيان، إما بدل وإما عطف بيان. قال الشارح هنا: إذا اجتمع الاسم واللقب؛ فإما أن يكونا مفردين، والمفرد هنا ما قابل المركب، أو مركبين، أو الاسم مركباً واللقب مفرداً، أو الاسم مفرداً واللقب مركباً، فإن كانا مفردين، إن كان في الأول (أل) فليس إلا الإتباع وفاقاً نحو: الحارث كرزٌ، وجب عند البصريين الإضافة على تأويل الأول بالمسمى، والثاني بالاسم تخلصاً من إضافة الشيء إلى نفسه. وَلاَ يُضَافُ اسْمٌ ِلَما بِهِ اتَّحَدْ ... مَعْنىً وَأَوِّلْ مُوهِمَاً إِذَا وَرَدْ سعيدُ كرزٍ نقول: هذا مثله؛ لأنه هو نفس المسمى واحد، ما يصدق عليه المضاف هو الذي يصدق عليه المضاف إليه. إذاً: لا بد من التأويل، من إضافة المسمى إلى الاسم، نحو: سعيدُ كرزٍ ورأيت سعيدَ كرزٍ ومررت بسعيدِ كرزٍ، مضاف ومضاف إليه مثل عبد الله، جاء عبدُ الله، رأيتُ عبدَ الله، مررتُ بعبدِ الله، جاء سعيدُ كرزٍ، رأيت سعيدَ كرزٍ، مررت بسعيدِ كرزٍ.

стр. 375

وأجازه الكوفيون واختاره ابن مالك الذي هو الإتباع. وأجاز الكوفيون الإتباع واختاره ابن مالك على البدل أو عطف بيان، فتقول: هذا سعيدٌ كرزٌ، ورأيت سعيداً كرزاً، ومررت بسعيدٍ كرزٍ –مطلقاً- جاء سعيدٌ كرزٌ، سعيد: فاعل، وكرزٌ: بدل أو عطف بيان. رأيت سعيداً كرزاً، كرزاً: عطف بيان أو بدل كل من كل؟ مررت بسعيدٍ كرزٍ، كرزٍ عطف بيان أو بدل كل من كل، لماذا؟ قالوا: لأن الإضافة في مثل ذلك خلاف الأصل، الإضافة هنا -وهذا توجيه جيد- وهو أن الإضافة هنا من إضافة الشيء إلى نفسه، اتحد معناه، وهذا خلاف الأصل، وإنما الأصل أنك تغاير بين المضاف والمضاف إليه، غلام زيد، غلام مصدقه غير مصدق زيد، هذا الأصل في الإضافة أنك تقيد الأول بالثاني. أما سعيدُ كرزٌ هو عينه، تضيفه إلى أي سبب؟ ما الموجب؟ حينئذ إذا قلت: غلام زيد عبد الله ثَمَّ سبب، ثَمَّ موجب، تقيد الأول بالثاني، أما سعيدُ كرزٍ ما الفائدة؟ ليس فيه فائدة، ولذلك مذهب الكوفيين أرجح، لأن الإضافة في مثل ذلك خلاف الأصل. وإن لم يكونا مفردين، وهو الذي أشار إليه بقوله: وإلاَّ (إن لا)، (إن) أدغمت في لا. وإلاَّ -يكونا مفردين- أتبع الثاني الذي ردف، يعني: الأول –له- في إعرابه على أنه بدل أو عطف بيان، وحينئذ نقول: امتنعت الإضافة، لا يجوز أن يضاف، لماذا؟ لأنه لا يضاف ثلاثة أسماء فضلاً عن أربعة أسماء، إذا قلت: أنف الناقةِ، محمد أنفِ الناقةِ، أضفت ثلاثة أسماء، وهذا ممتنع في لسان العرب؛ لأنه ثقيل، محمد أنفِ الناقة مثل سعيد كرز نقول: هذا فيه ثقل. بأن كانا مركبين، نحو: عبد الله أنف الناقة، أو مركباً ومفرداً: عبدُ الله كرزٌ وسعيد أنف الناقة وجب الإتباع، فتتبع الثاني الأول في إعرابه،- هذا هو الأصل- ثم يجوز لك وجه آخر وهو القطع، -القطع هذا يكون في باب النعت- يعني تجعل الكلام جملتين وليس جملة واحدة. جاء سعيدٌ أنفُ الناقةِ، أنفُ الناقةِ هذا بدل أو عطف بيان، يجوز أن تقول: جاء سعيدٌ أنفَ الناقةِ، يعني بالنصب، قطعت الرفع إلى النصب على تقدير فعل أعني، وحينئذ صار الكلام جملتين، ولذلك القطع خلاف الأصل، الأصل في الكلام أن يكون متصلاً بعضه ببعض، وما جيء بحروف العطف إلا من أجل إيصال الكلام بعضه ببعض، وحينئذ يجوز أن تقطع فتقول: جاء سعيدٌ أنفُ الناقةِ، جاء سعيدٌ أنفَ –بالنصب- على أنه مفعول به لفعل محذوف وجوباً أعني. وكذلك إذا كان منصوباً تقطعه إلى الرفع، رأيت سعيداً يجوز أن تقول: أنفَ الناقة على أنه بدل أو عطف بيان، ويجوز أن تقول: رأيت سعيداً أنفُ بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. إذاً: تقطع الرفع إلى النصب وإلى رفع لا بأس، لماذا؟ لأنك قد تنوي بأن الجملة الثانية مغايرة للأخرى، يعني هل يجوز أن يقال: جاء سعيد أنفُ الناقةِ؟ أنفُ يجوز لك إعراب أنفِ: إما بدل أو عطف بيان، أو أنه خبر لمبتدأ محذوف وهو أنفُ الناقة ولا بأس.

стр. 376

ويجوز أن تقطعه من الرفع إلى النصب، ولذلك قال هنا: ويجوز القطع إلى الرفع بإضمار هو، يعني: مبتدأ محذوف، ويكون الذي قطعته خبراً لمبتدأ محذوف، أو النصب بإضمار أعني، مررت بزيدٍ أنفُ الناقة، -لا إشكال- يعني: وهو أنفُ الناقة. وأنفَ الناقة أعني: أنفَ الناقة. فالرفع على إضمار مبتدأ، والتقدير: هو أنف الناقة. والنصب على إضمار فعل والتقدير: أعني أنفَ الناقة، فيقطع مع المرفوع إلى النصب، ومع المنصوب إلى الرفع، ومع المجرور إلى النصب أو الرفع، ولا يقطع الرفع أو النصب إلى الجر، لا يقطع المرفوع أو المنصوب إلى الجر، لماذا؟ لأن العامل الذي يقدر هو فعل أو اسم، وحرف الجر لا يعمل مقدراً على الصحيح، ولذلك قلنا: المرجح (اضرب): أنه فعل مبني وليس معرباً خلافاً للكوفيين أنه مجزوم بلام الأمر مقدرة. إذاً: وَإِنْ يَكُونَا مُفْرَدَيْنِ فأَضِفْ ... حَتْمَاً وَإِلاَّ أَتْبِعِ الَّذِي رَدِفْ إلاَّ: قالوا: ظاهره امتناع الإضافة إذا كان الأول مفرداً والثاني مركباً. قال الصبان: والوجه خلافه، كما صرح به الرضي بجواز كون المضاف إليه مركباً نحو: غلام وعبد الله، بخلاف المضاف، والإتباع أقيس من الإضافة، والإضافة أكثر. وَمِنْهُ مَنْقُولٌ كَفَضْلٍ وَأَسَدْ ... وَذُو ارْتِجَالٍ كَسُعَادَ وَأُدَدْ وَجُمْلَةٌ وَمَا بِمَْزجٍ رُكِّبَا ... ذَا إِنْ بِغَيْرِ وَيْهِ تَمَّ أُعْرِبَا وَشَاعَ فِي الأَعْلاَمِ ذُو الإِضَافَهْ ... كَعَبْدِ شَمْسٍ وَأَبِي قُحَافَهْ ينقسم العلم باعتبار كونه منقولاً أو مرتجلاً إلى قسمين، وزاد بعضهم ثالثاً لا منقولاً ولا مرتجلاً. وَمنْهُ مَنْقُولٌ: أي: ومن العلم علم منقول، وأرادوا به أنه ما سبق له استعمال في غير العلمية، يعني: كان نكرة، كان جملة، كان فعلاً ماضياً، كان مضارعاً، كان اسماً جامداً، كان اسم فاعل، كان اسم جنس في الأصل، ثم نقلته فجعلته علماً، اسْمٌ يُعَيِّنُ المُسَمَّى مُطْلَقاً، هذا يسمى منقولاً، يعني سبق له استعمال في غير علم. فضل مثلاً، هذا مصدر جامد، لو قلت: فضلٌ، هذا فضل الله؛ شيء غير معين، لكن لو جاءك ولد وقلت: هذا سميته فضل، حينئذ نقلت المصدر من دلالته على المصدر وعدم التعيين لأنه جامد فصار علماً لذاتٍ مشخصة، هذا يسمى علماً منقولاً. ومرتجل هذا مأخوذ من الارتجال وهو ابتداء الشيء على غير تهيئٍ، والمراد به: ما لم يسبق له استعمال قبل العلمية في غيرها،- أول ما وضع في لسان العرب وضع اسماً علماً يعين المسمى-لم يستعمل كمصدر أو فعل أو جملة ثم نقل إلى العلمية، بل أول ما وضع وضع علماً. إذاً: العلم إما منقول وإما مرتجل. المنقول: ما سبق له استعمال في غير علمية، قبل العلمية. والمرتجل الذي لم يسبق له استعمال قبل العلمية في غيرها، أو سبق وجهل –قولان-، قد يكون سبق لكنه جهل، حينئذ ما حكمه؟ إذا سبق له وجهل لا ندري هل هذا ابتداءً أم أنه نكرة، ابتداءً علماً مرتجلاً أم أنه منقول ما ندري، حينئذ صار حكمه حكم المنقول، لأنه لا بد وأن يعتبر إما نكرة وإما فعل إلى آخره، فإذا لم يعلم حينئذ رجعنا إلى الأصل.

