← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 36147

الشاذ والمنكر وزيادة الثقة - موازنة بين المتقدمين والمتأخرين

عبد القادر المحمدي

Полный текст (402 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وقال الإمام مسلم:"ذكر الأخبار التي نقلت على الغلط في متونها "وساقه، ثم قال:" أخطأ شعبة في هذه الراوية حين قال: وأخفى صوته" (١). وقال الدارقطني:"ويقال أنه وهم فيه لأن سفيان الثوري ومحمد بن سلمة بن كهيل وغيرهما رووه عن سلمة فقالوا: ورفع صوته آمين وهو الصواب" (٢). ١٥ - قال الترمذي: حدثنا محمد بن يحيى ومحمد بن رافع النيسابوري، ومحمود بن غيلان، ويحيى بن موسى، قالوا: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، عن السائب بن يزيد، عن رافع بن خديج، عن النبي ﷺ قال:" أفطر الحاجم والمحجوم ". قال أبو عيسى: وفي الباب عن علي، وسعد، وشداد بن أوس، وثوبان، وأسامة بن زيد، وعائشة، ومعقل بن سنان (ويقال بن يسار)،وأبي هريرة، وابن عباس وأبي موسى، وبلال، وسعد. قال أبو عيسى: وحديث رافع بن خديج حديث حسن صحيح، وذكر عن أحمد بن حنبل أنه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث رافع بن خديج (٣)،وذكر عن علي بن عبد الله أنه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث ثوبان وشداد بن أوس، لأن يحيى بن أبي كثير روى عن أبي قلابة الحديثين جميعاً، حديث ثوبان وحديث شداد بن أوس. وقد كره قوم من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم الحجامة للصائم حتى أن بعض أصحاب النبي ﷺ احتجم بالليل، منهم أبو موسى الأشعري، وابن عمر، وبهذا يقول ابن المبارك. قال أبو عيسى: سمعت إسحاق بن منصور يقول: قال عبد الرحمن بن مهدي: من احتجم وهو صائم فعليه القضاء، قال إسحاق بن منصور: وهكذا قال أحمد، وإسحاق. حدثنا الزعفراني قال: وقال الشافعي: قد روي عن النبي ﷺ أنه احتجم وهو صائم، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: أفطر الحاجم والمحجوم، ولا أعلم واحداً من هذين الحديثين ثابتاً، ولو توقى رجل الحجامة وهو صائم كان أحب إلي، ولو احتجم صائم لم أر ذلك أن يفطره.

стр. 142

قال أبو عيسى: هكذا كان قول الشافعي ببغداد وأما بمصر فمال إلى الرخصة، ولم ير بالحجامة للصائم بأساً واحتج بأن النبي ﷺ احتجم في حجة الوداع وهو محرم" (١). قلت قول الإمام الترمذي:"حديث حسن صحيح":هكذا هي في نسخة الشيخ أحمد شاكر، ورجحه أستاذنا في تحقيقه للجامع الكبير للترمذي. وما أثبته الإمام المزي في التحفة"حسن" (٢).والذي أرجحه هو ما أثبته المزي ووافقه أستاذنا بعد تحقيقه لتحفة الأشراف، والله أعلم. والذي يؤيد ذلك أنّ الإمام الترمذي لما أورده في علله الكبير نقل هناك قول شيخه البخاري"غير محفوظ"وسكت عنه (٣). وقال يحيى بن معين:"أضعفها "يعني حديث رافع هذا (٤). وقال أبو حاتم: باطل (٥). وقال إسحاق بن منصور: هو غلط (٦). ١٦ - قال الترمذي: حدثنا يحيى بن موسى قال: حدثنا عبد الله بن نمير قال: حدثنا قيس بن الربيع قال: وحدثنا قتيبة قال: حدثنا عبد الكريم الجرجاني، عن قيس بن الربيع، المعنى واحد، عن أبي هشام يعني: الرماني، عن زاذان، عن سلمان، قال: قرأت في التوراة: أن بركة الطعام الوضوء بعده فذكرت ذلك للنبي ﷺ فأخبرته بما قرأت في التوراة، فقال رسول الله ﷺ :"بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده". قال وفي الباب عن أنس وأبي هريرة. قال أبو عيسى: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث قيس بن الربيع وقيس بن الربيع يضعف في الحديث وأبو هاشم الرماني اسمه يحيى بن دينار. وقال: لا نعرف هذا الحدث إلا من حديث قيس بن الربيع، وقيس بن الربيع يضعف في الحديث (٧). وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال:"هذا حديث منكر، لو كان هذا الحديث صحيحاً كان حديثاً، ويشبه هذا الحديث أحاديث أبي خالد الواسطي، عمرو بن خالد عنده من هذا النحو أحاديث موضوعة عن أبي هاشم " (٨).

стр. 143

وقال ابن المبارك:"في حديثه خطأ" (١). وقال الإمام أحمد:" هو منكر" (٢). وقال أبو داود:"ليس هذا بالقوي، وهو ضعيف" (٣). وقال الإمام أحمد عن قيس بن الربيع:"كان كثير الخطأ في الحديث " (٤). وقال البيهقي: لم يثبت في غسل اليد قبل الطعام حديث" (٥). ١٧ - قال النسائي: أخبرنا عمرو بن علي، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا أيمن بن نابل، قال: حدثنا أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن:"بسم الله، وبالله، التحيات لله والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأسأل الله الجنة وأعوذ به من النار ". قال أبو عبد الرحمن: لا نعلم أحداً تابع أيمن بن نابل على هذه الرواية، وأيمن عندنا لا بأس به، والحديث خطأ، وبالله التوفيق " (٦). قلت: هكذا قال النسائي. وقال الإمام مسلم:"بان الوهم في حفظ أيمن لإسناد الحديث بخلاف الليث وعبد الرحمن إياه، دخل الوهم أيضاً في زيادته في المتن، فلا يثبت ما زاد فيه، وقد روي التشهد عن رسول الله ﷺ من أوجه عده صحاح فلم يذكر في شيء منه بما روى أيمن في روايته ... " (٧).

стр. 144

وقال الترمذي في الجامع:"غير محفوظ " (١)؛وقال في العلل:"فسألت محمداً عن هذا الحديث، فقال: هو غير محفوظ هكذا، يقول أيمن بن نابل: عن أبي الزبير عن جابر وهو خطأ " (٢). وقال الحافظ ابن حجر:" .. أيمن بن نابل كأنه سلك الجادة فأخطأ " (٣). وقد صححه الحاكم وقال: على شرط مسلم (٤).وخطأه الإمام النووي وغيره من العلماء (٥). وقال أستاذنا المشرف في تعليقه على جامع الترمذي:"وهذا خطأ، أخطأ فيه أيمن بن نابل، وضعفه - يعني الحديث-الجهابذة: البخاري، والنسائي، والدارقطني، والبيهقي " (٦). ١٨ - قال الإمام النسائي: اخبرني إبراهيم بن الحسن قال: أنبأنا حجاج بن محمد، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵁:أن رسول الله ﷺ :نهى عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب صيد ".قال أبو عبد الرحمن: هذا حديث منكر " (٧). قلت: أعلَّ حديث جابر أصلاً، إذ قال عنه هنا: منكر، وقال عن طريق آخر: ليس هو بصحيح (٨). وقال الترمذي:"في إسناده اضطراب" (٩). وقال مرة:"لا يصح إسناده" (١٠). ١٩ - قال عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي: سئل أبو زرعة عن حديث رواه علي بن ظبيان، عن عبيد الله ابن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ :"المدبر من الثلث"؟ فقال أبو زرعة: هذا حديث باطل وامتنع من قراءته. قلت: يروي خالد بن إلياس، عن نافع، عن ابن عمر قال: المدبر من الثلث قول ابن عمر" (١١).

стр. 145

قلت: وقال الإمام أحمد في العلل: قال يحيى بن سعيد: إنما هو في كتاب عبيد الله مرسل، وما ينبغي إلا كما قال يحيى، وأنكره " (١). وهكذا بان أنّ أئمة النقد المتقدمين لا يفرقون بين كلا المصطلحين (الشاذ، والمنكر)،بل ولا بينهما وبين (خطأ، وهم، غير معروف، غير محفوظ) .. وهلم جرا. وأنما استعملوها باعتبارات لغوية، لا اصطلاحية، وأرادوا اعلال ذاك الحديث حسب، وانما تأصل هذا التفريق عند المتأخرين، وعدوها مصطلاحات حديثية مختلفة، وحملوا أقوال المتقدمين ما لا تحتمل، فوقع كثير بعد في الخطأ، لحمل أحكام المتأخرين على أقوال المتقدمين، ولم يتنبه إليه إلا القليل من الناس، والله أعلم.

стр. 146

الفصل الثالث زيادة الثقة يعد هذا المبحث "زيادة الثقة" من أصعب مباحث علوم الحديث، وتنبعث أهميته من كثرة الزيادات التي يزيدها الرواة الثقات في الأحاديث وما يترتب عليها من زيادة حكم أو تخصيص عام، أو تقييد مطلق، والإشكال يقع في قبول تلك الزيادة أو ردها؟ فهم ثقات والتوثيق مظنة لقبولها، والانفراد عن بقية الرواة مظنة الخطأ والخطأ وارد من الثقات ومن دونهم. وتنازع العلماء في ذلك بين قابل للزيادة مطلقاً وآخر راد لها مطلقاً والآخر يشترط شروطاً لها والآخر يتوقف فيها ... وهكذا وقد ألصق الكثير من المتأخرين بالمتقدمين القول بأنها مقبولة وادعوا على ذلك إجماعاً كما سيأتي، وهذا النوع من العلوم الصعبة التي يعز من يتقنها، قال الحاكم:"وهذا مما يعز وجوده ويقل في أهل الصنعة من يحفظه ... " (١). وصورة زيادة الثقة هي: أن يروى جماعة من الرواة حديثاً واحداً بإسناد واحد ومتن واحد فيزيد بعضهم فيه زيادة لم يذكرها بقية الرواة (٢). والزيادة إما أنْ تكون في المتن أو في السند. ولنستقرئ آراء أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين لنرى مدى موافقة الأواخر للأوائل في مفهوم "زيادة الثقة" وسنقرن الأقوال بالتطبيق العملي في مصنفاتهم، وعللهم ليتبين لنا الأمر بوضوح إن شاء الله تعالى. المبحث الأول: تعريف زيادة الثقة لغة واصطلاحاً: الزيادة في أصل اللغة: مصدر زاد يزيد زيداً، وهي النماء والكثرة، خلاف النقص، وتطلق الزيادة على معان، منها: التكليف يقال: تزيد في كلامه، وتزودت الإبل أي تكلفت. ومنها الراوية: إذ سميت مزادة، وهي تكون من جلدين يزاد بينهما بجلد ثالث

