← Акыда

Акыда · id 36155

تهذيب اقتضاء الصراط المستقيم

شحاتة صقر

Полный текст (280 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

إحداث ذلك وجود عيدهم، ولولا هو لم يقتضوا ذلك. فهذا أيضاً من مقتضيات المشابهة. لكن يحال الأهل على عيد الله ورسوله ويقضي لهم فيه من الحقوق ما يقطع استشرافهم إلى غيره، فإن لم يرضوا فلا حول ولا قوة إلا بالله، ومن أغضب أهله لله، أرضاه الله وأرضاهم. وليحذر العاقل من طاعة النساء في ذلك، ففي الصحيحين عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : «ما تركتُ بعدي فتنةً أضَرّ على الرجال من النساء». [البخاري٥٠٩٦، مسلم٢٧٤٠] وأكثر ما يفسد الملك والدول، طاعة النساء، وفي صحيح البخاري، عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» [البخاري٧٠٩٩] هل يجب على المسلم أن يعرف أعياد الكفار ؟ أعياد الكفار كثيرة مختلفة، وليس على المسلم أن يبحث عنها، ولا يعرفها، بل يكفيه أن يعرف في أي فعل من الأفعال أو يوم، أو مكان، أو سبب هذا الفعل أو تعظيم هذا المكان أو الزمان من جهتهم، ولو لم يعرف أن سببه من جهتهم، فيكفيه أن يعلم أنه لا

стр. 107

أصل له في دين الإسلام، فإنه إذا لم يكن له أصل فإما أن يكون قد أحدثه بعض الناس من تلقاء نفسه، أو يكون مأخوذاً عنهم، فأقل أحواله: أن يكون من البدع. ونحن ننبه على ما رأينا كثيراً من الناس قد وقعوا فيه، فمن ذلك: الخميس الحقير، الذي في آخر صومهم، فإنه يوم عيد المائدة فيما يزعمون، ويسمونه عيد العشاء. وهو الأسبوع الذي يكون فيه من الأحد إلى الأحد ـ هو عيدهم الأكبر، فجميع ما يحدثه الإنسان فيه من المنكرات. فمنه: خروج النساء: وتبخير القبور. ووضع الثياب على السطح. وكتابة الورق وإلصاقها بالأبواب، واتخاذه موسماً لبيع البخور وشرائه وكذلك شراء البخور في ذلك الوقت، إذ اتخذ وقتاً للبيع، ورقى البخور مطلقاً في ذلك الوقت، أو في غيره أو قصد شراء البخور المرقي، فإن رقى البخور واتخاذه قرباناً هو دين النصارى والصابئين، وإنما البخور طيب يتطيب بدخانه كما يتطيب سائر الطيب من المسك وغيره، مما له أجزاء بخارية، وإن لطفت، أو له رائحة محضة، ويستحب التبخر حيث يستحب التطيب.

стр. 108

وكذلك اختصاصه بطبخ رُزّ بلبن، أو بسيسة، أو عدس، أو صبغ، أو بيض، ونحو ذلك. فأما القمار بالبيض، أو بيع البيض لمن يقامر به، أو شراؤه من المقامرين فحكمه ظاهر. ومن ذلك ما يفعله الأَكَّارُون (١)، من نكت البقر بالنقط الحمر، أو نكت الشجر أيضاً، أو جمع أنواع من النبات والتبرك بها، والاغتسال بمائها، ومن ذلك ما قد يفعله النساء من أخذ ورق الزيتون، والاغتسال بمائه، أو قصد الاغتسال في شيء من ذلك، فإن أصل ذلك ماء المعمودية. ومن ذلك ترك الوظائف الراتبة: من الصنائع، والتجارات، أو حلق العلم، أو غير ذلك، واتخاذه يوم راحة وفرح، واللعب فيه بالخيل أو غيرها، على وجه يخالف ما قبله وما بعده من الأيام. والضابط: أنه لا يحدث فيه أمر أصلا، بل يجعل يوماً كسائر الأيام، فإنا قد قدمنا عن النبي ﷺ أنه نهاهم عن اليومين اللذين كانا لهم يلعبون فيهما في الجاهلية. وأنه ﷺ نهى عن الذبح بالمكان إذا كان المشركون يعيّدون فيه. ومن ذلك ما يفعله كثير من الناس، في أثناء الشتاء، في أثناء كانون الأول لأربع وعشرين خلت منه، ويزعمون أنه ميلاد عيسى ﵇، فجميع ما يحدث فيه هو من المنكرات، مثل إيقاد النيران، وإحداث طعام، واصطناع شمع وغير ذلك. فإن اتخاذ هذا الميلاد عيداً هو دين النصارى، ليس لذلك أصل في دين الإسلام، ولم يكن لهذا الميلاد ذكر أصلاً، على عهد السلف الماضين، بل أصله مأخوذ عن النصارى، وانضم إليه سبب طبيعي وهو كونه في الشتاء المناسب لإيقاد النيران، وأنواع مخصوصة من الأطعمة. ثم إن النصارى تزعم أنه بعد الميلاد بأيام ـ أظنها أحد عشر يوماً ـ عمد يحيى لعيسى سدد خطاكمفي ماء المعمودية، فهم يتعمدون في هذا الوقت ويسمونه: عيد الغطاس. وقد صار كثير من جهال النساء يدخلن أولادهن إلى الحمام في هذا الوقت، ويزعمن أن هذا ينفع الولد وهذا من دين النصارى، وهو من أقبح المنكرات المحرمة. وكذلك أعياد الفرس مثل: النيروز والمهرجان. وأعياد اليهود أو غيرهم من أنواع الكفار، أو الأعاجم أو الأعراب، حكمها كلها على ما ذكرناه من قبل.