стр. 377

وَمنْهُ مَنْقُولٌ: منه أي: من العلم، علم منقول إلى العلمية بعد استعماله في غيرها، كفضل -هذا مصدر- وأسد -هذا اسم جنس، وحينئذ المنقول إما أن ينقل من صفة كحارث، أو من مصدر كفضل، أو من اسم جنس كأسد، وهذه تكون معربة. وقد يكون النقل من جملة إما فعلية -وهو المسموع في لسان العرب- وإما اسمية وهذا مقيس عند النحاة على الجملة الفعلية- يعني: لم يسمع نقل جملة إلى العلمية إلا الفعلية فحسب، شاب قرناها، شاب: فعل ماض، وقرناها: فاعل، تأبط شراً: هذا فعل وفاعل ومفعول به، هذا الذي سمع. وأما لو قيل: زيد عالم،-سميت ولدك زيد عالم- هذه جملة اسمية، هل نقل في لسان العرب؟ الجواب: لا، لأنهم لما سموا بالجملة الفعلية حينئذ قاسوا عليها الجملة الاسمية لانتفاء الفرق بينهما. أو من جملة كقام زيد وزيد قائم، وحكمها أنها تحكى، كما سيأتي. وَمنْهُ مَنْقُولٌ كَفَضْلٍ وَأَسَدْ ... وَذُو ارْتِجَالٍ .............. وَذُو ارْتِجَالٍ: يعني: ومنه ذو ارتجال، والارتجال: ابتداء الشيء على غير تهيئٍ. كَسُعَادَ وَأُدَدْ، أدد هذا نُوزع فيه بأنه؟؟؟ أو لا، قيل: جمع أدة بمعنى المرة من الود، والهمزة منقلبة عن الواو. سعاد هذا أول ما نقل، أول ما وضع وضع علماً، لم يسبق أن يستعلم في غير العلمية ثم استعمل في العلمية، وأدد مثله عند الناظم إلا أنه نُوزع فيه. وقيل: من العلم ما ليس منقولاً ولا مرتجلاً، لا يوصف بهذا ولا بذاك، فهو واسطة بينهما. وهو الذي علميته بالغلبة، هذا يأتي في المعرف بـ (أل). وَقَدْ يَصِيرُ عَلَمَاً بِالْغَلَبَهْ ... مُضَافٌ اوْ مَصْحُوبُ أَلْ كَالعَقَبَةْ المدينة: هذا علم بالغلبة، يعني إذا أطلقت المدينة صرفت إلى المدينة هي هي، عينها، وحينئذ هل هذا منقول؟ هل هذا مرتجل؟ الجواب: لا، لا منقول ولا مرتجل. وَمِنْهُ مَنْقُولٌ كَفَضْلٍ وَأَسَدْ ... وَذُو ارْتِجَالٍ كَسُعَادَ وَأُدَدْ ذهب بعضهم إلى أن الأعلام كلها منقولة، -كلها ليس فيه تفصيل لا منقول ولا مرتجل، بل كلها منقولة- وليس منها شيء مرتجل. قال قائله: إن الوضع سبق ووصل إلى المسمى الأول، وعلم مدلول تلك الألفاظ في النكرات وسمي بها، وجهْلنا نحن أصلها فحينئذ توهمنا من سمى بها من أجل ذلك مرتجلاً، فحينئذ كونها مرتجلة أو منقولة هذا وهم يعني من باب التوهم عند المسمي، وإلا الأصل كلها منقولة. وذهب الزجاج إلى أنها كلها مرتجلة، عكس الأول، والمرتجل عنده ما لم يقصد في وضعه النقل من محل آخر إلى هذا، ولذلك لم تجعل (أل) في الحارثِ زائدة، وموافقتها للنكرات بالغرض لا بالقصد؛ لأنه يرد عليه أن عندنا مصدر هو (فضل)، وعندنا جملة: شاب قرناها، وعندنا جملة أخرى: تأبط شراً، لو كانت كلها أعلام بالأصل وعندنا هذه أفعال مستعملة في غير العلمية وعندنا فضل مصدر وعندنا أسد اسم جنس مستعلمة في غير العلمية، كيف يقال؟ قال: هذا لا، هذه موافقة لا بالقصد، وإنما بالتوافق وحسب، الأصل وضع فضلٌ علماً، ووضع نكرة كذلك موافقاً له في اللفظ والمعنى لا أنه نقل من المصدر إلى علمية، وهذا فيه تكلف، أن يقال: بأن فضل وضع مرتين: مرة علماً ومرة نكرة هذا يحتاج إلى إثبات.