стр. 147

لتتسع، وسميت مزادة لمكان الزيادة (١). وأما الثقة لغةً: فهو يعني المؤتمن وهو مصدر قولك: وثق به يثق، وأنا واثق به وهو موثوق به، ورجل ثقة، وكذلك الاثنان والجميع، وقد يجمع على الثقات، وهو في التذكير والتأنيث سواء (٢). وفي الاصطلاح: عرفها الحاكم النيسابوري بقوله:"معرفة زيادات ألفاظ فقهية في أحاديث ينفرد بالزيادة راوٍ واحد" (٣). وقال ابن رجب:"أن يروي جماعة حديثاً واحداً بإسناد واحد، ومتن واحد فيزيد بعض الرواة فيه زيادة، لم يذكرها بقية الرواة" (٤). وصورة الزيادة التي تعنى هنا، كما عرفها أهل المصطلح: تفرد راو واحد ثقة عن بقية الرواة بنفس السند عن نفس الشيخ، بزيادة لفظة في المتن، أو وصل مرسل، أو رفع موقوف، ونحوه. وأما إذا كان أكثر من واحد كأن يتابع ذلك الثقة بثقة آخر، أو ممن يعتبر به في المتابعة خرج عن أن يكون هذا الحديث من قبيل زيادة الثقة، وإنما هو من قبيل المختلف، لاحتمال أن يكون الشيخ رواه على الوجهين، فحمله كل جماعة على وجه، وسنفصل القول فيه كما سيأتي. وأما مراد الأئمة بقولهم:"ثقة":فهو العدل الضابط، وجمع أبو عمر بن الصلاح تلك الخصال فقال:- " أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلاً ضابطاً لما يروي، وتفصيله أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً سالماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة، متيقظاً غير مغفل، حافظاً إن حدّث من حفظه، ضابطاً لكتابه إن حدّث من كتابه، وإن كان يحدث بالمعنى اشترط مع ذلك أن يكون عالماً بما يحيل

стр. 148

المعنى" (١). وبالتأمل في هذه الصفات وغيرها مما ذكرها العلماء نجد أنها ترجع إلى أمرين هما: العدالة والضبط. وعرّف الخطيب البغدادي العدل بأنه:"من عرف بأداء فرائضه ولزوم ما أمر به وتوقي ما نهي عنه وتجنب الفواحش المسقطة وتحري الحق والواجب في أفعاله ومعاملاته فمن كان هذا حاله فهو الموصوف بأنه عدل في دينه ومعروف بالصدق في حديثه" (٢). قال الحافظ ابن حجر:"المراد بالعدل: من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة" (٣). والمروءة التي ينبغي توافرها في الراوي المعدل كثيراً ما قيست بالمقاييس الخُلقية الإنسانية المشتركة ويستشهد الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى بقول النبي ﷺ :"من عامل الناس فلم يظلمهم وحدَّثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم فهو من كملت مروءته وظهرت عدالته ووجبت أخوته وحرمت غيبته" (٤). ويشترط في العدالة أمور: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والتقوى، والاتصاف بالمروءة، وترك ما يخل بها (٥). والضابط:" من يكون حافظاً متيقظاً غير مغفل ولا ساهٍ ولا شاكٍّ في حالتي التحمل والأداء وهذا هو الضبط التام وهو المراد " (٦). والضبط كما قال العلماء ضبطان: ضبطُ صدرٍ وضبط كتاب. (٧) ويعرف كون الراوي ضابطاً بمقاييس قررها العلماء واختبروا به ضبط الرواة وهو كما لخصه ابن الصلاح:"أن نعتبر أي نوازن رواياته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان فإن وجدنا روايته موافقة ولو من حيث المعنى لرواياتهم أو موافقة لها في الأغلب

стр. 149

والمخالفة نادرة عرفنا حينئذ كونه ضابطاً، وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه ولم نحتجَّ بحديثه" (١). المبحث الثاني: مفهوم زيادة الثقة عند المتأخرين: من خلال أقوال أهل المصطلح، وما نقلوه من أقوال أئمة الحديث من غيرهم من المتأخرين، يمكننا أن نقسم أقوالهم حسب اختلافهم في قبول الزيادة، أو ردها على مذاهب: المطلب الأول: قبولها مطلقاً: ١ - الحاكم النيسابوري ت (٤٠٥): يعد أول من صرح بذلك الحاكم النيسابوري في كتابه معرفة علوم الحديث، وهو المصنف الثاني بعد كتاب المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، للقاضي محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي ت (٣٦٠)،إذقال في كتابه معرفة علوم الحديث:"النوع الحادي والثلاثين ... معرفة زيادات ألفاظ فقهية في أحاديث ينفرد بالزيادة راو واحد، وهذا مما يعز وجوده ويقل في أهل الصنعة من يحفظه وقد كان أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري الفقيه ببغداد يذكر ذلك وأبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الجرجاني بخراسان وبعدهما شيخنا أبو الوليد ﵃ أجمعين ومثال هذا النوع: ما حدثناه أبو عمرو عثمان بن أحمد بن السماك قال: حدثنا الحسن بن مكرم قال: حدثنا عثمان بن عمر قال: حدثنا مالك بن مغول عن الوليد بن العيزار، عن أبي عمرو الشيباني، عن عبد الله بن مسعود قال: سألت رسول الله ﷺ أي العمل أفضل؟ قال:" الصلاة في أول وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين".قال أبو عبد الله: هذا حديث صحيح محفوظ، رواه جماعة من أئمة المسلمين عن مالك بن مغول، وكذلك عن عثمان بن عمر فلم يذكر أول الوقت فيه غير بندار بن بشار والحسن بن مكرم، وهما ثقتان فقيهان. ومنه: ما أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن الطوسي بنيسابور، وأبو محمد عبد الله بن محمد الخزاعي بمكة قالا: حدثنا أبو يحيى بن أبي مسرة، قال: حدثنا يحيى بن محمد الجاري، قال: حدثنا زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع، عن أبيه، عن جده، عن ابن عمر

стр. 150

قال: قال رسول الله ﷺ :"من شرب في إناء ذهب أو فضة أو في إناء فيه شيء من ذلك فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم".قال أبو عبد الله: هذا حديث روي عن أم سلمة، وهو مخرج في الصحيح، وكذلك روى من غير وجه عن ابن عمر واللفظة أو إناء فيه شيء من ذلك لم نكتبها إلا بهذا الإسناد" (١). ويؤيد هذا أنه أطلق قبولها في مستدركه على الصحيحين فقال في عدة مواضع:" الزيادة من الثقة مقبولة" (٢). قال الحافظ ابن حجر:"وجزم ابن حبان، والحاكم وغيرهما بقبول زيادة الثقة مطلقاً في سائر الأحوال، سواء أتحد المجلس أو تعدد، سواء أكثر الساكتون أو تساووا، وهذا قول جماعة من أئمة الفقه والأصول، وجرى على هذا الشيخ محيي الدين النووي في مصنفاته" (٣). ٢ - أبو يعلى الخليلي ت (٤٤٦)،قال: "فأما الحديث الصحيح المعلول، فالعلة تقع للأحاديث من أنحاء شتى، لا يمكن حصرها، فمنها أن يروي الثقات حديثاً مرسلاً، وينفرد به ثقة مسنداً، فالمسند صحيح وحجة ولا تضره علة الإرسال، ومثاله: حديث رواه أصحاب مالك في الموطأ عن مالك قال بلغنا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:"للملوك طعامه وشرابه ولا يكلف من العمل ما لا يطيق".ورواه إبراهيم بن طهمان الخراساني، والنعمان بن عبد السلام الأصبهاني عن مالك، عن محمد بن عجلان، عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ،حدثناه الحسين بن حلبس قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري ببغداد، قال الخليلي: وهو ثقة حافظ فقيه أخذ العلم عن إسماعيل بن يحيى المزني وغيره من أصحاب الشافعي، وكان الدارقطني يفتخر به قال: حدثنا أحمد بن حفص قال: حدثنا أبي قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان قال: حدثنا مالك عن محمد بن عجلان، وحدثناه محمد بن علي بن عمر والقاسم بن علقمة قالا: حدثنا عبد الرحمن ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن عامر بن إبراهيم قال: حدثنا أبي قال: حدثنا النعمان بن عبد السلام قال: حدثنا مالك عن محمد بن عجلان

стр. 151

عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ الحديث، فقد صار الحديث بتبيين الإسناد صحيحاً يعتمد عليه، وهذا من الصحيح المبين بحجة ظهرت، وكان مالك ﵀ يرسل أحاديث لا يبين إسنادها، وإذا استقصى عليه من يتجاسر أن يسأله ربما أجابه إلى الإسناد. ومثله أيضا: حديث رواه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني، وهو ثقة إمام عن مالك عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ :"الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة".هذا مما يتفرد به أبو عاصم مسنداً مجوداً، والناقلون رووه عن مالك عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة مرسلاً عن النبي ﷺ ليس فيه أبو هريرة، وتابع على ذلك أبا عاصم عبد الملك بن الماجشون ويحيى بن أبي قتيلة من أهل مصر، وليسا بذاك وقال أهل البصرة لأبي عاصم: خالفك أصحاب مالك في هذا فقال: حدثنا به مالك بمكة وأبو جعفر المنصور بها هاتوا من سمع معي، ورواه معمر بن راشد عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر عن النبي ﷺ وهو المحفوظ المخرج في صحيح البخاري وغيره، بينت هذا ليستدل به على أمثاله " (١). قلت: كلام الخليلي هذا لا يصح من وجهين رئيسين: الأول: إنّ هذا التعريف الذي عرّف به لم يتابعه عليه أحد من أهل العلم من المتقدمين أو المتأخرين، فالكل أجمع على أن الحديث المعلول لا يعدّ من ضمن الحديث الصحيح، بل العلة قادحة في صحة الحديث، ولا أدل على ذلك من تعريف الحديث الصحيح على أن يكون خالياً من الشذوذ والعلة. الثاني: هو أنه ساق بذلك مثلين في كتابه الإرشاد وكلاهما معلول، كما بينه هو: المثال الأول: (حديث المملوك):الإسناد الذي ذكره هو إسناد متكلم فيه، وأقل ما فيه هو محمد بن عجلان، فهو وإن أخرج له الإمام مسلم، إلا أنه قد تكلم فيه بحيث أجمع العلماء على أن حديثه خارج الصحيحين لا يرتقي إلى مراتب الصحة، ولا سيما في روايته لأحاديث أبي هريرة، قال الحافظ ابن حجر في التقريب: " صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة" (٢). وقال الذهبي في الميزان:" إمام صدوق مشهور، قال الحاكم: أخرج له

стр. 152

مسلم في كتابه ثلاثة عشر حديثا كلها شواهد، وقد تكلم المتأخرون من أئمتنا في سوء حفظه" (١). وقال الحافظ ابن حجر:"إنما أخرج له مسلم في المتابعات، ولم يحتج به" (٢). قال ابن عبد البر:"وهذا الحديث محفوظ مشهور من حديث أبي هريرة وقد رواه مالك مسنداً (٣) عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة إلا أنهم قد تكلموا في إسناده هذا وقد روي من حديث الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وليس دون الزهري من يحتج به" (٤).ثم ساق ابن عبد البر الروايات المتعددة في اختلاف محمد بن عجلان في رواية هذا الحديث، إذ رواه تارة كما بيناه، ورواه تارة أخرى عن بكير بن عبد الله الأشج عن عجلان، عن أبي هريرة ﵁ كما هو في مسند أحمد ... والتمهيد ٢٤/ ٢٨٣ - ٢٨٧. فلو صح مثل هذا الإسناد لما تباطأ الإمام مالك عن إيراده في موطئه. المثال الثاني (حديث الشفعة) أقول: قد بين علته هو في آخر كلامه: وهو مخالفة أبي عاصم الضحاك بن مخلد لأصحاب مالك، إذ رووه عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة مرسلاً، ليس فيه أبو هريرة، أما الحديث المحفوظ الذي رواه الزهري فهو الذي أخرجه البخاري من طريق معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر ﵁، إذ قال الخليلي نفسه:" وهو المحفوظ المخرج في صحيح البخاري " (٥). ٣ - ابن حزم الظاهري ت (٤٥٧): وممن أطلق القبول أيضا ابن حزم الظاهري، فقال:" وإذا روى العدل زيادة على ما روى غيره فسواء انفرد بها أو شاركه فيها غيره مثله أو دونه أو فوقه فالأخذ بتلك الزيادة فرض، ومن خالفنا في ذلك فإنه يتناقض أقبح تناقض فيأخذ بحديث رواه واحد ويضيفه إلى ظاهر القرآن الذي نقله أهل الدنيا كلهم أو يخصه به وهم بلا شك أكثر من رواة الخبر الذي زاد عليهم آخر حكماً لم يروه غيره وفي

