الفقيهة العالمة الفصيحة ﵂.
عَنْ أَبِى مُوسَى الأشعري ﵁ قَالَ: «مَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا ـ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﵌ ـ حَدِيثٌ قَطُّ فَسَأَلْنَا عَائِشَةَ إِلاَّ وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا. (رواه الترمذي وصححه الألباني).
وهي من أكثر الصحابة فتوى، قال ابن حجر ﵀: «أكثر الصحابة فتوى مطلقًا سبعة: عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعائشة رضوان الله تعالى عليهم». (١)
وقال الزُّهريُّ: «لو جُمِع عِلمُ عائشة إلى عِلمِ جميعِ النساء، لكان علمُ عائشةَ أفْضلَ».
وقَالَ عَطَاءُ بنُ أَبِي رَبَاحٍ: كَانَتْ عَائِشَةُ أَفْقَهَ النَّاسِ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَوْ جُمِعَ عِلْمُ عَائِشَةَ إِلَى عِلْمِ جَمِيْعِ النِّسَاءِ، لَكَانَ عِلْمُ عَائِشَةَ أَفْضَلَ (٢).
وقال الذهبي ﵀: «وَلاَ أَعْلَمُ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﵌ بَلْ وَلاَ فِي النِّسَاءِ مُطْلَقًا امْرَأَةً أَعْلَمَ مِنْهَا» (٣).
وعَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَفْصَحَ مِنْ عَائِشَةَ» (رواه الترمذي وصححه الألباني).
العابدة القانتة:
عن عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي قَيْس، قَالَ: أَرْسَلَنِي مُدْرِكٌ إِلَى عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنْ أَشْيَاءَ، قَالَ: فَأَتَيْتُهَا، فَإِذَا هِيَ تُصَلِّي الضُّحَى، فَقُلْتُ: أَقْعُدُ حَتَّى تَفْرُغَ، فَقَالُوا: هَيْهَاتَ» (رواه الإمام أحمد وصححه الأرنؤوط).
أي متى ستفرغ من صلاتها! أي من شدة طولها.
ومن وصاياها ﵂:
قَالَتْ: «عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ كَانَ لَا يَدَعُهُ، فَإِنْ مَرِضَ قَرَأَ وَهُوَ قَاعِدٌ» (رواه الإمام أحمد وصححه الأرنؤوط).
стр. 37
أشعار
في الدفاع
عن أمنا عائشة ﵂ -
قال: موسى بن محمد بن عبد الله الواعظ الأندلسي ﵀ على لسان عائشة الصديقة بنت الصديق (١):
ما شَانُ أُمِّ المؤمنين وشَاني (٢)
هُدِيَ المُحِبُّ لها وضَلَّ الشَّاني (٣)
إِنِّي أَقُولُ مُبيِّنًا عَنْ فَضْلِها
ومُتَرْجِمًا عَنْ قَوْلِها بِلِسَاني
يا مُبْغِضِي لا تَأتِ قَبْرَ مُحَمَّدٍ ...
وبَرَاءَتِي في مُحكمِ القُرآنِ
واللهُ حَفَّرَني (١) وعَظَّمَ حُرْمَتي
وعلى لِسَانِ نبِيِّهِ بَرَّاني
واللهُ وبَّخَ منْ أراد تَنقُّصي
إفْكًا وسَبَّحَ نفسهُ في شاني
إني لَمُحْصَنةُ الإزارِ بَرِيئَةُ
ودليلُ حُسنِ طَهارتي إحْصاني
واللهُ أحصنَني بخاتِمِ رُسْلِهِ
وأذلَّ أهلَ الإفْكِ والبُهتانِ
وسَمِعْتُ وَحيَ الله عِندَ مُحمدٍ
من جِبْرَئيلَ ونُورُه يَغْشاني
أَوْحى إليهِ وكُنتَ تَحتَ ثِيابِهِ
فَحَنى عليَّ بِثَوْبهِ وخبَاني (٢) ...
стр. 40
مَنْ ذا يُفاخِرُني وينْكِرُ صُحبتي
ومُحَمَّدٌ في حِجْره رَبَّاني؟
وأخذتُ عن أبوي دينَ محمدٍ
وهُما على الإسلامِ مُصطَحِبانيِ
وأبي أقامَ الدِّين بَعْدَ مُحمدٍ
فالنَّصْلُ نصلي والسِّنان سِناني
والفَخرُ فخري والخلافةُ في أبي
حَسبي بهذا مَفْخَرًا وكَفاني
وأنا ابْنَةُ الصِّديقِ صاحبِ أحمدٍ
وحَبيبهِ في السِّرِّ والإعلانِ
نصرَ النبيَّ بمالهِ وفِعاله
وخُروجهِ مَعَهُ من الأوطانِ
وهو الذي لم يخشَ لَومةً لائمٍ
في قتلِ أهلِ البَغْيِ والعُدوانِ
سَبقَ الصَّحابةَ والقَرابةَ للهدى
هو شَيْخُهُم في الفضلِ والإحسانِ ...
