الشبهة الثامنة:
قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ (هود:١٢٠)، والمولد النبوي الشريف يشتمل على أنباء النبي ﵌ وفي ذكره تثبيت لأفئدة المؤمنين.
الجواب:
١ - لا علاقة لهذه الآية بالمولد كما هو ظاهر.
٢ - تثبيت الفؤاد إنما يكون بما ثبت في القرآن والسنة وليس بالخزعبلات من القصص التي تهز الإيمان بدلًا من تثبيته.
٣ - من المعلوم أن السيرة النبوية وذكر قصص الأنبياء كما هو وارد في القرآن وصحيح السنة مما هو مطلوب طوال العام وبدون طقوس ومظاهر خاصة.
الشبهة التاسعة:
قوله تعالى حكاية عن عيسى بن مريم سدد خطاكم: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤)﴾ (المائدة ١١٤).
وقوله تعالى على لسان سيدنا عيسى ﵇: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ
стр. 72
يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾ (مريم:٣٣).
قالوا: هذه الآية والتي قبلها وغيرهما من الآيات، حافلة بالإشارات إلى ميلاد المسيح ﵇، ومدحه ومزاياه التي مَنَّ الله بها عليه، وهي بمجموعها شاهدة وداعية إلى الاحتفال بهذا الحدث العظيم.
وما كان ميلاد محمد ﵌ بأقل شأنًا من ميلاد عيسى ﵇، بل ميلاد الرسول ﵌ أعظم منه، لأنه ﵌ أكبر نعمة، فيكون ميلاده أيضًا أكبر وأعظم.
الجواب:
١ - إننا أمة الإسلام ليس لنا سوى عيدين لا غير، وما يدعو إليه هؤلاء فيه مشابهة للنصارى ومن المعلوم أن من مقاصد الشرع مخالفتهم في شعائرهم.
٢ - الآية الأولى لا تذكر الاحتفال ولا تدل عليه لا دلالة ولا اقتضاءً، وإنما تتحدث عن المائدة التي أنزلها الله من السماء لبني إسرائيل من أتباع عيسى ﵇.
والمائدة هي: الخوان عليه طعام.
ومعنى الآية كما جاء في تفسير السعدي: أي: يكون وقت
стр. 73
نزولها عيدًا وموسمًا، يتذكر به هذه الآية العظيمة، فتحفظ ولا تنسى على مرور الأوقات وتكرر السنين، كما جعل الله تعالى أعياد المسلمين ومناسكهم مذكرا لآياته، ومنبها على سنن المرسلين وطرقهم القويمة، وفضله وإحسانه عليهم.
٣ - نسأل دعاة الاحتفال عن موعد يوم المائدة في شرع عيسى ﵇؟ فلن يجيبوا، وإن أجابوا نسألهم: متى احتفل به النبي ﵌؟ فلن يجيبوا، وإن أجابوا فسيقولون إنه لم يحتفل.
وعندئذٍ نقول لهم: خير الهدي هدي محمد ﵌، ونقول لهم: «أأنتم أعلم أم رسول الله ﵌؟».
٤ - نطالب المحتفلين بإثبات أن النبي ﵌ احتفل بميلاد عيسى ﵇ طبقًا لفهمهم للآية، وأنَّى لهم ذلك؟!!
وإن كان النبي ﵌ لم يحتفل بميلاد عيسى ﵇ فهل هم أعلم من رسول الله ﵌ بمعنى الآية؟
٥ - الآيات ـ على قولهم ـ حافلة أيضًا بالإشارات إلى موت المسيح ﵇، ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾ (مريم:٣٣). فهل يستدل بها دعاة الاحتفال على جواز الاحتفال بموت النبي ﵌؟
стр. 74
الشبهة العاشرة:
قال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (الفتح:٩).
الجواب:
ليس من توقيره ﵌ أن نبتدع في دينه غير ما شرعه وجاء به، بل التوقير الحق هو اتباع ما أمر به واجتناب ما نهى عنه وقد نهانا عن الابتداع، فوجب اتباعه إيمانًا وتوقيرًا.
الشبهة الحادية عشرة:
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ (الأحزاب: ٥٦).
قالوا: والاحتفال بالمولد تطبيع النفس على كثرة الصلاة عليه ﵌ رجاء أن ينطبع حبه وحب آله في القلوب.
الجواب:
يُستحب الإكثار من الصلاة على النبي ﵌ في كل وقت لما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا»، وقد حث النبي ﵌ على الإكثار من الصلاة عليه في أوقات معينه كيوم الجمعة وبعد الأذان وعند ذكره ﵌ إلى غير تلك الأوقات ومع ذلك لم
стр. 75
يأمر أو يحث على الصلاة عليه في ليلة مولده.
فيجب أن نعمل بما أمر به رسول الله ﵌، ونَرُدّ ما لم يأمر به لأن النبي ﵌ قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» وفي رواية «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (رواه البخاري ومسلم). «فَهُوَ رَدٌّ» أي: مردود على صاحبه.
الشبهة الثانية عشرة:
قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ (آل عمران:١٦٤).
قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ (الإسراء: ١).
الجواب:
الآيتان السابقتان لا تدلان على مشروعية المولد، كما أن المراجع لكتب التفسير يجد لهما سياقات ودلالات أخرى لا تتفق وما أرادوا التدليل عليه، ومن الغريب وضعهم لهاتين الآيتين في
стр. 76
غير موضعهما للتدليل على ما لا تدلا عليه.
وتذكرنا هذه الاستدلالات بمناظرة جرت لابن حزم مع بعضهم فاستدل مناظره بآية لا تدل على المراد، فما كان من ابن حزم إلا أن قال: «إذا كان هذا دليلك فدليلي ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ (الناس: ١).
الشبهة الثالثة عشرة:
يقولون إن الله كَرَّم بعض الأماكن المرتبطة بالأنبياء مثل مقام إبراهيم ﵇ حيث قال تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (البقرة:١٢٥)، وهذا فيه حَثٌ على الاهتمام بكل ما يتعلق بالأنبياء ومنها الاهتمام بيوم مولد النبي ﵌.