стр. 153

هذا التناقض من القبح ما لا يستجيزه ذوقهم وذو ورع وذلك كتركهم قول الله تعالى: "والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيدَيَهما جزآءً بما كَسَبا نكالاً من الله والله عزيزٌ حكيم" (١). لحديث انفردت به عائشة ﵂ ولم يشاركها فيه أحد، وهو" لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً ".ويترك قوله تعالى في الآيات التي ذكر فيها المحرمات من النساء، ثم قال تعالى بعد ذكر من ذكر: "والمحصناتُ من النساء إلا ما ملكت أيمانُكم كتابَ الله عليكم وُأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنينَ غيرَ مسافحين فما آستمتعتم به منهنَّ فآتوهنَّ أجورَهنَّ فريضةً ولا جناحَ عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إنّ اللهَ كان عليماً حكيماً" (٢). فحرموا الجمع بين المرأة وعمتها وليس ذلك مذكوراً في آية التحريم بل فيها إحلال كل ما لم يذكر في الآية فتركوا ذلك لحديث انفرد به أبو هريرة وأبو سعيد وحدهما. (٣) وليس ذلك إجماعاً فإن عثمان البتي يبيح الجمع بين المرأة وعمتها ثم يعترضون على حكم رواه عدل بأن عدلاً آخر لم يرو تلك الزيادة وأن فلاناً انفرد بها، قال علي: وهذا جهل شديد وقد ترك أصحاب أبي حنيفة الزيادة التي روى مالك في حديث زكاة الفطر وهي من المسلمين فقالوا: انفرد بها مالك، وترك أصحاب مالك الاستسعاء الذي رواه سعيد بن أبي عروبة وقالوا: انفرد بها سعيد فكلا الطائفتين عابت ما فعلت وأنكرت ما أتت به مع أنه قد شورك من ذكرنا في هاتين الزيادتين ولو انفردا بها ما ضر ذلك شيئاً، ولا فرق بين أن يروي الراوي العدل حديثاً فلا يرويه أحد غيره أو يرويه غيره مرسلاً أو يرويه ضعفاء، وبين أن يروي الراوي العدل لفظة زائدة لم يروها غيره من رواة الحديث وكل ذلك سواء واجب قبوله بالبرهان الذي قدمناه في وجوب قبول خبر الواحد العدل

стр. 154

الحافظ وهذه الزيادة وهذا الإسناد هما خبر واحد عدل حافظ ففرض قبولهما ولا نبالي روى مثل ذلك غيرهما أو لم يروه سواهما ومن خالفنا فقد دخل في باب ترك قبول الخبر الواحد ولحق بمن أتى ذلك من المعتزلة وتناقض في مذهبه وانفراد العدل باللفظة كانفراده بالحديث كله ولا فرق (١). ٤ - الخطيب البغدادي ت (٤٦٣): قال:" الزيادة مقبولة من العدل". (٢) وقال:"قال الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث زيادة الثقة مقبولة إذا انفرد بها. ولم يفرقوا بين زيادة يتعلق بها حكم شرعي أو لا يتعلق بها حكم وبين زيادة توجب نقصاناً من أحكام تثبت بخبر ليست فيه تلك الزيادة وبين زيادة توجب تغيير الحكم الثابت أو زيادة لا توجب ذلك وسواء كانت الزيادة في خبر رواه راويه مرة ناقصاً ثم رواه بعد وفيه تلك الزيادة أو كانت الزيادة قد رواها غيره ولم يروها هو. وقال فريق ممن قبل زيادة العدل الذي ينفرد بها إنما يجب قبولها إذا أفادت حكماً يتعلق بها وأما إذا لم يتعلق بها حكم فلا. وقال آخرون: يجب قبول الزيادة من جهة اللفظ دون المعنى وحكي عن فرقة ممن ينتحل مذهب الشافعي إنها قالت: تقبل الزيادة من الثقة إذا كانت من جهة غير الراوي فأما إن كان هو الذي روى الناقص ثم روى الزيادة بعد فإنها لا تقبل وقال قوم من أصحاب الحديث: زيادة الثقة إذا انفرد بها غير مقبولة ما لم يروها معه الحفاظ وترك الحفاظ لنقلها وذهابهم عن معرفتها يوهنها ويضعف أمرها ويكون معارضاً لها ... .". (٣) وقال بعد مناقشة آراء العلماء: " والذي نختاره من هذه الأقوال أنّ الزيادة الواردة مقبولة على كل الوجوه ومعمول بها إذا كان راويها عدلاً حافظاً ومتقناً ضابطاً ... " (٤) وقال: "أكثر أصحاب الحديث أن الحكم في هذا أو ما كان بسبيله للمرسل " (٥)؟ وعلل الخطيب مذهبه فقال: والدليل على صحة ذلك أمور: " أحدها: اتفاق جميع أهل العلم على أنه لو انفرد الثقة بنقل حديث لم ينقله غيره لوجب قبوله؛ ولم يكن ترك الرواة لنقله إن كانوا عرفوه وذهابهم عن العلم به معارضاً له

стр. 155

ولا قادحاً في عدالة راويه ولا مبطلاً له وكذلك سبيل الانفراد بالزيادة. فان قيل: ما أنكرت أن يكون الفرق بين الأمرين أنه غير ممتنع سماع الواحد الحديث من الراوي وحده وانفراده به ويمتنع في العادة سماع الجماعة لحديث واحد وذهاب زيادة فيه عليهم ونسيانها إلا الواحد بل هو أقرب إلى الغلط والسهو منهم فافترق الأمران، قلت: هذا باطل من وجوه غير ممتنعة: أحدها: أن يكون الراوي حدث بالحديث في وقتين وكانت الزيادة في أحدهما دون الوقت الآخر ويحتمل أيضا أن يكون قد كرر الراوي الحديث فرواه أولاً بالزيادة وسمعه الواحد ثم أعاده بغير زيادة اقتصاراً على أنه قد كان أتمه من قبل وضبطه عنه من يجب العمل بخبره إذا رواه عنه وذلك غير ممتنع وربما كان الراوي قد سها عن ذكر تلك الزيادة لما كرر الحديث وتركها غير متعمد لحذفها ويجوز أن يكون ابتدأ بذكر ذلك الحديث وفي أوله الزيادة ثم دخل داخل فأدرك بقية الحديث ولم يسمع الزيادة فنقل ما سمعه فيكون السامع الأول قد وعاه بتمامه. ويجوز أن يسمع من الراوي الاثنان والثلاثة فينسى اثنان منهما الزيادة ويحفظها الواحد ويرويها ويجوز أن يحضر الجماعة سماع الحديث فيتطاول حتى يغشى النوم بعضهم أو يشغله خاطر نفس وفكر قلت في أمر آخر فيقتطعه عما سمعه غيره وربما عرض لبعض سامعي الحديث أمر يوجب القيام ويضطره إلى ترك استتمام الحديث وإذا كان ما ذكرناه جائزاً فسد ما قاله المخالف. أخبرنا أبو الحسن علي بن يحيى بن جعفر الإمام بأصبهان قال: حدثنا سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني قال: حدثنا علي بن عبد العزيز قال: حدثنا أبو نعيم قال سليمان: وحدثنا معاذ بن المثنى قال: حدثنا محمد بن كثير، قال: حدثنا سفيان، عن جامع بن شداد أبي صخرة المحاربي عن صفوان بن محرز المازني عن عمران بن حصين قال: أتى نفر من بني تميم النبي ﷺ فقال: " اقبلوا البشرى يا بني تميم فقالوا: قد بشرتنا فأعطنا فرئى ذلك في وجه رسول ﷺ فجاء نفر من أهل اليمن فقال: اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم قالوا: قد قبلنا يا رسول الله فأخذ رسول الله ﷺ يحدث ببدء الخلق والعرش فجاء رجل فقال: يا عمران راحلتك فقمت فليتني لم أقم".ويدل أيضا على صحة ما ذكرناه أن الثقة العدل يقول:

стр. 156

سمعت وحفظت ما لم يسمع الباقون وهم يقولون: ما سمعنا ولا حفظنا وليس ذلك تكذيباً له" (١). فالخطيب البغدادي أطلق القبول في الكفاية ما دام راوي الزيادة عدلاً، حافظاً، ومتقناً ضابطاً، وفي تعارض الوصل والإرسال رجّح المتصل على المرسل مطلقاً، فقال:"وهو الصحيح في الفقه وأصوله". ويرى الواقف على أقوال الخطيب عدم الدقة؛ فتراه ينسب القول بقبولها للمحدثين ويعده رأي الجمهور منهم؟ وتارة ينسب إليهم خلافه؟ وما ذلك إلا لعدم وضوح صورة الزيادة عنده فوقع في إشكال واضح، كما مر. ويظهر هذا بشكل أوضح في مصنفه " تمييز المزيد في متصل الأسانيد "، فرد قسماً وقبل قسماً آخر؟ رغم أنه يقول بالقبول المطلق لزيادة الثقة. قال ابن رجب الحنبلي: " وقد صنف في ذلك الحافظ أبو بكر الخطيب مصنفاً حسناً سماه" تميز المزيد في متصل الأسانيد "وقسمه قسمين: أحدهما ما حكم فيه برد الزيادة وعدم قبولها. ثم إن الخطيب تناقض فذكر في كتاب الكفاية للناس مذاهب في اختلاف الرواة في إرسال الحديث ووصله، كلها لا تعرف عن أحد من متقدمي الحفاظ إنما هي مأخوذة من كتب المتكلمين، ثم إنه اختار أن الزيادة من الثقة تقبل مطلقاً، كما نصره المتكلمون وكثير من الفقهاء وهذا يخالف تصرفه في كتاب تمييز المزيد"وقد عاب تصرفه في كتابه" تمييز المزيد "بعض محدثي الفقهاء وطمع فيه لموافقته لهم في كتاب الكفاية" (٢) وكذا انتقده الحافظ ابن حجر العسقلاني (٣). ٥ - أبو عمرو ابن الصلاح ت (٦٤٣):تبع ابن الصلاح الخطيب في إطلاق القبول، فقال عند موضوع تعارض الوصل والإرسال: "وما صححه الخطيب هو الصحيح ... ".وأما في مبحث زيادات المتون فإنه توقف عن الترجيح واكتفى بعرض الأقوال، فقال: في مقدمته:"وقد رأيت تقسيم ما ينفرد به الثقة على ثلاثة أقسام: أحدها: أنه مخالف منافٍ لما رواه سائر الثقات فهذا حكمه الرد كما سبق في نوع

