Полный текст (2 939 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
عناصر الدرس
* شرح الترجمة (فصل في ماولا ولات وإن ..... ) ـ
* أوجه شته الحروف بـ (ليس) ـوشروط عملها عمل ليس.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى:
وَبَعْدَ أَنْ تَعْوِيضُ مَا عَنْهَا ارْتُكِبْ ... كَمِثْلِ أَمَّا أَنْتَ بَرًّا فَاقْتَرِبْ
عرفنا أن كانت تحذف دون اسمها ويبقى الاسم مرفوعاً والخبر منصوباً، ويعوض عنها (ما) الزائدة بعد (أن) المصدرية كما مثّل الناظم هنا بقوله: أمَّا أنْتَ بَرًّا فَاقْتَرِبْ.
عرفنا كيف وصل إلى هذا:
أَبَا خُرَاشَةَ أَمَّا أَنتَ ذَا نفَرٍ ... فإنَّ قَومِيَ لمْ تأكُلهُمُ الضَّبُعُ
فـ (أن) مصدرية، و (ما) زائدة عوضاً عن كان وأَنتَ اسم كان المحذوفة، وذَا نفر خبرها، ولا يجوز الجمع بين كان و (ما)؛ لكون (ما) عِوَضاً عنها ولا يجوز الجمع بين العِوَضِ والمُعَوَّض.
هذه قواعد عندهم أغلبية، قد يخالفون هذا النص لكن في بعض المواضع، وهذا الشأن كما هو الشأن في القواعد الفقهية والأصولية، الأصل أنها تكون مطردة، لكن قد يشذ عنها بعض الأفراد، لذلك ما من قاعدة إلا ولها استثناء هذا الأصل، ولذلك تجد في كتب القواعد أن يذكروا القاعدة و ... خرج كذا وكذا وكذا إلى آخره، لماذا؟ لأن هذه القاعدة -وإن كان أصلاً يدخل هذا الفرد تحتها إلا أنه لموجب أو لعارض أو لمانع- حينئذٍ لم يدخل تحت هذه القاعدة، مثلها الجمع بين العوض المعوض؛ لأنه قد يخالفون في بعض المسائل ويجمعون بين العوض والمعوض، فنقول: قاعدة أغلبية، ومثلها القاعدة التي ذكرناها في ((أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ)) [هود:٨] أنه تقديم المعمول يؤذن بتقديم العام، هذا أيضاً أغلبية فقد يخالفون في بعض المواضع، ويختلف النظر حينئذٍ يبقى الاجتهاد، هل هذه مما ينازع فيها فتخرج أو أنها داخلة تحت القاعدة، يبقى المسألة من باب تحقيق المناط كما يقولو الأصوليون.
وأجاز ذلك المبرد فيقول: أمَّا كنت منطلقاً انطلقت.
يعني جوز الجمع بين العوض والمعوض، أمَّا كنت، (ما) هذه زيدت من أجل كان المحذوفة، يعني كأنه جوز رجوع كان بعد حذفها، أما أنت منطلقاً انطلقت. هذا الأصل، فرد كان رجعت صار أما كنت منطلقاً انطلقت، لكن هذا يعتبر شاذ.
ولم يسمع من لسان العرب حذف كان وتعويض (ما) عنها وإبقاء اسمها وخبرها إلا إذا كان اسمها ضمير مخاطب كما مثل به المصنف.
وهذه القاعدة في مثل هذه المسائل كلها كل ما خرج عن القياس فالأصل أنه يكتفى بما سمع ولا يقاس عليه غيره، إذا سمع استثناء كان بأنها تزاد بهذا اللفظ لا يقاس عليه أبداً لا المصدر، ولا اسم الفاعل، ولا الفعل المضارع .. إلى آخره، لماذا؟ لأن الأصل عدم الزيادة، فإذا كان كذلك حينئذٍ نقف على السماع.
ولم يسمع مع ضمير المتكلم نحو: أما أنا منطلقاً انطلقت، والأصل: أن كنت منطلقاً، ولا مع الظاهر: أما زيد ذاهباً، زيد اسم كان المحذوفة وهو اسم ظاهر، الأصل عدم الزيادة، ومثّل به سيبويه في كتابه، والقياس جوازهما كما جاز مع المخاطب، قياس ما لم يسمع على ما سمع.
والأصل أن كان زيد ذاهباً انطلقت وقد مثل سيبويه ﵀ في كتابه: أما زيد ذاهباً.
стр. 632
إذاً الحاصل أن المسموع هو ما كان بضمير المخاطب، وما عداه يكون من باب القياس، فهل يوافق أم يخالف؟ الثاني أقرب.
إذاً: هذه مواضع حذف كان كما ذكرناها.
قال ابن هشام رحمه الله تعالى في التوضيح: تحذف كان ويقع ذلك على أربعة أوجه:
الأول -وهو الأكثر-: أن تحذف مع اسمها ويبقى الخبر، وكثر ذلك بعد إن ولو الشرطيتين، ومثّل لهما بقولهم: " النَّاسُ مجَزِيُّونَ بِأعْمَالِهِمْ إنْ خَيْراً فَخَيْرٌ وَإنْ شَرَّاً فَشَرٌّ"، أي: إن كان عملهم خيراً فجزاؤهم خير، ويجوز إن خير فخير بتقدير إن كان في عملهم خير فيجزون خيراً، ويجوز نصبهما ورفعهما، والأول أرجحها والثاني أضعفها، والأخيران متوسطان، ومثال لو: ﴿الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَماً مِنْ حَدِيدٍ﴾، وقل الحذف المذكور بدون إن ولو.
الموضع الثاني: أن تحذف مع خبرها ويبقى الاسم وهو ضعيف كما سبق إن خير، إن كان في عمله خير، هذا ضعيف.
ثالثاً: أن تحذف وحدها، وكثر ذلك بعد أن المصدرية، بمثل أما أنت منطلقاً انطلقت، ثم شرحه.
الرابع: أن تحذف مع معموليها، -كلها يعني-، لكن هذا ضعيف جداً، وذلك بعد إن الشرطية يعني، في قولهم: افعل هذا إما لا، إن كنت لا تفعل غيره، فما عوض ولا نافية للخبر. هذا أقل من ذكره ذكره في التوضيح.
وَمِنْ مُضَارِعٍ لِكَانَ مُنْجَزِمْ ... تُحْذَفُ نُونٌ وَهُوَ حَذْفٌ مَا الْتُزِمْ
أيضاً هذا من خصائص كان ولا يلحق بها غيره، وهو أنه تحذف نون كان بشروط ذكرها المصنف هنا.
وَمِنْ مُضَارِعٍ: جار ومجرور متعلق بقوله: تُحْذَفُ نُونٌ .. تُحْذَفُ نُونٌ من مضارع، إذاً خصوص النون، وخص بها المضارع، إذاً لا الأمر ولا اسم الفاعل ولا الماضي ولا غيره، وَمِنْ مُضَارِعٍ لِكَانَ: صفة لمضارع جار ومجرور متعلق بمحذوف، سواء كانت كان تامة أو ناقصة، أطلق الناظم هنا، لِكَانَ إذاً النون تحذف من كان سواء كانت كان تامة أو ناقصة، بشرط أن تكون بصيغة المضارع.
لِكَانَ مُنْجَزِمْ: هذه صفة ثانية لمضارع، صفة بعد صفة، مُنْجَزِمْ يعني بالسكون لا بحذف النون، لم يتصل به ضمير نصب وقد وليه متحرك، تُحْذَفُ نُونٌ هي لام الفعل تخفيفاً لكثرة الاستعمال، وشبهها بحروف العلة؛ لأنها متطرفة، وإذا كان كذلك حينئذٍنقول: يجوز حذف هذه النون بهذه الشروط المذكورة في البيت، وهو حذف جائز يعني ليس بواجب، وهو حذف جائز مَا الْتُزِمْ، يعني لم يوجبه العرب أو يحكم بوجوبه النحاة، بل من أراد أن يحذف تخفيفاً حذف، ومن أراد الأصل نطق بالأصل.
إذاً شروط الحذف: أن يكون من مضارع بخلاف الأمر والماضي.
ثانياً: مجزوماً بالسكون، بخلاف المرفوع والمجزوم بالحذف.
стр. 633
ثالثاً: ألا توصل بضمير، فإن وصلت بضمير حينئذٍلا يجوز حذفها نحو: (إنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّط عَلَيْهِ)، لا يجوز حذف النون هنا، ولا بساكن نحو: ((لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ)) [البينة:١] حينئذٍنقول: تحركت النون هنا للتخلص من التقاء الساكنين، ومثال ما اجتمعت فيه الشروط قوله: ((وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا)) [مريم:٢٠] أَكُ أصلها: أكون، سكنت النون للجازمة ولم، فالتقى ساكنان الواو ساكنة والنون ساكنة، حينئذٍحذفنا الواو للتخلص من التقاء الساكنين فصار أَكُن، الأصل عدم الحذف؛ لأنه حذف منه حرف الواو، وإن كان للتخلص من التقاء الساكنين والمحذوف لعلة كالثابت، إلا أن الأصل أنه لا يحذف منه، لكن لكثرة استعمال هذا اللفظ (أك، ونك) خفف أيضاً بحذف النون، إذاً لم أك نقول: هذا فعل مضارع مجزوم بلم وجزمه السكون على النون المحذوفة تخفيفاً ((لَمْ أَكُ)) فعل مضارع ناقص مجزوم بلم وجزمه سكون ظاهر على النون المحذوفة تخفيفاً.
((لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ)) [المدثر:٤٣] أصلها نكن، حذفت النون تخفيفة، ((وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ)) [النحل:١٢٧]، ((فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ)) [غافر:٨٥] –انظر- تصرَّفَ في الفعل المضارع من كان يك، أك، تكن، نكن .. كلها حذفت منها النون تخفيفاً، وسواء في ذلك الناقصة كالأمثلة السابقة والتامة، لكن الحذف فيها أقل، ((وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ)) [النساء:٤٠] بالرفع –قراءة- ((وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ)) يعني توجد حَسَنَةٌ، حينئذٍ حذفت منها النون تخفيفاً.
إذاً: وَمِنْ مُضَارِعٍ: لا من ماضي ولا أمر.
لِكَانَ: لا لغيرها.
مُنْجَزِمْ: بالسكون لا مرفوع ولا منصوب.
تُحْذَفُ نُونٌ: وهي لام الفعل تخفيفاً. وَهُوَ حَذْفٌ مَا الْتُزِمْ.
يقول ابن عقيل: إذا جزم الفعل المضارع من كان قيل: لم يكن والأصل: يكون فحذف الجازم الضمة التي على النون فالتقى ساكنان الواو والنون، فحذف الواو لالتقاء الساكنين، يعني: للتخلص من التقاء الساكنين، فصار اللفظ لم يكن والقياس يقتضي أن لا يحذف منه بعد ذلك شيء آخر، هذا هو القياس؛ لأنه إذا حذف منه حرف صار إجحافاً به، وإذا زيد عليه حذف آخر صار إجحافاً بعد إجحاف، ولو جوز القياس أن يحذف منها حرف واحد حينئذٍ الأصل عدم حذف حرف آخر.
هذا من حيث النظر والتأصيل، وأما من حيث الوجوب فشيء آخر.
لكنهم حذفوا النون بعد ذلك تخفيفاً لكثرة الاستعمال، فقالوا: لم يك وهو حذف جائز لا لازم ومذهب سيبويه ومن تابعه: أن هذه النون لا تحذف عنه ملاقاة ساكن، بل تحرك: ((لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ)) [البينة:١] لا تحذف إذا حصل التقاء بين ساكنين، بل يجب تحريك النون للتخلص من التقاء الساكنين.
أن هذه النون لا تحذف عند ملاقاة ساكن، فلا تقل: لم يك الرجل، هذا غلط بل: لم يكن الرجل.
وأجاز ذلك يونس، وقد قُرِءَ شاذاً (لم يكُ الذين كفروا).
стр. 634
وأما إذا لاقت متحركاً فلا يخلو إما أن يكون ذلك المتحرك ضميراً متصلاً أولا، يعني إذا كان بعدها -بعد النون- متحرك، قلنا الساكن لا تحذف، إذاً يكون بعدها متحرك، هذا المتحرك إما أن يكون ضميراً أو لا، إن كان ضميراً فلا يجوز إن يكن هو، لا يجوز الحذف؛ لأنه يصير متصلاً بكان، وإن لم يكن ضميراً حينئذٍ جاءت المسألة.
فإن كان ضميراً متصلاً لم تحذف النون اتفاقاً، قالوا: لأن الضمير يرد الشيء إلى أصله، إذا حذفت رده الضمير .. تحذف يرده الضمير يبقى الدور فيها.
كقوله ﷺ : ﴿إنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلّط عَليْه وَإنْ لاَ يَكُنْهُ فَلاَ خَيْرَ لَكَ في قَتْلِهِ﴾ فلا يجوز حذف النون فلا تقل: إنْ يَكُهُ وَإنْ لاَ يَكُ، وإن كان غير ضمير متصل جاز الحذف والإثبات نحو: لم يكن زيد لم يك زيد، لم أك بغياً، لم أكن بغياً.
وظاهر كلام المصنف أنه لا فرق في ذلك بين كان الناقصة والتامة، وقد قرء ((وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ يُضَاعِفْهَا)) [النساء:٤٠] برفع حَسَنَةٌ وحذف النون وهذه هي التامة.
مسائل: الأولى في تعدد الخبر، في كان الخلاف في تعدد الخبر المبتدأ.
هل يجوز أن يتعدد خبر كان؟
قلنا هذا الباب مفرع على الباب السابق، هذا هو الأصل، فما جاز هناك جاز هنا إلا لمانع، وما امتنع هناك امتنع هنا إلا لمانع؛ لأن كان هذه داخلة على جنس المبتدأ والخبر، حينئذٍ كلما ثبت للمبتدأ والخبر قبل دخول الناسخ فهو مستصحب، الأصل بقاء ما كان على ما كان، حتى يدل دليل على انتفاء ما قد ثبت قبل دخول كان، هذا هو الأصل.
فحينئذٍ تعدُّدُ الخبر هل يجوز أم لا؟
وَأَخْبَرُوا بِاثْنَيْنِ أَوْ بِأَكْثَرَا ... عَنْ وَاحِدٍ كَهُمْ سَرَاةٌ شُعَرَا
الأصل –القياس- جواز تعدد خبر كان، لكن خالف بعض النحاة هنا ممن جوز هناك منع هنا، في تعدد الخبر في كان الخلاف في تعدد خبر المبتدأ، والمنع هنا أولى؛ لقيام المانع المقتضي على المانع من جواز تعدد الخبر، والمنع هنا أولى ووجهه أن هذه الأفعال قلنا الأصل فيها عدم العمل، هذا القياس، لكنها شُبّهت بما تعدى إلى اسمين ضرب، الأول فاعل والثاني مفعول به، إذاً أُعملت هذه الأفعال على خلاف الأصل، الأصل أنها أفعال غير صحيحة، غير تامة، وحينئذٍ الأصل فيها عدم العمل، لماذا أُعمِلت؟ حملاً لها على ضرب مُشَبَّهٌ به، هذا القياس، وهذا المُشَبَّهٌ به وجدناه يعمل في اسمين فقط ولا يتعدى إلى الثالث، حينئذٍ صار الأصل هنا ألا تعمل كان إلا في اسمين؛ لأنها ما أعملت إلا حملاً على ضرب ونحوه.
стр. 635
والمنع هنا أولى ووجهه أن هذه الأفعال شبهت بما يتعدى إلى واحد، قالوا: فلا يزاد عليه، ضرب زيد عمرواً ينصب واحداً، إذاً كان ليس لها إلا منصوب واحد فقط، لماذا؟ لأنها إنما أعملت حملاً على ضرب، فلذلك لا تتعدى، إذاً وجد المانع من تعدد الخبر هنا، ومن جوزه قال: هو في الأصل خبر مبتدأ، فإذا جاز تعدده مع العامل الأضعف وهو الابتداء فمع الأقوى أولى، لكن هناك العامل في الخبر ليس هو الابتداء، بل هو المبتدأ، فليس هو ضعيف، بل كان والمبتدأ قد يكونان في مرتبة واحدة؛ لأن كان ليست فعلاً متمحضاً حتى نقول: هو مثل ضرب، وإنما هو ضعيف، فإذا كان ضعيفاً حينئذٍ الأصل في المبتدأ ألا يعمل أيضاً، ولكنه أعمل هناك للاقتضاء؛ لأنه لا يتم معناه إلا بالمبتدأ كالمضاف مع المضاف إليه.
إذاً: قولان في جواز تعدد خبر كان، القياس يقتضي ألا يتعدد، هذا هو القياس، واستصحاب الأصل يقتضي أي يتعدد.
الثانية قال أبو حيان: نص أصحابنا على أنه لا يجوز حذف اسم كان وأخواتها، ولا حذف خبرها لا اختصاراً ولا اقتصاراً، -هذا الأصل فيه، ولذلك اختصت كان لأنها أم الباب بما ذكر، أما ما عدا كان فلا يجوز، لا حذف اسم أصبح ولا خبرها إلى آخره، ولذلك خص الحكم بكان لأنها أم الباب فهو استثناء من الأصل- (لا اختصاراً ولا اقتصاراً) ما الفرق بينهما؟
الاختصار: هو حذف لدليل، والاقتصار: هو حذف لا لدليل.
إن حذف لقرينة –لدليل- سمي اختصاراً، وإن حذف لا لدليل هكذا لا لقرينة لا للعلم به .. صار اقتصاراً، ففرق بين الاختصار والاقتصار.
نص أصحابنا على أنه لا يجوز حذف اسم كان وأخواتها ولا حذف خبرها لا اختصاراً ولا اقتصاراً، أما الاسم فلأنه مشبه بالفاعل، والفاعل لا يجوز حذفه، وأما الخبر فكان قياسه جواز الحذف؛ لأنه إن روعي أصله وهو خبر المبتدأ فإنه يجوز حذفه للعلم به، أو ما آل إليه من شبهه بالمفعول فكذلك، يعني إما أن يكون في الأصل أن يراعى الأصل وهو أنه خبر، والخبر يجوز حذفه للعلم به، أو ما آل إليه بعد دخول كان وهو كونه مشبهاً بالمفعول به – وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ.
حينئذٍ على الطريقتين قبل دخول كان وبعد كان الأصل فيه القياس يقتضي أنه يحذف.
لكنه صار عندهم عوضاً من المصدر؛ لأنه في معناها إذ القيام: كون من أكوان زيد، والأعراض لا يجوز حذفها، قالوا: قد تحذف في الضرورة، يعني اسم كان لغير ما ذكر من الشروط السابقة وأخواتها قد تحذف في الضرورة.
ومن النحويين من أجاز حذفه لقرينة اختياراً، يعني لا في الضرورة، إذا دل عليه دليل وعلم المحذوف سواء كان اسم كان أو خبرها جاز، وهذا هو الأصل والمطرد الذي ذكرناه.
وفصّل ابن مالك فمنعه في الجميع إلا ليس، منعه في الجميع لا يحذف منه لا اسم ولا خبر، إلا ليس لوجود السماع المقتضي ذلك.
فأجاز حذف خبرها اختياراً ولو بلا قرينة، لماذا؟ إذا كان اسمها نكرة عامة تشبيهاً بـ: لا، كقولهم: ليس أحد أي: هنا، لكن هذا مسموع حكاه سيبويه، ليس أحد هنا، هنا هذا حذف كما ذكرناه سابقاً.
هذا مسموع يحفظ ولا يقاس عليه، وحينئذٍ نقول: الأصل عدم جواز حذف اسم كان وخبر كان، هذا هو الأصل، لما ذكرناه من الأمور.
ثم قال رحمه الله تعالى:
стр. 636
﴿فَصْلٌ فِي مَا، وَلا، وَلاتَ، وإنِ، الْمُشَبَّهَات بِلَيْس﴾.
هذا الفصل تابع للمسائل التي ذكرناها، وباب كان وأخواتها
وهو أن ثم حروفاً أشبهت ليس، وليس هي من أخوات كان، وحينئذٍ تختص بالدخول على الجملة الاسمية فترفع المبتدأ على أنه اسم لها، وتنصب الخبر على أنه خبر لها.
فَصْلٌ: أي هذا فصل، وهذا أول موضع يترجم له المصنف، السابق كله لم يقل: باب ولا فصل، وإنما ذكر الفصل هنا لأن هذه المسائل الأصل أنها داخلة تحت الباب السابق: كان وأخواتها، لكن فصلها لماذا؟ لأن كان وأخواتها قلنا هذه كلها أفعال، وما سيذكره في الفصل هذا كلها حروف، وحينئذٍ فرق بينهما ويقتضي التصنيف وحسن التأليف أن يفصل هذا عن ذاك.