الجواب:
١ - العبادات مبناها على التوقيف والإتباع لا على الرأي والابتداع. فما عظمه الله ورسوله ﵌ من زمان أو مكان فإنه يستحق التعظيم وما لا فلا.
والله ﵎ قد أمر عباده أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ولم يأمرهم أن يتخذوا يوم مولد النبي ﵌ عيدًا ويبتدعوا فيه بدعًا لم يؤمروا بها.
стр. 77
وقد صح عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ طَافَ مَعَ مُعَاوِيَةَ ﵁ بِالْبَيْتِ فَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: «لِمَ تَسْتَلِمُ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَسْتَلِمُهُمَا». فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: «لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْبَيْتِ مَهْجُورًا».
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: «صَدَقْتَ» (رواه الإمام أحمد، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح).
فرجع معاوية ﵁ عن رأيه لما استبان له أن رأي ابن عباس موافق لسنة النبي ﵌.
الشبهة الرابعة عشرة:
قول الرسول ﵌ في فضل يوم الجمعة: «إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ» (رواه أبو داود، وصححه الألباني).
قالوا: يؤخذ من قوله ﵌ في فضل يوم الجمعة، وعدّ مزاياه: «فِيهِ خُلِقَ آدَمُ» تشريف الزمان الذي ثبت أنه ميلاد لأي نبي كان من الأنبياء ﵈ فكيف باليوم الذي ولد فيه أفضل
стр. 78
النبيين وأشرف المرسلين ﵌.
الجواب:
١ - جاءت النصوص الشرعية الصريحة الثابتة بفضل يوم الجمعة، واعتباره أحد أعياد المسلمين، واختصاصه بخصائص ليست لغيره، فنحن نقف مع النصوص الشرعية حيث وقفت، ونسير معها حيث اتجهت فالله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر:٧)، ويقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾ (الحجرات:١).
ولا نبيح لأنفسنا أن نشرع تفضيل يوم بعينه، لم يرد النص بتفضيله، إذ لو كان خيرًا لشرع لنا تفضيله، كما شرع لنا تفضيل يوم الجمعة، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (مريم:٦٤).
ولو جاءت نصوص شرعية تنص على فضل يوم ذكرى ميلاد رسول الله ﵌، لكنا بتوفيق الله وهدايته أسرع الناس إلى اعتبار ذلك والأخذ به، امتثالا لقوله تعالى:: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر:٧).
٢ - النبي ﵌ لم يكن يخص يوم الجمعة بشيء من نوافل
стр. 79
الأعمال وقد نهى عن تخصيصه بالصيام وعن تخصيص ليلة الجمعة بالقيام ففي صحيح مسلم» عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵌ قال: «لاَ تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِى وَلاَ تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الأَيَّامِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِى صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ».
وإذا كان النبي ﵌ لم يخص يوم الجمعة بشيء من نوافل الأعمال من أجل أن آدم ﵇ قد خُلِقَ فيه فأي متعلق لدعاة الاحتفال في ذكر ذلك الاستدلال به على جواز الاحتفال بالمولد.
٣ - لماذا نهى رسول الله ﵌ عن صيام يوم الجمعة تطوعًا وحده؟ ولماذا لم يقل إثر إخباره أو فيما بعد: فأقيموا لأبيكم وأبي عيد وجود، أو حلقة ذكر بمناسبة الذكرى نتدارس فيها نعم الله على خلقه، ونذكر فيها العامة، وتكون سنة لمن بعدنا؟
وهل يمكن أن تكون محبة النبي ﵌ لأبيه آدم ﵇ قاصرة أو معدومة؟ أم أن هؤلاء يعلمون ما لم يعلمه النبي ﵌.
الشبهة الخامسة عشرة:
الاستدلال بأن جبريل ﵇ أمر النبي ﵌ ليلة الإسراء والمعراج أن يصلي ركعتين ببيت لحم مولد عيسى ﵇ ثم قال: «أتدري أين صليتَ؟ صليتَ ببيت لحم حيث ولد عيسى ـ
стр. 80
عليه السلام».
الجواب:
ورد في قصة الإسراء أن جبريل ﵇ أمر محمدًا ﵌ بذلك، لكنه لا يصح فهو منكر كما قال الحافظ ابن كثير في تفسيره لسورة الإسراء والألباني في تعليقه على سنن النسائي.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﵌ لما أتى بيت المقدس ليلة الإسراء صلى فيه ركعتين ولم يُصَلّ بمكان غيره ولا زاره، وحديث المعراج فيه ما هو في الصحيح، وفيه ما هو في السنن أو في المسانيد، وفيه ما هو ضعيف، وفيه ما هو من الموضوعات المختلقات مثل ما يرويه بعضهم فيه أن النبي ﵌ قال له جبرائيل: «هذا قبر أبيك إبراهيم انزل فصل فيه، وهذا بيت لحم مولد أخيك عيسى انزل فصل فيه» (١).
٢ - بيت لحم كنيسة من كنائس النصارى ليس في إتيانها فضيلة عند المسلمين سواء كان مولد عيسى ﵇ أو لم يكن.
стр. 81
الشبهة السادسة عشرة:
أن شعراء الصحابة كانوا يقولون قصائد المدح في الرسول ﵌ مثل كعب بن زهير وحسان بن ثابت؛ فكان يرضى عملهم؛ ويكافئهم على ذلك.
الجواب:
لم يُذْكَر عن أحد من شعراء الصحابة ﵃ أنه كان يتقرب إلى الله بإنشاد القصائد في ليلة مولده، وإنما كان إنشادهم في الغالب عند وقوع الفتوح والظفر بالأعداء، وعلى هذا فليس إنشاد كعب بن زهير وحسان بن ثابت وغيرهما من شعراء الصحابة ﵃ بين يدي النبي ﵌ ما يتعلقون به في تأييد بدعة المولد.
الشبهة السابعة عشرة:
أن الموالد اجتماع ذكر وصدقة ومدح وتعظيم للجناب النبوي وهذه أمور مطلوبة شرعًا وممدوحة وجاءت الآثار الصحيحة بها وبالحث عليها.