стр. 157

الشاذ. الثاني: أن لا تكون فيه منافاة ومخالفة أصلاً لما رواه غيره كالحديث الذي تفرد برواية جملته ثقة ولا تعرض فيه لما رواه الغير بمخالفة أصلاً فهذا مقبول وقد ادعى الخطيب فيه اتفاق العلماء عليه وسبق مثاله في نوع الشاذ. الثالث: ما يقع بين هاتين المرتبتين مثل زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر من روى ذلك الحديث مثاله: ما رواه مالك عن نافع عن بن عمر أن رسول الله ﷺ : " فرض زكاة الفطر من رمضان على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين ".فذكر أبو عيسى الترمذي أن مالكاً تفرد من بين الثقات بزيادة قوله:"من المسلمين" وروى عبيد الله ابن عمر وأيوب وغيرهما هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر دون هذه الزيادة فأخذ بها غير واحد من الأئمة واحتجوا بها منهم الشافعي وأحمد، ﵃، ... . فهذا وما أشبهه يشبه القسم الأول من حيث إن ما رواه الجماعة عام وما رواه المنفرد بالزيادة مخصوص وفي ذلك مغايرة في الصفة ونوع من المخالفة يختلف به الحكم ويشبه أيضا القسم الثاني من حيث إنه لا منافاة بينهما وأما زيادة الوصل مع الإرسال فإن بين الوصل والإرسال من المخالفة نحو ما ذكرناه. ويزداد ذلك بأن الإرسال نوع قدح في الحديث فترجيحه وتقديمه من قبيل تقديم الجرح على التعديل؟ ويجاب عنه: بأن الجرح قدم لما فيه من زيادة العلم والزيادة ههنا مع من وصل والله أعلم " (١). ٦ - قال النووي ت (٦٧٦):"زيادات الثقة مقبولة مطلقاً عند الجماهير من أهل الحديث والفقه والأصول، وقيل: لا تقبل، وقيل: تقبل أن زادها غير من رواه ناقصاً، ولا تقبل أن زادها هو، وأما إذا روى العدل الضابط المتقن حديثاً انفرد به فمقبول بلا خلاف، نقل الخطيب البغدادي اتفاق العلماء عليه، وأما إذا رواه بعض الثقات الضابطين متصلاً، وبعضهم مرسلاً أو بعضهم موقوفاً وبعضهم مرفوعاً أو وصله هو أو رفعه في وقت وأرسله أو وقفه فى وقت، فالصحيح الذي قاله المحققون من الحديث وقاله الفقهاء، وأصحاب الأصول وصححه الخطيب البغدادي أن الحكم لمن وصله أو رفعه سواء كان المخالف له مثله أو أكثر وأحفظ لأنه زيادة ثقة، وهى مقبولة الحكم لمن أرسله أو وقفه،

стр. 158

قال الخطيب: وهو أكثر قول المحدثين؛ وقيل: الحكم للأكثر، وقيل: للأحفظ". (١) وقال:"إذا روى بعض الثقات الضابطين الحديث مرسلاً وبعضهم متصلاً أو بعضهم موقوفاً، وبعضهم مرفوعاً، أو وصله هو أو رفعه في وقت، أو أرسله في وقت فالصحيح أن الحكم لمن وصله أو رفعه سواء كان المخالف له مثله أو أكثر لأن ذلك زيادة ثقة وهي مقبولة " (٢). وقال:"إن المذهب الصحيح المختار الذي ذهب إليه الفقهاء وأصحاب الأصول والمحققون من المحدثين وصححه الخطيب البغدادي أن الحديث إذا رواه بعض الثقات متصلاً وبعضهم مرسلاً أو بعضهم مرفوعاً وبعضهم موقوفاً حكم بالمتصل وبالمرفوع لأنهما زيادة ثقة وهى مقبولة عند الجماهير من كل الطوائف والله أعلم ". (٣) وقال:" أن الحديث الذي روى موقوفاً ومرفوعاً يحكم بأنه مرفوع على المذهب الصحيح الذي عليه الأصوليون والفقهاء والمحققون من المحدثين منهم البخاري وآخرون حتى لو كان الواقفون أكثر من الرافعين حكم بالرفع كيف والأمر هنا بالعكس ودليله ما سبق أن هذه زيادة ثقة فوجب قبولها ولا ترد لنسيان أو تقصير حصل بمن وقفه والله أعلم ". (٤) وقال:"زيادات الثقة مقبولة مطلقاً عند الجماهير من أهل الحديث والفقه والأصول". (٥) قال ابن حجر في النكت متعقباً:"وفيه نظر كثير لأنه يرد عليهم الحديث الذي يتحد مخرجه فيرويه جماعة من الحفاظ الأثبات على وجه ويرويه ثقة دونهم في الضبط والإتقان على وجه يشمل على زيادة تخالف ما رووه إما في المتن وإما في الإسناد فكيف تقبل زيادته وقد خالفه من لا يغفل مثلهم عنها لحفظهم أو لكثرتهم ولاسيما إن كان شيخهم ممن يجمع حديثه ويعتنى بمروياته كالزهري وأضرابه ... ." (٦). ٧ - قال ابن جماعة ت (٧٣٣):"هي أقسام أحدها: زيادة تخالف ما رواه

стр. 159

الثقات، وحكم هذه الرد كما سبق في الشاذ. الثاني: زيادة لا يخالف فيه غيره بشيء أصلاً فهذا مقبول" (١). وقال:" إذا روى ثقة حديثاً مرسلاً ورواه ثقة غيره متصلاً كحديث:"لا نكاح إلا بولي" رواه إسرائيل وجماعة عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ ورواه الثوري وشعبة عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي ﷺ فقد حكى الخطيب عن أكثرهم أن الحكم للمرسل وعن بعضهم أن الحكم للأكثر وعن بعضهم للأحفظ فإن كان هو المرسل لم يقدح ذلك في عدالة الواصل وقال: الزيادة من الثقة مقبولة هذا مع أن المرسل شعبة وسفيان ودرجتهما من الحفظ الإتقان معلومة فهذه خمسة أقوال الصحيح منها ما صححه الخطيب، فرع لو أرسل ثقة حديثا تارة وأسنده أخرى أو رفعة ثقات ووقفه ثقات أو وصله ثقات وقطعه ثقات فالحكم في الجميع لزيادة الثقة من الإسناد والرفع والوصل والله أعلم" (٢). ٨ - وقال الحافظ العراقي ت (٨٠٦)، قال في ألفيته (٣): واحكم لوصل ثقة في الأظهر ... وقيل بل إرساله للأكثر ونسب الأول للنظار ... أن صححوه وقضى البخاري بوصل " لا نكاح إلا بولي " ... مع كون من أرسله كالجبل وقيل الأكثر، وقيل الأحفظ ... ثم فما إرسال عدل يحفظ يقدح في أهلية الوصل أو ... مسنده على الأصح ورأوا أن صح الحكم للرفع ولو ... من واحد في ذا وذا كما حكموا وقال عند زيادات الثقات: واقبل زيادات الثقات منهم ... ومن سواهم فعليه المعظم وقيل: لا، وقيل: لا منهم وقد ... قسمه الشيخ فقال: ما انفرد

стр. 160

دون الثقات ثقة خالفهم ... فيه صريح فهو رد عندهم أولم يخالف فاقبلنه وادعى ... فيه الخطيب الاتفاق مجمعا أو خالف الإطلاق نحو"جعلت ... تربة الأرض"فهي فرد نقلت فالشافعي وأحمد احتجا بذا ... والوصل والإرسال من ذا أخذا ٩ - الحافظ السخاوي ت (٩٠٢): قال: " الصحيح الذي عليه الجمهور أن الراوي إذا روى الحديث مرفوعاً وموقوفاً فالحكم للرفع لأنه معه في حالة الرفع زيادة، هذا هو المرجح عند أهل الحديث " (١). وقال: " والحق أن الزيادة مع الواصل وأن الإرسال نقص في الحفظ لما جبل عليه الإنسان من النسيان " (٢). ١٠ - الشيخ أحمد محمد شاكر: قال:"إذا روى العدل الثقة حديثاً وزاد فيه زيادة لم يروها غيره من العدول الذين رووا نفس الحديث أو رواه الثقة العدل نفسه مرة ناقصاً ومرة زائداً، فالقول الصحيح الراجح: إن الزيادة مقبولة سواء أوقعت ممن رواه ناقصاً أم من غيره وسواء أتعلق بها حكم شرعي أم لا، وسواء غيرت الحكم الثابت أم لا، وسواء أوجبت نقض أحكام ثبتت بخبر ليست هي فيه أم لا " (٣). وممن قال به أيضاً: أبو الحسن بن القطان (٤)، وابن الملقن (٥)،وغيرهما. مناقشة أمثلة القائلين بقبول الزيادة مطلقاً . استدل القائلون بقبول الزيادة مطلقاً بأدلة، أرى من المناسب أن أبينها ههنا، وقبل مناقشتها، لابد من توطئة مهمة فأقول: كما أوضحنا سلفاً أنّ علم المصطلح - مصطلح الحديث - نشأ كما ينشأ أي علم في المصطلح في بقية علوم الشريعة وغيرها.

стр. 161

فإنه ينشأ بعد اكتمال صرح العلم وأركانه .. فيحتاج طلبة العلم في تعاملهم مصطلحات متفق عليها. وهذا يعني أنه - المصطلح - وليد ثمار جهود السابقين من ناحية ومن ناحية أخرى فإنه لا يعني أن المتقدمين أرادوا ما فهمهُ المتأخرون كاملاً. فالمتأخرون إنما هم مجتهدون حاولوا فهم مراد المتقدمين من خلال صنيعهم في مصنفاتهم. ومر علم المصطلح بمراحل - عند المتأخرين - تطورت فيه مفاهيم ومصطلحات عبر المصنفات المتتالية. فلو قرأت مثلاً ((المحدث الفاصل))، لم تجد فيه كثيراً من المصطلحات عند الخطيب في الكفاية أو عند ابن الصلاح في المقدمة أو عند السخاوي في الفتح .. وهكذا. وعلى سبيل المثال: لا تجد فيه - المحدث الفاصل - مصطلح منكر .. شاذ ... زيادة ثقة ... الخ. والذي أريده من هذا الكلام: أنّ الخطأ الذي وقع فيه الكثير من طلبة علم الحديث أنهم يعدون المتأخرين .. متقدمين؟؟، ويظنون أنَّ المصطلحات الحديثة اتفق عليها المتقدمون والمتأخرون ... فظنوا أنّ المتأخرين -أعني بعد القرن الثالث الهجري - قد أدركوا مراد المتقدمين فأسسوا على ذلك قواعد كلية صححوا على ضوئها الأحاديث وحسنوها فوقعوا في تعارض واضح وإشكال كبير. ومثالي على هذا الكلام مصطلح " زيادة الثقة "،فلا تجد أحداً من المتقدمين الأوائل قد تكلم فيه بمثل ما فهمه المتأخرون حتى إنّ جمهور المتأخرين قد خلطوا بين أنواع التفرد. وتجد هذا واضحاً في هذه الأطروحة فترى الإشكال قائماً-عند المتأخرين - بين المنكر .. والشاذ ... وزيادة الثقة. وفي موضوع زيادة الثقة خلط جمهور كتّاب المصطلح بينه وبين موضوع مختلف الحديث. فالمراد بزيادة الثقة - كما عرّفوه هم -: هو ما تفرد به ثقة واحد عن مجموعة من