стр. 41
ويلٌ لِعبدٍ خانَ آلَ مُحمدٍ
بعَداوةِ الأزواجِ والأختانِ (١)
طُوبى لمن والى جماعةَ صحبهِ
ويكون مِن أحبابه الحسنانِ (٢)
بينَ الصحابةِ والقرابةِ أُلْفَةٌ
لا تستحيلُ بنزغَةِ الشيطانِ
هُمْ كالأَصابعِ في اليدينِ تواصُلًا
هل يستوي كَفٌ بغير بَنانِ؟
رُحماء بينهمُ صفت أخلاقُهُمْ
وخلت قُلُوبهمُ من الشنآن
فدُخولهم بين الأحبة كُلفةٌ (٣)
وسبابهم سببٌ إلي الحرمان
من حبَّني فليجتنِب مَن سَبَّني ...
стр. 42
إن كانَ صان محبتي ورعاني
إني لطيبةُ خُلقتُ لطيب
ونساءُ أحمدَ أطيبُ النِّسوان
إني لأمُ المؤمنين فمن أبى
حُبي فسوف يبُوءُ بالخسران
اللهُ حببني لِقلبِ نبيه
وإلي الصراطِ المستقيمِ هداني
صِلْ أمهاتِ المؤمنين ولا تَحُدْ
عنَّا فتُسلب حُلة الإيمان
صلَّى الإلهُ على النبي وآله
فبهمْ تُشمُّ أزهرُ البُستانِ
стр. 43
قال القحطاني ﵀ في نونيته:
أكْرِمْ بعائشةَ الرضَى مِن حُرَّةٍ
بِكْرٍ مُطهَّرةِ الإزارِ حَصَانِ (١)
هِيَ زوْجُ خيرِ الأنبياءِ وبِكْرُهُ
وعروسُه مِن جمُلةِ النِّسوانِ
هِي عُرْسُه هي أُنْسُه هي إلْفُهُ
هي حِبُّه صِدْقًا بلا إدْهانِ (٢)
стр. 44
أُمّاهُ عُذْرًا
قصيدة في الدفاع
عن أم المؤمنين عائشة ﵂ -
قصيدة في الدفاع عن أم المؤمنين عائشة ﵂، الذي آذاها الرافضي الخبيث الذي أقام مؤتمرا للروافض في لندن للطعن فيها.
قال أبو عبدالله:
أُمَّاهُ عُذْرًا منْ أَخِ الشَّيطانِ
ذاكَ الخبيثُ الفاجرُ) الإيراني)
أُمَّاهُ عُذْرًا حينما يَهذو الجبانِ
سَبَّ المقامَ العاليَ الأركانِ
أَوَلستِ أَنْتِ من حَباها ربُّنا
بالآيِ تَشْهَدُ سُورةُ القُرآنِ
في (النُّور) أعلَنَ ربُّنا بِكتابِهِ
للإِنسِ تُتلى آيُها والجانِ ...
стр. 45
أمَّاه عُذرا لو تمادى (ياسرٌ)
كَلْبُ الرَّوافِضِ أخبثُ الحيوانِ
سَبَّ الحُميراءَ التي من حُسْنِها
ماتَ النَّبيُّ بِحُضنها بأمان
حَشَدَ الرجالَ مع النِّساءِ ليَحْفَلوا
في لندنٍ وبحَضْرةِ الصِّبْيانِ
حَشَدوا لأجلِكِ أُمَّنَا كَيْ يَفْرحوا
بالنَّيْل مِنْك عَمائِمَ الشَّيطانِ
يا زُمْرَةَ الشيطانِ دونَكِ ربُّنا
هو من يذودُ مٌنَزِّلُ الفُرقانِ
هو من يذودُ عنِ النَّبيِّ وآلِهِ
مِن كُلِّ كلبٍ عابدِ الأوثانِ
стр. 46
كشف
افتراءات الشيعة
حول أم المؤمنين عائشة ﵂ -
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
«إن أهل السُّنَّة قائمون بالقسط شهداء لله، وقولهم حق وعدل لا يتناقض، أما الرافضة وغيرهم من أهل البدع ففي أقوالهم الباطل والتناقض، وذلك أن أهل السنة عندهم أن أهل بدر كلهم في الجنة، وكذلك أمهات المؤمنين: عائشة وغيرها، وأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة والزبير هم سادات أهل الجنة بعد الأنبياء.