الجواب:
١ - الإنكار على إقامة المولد ـ وإن كان يحتوي على بعض الأمور المشروعة ـ يرجع إلى ذلك الاجتماع المخصوص بتلك
стр. 82
الهيئة المخصوصة في الوقت المخصوص، وإلى اعتبار ذلك العمل من شعائر الإسلام التي لا تثبت إلا بنص الشارع بحيث يظن العوام والجاهلون بالسنن أن عمل المولد من أعمال القرب المطلوبة شرعًا.
وعمل المولد بهذه القيود بدعة سيئة وجناية على دين الله وزيادة فيه تعد من شرع ما لم يأذن به الله ومن الافتراء على الله والقول في دينه بغير علم.
٢ - نفس نية المولد في ذلك العمل بدعة؛ فالأعمال الصالحة لا تقبل إلا بشرطين كما قال أهل العلم: الإخلاص ومتابعة الرسول ﵌.
الشبهة الثامنة عشرة:
الاحتفال بالمولد النبوي أمر استحسنه العلماء وجرى به العمل في كل صقع فهو مطلوب شرعًا للقاعدة المأخوذة من أثر ابن مسعود ﵁: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح».
الجواب:
١ - المقصود بقول ابن مسعود ﵁:الصحابة؛ لأنه قال هذا القول استدلالًا على إجماع الصحابة على اختيار أبى بكر
стр. 83
الصديق ﵁ للخلافة كما في رواية الحاكم وغيره.
ومن توسع في الاستدلال بهذا الأثر قصد به الإجماع، فقد بوب له جماعةٌ من أهل الحديث في «باب الإجماع»، واستدل به كثير من العلماء على الإجماع.
٢ - لم يحتفل الصحابة ﵃ بالمولد النبوي، فهذا الأثر دليل على عدم جواز الاحتفال به؛ لأن الصحابة ﵃ أجمعوا على عدم الاحتفال به، وهذا يدل على أنهم لم يروه حسنًا، بل رأوه سيئًا، وقد قال عبد الله بن مسعود: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح».
فهذا يدل على أن الاحتفال بالمولد عند الله قبيح وليس حسنًا، ولو علم الصحابة ﵃ فيه خيرًا لسبقونا إليه.
٣ - مَن أول من استحسن المولد من العلماء، هل هم أصحاب رسول الله ﵌؟
قطعًا: لا.
هل هم التابعون؟
قطعًا: لا.
هل هم تابعو التابعين؟
стр. 84
قطعًا: لا.
هل هم قادة الفاطميين والرافضة بمختلف طوائفهم ونحلهم؟
اللهم: نعم.
هل هم أهل الطرق الصوفية؟
اللهم: نعم.
فهل نقبل أمرًا أتى به الفاطميون وغيرهم، ممن يشهد التاريخ الإسلامي بتدنيسهم محيا الإسلام، ونترك ما عليه أصحاب القرون الثلاثة المفضلة، من صحابة وتابعين وعلماء أجلاء، لهم فضلهم في العلم والتقى، والصلاح والاستقامة وسلامة المعتقد، ودقة النظر وصدق الاتباع والاقتداء بمن أمرنا الله تعالى أن نجعله أسوة لنا وقدوة لمسالكنا وهو رسولنا وحبيبنا ونبينا محمد ﵌.
الشبهة التاسعة عشرة:
إذا كان أهل الصليب اتخذوا ليلة مولد نبيهم عيدًا أكبر فأهل الإسلام أولى بالتكريم وأجدر.
الجواب:
١ - لا شك أن الاحتفال بالمولد النبوي واتخاذه عيدًا مبني
стр. 85
على التشبه بالنصارى في اتخاذهم مولد المسيح عيدًا.
وهذا مصداق ما ثبت عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ ﵁ عَنِ النَّبِىِّ ﵌ قَالَ: «لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ». قُلْنَا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟»، قَالَ: «فَمَنْ؟». (رواه البخاري ومسلم).
وإذا عُلم أن عيد المولد مبني على التشبه بالنصارى فليُعلم أيضًا أن التشبه بالنصارى وغيرهم من المشركين حرام شديد التحريم لقول النبي ﵌: «مَنْ تَشَبّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).
الشبهة العشرون:
قياس الاحتفال بالمولد النبوي على ما يقام للرؤساء من الاحتفالات إحياءً للذكرى.
الجواب:
١ - الاحتفال بالمولد النبوي إذا كان بطريق القياس على الاحتفالات بالرؤساء صار النبي ﵌ ملحقًا بغيره وهذا ما لا يرضاه عاقل.
٢ - النبي ﵌ قد قال الله في حقه: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ (الشرح:٤)، فذِكْرُه ﵌ مرفوع في الأذان والإقامة والخطب
стр. 86
والصلوات وفي التشهد والصلاة عليه وفي قراءة الحديث واتباع ماجاء به، فهو أجَلُّ مِن أن تكون ذكراه سنوية فقط.
الشبهة الحادية والعشرون:
إن الاحتفال بالمولد إحياء لذكرى المصطفى ﵌ وذلك مشروع عندنا في الإسلام، فأنت ترى أن أكثر أعمال الحج إنما هي إحياء لذكريات مشهودة ومواقف محمودة.
الجواب:
١ - ما زعموه من أن الاجتماع في المولد لإحياء ذكرى المصطفى ﵌ أمر مشروع في الإسلام هو من التقوّل على الله وعلى رسوله ﵌؛ فإن الله تعالى لم يشرع الاجتماع لإحياء ذكرى المصطفى ﵌ لا في يوم المولد ولا في غيره من الأيام، ولم يشرع ذلك رسول الله ﵌ لا بقوله ولا بفعله.
٢ - إذا كان الأمر كما يزعمون فلماذا لم يفعل النبي ﵌ ولا صحابته الكرام ﵃ شيئًا من ذلك، أم أنهم أوسع منهم علمًا وفهمًا لدين الله .
الشبهة الثانية والعشرون:
عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِى كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا لَوْ
стр. 87
عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لاَتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا».
قَالَ: «أَىُّ آيَةٍ».
قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.
قَالَ عُمَرُ: «قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِى نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِىِّ ﵌ وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ» (رواه البخاري).