стр. 162

الثقات بالسند نفسه أو زاد في المتن زيادة لم يذكرها الثقات الآخرون الذين رووا الحديث بالسند نفسه أيضاً. وقد نص عليه الحاكم بقوله:"معرفة زيادات ألفاظ فقهية في أحاديث ينفرد بالزيادة راو واحد " (١). وقال ابن رجب:"أن يروي جماعة حديثاً واحداً بإسناد واحد، ومتن واحد فيزيد بعض الرواة فيه زيادة، لم يذكرها بقية الرواة " (٢). قلت: فأما إذا كانت هذه الزيادة من أكثر من ثقة فاختلف أصحاب المروي عنه فرواه قسم بهذه الزيادة، ورواه آخرون من دونها فهذه مخالفة تدرس ويتبين الصحيح منها لأن المفروض في مثل هذا أن المروي عنه إما حدث بالحديث على وجهين وإما أخطأ قسماً منه وأصاب بالآخر (٣). وهذا يعني أمرين: الأول: أن الزيادة إذا جاءت من ثقة واحد عن نفس الشيخ وانفرد بها عن أقرانه رواة الحديث فهذا الذي يسمى زيادة ثقة. أما إذا وجدنا متابعة لهذا الثقة فإنه يخرج من دائرة الزيادة والتفرد إلى دائرة الاختلاف ... "مختلف الحديث "،فندرس الحديثين ونخرج بنتيجة حسب القرائن المرجحة. أيّ: إنّ زيادة الثقة إنما تكون من ثقة واحد أمام جماعة أما إذا تكافأ العدد كأن يكون واحداً أمام واحد أو أكثر فهذه لا تسمى زيادة ثقة بل هي من باب:"مختلف الحديث". لذا فإن الإمام النووي ﵀ وهو القائل بقبول الزيادة مطلقاً من غير تفصيل رد التمثيل بزيادة مالك"من المسلمين "،وقال:" لا يصح التمثيل به فقد وافق مالكاً عمرُ بن نافع والضحاك بن عثمان" (٤). ثانياً: إذا روى ثقة حديثاً ثم نشط فرواه بسند آخر أعلى من السند الأول فهذا لا

стр. 163

يسمى زيادة ثقة ممن دون الشيخ الراوي بل هذا من قبيل الإسناد العالي والنازل. وبهذا اخطأ بعض المتأخرين ممن عدوا المزيد في متصل الأسانيد زيادة ثقة. وإنما أشكل عليهم التفريق بين الزيادة من الثقة في السند وبين المزيد في متصل الأسانيد. وسأمثل لذلك بمثالين أحدهما يبين زيادة الثقة في السند والآخر يبين المزيد في متصل الأسانيد. ١ - قال محمد بن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن الزهري عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله. ٢ - قال محمد بن بشار: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن سفيان عن الزهري عن أنس بن مالك. فهل: هذا زيادة ثقة من محمد بن بشار"بندار"؟ أولاً: علينا أن نبحث هل السند الأول متصل بالسماع؟ فإذا كان الجواب بنعم، فهذا الثاني من قبيل المزيد في متصل الأسانيد. إما إذا كان الجواب: لا؟ وهذا يعني أن الإسناد الأول منقطع، فهذا الثاني يكون متصلاً والأول يكون معلولاً فيه انقطاع. وإنما حكمنا على الثاني بكونه مزيداً لاحتمال سماع شعبة الحديث مرتين، مرة من سفيان - قرينه - ثم نشط فسمعه أخرى من الشيخ ذاته - الزهري -. فيكون الإسناد الأول- إسناد محمد بن المثنى- عاليا، وإسناد بندار نازلا. ٢ - أما مثال زيادة الثقة فنمثل بالمثال السابق حتى يتضح الفرق، أن يروي مثلاً: محمد بن المثنى، عن محمد بن جعفر، عن شعبة عن الزهري، عن أنس، عن النبي ﷺ مرفوعا-. ثم يخالفه جمع من الثقات فيروونه بالسند نفسه عن محمد بن جعفر عن شعبة عن الزهري عن أنس - موقوفاً -. وكذا إذا جاء مرة مرسلاً ومرة متصلاً ... وهكذا. فالذي يعنينا هنا أن يأتي الحديث على المثال الثاني أما احتمال المثال الأول:"المزيد في متصل الأسانيد "فهو وارد وصحيح ولا إشكال فيه ومن هنا فإننا سوف نبحث في الأمثلة التي مثل بها علماء المصطلح المتأخرون

стр. 164

فإذا وجدنا للشيخ المتفرد بالزيادة متابعاً فإنه يخرج من دائرة الزيادة ولا يصح التمثيل به حينئذٍ. أقول: قد نتج عن هذا الخلط نسبة الكثير من الأقوال إلى الأئمة المتقدمين نسبة خاطئة، إذ اقتطعوا من أقوالهم في مناقشة حديث ما في موضع الاختلاف"مختلف الحديث"ونسبوه لهم على أنه يتحدث عن زيادة الثقة-بمفهوم المتأخرين-. فمثلاً: ١ - جاء عن الإمام الشافعي أنه قال:" العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد " (١). أورده الحافظ ابن حجر استدلالاً على أن الشافعي يفصل الأمر في زيادة الثقة (٢). أقول: الإمام الشافعي لم يتكلم عن زيادة الثقة حينما أورد هذا النص وإنما كان يتكلم عن حديثين متكافئين في الصحة مختلفين في المخرج في أحدهما زيادة تخالف الآخر: حديث البراء بن عازب، وحديث ابن عمر ﵃ في رفع اليدين في الصلاة، قال الشافعي ﵀:"وبهذه الأحاديث تركنا ما خالفها من الأحاديث قال الشافعي لأنها أثبت إسناداً منه وأنها عدد"والعدد أولى بالحفظ من الواحد" فإن قيل: فإنّا نراه رأى المصلي يرخي يديه فلعله أراد رفعهما فلو كان رفعهما مداً احتمل مداً حتى المنكبين واحتمل ما يجاوزه ويجاوز الرأس ورفعهما ولا يجاوز المنكبين وهذا حذو حتى يحاذي منكبيه وحديثنا عن الزهري أثبت إسناداً ومعه عدد يوافقونه ويحددونه تحديداً لا يشبه الغلط والله أعلم فإن قيل: أفيجوز أن يجاوز المنكبين؟ قيل: لا ينقض الصلاة ولا يوجب سهواً والاختيار أن لا يجاوز المنكبين. باب الخلاف فيه: قال الشافعي: فخالفنا بعض الناس في رفع اليدين في الصلاة، فقال: إذا افتتح الصلاة المصلي رفع يديه حتى يحاذي أذنيه ثم لا يعود يرفعهما في شيء من الصلاة، واحتج بحديث رواه يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال رأيت النبي ﷺ :"إذا افتتح الصلاة يرفع يديه". قال سفيان: ثم قدمت الكوفة فلقيت يزيد بها فسمعته يحدث بهذا، وزاد فيه: " ثم لا

стр. 165

يعود "، فظننت أنهم لقنوه، قال سفيان: هكذا سمعت يزيد يحدثه هكذا، ويزيد فيه:"ثم لا يعود"قال: وذهب سفيان إلى أن يغلط يزيد في هذا الحديث ويقول: كأنه لقن هذا الحرف الآخر فلقنه، ولم يكن سفيان يرى يزيد بالحافظ لذلك. قال: فقلت لبعض من يقول هذا القول: أحديث الزهري عن سالم عن أبيه أثبت عند أهل العلم بالحديث أم حديث يزيد؟ قال: بل حديث الزهري وحده. قلت: فمع الزهري أحد عشر رجلاً من أصحاب رسول الله منهم أبو حميد الساعدي وحديث وائل بن حجر كلها عن النبي ﷺ بما وصفت وثلاثة عشر حديثاً أولى أن تثبت من حديث واحد ومن أصل قولنا. وقولك أنه لو لم يكن معنا إلا حديث واحد ومعك حديث يكافئه في الصحة فكان في حديثك أن لا يعود لرفع اليدين وفي حديثنا يعود لرفع اليدين كان حديثنا أولى أن يؤخذ به، لأن فيه زيادة حفظ مالم يحفظ صاحب حديثك، فكيف صرت إلى حديثك وتركت حديثنا والحجة لنا فيه عليك بهذا، وبأن إسناد حديثك ليس كإسناد حديثنا بأن أهل الحفظ يرون أن يزيد لقن:"ثم لا يعود"، يقول: فإن إبراهيم النخعي أنكر حديث وائل بن حجر، وقال: أترى وائل بن حجر أعلم من علي وعبد الله؟ قلت: وروى إبراهيم عن علي وعبد الله أنهما رويا عن النبي خلاف ما روى وائل بن حجر، قال: لا ولكن ذهب إلى أن ذلك لو كان روياه أو فعلاه، قلت: أفروى هذا إبراهيم عن علي وعبد الله نصاً؟ قال: لا، قلت: فخفي عن إبراهيم شيء رواه علي وعبد الله أو فعلاه، قال: ما أشك في ذلك، قلت: فتدري لعلهما قد فعلاه فخفي عنه وروياه فلم يسمعه، قال: إن ذلك ليمكن، قلت: أفرأيت جميع ما رواه إبراهيم فأخذ به، فأحل به وحرم، أرواه عن علي وعبد الله؟ قال: لا، قلت: فلم احتججت بأنه ذكر علياً وعبد الله وقد يأخذ هو وغيره عن غيرهما ما لم يأت عن واحد منهما، ومن قولنا وقولك أن وائل بن حجر إذ كان ثقة لو روى عن النبي شيئاً، فقال عدد من أصحاب النبي لم يكن ما روى، كان الذي قال كان أولى أن يؤخذ بقوله من الذي قال لم يكن، وأصل قوله أن إبراهيم لو روى عن علي وعبد الله لم يقبل منه، لأنه لم يلق واحداً منهما إلا أن يسمي من بينه وبينهما فيكون ثقة للقيهما، ثم أردت إبطال ما روى وائل بن حجر عن النبي ﷺ بأن لم يعلم إبراهيم فيه قول علي وعبد الله قال: فلعله علمه قلت: ولو علمه لم يكن عندك فيه حجة بأن رواه فإن كنت تريد أن توهم من سمعه أنه رواه بلا أن يقول هو رويته جاز لنا