وأهل السُّنة يقولون: إن أهل الجنة ليس من شرطهم سلامتهم عن الخطأ، بل ولا عن الذنب، بل يجوز أن يُذنب الرجل منهم ذنبًا صغيرًا أو كبيرًا ويتوب منه. وهذا مُتّفق عليه بين المسلمين، ولو لم يتب منه فالصغائر مغفورة
стр. 47
باجتناب الكبائر عند جماهيرهم، بل وعند الأكثرين منهم أن الكبائر قد تُمحى بالحسنات التي هي أعظم منها، وبالمصائب المُكفِّرة وغير ذلك.
وإذا كان هذا أصلهم فيقولون: ما يُذكر عن الصحابة من السيئات كثير منه كذب، وكثير منه كانوا مجتهدين فيه، ولكن لم يعرف كثير من الناس وجه اجتهادهم، وما قُدِّر أنه كان فيه ذنب من الذنوب لهم فهو مغفور لهم: إما بتوبة، وإما بحسنات ماحية، وإما بمصائب مكفّرة، وإما بغير ذلك، فإنه قد قام الدليل الذي يجب القول بموجبه: أنهم من أهل الجنة، فامتنع أن يفعلوا ما يُوجب النار لا محالة، وإذا لم يمُتْ أحد منهم على موجب النار لم يقدح ما سوى ذلك في استحقاقهم للجنة.
ونحن قد علمنا أنهم من أهل الجنة، ولو لم يُعلم أن أولئك المعينين في الجنة لم يَجُزْ لنا أن نقدح في استحقاقهم للجنة بأمور لا نعلم أنها تُوجب النار، فإن هذا لا يجوز في آحاد المؤمنين الذين لم يُعلم أنهم يدخلون الجنة، ليس لنا أن
стр. 48
نشهد لأحد منهم بالنار لأمور محتملة لا تدل على ذلك، فكيف يجوز مثل ذلك في خيار المؤمنين، والعلم بتفصيل أحوال كل واحد منهم باطنًا وظاهرًا، وحسناته وسيئاته واجتهاداته، أمر يتعذر علينا معرفته؟ فكان كلامنا في ذلك كلامًا فيما لا نعلمه، والكلام بلا علم حرام، فلهذا كان الإمساك عمّا شجر بين الصحابة خيرًا من الخوض في ذلك بغير علم بحقيقة الأحوال، إذ كان كثير من الخوض في ذلك ـ أو أكثره ـ كلامًا بلا علم، وهذا حرام لو لم يكن فيه هوى ومعارضة الحق المعلوم، فكيف إذا كان كلامًا بهوى يُطلب فيه دفع الحق المعلوم؟
فمن تكلم في هذا الباب بجهل أو بخلاف ما يعلم من الحق كان مستوجبًا للوعيد، ولو تكلم بحق لقصد اتباع الهوى لا لوجه الله تعالى، أو يُعارض به حقًا آخر، لكان أيضًا مستوجبًا للذم والعقاب ... ومن عَلِمَ ما دلَّ عليه القرآن والسُّنة من الثناء على القوم، ورضا الله عنهم، واستحقاقهم الجنة، وأنهم خير هذه الأمة التي هي أخرجت
стр. 49
للناس ـ لم يعارض هذا المتيقن المعلوم بأمور مشتبهة: منها ما لا يُعلم صحته، ومنها ما يتبين كذبه، ومنها ما لا يُعلم كيف وقع، ومنها ما يُعلم عذر القوم فيها، ومنها ما يُعلم توبتهم منه، ومنها ما يُعلم أن لهم من الحسنات ما يغمره، فمن سلك سبل أهل السُّنة استقام قوله، وكان من أهل الحق والاستقامة والاعتدال، وإلا حصل في جهل وكذب وتناقض كحال هؤلاء الضُلّال» (١).
افتراؤهم أن أم المؤمنين سَقَت النبي ﵌ -:
الجواب:
هذا من الكذب المفضوح، فإذا كانت قد سقت النبي ﵌ السم كما يزعم هؤلاء الكذابون فلماذا لم يطالب بنو هاشم بالقصاص، ولماذا لم يقتص منها عليٌّ ﵁ عندما تولى الخلافة، إن هذا طعن في علي ﵁ لو كانوا يفقهون.
стр. 50
افتراؤهم عليها المجون والفسق والتسكع بالطرقات:
الجواب:
أم المؤمنين عائشة ﵂ قد برأها الله فوق من سبع سموات، وهذا الاتهام تكذيب للقرآن وكفر بالله .
زعمهم أن عائشة آذت فاطمة ﵄ وأبكَتْها، وأنها فرحت حين علمت بوفاة فاطمة ﵂:
الجواب:
هذا كلام بدون دليل أو سند صحيح أو مصدر معتمد، وليس بغريب أن يصدر هذا الكذب عن الشيعة الذين قال عنهم الإمام الشافعي ﵀ أنهم أكذب الطوائف.