الجواب:
١ - في هذا اتباع لليهودي الذي ذكر طبعهم مِن كونهم يحتفلون بالوقائع والحوادث والذي يريد منا المستدلون بهذا الدليل أن نتبعهم فيه.
٢ - لم ينتبه هؤلاء المحتفلون إلى أن عمر ﵁ رغم معرفته بزمان ومكان نزول الآية لم يكترث لقول اليهودي ولم يدفعه هذا لأن يحتفل بذلك اليوم ولا غيره، فهل نتبع هدي الخلفاء الراشدين أم مقولات اليهود، أم أن اليهودي كان أفقه من عمر وصحابة رسول الله ﵌.
стр. 88
الشبهة الثالثة والعشرون:
قال الحافظ ابن كثير أن أول من أحدث ذلك من الملوك صاحب إربل، وكان شهمًا شجاعًا عاقلًا عادلًا.
الجواب:
١ - لم أجد في (البداية والنهاية) أنه أول من أحدث ذلك، بل ذكر ابن كثير أنه كان يعمل المولد فقال: «أَمَّا صَاحِبُ إِرْبِلَ فَهُوَ: الْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ، أَبُو سَعِيدٍ كُوكُبُرِي بْنُ زَيْنِ الدِّينِ عَلِيِّ بْنِ بُكْتِكِينَ أَحَدُ الْأَجْوَادِ وَالسَّادَاتِ الْكُبَرَاءِ وَالْمُلُوكِ الْأَمْجَادِ، لَهُ آثَارٌ حَسَنَةٌ، ... وَكَانَ يَعْمَلُ الْمَوْلِدَ الشَّرِيفَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَيَحْتَفِلُ بِهِ احْتِفَالًا هَائِلًا. وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ شَهْمًا شُجَاعًا بَطَلًا عَاقِلًا عَالِمًا عَادِلًا، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى» (١).
٢ - على فرض أنه أول من أحدث ذلك فالبدعة في الدين لا تقبل من أي أحد كان، وعدالته لا توجب عصمته (٢)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «عادة بعض البلاد أو أكثرها، وقول كثير
стр. 89
من العلماء أو العباد، أو أكثرهم ونحو ذلك ليس يصلح أن يكون معارضًا لكلام رسول الله ﵌ حتى يعارض به» (١).
وأبو بكر ومَن بعده من الخلفاء الراشدين ﵃ لم يحتفلوا وسنتهم أولى بالاتباع من صاحب إربل.
٣ - الإمام ابن كثير في كتابه البداية والنهاية، إنما ينقل التاريخ، ولا يعني نقله لحدث تاريخي، أنه يقرّ ما فيه، وأما ثناؤه على صفات الملك الحميدة، فلا يتناقض مع كون المولد بدعة، فالشخص قد يجمع بين الصواب والخطأ، والسنة والبدعة.
وهذا الملك (كوكبري) كانت لديه بدع أخرى أيضًا، كما قال ابن كثير أنه كان يَعْمَلُ لِلصُّوفِيَّةِ سَمَاعًا مِنَ الظُّهْرِ إِلَى الْفَجْرِ، وَيَرْقُصُ بِنَفْسِهِ مَعَهُمْ (٢).
٤ - حتى لو فُرِضَ أن الإمام ابن كثير أثنى على الملك الذي احتفل بالمولد، فثناؤه كان على حسن قصد الملك، لا على بدعة المولد.
стр. 90
الشبهة الرابعة والعشرون:
الاحتفال بالمولد النبوي تذكير بأهمية صاحب الذكرى الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وأمر الجميع باتباعه، ومن أجل ذلك، ولأن العهد بين زمنهم وزمنه بعيد فإنهم يتخذون من هذا الاحتفال تذكيرًا به وبما جاء به من الحق والخير، الذي سعدت به البشرية حيث أخرجها من ظلمات الشرك والجهل إلى نور التوحيد والعدل، ودفعًا للصبية الصغار وغيرهم من العامة إلى استشعار محبة صاحب هذه الرسالة والالتفاف حول دعوته، ولتذكير الجميع بها على أساس قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الذاريات: ٥٥).
الجواب:
قال الشيخ عطية سالم في تفسير سورة الإنسان من (تتمة أضواء البيان): «من المسلمين من يقول: نعلم أن المولد ليس سنة نبوية ولا طريقًا سلفيًا ولا عمل القرون المشهود لها بالخير، وإنما نريد مقابلة الفكرة بالفكرة والذكريات بالذكرى، لنجمع شباب المسلمين على سيرة سيد المرسلين.
وهنا يمكن أن يقال: إن كان المراد إحياء الذكرى لرسول
стр. 91
الله ﵌ فإن الله تعالى قد تولى ذلك بأوسع نطاق حيث قرن ذكره ﵌ مع ذكره تعالى في الشهادتين، مع كل أذان على كل منارة من كل مسجد، وفي كل إقامة لأداء صلاة، وفي كل تشهد في فرض أو نفل مما يزيد على الثلاثين مرة جهرًا وسرًا، جهرًا يملأ الأفق، وسرًا يملأ القلب والحس.
ثم تأتي الذكرى العملية في كل صغيرة وكبيرة في المأكل باليمين؛ لأنه السُنّة، وفي الملبس في التيامن لأنه السُنّة، وفي المضجع على الشق الأيمن لأنه السُنّة، وفي إفشاء السلام وفي كل حركات العبد وسكناته إذا راعى فيها أنها السُنّة عن النَّبي ﵌.
وإن كان المراد التعبير عن المحبة، والمحبة هي عنوان الإيمان الحقيقي، كما قال ﵌: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (١) فإن حقيقة المحبة طاعة من تحب، وفعل ما يحبه وترك ما لا يرضاه أو لا يحبه.
وإن كان المراد مقابلة فكرة بفكرة. فالواقع أنه لا مناسبة بين السببين ولا موجب للربط بين الجانبين لبعد ما بينهما، كبعد الحق عن الباطل والظلمة عن النور.
стр. 92
ومع ذلك، فإن كان ولا بد فلا مُوجِب للتقييد بزمن معين بل العام كله لإقامة الدراسات في السيرة وتعريف المسلمين الناشئة منهم والعوام وغيرهم بما تريده من دراسة للسيرة النبوية».