стр. 378

إذاً: ثَمَّ خلاف في العلم المنقول والعلم المرتجل، لكن لا ينبني عليه كبير فائدة. وَمِنْهُ مَنْقُولٌ كَفَضْلٍ وَأَسَدْ ... وَذُو ارْتِجَالٍ كَسُعَادَ وَأُدَدْ وَجُمْلَةٌ: يعني ومنه جملة، يعني: يقع جملة مركبة من فعل وفاعل ومبتدأ وخبر، لكن ليس بعد العلمية، وإنما هو قبل العلمية، يعني منقول من الجملة كما ذكرناه سابقاً، قام زيد، جاء قام زيد، رأيت قام زيد، مررت بقام زيد، نقول: قام زيد هذا اسم كزيد، حينئذ تحكى الجملة ولا تعرب إلا إعراباً مقدراً، تحكى كما هي يعني: لا يبدل، لا تقل: جاء قاموا زيد، قاموا بالرفع على أنه فاعل، وإنما تحكى كما هي؛ لأنه في الأصل فعل ماض وهو مبني فيبقى على نفس اللفظ ولا يتبدل ولا يتغير، ولذلك قال هنا: تحكى، فتقول: جاءني زيد قائم ورأيت زيد قائم ومررت بزيد قائم، وهذا من الأعلام المركبة، لكنه كما ذكرنا لم يسمع أنهم سموه بالجملة الاسمية، وإنما ورد تسميتهم بالجملة الفعلية. كَذَبْتُم وبَيْتِ الله لاَ تَنكِحُونَهُ ... بَني شَابَ قَرنَاهَا تَصُرُّ وتَحلِبُ وَجُمْلَةٌ: يعني ومنه جملة. وَمَا بِمَْزجٍ رُكِّبَا: يعني ومنه بما بمزج، يعني: الذي بسبب مزج ركبا، والمزج عندهم أخذ اسمين ويجعلا اسماً واحداً، وينزل الثاني منزلة تاء التأنيث من الأول -هكذا قيل- بأن أخذ اسمان وجعلا اسماً واحداً ونزل ثانيهما من الأول منزلة تاء التأنيث من الكلمة، بعلبك، حضرموت، معدي كرب، هذا مركب مزجي، سيبويه هذا مركب مزجي، حينئذ بعلبك، بعل هذا جزء، بك هذا جزء ثان. قيل: جعل بك بمنزلة تاء التأنيث، عائش عائشة، أليس كذلك؟ عائش الشين هي محل الإعراب، جاء عائش اسم رجل هذا، جاء عائشٌ، رأيت عائشاً، مررت بعائشٍ، إذاً: الشين هي محل الإعراب، إذا اتصلت به تاء التأنيث؛ جاءت عائشةُ صارت التاء هي محل الإعراب، هذا مثله (بعل) اللام هي محل الإعراب، فلما اتصل به ركب ومزج بين الكلمتين (بعل بك) صار الجزء الثاني كالتاء من تاء التأنيث انتقل الإعراب من بعل من اللام إلى آخره فنزل منزلة تاء التأنيث. كل كلمتين نزلت ثانيهما منزلة تاء التأنيث مما قبله، بمعنى: أنه صار بعد التركيب والمزج صار حرف إعراب في آخره. وَمَا بِمَْزجٍ رُكِّبَا: الألف هذه للإطلاق. ذَا: ما هو المشار إليه؟ ذا الذي هو المركب المزجي. إنْ بِغَيْرِ وَيْهِ تَمَّ أُعْرِبَا إنْ: حرف شرط، وفعل الشرط محذوف وجوباً يفسره المذكور تم، إن تم وختم بغير لفظ ويه، أُعْرِبَا: هذا جواب الشرط، أعربا. إذاً متى يكون مبنياً؟ ومتى يكون معرباً؟ فصل المصنف رحمه الله تعالى. إنْ بِغَيْرِ وَيْهِ: كبعلبك وحضرموت ومعدي كرب، إذاً: هذا تم وختم بغير ويه، أعرب صار معرباً إعراب ما لا ينصرف. مفهومه: إن ختم بويه -اسم صوت- صار مبنياً؛ لأن الحكم هنا أعرب علق على وصف، إن وجد ذلك الوصف وجد معه الإعراب، وإن لم يوجد حينئذ وجد نقيضه وهو البناء. ذَا: أي: المركب المزجي. إن بغير لفظ ويه تم أي ختم أعربا كبعلبك، إعراب ما لا ينصرف، فإن ختم بويه حينئذ صار مبنياً.

стр. 379

ذَا إنْ بِغَيْرِ وَيْهِ تَمَّ أُعْرِبَا: إذاً المركب المزجي نوعان: إما أن يكون مختوماً بويه كسيبويه، وخالويه، ونفطويه، وإما ألا يكون مختوماً بويه، إن كان مختوماً بيويه كسيبويه نقول: هذا مبني، بل فيه لغات، الفصحى بناؤه على الكسر، سيبويهِ مبني على الكسر، ويليها: -يلي هذه اللغة الفصحى- ممنوع الصرف يمنع من الصرف، تقول: جاء سيبويه، ورأيت سيبويهَ ومررت بسيبويهَ ممنوع من الصرف. وغير المختوم بويه كمعدي كرب، وبعلبك فيه ثلاث لغات، إذاً سيبويه كم لغة فيه؟ فيه لغتان: البناء على الكسر وهو اللغة الفصحى سيبويهِ مطلقاً رفعاً ونصباً وجراً. اللغة الثانية: إعرابه إعراب ما لا ينصرف، وأما غير المختوم بويه والذي نص عليه المصنف أنه معرب ففيه ثلاث لغات، الفصحى إعرابه إعراب ما لا ينصرف على الجزء الثاني، ويفتح آخر الأول للتركيب ما لم يكن ياء كمعدي كرب فيسكن. إعراب ما لا ينصرف يكون الإعراب على الحرف الأخير، بعلبك -هو رجل اسمه بعلبك-، جاء بعلبكُ تقول: هذا فاعل مرفوع، ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، ولا تقل: بعلبكٌ بالتنوين؛ لأنه ممنوع من الصرف، جاء بعلبكُ، رأيت بعلبكَ، مررت ببعلبكَ ممنوع من الصرف، مثلما تقول: جاء أحمد، رأيت أحمدَ، ومررت بأحمدَ، نقول هذا ممنوع من الصرف. ويفتح آخر الأول -بعلَبكَ- في المواضع كلها إلا إذا كان ياءً فيسكن، جاء معدي كرب، رأيتُ معدي كرب، مررت بمعدي كرب .. ساكنة في الثلاثة الأحوال، وأما كرب وهذه في حالة الرفع تضم، جاء معدي كربُ فاعل، رأيتُ معدي كربَ مررت بمعدي كربَ؛ لأنه ممنوع من الصرف وهو الذي نص عليه المصنف. ويليها إعراب المتضايفين بإضافة صدره إلى عجزه، فيخفض ويجري الأول بوجوه الإعراب، تقول: جاء بعلبكُ، تحركها بالضمة، والثاني يجر، بعلُبكِّ –مثل عبدُ اللهِ_ جاء بعلُبكِّ، رأيت بعلَبكِّ، مررت ببعلِبكِّ، جاء حضرُموتٍ، رأيت حضرَموت، مررت بحضرِموت -هذا إعراب عبد الله- متضايفين، إضافة الأول إلى الثاني، ويجري الأول بوجوه الإعراب، يعني الحركات تكون على اللام، بعلَ، بعلِ، بعلُ. واللغة الثالثة: بناؤه على الفتح في الجزأين ما لم يعتل الأول فيسكن كخمسة عشر، يعني بعلبك مبني على فتح الجزأين مثل: خمسة عشر، إلا إذا كان الأول معتلاً مثل معدي فيبقى على السكون ولا يحرك بالفتح. إذاً: ذو المزج -النوع الذي أراده المصنف- وهو كل اسمين نزل ثانيهما منزلة هاء التأنيث نقول: نوعان مختوم بويه كسيبويه وفيه لغات، الفصحى بناؤه على الكسر، ويليها الإعراب ممنوع من الصرف، وغير المختوم بويه كمعدي كرب وبعلبك ففيه ثلاث لغات. الفصحى إعرابه إعراب ما لا ينصرف على الجزء الثاني، ويفتح آخر الأول للتركيب ما لم يكن ياء كمعدي كرب فيسكن، ويليها إعراب المتضايفين بإضافة صدره إلى عجزه فيخفض يعني الثاني، ويجري الإعراب بوجوه الإعراب على الأول، والثالثة بناؤه على الفتح في الجزأين ما لم يعتل الأول فيسكن كخمسة عشر. وَمَا: ومنه -ما علم- بِمَْزجٍ: بسبب المزج رُكِّبَا الألف للإطلاق، والذي ركب بمزج، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. (ذا) أي: المركب تركيب مزجي، إنْ بِغَيْرِ لفظ وَيْهِ تَمَّ -ختم- أُعْرِبَا.