ثم كيف تكره أم المؤمنين عائشة فاطمة ﵄ وهي التي تروي فضائلها!!؟ فقد روت عائشة ﵂ حديث الكساء في فضل علي وفاطمة والحسن والحسين ﵃ (رواه مسلم).
مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَإِنَّهُ عَارَضَهُ الآنَ مَرَّتَيْنِ وَإِنِّى لاَ أُرَى الأَجَلَ إِلاَّ قَدِ اقْتَرَبَ فَاتَّقِى اللَّهَ وَاصْبِرِى فَإِنَّهُ نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ».
قَالَتْ: «فَبَكَيْتُ بُكَائِى الَّذِى رَأَيْتِ، فَلَمَّا رَأَى جَزَعِى سَارَّنِى الثَّانِيَةَ فَقَالَ: «يَا فَاطِمَةُ أَمَا تَرْضَىْ أَنْ تَكُونِى سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ». قَالَتْ فَضَحِكْتُ ضَحِكِى الَّذِى رَأَيْتِ». (رواه البخاري ومسلم).
افتراؤهم أنها كانت تكره عليًّا ﵁ وأنها سجدت يوم قُتِل، وأنها رمَتْ سهمًا في جنازة الحسن ﵁:
الجواب:
هذا من الكذب الواضح.
كيف تكره أم المؤمنين عائشة ﵂ علي بن أبي طالب ﵁ وأبناءه وهي تروي فضائلهم!!؟
• فقد روت حديث الكساء في فضل علي وفاطمة والحسن والحسين ﵃ (رواه مسلم).
стр. 53
• وأخبرت عن محبة الرسول ﵌ للحسن بن علي ﵁ (رواه مسلم).
• وكانت تحيل السائل على علي بن أبي طالب ليجيبه عندما سُئِلَتْ عن المسح على الخفين. (رواه مسلم).
• وطلبت من الناس بعد استشهاد عثمان ﵁ أن يلزموا عليًا ﵁ بالبيعة فقد أخرج أخرج ابن أبي شيبة، أن عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي سأل عائشة من يبايع؟ فقالت له: إلزم عليًّا (١).
تنبيه:
لا يصح ما ورد عن ابن عباس ﵁ أن عائشة لا تطيب لعلي نفسًا بخير»، فهذه زيادة شاذة لا تصح.
стр. 54
زعموا أن خروجها على علي ﵁ تسبب في قتل ثلاثين ألفًا من المسلمين:
الجواب:
هذا من الكذب الصريح.
زعم الشيعة أن النبي ﵌ قال لها: «تقاتلين عليًا وأنت ظالمة له»:
الجواب:
هذا لا يُعرف في شيء من كتب العلم المعتمدة، ولا له إسناد معروف، وهو بالموضوعات المكذوبات أشبه منه بالأحاديث الصحيحة، بل هو كذب قطعًا، فإن عائشة ﵂ لم تقاتل ولم تخرج لقتال، وإنما خرجت لقصد الإصلاح بين المسلمين، وظنت أن في خروجها مصلحة للمسلمين، ثم تبيّن لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أولى، فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حتى تَبلّ خِمارها.
وهكذا عامة السابقين ندموا على ما دخلوا فيه من القتال، فندم طلحة والزبير وعليّ ﵃، ولم يكن يوم الجمل لهؤلاء قصد في الاقتتال، ولكن وقع الاقتتال بغير
стр. 55
اختيارهم، فإنه لما تراسل عليّ وطلحة والزبير، وقصدوا الاتفاق على المصلحة، وأنهم إذا تمكنوا طلبوا قتلة عثمان أهل الفتنة، فخشي القَتَلة، فحملوا على عسكر طلحة والزبير، فظن طلحة والزبير أن عليًّا حمل عليهم، فحملوا دفعًا عن أنفسهم، فظن عليّ أنهم حملوا عليه، فحمل دفعًا عن نفسه، فوقعت الفتنة بغير اختيارهم.
وعائشة ﵂ راكبة: لا قاتلت، ولا أمرت بالقتال
زعموا أنها خالفت أمر الله في قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (الأحزاب: ٣٣): الجواب:
عائشة ﵂ لم تتبرج تبرج الجاهلية الأولى.
والأمر بالاستقرار في البيوت لا ينافي الخروج لمصلحة مأمور بها، كما لو خرجت للحج والعمرة، أو خرجت مع زوجها في سفرة، فإن هذه الآية قد نزلت في حياة النبي ﵌، وقد سافر بهن رسول الله ﵌ بعد ذلك، كما سافر في
стр. 56
حجة الوداع بعائشة ﵂ وغيرها، وأرسلها مع عبد الرحمن أخيها فأردفها خلفه، وأعمرها من التنعيم.