الشبهة الخامسة والعشرون:
شيخ الإسلام ابن تيمية استحسن الاحتفال بالمولد النبوي وقال: قد يثاب بعض الناس على فعل المولد.
الجواب:
١ - هذا عين الكذب فشيخ الإسلام ابن تيمية ممن ينكر ذلك ويقول إنه بدعة وهذا نَصُّ كلامه ﵀: «أما اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الأول التي يقال: إنها ليلة المولد، أو بعض ليالي شهر رجب، أو ثامن عشر ذي الحجة، أو أول جمعة من رجب، أو ثامن شوال الذي يسميه الجهال: عيد الأبرار ـ فإنها من البدع التي لم يستحبها السلف الصالح ولم يفعلوها» (١).
стр. 93
٢ - يتعلق أهل البدع بكلام له ﵀ في اقتضاء الصراط المستقيم، ويبترونه، وهذا نَصّ المقصود منه: «ما يحدثه بعض الناس، إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى ﵇، وإما محبة للنبي ﵌، وتعظيمًا، والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد ـ لا على البدع ـ من اتخاذ مولد النبي ﵌ عيدًا، مع اختلاف الناس في مولده، فإن هذا لم يفعله السلف، مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه لو كان خيرًا، ولو كان هذا خيرًا محضًا، أو راجحًا لكان السلف ﵃ أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله ﵌ وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص.
وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره، وإحياء سنته باطنًا وظاهرًا، ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان، فإن هذه طريقة السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وأكثر هؤلاء الذين تجدهم حُرَّاصًا على أمثال هذه البدع، مع ما لهم من حُسن القصد، والاجتهاد الذي يُرجَى لهم بهما المثوبة، تجدهم فاترين في أمر الرسول، عما أُمروا بالنشاط فيه، وإنما هم بمنزلة من يحلي المصحف ولا يقرأ فيه، أو يقرأ فيه ولا يتبعه، وبمنزلة من
стр. 94
يزخرف المسجد، ولا يصلي فيه، أو يصلي فيه قليلًا، وبمنزلة من يتخذ المسابيح والسجادات المزخرفة، وأمثال هذه الزخارف الظاهرة التي لم تشرع، ويصحبها من الرياء والكبر، والاشتغال عن المشروع ما يفسد حال صاحبها.
واعلم أن من الأعمال ما يكون فيه خير، لاشتماله على أنواع من المشروع، وفيه أيضًا شر، من بدعة وغيرها، فيكون ذلك العمل خيرًا بالنسبة إلى ما اشتمل عليه من أنواع المشروع وشرًّا بالنسبة إلى ما اشتمل عليه من الإعراض عن الدين بالكلية كحال المنافقين والفاسقين، وهذا قد ابتلى به أكثر الأمة في الأزمان المتأخرة، فعليك هنا بأدبين:
أحدهما: أن يكون حرصك على التمسك بالسنة باطنًا وظاهرًا، في خاصتك وخاصة من يطيعك. وأَعْرِف المعروف وأَنْكِر المنكر.
الثاني: أن تدعو الناس إلى السنة بحسب الإمكان فإذا رأيت من يعمل هذا ولا يتركه إلا إلى شر منه، فلا تدعو إلى ترك منكر بفعل ما هو أنكر منه، أو بترك واجب أو مندوب تركه أضر من فعل ذلك المكروه، ولكن إذا كان في البدعة من الخير، فعوِّض
стр. 95
عنه من الخير المشروع بحسب الإمكان، إذ النفوس لا تترك شيئًا إلا بشيء، ولا ينبغي لأحد أن يترك خيرًا إلا إلى مثله أو إلى خير منه ...
فتعظيم المولد واتخاذه موسمًا قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده وتعيظمه لرسول الله ﵌ كما قدمته لك أنه يحسُن مِن بعض الناس ما يُستَقْبَح مِن المؤمن المسدد، ولهذا قيل للامام أحمد عن بعض الأمراء إنه أنفق على مصحف ألف دينار ونحو ذلك فقال: «دَعْهُ فهذا أفضل ما أنفق فيه الذهب»، أو كما قال مع أن مذهبه أن زخرفة المصاحف مكروهة.
وقد تأول بعض الأصحاب أنه أنفقها في تجديد الورق والخط، وليس مقصود أحمد هذا وإنما قصده أن هذا العمل فيه مصلحة وفيه أيضا مفسدة كره لأجلها، فهؤلاء إن لم يفعلوا هذا وإلا اعتاضوا الفساد الذي لا صلاح فيه، مثل أن ينفقها في كتاب من كتب الفجور ككتب الأسماء أو الأشعار أو حكمة فارس والروم.
فتفَطّنْ لحقيقةِ الدين وانْظُرْ ما اشتملتْ عليه الأفعال من المصالح الشرعية والمفاسد بحيث تعرف ما ينبغي من مراتب
стр. 96
المعروف ومراتب المنكر حتى تقدم أهمها عند المزاحمة، فإن هذا حقيقة العمل بما جاءت به الرسل.
فإن التمييز بين جنس المعروف وجنس المنكر وجنس الدليل وغير الدليل يتيسر كثيرًا، فأما مراتب المعروف والمنكر ومراتب الدليل بحيث تُقّدَّم عند التزاحم أعْرَفَ المعروفَيْن فتدعو إليه، وتنكر أَنْكَرَ المنكرَيْن، وترجح أقوى الدليلين فإنه هو خاصة العلماء بهذا الدين، فالمراتب ثلاث:
أحدها: العمل الصالح المشروع الذي لا كراهة فيه.
والثانية: العمل الصالح من بعض وجوهه أو أكثرها إما لحسن القصد أو لاشتماله مع ذلك على أنواع من المشروع.
الثالثة: ما ليس فيه صلاح أصلًا إما لكونه تركًا للعمل مطلقًا أو لكونه عملًا فاسدًا محضًا.
فأما الأول فهو سنة رسول الله ﵌ باطنُها وظاهرُها، قولها وعملها، في الأمور العلمية والعملية مطلقًا، فهذا هو الذي يجب تَعَلّمُه وتعليمه والأمر به وفعله على حسب مقتضى الشريعة من إيجاب واستحباب.