стр. 380

وَشَاعَ فِي الأعْلاَمِ -المركبة- ذُو الإضَافَهْ: وشاع، يعني كثر وانتشر في الأعلام المركبة. ذُو الإضَافَهْ: يعني صاحب الإضافة، مضاف ومضاف إليه، هذا أكثر من المزجي، وأكثر من الإسنادي، والمفرد أكثر منهم، لكن إذا قيل: العلم إما مفرد وإما مركب، والمركب إما مركب تركيباً إسنادياً، وهو ما سمي بجملة فعلية أو اسمية، والمركب تركيب مزجي، والمركب تركيب إضافي .. هذه ثلاثة أنواع للأعلام المركبة، أكثرها في لسان العرب المضاف، وَشَاعَ: كثر وانتشر، في الأعلام المركبة: ذو الإضافة. والإضافة المراد بها: -المضاف والمضاف إليه-: كل كلمتين نزل ثانيهما منزلة التنوين مما قبله، غلامٌ ثم أضفته إلى زيد قلت: غلامُ حذفت التنوين، زيدٍ جعلت التنوين في آخر الكلمة، إذاً نزلت زيد من غلام منزلة التنوين، وليست هي محل إعراب، بخلاف بعلبك نزل الجزء الثاني منزلة تاء التأنيث، وتاء التأنيث تكون محلاً للإعراب. إذاً المضاف والمضاف إليه أو المركب الإضافي: كل كلمتين نزلت ثانيهما منزلة التنوين مما قبله، غلام زيدٍ أصلها غلامٌ زيدٌ، كل منهما مفرد، أردت الإضافة حذفت التنوين من غلام المضاف إليه وجوباً ثم أضفته إلى زيد فجعل زيد محلاً لظهور التنوين الذي كان في الأول. كَعَبْدِ شَمْسٍ: يعني وذلك كعبد شمس، وهو علم لأخِ هاشم بن عبد مناف، وأَبِي قُحَافَهْ: علم لوالد أبي بكر. نبه بالمثالين على أن الجزء الأول يكون معرباً بالحركات كعبد، وبالحروف كأبي. والجزء الثاني يكون منصرفاً كشمسٍ، وغير منصرف كقحافة. إذاً: أشار بهذه الأبيات إلى تعداد أنواع العلم، منه ما هو منقول، ومنه ما هو مرتجل، منه ما هو جملة، ومنه ما هو مركب، والمركب قد يكون مركباً إسنادياً وقد يكون مركباً تركيبياً أو مركباً إضافياً، ومنه ما هو مفرد ولم ينص عليه لأنه الأصل، أو يقال: بأنه سبق في قوله: وَاسْمَاً أتَى، وَكُنْيَتةً وَلَقَبَا، ولذلك قال السيوطي: علم الشخص أربعة أنواع: أولاً: المفرد، وهو ما عري من إضافة وإسناد ومزج كزيدٍ. ثانياً: ذو الإسناد، وهو المحكي من جملة نحو: برق نحره، وتأبط شراً، وشاب قرناها. وهذا أشار إليه المصنف بقوله: وجملة. ثالثاً: ذو المزج، وذكرناه وأشار إليه بقوله: وَمَا بِمَْزجٍ رُكِّبَا إلى آخره. الرابع: ذو الإضافة، وهو اسم وكنية، فالأول كعبد الله والثاني ما صدر بأب أو أم، زاد الرضي أو بابن أو بنت، وأشار إليه بقوله: وَشَاعَ فِي الأعْلاَمِ ذُو الإِضَافَهْ، والمركب أو الكنية أشار إليه بقوله: وَاسْمَاً أتَى وَكُنْيَتةً والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!

стр. 381

عناصر الدرس * علم الشخص وعلم الجنس * فوائد مهمة في ضبط علم الشخص وعلم الجنس والتمييز بينهما. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ س: كنا نود منكم أن تذكروا لنا المسائل التي خالف فيها ابن مالك نفسه بين الكافية والخلاصة؟ ج: المسائل التي مرت، معنا شرح ابن عقيل خرجها ولا تستفيد منها شيئاً فوائدها قليلة، هل هي أقوال موجودة معروضة وهو قول مسبوق إليه حينئذٍ؟؟؟. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: ما زال الحديث في باب الْعَلَم وهو النوع الثاني من أنواع المعارف. وَمُضْمَرٌ أَعْرَفُهَا ثُمَّ العَلَم: عرَف ابن الناظم رحمه الله تعالى العلم بقوله: اسْمٌ يُعَيِّنُ المُسَمَّى مُطْلَقاً، وعلى مذهبه علم الجنس في المعنى نكره، حينئذٍ ليس داخلاً في الحد، لأن قوله يعين المسمى، خرج به علم الجنس لأنه في المعنى نكرة عند ابن مالك رحمه الله تعالى، ومرادف باسم الجنس كأسد وأسامة. ثم قسَّم العلم لأنه قد يكون لمن يعقل وقد يكون لغير من يعقل وقد يكون لحيوان وقد يكون لمكان إلى غير ذلك. ثم قسَّمَه باعتبارٍ آخر، أنه ينقسم إلى كنية واسم ولقب، ثم بين أن اللقب إذا جاء مع الكنية أو مع الاسم وجب تأخيره قال: وأخِّرَاً ذَا أي اللقب. إنْ سِوَاهُ: يعني سواه سوى الاسم والكنية. صَحِبَا: فإذا صحب اللقب الاسم حينئذٍ وجب تأخيره، وإذا صحب اللقب الكنية على ظاهر كلامه وجب تأخيره. ثم ذكر أنه إذا اجتمع الاسم واللقب فإما أن يكونا مفردين وإما أن لا يكونا فإن كانا مفردين فمذهب البصريين ورجحه هنا خلافاً لما ذهب إليه الكافية من أنه يجب إضافة الأول إلى الثاني ولا يجوز الإتباع، فيقال: سعيد كرزٍ، مضاف ومضاف إليه، من إضافة المسمى إلى الاسم، لابد من التأويل لما سيأتي في باب الإضافة. وإن لم يكونا مفردين بأن كانا مركبين أو الأول مركب والثاني مفرد أو بالعكس حينئذٍ وجب الإتباع والصواب هو مذهب الكوفيين لأنه في جميع المسائل أنه يُتبع الأول الثاني مع جواز الإضافة في الأول، يعني لا يتعين مذهب البصريين في أنه يجب إضافة الأول للثاني، بل الصواب أنه يجوز الأمران. والإضافة أكثر كما قال ابن هشام رحمه الله تعالى: الإتباع أقيس من الإضافة والإضافة أكثر، يعني السماع. ثم قسَّمه باعتباره كونه منقولاً أو مرتجلاً إلى القسمين ومن المنقول ما هو جملة ثم أقسام علم الشخص أربعة أنواع: مفردٌ، وذو الإسناد، وذو المزج، وذو الإضافة، ومرت معنا. ثم انتقل رحمه الله تعالى إلى بيان النوع الثاني من نوعي العلم، العلم نوعان: علم شخص، وعلم جنس، حينئذٍ نقول ينقسم العلم باعتبار تشخص مسماه وعدم تشخص مسماه إلى قسمين، مسمى هل هو مُشخَّص أو غير مُشخَّص، ينقسم بهذا الاعتبار إلى علم شخص، وعلم جنس، وهذا تنزل معه الناظم، وهو أنه يرى أن علم الجنس ليس معيناً من حيث المعنى، يعني ليس بعلم. وَوَضَعُوا لِبَعْضِ الاَجْنَاسِ عَلَمْ ... كَعَلَمِ الأَشْخَاصِ لَفْظَاً وَهْوَ عَمْ مِنْ ذَاكَ أُمُّ عِرْيَطٍ لِلعَقْرَبِ ... وَهكَذَا ثُعَالَةٌ لِلثَّعْلَبِ وَمِثْلُهُ بَرَّةُ لِلمَبَرَّهْ ... كَذَا فَجَارِ عَلَمٌ لِلْفَجْرَهْ