فَصْلٌ: أي هذا فصل، فَصْلٌ هذا فعل مصدر، إما أن يكون بمعنى اسم الفاعل، أي هذا كلام فاصل ما بعده عما قبله، أو أن يكون هذا كلام مفصول، إما يكون بمعنى اسم الفاعل أو بمعنى اسم المفعول، وهو في اللغة: الحاجز بين الشيئين، وفي الاصطلاح: ألفاظ مخصوصة دالة على معاني مخصوصة.
فَصْلٌ هذا فصل خبر مبتدئٍ محذوف، يجوز فيه ما يجوز في (بَاب): الرفع والنصب على لغة ربيعة والجر، انظر في فصلٍ فصلاً فصلْ -وقف عليه بالسكون على لغة ربيعة-. فصلٌ هذا فصلٌ، فصلٌ هذا محله يجوز الوجهان، وحينئذٍ الأولى أن يجعل من هذه الأعاريب أن يكون خبراً لمبتدىءٍ محذوف هذا أرجحها.
فَصْلٌ فِي (مَا) جار ومجرور متعلق بقوله: فَصْلٌ؛ لأنه مصدر، والمصدر من متعلقات الظروف والمجرورات، فَصْلٌ فِي (مَا): هذه اسم هنا في هذا التركيب بدليل دخول حرف الجر عليها، وحينئذٍ صارت اسماً، وما عطف عليه مثله، و (إنِ).
قال: الْمُشَبَّهَات بِـ (لَيْس) يعني أُعملت (مَا) وما عطف عليها لكونها أشبهت ليس، إذاً ليس هي أصل وهذه الحروف الأربعة فروع مقيسة على ليس بجامع النفي المحض الحال، حينئذٍ انتقل الحكم من المشبه به وهو ليس من رفع الاسم ونصب الخبر إلى هذه الحروف، وإن المشبهات بـ (ليس) لم يقل المعملات عمل ليس، مع كونه قال: إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ (مَا)، هذا فيه إشارة إلى علة عمل (مَا)، لماذا أعملت؟ لكونها مشبهة بـ (ليس) فذكر المشبهات وعدل عنه بالتوضيح قال: المعملات عمل ليس، والظاهر أن صنيع المصنف أولى؛ لأنه أراد أن ينص في الأبيات على أن (مَا) أعملت إعمال ليس، إذاً رفعت ونصبت، لماذا؟ ما العلة؟ لكونها أشبهت ليس، فنص على العلة في الترجمة، فحينئذٍ العدول عنه عدول عن تعليل المصنف في الحكم الذي ذكره في البيت.
و (إنِ) الْمُشَبَّهَات بِـ (لَيْس) أي: المعملات عمل ليس تشبيهاً بها، فحينئذٍ جَمَعَ بين الحكم وبين العلة في قوله: المشبَّهات، فلما أشبه الشيء الشيء أخذ حكمه، وهذه قاعدة مطردة عند العرب.
وإنما شُبهت هذه بـ (ليس) لمشابتها إياها في المعنى، ولأنها حروف أفردها عن الأفعال، ولكونها أشبهت ليس في المعنى حينئذٍ ألحقت بها في العمل.
إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُونَ إِنْ ... مَعَ بَقَا النَّفْي وَتَرْتيبٍ زُكِنْ
وَسَبْقَ حَرْفِ جَرٍّ أَوْ ظَرْفٍ كَمَا ... بِي أَنْتَ مَعْنِيَّاً أَجَازَ الْعُلَمَا
стр. 637
إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ (مَا): أُعْمِلَتْ (مَا) إِعْمَالَ لَيْسَ، إِعْمَالَ: هذا مفعول مطلق مقيد بالإضافة.
إِعْمَالَ مضاف ولَيْسَ مضاف إليه، قصد لفظها في محل جر.
إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا –النافية- وبدأ بها لأنها هي أم الباب، الأصل في هذه الحروف الأربعة ألا تعمل، وخاصة (مَا)؛ لأن الحرف كما سبق هناك: سِوَاهُمَا الْحَرْفُ كَـ (هَلْ) وَ (فِي) وَ (لَمْ).
قلنا عدَّد الأمثلة للإشارة إلى أن الحرف منه ما هو مشترك ومنه ما هو خاص، والخاص إما أن يكون خاصاً بالاسم، وإما أن يكون خاصاً بالفعل -قاعدة عنده-: أن ما كان مشتركاً فالأصل فيه الإهمال ألا يعمل؛ لأنه غير مختص يدخل على الاسم ما زيد قائم، ويدخل على الفعل ما يقوم زيد، إذاً ماذا يعمل؟ الأصل فيه الإهمال ألا يعمل، وحينئذٍ لو وجد من هذا النوع المشترك ما قد عمل يأتي السؤال: لماذا أعملت (مَا)؟ وما جاء منه مهملاً: هل زيد قام، هل قام زيد .. حينئذٍ لا يتوجه السؤال، لماذا؟ لأن الأصل في المشترك ألا يعمل، فإن أُعمل مثل (مَا) حينئذٍ يرد السؤال: لماذا أعمل، والمختص الأصل فيه العمل، فإذا أعمل حينئذٍ لا يقال لماذا أعمل، بل جرى على الأصل، فإن أهمل مثل السين وسوف وقد وأل المعرفة، حينئذٍ يرد السؤال: لماذا أهملت هذه والأصل فيها أنها تعمل، وهذا يعلل في كل محل بحسب ما يناسبها، ولكن الذي وقع فيه النزاع المختص بالاسم، هل الأصل فيه أنه يعمل ما اختص بالاسم من أنواع الإعراب، أم أنه يعمل فحسب أي عمل؟ يعني مثلاً الآن حرف الجر في: مررت بزيد، نقول: حرف الجر الباء هذا مختص بالاسم، هنا عمل الجر في الاسم، والجر هذا خاص بالاسم، هل الحرف المختص يختص بأثر يختص به مدخوله، فحرف الجر حينئذٍ يؤثر الجر ولم حرف جزم يؤثر الجزم في الفعل المضارع لأنه مختص به، أم أنه يعمل مطلق العمل، وحينئذٍ إن زيداً نقول: إن هذا حرف يختص بالاسم، عمل لكنه ما عمل شيئاً يختص بالاسم، وإنما عمل شيئاً مشتركاً وهو النصب، هل هذا خروجٌ عن الأصل، أم المراد أن ما اختص يعمل مطلق العمل أو العمل الخاص؟
قولان للنحاة: المشهور أنه مطلق العمل، فحينئذٍ إنَّ زيداً لا نقول خرجت عن الأصل، هي عملت النصب، ثم يكفي هذا في كونها مختصة، أم نحتاج إلى سؤال نقول: هي عملت لأن الأصل فيها أنها تعمل؛ لأنها مختصة، يبقى السؤال: لماذا لم تعمل الجر وإنما عملت النصب؟ هذا بعضهم يعلل بهذا التعليل يقول: لأنها أشبهت الفعل إنَّ وأنَّ للتوكيد، ولكنَّ للتشبيه .. ونحو ذلك، فهي أشبهت الفعل في المعنى كما سيأتي، فحينئذٍ عملت النصب.
فنحتاج إلى تعليل لكونها خرجت من الجر إلى النصب، ولا نحتاج إلى تعليل في كونها قد عملت؛ لأن عمل المختص على الأصل، وتعليله يكون بخروجه عن الجر إلى النصب.
إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا: أُعْمِلَتْ، مَا نائب فاعل، وأُعْمِلَتْ فعل ماضي مغير الصيغة.
إِعْمَالَ لَيْسَ: قلنا هذا مفعول مطلق مقدم.
أُعْمِلَتْ (مَا) إِعْمَالَ لَيْسَ، لماذا؟ لكونها أشبهتها في المعنى، ولذلك قيل: أشبهت (مَا) ليس من ثلاثة أوجه:
أولاً: أنها تدل على النفي في الحال، كما أن ليس تدل على النفي في الحال.
стр. 638
كيف تدل على النفي في الحال، ما وجهه؟
ليس زيد قائماً، متى نفي القيام عن زيد؟ الآن وقت الكلام، ثم إذا قيد بقيد فيحمل بحسبه، ليس زيد قائماً غداً، ليس زيد صائماً اليوم، ليس زيد صائماً غداً .. فحينئذٍ إذا قيد يحمل النفي على ما قيد به، وإذا لم يرد قيد لا بماضي ولا باستقبال، حينئذٍ يحمل على الحال، مثلها: (مَا)، ما زيد قائماً، يحمل على نفي الحال، ما زيد قائماً غداً، اليوم، أمس .. إلى آخره.
إذاً: أنها تدل على النفي في الحال كما أن ليس تدل على النفي في الحال.
الثاني: دخولها على المبتدئ والخبر، ليس تختص بالمبتدأ والخبر، وما كذلك النافية تختص بالمبتدئ والخبر، سواء أعملت كما هي لغة أهل الحجاز أو أنها تميمة بإلغائها.
ثالثاً: اقتران خبر (مَا) بالباء الزائدة، وَبَعْدَ مَا وَلَيْسَ جَرَّ الْبَا الْخَبَرْ، سيأتينا.
وكذلك لَيْسَ يأتي في خبرها حرف الجر الزائد وهو الباء ((أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ)) [التين:٨]، ((وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)) [البقرة:٧٤] دخلت الباء في خبر ما، ودخلت في خبر ليس، فدل على أن مَا مثل لَيْسَ في المعنى؛ لوجود هذه الأحكام، أنها في المعنى للنفي -نفي الحال- وكذلك أنها خاصة بالدخول على المبتدأ والخبر.
ثالثاً: دخول الباء الزائدة للتأكيد في خبر مَا ولَيْسَ، فلما أشبهت (ما) (ليس) هذا الشبه القوي عملت عملها فرفعت الاسم ونصبت الخبر في لغة أهل الحجاز.
وَمَا التِي تَنفي كليسَ النَّاصِبَهْ ... فِي قَولِ سُكّانِ الحِجَازِ قَاطِبَهْ
حينئذٍ تعمل ما النافية عمل ليس برفع المبتدئ على أنه اسم لها، والخبر تنصبه على أنه خبر لها.
إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا -أعملت ما النافية للاستقراء والعلة هي المشابهة- دُونَ إنْ مَعَ بَقَا النَّفْي وَتَرْتيبٍ زُكِنْ: ذكر ثلاثة شروط صريحة، والبيت الذي يليه ذكر شرطاً رابعاً ضمناً، حينئذٍ لا تعمل مطلقاً، لماذا لا تعمل مطلقاً؟ الأصل يقال: بالاستقراء، أنه لما كان الأصل فيها عدم العمل فإذا وجدت قد عملت، حينئذٍ نكتفي بما سمع، فنستنبط ما الذي دخلت عليه؟ وكيف دخلت عليه؟ فنقول: هذه هي الشروط، هذا هو الأصل فيه؛ لأن الأصل أنها لا تعمل.
حينئذٍ ما لم يكن أصلاً في العمل إذا عمل لا بد من شروط، في أبواب النحو كلها، اسم الفاعل لا يعمل مطلقاً إلا بشرط، اسم المفعول لا يعمل إلا بشرط، المصدر لا يعمل إلا بشرط مطلقاً، لماذا؟ لأن الأصل في هذه الألفاظ عدم العمل، فإذا أعمل حينئذٍ لا بد من تقريبه إلى الأصل وهو الفعل.
هنا الأصل في مَا أنها لا تعمل، حينئذٍ إذا أعملت لا بد من شروط تقربها وتؤكد أنها قريبة المعنى من ليس، وأول شرط قال: دُونَ إنْ، يعني ألا يقترن بها إن، فإن زيدت عليها إن، حينئذٍ بطل عملها، والمراد بـ (إن) هنا إن الزائدة لا النافية المؤكدة.
إن حلولها بعد ما على ثلاثة أنحاء: إما أن تأتي زائدة، وإما أن تأتي نافية، وإما أن تأتي مؤكدة للنفي .. ثلاثة أنحاء.
стр. 639
إما أن تكون زائدة محضة، إذا قيل الحرف زائد معناه لم يستعمل في المعنى الذي وضع له في لسان العرب، إذا جيء بها نافية، حينئذٍ إما أن يكون نفياً مستقلاً، وإما أن يكون من باب التأكيد .. هذه ثلاثة أنحاء.
ما الذي يُمنَعُ هنا؟ دُونَ إنْ الزائدة، والنفي المنفي هنا هو أن تكون إنْ مقصوداً بها النفي المستقل، يعني إنْ لو قصد بها أنها بمعنى مَا النافية، حينئذٍ الأولى بطلت -بطل عملها-؛ لأن نفي النفي إثبات، ومَا إنما ألحقت بـ (ليس) لشبه النفي، إذاً إذا نفيت مَا بطل، وإذا استعملت إن تأكيداً بمعنى مَا، حينئذٍ بقي على أصله.
إذاً: إِعْمَالَ مَا: أعملت ما إعمال ليس دون إن الزائدة لا النافية المؤكدة، أما النافية المؤكدة فلا إشكال في كونها تالية لـ: مَا، ويبقى عمله على الأصل.
إذاً: الشرط الأول: ألا يزاد بعدها إن، فإن زيد بطل عملها؛ لأن (ما) عامل ضعيف، والضعيف لا يقوى على العمل إلا إذا وقع معموله في موقعه الأصلي؛ إذ أصلها حرف مشترك فالأصل إهمالها، وأعملت حملاً على فعل جامد لا يتصرف، حينئذٍ يبقى على ما سمع فحسب، نحو: ما إن زيد قائم، الأصل: ما زيد قائماً، زيد هذا اسم ما، وقائماً هذا خبرها، لما زيدت إن بعد ما وهي الزائدة حينئذٍ بطل عملها فقيل: ما إن زيد قائم، ما حرف نفي ملغى، وإن زائدة، وزيد مبتدأ وقائم خبره، هذا مرفوع وهذا مرفوع على الأصل كأنها لم تدخل على الجملة.
ما إن زيد قائم، برفع قائم ولا يجوز نصبه وأجازه بعض النحاة.
استدلوا بقول القائل: بَنِي غُدَانَةَ مَا إنْ أَنْتُمُ ذَهَباً بالنصب، والبصريون يمنعون هذا، والصحيح أنه مروي بالرفع بَنِي غُدَانَةَ مَا إنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ: ما نافية، إن زائدة، أنتم مبتدأ، ذهب خبر؛ لأنه بطل عملها، وإذا بطل عملها رجعنا إلى الأصل، فما نافية وإن زائدة فبطل عملها، وروي بنصب ذهباً فهي نافية إن مؤكدة لنفي ما، وإن المؤكدة لنفي ما لا تعارض ما، على رواية النصب بَنِي غُدَانَةَ مَا إنْ أَنْتُمُ ذَهَباً، لا نقول: إن هنا زائدة؛ لأنها لو كانت زائدة لبطل عملها، فعلى الرواية الثانية مَا إنْ أَنْتُمُ ذَهَباً نحمل إن هنا على أنها نافية على أصلها، لكنها مؤكدة لمعنى ما، ولو حملناها على أنها مستقلة النفي بطل عملها؛ لأن نفي النفي إثبات. إذاً: فهي نافية إن مؤكدة لنفي ما، فالنفي التي عملت ما لدلالته عليه باق، بخلاف ما لو جعلت إن نافية لنفي ما فإن الكلام يكون موجباً ثابتاً؛ لأن نفي النفي إيجاب، فيزول حينئذٍ سبب عمل ما؛ لأن شرط إعمالها بقاء النفي.
إذاً: إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُونَ إنْ، نقول: ألا يقترن ما بـ: إن، يعني ألا يتلو ما حرف إن، ثم ننظر إن كانت زائدة بطل عملها، إن كانت مؤكدة للنفي بقي عملها، إن كانت نافية محضة مثل: (ما) بطل عملها، إذاً يبطل عملها في موضعين: إذا كانت زائدة وإذا كانت نافية أصالة، وأما إذا كانت مؤكدة للنفي حينئذٍ بقي عملها، وعليه يحمل رواية النصب بَنِي غُدَانَةَ مَا إنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ.
هذا هو الشرط الأول.
стр. 640
الثاني قال: مَعَ بَقَا النَّفْي، يعني نفي الخبر أن يبقى على أصله، فلا ينتقض، ومتى ينتقض؟ إذا اقترن الخبر بإلا؛ لأن الأصل في إلا أنه يثبت لما بعدها نقيض حكم ما قبلها، وإذا كان ما قبلها منفياً حينئذٍ نقيض حكم ما قبلها ثابت لما بعد إلا وهو الإيجاب، وشرط إعمال (ما) في اسمها وخبرها أن يكونا منفيين، فحينئذٍ صار الاسم منفياً والخبر مثبتاً، وهذا يبطل اختصاصها بالنفي.
ألا ينتقض النفي بـ: إلا -يعني: نفي خبرها- فلو كان النفي بغير إلا لم يبطل عمل (ما) نحو: ما زيد غير شجاع، ما زيد إلا قائم. نقول هذا باطل، يعني عملها مبطل، لماذا؟ لأن إلا يثبت لما بعدها نقيض حكم ما قبلها، وشرط إعمال (ما) أن يكون اسمها وخبرها منفيين، فإذا أثبت أحدهما ونفي الآخر انتقى شرط العمل، فلا يجوز نصب قائم كقوله تعالى: ((مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا)) [يس:١٥] أَنْتُمْ مبتدأ، وبَشَرٌ خبر، ومَا هذه نقول: حجازية في الأصل لكنها ملغاة، ((وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ)) [الأحقاف:٩] خلافاً لمن أجازه.
جمهور البصريين على أنه إذا انتقض نفي خبر (ما) بـ (إلا) وجب رفع الخبر مطلقاً، وذهب يونس بن حبيب إلى أنه يجوز نصب الخبر حينئذٍ مطلقاً، وذهب الفراء إلى جواز نصب الخبر حينئذٍ بشرط كونه وصفاً نحو: ما زيد إلا قائماً، وذهب جمهور الكوفيين إلى جواز نصبه حينئذٍ بشرط كون الخبر مشبهاً به نحو: ما زيد إلا أسد، والصواب هو الأول: أنه ينتقض مطلقاً؛ لأن شرط إعمال (ما) حملها على (ليس) النافية بجامع النفي، حينئذٍ يشترط أن يكون الاسم منفياً والخبر منفياً، فإذا لم ينف واحد منهما حينئذٍ حكمنا على (ما) بأنها ملغاة.
ثالثاً قال: وَتَرْتيبٍ زُكِنْ، هذا الشرط ثالث وهو أن يكون الاسم مقدماً على الخبر.
وَتَرْتيبٍ زُكِنْ: يعني علم، علم من أين؟ من الباب السابق أن المبتدأ حقه التقديم، والخبر حقه التأخير، إذاً يلتزم هذا الترتيب، فإن لم يلتزم بأن قدم الخبر على الاسم ولو كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً ألغي عمل (ما) هذا هو الأصل؛ لأنها ضعيفة، (ما) في نفسها ضعيفة، حينئذٍ الأصل في الضعيف ألا يتصرف فيه.
وَتَرْتيبٍ زُكِنْ: يعني علم، ألا يتقدم خبرها على اسم مطلقاً، ولو كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً، لذلك الناظم أطلق قال: وَتَرْتيبٍ زُكِنْ، فعلمنا أنه يرى أن الظرف لو وقع خبراً لا يجوز أن يتقدم على اسم (ما)، وكذلك لو وقع ظرفاً، فالكلام عامٌ في النظم.
مذهب جمهور النحاة أنه لو تقدم الخبر على الاسم بطل العمل مطلقاً، سواء كان مفرداً نحو: ما قائم زيد، أم ظرفاً نحو: ما عندك زيد، أو جاراً ومجروراً نحو: ما في الدار زيد، وهذا هو الأصل وهو الصحيح؛ لأن (ما) الأصل فيها عدم العمل، فما سمع يبقى على الأصل ولا نتصرف فيه.
وذهب الفراء إلى أن تقديم الخبر لا يبطل العمل مطلقاً، هذا من باب الاجتهاد.
وذهب ابن عصفور إلى التفصيل: إلى أن الظرف والجار والمجرور لا يبطل العمل، استثنى الجار والمجرور؛ للقاعدة السابقة أنهم يتوسعون في الظروف والمجرورات ما لا يتوسعون في غيره، وما عداه يبطل، ووجهه أن الظرف والجار والمجرور يتوسع فيهما ما لا يتوسع في غيرهما.
стр. 641
إذاً ثلاثة أقوال: جمهور البصريين على المنع مطلقاً سواء كان مفرداً أو جاراً ومجروراً أو ظرفاً، وهذا الذي ذهب إليه الناظم قال: وَتَرْتيبٍ زُكِنْ، بتقديم المبتدأ على الخبر والخبر يلتزم التأخير ولو كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً.
والفراء على الجواز مطلقاً، وابن عصفور على التفصيل، وظاهر ابن عقيل أنه اختار قول ابن عصفور.