وحجة الوداع كانت قبل وفاة النبي ﷺ بأقل من ثلاثة أشهر بعد نزول هذه الآية، ولهذا كان أزواج النبي ﵌ يحججن كما كُنَّ يحججن معه في خلافة عمر ﵁ وغيره.
وإذا كان سفرهن لمصلحة جائزًا فعائشة اعتقدت أن ذلك السفر مصلحة للمسلمين فتأولت في ذلك.
أما زعمهم أنها خرجت في ملأٍ من الناس تقاتل عليًا على غير ذنب فهذا كذب عليها. فإنها لم تخرج لقصد القتال، ولا كان أيضًا طلحة والزبير قصدهما قتال عليّ.
فخروج عائشة يوم الجمل كان بقصد الإصلاح بين المسلمين وليس القتال فعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: «لَمَّا أَقْبَلَتْ عَائِشَةُ بَلَغَتْ مِيَاهَ بَنِي عَامِرٍ لَيْلًا نَبَحَتِ الْكِلَابُ، قَالَتْ: «أَيُّ مَاءٍ هَذَا؟»، قَالُوا: «مَاءُ الْحَوْأَبِ»، قَالَتْ: «مَا أَظُنُّنِي إِلَّا أَنِّي رَاجِعَةٌ»، فَقَالَ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَهَا: «بَلْ
стр. 57
تَقْدَمِينَ فَيَرَاكِ الْمُسْلِمُونَ، فَيُصْلِحُ اللهُ ذَاتَ بَيْنِهِمْ»، قَالَتْ: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ لَنَا ذَاتَ يَوْمٍ: «كَيْفَ بِإِحْدَاكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ؟».
وفي رواية: عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ لَمَّا أَتَتْ عَلَى الْحَوْأَبِ سَمِعَتْ نُبَاحَ الْكِلَابِ، فَقَالَتْ: مَا أَظُنُّنِي إِلَّا رَاجِعَةٌ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ لَنَا: «أَيَّتُكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ؟»، فَقَالَ لَهَا الزُّبَيْرُ: «تَرْجِعِينَ؟ عَسَى الله أَنْ يُصْلِحَ بِكِ بَيْنَ النَّاسِ» (١).
فعائشة ﵂ لما تذكرت هذا الحديث وهمت بالرجوع، أشار عليها الزبير بالمضي في مسيرها، للإصلاح بين الناس، فترجحت لديها هذه المصلحة اجتهادًا منها، وهي غير معصومة من الخطأ في الاجتهاد (٢).
стр. 58
وعائشة ﵂ لم يكن طلحة والزبير ولا غيرهما من الأجانب يحملونها، بل كان في العسكر من محارمها، مثل عبد الله بن الزبير ابن أختها، وخلوة ابن الزبير بها ومسُّه لها جائز بالكتاب والسُّنّة والإجماع ـ وكذلك سفر المرأة مع ذي محرمها جائز بالكتاب والسنة والإجماع.
وهي لم تسافر إلا مع ذي محرم منها.
تنبيه:
نبه الشيخ الألباني على كذب رواية «فشهد طلحة والزبير أنه ليس هذا ماء الحوأب .. فكانت أول شهادة زور في الإسلام» (١).
تنبيه:
وأيضًا لم يصح ما رواه الحاكم في (المستدرك) عن أم سلمة ﵂ قالت: ذكر النبي ﵌ خروج بعض أمهات المؤمنين فضحكت عائشة فقال: «انظري يا حميراء أن لا
стр. 59
تكوني أنت»، ثم التفت إلى علي فقال: «إن وليت من أمرها شيئًا فارفق بها».
فالحديث ضعيف كما أشار إليه محقق المستدرك الشيخ سعد الحميد (٣/ ١٣٤٥).
زعمهم أنها كانت تأمر بقتل عثمان، وتقول: «اقتلوا نعثلًا (١)، قتل الله نعثلًا»، ولما بلغها قتله فرحت بذلك:
الجواب:
أولًا: أين النقل الثابت عن عائشة بذلك؟
ثانيًا: المنقول الثابت عنها يُكذِّب ذلك، ويُبيّن أنها أنكرت قتله، وذمَّت من قتله.
ثالثًا: هَبْ أن أحدًا من الصحابة ـ عائشة أو غيرها ـ قال ذلك على وجه الغضب، لإنكاره بعض ما يُنكر، فليس قوله حجة، ولا يقدح ذلك في إيمان القائل ولا المقول له،
стр. 60
بل قد يكون كلاهما وليًا لله تعالى من أهل الجنة، ويظن أحدهما جواز قتل الآخر، بل يظن كفره، وهو مخطئ في هذا الظن.