стр. 382

وَوَضَعُوا لِبَعْضِ الأجْنَاسِ عَلَمْ، مَنِ الواضِع؟ العرب، يُنسب إليهم لكونهم ناطقين بما وضع لهم، وإلا الأصل في الوضع هو الله ، الذي وضع الألفاظ دالة على المعاني هو الرب جل وعلا كما سبق معنا ((وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا)) [البقرة:٣١] حينئذٍ الأسماء هذه الأسماء اللغوية الشاملة للفعل والحرف عند النحاة، وليس المراد به الاسم الاصطلاحي الذي يقابل الفعل والحرف، حينئذٍ لو قيل الأسماء الاصطلاحية، ((وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ)) [البقرة:٣١] يعني دون الأفعال والحروف، نقول: لا بل هي شاملة للأفعال والحروف لأن الاسم ما دل على مسمى، وهذا يصدق عن الاسم الاصطلاحي والفعل الاصطلاحي والحرف الاصطلاحي. وَوَضَعُوُا المراد بالوضع هنا الوضع الشخصي، وهو: جَعْلُ اللفظ دليلاً على المعنى وهذا كما ذكرنا أنه مغاير للوضع النوعي إذ النوعي هذا متعلقه القواعد العامة الكلية التي هي متعلقة بالتراكيب، وأما هذا النوع وهو متفق عليه بأنه موضوع بخلاف النوعي -وهذا متفق عليه- حينئذٍ ننسبه إلى الله ، الذي وضع لفظ السماء لتدل على الجرم المعهود نقول الله _عز وجل. وأما إسناده هنا إلى أهل اللغة وَوَضَعُوُا: أي أهل اللغة، نقول: باعتبار كونهم هم الناطقين بلسان العرب. وَوَضَعُوا لِبَعْضِ الأجْنَاسِ قوله: لِبَعْضِ له مفهوم وهو أن هذه الأجناس وضع لبعضها لا لكلها لا لجميعها فبعضها وضع له وبعض لم يوضع له، إذاً لا لجميع الأجناس. وَوَضَعُوا لِبَعْضِ الأجْنَاسِ بعض مضاف، والأجناس مضاف إليه، له مفهوم؟ نقول: نعم له مفهوم، لأن إطلاق الحكم وتعليقه هنا بالبعض يدل على أن الآخر لم يوضع له علم. وَوَضَعُوا: ماذا؟ وضعوا علماً لبعض الأجناس، علم بالإسكان هذا على لغة ربيعة، لأنه مفعول به، وضعوا ماذا؟ وضعوا علماً، إذا أطلق هذا العلم انصرف إلى مسماه وهو الجنس هذا الأصل الذي ينبغي أن يكون. كَعَلَمِ الأشْخَاصِ لَفْظاً: هذا العلم الذي يسمى علم الجنس له جهتان له حكمان: حكم من جهة المعنى، وحكم من جهة اللفظ، هو تطرق أولاً للفظه وشبهه بعلم الشخص كـ (زيد) كَعَلَمِ الأشْخَاصِ، والذي سبق معنا كله هو علم الأشخاص: اسْمٌ يُعَيِّنُ المُسَمَّى مُطْلَقاً إلى آخر الأبيات التي وقفنا عليها، كل الأحكام تلك متعلقة بعلم الشخص. لفظاً: هذا تمييز يعني من جهة اللفظ، فلا يضاف علمُ الجنس، كما أنه لا يضاف علم الشخص، حينئذٍ من جهة اللفظ علم الجنس كعلم الشخص، فلا يضاف لأنه معرفة ولا يدخل عليه (أل) ولا ينعت بالنكرة؛ لأن شرط النعت والمنعوت التطابق، وهذا معرفة حينئذٍ لا ينعت بالنكرة. ويبتدأ به يعني: يقع مبتدأً لأنه معرفة وليس بنكرة من جهة اللفظ، وتنصب النكرة بعده على الحال، هذا أسامة مقبلاً، مقبلاً: هذا حال من أسامة، والحال لا يكون صاحبها إلا معرفة، ويمنع من الصرف مع علة أخرى كما هو الشأن في أحمد ويزيد نقول: هذا علم شخص يمنع من الصرف لعلةٍ مع العلمية وهي وزن فعل، وكذلك علم الجنس إذا وجدت معه علةٌ غير العلمية حينئذٍ منع من الصرف. إذاً هذه أحكام تتعلق بعلم الجنس، هذا العلم من حيث اللفظ هو كعلم الأشخاص، إذاً هما متحدان من حيث الأحكام.

стр. 383

وَوَضَعُوا لِبَعْضِ الأجْنَاسِ عَلَمْ ... كَعَلَمِ الأشْخَاصِ ... يعني: علماً كعلم الأشخاص, هذا جار ومجرور متعلق بمحذوف بصفة لعلم وليس حالاً منه. كَعَلَمِ الأشْخَاصِ: يعني مثل علم الأشخاص لفظاً من جهة اللفظ، وَهْوَ عَمْ، وَهْوَ: الضمير يعود إلى علم الجنس، عَمَّ أو أعمُّ يجوز الوجهان عَمَّ: فعل ماضي وَهْوَ مبتدأ، وعَمَّ: فعل ماضي، وفاعله ضمير مستتر يعود على علم الجنس والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، أو أعمُّ: وَهْوَ أَعَمُّ: خبر لكن حذفت همزته لكثرة الاستعمال، يعني: أفعل التفضيل، مثل خير وشر، كما قال: والقَوْلُ عَمْ، القول هنا كالقول هناك وَهْوَ عَمْ، وهو أعم حينئذٍ وهو عمّ، عمّ ماذا؟ عم معنىً شائعاً، وَهْوَ عَمْ، يعني: من جهة المعنى، وهو من جهة المعنى عم، وهذا نقدره لماذا؟ لأننا ذكرنا أن له حكمين حكم من جهة اللفظ وحكم من جهة المعنى، الحكم اللفظي علم الجنس كعلم الشخص أشار إليه بقوله: كَعَلَمِ الأشْخَاصِ لَفْظاً، وهو من جهة المعنى عمّ معنى مدلوله شائعٌ كمدلول النكرة، لا يخص واحداً بعينه، إذاً إخراجه من قوله: يُعَيِّنُ المُسَمَّى، لأن ما عيَّن المسمى هذا خصَّ واحداً بعينه، وهنا قال: علم الجنس هذا ليس خاصاً بواحدٍ لا يخص واحداً بعينه ولذلك قال ابن مالك في شرح التسهيل: إنه كاسم الجنس، لا فرق بين علم الجنس واسم الجنس من جهة المعنى فهو عام شائعٌ في أمته فلا يختص به واحد دون آخر، ولا كذلك علم الشخص فأسامة نكرة معنى، معرفة من جهة اللفظ، من جهة المعنى هو نكرة، ومن جهة اللفظ هو معرفة، حينئذٍ ما الفرق بين أسد وأسامة؟ هذا الذي يقع فيه النزاع وهي مسألة مشكلة، فأسامة نكرة معنى معرفة لفظاً، وتفرقة الواضع بين اسم الجنس وعلم الجنس في الأحكام اللفظية تؤذن بالفرق بينهما في المعنى أيضاً، كونه فرق بين اسم الجنس وهو نكرة -أحكامه أحكام النكرة- يعني تدخل عليه (أل)، اسم الجنس، يدخل عليه (أل) ويُضاف ولا يبتدأ به وينعت به النكرة ولا ينعت به المعرفة، الأحكام كلها السابقة نثبتها لعلم الجنس وننفيها عن اسم الجنس، إذاً فرق الواضع من جهة الاستعمال اللفظي أليس كذلك، هذا يؤذن بماذا؟ إذا فرق بينهما في الإحكام اللفظية، علم الجنس، يبتدأ به، يقع مبتدأً لأنه معرفة، لا نحكم عليه بأنه معرفة أولاً، نقول: علم الجنس يبتدأ به، اسم الجنس لا يبتدأ به، علم الجنس لا يُضاف، ولا تدخل عليه (أل) اسم الجنس يُضاف وتدخل عليه (أل، علم الجنس يصح مجيء الحال منه، اسم الجنس لا يصح، هذه فروق تدل على ماذا؟ على أن في المعنى فرقاً كذلك، هذه الفروق اللفظية والأحكام الظاهرة تدل على أن الواضع قد فرق بينهما في المعنى كما فرق بينهما في اللفظ. واختلفت أقاويل النحاة والأصوليين والمناطقة والحكماء والفلاسفة، كل صاحب فن له ارتباط بالمنطق أو بالأصول أو باللغة إلا ويتعرض لهذه المسألة إما أصالة وإما فرعاً، بل بعضهم ألف رسالة في الفرق بين علم الجنس واسم الجنس، والشوكاني له رسالة مطبوعة في مجموع فتاويه.