فإن تقدم وجب رفعه نحو: ما قائم زيد، فلا تقول: ما قائماً زيد وفي ذلك خلاف كما ذكرناه.
وإن جاء في لسان العرب ما ظاهره تقدم الخبر على الاسم وجب تأويله.
فأَصْبَحوا قَد أَعادَ الله نِعْمَتَهُمْ ... إِذْ هُمْ قُرَيْشٌ وَإِذْ مَا مِثْلَهم بَشَرُ
ما بشر مثلهم تقدم الخبر على الاسم، والخبر هنا منصوب، يجب التأويل، وحينئذٍ نقول: وإذ ما مثلهم بشر، سيبويه قال: شاذ، انتهينا.
إذا أردنا تأويله حينئذٍ نقول: إذ ما مثلهم، مثلهم هذا حال، والخبر محذوف أي: ما في الوجود بشر مثلهم، إذاً لا بد من التأويل أو نحكم عليه بأنه شاذ، مثل ما سبق: وَمُضْمَرَ الشَّانِ اسْماً انْوِ إِنْ وَقَعْ.
قال ابن عقيل: فإن كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً فقدمته فقلت: ما في الدار زيد وما عندك عمرو فاختلف الناس في (ما) حينئذٍ هل هي عاملة أم لا؟
هذا محل نزاع كما ذكرناه سابقاً، والناظم اختار أنها تكون غير عاملة، فيبطل عملها.
وَسَبْقَ حَرْفِ جَرٍّ أَوْ ظَرْفٍ كَمَا ... بِي أَنْتَ مَعْنِياًّ أَجَازَ العُلَمَا
وَسَبْقَ: هذا مصدر مضاف إلى فاعله، مفعول به لأجاز.
أَجَازَ العُلَمَا يعني: النحاة.
سَبْقَ حَرْفِ جَرٍّ مع مجروره أوْ ظَرْفٍ مدخولي (ما) مع بقاء العمل، لكن ليس الظرف والجار والمجرور مطلقاً، إنما المراد معمول الخبر، الكلام في معمول الخبر، البيت هذا مراده أنه يمنع أن يتقدم معمول الخبر على الخبر إلا إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً، مثل ما سبق وَلاَ يَلِى الْعَامِلَ مَعْمُولُ الْخَبَرْ، والحكم سحبه إلى هذا الموضع، لكن يستثنى الجار والمجرور.
كَمَا بِي أنْتَ مَعْنِياًّ:
أصل التركيب مَا أنْتَ مَعْنِياًّ بِي.
(مَا) هذه حجازية نافية.
أنْتَ اسمها.
مَعْنِياًّ بالنصب على أنه خبر.
بِي جار ومجرور متعلق بالخبر معنياً، إذاً هو معمول الخبر وقد تلا ما، وسبق:
وَلاَ يَلِي الْعَامِلَ مَعْمُولُ الْخَبَرْ ... إِلاَّ إِذَا ظَرْفاً أَتَى أَوْ حَرْفَ جَرْ
إذاً استثنى والقاعدة نفسها:
وَسَبْقَ حَرْفِ جَرٍّ أَوْ ظَرْفٍ كَمَا ... بِي أَنْتَ مَعْنِيَّاً أَجَازَ العُلَمَا
إذاً يجوز أن يتقدم معمول الخبر إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً على اسم (ما) الحجازية، وأما التميمية هذا لا إشكال فيه يأتي إن شاء الله.
وَسَبْقَ حَرْفِ جَرٍّ أَوْ ظَرْفٍ كَمَا ... بِي أَنْتَ مَعْنِيَّاً أَجَازَ العُلَمَا
وما عندك زيد قائماً، ما زيد قائماً عندك هذا هو الأصل فيه.
стр. 642
قال الشارح: أمَّا (مَا) فلغة بني تميم أنها لا تعمل شيئاً فتقول: ما زيد قائم، فزيد مرفوع بالابتداء وقائم خبره، ولا عمل لما في شيء منهما، وذلك لأن (ما) حرف لا يختص بدخوله على الاسم نحو: ما زيد قائم وعلى الفعل ما يقوم زيد، وما لا يختص فحقه ألا يعمل، ولغة أهل الحجاز إعمالها كعمل ليس لشبهها بها في أنها لنفي الحال عند الإطلاق، فيرفعون بها الاسم وينصبون بها الخبر -هذا مذهب البصريين-، وأما الكوفيون فيجعلون الخبر أنه منصوب على نزع الخافض، وهذا بعيد جداً. هذا مشكل ضعيف هذا جداً.
قال الله تعالى: ((مَا هَذَا بَشَرًا)) [يوسف:٣١] (مَا) نافية، أعملت إعمال ليس، كأنه قال: ليس هذا بشراً، هَذَا _ذَا- اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع اسم (ما)، وها حرف تنبيه، وبَشَرًا بالنصب هكذا، فحينئذٍ نقول: الأرجح إعمال (ما) رداً على من منع، لماذا؟ للنص ((مَا هَذَا بَشَرًا)) [يوسف:٣١] لو كانت ملغاة لقيل: ممَا هَذَا بَشَرٌ كما هي لغة بني تميم، لكن لما أعملت وهو نص في القرآن، حينئذٍ نقول: الأصل والقياس هنا صحيح، وهو قياس (ما) على (ليس) في كونها تعمل عمل (ليس) بجامع النفي -المشابهة السابقة-.
((مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ)) [المجادلة:٢] ما قال: مَا هُنَّ أُمَّهَاتُهُمْ، ((مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ)) فـ: أُمَّهَاتِهِمْ بالكسر على أنه خبر لـ (ما) فدل على أنه يُعمل، فإذا جاء -الظاهر أنه لم يرد في القرآن بالنصب خبر لـ (ما) إلا في هذين الموضعين وما عداه إما أن يكون فعلاً وإما أن يكون دخل عليه حرف الجر الباء- فحينئذٍ صار المحتمل ((وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ)) [البقرة:٧٤]، هل نقول: هذه تميمية أو حجازية؟
حجازية؛ لأنه محتمل وجاء عندنا نص صريح وهو ((مَا هَذَا بَشَرًا)) [يوسف:٣١] فحينئذٍ نحمل المحتمل على الصريح، فكلما ورد في القرآن (ما) ودخلت الباء في الخبر، حينئذٍ نجعلها حجازية، هذا الأولى، فتقول في الإعراب -تستفيد في الإعراب-: ((مَا هَذَا بَشَرًا)) [يوسف:٣١] هذا النصب ظاهر ((وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ)) [البقرة:٧٤] (مَا) حرف نفي، لفظ الجلالة اسم (ما)، بِغَافِلٍ الباء حرف جر زائد، وغَافِل خبر (ما) منصوب، ونصبه الفتحة المقدرة على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وحينئذٍ تعربه بهذا الإعراب، ولو جعلتها تميمية لا بأس.
قال الله تعالى: ((مَا هَذَا بَشَرًا)) [يوسف:٣١]، ((مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ)) [المجادلة:٢].
أَبناؤُهَا مُتكَنفون أَباهُمُ ... حنقُو الصُّدور ومَا هُم أولادُها
إذاً الأصل إعمالها وهو صحيح خلافاً لمن منع.
إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُونَ إنْ: هذا هو الشرط الأول وقيدنا إن المراد بها الزائدة، احترازاً من المؤكدة، وكذلك إن النافية، فحينئذٍ إذا أعملت إن وهي نافية أريد وقصد معناها بطل عمل (ما)، فحينئذٍ نخص إِنْ هنا بالزائدة وبالنافية التي أريد معناها، خرج معنا أو عنا (إن) المؤكدة لنفي (ما).
стр. 643
مَعَ بَقَا النَّفْي: هذا الشرط الثاني، نفي الخبر فلا يضر انتقاض نفي معمول خبرها، لو قال قائل: ما زيد ضارباً إلا عمراً، ما الذي انتقض هنا؟ انتقض معمول الخبر لا الخبر، وهذا لا يضر، يعني لا يقال: بأن إلا هنا دخلت على معمول الخبر وحينئذٍ انتقض! نقول: لا، الشرط هنا انتقاض الخبر نفسه، لو قال: ما زيد إلا ضارباً عمراً، قلنا انتقض، يجب إلا ضارب، لا إذا رجح الاستثناء أو نحو ذلك، وأما كونه منصوباً على أنه خبر (ما) فممنوع.
وَسَبْقَ حَرْفِ جَرٍّ أَوْ ظَرْفٍ كَمَا ... بِي أَنْتَ مَعْنِيَّاً أَجَازَ العُلَمَا
المراد أنه يجوز تقديم معمول خبر (ما) على اسمها إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً، فإن كان غير ظرف أو مجرور بطل عملها ما طعامك زيد آكل، كما مر معنا.
ابن عقيل زاد شرطين على ما ذكره الناظم، وهما يردان إلى الشرط الأول والثاني، يعني ليست بشروط مستقلة.
قال: الشرط الخامس: ألا تتكرر (ما) فإن تكررت بطل عملها، إذاً هذا انتقض النفي، ألا يبدل من خبرها موجب، حينئذٍ انتقض النفي، لماذا؟ لأن (ما) لا تعمل إلا في اسم منفي وخبر منفي، وهذا داخل في ما سبق.
ثم قال رحمه الله تعالى:
وَرَفْعَ مَعْطُوفٍ بِلكِنْ أَوْ بِبَلْ ... مِنْ بَعْدِ مَنْصوُبٍ بِمَا الْزَمْ حَيْثُ حَلّ
إذا نصبت (ما) الحجازية، حينئذٍ إذا عطف على منصوبها وهو الخبر ببل ولكن، قال: يجب الرفع، مثل أن تقول: ما زيد قائماً بل قاعد، هل يصح أن نقول: بل قاعداً عطفاً على قائماً؟ لا يصح؛ لأنها للإيجاب، فحينئذٍ ما بعد بل منفي أو مثبت؟ مثبت، فإذا جعلته متصلاً بما قبله نقضت النفي، وحينئذٍ يتعين أن يرفع ما بعد بل، ويجعل خبراً لمبتدئٍ محذوف، ما زيد قائماً، بل عمرو، عمرو هذا خبر مبتدئٍ محذوف، كذلك بـ: لكن، ما عمرو شجاعاً لكن كريم .. لكن هو كريم، حينئذٍ تجعله خبر مبتدئٍ محذوف.
وَرَفْعَ مَعْطُوفٍ بِلكِنْ أوْ بِبَلْ ... مِنْ بَعْدِ مَنْصوُبٍ بِـ (مَا) الحجازية، الْزَمْ رفع معطوف، (الْزَمْ) هذا الأصل- رَفْعَ مَعْطُوفٍ - هذا مفعول به مقدم لـ: الْزَمْ، وهو مصدر مضاف إلى مفعوله، والفاعل محذوف والتقدير: الزم رفعك معطوفاً .. الزم رفعك- أنت الذي ترفع معطوفاً- بـ: بل إلى آخره.
وقوله: وَرَفْعَ مَعْطُوفٍ: سماه معطوفاً مجاز؛ إذ ليس معطوفاً هو، وإنما هو خبر مبتدأ محذوف، وبل ولكن حرفا ابتداء، فحينئذٍ إذا قلت: وَرَفْعَ مَعْطُوفٍ بِلكِنْ، هذه للاستدراك وهي تفيد إثبات الحكم، أو نفي الحكم السابق إثباته لما بعدها، وكذلك بل المراد ببل هنا ليس الانتقالية وإنما الإضرابية.
مِنْ بَعْدِ مَنْصوُبٍ: يعني من بعد خبر منصوب، بما الحجازية الْزَمْ حَيْثُ حَلْ ونزل، وإنما وجب الرفع لكونه خبر مبتدئٍ مقدر، ولا يجوز نصبه عطفاً على خبر (ما) لأنه موجب، وهي لا تعمل في الموجب.
стр. 644
هذا متمم للشرط السابق؛ لأنه وإن كان منفصلاً موهماً أن بل ولكن يعطف بما بعدهما على ما قبلهما، فالحكم واحد نبه على هذا رحمه الله تعالى، فبين أن بل ولكن، الحكم يكون فيهما مختلف عن الواو والفاء، فإنه لو عطف بالواو والفاء حينئذٍ حكمه يختلف، وأما إذا عطف بلكن وبل اللذان يفيدان أن ما بعدهما مخالف لما قبلهما في الحكم، وما قبلهما منفي وما بعدهما موجب، حينئذٍ انتقض النفي، فوجب أن يفصل الكلام وأن يقدر للملفوظ مبتدأً محذوفاً؛ لأنه موجب، وهي لا تعمل في الموجب نحو: ما زيد قائماً بل قاعد، وما عمرو شجاعاً لكن كريم، أي بل هو قاعد، قاعد خبر مبتدئٍ محذوف، إذاً ليس بمعطوف؛ لأن قاعد مفرد والأصل في المعطوفات أن يكون للمفرد، ولكن هو كريم، فإن كان العطف بحرف لا يوجب كالواو والفاء جاز الرفع والنصب نحو: ما زيد قائماً ولا قاعد، ولا قاعداً .. يجوز فيه الوجهان: لأن الواو لا تفيد أن ما بعدها مخالف لما قبلها بل تفيد الاشتراك، ومثلها الفاء ما زيد قائماً ولا قاعد على أنه خبر مبتدئٍ محذوف، ولا قاعداً بالنصب على أنه معطوف على منصوب، والمعطوف على المنصوب منصوب،، ومثله بالفاء ما زيد قائماً فعمرو، إن كان العطف بالواو والفاء حينئذٍ نقول ما بعده معطوف على ما قبله، هل نعيد لا مع الفاء؟ لا نعيدها.
إذاً ما زيد قائماً فعمرو، فعمرواً .. يجوز فيه الوجهان. إن نصبنا فهو معطوف على ما قبله، وإن رفعنا حينئذٍ فصلنا فقلنا: فعمرو قاعد أو فعمرو جالس، نقدر ما يناسب الحال؛ لأن الفاء مثل قولك: جاء زيد فعمرو، فما بعده يكون مناسباً لما قبله في الحكم، رأيت زيداً فعمرو، ولا نحتاج إلى إعادتها.
وَرَفْعَ مَعْطُوفٍ بِلكِنْ أَوْ بِبَلْ ... مِنْ بَعْدِ مَنْصوُبٍ بِمَا الْزَمْ حَيْثُ حَلّ
مِنْ بَعْدِ مَنْصوُبٍ بِمَا -الحجازية- الْزَمْ حَيْثُ حَلْ لَكِنْ وبَلْ هنا لا يقال إنها عاطفة؛ لأنهما لا يعطفان إلا المفرد وهنا جملة في الحقيقة بَلْ ولَكِنْ حرفان للانتقال.
قال الشارح رحمه الله تعالى: إذا وقع بعد خبر ما عاطف فلا يخلو إما أن يكون مقتضياً للإيجاب أو لا، فإن كان مقتضياً للإيجاب تعين رفع الاسم الواقع بعده وذلك نحو: بل ولكن فتقول: ما زيد قائماً لكن عمرو أو بل قاعد، فيجب رفع الاسم على أنه خبر مبتدأ محذوف والتقدير لكن هو قاعد، وبل هو قاعد ولا يجوز النصب البتة، لما ذكرناه سابقاً.
وإن كان الحرف العاطف غير مقتض للإيجاب كالواو ونحوها كالفاء جاز النصب والرفع والمختار النصب: ما زيد قائماً ولا قاعداً، ويجوز الرفع: ولا قاعد، وهو خبر لمبتدأ محذوف.
ففهم من تخصيص المصنف وجوب الرفع بما إذا وقع الاسم بعد بل ولكن أنه لا يجب الرفع بعد غيرهما.
وَبَعْدَ مَا وَلَيْسَ جَرَّ البَا الْخَبَرْ ... وَبَعْدَ لاَ وَنَفْيِ كَانَ قَدْ يُجَرّ
ليس قد يقع في خبرها أو يتصل بها الباء الزائدة التي تفيد التأكيد، ومثلها (ما) النافية.
стр. 645
وَبَعْدَ (ما) النافية وَلَيْسَ جَرَّ البَا الْخَبَرْ: جَرَّ الباءُ الْخَبَرَ، بعد (ما) النافية، مطلقاً سواء كانت تميمية أو حجازية، فليس الحكم خاصاً بالحجازية، وسواء كانت الحجازية عاملة أو ليست بعاملة؛ لأنها إذا أبطلت ما إن زيد قائم، هل يصح إدخال الباء الزائدة على قائم؟ نقول: نعم، ولو كانت مبطلة ولو كانت ملغاة.
وَلَيْسَ جَرَّ البَا الْخَبَرْ: الباء الزائدة خبر كثيراً، أطلق الناظم هنا (ما) فيشمل الحجازية والتميمية وهو كذلك، وقيده بعضهم بالحجازية وهو مردود فقد نقله سيبويه عن تميم وهو موجود في أشعارهم فلا التفات إلى من منع ذلك.
وأيضاً يشمل إطلاقه العاملة والتي بطل عملها بدخول إن، كما صرح بذلك هو في غير هذا الكتاب.
وَلَيْسَ جَرَّ البَا: إذاً الزائدة.
وَبَعْدَ لا وَنَفْي كَانَ قَدْ يُجَرّ: قد هنا للتقليل، إذاً قد تتصل الباء وتدخل الباء المؤكدة في خبر (لا) النافية عاملة عمل ليس، وَنَفْي كَانَ وبقية النواسخ، غير إن وأخواتها وكاد وأخواتها، إذاً كان ما كان زيد بقائم، كان المنفية أو كل ما دخل عليه النفي من النواسخ حينئذٍ يجوز أن يتصل بخبرها الباء التي تفيد التأكيد.
ويشمل إطلاقه أنه لا فرق في (لا) العاملة عمل ليس والعاملة عمل إن نحو: لا خَيْرَ بخيرٍ بعده النار، أي لا خير خير، لقوله: وَبَعْدَ لا –النافية-، سواء التي تعمل عمل ليس أو التي تعمل عمل إن كما سيأتي.
وَنَفْي كَانَ: أي كان المنفية.
قَدْ يُجَرّ: قليلاً، قد للتقليل.
تزاد الباء كثيراً في الخبر بعد ليس وما نحو قوله تعالى: ((أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ)) [الزمر:٣٦] كَافٍ هذا قطعاً أنه خبر ليس وهو منصوب، ولكنه جر لموافقة العامل الظاهر، وإلا في التقدير فهو منصوب.
((أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ)) [الزمر:٣٧] أليس الله عزيزاً، زيدت الباب هنا للتأكيد، لتأكيد النفي، ((وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ)) [الأنعام:١٣٢]، و ((وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)) [فصلت:٤٦] ولا تختص زيادة الباء بعد ما بكونها حجازية، بل تزاد بعدها وبعد التميمية، وقد نقل سيبويه والفراء زيادة الباء بعد ما عن بني تميم، فلا التفات إلى من منع ذلك وهو موجود في أشعارهم.
وذهب الكوفيون إلى أن الزيادة لتأكيد النفي، وهذا هو المرجح، وذهب البصريون إلى أنها لرفع أن يتوهم السامع أن الكلام بني على الإثبات لكونه لم يسمع أوله، هذه فلسفه.
يعني يقولون: زيدت الباب لماذا؟ لأنه يحتمل أنه لم يسمع أوله، ((وَمَا اللَّهُ)) ما سمع هذا، وإنما سمع ((بِغَافِلٍ)) علم أن الباء إنما تزاد في جواب ما وليس، هذا ليس صحيح.
وقد وردت زيادة الباء قليلاً في خبر لا وكل ناسخ منفي كقوله:
فَكُنْ لي شَفِيعاً يومَ لا ذُو شَفاعَةٍ بمُغنٍ هذا الشاهد.
فِي النَّكِرَاتِ أُعْمِلَتْ كَلَيْسَ لاَ ... وَقَدْ تَلِي لاَتَ وَإِنْ ذَا الْعَمَلاَ
انتهينا من ما وما يتعلق بها، ثم شرع في لا ولات وإن، وإعمالها أضعف من (ما)، والأشهر هو (ما)، وأما إن ولا ولات، هذه حتى بعضهم منع إعمالها،
فِي النَّكِرَاتِ أُعْمِلَتْ كَلَيْسَ: أُعْمِلَتْ لا، لا هذا نائب فاعل كَلَيْسَ: حال كونها كَلَيْسَ.
стр. 646
فِي النَّكِرَاتِ: جار ومجرور متعلق بقوله: أعملت، أعملت في النكرات لا في المعارف، إذاً هي مختصة بماذا؟ بالنكرات، وهذا قليل إعمال لا إعمال ليس قليل جداً.