والغالب على هذا الضرب (١) هو أعمال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.
وأما المرتبة الثانية فهي كثيرة جدًا في طرق المتأخرين من المنتسبين إلى علم أو عبادة ومن العامة أيضًا، وهؤلاء خيرٌ ممَّنْ لا يعمل عملًا صالحًا مشروعًا ولا غير مشروع، أو من يكون عمله من جنس المحرم كالكفر والكذب والخيانة والجهل ويندرج في هذا أنواع كثيرة.
فمن تعبَّدَ ببعض هذه العبادات المشتملة على نوع من الكراهة كالوصال في الصيام وترك جنس الشهوات ونحو ذلك، أو قصد إحياء ليال لا خصوص لها كأول ليلة من رجب ونحو ذلك، قد يكون حاله خيرًا من حال البطال الذي ليس فيه حرصٌ على عبادة الله وطاعته.
النوع الثالث: ما هو معظم في الشريعة كيوم عاشوراء ويوم عرفة ويومي العيدين والعشر الأواخر من شهر رمضان والعشر الأول من ذي الحجة وليلة الجمعة ويومها والعشر الأول من المحرم ونحو ذلك من الأوقات الفاضلة.
стр. 97
فهذا الضرب قد يحدث فيه ما يعتقد أن له فضيلة وتوابع ذلك ما يصير منكرًا ينهى عنه، مثل ما أحدث بعض أهل الأهواء (١) في يوم عاشوراء من التعطش والتحزن والتجمع وغير ذلك من الأمور المحدثة التي لم يشرعها الله ولا رسوله ﵌ ولا أحد من السلف، لا من أهل بيت رسول الله ﵌ ولا من غيرهم.
لكن لما أكرم الله فيه سبط نبيه (٢) أحد سيدي شباب أهل الجنة وطائفة من أهل بيته بأيدي الفجرة الذين أهانهم الله، وكانت هذه مصيبة عند المسلمين يجب أن تتلقى به أمثالها من المصائب من الاسترجاع المشروع، فأحدث بعض أهل البدع في مثل هذا اليوم خلاف ما أمر الله به عند المصائب وضمُّوا إلى ذلك مِن الكذب والوقيعة في الصحابة البرآء من فتنة الحسين وغيرها أمورًا أخرى مما يكرهها الله ورسوله ﵌» (٣).
٣ - إن ما قاله دعاة الاحتفال بالمولد سببه سوء فهم كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وسيرته فكلامه ﵀ إنما هو في حق من
стр. 98
فعله جاهلًا كما أشار إلى ذلك الشيخ ابن باز ﵀ (١).
٤ - أما قول شيخ الإسلام: «وأكثر هؤلاء الذين تجدهم حُرَّاصًا على أمثال هذه البدع، مع ما لهم من حُسن القصد، والاجتهاد الذي يُرجَى لهم بهما المثوبة ... »، فليس فيه إقرار المولد، ومن ينقل عنه من أهل البدع يبتر كلامه ولا ينقل ما قبله ولا ما بعده.
فقول شيخ الإسلام ليس فيه إلا الإثابة على حسن القصد، وهي لا تستلزم مشروعية العمل الناشئ عنه؛ ولذلك ذكر شيخ الإسلام أن هذا العمل ـ أي الاحتفال بالمولد ـ يستقبح من المؤمن المسدد، وذكر أن اتخاذ المولد عيدًا لو كان خيرًا محضًا أو راجحًا لكان السلف ﵃ أحق به منا؛ لأنهم أشد محبة وتعظيمًا لرسول الله منا.
٥ - شيخ الإسلام صرح في أول تلك العبارة: بأن الداعي للاحتفال بالمولد النبوي قد يكون مضاهاة للنصارى في مولد عيسى ﵇، أي: فيكون غير مشروع لتلك المضاهاة.
وقد يكون الداعي إليه محبة النبي ﵌ فيثاب المحتفل في
стр. 99
هذه الحالة على محبته للنبي ﵌ التي دعته إلى ذلك الاحتفال، لا على بدعة الاحتفال.
٦ - كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ليس فيه إقرارٌ لبدعة المولد، بل كلامه عن فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فإنه فَرَّقَ في تلك العبارة بين مَن يعمل المولد ولا يتركه إلا إلى شر منه، وبين المؤمن المسدّد الذي ليس كذلك، فذكر أن الذي يعمل المولد ولا يتركه إلا إلى شر منه لا يُدعَى إلى تركه؛ لما يترتب على ذلك من ارتكاب ما هو شر منه، وأن المؤمن المسدّد يُسْتَقْبَح منه الاحتفال بالمولد ويجب عليه الحرص على التمسك بالسنة ظاهرًا وباطنًا في خاصته وخاصة من يطيعه.
٧ - ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ما في المواسم المبتدعة ـ من موالد وغيرها ـ من مفاسد راجحة على ما فيها من المنفعة، فقال:
«منها ـ مع ما تقدم من المفسدة الاعتقادية والحالية ـ أن القلوب تستعذبها وتستغني بها عن كثير من السنن، حتى تجد كثيرًا من العامة يحافظ عليها ما لا يحافظ على التراويح والصلوات الخمس.
ومنها: أن الخاصة والعامة تنقص بسببها عنايتهم بالفرائض
стр. 100
والسنن وتفتر رغبتهم فيها، فتجد الرجل يجتهد فيها ويخلص وينيب ويفعل فيها ما لا يفعل في الفرائض والسنن، حتى كأنه يفعل هذه البدعة عبادة، ويفعل الفرائض والسنن عادة ووظيفة، وهذا عكس الدين، فيفوته بذلك ما في الفرائض والسنن من المغفرة والرحمة، والرقة والطهارة والخشوع، وإجابة الدعوة، وحلاوة المناجاة، إلى غير ذلك من الفوائد، وإن لم يفته هذا كله فلا بد أن يفوته كماله.
ومنها: ما في ذلك من مصير المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، وما يترتب على ذلك من جهالة أكثر الناس بدين المرسلين، وانتشار زرع الجاهلية.