رابعًا: إن هذا المنقول عن عائشة من القدح في عثمان: إن كان صحيحًا فإما أن يكون صوابًا أو خطأ، فإن كان صوابًا لم يذكر في مساوئ عائشة، وإن كان خطأ لم يُذكر في مساوئ عثمان، والجمع بين نقص عائشة وعثمان باطل قطعًا.
وأيضًا فعائشة ظهر منها من التألم لقتل عثمان، والذم لقتلته، وطلب الانتقام منهم ما يقتضي الندم على ما ينافي ذلك، كما ظهر منها الندم على مسيرها إلى الجمل، فإن كان ندمها على ذلك يدل على فضيلة عليّ واعترافها له بالحق، فكذلك هذا يدل على فضيلة عثمان واعترافها له بالحق، وإلا فلا.
стр. 61
زعمهم أنها سألت: من تولى الخلافة؟ فقالوا: عليّ. فخرجت لقتاله على دم عثمان:
الجواب:
أولًا: قول القائل: إن عائشة وطلحة والزبير اتهموا عليًّا بأنه قتل عثمان وقاتَلوه على ذلك ـ كذب بيِّن، بل إنما طلبوا القَتَلة الذين كانوا تحيّزوا إلى عليّ، وهم يعلمون أن براءة عليّ من دم عثمان كبراءتهم وأعظم، لكن القَتَلة كانوا قد أووا إليه، فطلبوا قتل القتلة، ولكن كانوا عاجزين عن ذلك هم وعليّ، لأن القوم كانت لهم قبائل يذبُّون عنهم.
والفتنة إذا وقعت عجز العقلاء فيها عن دفع السفهاء، فصار الأكابر ﵂ عاجزين عن إطفاء الفتنة وكف أهلها. وهذا شأن الفتن كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (الأنفال: ٢٥) وإذا وقعت الفتنة لم يسلم من التلوث بها إلا من عصمه الله.
стр. 62
افتراؤهم أنها وضعت حديثًا فيه أن النبي ﵌ سَحَره لبيد بن الأعصم اليهودي:
وقالوا كيف يمكن أن يُسحر النبي ﵌ ويُخَيَّلُ اليه أنه يفعل الشيء وما فعله، وهو معصوم؟
الجواب:
١ - الحديث رواه البخاري، وقد جاء الحديث من رواية عدة من الصحابة كابن عباس وزيد ابن أرقم فلم تنفرد عائشة ﵂ بروايته.
وقد ذكر القاضي عياض أن بعض المبتدعة طعنوا في حديث عائشة ﵂ وقد جمع الردود على هؤلاء الشيخ مقبل الوادعي ﵀ في كتاب (ردود اهل العلم على الطاعنين في حديث السحر).
٢ - قد ورد في القرآن الكريم أن موسى ﵇ خُيِّل إليه أن عصي وحبال السحرة انقلبت الى حيات تسعى فهل يُعَدُّ هذا طعنًا في موسى ﵇؟
стр. 63
قال تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ (طه: ٦٥ - ٦٦).
٣ - السحر الذي أصابه ﵌ لم يكن ليمس عقله الشريف ولا يؤثر على تبليغ الرسالة بل كان عارضًا كعوارض الأمراض المختلفة التي تصيب الصالح والطالح والكبير والصغير، والنبي ﵌ مشرع لذا تحدث هذه الحوادث معه لبيان جواز حدوثها مع غيره ﵌ مهما بلغ قدرًا عاليًا في العبادة، وهو أمر جائز عقلا ونقلا.
فهو كحديث نسيان النبي ﵌ في الصلاة، وهو الذي ينزل عليه الوحي، وهو أخشع الخلق في الصلاة ﵌ وذلك لتعليم الأمة الإسلامية من خلال هذا الحدث.
стр. 64
٤ - ورد ما في كتب الشيعة نفس القصة التي رواها الإمام البخاري عن عائشة ﵂ حول سحر الرسول ﵌ (١).
زعمهم أن عائشة اتهمت مارية القبطية ﵄ بالزنا:
في تفسير القمي: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النور: ١١) فإن العامة (يقصد أهل السنة) روت أنها نزلت في عائشة وما رميت به في غزوة بني المصطلق من خزاعة وأما الخاصة (يقصد الشيعة) فإنهم رووا أنها نزلت في مارية القبطية وما رمتها به عائشة.
стр. 65
الجواب:
هذا كذب مفضوح فآيات الإفك يعرف القاصى والدانى أنها نزلت تبرئةً للسيدة عائشة ﵂ مما بُهِتَتْ به فى قصة ضياع العِقْد الذى فقدته فى الصحراء مَرْجِعَها هى والنبى والمسلمين من غزوة بنى المصطلق.