وهم مع ذلك مختلفون في جواز إعمالها قياساً على ما سمع، فذهب سيبويه إلى جواز الإعمال، لكنه قليل، وذهب الأخفش والمبرد إلى منع إعمالها وهو أقيس -وهو القياس- لماذا؟ لأنه مهمل هذا الأصل فيه، فالأصل فيه عدم العمل، لكنه سمع بعض الأشعار إعمال لا، وحينئذٍ نقول: تعمل لا، لكن بشروط وهو قليل، وليس هو كـ (ما) النافية؛ إذ (لا) حرف مشترك بين الأسماء والأفعال فحقه الإهمال، هكذا علله الأخفش والمبرد بمنع إعمالها وهو القياس، لكن السماع هنا مقدم.
ويبقى السماع على ما سمع، حينئذٍ يكون قيلاً.
إذاً فِي النَّكِرَاتِ أُعْمِلَتْ، ظاهر كلامه مساواة (لا) لـ: ليس في العمل؛ لأنه قال: أُعْمِلَتْ كَلَيْسَ لا.
ثم قال: وَقَدْ تَلِي: تليها، قد يفهم منه أن لا وليس في العمل في مرتبة واحدة، وليس الأمر كذلك؛ لأن ليس إعمالها متفق عليه، وأما لا مختلف فيه، حينئذٍ ليس المراد هنا المساواة من كل وجه، ظاهر كلامه مساواة (لا) لـ (ليس) في كثرة العمل، وليس كذلك، بل عملها -عمل (ليس) - قليل، حتى منعه الأخفش والمبرد.
فِي النَّكِرَاتِ أُعْمِلَتْ كَلَيْسَ لا: بشرط بقاء النفي والترتيب على ما مر .. بشرط بقاء النفي فلا ينتقض، فإن انتقض حينئذٍ رجعنا إلى الأصل وهو الإهمال، كذلك يشترط فيه الترتيب على ما مر بتقديم المبتدئ على الخبر، فإن تقدم الخبر على المبتدئ، حينئذٍ بطل عملها، وهي لا تقترن بـ: إن أصلاً، حينئذٍ لا نحتاج إلى اشتراط إن؛ لأنه قال:
دُونَ إنْ ... مَعَ بَقَا النَّفْي وَتَرْتيبٍ زُكِنْ.
(لا) لا تقترن بـ (إن) البتة، حينئذٍ لا نحتاج إلى اشتراط هذا الشرط، وإنما نقول: مَعَ بَقَا النَّفْي، يبقى النفي، فإن انتقض النفي بـ: إلا أو غيره بطل عمل لا.
تَرْتيبٍ زُكِنْ على ما هو الأصل، وهو أيضاً خاص بلغة الحجاز دون تميم، إعمال لا الحجازية، أما تميم فلا.
فِي النَّكِرَاتِ أُعْمِلَتْ كَلَيْسَ لا: إنما اختص عمل لا في النكرات؛ لأنها عند الإطلاق لنفي الجنس برجحان، والوحدة بمرجوحية، وكلاهما بالنكرات أنسب، وهذا يأتينا في باب لا النافية للجنس، أما التي لنفي الجنس نصاً فعاملة عمل إن.
إذاً النوع الثاني هو لا.
قال الشارح: أما لا فمذهب الحجازيين إعمالها عمل ليس ومذهب تميم إهمالها، ولا تعمل عند الحجازيين إلا بشروط ثلاثة، والغالب أن يكون خبرها محذوفاً، الغالب في لا أن يحذف خبرها، حتى قيل: يجب حذف الخبر.
كقوله: (فَأَنَا ابْنُ قَيْسِ لا بَرَاحُ ... )، يعني لا براح لي، والصحيح جواز ذكره، لقوله:
تَعَزّ فَلاَ شَئٌ عَلَى الأَرْضِ بَاقِياً، بَاقِياً هذا تصريح بخبر لا، وَلا وَزَرٌ مِمَّا قَضَى اللهُ وَاقِياً، إذاً الصواب أنه يذكر، إذاً لا تعمل عند الحجازيين إلا بثلاثة شروط:
أولاً: أن يكون الاسم والخبر نكرتين؛ لأنه نص على ذلك قال: فِي النَّكِرَاتِ، ومنه قول الشاعر:
تَعَزّ فَلاَ شَئٌ (فلا) نافية تعمل عمل ليس، شَئٌ اسمها.
стр. 647
تَعَزّ فَلاَ شَئٌ عَلَى الأَرْضِ بَاقِياً: (بَاقِياً) هذا خبر لا، وعَلَى الأَرْضِ جار ومجرور متعلق بباقياً.
وَلا وَزَرٌ: (لا) نافية، تعمل عمل ليس، وَزَرٌ اسمها.
مِمَّا قَضَى اللهُ: من الذي قضى الله، متعلق بقوله: وَاقِياً، وواقياً هو الخبر -هذا الشرط الأول-.
وزعم بعضهم أنها قد تعمل في المعرفة بناء على ما ذكر عن النابغة:
وحَلَّتْ سَوادَ القَلبِ لاَ أَنَا بَاغِياً ... سِواهَا، وَلاَ عَنْ حُبِّهَا مُتَرَاخِيَاً
لا أَنَا: هذا معرفة، ودخلت عليه (لا) وأعملت بدليل ماذا؟ باغياً، هذا خبر فدل على إعمالها، وتردد الناظم في هذا البيت فأجاز في التسهيل القياس عليه، وتأوله في شرح الكافية، فقال: يمكن عندي أن يجعل أنا مرفوع فعل مضمر ناصب باغياً على الحال تقديره لا أرى باغياً، وهذا أولى أن يقدم لما ذكرناه.
الشرط الثاني: ألا يتقدم خبرها على اسمها: لا قائماً رجل - وَتَرْتيبٍ زُكِنْ -.
الشرط الثالث: ألا ينتقض النفي بـ: إلا: لا رجل إلا أفضل من زيد بنصب أفضل بل يجب رفعه، ولم يتعرض المصنف لهذين الشرطين.
بل الصواب أنه تعرض؛ لأنه ذكر الحكم أولاً.
وزِيد عليه شرط رابع: ألا يتقدم معمول خبرها على اسمها، وهو غير ظرف ولا جار ومجرور، وهذا يمكن أن نأخذه من قوله:
وَسَبْقَ حَرْفِ جَرٍّ أَوْ ظَرْفٍ كَمَا ... بِي أَنْتَ مَعْنِيَّاً أَجَازَ الْعُلَمَا
الخامس: ألا تكون نصاً في نفي الجنس.
ثم قال: وَقَدْ تَلِي لاَتَ وَإِنْ ذَا الْعَمَلاَ.
: وَقَدْ تَلِي تَلِي من ولي الشيء يليه ولاية إذا تولاه، وَقَدْ تَلِي لاَتَ، لات هنا فاعل قصد لفظه، وإن معطوف عليه، (ذَا) اسم إشارة مفعول به، تَلِي لاَتَ ذَا الْعَمَلاَ، العمل المذكور السابق وهو عمل ليس، وَقَدْ تَلِي لاَتَ ذَا الْعَمَلاَ، (ذَا) اسم إشارة في محل نصب مفعول به لتلي، ولاَتَ هذه فاعل، والْعَمَل هذا بدل أو عطف بيان.
أما لاَتَ فأثبت سيبويه عملها، ومنعه الأخفش.
وأما إِنْ فأجاز إعمالها الكسائي وأكثر الكوفيين، ومنعه جمهور البصريين، والصحيح الإعمال فقد سمع نثراً ونظماً.
الصحيح في هذه المسائل الأربعة الإعمال؛ لأنه سمع نثراً وشعراً، حينئذٍ يبقى على ما سمع عليه، القليل قليل، والكثير كثير، ونبقى على أصول.
وأما إِنْ النافية فمذهب أكثر البصريين والفراء أنها لا تعمل شيئاً، -الصحيح أنها تعمل وأن إعمالها نادر-، ومذهب الكوفيين أنها تعمل عمل ليس وقال به من البصريين أبو العباس المبرد وأبو بكر بن السراج وأبو علي الفارسي وأبو الفتح بن جني، وزعم أن في كلام سيبويه إشارة إلى ذلك وقد ورد السماع به
إِنْ هُوَ مُسْتَوْلِياً عَلَى أَحَدٍ ... إِلاَّ عَلَى أَضْعَفِ الْمَجَانِينِ
وسمع: (إنْ أَحَدٌ خَيْراً مِنْ أَحَدٍ إلا بِالْعَافَيَةِ)، إن أحد خيراً من أحد يعني: ما أحد خيراً من أحد، فنصب خيراً دل على أن إن هذه معملة.
إِنْ هُوَ مُسْتَوْلِياً: إن حرف نفي، يعمل عمل ليس، هو اسمها، مستولياً: هنا جاء معرفة لا يشترط فيها أن يكون نكرة، وإنما النكرة تشترط في (لا)، وأما (ما) لا يشترط فيها، وكذلك (إن).
стр. 648
مُسْتَوْلِياً: هذا خبر (إن)، شروط إعمال إن، أن يبقى النفي، أن يتقدم اسمها على خبرها، ألا يتقدم معمول خبرها على اسمها وهو غير ظرف ولا جار ومجرور.
وذكر ابن جني في المستحب أن سعيد بن جبير قرأ: ((إِنْ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَاداً أَمْثَالَكُمْ)) بالنصب، نعت لـ: عباداً -نعت له-.
إِنْ الَّذِينَ نافية رفعت الذين ونصبت عباداً، إِنْ الَّذِينَ يعني ما الذين تدعون من دون الله عِبَاداً بالنصب على أنه خبر لـ (إن) وله توجيه عند النحاة.
ولا يشترط في اسمها وخبرها أن يكونا نكرتين، بل تعمل في النكرة والمعرفة، إن رجل قائماً، وإن زيد القائم، وإن زيد قائماً.
وأما لاتَ بزيادة التاء قيل: هي أصلها (لا) النافية زيدت عليها التاء، تاء التأنيث المفتوحة لتأنيث اللفظ، وقيل: زيدت للدلالة على المبالغة في النفي، وقيل: ليقوى شبهها بالفعل.
ومذهب الجمهور أنها تعمل عمل ليس، فترفع الاسم وتنصب الخبر، لكن اختصت بأنها لا يذكر معها الاسم والخبر معاً، بل لا بد من حذف أحدهما، والأكثر أن يحذف الاسم، بل إنما يذكر معها أحدهما، والكثير في لسان العرب حذف اسمها وبقاء خبرها ((وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ)) [ص:٣] وَلاتَ الحين حِينَ مَنَاص، يعني فرار، وَلاتَ الحينُ حينَ، فـ: حِينَ منصوب على أنه خبر لات، وإن اسمها محذوف تقديره: ولات الوقت وقت مناص، يعني فرار، أو وَلاتَ الحين حين مناص.
فحذف الاسم وبقي الخبر، والتقدير: وَلاتَ الحين وحين مناص، والحين اسمها، وحين مناص خبرها، وقد قرأ شذوذاً ((وَلاتَ حِينُ مَنَاصٍ)) على أنه اسم لات، وحذف خبرها.
والخبر محذوف والتقدير وَلاتَ حين مناص لهم، وَلاتَ حين مناص كائناً لهم.
قال الناظم:
................................ ... وَقَدْ تَلِي لاَتَ وَإِنْ ذَا الْعَمَلاَ
وَحَذْفُ ذِي الرَّفْعِ فَشَا وَالْعَكْسُ قَلّ
وَمَا لِلاَتَ فِي سِوَى حِينٍ عَمَلْ
وَمَا لِلاَتَ: ليس للات في غير اسم حينٍ يعني زمان، هل المراد في لفظ الحين فقط أو المراد الحين ومثله؟ كل ما دل على زمن من أسماء الزمان، الثاني هو الظاهر، ليس المراد لفظ الحين، وإنما المراد كل ما دل على الزمن، فحينئذٍ يختص اسم أو يختص مدخولا لات بأسماء الزمان، وليس الحكم خاص بالحين، والآية إنما تذكر كمثال فقط.
وَمَا لِلاَتَ فِي سِوَى حِينٍ: لعله خص حين للآية؛ لأنها هي المثال المشهور عند النحاة.
وَمَا لِلاَتَ فِي سِوَى حِينٍ: اسم حين، أي زمان عمل.
بل لا تعمل إلا في أسماء الأحيان، نحو: حين، وساعة، وأوان؛ للآية السابقة، وقول الشاعر: نَدِمَ البُغاةُ ولاتَ ساعةَ مَنْدَمٍ.
وَحَذْفُ ذِي الرَّفْعِ فَشَا: يعني لا يذكر معها المرفوعان، وإنما لا بد من حذف أحدهما.
وَحَذْفُ ذِي الرَّفْعِ: أي المرفوع، يعني صاحب الرفع، وهو الاسم المرفوع.
فَشَا: يعني كثر، وَالْعَكْسُ قَلْ: وهو حذف الخبر وإبقاء الاسم.
الأول كثير حذف الاسم وإبقاء الخبر، والعكس قل .. قل جداً؛ للآية التي ذكرناها ((وَلاتَ حِينُ مَنَاصٍ)).
стр. 649
قال: وأشار بقوله: وَمَا لِلاَتَ فِي سِوَى حِينٍ عَمَلْ إلى ما ذكره سيبويه من أن لات لا تعمل إلا في الحين، واختلف الناس فيه، فقال قوم: المراد أنها لا تعمل إلا في لفظ الحين، ولا تعمل في مرادفه كالساعة ونحوها، وقال قوم: المراد أنها لا تعمل إلا في أسماء الزمان، وتعمل في لفظ الحين وفيما رادفه من أسماء الزمان، ومن عملها فيما رادفه قول الشاعر:
نَدِمَ البُغاةُ ولاتَ ساعةَ مَنْدَمٍ: إذاً سمع، وإذا سمع حينئذٍ نقول: لا يراد به لفظ الحين بل هو عام، وكلام المصنف محتمل القولين، وجزم بالثاني في التسهيل.
ومذهب الأخفش أنها لا تعمل شيئاً، وأنه إن وجد الاسم بعدها منصوباً فناصبه فعل مضمر، والتقدير لات أرى حين مناص، وإن وجد مرفوعاً فهو مبتدأ والخبر محذوف، والتقدير: لات حين مناص كان اللفظ.
ولكن المشهور هو الأول.
إذاً: شروط عمل لاَتَ: أن يبقى النفي، وأن يتقدم اسمه على خبرها، ألا يتقدم معمول خبرها على اسمها وهو غير ظرف ولا جار ومجرور، أن يكونا نكرتين، ألا يجمع بين جزئيها والأكثر حذف الاسم، لا تعمل إلا في الحين وما رادفه، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!
стр. 650
عناصر الدرس
* شرح الترجمة (أفعال المقاربة) ـوأقسامها من حيث المعنى
* عمل (أفعال المقاربة) ـ
* أقسام هذه الأفعال من حيث اقتران خبرها بـ (أن) وعدمه
* فوائد ومسائل
* أقسام (افعال المقاربة) من حيث التمام والنقص
* ماتختص ته (عسى) دون غيرها.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى: أَفْعَالُ الْمُقَارَبَة، أي: هذا باب بيان أفعال المقارنة. أفعال هذا جمع، والمراد بها: أن الحكم على هذه المذكورات كلها أفعال، وكلها متفق على فعليتها إلا عسى، فهي مختلف فيها، ذهب بعضهم إلى أنها حرف، نقل عن ثعلب ونسب أيضاً إلى ابن السراج، والصحيح أنها فعل. والدليل على فعليتها: اتصال تاء الفاعل وأخواتها بها، عسيتُ، عسيتَ، فَهَلْ عَسَيتُم، حينئذٍ نقول: اتصال تاء الفاعل دليل على أنها فعل.
وذهب ابن هشام رحمه الله تعالى إلى التفصيل بين كونها فعلاً وبين كونها حرفاً ولذلك عدها من النواسخ التي تنصب المبتدأ وترفع الخبر، يعني: من أخوات (إن)، فتأتي حرفاً وتأتي فعلاً، وحينئذٍ التي ترفع المبتدأ وتنصب الخبر هي فعل، والتي تنصب المبتدأ وترفع الخبر هي حرف.
وجمهور البصريين على المنع، بل الصواب عندهم: أنها لا تأتي إلا فعلاً ماضياً، وإذا جاءت متصلة بالـ (كاف) عساك، عساه؟؟؟ ونحو ذلك، حينئذٍ نقول: هذه لا بد من تأويلها وتخريجها على ما يوافق الأصل. إذاً التفصيل عند ابن هشام رحمه الله تعالى ويأتي في باب (إن وأخواتها)، لذلك قال الناظم: أفعال، حينئذٍ عسى عنده فعل، بدليل بدليل التعميم.
أَفْعَالُ الْمُقَارَبَة، لم يقل: كَادَ وَأَخَوَاتُهَا، وإن كان هذا الباب يعتبر متمماً لما سبق، وهو أن من النواسخ ما يرفع المبتدأ وينصب الخبر، قلنا: هذا الأصل فيه باب (كان وأخواتها)، حينئذٍ باب (كاد وأخواتها) هذا ملحق به، بمعنى: أنه يعمل عمل (كان)، كما قال: كَكَانَ كَادَ وَعَسَى، فدل على أن هذا الباب فرع وليس بأصل، ولم يقل كاد وأخواتها؛ لأن كان وأخواتها هناك دل الدليل على أن (كان) لها اختصاص، وأنها أم الباب، وانفردت بأحكام لم يشاركها غيرها من الأفعال.
وأما (كاد) فلم يثبت أنها أم الباب، وحينئذٍ إثبات أمية (كاد) يحتاج إلى دليل ولا دليل فيبقى على الأصل، فلا نقول: كاد وأخواتها، وإن كان بعضهم عبر بهذا التعبير.
أَفْعَالُ الْمُقَارَبَة، لم يقل كاد وأخواتها؛ لأنه لا دليل على أنها أم الباب، بخلاف كان.
قوله: أَفْعَالُ الْمُقَارَبَة، مقاربة مفاعلة، والمفاعلة إنما تكون بين شيئين، مضاربة ومقاتلة لا بد بين اثنين، وهنا مفاعلة المقاربة. قيل: المراد أصل القرب، يعني ليست المفاعلة هنا على بابها، لأنه يقال: سافر، فاعل، ضارب. ضارب زيد عمرواً، إذاً فيه نوع مشاركة بين الطرفين، لكن: سافر زيد، نقول: سافر هذه جاءت على صيغة ماذا؟ صيغة فاعل، هل ثمَّ مفاعلة بين زيد والسفر؟ الجواب: لا. إذاً نقول: هذه ليست على بابها، سافر ليست على بابها. كذلك هنا المقاربة قيل: مأخوذ من أصل القرب كسافر.
стр. 651
لا حقيقة المفاعلة، لأنه للخبر فقط، لأنه إذا قيل: كاد زيد يفعل كذا، إذاً المراد قرب الخبر من الاسم، هذا المراد، فهي مفاعلة من جهة الخبر أو مقاربة من جهة الخبر للاسم، والاسم الأصل فيه أنه لا يقارب الخبر، هذا المراد هنا، حينئذٍ إذا قيل: كاد زيد يفعل كذا، المراد بالخبر هنا: أنه قرب من الاسم. إذاً: ليس فيه مفاعلة، الاسم في الأصل لا يقرب من الخبر، وإنما المراد الإخبار بقرب مدلول الخبر من الاسم. هذا هو الأصل، وحينئذٍ لا وجه للمفاعلة هنا، وحينئذٍ لا بد من صرفه على ما ذكرناه.
وقد يقال: يلزم من وضعها لقرب الخبر من الاسم دلالتها على قرب الاسم من الخبر التزاماً. إذا قيل بأن أصل الوضع، وضعت كاد وأخواتها من أجل دلالتها على قرب الخبر من الاسم، إذا قرب الخبر من الاسم لزم منه أن يكون الاسم كذلك قريباً من الخبر، وحينئذٍ وجدت المفاعلة، لكن قرب الخبر من الاسم وضعاً، لأنه وضع له في لسان العرب لهذا المعنى.
وأما قرب الاسم من الخبر هذا التزاماً؛ لأنه إذا قيل: قرب معنى الخبر من مسمى الاسم حينئذٍ لا يكون الاسم أجنبياً بعيداً عنه، بل كل ما قرب قرب منه الاسم كذلك.
إذاً: فيه معنى المفاعلة لكن من جهة الالتزام، فتكون حينئذٍ على بابها. إذاً: أفعال المقاربة، مقاربة المفاعلة هل هي على بابها أم لا؟ نقول: قيل: الأصل أنه من قرُب، وحينئذٍ لا مفاعلة كسافر. وقيل: أن الأصل في وضع (كاد وأخواتها) لقرب معنى الخبر من مسمى الاسم، لزم منه قرب الاسم من الخبر، هذا لازم له، فحينئذٍ حصلت المفاعلة في الأول الخبر للاسم بالوضع، والاسم للخبر بالالتزام، وحينئذٍ معنى المفاعلة موجود.