ومنها: مسارقة الطبع إلى الانحلال من ربقة الاتباع وفوات سلوك الصراط المستقيم، وذلك أن النفس فيها نوع من الكبر فتحب أن تخرج من العبودية والاتباع بحسب الإمكان، كما قال أبو عثمان النيسابوري ﵀: «ما ترك أحد شيئًا من السنة إلا لكبر في نفسه»، ثم هذا مظنة لغيره فينسلخ القلب عن حقيقة الاتباع للرسول ﵌ ويصير فيه من الكبر وضعف الإيمان ما يفسد عليه دينه أو يكاد، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
стр. 101
ومنها: ما تقدم التنبيه عليه في أعياد أهل الكتاب من المفاسد التي توجد في كلا النوعين المحدثين: النوع الذي فيه مشابهة، والنوع الذي لا مشابهة فيه» (١).
الشبهة السادسة والعشرون:
بالنسبة للمولد النبوي: أنتم تقولون على أنه بدعة، ولكن البدعة تكون بالعبادة، وليست بالعادة وهذه قاعدة شرعية، وأما بالنسبة للذين يرقصون ويحدث عندهم اختلاط أو تبرج وسفور ومهرجانات، هذا حرام بلا شك.
ولكن إذا أحضر الشخص حلوى ووزعها على أهله فما المشكلة؟ وأيضًا إذا الشخص أخذ الاحتفال بالمولد النبوي عبادة فهذا لا يجوز، أما من أخذها عادة يعني الواحد تعوَّد على أنه ليلة المولد يوزع حلوى فما المشكلة فيها؟
ثم كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، أي أن البدعة تؤدي إلى النار، فهل الفرح بذكرى مولد رسول الله ﵌ وتمييز هذا اليوم عن غيره بالفرح لا بالعبادة يؤدي إلى جهنم والعياذ بالله!!! وأيضا إذا الشخص أنجبت زوجته يحضر حلوى بمناسبة
стр. 102
الفرح ويطعم الناس فكيف بذكرى ولادة أفضل الخلق سيدهم وسيدنا محمد ﵌؟!
الجواب:
١ - الاحتفال بمولد النبي ﵌ ليس مجرد عادة، بل إنه أصبح عبادة عند كثير ممن يفعله، لأن الذين يحتفلون بمولد النبي ﵌ يقصدون بذلك القربة، وإن الله تعالى لا يُتَقَرَّبُ إليه إلا بما شرع، وإن التعظيم الحقيقي لرسول الله ﵌ إنما هو في الوقوف عند ما جاء به وعدم الزيادة عليه أو الاستدراك على شريعته.
٢ - وبما أنهم يحتفلون بمولد النبي ﵌ سنويًا فقد أصبح الاحتفال عندهم عيدًا، لأنه يعود ويتكرر كل عام، والأعياد من شعائر الإسلام وهي شريعة من الشرائع فيجب فيها الاتباع وعدم الابتداع.
٣ - اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية وتعظيمه والتوسعة فيه في المأكل والمشرب وإظهار الزينة هو من البدع ومن الإحداث في الدين، وقد نهانا نبينا ﵌ عن الابتداع والإحداث في الدين أشد النهي، وفاعل هذه البدعة غير مأجور على فعله بل مردود على صاحبه لقول النبي ﵌: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا
стр. 103
لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» وفي رواية «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (رواه البخاري ومسلم). «فَهُوَ رَدٌّ» أي: أي مردود على صاحبه وغير مقبول منه.
٤ - الاحتفال بمولد النبي ﵌ ليس من شريعة الإسلام ولم يفعله الصحابة، لا من أهل البيت ولا من غيرهم، مع قيام المقتضي وعدم المانع منه، ولو كان ذلك خيرًا لسبقونا إليه فإنهم كانوا على الخير أحرص، وكانوا أشد محبة وتعظيمًا لرسول الله ﵌.
٥ - قد كانت للنبي ﵌ أيام متعددة، كيوم بدر والخندق وفتح مكة ويوم حنين ويوم هجرته ويوم دخوله المدينة ونحو ذلك، ثم لم يتخذ صحابة رسول الله ﵌ ـ لا من أهل بيته ولا من غيرهم ـ تلك الأيام أعيادًا، وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون حوادث نبي الله عيسى ﵇ مواسم وأعيادًا (١).
٦ - الشخص إذا أنجبت زوجته وأحضر حلوى بمناسبة الفرح وأطعم الناس هذه عادة وليست عبادة، أما إذا كررها كل
стр. 104
عام في نفس الموعد فقد أدخلها في جملة الأعياد التي لا يجوز إحداث شيء منها إلا بدليل من القرآن أو السنة الصحيحة.
أما ذكرى ولادة أفضل الخلق سيدهم وسيدنا محمد ﵌ فيكفينا فيها أن أصحابه ﵃ الذين هم أكثر الناس حبًّا له ومعرفةً لفضله لم يحتفلوا هذا الاحتفال المبتدع.
الشبهة السابعة والعشرون:
ليلة المولد أعظم من ليلة القدر لأن لولاها ما كانت هناك ليلة قدر.
الجواب:
هذا القول لا دليل عليه لا من الكتاب ولا من السنة، ولا نعلم أن أحدًا من الأئمة قال به، بل الثابت أن ليلة القدر هي خير ليالي العام لأن العبادة فيها تعدل عبادة ألف شهر، بل أكثر!!
ومن ادعى غير ذلك فليأتنا بالدليل (١).
стр. 105
الشبهة الثامنة والعشرون:
إذا كان المولد النبوي الشريف بدعة محرّمة كسائر البدع؛ لم سكت عنها العلماء وتركوها حتى ذاعت وشاعت، وأصبحت كجزء من عقائد المسلمين، أليس من الواجب عليهم أن ينكروها قبل استفحال أمرها وتأصلها؟ ولمَ لمْ يفعلوا؟
الجواب:
لقد أنكر هذه البدعة العلماء من يوم ظهورها، وكتبوا في ردها الرسائل، ومن قدر له الإطلاع على كتاب المدخل لابن الحاج عرف ذلك وتحققه.
ومن بين الردود القيمة رسالة الشيح تاج الدين عمر بن علي اللخمي الإسكندري الفقيه المالكي، صاحب شرح الفاكهاني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، وله رسالة سماها (المورد في الكلام على المولد).