والقمى ـ وأمثاله من ضُلّال الشيعة ـ يصرفون القصة عن حقيقتها حتى لا يُضْطَرّوا إلى الإقرار بأى فضل لها.
وأى فضل أعظم من أن الله قد أنزل تبرئتها من فوق سبع سماوات؟
تنبيه:
لا يصح ما رواه الحاكم في (المستدرك) عن سليمان بن الأرقم (المتفق على ضعفه) عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: «أهديت مارية إلى رسول الله ﵌ ومعها ابن عم لها قالت: فوقع عليها وقعة فاستمرت حاملًا، قالت: فعزلها عند ابن عمها، قالت: فقال أهل الإفك والزور: «من حاجته إلى الولد ادعى ولد غيره»،
و
стр. 66
كانت أمه قليلة اللبن فابتاعت له ضائنة لبون فكان يغذى بلبنها فحسن عليه لحمه.
قالت عائشة ﵂: «فدخل به على النبي ﵌ ذات يوم فقال: «كيف ترين»، فقلت: «من غذي بلحم الضأن يحسن لحمه» قال: «ولا الشبه؟».
قالت: فحملني ما يحمل النساء من الغيرة أن قلت: «ما أرى شبها»، قالت: وبلغ رسول الله ﵌ ما يقول الناس فقال لعلي: «خذ هذا السيف فانطلق فاضرب عنق ابن عم مارية حيث وجدته»، قالت: «فانطلق فإذا هو في حائط على نخلة يخترف رطبًا، فلما نظر إلى علي ومعه السيف استقبلته رعْدة قال: فسقطت الخرفة فإذا هو لم يخلق الله له ما للرجال، شيء ممسوح».
(وهذه القصة لا تصح؛ فإن سليمان بن الأرقم متفق بين الأئمة على تضعيفه، بل هو ضعيف جدًا، انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة للألباني رقم ٤٩٦٤).
стр. 67
والصحيح ما رواه مسلم عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُتَّهَمُ بِأُمِّ وَلَدِ رَسُولِ الله ﵌ فَقَالَ رَسُولُ الله ﵌ لِعَلِىٍّ: «اذْهَبْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ». فَأَتَاهُ عَلِىٌّ فَإِذَا هُوَ فِى رَكِىٍّ يَتَبَرَّدُ فِيهَا فَقَالَ لَهُ عَلِىٌّ: «اخْرُجْ». فَنَاوَلَهُ يَدَهُ فَأَخْرَجَهُ فَإِذَا هُوَ مَجْبُوبٌ لَيْسَ لَهُ ذَكَرٌ؛ فَكَفَّ عَلِىٌّ عَنْهُ ثُمَّ أَتَى النَّبِىَّ ﵌ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ لَمَجْبُوبٌ مَا لَهُ ذَكَرٌ». (رواه مسلم، والرَكِىٍّ: البئر).
زعموا أنها يوم زُفت أسماء بنت النعمان عروسًا إلى النبي ﵌ فقالت لها: «إن النبي ليعجبه من المرأة إذا دخل عليها أن تقول له: أعوذ بالله منك»:
الجواب:
روى الحاكم في المستدرك عن حمزة بن أبي أسيد الساعدي عن أبيه قال: تزوج رسول الله ﵌ أسماء بنت النعمان الجونية فأرسلني فجئت بها فقالت حفصة لعائشة: اخضبيها أنت وأنا أمشطها ففعلتا، ثم قالت لها إحداهما: إن النبي ﵌ يعجبه من المرأة إذا دخلت عليه أن تقول
стр. 68
:أعوذ بالله منك، فلما دخلت عليه وأغلق الباب وأرخى الستر مدَّ يده إليها فقالت: أعوذ بالله منك فقال رسول الله ﵌ بكمه على وجهه فاستتر به وقال: «عذت بمعاذ ثلاث مرات».
هذه القصة المزعومة إسنادها واهٍ كما قال الذهبي في تلخيصه، فهو من طريق هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال الدارقطني: «متروك)، وقال ابن عساكر: «رافضي ليس بثقة» , وقال الذهبي: «لا يوثق به».
وفي هذه القصة المزعومة أن القائلة هي إما عائشة أو حفصة؟ فمن أين قطعوا أنه قول عائشة؟ وفي إسناد آخر عند ابن سعد أن القائلة بذلك إحدى نساء النبي ﵌ ولم يتعين مَن هي، ولكن إسنادها واهٍ أيضًا فهي من طريق الكلبي عن أبيه, وأبوه متهم بالكذب, فهذه القصة مكذوبة من أساسها فلا حجة فيها.