أَفْعَالُ الْمُقَارَبَة، هذا هو القسم الثاني من الأفعال الناسخة للابتداء، وهو (كاد وأخواتها)، وذكر المصنف منها أحد عشر فعلاً، ولا خلاف في أنها أفعال إلا (عسى) هذا محل نزاع كما ذكرناه، والصحيح أنها فعل مطلقاً، وإذا جاءت ناصبة فحينئذٍ تؤول أو تستثنى في أحوال معينة فحسب، أما أنها تكون فعلاً وتكون حرفاً هذا محل نظر.
وهذه أفعال المقاربة على ثلاثة أنواع، لأنها ليست كلها أفعال مقاربة، بل هي من باب إطلاق الكل مرادٌ به الجزء، لأن الذي يعمل عمل (كان) في هذا النوع على ثلاثة أقسام: منها ما دل على المقاربة، ومنها ما دل على الرجاء، ومنها ما دل على الإنشاء، وحينئذٍ كيف يقول الناظم: باب المقاربة وليست كلها للمقاربة، وإنما بعضها للمقاربة، وبعضها للرجاء، وبعضها للإنشاء والشروع، وحينئذٍ نقول: إما أن يكون من باب التغليب، غلَّب أفعال المقاربة على الرجاء والإنشاء والشروع، وإما أن يكون على حقيقته.
وليست كلها للمقاربة، بل هي على ثلاثة أقسام:
قيل الجواب: أنها من باب التغليب. وقيل في أفعال الرجاء والشروع أيضاً نوع مقاربة -فيها نوع مقاربة- قيل: في أفعال الرجاء والشروع أيضاً مقاربة بطريق الاستلزام، لأن رجاء الفعل دُلُوٌّ لتقدير نيله، إذا رجى الفعل حينئذٍ فيه نوع قرب، إذا رجى الفعل حينئذٍ نقول: فيه نوع قرب، فالأصل فيه إذا رجاه أن يتحرك إليه وأن يتقرب منه ذلك الفعل. هذا هو الأصل.
стр. 652
والشروع في الفعل يلزمه القرب منه، وعليه حينئذٍ فلا تغليب، بل يكون المراد بأفعال المقاربة على أصلها، إما أن تكون بالوضع وهو كاد وأخواتها، وإنما أن تكون بالاستلزام، لأن أفعال الرجاء إذا رجى الفعل دنا منه ولا شك، وهذا معنى القرب. وأفعال الشروع إذا قرب من الشيء من أجل أن يشرع فيه وينشأ فيه حينئذٍ صار قريباً منه، لكن هذا يكون من باب دلالة الاستلزام، وعليه فلا تغليب.
ثلاثة أقسام: الأول: ما دل على المقاربة، يعني أفعال تفهم منها مقاربة مضمون الخبر لمسمى الاسم، وهي ثلاثة سيذكرها الناظم: كاد وكرب وأوشك، وضعت للدلالة على قرب الخبر أي: قرب معناه من مسمى الاسم. قرب الخبر يعني معنى الخبر من مسمى الاسم، هذا معنى أفعال المقاربة. وضعت للدلالة على قرب الخبر، أي: قرب معناه من مسمى الاسم، وقربه منه لا يستلزم وقوعه. إذا قيل: قريب -كاد تدل على قرب خبرها من معنى اسمها- حينئذٍ لا يدل على أنه سيقع، بل قد يستحيل عادة كما في قوله تعالى: ((يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ)) [النور:٣٥] قال: هذا مستحيل، فحينئذٍ لا يلزم من قربه وقوعه، وإنما هذا اللفظ وضع من أجل أن يدل على القرب فحسب، قرب الخبر معناه من مسمى الاسم.
الثاني: ما دل على الرجاء، يعني أفعال دلت على الرجاء، وهي ثلاثة: "عَسَى وحَرَى واخلَوْلَقَ "، يعني: كلها تستعمل بمعنى واحد. عَسَيْتُ بمعنى: رجوت. اخلَوْلَقَ بمعنى: رجى، وحَرَى بمعنى: رجى، هذا المراد أنها كلها تفسر بمعنى واحد، فاللفظ متعدد والمعنى واحد، فعسى هي الأصل وحَرَى وَاخلَوْلَقَ محمولان عليهما.
وضعت للدلالة على الرجاء الخبري، يعني: الطمع في الخبر محبوباً والإشفاق أي: الخوف منه مكروهاً، هذا معنى الرجاء.
والثالث: ما دل على الإنشاء والشروع فيه، وهو كثير -هذه كثيرة- لكن عدَّ الناظم منها: جعل وطفق وأخذ وعلق وأنشأ. هذا المشهور منها. وضعت للدلالة على الشروع في الخبر: أَنْشَأَ السَّائِقُ يَحْدُو: بمعنى أنه شرع، بدأ. فأفعال الشروع كأفعال المقاربة كأفعال الرجاء كلها داخلة تحت مسمى أفعال المقاربة.
قال الناظم:
كَكَانَ كَادَ وَعَسَى لَكِنْ نَدَرْ ... غَيْرُ مُضَارِعٍ لِهذَيْنِ خَبَرْ
إذاً: هذا الباب محمول على باب (كَادَ وَأَخَوَاتُهَا)، وعلم أن (كان) ترفع المبتدأ على أنه اسم لها، وتنصب الخبر على أنه خبر لها، هذا هو الأصل فيها، فالأصل كل ما جاز هناك أنه يجوز هنا، فالفرع يحمل على أصله، وكل ما اشترط هناك يشترط هنا، والعمل هو العمل، ولذلك قال الناظم:
كَكَانَ كَادَ: كَادَ مثل كَانَ، كَادَ هذا مبتدأ مؤخر قصد لفظه وكَكَانَ، يعني مثل كان هذا خبر مقدم.
كَكَانَ كَادَ: لمقاربة حصول الخبر كَادَ.
وَعَسَى: لترجيه، يعني: ترجي حصول الخبر. حينئذ: كَادَ كَكَانَ في ماذا؟ هل هو في المعنى أو في الحكم؟ وهل هو في مطلق الحكم أو في الحكم المطلق؟ هذه كلها احتمالات، في المعنى منفي؛ لأن (كَانَ) تدل على الزمن فحسب، وإذا كان حدث فحينئذٍ معنى حدثها هو الكون -الحدوث الحصول الثبوت-. إذاً: هذا ممتنع.
стр. 653
بقي: كَانَ كَكَادَ، كَادَ كَكَانَ، في ماذا؟ في مطلق الأحكام أو في الأحكام المطلقة. إذا قلت: في الأحكام المطلقة معناه: كل الأحكام التي مضت حينئذٍ هي موجودة في باب (كاد)، وإن قلت: في مطلق الأحكام فحينئذٍ صار في الجملة، وقد يخالف في البعض، الثاني هو المراد، أن المثلية هنا ليست مثلية مطلقة من كل وجه، بل من بعض الوجوه.
كَكَانَ كَادَ يعني: فيما تقدم من العمل، كَكَانَ فيما تقدم من العمل كَادَ وَعَسَى لا في كل أحكامها، وإن كانت مطلقة المثلية تحمل على هذا لكن ليس هذا مراد الناظم، ولذلك استدرك فقال:
لَكِنْ:
هذا استدراك برفع ما يتوهم ثبوته، وهو أن ما قبل لكن قد يوهم أن كاد وكان مستويان من كل وجه في الأحكام، وحينئذٍ يلزم أن يكون خبر كاد مفرداً وجملة فعلية وجملة اسمية وظرفاً وجاراً ومجرور وهذا ممتنع في باب كاد، وحينئذ: لَكِنْ نَدَرْ غَيْرُ مُضَارِعٍ هذا استثناء واستدراك بأن كَادَ كَكَانَ المراد بها في العمل، في أنها تدخل على الجملة الاسمية مبتدأ وخبر، وأنها ترفع المبتدأ على أنه اسم لها، والخبر له حكمه وهو مستثنىً من الأحكام التي تعلقت بـ (كان)، ولذلك قال:
لَكِنْ نَدَرْ
... غَيْرُ مُضَارِعٍ لِهَذَيْنِ خَبَرْ
إذاً: كَادَ كَكَانَ في العمل الذي تقدم ذكره:
تَرْفَعُ كَانَ الْمُبْتَدَا اسْمَاً وَالْخَبَرْ ... تَنْصِبُهُ ... فحينئذٍ ترفع (كَادَ) الاسم لفظاً أو تقديراً، وتنصب الخبر محلاً لا ظاهراً كـ (كَانَ)، (كَانَ) نصبها للخبر لفظاً، كان زيد قائماً، ولكن لما كان الأصل في باب (كاد) أن يكون خبرها جملة فعلية: لَكِنْ نَدَرْ .. غَيْرُ مُضَارِعٍ يعني: شذ، مقصوده بالندارة أو الندور هنا الشذوذ، شذ مجيء غير فعل مضارع خبراً لكان وكاد وسائر أخواتها، فليس الحكم خاصاً بهذين الفعلين، حينئذٍ لما تعين أن يكون الخبر فعلاً تعذر أن يكون النصب ظاهراً، هذا واضح بين. وحينئذٍ من المخالفة في باب كاد لكان: أن كان تنصب الخبر لفظاً، وقد يكون محلاً كالجملة الفعلية والجملة الاسمية إذا وقعا خبرين، وكذلك المتعلق الجار والمجرور والظرف.
وأما باب كاد وأخواتها لا، يتعين أن يكون النصب محلاً، وإذا جاء النصب لفظاً ظاهراً فحينئذٍ يقال فيه: إنه شاذ، ولأن ذلك لا يكون إلا في الاسم المفرد، فإذا صرح بخبر كاد وعسى بالاسم المفرد، حينئذٍ نقول: هذا شاذ، وعليه يظهر فيه النصبُ.
إذاً: كَكَانَ كَادَ فيما تقدم من العمل لا في كل أحكامها، فإن من المخالفة بين البابين ما ذكره الناظم في قوله: لَكِنْ نَدَرْ غَيْرُ مُضَارِعٍ كما سيأتي.
ومن المخالفة -هنا-؛ فإن الخبر لا يتقدم هنا في باب كاد، بخلافه في باب كان، فثمَّ فروق بين البابين، فإن الخبر لا يتقدم هنا، ويجوز حذفه إن عُلم، بخلافه في باب كان في المسألتين على خلاف سبق، هل يجوز حذف خبر كان أو لا!
стр. 654
((فَطَفِقَ مَسْحًا)) [ص:٣٣] طَفِقَ، هذا سبق معنا أنه من أفعال الشروع، وحينئذٍ: طَفِقَ مَسْحًا، طَفِقَ هو مسحاً، هل مسحاً هذا خبر؟ نقول: لا بد من التأويل، لأنه تقرر أنه لا يقع خبر طفق وأخواته إلا فعلاً مضارعاً، وهذا جاء نصاً في القرآن: ((فَطَفِقَ مَسْحًا)) فَطَفِقَ يمسح مَسْحًا، فمسحاً هذا ليس هو الخبر حتى نقول شذ، جاء في القرآن ما هو شاذ، لا. نقول: هذا المذكور المنصوب ليس هو الخبر، وإنما هو مفعول مطلق لعامل محذوف، العامل هو الذي وقع خبراً وهو الجملة فعلية. فَطَفِقَ يمسح مَسْحًا، وهذا واضح من أجل أن تطرد القواعد.
وأما توسط الخبر فجائز باتفاق إذا لم يقترن بـ (أن) -يعني في باب كاد- توسط الخبر فجائز باتفاق إذا لم يقترن بـ (أن)، وعلى أحد القولين إذا لم يقترن بـ (أن)، يعني فيه خلاف، قيل: يتوسط. وقيل: لا.
ولما كانت عبارة المصنف توهم عمل (كاد) في كل ما تعمل فيه (كان) دفع ذلك بالاستدراك، فقال: لَكِنْ نَدَرْ غَيْرُ مُضَارِعٍ
لَكِنْ نَدَرْ أن يجيء خبر وهو غير مضارع.
غَيْرُ مُضَارِعٍ: لا بد من التقدير، غَيْرُ مُضَارِعٍ: غير جملة فعل مضارع، لأن الخبر ليس الفعل فقط، أي: جملة بحسب الصورة الظاهرة، لماذا بحسب الصورة الظاهرة؟ لأنه سيأتي أن بعضها ما يشترط فيه (أن) -لا يتجرد عنه-، وبعضها يشترط فيه ألا يتصل أو يقترن به (أن)، حينئذٍ ما جاء اتصل به (أن)، (أن) وما دخلت عليه بتأويل مصدر، والمصدر مفرد، وحينئذٍ كيف نقول بأن الخبر يكون جملة ونشترط (أن) في بعض المواضع، و (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر والمصدر مفرد هذا تناقض، نقول: لا، المراد هنا اشتراط الفعلية أو الجملة الفعلية باعتبار الصورة المحسوسة الذي ينطق، لا باعتبار بما تؤول إليه. النظر هنا إما أن ينظر إلى الفعل من حيث هو -الصورة المحسوسة المنطوق بها-، وإما أن ينظر إليه باعتبار ما تؤول إليه.
إن نظرنا باعتبار ما تؤول إليه حينئذٍ لا يصح أن نقول: ولَكِنْ نَدَرْ غَيْرُ مُضَارِعٍ؛ لأنه في الحقيقة أن ما كان متصلاً مقترناً بـ (أن) ليس هو فعل المضارع، بل هو مصدر والمصدر مفرد، حينئذٍ كيف الانفكاك عن هذا التناقض؟ نقول: المراد باشتراط كونه غَيْرُ مُضَارِعٍ، غَيْرُ الجملة فعل مضارع في الصورة المحسوسة، يعني التي ينطق بها، وليس لك بما تؤول إليه هذه الجملة.
وإن نازع بعضهم في كون هذه (أن) الداخلة على الفعل أنها تؤول بالمصدر، والسيوطي مشى على هذا قال: لا نسلم .. يقول: (أن) مصدرية لكن لا تؤول بمصدر، وهذا عجيب، لكن الغريب أنه سار على هذا.
فالشاهد: أن (أن) هذه نقول: مصدرية قطعاً، وإذا حكمنا عليها بأنها مصدرية لا بد وأنها تؤول مع ما بعدها بمصدر، والأكثر على هذا، فحينئذٍ دفعاً لهذا الاعتراض نقول: المراد بالجملة هنا ولو في الصورة الظاهرة المحسوسة، إذ أن الخبر إذا اقترن بـ (أن) خرج إلى المفرد.
لَكِنْ نَدَرْ: يعني أن يجيء.
غَيْرُ مُضَارِعٍ: غير جملة فعل مضارع لِهذَيْنِ خَبَرْ.
لَكِنْ نَدَرْ غَيْرُ مُضَارِعٍ لِهذَيْنِ خَبَرْ: خبراً حال من فاعل ندر، وغَيْرُ هذا فاعل ندر.
стр. 655
لَكِنْ نَدَرْ: يعني قل، أو إن شئت قل: شذ غَيْرُ مُضَارِعٍ خبراً لهذين. لهذين المراد بهما: كان وكاد وعسى، لكن هل الحكم خاص بهما؟ لا، بل الجواب أن الحكم عام.
لِهذَيْنِ: وأخواتهما من أفعال الباب، فالحكم عام وليس خاصاً بكاد وعسى.
إذاً: نأخذ من هذا البيت أمرين:
الأول: أن كاد وأخواتها تعمل عمل كان، فتدخل على المبتدأ والخبر، والمبتدأ يكون مرفوعاً اسماً لها، وحينئذٍ يكون الرفع ظاهراً أو مقدراً بحسب آخر الاسم، وتنصب الخبر وحينئذٍ يكون الخبر في الأصل منصوباً.
ثم الأمر الثاني: أن يكون الخبر معيناً، بمعنى أنه ليس ككان يكون جملة فعلية وجملة اسمية ماضوية، مضارعية، ظرفاً أو جاراً ومجرور، بل هو معين في جزئية واحدة وهي أن يكون مضارعاً، وحينئذٍ إذا قلنا: الخبر يكون فعلاً مضارعاً فالنصب يكون محلاً لا ظاهراً، والذي يدل على أن النصب محل في المحل: التصريح بالاسم المفرد وقد ظهر عليه النصب، وسبق قاعدة معنا: أن المطرد في لسان العرب إذا كان خلاف الأصل فحينئذٍ لا بد وأن تأتي فلتة من شاعر ونحوه يصرح بالأصل المهجور، ولذلك يقال: هذه الكلمة ضرورة، فيها تنبيه على أصل مهجور، وهنا الأصل ما هو؟ إذا قلنا باب كاد وأخواتها محمول على باب كان، إذاً الأصل في خبر كاد أن يكون جملة فعلية وجملة اسمية، هذا هو الأصل أن يكون الخبر مثله، فحينئذٍ لما اختص ببعض أفراد خبر كان هل هو في محل نصب أم لا لأنه لا يظهر، قد يوقع في لبس، هل هي بالفعل ملحقة أم لا؟ فحينئذٍ جاءت كلمة أو كلمتان من بعض الشعراء صرح بالخبر وهو مفرد وقد ظهر عليه النصب، فدل على أن هذا الباب بالفعل ملحق بباب كاد، وأن التصريح بالاسم المفرد في بعض المفردات وما نطق به بعض الشعراء حينئذٍ يكون تنبيهاً على هذا الأصل المهجور. تنبه لهذا.
كَكَانَ كَادَ وَعَسَى لَكِنْ نَدَرْ ... غَيْرُ مُضَارِعٍ
قوله: غَيْرُ مُضَارِعٍ: يصدق بالجملة الاسمية، والماضوية، وهما لم يخبر بهما عن كاد وعسى بالكلية، وظاهر النظم يوهم ورودهما خبراً عنهما.
ونَدَرْ غَيْرُ مُضَارِعٍ: غير المضارع ما هو غير المضارع؟ الجملة المفرد والماضوية والجملة الاسمية، هل بالفعل سمع في لسان العرب التصريح بالخبر كونه جملة اسمية، أو كونه جملة ماضوية ومفرداً؟ الأكثر على النفي أنه لم يسمع إلا مفرداً، ولذلك السيوطي في الشرح -شرحه على الألفية- قال: وغير مضارع أي مفرد ندر، يعني: ندر سماع غير المضارع ولم يسمع إلا الاسم المفرد فقط، كما سيأتي. ولكن الصواب: أنه سمع جملة اسمية وهو مع جعل. قال الشاعر:
وَقَدْ جَعَلَتْ قَلُوصُ بَني سُهَيلٍ ... مِنَ الأَكوارِ مَرْتَعُهَا قَرِيبُ
وَقَدْ جَعَلَتْ قَلُوصُ، قَلُوصُ هذا اسم جعل، وجعل هذه من أفعال الشروع، جعل وطفق وأخذ وعلق وأنشأ.
وَقَدْ جَعَلَتْ قَلُوصُ بَني سُهيل ... مِنَ الأكوارِ مَرْتَعُهَا قَريبُ
مَرْتَعُهَا قَريبُ: مبتدأ وخبر في محل نصب خبر جعل، وقد جاء جملة اسمية لكنه شاذ، يحفظ ولا يقاس عليه.
وأما التصريح به اسماً فقد جاء قوله في خبر عسى:
أَكْثَرْتَ فِي الْعَذْلِ مُلِحًّا دَائِمَا ... لاتُكْثِرَنْ إِنِّي عَسَيْتُ صَائِما
стр. 656
عَسَيْتُ صَائِما: عسى هذا من أفعال الرجاء، فهي من أخوات كاد، وحينئذٍ تختص بالمبتدأ والخبر، فتدخل على المبتدأ فترفعه على أنه اسم لها، والخبر تنصبه على أنه خبر لها في محل نصب، لأن الأصل فيه أن يكون جملة فعلية، وهنا جاء صائماً: مفرد، دل على أن الأصل في الخبر الذي يكون في هذا المحل أنه منصوب، وحينئذٍ نقول: عسى زيد أن يقوم، عسى زيد: زيد هذا اسم عسى. أن يقوم: هذا نقول: خبر في محل نصب. قد يبقى الإنسان في شكك بالفعل هذا في محل نصب أو لا؟ نقول: نعم، في محل نصب بدليل ماذا؟ لأن هذا اللفظ: أن يفعل، أن يقوم وإن كان هو الأصل المطرد إلا أنه دل على أن النصب محلاً قوله: عَسَيْتُ صَائِما، فصائماً هذا وإن كان اسماً مفرداً شاذاً التصريح به إلا أنه دل على تأكيد محل أن يقوم من قولك: عسى زيد أن يقوم.
إذاً عَسَيْتُ صَائِما: تنبيه على الأصل لئلا يجهل، فأجري عسى مجرى كان فرُفع بها الاسم ونصب الخبر، وجاء بخبرها اسماً مفرداً.
إذاً: لَكِنْ نَدَرْ غَيْرُ مُضَارِعٍ: غير مضارع وهو الاسم المفرد، أنه جاء مصرحاً به في باب عسى، حينئذٍ نقول: إني عسيت صائماً، صائماً هذا شاذ، يحفظ ولا يقاس عليه.