стр. 166

أن نتوهم في كل ما لم يرو أنه علم فيه لم يقل لنا علمنا ولو روى عنهما خلافه لم يكن عندك فيه حجة فقال وائل أعرابي فقلت: أفرأيت قرنعاً الضبي وقزعة وسهم بن منجاب حين روى إبراهيم عنهم وروى عن عبيد بن نضلة أهم أولى أن يروي عنهم أم وائل بن حجر، وهو معروف عندكم بالصحابة وليس واحد من هؤلاء فيما زعمتم معروفاً عندكم بحديث ولا شيء، قال: بل وائل بن حجر، قلت: فكيف ترد حديث رجل من الصحابة وتروي عمن دونه ونحن إنما قلنا برفع اليدين عن عدد لعله لم يرو عن النبي ﷺ شيئاً قط عدداً أكثر منهم غير وائل بن حجر ووائل أهل أن يقبل عنه " (١). لهذا قال الإمام الشافعي: والعدد أولى بالحفظ من الواحد (٢). فمن هنا خلط المتأخرون بين هذين المفهومين. وهذا بالاتفاق ليس من قبيل زيادة الثقة. وأما إذا روى الثقة ما لم يروه غيره من الثقات أقرانه فإنه شاذ غير مقبول، قال ابن رجب:"وفي حكاية ذلك-قبول الزيادة- عن الشافعي نظر فإنه قال في الشاذ: هو أن يروي ما يخالف الثقات، وهذا يدل على أن الثقة إذا انفرد عن الثقات بشيء أنه يكون ما انفرد به شاذاً غير مقبول، والله اعلم " (٣). وهذا يعني أن التفرد عند الشافعي إذا كان يخالف أقرانه في زيادة لفظة أو رجل فإن ذلك يعني أن حديثه شاذ (٤)، وسيأتي تفصيله. ٢ - ذهب جمهور الحنابلة من الفقهاء إلى نسبة القول إلى الإمام أحمد أنه يقبل الزيادة من الثقة اعتماداً على صنعه في بعض الأحاديث. قال ابن رجب:"وأما أصحابنا: فذكروا في كتب أصول الفقه في هذه المسألة روايتين عن أحمد: بالقبول مطلقاً، وعدمه مطلقاً، ولم يذكروا نصاً له بالقبول مطلقاً مع أنهم رجحوا هذا القول، ولم يذكروا به نصاً عن أحمد، وإنما اعتمدوا على كلام له، لا يدل على ذلك مثل قوله في فوات الحج: جاء فيه روايتان أحدهما: فيه زيادة دم، قال: والزائد أولى أن يؤخذ، وهذا ليس مما نحن فيه فإن مراده أن الصحابة روى بعضهم فيمن

стр. 167

يفوته الحج عليه القضاء مع الدم، فأخذ بقبول من زاد الدم فإذا روي حديثان مستقلان في حادثة وفي أحدهما زيادة فإنها تقبل من الثقة كما لو تفرد الثقة بأصل الحديث وليس هذا من باب زيادة الثقة" (١). أقول: وهنا وقع الأصوليون أيضا في خلط واضح بين الزيادة ومختلف الحديث. ٣ - قال أحمد في زيادة زادها سعيد بن أبي عروبة في حديث الإستسعاء: "أما شعبة وهمام فلم يذكراه ولا أذهب إلى الإستسعاء" (٢). قال ابن رجب: فالذي يدل عليه كلام أحمد في هذا الباب: أن زيادة الثقة للفظة في حديث من بين الثقات إن لم يكن مبرزاً في الحفظ والتثبت على غيره ممن لم يذكر الزيادة ولم يتابع عليها فلا يقبل تفرده، وإن كان ثقة مبرزاً في الحفظ على من لم يذكرها ففيه عنه روايتان، لأنه قال مرة في زيادة مالك (من المسلمين):كنت أتهيبه حتى وجدته من حديث العمريين. وقال مرة إذا انفرد مالك بحديث هو ثقة وما قاله أحد بالرأي أثبت منه " (٣). أقول: وقع ابن رجب في نفس المأخذ الذي أخذه على فقهاء الحنابلة فهذا الحديث ليس من قبيل زيادة الثقة لان سعيداً قد توبع عليه. كما سيأتي (٤). ٤ - استدل الكثير من علماء المصطلح المتأخرين بحديث:"لا نكاح إلا بولي"،على أنّ البخاري يقول بزيادة الثقة. وهذا خلط واضح - كما قدمنا - فالإمام البخاري لم يتحدث عن الزيادة، وإنما كان يتحدث عن الاختلاف بين طريقين. الطريق الأول رواه جماعة من الثقات:"إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، ويونس، وشريك، وأبو عوانة ... "،عن أبي إسحاق السبيعي به-مرفوعاً-. والطريق الثاني: رواه شعبة وسفيان عن أبى إسحاق به - موقوفاً -. فالحديث جماعة إمام جماعة فأين زيادة الثقة؟؟. بل صرح البخاري بقوله تابعه

стр. 168

يعني إسرائيل. ثم يأتي بعض المتأخرين ويقولون هو مثال لزيادة الثقة؟ كما أورده الخطيب وغيره حتى من رد عليهم لم ينكر كونه زيادة من ثقة يقول ابن حجر:"الاستدلال بأن الحكم للواصل دائماً على العموم من صنيع البخاري في هذا الحديث الخاص ليس بمستقيم لأن البخاري لم يحكم فيه بالاتصال من أجل كون الوصل زيادة، وإنما حكم له بالاتصال لمعان أخرى رجحت عنده حكم الموصول. منها: أن يونس بن أبي إسحاق وابنيه إسرائيل وعيسى رووه عن أبي إسحاق موصولاً، ولا شك أن آل الرجل أخص من غيرهم. ووافقهم على ذلك أبو عوانة وشريك النخعي وزهير بن معاوية وتمام العشرة من أصحاب أبي إسحاق، مع اختلاف مجالسهم في الأخذ عنه وسماعهم إياه من لفظه. وأما رواية من أرسله وهما شعبة وسفيان، فإنما أخذاه عن أبي إسحاق في مجلس واحد ... . فشعبة وسفيان إنما أخذاه معاً في مجلس عرضاً-كما ترى- ولا يخفى رجحان ما أخذ من لفظ المحدث في مجالس متعددة على ما أخذ عنه عرضاً في محل واحد. هذا إذا قلنا: حفظ سفيان وشعبة في مقابل عدد الآخرين مع أن الشافعي - رضي الله - يقول: " العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد ". فتبين أن ترجيح البخاري لوصل هذا الحديث على إرساله لم يكن لمجرد أن الواصل معه زيادة ليست مع المرسل بل بما يظهر من قرائن الترجيح ويزيد ذلك ظهوراً تقديمه الإرسال في مواضع أخر " (١). فتأمل الخلط؟؟ وهنا سأذكر الأمثلة التي مثل بها المتأخرون مستدلين بها على زيادة الثقة لأبين أنها ليست من قبيل زيادة الثقة وإنما هي من قبيل مختلف الحديث. أولاً: مناقشة أمثلة أبي عبد الله الحاكم: المثال الأول: قال في معرفة علوم الحديث:"ومثال هذا النوع ما حدثناه أبو عمرو عثمان بن أحمد بن السماك قال: حدثنا الحسن بن مكرم قال: حدثنا عثمان بن عمر قال: حدثنا مالك بن مغول عن الوليد بن العيزار عن أبي عمرو الشيباني عن عبد الله بن مسعود قال: سألت رسول الله ﷺ أي العمل أفضل؟ قال:"الصلاة في أول وقتها" قلت: ثم

стр. 169

أي؟ قال:"الجهاد في سبيل الله" قلت: ثم أي؟ قال:"بر الوالدين". قال أبو عبد الله: هذا حديث صحيح محفوظ رواه جماعة من أئمة المسلمين عن مالك بن مغول وكذلك عن عثمان بن عمر فلم يذكر أول الوقت فيه غير بندار بن بشار والحسن بن مكرم وهما ثقتان فقيهان" (١). أقول: هذا ليس من قبيل زيادة الثقة لأن الزيادة تفرد ثقة واحد-كما قدمنا-وهنا تفرد به ثقتان وهما: محمد بن بشار-بندار-،والحسن بن مكرم فهذا من قبيل مختلف الحديث: رواه اثنان مخالفين به جماعة الرواة في هذه اللفظة فلعل الشيخ ((عثمان بن عمر)) قد رواه مرتين مرة بها والأخرى بدونها. المثال الثاني: قال في معرفة علوم الحديث: " أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن الطوسي بنيسابور وأبو محمد عبد الله بن محمد الخزاعي بمكة قالا: حدثنا أبو يحيى بن أبي مسرة قال: حدثنا يحيى بن محمد الجاري قال: حدثنا زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع عن أبيه عن جده عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ :" من شرب في إناء ذهب أو فضة أو في إناء فيه شيء من ذلك فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم ". قال أبو عبد الله: هذا حديث روي عن أم سلمة وهو مخرج في الصحيح، وكذلك روي من غير وجه عن ابن عمر واللفظة"أو إناء فيه شيء من ذلك"لم نكتبها إلا بهذا الإسناد" (٢). أقول: لا يصح التمثيل بهذا الحديث لأنه مُتفرد بجملتهُ دون مخالفة فهو حديث مستقل-خبر آحاد-وليس من قبيل زيادة الثقة. المثال الثالث: قال في معرفة علوم الحديث:"حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال: حدثنا محمد بن الجهم السمري قال: حدثنا نصر بن حماد قال: أخبرنا أبو معشر عن نافع عن ابن عمر قال:"أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرج صدقة الفطر عن كل صغير وكبير حر أو عبد صاعاً من تمر أو صاعاً من زبيب أو صاعاً من شعير أو صاعاً من قمح وكان

стр. 170

يأمرنا أن نخرجها قبل الصلاة وكان رسول الله ﷺ يقسمها قبل أن ننصرف من المصلى ويقول: أغنوهم عن طواف هذا اليوم ". قال أبو عبد الله: هذا حديث رواه جماعة من أئمة الحديث عن نافع فلم يذكروا صاع القمح فيه إلا حديث عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي يتفرد به عن عبيد الله بن عمر عن نافع" (١). أقول: لم يتفرد سعيد بن عبد الرحمن الجمحي بهذه اللفظة، بل قد توبع في شيخه عبيد الله بن عمر العمري تابعه يحيى بن سعيد الأنصاري عند البيهقي ٤/ ١٦٠،فخرج الحديث عن كونه زيادة ثقة. وإنما هو من قبيل مختلف الحديث، فالرواة عن نافع قد اختلفوا في هذه اللفظة-صاعاً من قمح-فمرة أثبتوها، وأخرى تركوها، فـ (عبيد الله بن عمر بن حفص ويحيى بن سعيد الأنصاري)، أثبتوها في حديثهم. وروى الحديث: (أيوب السختياني، وعبيد الله بن عمر بن حفص-في مصنف عبد الرزاق ٣/ ٣١٢ - ،وعبد الله بن عمر، والمعلى بن إسماعيل المدني، وغيرهم) دونها. والذي أراه: أن رواية القمح إنما هي من كلام ابن عمر ﵁ وربما يكون نافع حدث بها فظن بعض السامعين أنه من الحديث. ويشهد لكلامنا: ما أخرجه عبد الرزاق ٣/ ٣١١فقال: "عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر:"قال فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر على الذكر والأنثى والحر والعبد صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير". قال ابن عمر: فعدله الناس بعد بمدين من قمح قال ابن عمر: فكان يعجبه أن يعطي التمر". وكذا ما أخرجه ابن خزيمة ٤/ ٨١قال:"حدثنا عبد الجبار بن العلاء قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر قال:"فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير". فكان عبد الله يخرج عن الصغير والكبير والمملوك من أهله صاعاً من تمر فأعوزه مرة فاستلف شعيراً فلما كان زمان معاوية عدل الناس مدين من قمح بصاع من شعير". وما أخرجه ابن حبان في صحيحه ٨/ ٩٦برقم (٣٣٠٣) قال:

стр. 171

" أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عمير بن يوسف بن جوصا بدمشق وعمر بن محمد بن يوسف بن بجير الهمداني قالا: حدثنا كثير بن عبيد قال: حدثنا أبو حيوة شريح بن يزيد قال: حدثنا أرطأة بن المنذر عن المعلى بن إسماعيل المدني عن نافع عن ابن عمر قال:"أمر رسول الله ﷺ بزكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير عن كل صغير أو كبير حر أو عبد ".قال ابن عمر: ثم إن الناس جعلوا عدل ذلك مدين من قمح ". المثال الرابع: قال في معرفة علوم الحديث: " حدثنا أبو بكر بن إسحاق الإمام، قال: أخبرنا أبو مسلم، قال: حدثنا عبد الله بن رجاء، قال: حدثنا همام عن محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه أنه سأل النبي ﷺ أو سأله رجل فقال: بينا أنا في الصلاة ذهبت أحك فخذي فأصابت يدي ذكري فقال رسول الله ﷺ : "هل هو إلا بضعة منك ". قال أبو عبد الله: هذا حديث رواه جماعة من التابعين وغيرهم عن محمد بن جابر فلم يذكر الزيادة في حك الفخذ غير عبد الله بن رجاء عن همام بن يحيى وهما ثقتان ". أقول: هذا كلام مردود، فليس هذا من قبيل زيادة أو مختلف حديث، وإنما هو من قبيل صحيح الحديث أو سقيمه: فهذه اللفظة ((حك الفخذ)) خالف بها محمد بن جابر اليمامي، وهو ضعيف الحديث، قال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال الفلاس: متروك الحديث، وقال ابن حبان: كان أعمى يلحق في كتبه ما ليس من حديثه ويسرق ما ذوكر به فيحدث به (١). المثال الخامس: وقال أيضاً: "حدثني أبو الحسن أحمد بن الخضر الشافعي قال: حدثنا جعفر بن أحمد بن نصر الحافظ قال::حدثنا أحمد بن نصر المقرئ قال: حدثنا آدم بن أبي إياس العسقلاني قال: حدثنا عبد الله بن زياد ابن سمعان عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :"كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج غير تمام". قال: فقال له رجل: يا أبا هريرة إني أكون أحياناً وراء الإمام؟ قال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول:" قال الله ﵎: قسمت هذه السورة بيني وبين عبدي فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل

стр. 172

فإذا قال العبد بسم الله الرحمن الرحيم قال الله ذكرني عبدي وإذا قال الحمد لله رب العالمين قال الله ﵎ حمدني عبدي ". وذكر باقي الحديث، قال أبو عبد الله: هذا حديث مخرج في الصحيح من حديث العلاء بن عبد الرحمن ولا اعلم أحداً ذكر فيه قراءة بسم الله الرحمن الرحيم غير آدم بن أبي إياس عن ابن سمعان" (١). أقول: هذه الزيادة منكرة، باطلة .. انفرد بها عبد الله بن سليمان بن سمعان المخزومي وهو متروك الحديث اتهم بالكذب (٢). ولا أدري كيف عده الحاكم ثقة؟!. وقد أخرجه الدارقطني ١/ ٣١٢ بالسند نفسه ثم قال:"ابن سمعان هو عبد الله بن زياد بن سمعان: متروك الحديث وروى هذا الحديث جماعة من الثقات عن العلاء بن عبد الرحمن منهم مالك بن أنس وابن جريج وروح بن القاسم وابن عيينة وابن عجلان والحسن بن الحر وأبو أويس وغيرهم على اختلاف منهم في الإسناد واتفاق منهم على المتن فلم يذكر أحد منهم في حديثه:" بسم الله الرحمن الرحيم "، واتفاقهم على خلاف ما رواه ابن سمعان أولى بالصواب ". المثال السادس: وقال أيضاً:"حدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، قال: أخبرنا الحسن بن علي بن زياد قال: حدثنا إبراهيم بن موسى الفراء قال: حدثنا بقية عن الوضين بن عطاء عن محفوظ بن علقمة عن عبد الرحمن بن عائذ عن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ قال: "إن السه وكاء العين فمن نام فليتوضأ ".قال أبو عبد الله: هذا حديث مروي من غير وجه لم يذكر فيه فمن نام فليتوضأ غير إبراهيم بن موسى الرازي وهو ثقة مأمون سمعت أبا الحسين محمد ابن أحمد بن تميم الحنظلي يقول: سمعت أبا إسماعيل محمد بن إسماعيل السلمي يقول: قلت لأحمد بن حنبل: كتبت عن إبراهيم بن موسى الصغير قال لا تقل الصغير وهو كبير هو كبير" (٣). أقول: لم ينفرد إبراهيم فيها بل توبع عليها، إذ أخرج أحمد في مسنده ١/ ١١١ قال:"حدثنا على بن بحر قال: حدثنا بقية بن الوليد الحمصي قال: حدثني الوضين بن عطاء

стр. 173

عن محفوظ بن علقمة عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي عن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ قال:"إنّ السه وكاء العين فمن نام فليتوضأ "، وعلي بن بحر بن برّي البغدادي: ثقة فاضل (١). المثال السابع: وقال:"حدثنا أبو حامد أحمد بن محمد الخطيب بمرو قال: حدثنا إبراهيم بن العلاء قال: حدثنا نصر بن حاجب قال: حدثنا مسلم بن خالد عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :"إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة قيل: يا رسول الله ولا ركعتي الفجر؟ قال: ولا ركعتي الفجر".قال أبو عبد الله: هذا حديث مخرج في الصحيح من حديث عمرو بن دينار بإسناده إلا الزيادة فيه فإنه يتفرد بها نصر بن حاجب عن مسلم بن خالد" (٢). أقول: لا يصح هذا المثال: فقد توبع نصر بن حاجب المروزي برواية ابنه يحيى عند البيهقي ٢/ ٤٨٣،وابن عدي في الكامل ٧/ ٢٤٦ في ترجمة يحيى بن نصر. ونصر بن حاجب المروزي القرشي الخراساني: قال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال النسائي: فيه ليس بالقوي (٣). ويحيى-ابنه -:قال ابن عدي: أرجو أنه لابأس به، وقال العقيلي: منكر الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات (٤). المثال الثامن: وقال:"سمعت أبا بكر بن إسحاق الإمام يقول: حدثني أبو علي الحافظ فسألت أبا علي فحدثني قال: حدثنا إسحاق بن أحمد بن إسحاق الرقي قال: حدثنا أبو يوسف محمد بن أحمد بن الحجاج الرقي قال: حدثنا عيسى بن يونس قال: حدثنا ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ :"أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها وشاهدي عدل فنكاحها باطل فإن دخل بها فلها المهر وان اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له ".قال أبو عبد الله: هذا حديث محفوظ من حديث ابن جريج عن سليمان بن موسى الأشدق فأما ذكر

стр. 174

الشاهدين فيه فأنا لم نكتبه إلا عن أبي علي بهذا الإسناد " (١). أقول: لقد توبع أبو علي برواية إسحاق بن أحمد بن إسحاق الرقي عن عيسى بن يونس تابعه أبو حامد محمد بن هارون الحضرمي قال: أخبرنا سليمان بن عمر بن خالد الرقي قال: أخبرنا عيسى بن يونس ... أخرجه الدارقطني ٣/ ٢٢٥ - ٢٢٦. وقد توبع عيسى بن يونس أيضاً، تابعه: حفص بن غياث عن ابن جريج عند ابن حبان في صحيحه ٩/ ٣٨٦،ثم قال:"لم يقل أحد في خبر ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري هذا"شاهدي عدل"إلا ثلاثة أنفس سعيد بن يحيى الأموي عن حفص بن غياث وعبد الله بن عبد الوهاب الحجبي عن خالد بن الحارث وعبد الرحمن بن يونس الرقي عن عيسى بن يونس ولا يصح في ذكر الشاهدين غير هذا الخبر ". أقول: فخرج عن كونه زيادة إلى مختلف الحديث. المثال التاسع: وقال: " أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي بمرو قال: حدثنا محمد ابن عيسى الطرسوسي قال: حدثنا سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن زيد عن سماك بن عطية عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس قال:"أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلا الإقامة قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة فإنه قالها مرتين ". قال أبو عبد الله: هذا حديث رواه الناس عن أيوب فلم يذكر الزيادة من تثنية قد قامت الصلاة غير سماك بن عطية البصري وهو ثقة" (٢). أقول: لم ينفرد سماك بهذه الزيادة بل تابعه معمر بن راشد عند عبد الرزاق في المصنف ١/ ٤٦٤،وابن خزيمة في صحيحه ١/ ١٩٤،والبيهقي في الكبرى ١/ ٤١٣. وقد عدها الحافظ ابن حجر زيادة إذ قال:"وأخرجه أبو عوانة في صحيحه والسراج في مسنده وكذا هو في مصنف عبد الرزاق وللإسماعيلي من هذا الوجه ويقول:"قد قامت الصلاة مرتين "، والأصل أن ما كان في الخبر فهو منه حتى يقوم دليل على خلافه ولا دليل في رواية الإسماعيلي لأنه إنما يتحصل منها أن خالداً كان لا يذكر الزيادة وكان أيوب يذكرها وكل منهما روى الحديث عن أبي قلابة عن أنس فكان في رواية

стр. 175

أيوب زيادة من حافظ فتقبل والله أعلم " (١). المثال العاشر: وقال:"أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد الداربردي بمرو، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى القاضي قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن حميد عن أنس قال: " نهى رسول الله ﷺ عن بيع الثمر حتى يزهى قيل: وما زهوه؟ قال: يحمر أو يصفر أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يستحل أحدكم مال أخيه؟ ".قال أبو عبد الله: هذه الزيادة في هذا الحديث "أرأيت أن منع الله الثمرة"عجيبة فإن مالك بن أنس ينفرد بها، ولم يذكرها غيره، علمي في هذا الخبر. وقد قال بعض أئمتنا: إنها من قول أنس فسمعت الشيخ أبا بكر بن إسحاق يقول: رأيت مالك بن أنس في المنام شيخاً أسمر طوالاً، فقلت: أحدثكم حميد الطويل عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يستحل أحدكم مال أخيه؟ قال: نعم" (٢). أقول: مالك بن أنس لم ينفرد بذكر هذه الزيادة فقد تابعه عليها عبد العزيز بن محمد الدراوردي عند مسلم في الصحيح ٣/ ١١٩٠ (١٥٥٥)، وسليمان بن بلال القرشي التيمي، عند أبي عوانة ١/ ٣٣٤ (٥٢٠٥)، ويحيى بن أيوب المقابري عند الطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٢٤. فهذه ليست زيادة وإنما هي من باب مختلف الحديث كما سلف، وسيأتي تفصيل القول فيها لاحقاً. ثانياً: مناقشة أمثلة الخطيب البغدادي: المثال الأول: قال في الكفاية:"ومن الأحاديث التي تفرد بعض رواتها بزيادة فيها توجب زيادة حكم ما أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن محمد الأصبهاني الحافظ بنيسابور قال: أنبأنا أبو عمرو بن حمدان قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه، قال: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن أبي زائدة عن سعد بن طارق قال: حدثني ربعي بن حراش عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ :" فضلنا على الناس بثلاث جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض مسجداً وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء"،وذكر