стр. 384

قال السيوطي ﵀ مفرقاً بين النوعين: التَعَيُّن إن كان خارجياً -إذا قيل: اسْمٌ يُعَيِّنُ المُسَمَّى- إذا قيل علم الجنس وعلم الشخص، وعرفنا علم الشخص بأنه اسم يُعين المسمى- هذا التعيين، إما أن يكون خارجياً وإما أن يكون ذهنياً، إما أن يكون خارجياً يعني له مسمى، وهذا المسمى خارج الذهن، وإما أن يكون له مسمى معين وهذا المسمى المعين داخل الذهن. التَعَيُّن إن كان خارجياً بأن كان الموضوع له معيناً في الخارج كزيد فهو علم الشخص، وإن كان ذهنياً بأن كان الموضوع له معيناً في الذهن، أي ملاحظ الوجود فيه كأسامة علم على السَبُعِ، أي لماهيته الحاضرة في الذهن فهو علم الجنس، علم الجنس. السيوطي رحمه الله تعالى في هذا التقرير يخالف ما قرره ابن مالك رحمه الله تعالى، لأن ابن مالك يرى أن علم الجنس من حيث المعنى نكرة شائع ليس بمُعَيَّن، لا في الذهن ولا في الخارج، هو مساوي للنكرة، والنكرة لها حقيقة في الذهن لكنها مع ملاحظة الأفراد في خارج الذهن، هذا حقيقة النكرة، ولذلك نقول في حد النكرة: ما شاع في جنسٍ موجودٍ أو مقدَّر- (ما) يعني معنىً، هذا المعنى شائع منتشر، في جنس: يعني في أفراد وآحاد، (ليس في الجنس) الجنس لا يتعدد، وجوده وجود ذهني وهو واحد وإنما التعدد يكون باعتبار الآحاد والأفراد- ما شاع وذاع وانتشر وفشا في جنس يعني في أفراد وآحاد جنس، موجود أو مقدر، موجود يعني في الخارج، أو مقدر يعني ليس له إلا فرد واحد والثاني يكون مقدراً، هذا المعنى الذي شاع في أفراد الجنس، هو له حقيقة في الذهن هذه الحقيقة هل هي ملاحظة مع قطع النظر عن الأفراد أو مع ملاحظة الأفراد؟ يعني إذا وضع الواضع لفظاً ووضع له معنىً من المعاني هذا المعنى وجوده في الذهن، فح: ينئذٍ نقول أسامة وأسد، أسد يدل على حيوان مفترس، إذاً مفهوم الحيوان المفترس هذا وجوده في الذهن، ليس عندنا في الخارج شيء تقول هذا حيوان مفترس وليس بأسد ما يمكن تقول هذا حيوان مفترس، وليس له وجود يعني في ضمن آحاده أو أفراده، لا يوجد؛ معنى أوضح من هذا يقال: رجل هي نكره لا إشكال فيها، رجل لفظ وضع لأي معنى، ما المعنى المراد من كلمة رجل، نقول: رجل هذا نكرة له معنى، المعنى الذي وضع له في لسان العرب: ذكر من بني آدم بالغ، هذه أوصاف ثلاثة: ذكر لا أثنى بالغ أخرج الصبي ودونه ومن بني آدم لا من غيرهم.

стр. 385

هل يوجد عندنا ذكر بالغ من بني آدم لا زيد ولا خالد ولا عمرو، تقول هذا بالغ وليس بزيد ولا عمرو موجود في الخارج؟ لا وجود له هذا أين يوجد؟ المعنى الذي عبرنا عنه بهذه الألفاظ أين وجوده؟ في الذهن فحسب، هذا يسمى جنس ويسمى حقيقة كلية قد يلاحظها الواضع يعني يضع اللفظ بإزاء هذا المعنى بقطع النظر عن الأفراد لا يستحضر الأفراد وقد يضع هذا اللفظ لهذا المعنى مع ملاحظة الأفراد، ففرق بين هذا وذاك حينئذٍ نقول: إذا ضع الواضع هذا اللفظ بإزاء هذا المعنى الحقيقي الذي يكون في الذهن فحسب ولا يوجد في الخارج إلا في ضمن أفراده، إذا وضع هذا اللفظ لهذه الحقيقة الكلية بقطع النظر عن الأفراد قلنا: هذا علم الجنس، هذا علم الجنس، فهو موضوع للحقيقية من حيث هي هي، بقطع النظر عن الأفراد وإن لوحظ الأفراد -بأن يوجد هذا المعنى في ضمن فرد من أفراده- فحينئذٍ هذا هو حقيقة اسم الجنس. السيوطي رحمه الله تعالى لم يسر على هذا قال: وإن كان ذهنياً بأن كان الموضوع له معيناً في الذهن، -موضوع له-، إذاً هو مُعين لكنه في الذهن أي ملاحظ الوجود فيه كأسامة علم على السَبُع أي لماهيته الحاضرة في الذهن، فهو علم الجنس وأما اسم الجنس: فهو ما وضع للماهية من حيث هي -أصاب في الأول- وأما اسم الجنس: فهو ما وضع للماهية من حيث هي أي من غير أن تُعَيَّنَ في الخارج أو في الذهن، -هذا ليس صحيحاً لا يُسلم له- اسم الجنس وضع للماهية من حيث هي، لا باعتبار أنها معينة لا في الخارج ولا في الذهن، هذا هو مدلول اسم الجنس -الصواب لا- بل المعنى الأول الذي قرره أن علم الجنس له معنى وهذا المعنى وجوده وجود ذهني بقطع النظر عن الأفراد هذا مسلم، وأما كون اسم الجنس موضوع للماهية من حيث هي لا بالنظر إلى كونها خارج الذهن أو داخله نقول: هذا لا يُسلم. ولذلك قوله من حيث هي: أي من غير أن تعين في الخارج أو في الذهن كالأسد اسم للسبع أي لماهيته، وهذا الكلام فيه نظر في الثاني. قال الملَّوي: والتحقيق أن علم الجنس موضوع للماهية واسم الجنس موضوع لفرد مبهم، هذا مختصر، هذا كلام جيد: والتحقيق أن علم الجنس موضوع للماهية، واسم الجنس موضوع لفرد مبهم، وهذا لابد أن يكون ثم ماهية لكن مع ملاحظة هذا الفرد المبهم، حينئذٍ إذا قيل: هذا أسامة، وهذا أسد، يُفْهَمُ الفرق، أسامة وضع للمعنى الذهني فحسب بقطع النظر عن الأفراد في الخارج، أسامة وضع للذهن مع مراعاة الفرد في الخارج، لو قلت: هذا أسامة، هذا أسدٌ، أطلقت اللفظ على فرد خارج الآن انتهينا من المعاني في الذهن.

стр. 386

استعملته وتكلمت ونطقت به قلت: هذا أسامة وهذا أسدٌ، هذا أسامة استعملته في فردٍ، هل وضع له في الأصل؟ الجواب لا. لكن دلالته على هذا اللفظ على هذا الفرد دلالة التزامية بمعنى أنه إذا وضع في الذهن اللفظ لهذا المعنى الذهني هل معنى ذلك أنه لا يستعمل في الخارج؟ لأنه إذا لم يستعمل ما الفائدة في وضعه؟ لا فائدة، لأننا نقول هذا المعنى الذي في الذهن وضع له لفظ أسامة، فإذا استعملته في الخارج؟ نقول: استعمالك لهذا اللفظ الذي وضع للحقيقة الذهنية -مع قطع النظر عن أفراده في الخارج- استعماله في الفرد المعين بدلالة الالتزام، لأنه لا يمكن أن يوجد هذا المعنى في خارج الذهن إلا في ضمن أفراده، وأما إذا قلت: هذا أسدٌ، حينئذ أسد مفهومه للمعنى الذهني مع فرد في الخارج، فإذا استعملته حينئذٍ كان دلالة أسد على هذا الفرد دلالة مطابقة، هذا الفرد الذي أطلقت عليه أسد وضع له اللفظ، فحينئذٍ استعملته في محله فيما وضع له، وإن كان الأصل هو للمعنى الذهني لكن مع مراعاة الفرد الخارجي المبهم، فلو قلت: هذا أسد كان استعمالاً للفظ في فرد وضع له في أصل الوضع، وأما أسامة فهذا استعمال للفظ في فرد لم يوضع له أصلاً وإنما دخل عليه دلالة التزام لأن هذه الحقائق لا توجد خارج الذهن إلا في ضمن أفرادها، فالفرد الذي صدق عليه أسامة دل عليه التزاماً والفرد الذي صدق عليه أسد دل عليه بدلالة المطابقة. إذاً قول الملَّوي، والتحقيق أن علم الجنس موضوع للماهية، واسم الجنس موضوع لفرد مبهم. وقال الشيخ محمد الأمين رحمه الله تعالى: علم الجنس روعي فيه القدر المشترك، ما هو القدر المشترك؟ هو الحقيقة الكلية، فَمُفْهِمُ اشْتِرَاكٍ الكليُّ، هذا معنىً من المعاني الكلية وجوده وجود ذهني، وهو الذي يصدق عليه الكلي عن المناطقة. إذاً القدر المشترك بين الجميع، -مع أن التفاوت في الأسماء وفي الأشكال هذا تفاوت كبير ومع ذلك ثم قدر مشترك- هذا القدر المشترك يقول: علم الجنس روعي فيه القدر المشترك بقطع النظر عن الأفراد، يعني: لا يلاحظ عند وضع هذا اللفظ لهذا المعنى الكلي مراعاة الأفراد، الأفراد صارت نسياً منسياً لم يلتفت إليها الواضع البتة، هذا أين؟ في علم الجنس، واسم الجنس روعي فيه القدر المشترك، إذاً اشتركا، علم الجنس واسم الجنس اشتركا في كون كل منهما روعي فيه القدر المشترك، إلا أن اسم الجنس روعي فيه القدر المشترك لا بقطع النظر عن وجوده في بعض الأفراد، هذا تحرير جيد من الشيخ ﵀. القدر المشترك: هو إذا قلت: (ماء) لفظ (ماء) ما هو مسماه؟ الذي تراه ولا تنطق به والاسم هو الذي على اللسان، والذي تراه هو مسمى (الماء)، مسمى اللفظ قد يكون حسياً تراه بعينك، وقد يكون مسمى اللفظ أمر معنوي معقول، الحسي هذا أمره سهل تدركه بعينك، ليس فيه خلاف، أما المعاني التي تكون في الذهن وضْعُ الواضع للفظ بإزاء المعنى الذي يكون في الذهن كوضع الماء بإزاء المعنى الذي تراه بعينك.