ومما قاله في مقدمة هذه الرسالة: «لا أعلم لهذا المولد أصلًا في كتاب ولاسنة، ولم يُنقل عمله عن أحد من علماء الأمة، الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها المبطلون، وشهوة نفس اعتنى بها الأكالون» اهـ.
ولكن الأمم في عصور انحطاطها تضعف عن الاستجابة
стр. 106
لداعي الخير والإصلاح بقدر قوتها على الاستجابة لداعي الشر والفساد، لأن الجسم المريض يؤثر فيه أدنى أذى يصيبه، والجسم الصحيح لا يؤثر فيه إلا أكبر أذى وأقواه.
ومن الأمثلة المحسوسة أن الجدار الصحيح القوي تعجز عن هدمه المعاول والفؤوس، والجدار المتداعي للسقوط يسقط بهبة ريح أو ركلة رجل؛ ولذا فلا يدل بقاء هذه البدعة وتأصلها في المجتمع الإسلامي على عدم إنكار العلماء لها.
الشبهة التاسعة والعشرون:
لماذا صار الاحتفال بالمولد بدعة؛ لأنه لم يكن على عهد النبي ﵌، مع أن تنقيط المصحف أيضا لم يكن على عهد النبي ﵌، ولم يكن بدعة؟
الجواب:
بدعة الاحتفال بالمولد النبوي، محدثة على غير هدي النبي ﵌، وأما تنقيط المصحف فوسيلة لتعليم القراءة الصحيحة، ولم تُفْعل في زمنه ﵌ لعدم الحاجة إليها، وليس لأنّ النبي ﵌ قد تركها قاصدا ذلك، تعبدا لله تعالى بتركها كما فعل ﵌ في تَرْكِه الاحتفال بيوم مولده.
اقرأ (محمد) اقرأ (محمد) اقرأ (محمد)
стр. 107
الصوم
بمناسبة
المولد النبوى
جاء في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة (١/ ٨٩٩) للشيخ عبد الرحمن الجزيري ـ عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف ـ: «ويكره أيضًا صوم يوم المولد النبوي».
وسُئل الشيخ عطية صقر ﵀ هذا السؤال: «ما هو اليوم الذى نصومه بمناسبة المولد النبوى الشريف، وهل إذا صادف يوم جمعة يكون صومه حلالًا؟».
فأجاب: «صيام التطوع مندوبُ لا يختص بزمان ولا مكان، ما دام بعيدًا عن الأيام التى يحرُم صيامها، وهى العيدان وأيام التشريق ويوم الشك على اختلاف للعلماء فيه، والتى يكره صيامها كيوم الجمعة وحده، ويوم السبت وحده.
وهناك بعض الأيام يستحب الصيام فيها كأيام شهر المحرم، والأشهر الحرم، وعرفة وعاشوراء، وكيوم الاثنين ويوم الخميس من كل أسبوع، والثلاثة البيض من كل شهر وهى
стр. 108
الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وستة من شهر شوال، وكثير من شهر شعبان، كما كان يفعل النبى ﵌ وليس من هذه الأيام يوم ذكرى مولد النبى ﵌، والذى اعتاد الناس أن يحتفلوا بها فى اليوم الثانى عشر من شهر ربيع الأول، فلا يندب صومه بهذا العنوان وهذه الصفة، وذلك لأمرين:
أولهما: أن هذا اليوم لم يتفق على أنه يوم ميلاده ﵌، فقد قيل إنه ولد يوم التاسع من شهر ربيع الأول وقيل غير ذلك.
وثانيهما: أن هذا اليوم قد يصادف يومًا يُكْرَه إفراده بالصيام كيوم الجمعة فقد صح فى البخارى ومسلم النهى عنه بقوله ﵌: «لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، إِلّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ».
هذا بخصوص صوم يوم الميلاد النبوى فى كل عام، أما صيام يوم الاثنين من كل أسبوع فكان يحرص عليه النبى ﵌، لأمرين:
أولهما: أنه قال إن الأعمال تعرض على الله فيه وفى يوم الخميس، وهو يحب أن يعرض عمله وهو صائم، كما رواه الترمذى وحسَّنه.
стр. 109
وثانيهما: أنه هو اليوم الذى ولد فيه وبعث فيه كما صح فى رواية مسلم، فكان يصومه أيضًا شكرًا لله على نعمة الولادة والرسالة.
فمن أراد أن يشكر الله على نعمة ولادة النبى ﵌ ورسالته فليشكره بأية طاعة تكون، بصلاة أو صدقة أو صيام ونحوها، وليس لذلك يوم معين فى السنة، وإن كان يوم الاثنين من كل أسبوع أفضل، للاتباع على الأقل، فالخلاصة أن يوم الثانى عشر من شهر ربيع الأول ليس فيه عبادة خاصة بهذه المناسبة، وليس للصوم فيه فضل على الصوم فى أى يوم آخر، والعبادة أساسها الاتباع، وحبُّ الرسول ﵌ يكون باتباع ما جاء به كما قال فيما رواه البخارى ومسلم: «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (١).
اقرأ (محمد) اقرأ (محمد) اقرأ (محمد)
стр. 110
حكم حضور الاحتفالات البدعية للإنكار على أهلها وبيان الحق:
سُئِلَتْ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:
هل يجوز حضور الاحتفالات البدعية، كالاحتفال بليلة المولد النبوي، وليلة المعراج، وليلة النصف من شعبان، لمن يعتقد عدم مشروعيتها لبيان الحق في ذلك؟
فأجابت:
أولًا: الاحتفال بهذه الليالي لا يجوز، بل هو من البدع المنكرة.
ثانيًا: غشيان هذه الاحتفالات وحضورها لإنكارها وبيان الحق فيها، وأنها بدعة لا يجوز فعلها ـ مشروع، ولا سيما في حق مَن يقوى على البيان ويغلب على ظنه سلامته من الفتن، أما حضورها للفرجة والتسلية والاستطلاع فلا يجوز؛ لما فيه من مشاركة أهلها في منكرهم وتكثير سوادهم وترويج بدعتهم (١).