стр. 176

خصلة أخرى قوله:"وجعلت تربتها لنا طهوراً ":زيادة لم يروها فيما أعلم - غير سعد بن طارق عن ربعي بن حراش فكل الأحاديث لفظها وجعلت لنا الأرض مسجداً وطهوراً " (١). أقول: هذا الحديث لا يصح التمثيل به، إذ تفرد أبو مالك الأشجعي بجملة الحديث عن شيخه: ربعي بن حراش، فلم يروه عنه إلا أبو مالك. قال ابن حجر:"وهذا التمثيل ليس بمستقيم - أيضاً - لأن أبا مالك قد تفرد بجملة الحديث عن ربعي بن حراش ﵁ كما تفرد برواية جملة ربعي عن حذيفة ﵁ " (٢). وقد رواه عن أبي مالك: محمد بن فضيل، أخرجه مسلم ١/ ٣٧١ (٥٢٢)،وابن خزيمة ١/ ١٣٣ (٢٦٤). ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة: عند مسلم أيضا المساجد ١/ ٣٧١ (٥٢٢)،وأبو معاوية الضرير: عند أحمد ٥/ ٣٨٨. وقد وقع الخطيب البغدادي في وهم كبير إذ قال في تأريخ بغداد ١٠/ ١٢١: "تفرد به أبو عوانة وأخرجه مسلم بن الحجاج في صحيحه ". والإمام مسلم لم يخرجه من طريق أبي عوانة أصلاً، ولم يتفرد به أبو عوانة كما سلف! (٣). المثال الثاني: وقال:" أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال: أنبأنا عثمان بن أحمد الدقاق قال: حدثنا الحسن بن مكرم بن حسان، قال: حدثنا عثمان بن عمر قال: حدثنا مالك بن مغول عن الوليد بن العيزار عن أبي عمرو الشيباني عن عبد الله بن مسعود قال: سألت رسول الله ﷺ أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة في أول وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين".قوله: في أول وقتها زيادة لا نعلم رواها في حديث ابن مسعود إلا عثمان بن عمر عن مالك بن مغول وكل الرواة قالوا عن مالك

стр. 177

الصلاة لوقتها، وأما فصل من فصل بين أن تكون الزيادة في الخبر من رواية راويه بغير زيادة، وبين أن تكون من رواية غيره، فإنه لا وجه له، لأنه قد يسمع الحديث متكرراً تارة بزيادة وتارة بغير زيادة كما يسمعه على الوجهين من راويين وقد ينسى الزيادة تارة فيرويه بحذفها مع النسيان لها والشك فيها ويذكرها فيرويها مع الذكر واليقين وكما أنه لو روى الحديث ونسيه فقال: لا أذكر أني رويته! وقد حفظ عنه ثقة وجب قبوله برواية الثقة عنه، فكذلك هذا وكما لو روى حديثاً مثبتاً لحكم وحديثاً ناسخاً له وجب قبولهما، فكذلك حكم خبره إذا رواه تارة زائداً وتارة ناقصاً وهذه جملة كافية" (١). أقول: وقد توبع مالك بن مغول بروايته عن الوليد بن العيزار تابعه شعبة بن الحجاج عند الدارقطني ١/ ٢٤٦، والحاكم ١/ ٣٠٠، والبيهقي ١/ ٤٣٤.فلا يصح التمثيل به. المثال الثالث: قال: عند موضوع تعارض الوصل الإرسال: " مثال ذلك ما أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن يوسف الصياد قال: حدثنا أحمد بن يوسف بن خلاد قال: حدثنا الحارث بن محمد التميمي قال: حدثنا الحسن بن قتيبة، قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ :"لا نكاح إلا بولي". أخبرناه أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم قال: حدثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي قال: حدثنا أحمد بن خالد الوهبي قال: حدثنا إسرائيل (ح)،وأخبرنا أبو سعيد أيضا وأبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن عثمان الطرازي قالا: حدثنا أبو العباس الأصم قال: حدثنا أحمد بن عبد الحميد الحارثي قال: حدثنا طلق بن غنام قال: حدثنا إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ :" لا نكاح إلا بولي". وقال طلق: حدثنا قيس بن الربيع عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ مثله. أخبرنا أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن عبد الله البزاني بأصبهان قال: أنبأنا عبد الله بن الحسن بن بندار المديني قال: حدثنا أسيد بن عاصم قال: حدثنا الحسين بن حفص

стр. 178

قال: حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن أبي بردة قال: قال رسول الله ﷺ :"لا نكاح إلا بولي". أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي طاهر الدقاق قال: أخبرنا أحمد بن سلمان النجاد قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال: حدثنا محمد بن جعفر غندر قال: حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي ﷺ قال:"لا نكاح إلا بولي". وكان: (يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وابنه إسرائيل، وقيس بن الربيع) يروون هذا الحديث عن أبي إسحاق مسنداً متصلاً وكان: (سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج) يرويانه عن أبي إسحاق مرسلاً ... .. أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب قال: أخبرنا محمد بن نعيم الضبي قال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى يقول: سمعت محمد بن هارون المكي يقول: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري وسئل عن حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه عن النبي ﷺ قال:" لا نكاح إلا بولي" فقال: الزيادة من الثقة مقبولة، وإسرائيل بن يونس ثقة وان كان شعبة والثوري أرسلاه فإن ذلك لا يضر الحديث ". أقول: يبدو من خلال هذا المثال اضطراب المتأخرين في فهم منهج المتقدمين بشكل واضح فالحديث ليس فيه زيادة ثقة. إسرائيل لم ينفرد بوصله فقد تابعه جماعة من الأثبات كما ذكره كل من تحدث عن هذا الحديث حتى الخطيب نفسه، فالذين وصلوه، هم:"أبو عوانة، وزهير بن معاوية، وشريك النخعي، وتمام العشرة من أصحاب أبي إسحاق " (١) والذين أرسلوه"شعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري". فهذا من قبيل مختلف الحديث لذا قال الترمذي:"وحديث أبي موسى حديث فيه اختلاف: رواه إسرائيل وشريك بن عبد الله وأبو عوانة وزهير بن معاوية وقيس بن الربيع عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ ،وروى أسباط بن محمد وزيد بن حباب عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ ،وروى أبو عبيدة الحداد عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ نحوه ولم يذكر فيه عن أبي إسحاق وقد روى عن يونس بن أبي

стр. 179

إسحاق عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ أيضاً، وروى شعبة والثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي ﷺ :"لا نكاح إلا بولي" وقد ذكر بعض أصحاب سفيان عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى ولا يصح. ورواية هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ لا نكاح إلا بولي عندي أصح لأن سماعهم من أبي إسحاق في أوقات مختلفة وإن كان شعبة والثوري أحفظ وأثبت من جميع هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق هذا الحديث فإن رواية هؤلاء عندي أشبه لأن شعبة والثوري سمعا هذا الحديث من أبي إسحاق في مجلس واحد ومما يدل على ذلك ما حدثنا محمود بن غيلان قال: حدثنا أبو داود قال: أنبأنا شعبة قال: سمعت سفيان الثوري يسأل أبا إسحاق أسمعت أبا بردة يقول: قال رسول الله ﷺ :"لا نكاح إلا بولي"؟ فقال: نعم، فدل هذا الحديث على أن سماع شعبة والثوري عن مكحول هذا الحديث في وقت واحد، وإسرائيل هو ثقة ثبت في أبي إسحاق سمعت محمد بن المثنى يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول ما فاتني من حديث الثوري عن أبي إسحاق الذي فاتني إلا لما اتكلت به على إسرائيل لأنه كان يأتي به أتم" (١). ثم أقول: زيادة الثقة: هو أن يزيد ثقة واحد على غيره " جماعة ". أما هذا الحديث فقد زاد جماعة على اثنين فهل يسمى هذا زيادة ثقة؟ - بمفهوم المتأخرين - حتى نستدل به على صحة القول؟ ثالثاً: مناقشة أمثلة الحافظ ابن الصلاح: المثال الأول: مثل أولاً بحديث:"تربتها طهوراً " (٢)،ومر بيان ذلك في أمثلة الخطيب. المثال الثاني: قال:"مثاله ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر ﵁:" أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين "،فذكر أبو عيسى الترمذي أن مالكاً تفرد من بين الثقات بزيادة قوله من المسلمين وروى عبيد الله بن عمر وأيوب وغيرهما هذا الحديث عن نافع عن بن عمر دون هذه الزيادة فأخذ بها

стр. 180

غير واحد من الأئمة واحتجوا بها منهم الشافعي وأحمد ﵃ والله أعلم" (١). أقول: لم يتفرد الإمام مالك بهذه الزيادة أصلاً فقد تابعه جمع من الثقات، وهم: ١ - عمر بن نافع مولى ابن عمر: أخرجه البخاري في الصحيح (١٥٠٣)،والنسائي ٥/ ٤٨، وفي الكبرى ٢/ ٢٥ برقم (٢٢٨٧)،وابن حبان ٨/ ٩٦،والدارقطني ٢/ ١٣٩،والبيهقي في الكبرى ٤/ ١٦٢. ٢ - الضحاك بن عثمان: أخرجه مسلم في ٢/ ٦٧٨ (٩٨٤)،وابن خزيمة في الصحيح ٤/ ٨٣، وابن حبان في صحيحه ٨/ ٩٥،والدارقطني ٢/ ١٣٩،والبيهقي في الكبرى ٤/ ١٦٢. ٣ - عبد الله بن عمر العمري: أبو داود (١٦١٢)،والدارقطني ٢/ ١٤٠ و ١٤٤،والحاكم في المستدرك ١/ ٥٦٩. ٤ - عبيد الله بن عمر العمري: أخرجه أبو داود (١٦١٢)،وأحمد ٢/ ٦٦ و ١٣٧،والدارقطني ٢/ ١٣٩، والبيهقي في الكبرى ٤/ ١٦٦. ٥ - أيوب السختياني: أخرجه الدارقطني ٢/ ١٣٩. ٦ - يونس بن يزيد: أخرجه الدارقطني ٢/ ١٣٩. ٧ - كثير بن فرقد: أخرجه الدارقطني ٢/ ١٤٠،والبيهقي ٤/ ١٦٢. ٨ - عبد الله بن عمر ومالك-كلاهما-أخرجه ابن الجارود، في المنتقى ٢/ ٩٧،والبيهقي في الكبرى ٤/ ١٦٣. ٩ - ابن أبي ليلى: أخرجه الدارقطني ٢/ ١٤٠. ١٠ - المعلى بن إسماعيل: أخرجه الدارقطني ٢/ ١٤٠. فهؤلاء جميعاً تابعوا مالكاً في حديثه، بل الصواب أنّ مالكاً قد تابعهم كما صنع البخاري إذ قدم رواية عبيد الله بن نافع على رواية مالك بن أنس. وحري بي أن أنبه إلى أنّ الحافظ ابن رجب الحنبلي وهو من الذين يشترطون القرائن لقبول الزيادة -كما سيأتي- لما رد على من يزعم أن الإمام أحمد بن حنبل يقبل الزيادة مطلقاً، لم يتكلم على خطأ المثال أصلاً، وإنما إكتفى بنفي ذلك، أو بتأويله، فأردت إتمام الفائة ههنا، فمثلاً:
следующие страницы →