стр. 387

هذه الحقائق التي وضع الواضع اللفظ بإزائها، نقول كما وضع ماء لهذا المسمى وضع كلمة رجل لمعنى وهذا المعنى هو: ذكر بالغ من بني آدم، هذا معنى أو شيء محسوس معنى من المعاني، كونه بالغ من بني آدم وذكر نقول: هذا معنى من المعاني، أين وجوده؟ في الذهن إذاً وضع كلمة رجل لهذا المعنى كما وضع كلمة ما لهذا المحسوس الذي تراه، إذاً هذا الذي وضع له كلمة رجل هل هو شيء خاص بفرد من الأفراد أو أنه قدر مشترك، عرفنا أن القدر المشترك المراد به: أنه كل شخص من الموجودين في مكانٍ ما نقول: يصدق عليه أنه رجل، نجيب رجل، محمد رجل، أيمن رجل ... الخ إذاً صدق اللفظ عليها. القدر المشترك هذا الذي وضع له كلمة رجل قد يلاحظ الواضع إذا أراد أن يضع اللفظ على الحقيقة الكلية قد يضع اللفظ على الحقيقة الكلية ولا يُلتفت إلى الأفراد في خارج الذهن، لأن اللفظ هنا إذا أطلق انصرف إلى المعنى الذي يكون في الذهن، طيب قد يضع اللفظ بإزاء المعنى دون اعتبار الأفراد لا يلتفت إليها وقد يضع اللفظ بإزاء المعنى الكلي مع ملاحظة الأفراد، إن لم يلاحظ الأفراد فهو علم الجنس، وإن لاحظ الأفراد فهو اسم الجنس والحمد لله. علم الجنس روعي فيه القدر المشترك بقطع النظر عن الأفراد -هذه عبارة الشيخ الأمين في المقدمة- واسم الجنس روعي فيه القدر المشترك لا بقطع النظر عن وجوده في بعض الأفراد، وإيضاحه أن معنى الأسد مثلاً شيء واحد، معنى الأسد، كما هو معنى الرجل شيء واحدٌ وهو مجموع الحيوانية والافتراسية مثلاً، فالمعنى الذهني الذي هو القدر المشترك بين أفراده شيءٌ واحدٌ لا تعدد فيه -لا يقبل التعدد- الحقيقية الكلية، كل الحقائق الكلية شيء واحد لا يقبل التعدد، وإنما التعدد في الأفراد الخارجية، كزيد ومحمد وخالد ... الخ نقول: وجد فيه القدر المشترك وحصل التعدد، ورجل ورجل ورجل نقول هذا وجد في الفرد الخارج وبتعدد الفرد الخارج نقول وجد التعدد. فالمعنى الذهني الذي هو القدر المشترك بين أفراده شيء واحد لا تعدد فيه وإنما التعدد في الأفراد الخارجية المشتركة فيه، فوضعوا علم الجنس لذلك المعنى الذهني وهو شيء واحد، فشخصوا بالعلم في الذهن لا في الخارج وهذا يرد على ما ذهب إليه ابن مالك رحمه الله تعالى اسْمٌ يُعَيِّنُ المُسَمَّى، الصواب أنه يدخل فيه علم الجنس وعلم الشخص، لأن علم الشخص فيه تعيين للمسمى لكن في خارج الذهن وهذا حكم أغلبي كما ذكرناه، وعلم الشخص فيه تعيين المسمى لكن في الذهن لا في الخارج، إذاً هو معرفة أو لا؟ معرفة, هو علم أم لا؟ نقول: علم. إذاً فالحد السابق يشمل النوعين من علم الشخص وعلم الجنس. فشخصوا بالعلم في الذهن لا في الخارج، يعني علم الجنس شخصوا به حددوا عينوا ميزوا في الذهن لا في الخارج، لأن هذه حقائق الحيوانية الافتراسية، ومعنى مثلاً: الإيمان ومعنى الإسلام كلها موجودة في الذهن، هذه حقائق ذهنية، فحينئذٍ لابد من تمييز بعضها عن بعض، فإذا كان كذلك ما وضع لما هو في الذهن خاصة نقول هذا حصل به التشخيص، وحصل به التعيين، كتشخيص الشخص بعلمه في الخارج فعلم الجنس يشخص مسماه في الذهن لا في الخارج، وعلم الشخص يشخص مسماه في الخارج.

стр. 388

وأما لفظة أسد فإنهم أرادوا به المعنى الذهني المشترك بين الأفراد بدون قطع النظر عن وجود بعض أفراده الخارجية فيه التي هي محل التعدد؛ ولذلك هناك في المنطق علم الشخص وعلم الجنس قالوا هما جزأيٌ بالإجماع واسم الجنس كليٌ بالإجماع ففرق بين علم الجنس واسم الجنس. وذكر الأشموني قال: أسدٌ موضوع للواحد من آحاد الجنس لا بعينه في أصل وضعه، أسد كلمة أسد -وهي اسم جنس- والكثير يرون أن اسم الجنس هذا مرادف للنكرة، أسد موضوع للواحد من آحاد الجنس لا بعينه في أصل وضعه، يعني كلمة أسد وضع للقدر المشترك في الذهن وهو الحيوانية الافتراسية مع ملاحظة واحد فرد -لابد أن يوجد في ضمن فرد- لا يشترط فيه أن يكون مائة حتى يوضع له اللفظ، لا، مجرد واحد يكفي. إذاًَ لوحظ هذا المعنى باعتبار الفرد، أيُّ فردٍ في أيِّ زمان في أي مكان -أي واحد منها- صار مبهماً أم لا؟ مبهم، إذا قلنا لابد أن يوجد هذا المعنى في ضمن فردٍ حتى يظهر وتكون نكرة واسم جنس، حينئذٍ وجوده، في فرد أي فرد في أي زمن في أي مكان؟ مبهم، حينئذٍ دل على ذلك الفرد لكنها دلالة بالمطابقة لا من جهة تعيين الفرد فإنه مبهم لأن المراد أنه يوجد في ضمن فرد من أفراده وكفى، أيُّ فردٍ هذا؟ قد يكون وقع في الزمن الماضي، قد يكون بعد الوضع، قد يكون لم يأتِ بعد، وأسامة موضوع للحقيقة المتحدة في الذهن، فإذا أطلقت أسداً على واحدٍ أطلقته على أصل وضعه، إذا قلت: هذا أسدٌ حينئذٍ استعلمت اللفظ فيما وضع له وهو الذهن مع مراعاة فرد في الخارج. إذاً الموضوع له شيئان: حقيقة ذهنية مع وجوده في الفرد فإذا قلت: هذا أسدٌ حينئذٍ استعلمت اللفظ فيما وضع له، وإذا أطلقت أسامة على واحدٍ قلت: هذا أسامة فإنما أردت الحقيقة، ولزم منه اعتبار الوجود التعدد، إذا قلت: هذا أسامة استعملته في الأفراد، نقول: اللفظ وضع لشيء واحد أو لشيئين؟ لشيء واحد وهي: الحقيقة الذهنية، وجودها في الخارج -إذا أردت أن تستعمل هذا اللفظ- حينئذٍ دلالة هذا اللفظ على الفرد الخارج ليس فيما وضع له، إذا قلت: هذا أسامة، (هذا) أشرت إليه حيوان يمشي أمامك أسد، هذا أسامة استعملت اللفظ في شيء وضع له أم لا؟ لا لم يوضع للفرد هذا بعينه وإنما وضع للحقيقة الذهنية فقط، فإذا استعملته في الفرد الخارجي، حينئذٍ نقول: دلالة هذا اللفظ على الفرد الخارج دلالة التزامية ليست فيما وضع له في أصل لسان العرب ولذلك يقول الأشموني: إذا أطلقت أسداً على واحدٍ أطلقته على أصل وضعه؛ لأنه وضع للحقيقة الذهنية مع الفرد الخارجي، فالموضوع له شيئان، وإذا أطلقت أسامة على واحد فإنما أردت الحقيقة -التي هي حقيقة ذهنية- واستعماله في ذلك الفرد ليس استعمالاً فيما وضع له في الأصل؛ لأنه وضع لشيء واحدٍ لا لشيئين وإنما لزم التعدد -لابد منه- إذا استعملته تستعمله فيما يصدق عليه تلك الحقيقة، ولزم منه: يعني من ذلك الاستعمال إذا أطلقت لفظ أسامة على فرد- لزم منه اعتبار الوجود التعدد، فجاء التعدد ضمناً لا باعتبار أصل الوضعِ. وَوَضَعُوا لِبَعْضِ الاَجْنَاسِ عَلَمْ ... كَعَلَمِ الأَشْخَاصِ لَفْظاً وَهْوَ عَمّ