وندر مجيئه اسماً بعد عسى وكاد.
فَأبتُ إِلى فَهم ومَا كِدْتُ آئِباً ... وَكمْ مِثلِهَا فَارَقتُها وهِي تَصفِرُ
ومَا كِدْتُ آئِباً: اسم فاعل وهو خبر كاد، والتاء هذه اسمها. إذاً: جاء التصريح به لماذا؟ أولاً: نقول: التصريح بالاسم المفرد منصوباً هنا شاذ، وعبر عنه المصنف بكونه نادراً، ولذلك ابن عقيل قال: وندر مجيئه اسماً، وعبر غيره بكونه شاذاً.
ومَا كِدْتُ آئِباً: نقول: هذا شاذ يحفظ ولا يقاس عليه. تنبيهاً على أصل مهجور متروك، إذ أن سائر أفعال هذا الباب مثل كان في الدخول على مبتدئٍ وخبر، فالأصل أن يكون خبرها كخبر كان في وقوعه مفرداً وجملة اسمية وفعلية وظرفاً، فترك الأصل والتزم كون الخبر مضارعاً، ثم نُبِّه على لأصل شذوذاً في مواضع معدودة تحفظ ولا يقاس عليها.
إذاً: لَكِنْ نَدَرْ غَيْرُ مُضَارِعٍ: المراد بغير المضارع هنا: الاسم المفرد جاء مصرحاً به خبراً لعسى وخبراً لكاد، وجاء كذلك الجملة الاسمية مصرحاً بها في خبر جعل على الصحيح، وإن كان كثير أنه لم يسمع الجملة الاسمية، الماضوية لم يسمع أنه صرح بخبر لكاد أو عسى وهو جملة ماضوية، وأما المضارعية فهي الأصل في كونها خبراً لكاد وعسى.
أفعال هذا الباب تعمل عمل كان، فترفع المبتدأ اسماً لها، وتنصب الخبر خبراً لها. ويدل على ذلك مجيء الخبر في بعضها منصوباً وإن كان شاذاً تنبيهاً على أصل مهجور.
ولا خلاف في ذلك حيث كان الفعل بعدها غير مقرون بـ (أن)، إذا كان الفعل بعدها غير مقرون بـ (أن) لا خلاف أنه هو الخبر. أَنْشَأَ السَّائِقُ يَحْدُو، يحدو هذا خبر، لماذا؟ لأنه بدون (أن)، هذا ليس فيه خلاف بين النحاة لا بصريين ولا غيرهم.
ولا خلاف في ذلك حيث كان الفعل بعدها غير مقرون بـ (أن)، أما المقرون بها وقع فيه خلاف، يعني: عسى زيد أن يقوم، أن يقوم هل هو خبر أم لا؟ هذا محل نزاع.
стр. 657
أما المقرون بها فزعم الكوفيون أنه بدل من الأول بدل المصدر. عسى زيد أن يقوم، أن يقوم هذا (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر وهو القيام، قالوا: القيامُ بالرفع ليس بالنصب، بدل من الأول الذي هو زيد، لأن المعنى: عسى قيام زيد، وحينئذٍ صار بدلاً، وبدل المرفوع مرفوع. مرجوح القول هذا.
إلى أنه بدل من الأول بدل المصدر، فالمعنى في كاد أو عسى زيد أن يقوم، إذا كان كاد قرب قيام زيد، قرب هذا كاد قيام زيد، لماذا قلنا قيام زيد؟ قالوا: لأن أن يقوم هذا في محل رفع، لأنه مصدر وهو مرفوع، والمراد به أنه بدل مما قبله وهو زيد، كيف نفسر المعنى؟ نقدم الخبر على الاسم ونضيفه إليه، فنقول: قرب قيام زيد، فقُدِّم الاسم وأُخِّرَ المصدر.
وزعم المبرد أنه مفعول به؛ لأنها في معنى: قارب زيد هذا الفعل، فهو مفعول به. إذاً ليس بخبر لكان، مثل الخلاف في كان، كان زيد قائماً، قلنا: قائماً هذا خبر عند البصريين، وأما عند الكوفيين فهو حال، وعند الفراء شبيه بالحال، إذاً: الخلاف نفسه موجود هنا، لكن قيل: أنه بدل، وهو مذهب الكوفيين، قدم الاسم على الخبر، حينئذٍ قيل: قرب قيام زيد، وقيل: أنه مفعول به، وهذا مذهب المبرد.
لأنها في معنى: قارب زيد هذا الفعل، إذاً صار في المعنى وقع عليه شيء وهو القرب وقع عليه، ففيه معنى المفعولية، ولذلك نصبه على أنه مفعول به.
وحذراً من الإخبار بالمصدر عن الجثة، وهذا سيأتينا الجواب عنه، لأنك إذا قلت: عسى زيد أن يقوم فيه محذور، وهو أن زيد مبتدأ في الأصل، وأن يقوم خبر في الأصل، وحينئذٍ التقدير: زيد قيامٌ، أخبرت بالمعنى عن اسم الذات، وهذا لا معنى له، وحينئذٍ لا بد من التأويل، إما أن يقال: ثم مضاف من الاسم بحيث يقربه إلى اسم المعنى فحينئذٍ يكون أخبر باسم المعنى عن اسم المعنى، وإما أن يكون ثمَّ مضاف في قيام جثة وحينئذٍ أخبر بالجثة عن الجثة، إما بهذا وإما بهذا، يأتينا إن شاء الله.
وحذراً من الإخبار بالمصدر عن الجثة، ورد بأن (أن) هنا لا تؤول بمصدر، هكذا قال السيوطي لكن قوله ضعيف، رد قوله: بأن (أن) هنا لا تؤول بمصدر، والصواب أنها تؤول بمصدر، وإنما جيء بها لتدل على أن في الفعل تراخياً، وقيل: أن موضعه نصب بإسقاط حرف الجر؛ لأنه يسقط كثيراً مع (أن). عسى زيد بأن يقوم، نقول: هذا ضعيف أيضاً.
وعند ابن مالك أن موضعه رفع، و (أن) والفعل بدل من المرفوع سد مسد الجزأين، وهذا سيأتي في عسى التامة هناك.
كَكَانَ كَادَ وَعَسَى لَكِنْ نَدَرْ ... غَيْرُ مُضَارِعٍ لِهَذَيْنِ خَبَرْ
إذاً: انفردت هذه الأفعال بالتزام كون خبرها مضارعاً. انفردت هذه الأفعال عن باب كان وإن كانت في الأصل ملحقة بها، نقول: انفردت بالتزام كون خبرها فعلاً مضارعاً، ثم هو على ثلاثة أقسام في الجملة:
стр. 658
الأول: ما يجب تجرده من (أن)، يعني: لا يجوز إدخال (أن) المصدرية عليه، لا يجوز. نقول: هذا نوع وهو أفعال الشروع، لأنها للأخذ بالفعل، فخبرها في المعنى حال، و (أن) تخلص للاستقبال. أنشأ زيد يحدو، يحدو يعني: شرع في الحداء، فإذا قلت: أنشأ زيد أن يحدو، (أن) هذه تصير الفعل الماضي من الحال إلى الاستقبال، كيف تقول: أَنْشَأَ يعني بدأ بالفعل، ثم تقول: أن يَحْدُو في المستقبل، أليست (أن) مثل السين وسوف؟ أليست (أن) من المخلصات بدلالة الفعل المضارع من الحال إلى الاستقبال؟ السين وسوف مثلها، سوف يصلي، سيصلي، أن يصلي في المستقبل ليس في الحال، أنشأ تدل على الحال، و (أن) تدل على الاستقبال فتنافيا، إذاً: يمتنع دخول (أن) المصدرية على أفعال الشروع.
الثاني: ما يجب اقترانه بها وهو أفعال الرجاء، لأن الرجاء من مخلصات الاستقبال، فنسبه (أن)، الرجاء يكون في المستقبل: أرجو كذا، عسيت كذا، حينئذٍ ناسبه أن يتصل بخبره (أن) المصدرية، لأنها للاستقبال، والرجاء إنما يكون في الاستقبال.
الثالث: ما يجوز فيه الوجهان وهو البواقي، وهذه بعضها أكثر من بعض، يعني لا من جهة الإيجاب ولا من جهة المنع، وإنما يجوز هذا وذاك ثم قد يقل وقد يكثر، أشار إلى هذا بقوله:
وَكَوْنُهُ بِدُونِ أَنْ بَعْدَ عَسَى ... نَزْرٌ وَكَادَ الأَمْرُ فِيهِ عُكِسَا
هذا شروع في بيان أقسام الثلاثة.
وَكَوْنُهُ بِدُونِ أنْ بَعْدَ عَسَى ... نَزْرٌ
وَكَوْنُهُ: الضمير يعود إلى المضارع الواقع خبراً.
ولَكِنْ نَدَرْ ... غَيْرُ مُضَارِعٍ لِهذَيْنِ خَبَرْ.
وَكَوْنُهُ: أي: كون المضارع الذي وقع خبراً بِدُونِ أنْ بَعْدَ عَسَى نَزْرٌ قليل، حينئذٍ بدون أن قليل، فالأكثر اتصالها به، إذاً: عسى زيد أن يقوم أكثر من عسى زيد يقوم، مع جواز الثاني.
إذاً من باب الأكثر والأقل في لسان العرب، ولذلك لم ترد في القرآن إلا بـ (أن).
وَكَوْنُهُ: أي: المضارع الواقع خبراً.
بِدُونِ أنْ: المصدرية.
بَعْدَ عَسَى نَزْرٌ: أي: قليل، كون هذا مبتدأ، خبره: نزر. كون يطلب اسماً وخبراً، الضمير اسم كون، والخبر محذوف.
وكونه وارداً بدون أن: بدون هذا متعلق بالخبر المحذوف خبر الكون، وبعد عسى كذلك.
نَزْرٌ: أي: قليل.
стр. 659
وَكَوْنُهُ بِدُونِ أنْ بَعْدَ عَسَى نَزْرٌ: أي: اقتران خبر عسى بـ (أن) كثير، وتجريده من (أن) قليل، وهذا مذهب سيبويه ومذهب جمهور البصريين أنه لا يتجرد خبرها من (أن) إلا في الشعر، ولم يرد في القرآن إلا مقترناً بـ (أن)، قال الله تعالى: ((فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ)) [المائدة:٥٢] وكذلك: ((عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ)) [الإسراء:٨] عَسَى رَبُّكُمْ ذا رحمة، عسى صفة ربكم الرحمة، إما هذا وإما ذاك. إما أن تقدر في الاسم وإما أن تقدر في الخبر، إما أن يكون المضاف من الاسم وإما أن يكون المضاف من الخبر، لأن ثم إشكال -كما ذكرنا- أن (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر والمصدر معنى، وإذا كان الاسم ذاتاً، حينئذٍ الأصل ألا يخبر باسم المعنى عن اسم الذات، وحينئذٍ إما أن تقدر في اسم الذات أنه مضاف إلى اسم معنى، فيتفقان: اسم معنى عن اسم معنى، وإما أن تقدر في الخبر مضافاً هو اسم ذات، وحينئذٍ صار إخبار باسم الذات عن اسم الذات.
عَسَى رَبُّكُمْ ذا رحمة -صاحب رحمة-، صاحب يدل على الذات.
عَسَى صفة ربكم الرحمة، هذا وجه. إذاً: الكلام حينئذٍ يكون على تقديم مضاف، إما قبل الاسم وإما قبل الخبر.
الوجه الثاني: أن يكون هذا المصدر مؤولاً باسم مشتق، عسى ربكم رحيماً، رحيم هذا مشتق.
الوجه الثالث: أن الكلام على ظاهره، والمقصود المبالغة، عسى زيد القيام، لكن هذا الوجه فيه نوع ضعف، والصواب أنه يؤول على الأول إما بالإضافة وإما بكونه مشتقاً.
إذاً: وَكَوْنُهُ بِدُونِ أنْ بَعْدَ عَسَى ... ... نَزْرٌ
يعني الكثير اتصاله بها، والقليل تجرده عنها. فالأعرف في عسى الإثبات: ((وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا)) [البقرة:٢١٦]، ((فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ)) [المائدة:٥٢]، ((فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا)) [محمد:٢٢] وندر دخول السين في خبر عسى، هذا الأصل، الأصل أن يكون بـ (أل)، لكن ندر دخول السين في خبر عسى:
عَسَى طَيِّئٌ مِنْ طَيِّىءٍ بَعْدَ هذِهِ ... سَتُطْفِئُ غُلاَّتِ الكُلَى وَالْجَوانِح
عَسَى: هذا عسى.
طَيِّئٌ: هذا اسمها.
سَتُطْفئُ: السين دخلت في خبر عسى دون (أن)، لكن هذا نادر وضعيف.
وندر إسناد عسى إلى ضمير الشأن، وهذا سيأتي هناك: وجردن عسى أو ارفع مضمراً.
وحكى غلام ثعلب: عسى زيد قائم، حينئذٍ عسى هنا أعملت في ضمير الشأن، عسى هو، زيد قائم في محل نصب خبر عسى، وهذا محكي، هذا تجعله مع دليل الماضي، جعلتُ قَلُوصاً بمعنى: أنه سمع الجملة الاسمية واقعة موقع الفعل المضارع، وابن عقيل نفاه، والصواب أنه ثابت.
وَكَوْنُهُ: أي الفعل المضارع الواقع خبراً.
وارداً بِدُونِ أنْ المصدرية.
بَعْدَ عَسَى نَزْرٌ: يعني قليل.
وَكَادَ الأَمْرُ فِيهِ عُكِسَا: بمعنى أن الكثير خلوها من (أن)، واليسير -النزر القليل- اتصالها بـ (أن)، عكس عسى.
وَكَادَ: هذا مبتدأ أول.
الأَمْرُ: مبتدأ ثاني.
عُكِسَا: الجملة خبر.
فِيهِ: جار ومجرور متعلق بقوله: عُكِسَا والألف هذه للإطلاق.
فاقترانه بـ (أن) بعدها قليل، والكثير تجرده عن (أن).
стр. 660
وَكَادَ الأَمْرُ فِيهِ عُكِسَا: وَكَادَ الأَمْرُ يعني: وخبر كاد، ليس كاد نفسها، وخبر كاد على حذف المضاف، وَكَادَ الأَمْرُ: وخبر كاد الأَمْرُ فِيهِ: على هذا المحذوف عُكِسَا: عكس فيه، للدلالة على قرب الخبر فكأنه في لحال.
الأعرف في خبر كاد وكرب الحذف، ومنه: ((وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ)) [البقرة:٧١] جرد في القرآن عن (أن).
((يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ)) [النور:٣٥] يُضِيءُ جرد عن (أن).
قال: ومن وروده بدون أن -يعني: بَعْدَ عَسَى - قول القائل:
عَسَى الْكَرْبُ الَّذِي أَمْسَيْتَ فِيهِ، أمسيتُ وأمسيتَ.
عَسَى الْكَرْبُ الَّذِي أَمْسَيْتَ فِيهِ ... يَكُونُ وَرَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ
يَكُونُ جاء بدون (أن)، هل نقول هذا شاذ أم أنه لغة؟ لغة، نحن نقول: اتصال (أن) بخبر عسى وهو فعل مضارع الأصل الجواز، ثم أيهما الأكثر: التجرد أم الاتصال؟
الاتصال أكثر، حينئذٍ خلوها عن (أن) في بعض الأحوال لا نقول: إنه شاذ، بل نقول: إنه لغة، ليس الأمر في غير المضارع كما هو الشأن في الاسم المفرد والجملة الاسمية ونحوها لا، بل هو لغة، ولذلك قال: نَزْرٌ، يعني: قليل. ولم أقف على أحد أنه صرح بأنه شاذ، وإنما يعبرون بالقلة ويوردون الكثير من الأمثلة.
قال: عَسَى الْكَرْبُ يَكُونُ، الْكَرْبُ هذا اسم عسى، ويَكُونُ: هذا خبر عسى بدون (أن).
وقوله: عَسَى فَرَجٌ يَأْتِي بِهِ اللهُ إِنهُ
جاء خبر عسى هنا بدون (أن).
وأما كاد فذكر المصنف أنها عكس عسى، فيكون الكثير في خبرها أن يتجرد من (أن)، ويقل اقترانه بها، وهذا بخلاف ما نص عليه الأندلسيون من أن اقتران خبرها بـ (أن) مخصوص بالشعر، فمن تجريده من (أن) قوله تعالى: ((فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ)) [البقرة:٧١]، وهذا كثير، بل هو الأصل.
((مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ)) [التوبة:١١٧] تَزِيغُ: بالتاء عند ابن عقيل.
ومن اقترانه بـ (أن) قوله ﷺ : ﴿ما كدتُ أن أصلّي العصر حتّى كادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغْرُبُ﴾ إذاً اتصلت هنا.
كَادَتِ النَّفْسُ أَنْ تَفِيضَ عَلَيْهِ ... إِذْ غَدَا حَشْوَ رَيْطَةٍ وَبُرُودِ
إذاً: الأصل في خبر عسى أن تتصل به (أن)، ويقل تجردها عنهن كاد العكس، الأصل في خبرها أن يتجرد من (أن) المصدرية، وقد تتصل به.
وَكَعَسَى حَرَى ولَكِنْ جُعِلاَ ... خَبَرُهَا حَتمَاً بِأَنْ مُتَّصِلاَ
وَكَعَسَى حَرَى: حرى كعسى، في المعنى ودخول (أن) عليها أم الأول فحسب؟
في المعنى فحسب، وأما في حكم دخول (أن) عليها فهو مخالف.
إذاً قوله: وَكَعَسَى حَرَى كقوله: كَكَانَ كَادَ، ليس على إطلاق التشبيه مطلقاً من كل وجه، بل من بعض الوجوه، والمراد هنا التشبيه في المعنى. إذاً حرى تأتي بمعنى عسى في الرجاء، كل منهما للرجاء فهو فعل رجاء كما أن عسى فعل رجاء، وأما باعتبار (أن) ودخولها على المضارع فهذا يختلف.
وَكَعَسَى: هذا خبر مقدم.
حَرَى: بالحاء المهملة، زادها ابن مالك. كقوله: فحَرَى أَنْ يَكونَ ذَاكَ وكانا
قال أبو حيان: والمحفوظ أن حرى اسم منون لا يثنى ولا يجمع.
قال ثعلب: أنت حري من ذلك أي: خليق وحقيق.
стр. 661
قال ابن قاسم: ولكن ابن مالك ثقة. يعني كأن مراده أن ابن مالك زاد هذه من عنده من كيسه، لكن قال ابن القاسم: ابن مالك ثقة، وابن مالك معروف في تتبع الغريب، إذا قال: هذا غريب أو شيء في لسان العرب فهو هو.
وَكَعَسَى حَرَى: إذاً حرى كعسى، حَرَى هذه مبتدأ مؤخر قصد لفظه، وَكَعَسَى: هذا خبر مقدم، أي: في العمل والدلالة على الرجعة.
إذاً في أمرين، ولَكِنْ جُعِلاَ ... خَبَرُهَا حَتماً بِأَنْ مُتَّصِلاً، يعني: يجب اقتران خبر حرى بـ (أن)، ولا يجوز انفصالها إلا في شذوذ بخلاف عسى، عسى يجوز الانفصال وعدم الاتصال، وأما حرى لا.
ولَكِنْ جُعِلاَ يعني: اختصت حرى بحكم وهو أنه جُعل خَبَرُهَا حَتماً وجوباً -هذا حاله من الضمير المستتر- في مُتَّصِلاً، خَبَرُهَا مُتَّصِلاً حَتماً بِأَنْ: بِأَنْ هذا جار ومجرور متعلق بقوله: مُتَّصِلاً.
وجُعِلاَ: هذه الألف للإطلاق، وخَبَرُهَا: نائب فاعل وهو مفعول أول، ومُتَّصِلاً: هذا مفعول ثاني.
وحَتماً: هذا حال من الضمير المستتر في متصلاً، وهذا أولى من جعله مفعولاً مطلقاً-.
إذاً: ولَكِنْ جُعِلاَ: الألف للإطلاق خَبَرُهَا حَتماً بِأَنْ مُتَّصِلاً: فلم يجرد عنها لا في شعر ولا في غيره، وإنما وجب اتصالها به، فيقال: حرى زيد أن يقوم، ولا يجوز: حرى زيد يقوم بدون (أن) هذا نقول: شاذ، إن ورد يحفظ ولا يقاس عليه.
إذاً: مراده بهذا البيت أن حرى وإن كانت بمعنى عسى في المعنى والعمل فهي مخالفة لها في الاستعمال بلزوم خبرها (أن).
وَأَلْزَمُوا اخْلَوْلَقَ أَنْ مِثْلَ حَرَى
وهنا لم يقل: اخلولق كعسى، مع أنها مثلها في المعنى.