والقصة الصحيحة رواها البخاري ومسلم عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: ذُكِرَ لِلنَّبِىِّ ﵌ امْرَأَةٌ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَمَرَ
стр. 69
أَبَا أُسَيْدٍ السَّاعِدِىَّ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَقَدِمَتْ فَنَزَلَتْ فِى أُجُمِ بَنِى سَاعِدَةَ، فَخَرَجَ النَّبِىُّ ﵌ حَتَّى جَاءَهَا فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَإِذَا امْرَأَةٌ مُنَكِّسَةٌ رَأْسَهَا، فَلَمَّا كَلَّمَهَا النَّبِىُّ ﵌ قَالَتْ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ».
فَقَالَ «قَدْ أَعَذْتُكِ مِنِّى».
فَقَالُوا لَهَا: «أَتَدْرِينَ مَنْ هَذَا؟».
قَالَتْ: «لاَ».
قَالُوا: «هَذَا رَسُولُ اللهِ ﵌ جَاءَ لِيَخْطُبَكِ».
قَالَتْ: «كُنْتُ أَنَا أَشْقَى مِنْ ذَلِكَ».
وليس في هذه القصة الصحيحة أيُّ ذِكْرٍ لحفصة ولا لعائشة ﵄، ولا ما يفيد علمهما بهذا الأمر من أساسه.
أذاعت سرّ رسول الله ﵌ -:
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ
стр. 70
فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤)﴾ (التحريم: ١ - ٤).
وقد ثبت في الصحيحين عن عمر ﵁ أنهما عائشة وحفصة ﵄.
الجواب:
أولًا: هؤلاء الشيعة يعمدون إلى نصوص القرآن التي فيها ذكر ذنوب ومعاص بيِّنة لمن نصت عنه من المتقدمين يتأولون النصوص بأنواع التأويلات، وأهل السُّنة يقولون: بل أصحاب الذنوب تابوا منها ورفع الله درجاتهم بالتوبة.
وهذه الآية ليست بأولى في دلالتها على الذنوب من تلك الآيات، فإن كان تأويل تلك سائغًا كان تأويل هذه كذلك، وإن كان تأويل هذه باطلًا فتأويل تلك أبطل.
стр. 71
ثانيًا: بتقدير أن يكون هناك ذنب لعائشة وحفصة، فيكونان قد تابتا منه، وهذا ظاهر لقوله قال تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (التحريم: ٤).
فدعاهما الله تعالى إلى التوبة، فلا يُظن بهما أنهما لم تتوبا، مع ما ثبت من علو درجتهما، وأنهما زوجتا نبيّنا ﵌ في الجنة، وأن الله خيَّرهُنَّ بين الحياة الدنيا وزينتها وبين الله ورسوله والدار الآخرة، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ولذلك حرّم الله عليه أن يتبدّل بهن غيرهن، وحرم عليه أن يتزوج عليهن،، ومات عنهن وهنّ أمهات المؤمنين بنص القرآن. ثم قد تقدّم أن الذنب يُغفر ويُعفى عنه بالتوبة وبالحسنات الماحية وبالمصائب المكفرة.
وهذا زيغ في هذه المسألة ليس زيغا عن الاسلام إلى الكفر.
ثالثًا: الرسول ﵌ لم يطلقهما بعدما علم ذلك منهما بل أقر زواجهما منه، وحاشاه أن يقر ببقائهما ولا يطلقهما إن
стр. 72
كان الأمر يستحق ما ينفخ فيه الرافضة؛ لأنه يلزم من هذا الطعن بالنبوة وأن الرسول لم يطلق من تستحق الطلاق.
رابعًا: لم يمنع الحق عمر أن يقول «هما عائشة وحفصة» وذلك عندما سئل عن معنى هذه الآية.
خامسًا: المذكور عن أزواجه كالمذكور عمن شهد له بالجنة من أهل بيته وغيرهم من الصحابة ﵃ فعَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵁ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ وَهْوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: «إِنَّ بَنِى هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُوا فِى أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ فَلاَ آذَنُ، ثُمَّ لاَ آذَنُ، ثُمَّ لاَ آذَنُ، إِلاَّ أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِى طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِى وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ، فَإِنَّمَا هِىَ بَضْعَةٌ مِنِّى، يُرِيبُنِى مَا أَرَابَهَا وَيُؤْذِينِى مَا آذَاهَا» (رواه البخاري ومسلم).
فإن عليًا ﵁ لما خطب ابنة أبي جهل على فاطمة ﵂، فلا يُظنّ بعليٍّ ﵁ أنه ترك الخطبة في الظاهر فقط، بل تركها بقلبه وتاب بقلبه عما كان طلبه وسعى فيه.