стр. 389

إذاً علم الشخص له حكمان وعلم الجنس له حكمان، علم الشخص له حكم لفظي وله حكم معنوي، أما الحكم المعنوي: هو أن يراد به واحد بعينه، وكلام ابن عقيل لا يمشي مع الكلام الذي قررناه يختلف معه، لأن مذهب ابن مالك رحمه الله تعالى أن علم الجنس كاسم الجنس –نكرة- لا يدل على تشخيص معين، فهو نكره عنده، (أسد) مثل (رجل)، ورجل مثل أسامة -هذا من حيث المعنى- هو في اللفظ معرفة لأن العرب نزلت عليه أحكام المعارف ولكن من جهة المعنى لا، وهذا الكلام لا يستقيم مع الذي قررناه من كلام الشيخ الأمين وغيره، ولكن نذكر ما ذكره تبعاً للناظم. وَوَضَعُوا لِبَعْضِ الاَجْنَاسِ عَلَمْ ... كَعَلَمِ الأَشْخَاصِ لَفْظَاً وَهْوَ عَمّ إذاً من حيث اللفظ، الأحكام واحدة. وَهْوَ عَمْ: يعني علم الجنس (عم) فهو عام مدلوله لأنه شائع في جنس موجود فهو مرادف للنكرة من حيث المعنى ونحن نقول: هذا لا يُسَلَّم له بل الصواب أنه يعين المسمى في علم الشخص وفي علم الجنس، وهذه مسألة مهمة ليست خروجاً عن التأصيل، فهذه في المطلق عند الأصوليين لها ارتباط كبير بمسألة اسم الجنس وعلم الجنس. إذاً علم شخص نقرِّر ما ذكره ابن عقيل تبعاً للناظم -حتى نفهم مراده حتى نفهم مراده- علم شخص له حكمان: معنوي، وهو أن يُراد به واحدٌ بعينه، كزيد وأحمد هذا لا إشكال فيه وينطبق عليه الحدٌ السابق: اسْمٌ يُعَيِّنُ المُسَمَّى مُطْلَقاً عَلَمُهُ، حينئذٍ حصل التعيين بإطلاق علم الشخص، هذا من حيث المعنى، ولفظيٌّ يعني يجري على اللفظ فحسب، وهو صحة مجيء الحال متأخرة عنه جاءني زيدٌ ضاحكاً، زيد ما إعرابه؟ فاعل، وضاحكاً: حال، زيدٌ علم، علم شخص؟ علم شخص، جاءت الحال منه متأخرة؟ جاءت الحال منه متأخرة، ومنعه من الصرف مع سبب آخر غير العلمية، هذا أحمدُ، أحمدُ: خبر ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل، إذاً وجدت علة أخرى مع العلمية، ومنع دخول الألف واللام عليه، جاء زيد، لا تقل جاء الزيد، أو العمرو، نقول هذا لحن -في الأصل-. بقي حكمان وهما: صحة الابتداء به، أن يبتدأ به بلا احتياج إلى مسوِّغ؛ كذلك ألا يضاف بحسب أصل وضعه، ألا ينعت بالنكرة، هذه أحكام تتعلق بعلم الشخص وهذه كلها مردها إلى اللفظ.

стр. 390

وعلم الجنس كعلم الشخص في حكمه اللفظي -هكذا قال ابن عقيل- وهو ظاهر فتقول: هذا أسامة مقبلاً، كقولك: جاءني زيدٌ ضاحكاً، هل قولك: هذا أسامة مقبلاً كقولك: جاءني زيدٌ ضاحكاً؟ -الكلام في الحال- تجيُ الحال متأخرة من علم الشخص كـ (جاءني زيدٌ ضاحكاً)، وتجيء مع علم الجنس، لأننا نريد أن نطبق الأحكام اللفظية التي تجري على علم الشخص مع علم الجنس، فتقول: جاءني زيداٌ ضاحكاً، ضاحكاً حال من الفاعل وهو زيد وهو علم الشخص، هذا أسامة، أسامة هذا علم جنس، مقبلاً: هذا حال متأخرة، والحال لا تجيء من نكرة، لابد من أن يكون صاحب الحال معرفةً؛ فتمنعه من الصرف وتقول: أسامةُ، للعلمية والتأنيث، ولا تدخل عليه الألف واللام فلا تقل: هذا الأسامة، كما لا تقول: هذا الزيد؛ لأنه علم والعلم معرفة والمعرفة لا تعرَّف، هذا من جهة اللفظ، وهذا هو الذي دلنا على أن العرب فرَّقت بين اسم الجنس -لأنه نكرة- كرجل، وبين علم الجنس، العرب أجرت علم الجنس كأسامة وثُعَالَة مجرى علم الشخص في امتناع دخول (أل) عليه وإضافته ومنع الصرف مع علة أخرى ونعته بالمعرفة ومجيئه مبتدأ وصاحب حال. وأُجري اسم الجنس كأسد مجرى النكرات -حينئذٍ لزاماً أن يكون ثم فرق لابد من الوصول إليه، وهو: أن علم الجنس مغاير من حيث المعنى لاسم الجنس؛ لأن العرب في الأحكام اللفظية ألحقت علم الجنس بعلم الشخص وألحقت في الأحكام أيضاً اسم الجنس بالنكرة، فثم فرق بين العلم والنكرة- وأُجري اسم الجنس كأسد مجرى النكرات وذلك دليل على افتراق مدلوليهما إذ لو اتحدا معنىً لما افترقا لفظاً. قال ابن عقيل: وحكم علم الجنس في المعنى كحكم النكرة، من جهة: أنه لا يخص واحداً بعينه فكل أسدٍ يصدق عليه أسامة، -لكن لا ليس حكم النكرة لأن صدق النكرة رجل على زيد مثلاً، نقول: هذا من وضع الواضع، فاستعمل اللفظ فيما وضع له، لكن كل أسد يصدق عليه أسامة، وأسامة لم يستعمل فيما وضع له فرق بينهما فرق بين اللفظين، إذا قلت: هذا أسامة، أسامة يستعمل في كل أسد، كل أسد تراه تقول: هذا أسامة، نقول: استعمال أسامة في الذي رأيته أنت –الفرد- نقول: ليس فيما وضع، لم يوضع للفرد الخارجي لم يلاحظ في الوضع الفرد الخارجي، بخلاف النكرة إن قلت: هذا رجل، هذا رجل، استعمل اللفظ فيما وضع له، فقوله: هنا فيه نظر، لأنه وافقه وأراد أن يشرح كلام ابن مالك رحمه الله تعالى وهذه المسألة أليق بفن المنطق فليرجع إليها-. ومن جهة أنه لا يخص واحداً بعينه فكل أسد يصدق عليه أسامة، وكل عقرب يصدق عليها أُمُّ عِرْيَطٍ، وكل ثعلب يصدق عليه ثُعَالَةٌ، وعلم الجنس يكون للشخص يعني للأعيان. مِنْ ذَاكَ أُمُّ عِرْيَطٍ لِلعَقْرَبِ ... وَهكَذَا ثُعَالَةٌ لِلثَّعْلَبِ مِنْ ذَاكَ: ذاك، المشار إليه هو: علم الجنس، أراد أن يمثل لعالم الجنس لأن بعضه وضع للمألوفات، وبعضه وضع لغير المألوفات. مِنْ ذَاكَ: أي علم الجنس أعلام وضعت للأعيان، يعني أشياء محسوسة.
следующие страницы →