أفعال الرجاء هنا ثلاثة: عسى وحرى واخلولق، كلها تستعمل بمعنى رجوت.
وَأَلْزَمُوا: يعني العرب خبر اخْلَوْلَقَ، هذا مفعول أول.
أَنْ: هذا مفعول ثاني، لكونها مثل حرى في الترجي، فحينئذٍ لا يجوز خلو خبر حرى من (أن)، وكذلك لا يجوز خلو خبر اخلولق من (أن)، فلا بد من الاتصال، ولذلك قالوا: اخلولقت السماء أن تمطر، لا يجوز: اخلولقت السماء تمطر بدون (أن)، هذا لا يجوز عندهم، والحجة السماع، لم يسمع خلوها من (أن) حينئذٍ نقول: السماع هو الحجة.
يعني: أن اخلولق لا يستعمل خبرها إلا مقروناً بـ (أن) فهي إذاً مثل حرى، إلا أنه لم ينبه على أنها شبيهة في المعنى بعسى كما نبه على حرى.
وَأَلْزَمُوا: هذا فعل ماضي، والواو فاعل، ألزم: فعل ماضي، والواو ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل.
وَأَلْزَمُوا: يعني: العرب.
اخْلَوْلَقَ: أيضاً على تقدير مضاف، خبر اخْلَوْلَقَ، لا بد من التقدير، ليس اخْلَوْلَقَ نفسه، وإنما خبر اخْلَوْلَقَ.
أَنْ: هذا مفعول ثاني.
لكونها مِثْلَ: هذا حال من المفعول الأول اخْلَوْلَقَ، حال كونه مثل حرى في الترجي.
وَبَعْدَ أَوْشَكَ انْتِفَا أَنْ نَزُرَا
أَوْشَكَ: هذه من أفعال المقاربة، مثل: كاد.
وَبَعْدَ أَوْشَكَ انْتِفَا أَنْ نَزُرَا
انْتِفَاءُ: قصره هو للضرورة، هذا مبتدأ، ونَزُرَا هذا خبره.
انْتِفَا أَنْ: مضاف ومضاف إليه، وهو مبتدأ.**.
стр. 662
انْتِفَا أَنْ نَزُرَا: أي: قل بَعْدَ أَوْشَكَ: انتفاء (أن) نزرا بعد أوشك، يعني: بعد أوشك يأتي خبرها، انتفاء (أن) وعدم (أن) دخولها قليل، فالكثير حينئذٍ يكون اتصالها بـ (أن).
وَبَعْدَ أَوْشَكَ انْتِفَا: انْتِفَا هذا نقول: مبتدأ.
أَنْ: مضاف إليه.
نَزُرَا: يعني من خبرها. يعني: أن خلو خبر أوشك من (أن) قليل، فهي في ذلك حسب الاستعمال لا في المعنى، فإن عسى للرجاء وأوشك للمقاربة. إذاً الأعرف هنا الإثبات، الأعرف المشهور في لسان العرب هو إثبات أن مع خبر أوشك، لأنها موضوعة للإسراع المفضي إلى القرب بخلاف كاد وقرب، -بالقرب-، فلهذا اختصت عنها بغلبة الاقتران بها.
وندر دخول الباء في خبر أوشك، قال:
أَعَاذِلَ تُوشِكِينَ بِأَن تَرَينِي
بِأَن تَرَينِي هذا قليل، لكنه يحفظ ولا يقاس عليه.
إذاً: حرى مثل عسى في الدلالة على الرجاء، لكن يجب اقتران خبرها بـ (أن) نحو: حرى زيد أن يقوم ولم يجرد خبرها من (أن) لا في الشعر ولا في غيره، وكذلك اخلولق تلزم (أن) خبرها نحو: اخلولقت السماء أن تمطر، وهو من أمثلة سيبيويه.
وأما أوشك فالكثير اقتران خبرها بـ (أن) ويقل حذفها منه، ومن اقترانه بها قوله:
وَلَوْ سُئِلَ النَّاسُ التُّرابَ لأَوْشَكُوا ... إِذا قِيلَ هَاتُوا أَنْ يَمَلُّوا وَيَمْنَعُوا
إذاً: أنْ يَمَلُّوا وهذا كثير.
لأَوْشَكُوا: انظر، استعمله ماضياً، وسيأتي خلاف فيه.
إذاً: صرح به كونه ماضي، وبعضهم أنكره، قال: بل المسموع فيه يوشك بصيغة المضارع، والصواب أنه سمع فيه ذاك وذاك.
ومن تجرده منها:
يُوشِكُ مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِيَّتِهِ ... فِي بَعْضِ غِرَّاتِهِ يُوَافِقُهَا
مَنْ هذا اسم يوشك، يُوَافِقُهَا بدون (أن) هذا الخبر، نقول: هذا قليل.
وَمِثْلُ كَادَ فِي الأصَحِّ كَرَبَا
وَمِثْلُ كَادَ: كرب مثل كاد، كَرَبَا الألف للإطلاق.
كَرَبَا: بفتح الراء، ونقل كسرها والفتح أفصح: كَرَبَا كرِبا أما كرُبا لا، كَرَبَا هذا الأفصح، ويجوز فيه لغة كسر الراء والألف هذه للإطلاق.
كَرَبَا مثل كادا: هذا خبر مقدم، يعني: أنها للمقاربة من جهة المعنى، وفي أنَّ الكثير تجردها من (أن)، يعني: أن إثبات (أن) بعدها قليل، والكثير التجرد، ولم يذكر سيبويه غيره، ولكن خالفه الناظم قال: فِي الأصَحِّ. سيبويه لم يذكر إلا التجرد، لم يذكر اتصال (أن) بالفعل المضارع، وإذا لم يثبته سيبويه حينئذٍ لا نثبته، لكن خالفه الناظم قال: فِي الأصَحِّ، على طريقة ابن عقيل: إذَا قَالَتْ حَذَامِ .. لا نثبته، وأما على جهة البحث والنظر حينئذٍ قال المصنف: في الأصح -خلافاً لسيبويه-.
إذاً: يجوز اتصال (أن) بخبر كرب، وإن كان الكثير الغالب هو التجرد، ولذلك قد يقال: بأن
سيبويه لم يطلع عليه، والكثير التجرد لا، الذي لم يطلع عليه الاتصال.
في الأصح يعني: في القول الأصح مقابله شيئان: مقتضى كلام سيبويه، حيث لم يذكر فيها إلا التجرد، لم يسمع اتصال (أن) بخبر كربا، ومذهب ابن الحاجب حيث جعلها من أفعال الشروع، وهي من أفعال المقاربة.
стр. 663
قال: لم يذكر سيبويه في كربا إلا تجرد خبرها من (أن)، وزعم المصنف أن الأصح خلافه. -زعم- وهو أنها مثل كاد، فيكون الكثير فيها تجريد خبرها من (أن)، ويقل اقترانه بها، فمن تجريده:
كَرَبَ الْقَلْبُ مِنْ جَواهُ يَذوبُ ... حينَ قَالَ الْوُشاةُ هِنْدٌ غَضُوبُ
يَذوبُ: هذا خبر كرب، ولم يتصل بـ (أن)، وهكذا حكاه سيبويه. وسمع من اقترانه بها:
سَقاها ذَوُو الأَحلامِ سَجْلاً على الظَّما ... وقَدْ كَرَبت أَعناقُها أَنْ تَقَطَّعَا
أَنْ تَقَطَّعا، (أن) دخلت على خبر كربا، إذاً لماذا يقول: زعم المصنف؟ ما دام أنه ثابت يبقى على الأصل.
إذاً: وَمِثْلُ كَادَ فِي الأَصَحِّ كَرَبَا
قال: والمشهور في كربا فتح الراء ونقل كسرها أيضاً.
وَمِثْلُ كَادَ فِي الأصَحِّ كَرَبَا
إذاً: كَرَبَا مثل كاد في المعنى والعمل وفي دخول (أن) عليها؛ لأن الأكثر هناك في باب كاد تجرد الخبر من (أن)، ويقل دخول (أن) على خبر كاد، مثلها كربا.
وَتَرْكُ أَنْ مَعْ ذِيْ الشُّرُوعِ وَجَبَا
تَرْكُ أَنْ وَجَبَا.
وَتَرْكُ: مبتدأ.
وَجَبَا: الألف للإطلاق.
تَرْكُ أنْ: يعني: ترك إدخال واتصال (أن) مَعْ ذِيْ، مع ما دل على الشروع في الفعل، يعني أفعال الشروع وَجَبَا، فهو واجب لما بينهما من المنافاة؛ لأن أفعال الشروع للحال و (أن) للاستقبال.
كَأَنْشَأَ السَّائِقُ يَحْدُو وَطَفِقْ ... كَذَا جَعَلْتُ وَأَخَذْتُ وَعَلِقْ
مثَّل لأفعال الشروع، ما هي؟ قال:
كَأَنْشَأَ: الكاف تدل على التمثيل لا على الاستيعاب، لأنه زاد هو نفسه في غير هذا الكتاب: هب وقام، فدل على أن الكاف هنا للتمثيل وليست للاستقصاء.
كَأَنْشَأَ: يعني كقولك: أَنْشَأَ السَّائِقُ يَحْدُو، أنشأ السَّائِقُ الذي يسوق الإبل يَحْدُو يغني للإبل ينشد. حينئذٍ نقول: يَحْدُو: هذا فعل مضارع وقع خبراً لفعل الشروع أنشأ، هل يجوز اتصال (أن) به؟ نقول: لا. لماذا؟ لأن أنشأ تدل على أنه بدأ وشرع، و (أن) تدل على الاستقبال، حينئذٍ تنافيا فامتنع دخول (أن) على خبر أنشأ.
وَطَفِقْ: طفق زيد يعدو، طفِق بكسر الفاء، وفتحها طفَق، وهو من باب ضرب يضرب وعلم يعلم، يجوز فيه الوجهان، حكاه الجوهري وغيرهم.
طفِق يطفَق، علِم يعلَم، وطفَق يطفِق ضرَب يضرِب فيه وجهان. وكذلك طبق بالباء بكسرها، لغة فيها طفق بالفاء أو بالباء، فاء باء متجاوران.
طفق زيد يعدو، يعني: بدأ شرع نفسه .. طفق لا يلتبس هي مثل أنشأ ومثل شرع.
كَذَا جَعَلْتُ: أتكلم، وَأَخَذْتُ: أقرأ، وَعَلِقَ: زيد يسمع. فهذه الأفعال كلها نقول للشروع، يجب ترك (أن) مع أخبارها، فلا يجوز اتصالها بها لما بينهما من المنافاة.
إذاً: وَتَرْكُ (أَنْ): تَرْكُ هذا مبتدأ وهو مضاف و (أن) مضاف إليه قصد لفظه.
مَعْ ذِي الشُّرُوعِ: مَعْ ذِي يعني: صاحب، المراد به الفعل أو ما دل على الشروع في الفعل، يعني: أفعال الشروع.
وَجَبَا: الألف هذه للإطلاق.
إذاً: تحصل عندنا من كلام المصنف أن خبر أفعال هذا الباب بالنسبة لاقترانه بـ (أن) وتجرده منها أربعة أقسام على التفصيل، هناك ذكرناها إجمالاً، وهنا أربعة أقسام على التفصيل.
стр. 664
الأول: ما يجب اقترانه وهو حرى واخلولق، ما يجب اقترانه ولا يجوز انفكاكه وهو حَرَى واخلَوْلَقَ.
الثاني: ما يجب تجرده ولا يجوز اتصاله، وهو أفعال الشروع.
ثالثاً: ما يغلب اقترانه، يجوز الوجهان. قلنا: ذاك القسم الثالث تحته أمران: ما يغلب اقترانه وهو عسى وأوشك.
الرابع: عكسه، ما يغلب تجرده وهو كاد وكربا. هذا التقسيم يريحك من الأبيات.
ثم قال:
وَاسْتَعْمَلُوا مُضَارِعَاً لأَوْشَكَا ... وَكَادَ لاَ غَيْرُ وَزَادُوا مُوشِكَا
قبل ذلك مسائل.
إذاً عرفنا الآن أن هذا الباب - أَفْعَالُ الْمُقَارَبَة - على ثلاثة أنواع: منه ما دل على الرجاء، ومنه ما دل على الشروع، ومنه ما دل على المقاربة، وأنها تدخل على المبتدئ والخبر فترفع المبتدأ وتنصب الخبر إلا أن نصب الخبر يكون محلاً، وأن هذا الباب خالف باب كان وإن كان فرعاً عنه وملحقاً به في كونه التزم أن يكون خبره فعلاً مضارعاً، يعني: جملة مضارعية.
ثم هل يشترط في دخول (أن) عليه دون بعضها أو يغلب أو يكثر؟ ما ذكرناه سابقاً.
يبقى مسائل:
الأولى: أنه لا يتقدم الخبر في هذا الباب على الفعل، كَكَانَ كَادَ ليس مطلقاً، هناك يجوز، قائماً كان زيد هنا لا يجوز، أن يفعل عسى زيد لا يصح وإن كان هو فرعاً عنه.
لا يتقدم الخبر في هذا الباب على الفعل، فلا يقال: أن يقوم عسى زيد اتفاقاً، لا خلاف فيه أنه لا يجوز أن يتقدم الخبر على الفعل، ويتوسط بين الفعل والاسم إذا لم يقترن بـ (أن) اتفاقاً، عسى زيد يقوم، عسى يقوم زيد، يجوز أن يتوسط الخبر بين الفعل والاسم، لكن بشرط: ألا يقترن بـ (أن)، وهذا أيضاً اتفاقاً محل وفاق. كالمسألة الأولى.
ولذلك يقال: طفق يصليان الزيدان، أصلها: طفق الزيدان يصليان، جاز تقدم الخبر على الاسم دون الفعل.
قال ابن مالك: والسبب في ذلك –التعليل- لماذا جاز أن يتقدم على الاسم دون الفعل إذا كان خالياً من (أن)، ولا يجوز أن يتقدم على الفعل نفسه مع كون الباب ملحقاً بباب كان؟
قال ابن مالك: والسبب في ذلك أن أخبار هذه الأفعال خالفت أصلها، وهذا بيناه؛ لأن الأصل أن يكون جملة فعلية واسمية وظرفاً وجاراً ومجروراً .. إلى آخره. خالفت أصلها بلزوم كونها أفعالاً، فلو قدمت لازدادت مخالفتها الأصل، وإذا ازدادت حينئذٍ صار العمل وإلحاق كاد بـ (كان) في العمل، فيه نظر؛ لأنه كلما بعدت المشابهة بعُد العمل، وكلما قربت المشابهة قرُب العمل، لأننا ما ألحقنا هذا بذاك إلا من أجل المشابهة، وحينئذٍ كلما وقعت المخالفة للباب السابق وكثرت المخالفة الأصل فيه أنه لا يلحق به، وحينئذٍ لا بد من المحافظة على المشابهة. فلو قدمت لازدادت مخالفتها الأصل.
وأيضاً: فإنها أفعال ضعيفة، كاد ونحوها أفعال ضعيفة، دائماً الذي يكون فرعاً ضعيف، الذي يكون فرعاً في باب النحو في العمل دائماً يكون ضعيف ولو كثر إعماله، ولذلك أدنى مخالفة للتقديم والتأخير حينئذٍ نقول: هذا مفسد للعمل، كما هو الشأن في (ما النافية ولا وإن) ولذلك -وَرَاعِ ذَا التَّرْتِيبَ إِلاَّ فِي الَّذِي -نقول هنا: اشترط الترتيب لماذا؟ لكون (إن) الأصل فيها عدم العمل، وحينئذٍ لا تعمل إلا بشرط الترتيب.
стр. 665
وأيضاً: فإنها أفعال ضعيفة لا تتصرف، فلها حال ضعف ولها حال قوة. لها حالان: حال ضعف وحال قوة، حال ضعف بالنسبة للأفعال الكاملة التصرف، فلم تتقدم أخبارها لتفضلها كان وأخواتها؛ لأنها إذا تقدمت أخبارها على الأفعال ساوت كاد، ونحن نريد أن تكون أدنى من كان، فحينئذٍ نمنع التصرف فيها بحيث لا تفضل كان وتساويها من كل وجه، بل لا بد أن تكون قاصرة. هكذا قال.
وحال قوة بالنسبة للحروف، فأجيز توسطها تفضيلاً لها على (إن وأخواتها).
إذاً: منع تقدم الخبر على كاد من أجل ألا تساوي كان، فتصير كان أعلى منها فاضلة عليها وهي مفضولة، وجاز توسط الخبر بين الاسم وكاد من أجل أن تكون غالبة لباب (إن)؛ لأنه لا يجوز التقديم والتأخير هناك. هكذا قال ﵀. هذا أولاً.
فإن اقترن بـ (أن) ففي التوسط قولان. إذاً قلنا: لا يجوز أن يتقدم الخبر على الفعل نفسه، أن يقوم عسى زيد: باطل. هل يجوز التوسط؟ قلنا: إذا لم يكن متصلاً بـ (أن) جائز اتفاقاً، طفق يصليان الزيدان، إن اتصل بـ (أن) هل يجوز أن يتوسط؟ فيه قولان: المنع والجواز، هذا متى؟ إذا اتصل بـ (أن)، هل يجوز توسطه بين الفعل والاسم؟ فيه قولان:
الأول: الجواز كغيره.
والثاني: المنع.
المسألة الثانية: يجوز حذف الخبر في هذا الباب إذا علم، ومنه: ((فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ)) [ص:٣٣] أي: يمسح مسحاً، لدلالة المصدر عليه.
ثالثاً: يتعين في هذا الباب أن يعود منه ضمير إلى الاسم، يعني شرط الفعل الذي يكون مضارعاً وهو خبر، شرطه: أن يكون رافعاً لضمير الاسم، يعني: الضمير عائد على الاسم.
عسى زيد أن يقوم، يقوم هذا هو الفعل المضارع، رفع ماذا؟ لا بد من فاعل، ما فاعله؟ ضمير مستتر. أين مرجعه؟ الاسم؛ لأنه هو المحل الذي اتصف بالخيار. إذاً: يتعين في هذا الباب أن يعود منه ضمير إلى الاسم، فلا يجوز رفعه الظاهر لا أجنبياً ولا سببياً. يعني لو رفع اسماً ظاهراً أجنبياً أو سببياً بمعنى أنه أضيف إلى ضمير يعود إلى الاسم، قالوا: هذا لا يجوز، ممنوع. فلا يقال: طفق زيد يتحدث أخوه، طفق زيد يتحدث، يتحدث هو يعني زيد، لو رفع اسماً ظاهراً مضاف إلى ضمير يعود إلى زيد: يتحدث أخوه، قالوا: لا يجوز هذا.
ولا أنشأ عمرو ينشد ابنه، يعني: يبحث عن ابنه. لأنه إنما جاءت لتدل على أن فاعلها تلبس بهذا الفعل وشرع فيه لا غيره، يعني: إنما جيء بالفعل هنا ليدل على أن فاعل -في المعنى- فاعل هذه الأفعال قد تلبس بالفعل، فإذا أسندته لغيره ما الفائدة منه؟ عندما نقول: كاد تدل على قرب الخبر إلى الاسم، إذا جعلت الفعل الذي الأصل فيه أن يكون للاسم جعلته لغيره، ما الفائدة من المجيء بالأفعال؟ لا فائدة منها، حينئذٍ يجب أن نقول: بأنه لا يصح إعمالها هذا الإعمال إلا بشرط أن يكون الفعل المضارع رافعاً لضمير مستتر يعود على الاسم، فإن رفع ظاهراً حينئذٍ انفك، طفق زيد يتحدث أخوه، الأصل أن التحدث يكون لزيد، هذا أصل الجملة، وما جيء بالفعل إلا من أجل هذا، وأنت الآن فصلته ورفعت به ظاهراً فجعلته وصفاً له، إذاً حصل انفكاك في الجملة وهذا باطل.
стр. 666
لأنها إنما جاءت لتدل على أن فاعلها تلبس بهذا الفعل وشرع فيه لا غيره، ويستثنى عسى فقط؛ فإن خبرها يرفع السبب، كقوله:
وَمَاذا عَسَى الحَجَّاجُ يَبْلغُ جُهْدُهُ -على رواية الرفع-، يَبْلغُ جُهْدُهُ، هكذا قال الأشموني وصاحب التوضيح.
الرابع: حق الاسم في هذا الباب أن يكون معرفة، أو مقارناً لها كما في باب كان، وقد يرد نكرة محضة، كقوله: عَسَى فَرَجٌ يَأْتِي بِهِ اللهُ، عَسَى فَرَجٌ.
إذاً: الأصل في هذا الباب أن يكون الاسم معرفة، لأنه في الأصل -أصل كان- مبتدأ، تَرْفَعُ كَانَ الْمُبْتَدَا، إذاً الأصل أن يكون معرفة، أو يكون مقارناً لها، بمعنى: أنه نكرة لكنها قريبة من المعرفة.
ثم قال ﵀:
وَاسْتَعْمَلُوا مُضَارِعاً لأَوْشَكَا ... وَكَادَ لاَ غَيْرُ وَزَادُوا مُوشِكَا
أراد أن يبين لنا أن الأصل في هذه الأفعال أنها جامدة لا تتصرف، وتلزم صيغة واحدة وهي الماضي، هذا الأصل فيها. ثم بعضهم سمع مضارعاً لهذا وبعضهم؟؟؟ الخ، كلها ليست على السنن المطرد، وإنما هي مسموعات لبعضهم.
أفعال هذا الباب جامدة لا تتصرف ملازمة للفظ الماضي، لماذا؟ قيل: لما قصد بها المبالغة في القرب أخرجت من بابها وهو التصرف، لما أريد بها أنها للمبالغة في القرب: كاد زيد يموت، قرب منه الموت جداً للمبالغة، إذاً: التزمت الفعل الماضي ولا تتصرف.
أخرجت عن بابها وهو التصرف، وكذلك كل فعل يراد به المبالغة، كنعم وبئس وفعل التعجب، وقيل: بالاستغناء بلزوم المضارع خبرها، فلم يبنوا منها مستقبلاً.
لما اشترطوا في خبرها أن يكون فعلاً مضارعاً قالوا: اكتفوا بالماضي عن المضارع في نفسها في ذاتها، لكونهم اشترطوا الخبر أن يكون مضارعاً. كاد زيد يموت، لماذا كاد لا يأتي منه المضارع؟ هو يأتي لكن مثال، لماذا؟ قال: لأنهم اكتفوا بـ يموت، يموت هذا خبر كاد، فلما اشترطوا الفعل المضارع استغنوا به عن صيغتها في نفسها فلم يأتوا به على المضارع.
وَاسْتَعْمَلُوا: أي: العرب، هنا ما نقول النحاة؛ لأن الاستعمال هنا استعمال العرب، وهو إطلاق اللفظ وإرادة المعنى. وبعضهم يجعله مرادفاً للموضوع، ولذلك يُجعل اللفظ قسمين: الأول: مهمل. والثاني: مستعمل. وبعضهم يقول: لا، الصواب مهمل وموضوع، ثم الموضوع نوعان: مستعمل وغير مستعمل. هكذا أورده على حاشية مجيب النداء.
وَاسْتَعْمَلُوا مُضَارِعاً: يعني العرب فعلاً مضارعاً: هذا مفعول به.
لأَوْشَكَا: وَاسْتَعْمَلُوا مُضَارِعاً لأَوْشَكَا ... وَكَادَ لاَ غَيْرُ
إذاً: لم يسمع في لسان العرب مضارع لهذه الأفعال إلا فعلين فقط، وهما: أوشك وهذا فعل ماضي، وكاد وهو فعل ماضي.
لا غَيْرُ: أي: دون غيرهما من أفعال الباب، فإنه ملازم لصيغة الماضي.
وَاسْتَعْمَلُوا مُضَارِعاً لأَوْشَكَا: وهو أكثر استعمالاً من ماضيها. يعني: باب يوشك، يوشك: نقول: هذا فعل مضارع لأَوْشَكَا، إذاً: أوشك فعل ماضي مضارعه يوشك، أيهما أكثر استعمالاً؟ المضارع، المضارع أكثر استعمالاً من ماضيها، حتى زعم الأصمعي أنه لا يستعمل ماضيها، كأنه لم يطلع على الماضي مع كونه لأَوْشَكَا كما سبق بيانه.
وَكَادَ لاَ غَيْرُ
стр. 667
وَكَادَ: ((يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ)) [النور:٣٥] يَكَادُ: هذا فعل مضارع جاء في القرآن، وحينئذٍ هو كثير.
ولأَوْشَكَا: يُوشِكُ مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِيَّتهِ.
وَزَادُوا مُوشِكَا: يعني زادوا العرب في الاستعمال لأَوْشَكَا -اسم فاعل-، فقالوا: موشكاً، أوشك يوشك فهو موشك.
ظاهر كلام الناظم هنا أن المضارع في هذه الأفعال مقصور على أوشك وكاد، يوشك ويكاد فقط، وأنه لم يسمع اسم الفاعل إلا لأوشك فقالوا: موشك. وقال ابن هشام في التوضيح: أربعة ألفاظ استعمل لها مضارع. أربعة ألفاظ في هذا التركيب هنا الباب استعمل لها مضارع: كاد، وعرفنا المثال: ((يَكَادُ زَيْتُهَا)) [النور:٣٥]. وَأَوْشَكَا، وعرفنا المثال: يُوشِكُ مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِيَّتهِ. وَطَفِقْ، حكى الأخفش: طفَق يطفِق كضرَب يضرِب، وطفِق يطفَق كعلِم يعلَم. والرابع: جعل.
إذاً: طفَق يطفِق وطفِق يطفَق، سمع هذا وسمع ذاك بالوجهين.
وجعل، كذلك يجعل، حكى الكسائي: "إِنَّ البَعيرَ لَيَهْرَمُ حَتَّى يجْعَلَ إِذَا شَرِبَ الماءَ مَجَّه".
إن البعير ليهرم حتى يجعلُ –بالضم-، حتى يجعلُ، حتى هنا ابتدائية.
حَتَّى يجْعَلَ إِذَا شَرِبَ الماءَ مَجَّه، وحينئذٍ أربعة ألفاظ سمع لها سمع لها مضارع.
إذاً: وَاسْتَعْمَلُوا مُضَارِعاً لأَوْشَكَا ... وَكَادَ لاَ غَيْرُ
هذا فيه نظر، يزاد عليه: طفِق يطفَق ويطفِق، ويزاد عليه: جعل يجعل.
وأما قوله: وَزَادُوا مُوشِكَا فحسب دون غيره، قال ابن هشام: استعمل اسم فاعل لثلاثة. الذي حكي ما عليه عند النحاة ثلاثة: كاد وكرب وأوشك، أوشك عرفنا:
فَمُوشِكَةٌ أَرْضُنَا أَنْ تَعُودَ ... خِلاَ فَ الأَنِيسِ وَحُوشاً يَبَابَا
فَإِنَّكَ مُوشِكٌ أَلاَّ تَرَاهَا، نقول: فَإِنَّكَ مُوشِكٌ هذا اسم فاعل.
وأما كاد فقيل: ورد في الشعر:
أَمُوتُ أَسىً يَوْمَ الرَّجَامِ وَإنَّني ... يَقِينَاً لَرَهنٌ بِالَّذي أَنَا كَائِدُ
وَكَائِدَ هذا اسم فاعل من كاد يكيد فهو كائد. وكذلك سمع كرب:
أَبُنَيَّ إِنَّ أَبَاكَ كَارِبُ يَوْمِهِ ... فَإِذَا دُعِيْتَ إِلَى الْمَكَارِمِ فَاعْجَلِ
والصواب في هذين البيتين: أن كائد الصواب فيه كابد، كابد اسم فاعل من المكابدة، غير جار على فعله إذ القياس مكابد، فليس هو كائد، وإنما الرواية الصحيحة: كابد بالباء. إذاً لم يسمع لكاد اسم فاعل.
وكذلك قوله: أَبُنَيَّ إِنَّ أَبَاكَ كَارِبُ، نقول: الثاني هذا اسم فاعل من كرب التامة وليست الناقصة، نحو قولهم: "كَرَبَ الشتاءُ"، أي: قرب، كما جزم به الجوهري وغيره.
وحكى عبد القاهر الجرجاني المضارع واسم الفاعل من عسى، فقال: عسى يعسي عاسٍ، عاسٍ اسم فاعل.
وحكى أبو حيان الأمر وأفعل التفضيل من أوشك، وحكي اسم الفاعل من كرب كما ذكرناه، وحكى الجوهري مضارع طفِق، وكذلك الكسائي مضارع جعل. إذاً: سمعت كلمات لكنها ليست بالكثيرة.
وَاسْتَعْمَلُوا مُضَارِعاً لأَوْشَكَا ... وَكَادَ لاَ غَيْرُ وَزَادُوا مُوشِكَا
ثم قال ﵀:
بَعْدَ عَسَى اخْلَوْلَقَ أَوْشَكْ قَدْ يَرِدْ ... غِنىً بِأَنْ يَفْعَلَ عَنْ ثَانٍ فُقِدْ
стр. 668
هذا المراد به أن هذه الأفعال منها ما هو تام ومنها ما هو ناقص، هذا مراده على قول الجمهور، منها ما هو تام وهو الذي يكتفي بمرفوعه، وما هو ناقص وهو الذي لا يكتفي بمرفوعه بل لا بد من منصوب:
....................................
وَمَا سِوَاهُ نَاقِصٌ .................... ... وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِى
.....................................
التعريف هو نفسه هنا، لأن هذا الباب فرع عن ذاك.
قال: بَعْدَ عَسَى اخْلَوْلَقَ أوْشَكْ
أوْشَكْ: أوشك بالإسكان للوزن.
بَعْدَ عَسَى: هذا متعلق بقوله: يَرِدْ.
اخْلَوْلَقَ: على إسقاط حرف العطف: واخلولق.
أوْشَكْ: أي: وأوشك.
وأوْشَكْ قَدْ يَرِدْ: بإسكان الكاف، أصله: أوشكَ.
غِنىً بِأَنْ يَفْعَلَ: أي يستغني بِأَنْ يَفْعَلَ -الذي هو الخبر- أن يفعل يستغنى به عَنْ ثَانٍ: يعني عن ثانٍ من معموليها فُقِدْ، عن ثان مفقود، ما هو الثاني من معموليها؟ الخبر، إذاً: يستغنى بـ (أن) يفعل عن معموليها، وحينئذٍ (أن) يفعل أقيم مقام المعمولين، وسد مسد المعمولين، أكثر الشراح -شراح الألفية- على أنهم أرادوا أن الناظم بهذا البيت قسم الأفعال إلى تامة وناقصة، وأنه لم يسمع التمام إلا في هذه الأفعال فحسب، وهي: عسى واخلولق وأوشك، وليس الأمر كذلك كما سيأتي.
غِنىً بِأَنْ يَفْعَلَ عَنْ ثَانٍ: يعني: من معموليها.
فُقِدْ: يعني حذف وهو الخبر، ضمير يعود إلى ثانٍ، وحينئذٍ إذا قيل: عسى أن يقوم، (أن) وما دخلت عليه قلنا: هذا في تأويل مصدر. أين اسم عسى؟ لم يذكر.
أن يقوم إما أن نقول: بأن عسى هنا اكتفت بمرفوعها عن المنصوب، فهي تامة، وإما أن نقول: أن عسى هنا اكتفت بـ (أن) يفعل عن معموليها، يعني: سدت مسد معموليها، وإذا قيل بأنها سدت مسد معموليها فهي ناقصة ليست بتامة، وهذا هو اختيار الناظم في غير الكتاب وظاهر كلامه هنا على هذا، وإن جعله البعض أنه محتمل لهما كالصبان وغيره، وحينئذ: هل مراد الناظم بقوله:
قَدْ يَرِدْ ... ... غِنىً بِأَنْ يَفْعَلَ عَنْ ثَانٍ فُقِدْ
هل المراد أن هذه الأفعال خرجت عن النقصان إلى التمام؟ أم أنها باقية على النقصان و (أن) يفعل سد مسد المعمولين؟
كقوله: ((أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا)) [العنكبوت:٢] حَسِبَ: هذه تتعدى إلى مفعولين، النَّاسُ: فاعل.
(أَنْ يُتْرَكُوا) سد مسد المعمولين، هل معنى ذلك أن حسب خرجت عن أصلها؟ لا، بل هي باقية على إعمالها، هذه مثلها -هذا الظاهر من كلام الناظم-.
بَعْدَ عَسَى اخْلَوْلَقَ أَوْشَكْ قَدْ يَرِدْ ... غِنىً بِأَنْ يَفْعَلَ عَنْ ثَانٍ فُقِدْ
مذهب الجمهور أنها في هذه الحالة أفعال تامة، اكتفت بمرفوعها وهو أن يفعل، عن ماذا؟ عن طلبها للخبر، و (أن يفعل) فاعلها ولا خبر لها.
عسى أن يفعل: عسى فعل ماض.
أن يفعل: (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر فاعل عسى، فعل وفاعل مثل: قام زيد، مثل: ((وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ)) [البقرة:٢٨٠]، ((فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ)) [الروم:١٧] مثلها، هذا مذهب جمهور النحاة، ولا خبر لها، ومذهب الناظم أنها ناقصة على أصلها.
стр. 669
وأن يفعل: سد مسد معموليها، كما في قوله تعالى: ((أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا)) [العنكبوت:٢].
الصبان يقول: كلام الناظم محتمل للمذهبين، لكنه صرح في غير هذا الكتاب أنه اختار أنها ناقصة مطلقاً، ولا يكون في هذا الباب تمام البتة، وإنما كلها ناقصة، ولكن استثني أن (أن) ويفعل تسد مسد المعمولين في ثلاثة أفعال فحسب هي التي نص عليها، لذلك: بَعْدَ عَسَى اخْلَوْلَقَ أَوْشَكْ قَدْ يَرِدْ .. لا بعد غيرها، قدمه للحصر. قد يرد بعد عسى، فقدم (بعد) هذا متعلق بقوله: يَرِدْ، إذاً لا بعد غير هذه الثلاثة، وحينئذٍ لا يكون من باب التمام وإنما هو من باب النقصان، واكتفي بـ (أن) يفعل عن المعمولين، وتأمل قوله: ((أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا)) [العنكبوت:٢] تدرك المسألة من أصلها.
ومعناه على مذهب الجمهور: غنىً بأن يفعل عن أن يكون لها ثان لتمامها، وعلى مذهب غنىً بأن يفعل عن أول وثان لكن لم يذكر الأول لظهور إغناء (أن) يفعل عنه لوقوعه في محله بخلاف الثاني، وهذا تأويل لأن الصبان يعني أراد أن يحمل البيت على المذهبين.
بَعْدَ عَسَى: أي لا بعد غير هذه الثلاثة وكأنه لعدم السماع.
قَدْ يَرِدْ ... غِنىً بِأَنْ يَفْعَلَ عَنْ ثَانٍ فُقِدْ.
قال الشارح: اختصت عسى واخلولق وأوشك بأن تستعمل ناقصة وتامة. فأما الناقصة فقد سبق ذكرها، وأما التامة فهي المسندة إلى (أن) والفعل، أن يفعل، عسى أن يفعل، نحو: عسى أن يقوم، واخلولق أن يأتي، وأوشك أن فعل، فـ (أن) والفعل في موضع رفع فاعل عسى واخْلَوْلَقَ وأَوْشَكْ، واستغنت به عن المنصوب الذي هو خبرها. هذا على القول بأنها تامة.
وهذا متى -الإعراب هذا التفسير هذا-؟ إذا لم يل الفعل الذي بعد (أن) اسم ظاهر يصح رفعه به، فإن وليه: عسى أن يقوم زيد، حينئذٍ زيد إذا جاء في مثل هذا التركيب: عسى أن يقوم زيد، زيد يحتمل أنه فاعل ليقوم، ويمكن أن نجعله اسماً لعسى، يحتمل هذا ويحتمل ذاك.
فذهب الأستاذ أبو علي الشلوبين إلى أنه يجب أن يكون الظاهر مرفوعاً بالفعل الذي بعد (أن)، فـ (أن) وما بعدها فاعل لعسى وهي تامة ولا خبر لها، ليس فيه جديد.
وذهب المبرد والسيرافي والفارسي إلى تجويز ما ذكره الشلوبين، وتجويز وجه آخر: وهو أن يكون ما بعد الفعل الذي بعد (أن) مرفوعاً بعسى اسماً لها، وأن والفعل في موضع نصب بعسى، وتقدم عن الاسم والفعل الذي بعد (أن) فاعله ضمير يعود على فاعل عسى، وجاز عوده عليه وإن تأخر لأنه مقدم بالنية.
إذا قلت: عسى أن يقوم زيد، فزيد هذا يحتمل أنه فاعل ليقوم، والمسألة هي المسألة: عسى أن يقوم، عسى أن يقوم زيد لا إشكال فيه، حينئذٍ اكتفي بـ (أن) وما دخلت عليه بكونه فاعلاً لعسى، فهي تامة.
وجوَّز المبرد وغيره ما ذهب إليه الشلوبين، ووجهاً آخر: وهو أن يكون زيد –الظاهر- اسم عسى، وأن يقوم هو الخبر تقدم -توسط بين الفعل والاسم-. عسى أن يقوم زيد، عسى أن يقوم، أن يقوم: هذا خبر مقدم، وزيد هذا اسم عسى، وسبق: هل يجوز توسط الخبر إذا كان مقترناً بـ (أل)؟ قلنا: إذا اقترن بـ (أل) ففيه وجهان: الجواز والمنع، وإذا خلا من (أل) فالجواز مطلقاً، وحينئذٍ نحتاج إلى التخريج في مثل هذا.
стр. 670
تظهر الفائدة بين القولين، إذا جعلنا (زيد) بأنه فاعل ليقوم أو أنه اسم لعسى، ما الفرق بينهما؟ إذا جعلناه اسماً لعسى حينئذٍ نحتاج إلى ضمير يعود على الاسم كما اشترطناه سابقاً، لا بد من ضمير يعود من الفعل على اسم عسى، وحينئذٍ إذا ثني: عسى أن يقوم الزيدان، عسى أن يقوم الزيدون، يصح أو لا يصح؟
على مذهب الشلوبين لا إشكال، وعلى مذهب المبرد وغيره فيه إشكال، لا بد من أن نضمر في الفعل ما يناسب ذلك الاسم لأننا جعلناه اسماً: عسى أن يقوما الزيدان، عسى أن يقوموا الزيدون، عسى أن تقوم هند، لماذا؟ لأن الذي تلا الفعل ليس فاعلاً له بل هو اسم عسى، كأنه قال: عسى زيد أن يقوم بالإفراد، عسى الزيدان أن يقوما، عسى الزيدون أن يقوموا، أخِّر الاسم فيبقى الفعل كما هو. إذاً: يظهر في ماذا الخلاف بين القولين؟ في التثنية والجمع والتأنيث، عسى أن تقوم هند، وحينئذٍ هند نقول: هذا اسم عسى، وتقوم هذا فيه ضمير مستتر وهو فاعل يعود على هند، عسى أن يقوما الزيدان، عسى أن يقوموا الزيدون.
وتظهر فائدة هذا الخلاف في التثنية والجمع والتأنيث، فتقول على مذهب غير الشلوبين:
عسى أن يقوما الزيدان، كما ذكرناه.
وَجَرِّدَنْ عَسَى أَوِ ارْفَعْ مُضْمَرَا ... بِهَا إِذَا اسْمٌ قَبْلَهَا قَدْ ذُكِرَا
هذا لو تقدَّم اسم على عسى، قلت: زيد عسى أن يقوم، هي تراكيب مسائل، زيد عسى أن يقوم.
قالوا: وَجَرِّدَنْ عَسَى، يعني من ضمير، أَوِ ارْفَعْ مُضْمَرَا بِهَا، يعني انو ضمير الشأن، متى؟ بِهَا إِذَا اسْمٌ قَبْلَهَا قَدْ ذُكِرَا.
وَجَرِّدَنْ هذا ما إعرابه؟ فعل أمر مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة.
وَجَرِّدَنْ عَسَى يعني جردها من الضمير، واجعلها مسندة إلى أن يفعل كما مر، زيد عسى أن يقوم، إذاً عسى هل فيها ضمير يعود على زيد؟ على القول الأول -وهو التجريد- وهو لغة الحجاز- حينئذٍ لا فرق بين عسى أن يقوم، وزيد عسى أن يقوم، لا فرق بين المسألتين. لماذا؟ لأننا قلنا: زيد مبتدأ وعسى أن يقوم فعل وفاعل، لأنها تامة أو أن يقوم أقيمت مقام المعمولين سدت مسد المعمولين، حينئذٍ لا إشكال على لغة الحجاز لا إشكال، أوِ ارْفَعْ مُضْمَرَا، هذا لغة تميم، أوِ ارْفَعْ مُضْمَرَا بِهَا يكون اسمها وأن يفعل خبرها، فهي ناقصة.
أوِ ارْفَعْ مُضْمَرَا بِهَا: يعني ضميراً هو ضمير الشأن، بِهَا: أي بعسى، يكون اسمها، وأن يفعل خبرها، فهي ناقصة، حينئذٍ كيف نُعرب: زيد عسى أن يقوم؟ زيد مبتدأ، عسى فعل ماضي، واسمها ضمير مستتر يعود على زيد، وأن يقوما خبر -ناقصة-.
следующие страницы →