стр. 109

حكم إعانة المسلمين المتشبهين بالكفار في أعيادهم: وكما لا نتشبه بهم في الأعياد، فلا يُعَان المسلم المتشبه بهم في ذلك. بل ينهى عن ذلك، فمن صنع دعوة مخالفة للعادة في أعيادهم لم تُجَبْ دعوتُه، ومن أهدى من المسلمين هدية في هذه الأعياد، مخالفة للعادة في سائر الأوقات، غير هذا العيد، لم تُقْبل هديته، خصوصاً إن كانت الهدية مما يستعان بها على التشبه بهم. مثل إهداء الشمع ونحوه، في الميلاد. أو إهداء البيض واللبن والغنم في الخميس الصغير، الذي في آخر صومهم. وكذلك أيضاً لا يهدى لأحد من المسلمين في هذه الأعياد هدية لأجل العيد، لا سيما إذا كان مما يستعان به على التشبه بهم كما ذكرناه. ولا يبيع المسلم ما يستعين به المسلمون على مشابهتهم في العيد، من الطعام واللباس ونحو ذلك، لأن في ذلك إعانة على المنكر فأما مبايعتهم ما يستعينون هم به على عيدهم، أو شهود أعيادهم للشراء فيها، فقد قيل للإمام أحمد: هذه الأعياد التي تكون عندنا بالشام مثل طور يانور، ودير أيوب، وأشباهه، يشهده المسلمون، يشهدون الأسواق، ويجلبون فيه الغنم والبقر والدقيق والبر، وغير

стр. 110

ذلك، إلا أنه إنما يكون في الأسواق يشترون، ولا يدخلون عليهم بيعهم، وإنما يشهدون الأسواق، قال إذا لم يدخلوا عليهم بيعهم، وإنما يشهدون السوق فلا بأس. فما أجاب به أحمد من جواز شهود السوق فقط للشراء منها، من غير دخول الكنيسة ليس فيه شهود منكر، ولا إعانة على معصية، لأن نفس الابتياع منهم جائز، ولا إعانة فيه على المعصية، بل فيه صرف لما لعلهم يبتاعونه لعيدهم عنهم، فيكون فيه تقليل الشر، وقد كانت أسواق في الجاهلية، كان المسلمون يشهدونها، وشهد بعضها النبي ﷺ ، ومن هذه الأسواق ما كان يكون في مواسم الحج، ومنها ما كان يكون لأعياد باطلة. وأيضاً، فإن أكثر ما في السوق، أن يباع فيها ما يستعان به على المعصية، فهو كما لو حضر الرجل سوقاً يباع فيها السلاح لمن يقتل به معصوماً أو العصير لمن يخمره، فحضرها الرجل ليشتري منها، بل هذا أجود، لأن البائع في هذه السوق ذمي، وقد أقروا على هذه المبايعة. ثم إن الرجل لو سافر إلى دار الحرب ليشتري منها، جاز

стр. 111

عندنا، كما دل عليه حديث تجارة أبي بكر ﵁، في حياة رسول الله ﷺ إلى أرض الشام، وهي دار حرب، مع أنه لا بد أن تشتمل أسواقهم على بيع ما يستعان به على المعصية. بيع المسلمين للكفار في أعيادهم، ما يستعينون به على عيدهم: فأما بيع المسلمين لهم في أعيادهم، ما يستعينون به على عيدهم، من الطعام واللباس، والريحان ونحو ذلك، أو إهداء ذلك لهم، فهذا فيه نوع إعانة على إقامة عيدهم المحرم، وهو مبني على أصل. وهو: أن بيع الكفار عنباً أو عصيراً يتخذونه خمراً لا يجوز، وكذلك لا يجوز بيعهم سلاحاً يقاتلون به مسلماً. وقد دل حديث عمر ﵁، في إهداء الحلة السيراء إلى أخ له بمكة مشرك. [المسند٥٧٩٧وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح]، على جواز بيعهم الحرير، لكن الحرير مباح في الجملة وإنما يحرم الكثير منه على بعض الآدميين، ولهذا جاز التداوي به في أصح الروايتين ولم يجز بالخمر بحال. وجازت صنعته في الأصل والتجارة فيه.

стр. 112

مسألة: سُئل ابن القاسم (١) عن النصراني يوصي بشيء يباع من ملكه للكنيسة هل يجوز لمسلم شراؤه؟ فقال: لا يحل ذلك له، لأنه تعظيم لشعائرهم وشرائعهم ومشتريه مسلم سوء. وقال ابن القاسم في أرض الكنيسة يبيع الأسقف منها شيئاً في مرمتها، وربما حبست تلك الأرض على الكنيسة لمصلحتها: إنه لا يجوز للمسلمين أن يشتروها من وجهين: الواحد: من العون على تعظيم الكنيسة. والآخر: من جهة بيع الحبس، ولا يجوز لهم في أحباسهم إلا ما يجوز للمسلمين. ولا أرى لحاكم المسلمين أن يتعرض فيها بمنع ولا تنفيذ ولا بشيء. مسألة: سُئل ابن القاسم عن الركوب في السفن التي تركب فيها النصارى إلى أعيادهم. فكره ذلك مخافة نزول السخطة عليهم بشركهم الذي اجتمعوا عليه. مسألة: قال عبد الملك بن حبيب: كره ابن القاسم للمسلم يهدي للنصارى شيئاً في عيدهم مكافأة لهم، ورآه من تعظيم عيدهم وعوناً لهم على مصلحة كفرهم، ألا ترى أنه لا يحِلُّ للمسلمين أن

стр. 113

يبيعوا من النصارى شيئاً من مصلحة عيدهم؟ لا لحماً، ولا إداماً، ولا ثوباً، ولا يعارون دابة، ولا يُعَاوَنون على شيء من عيدهم؛ لأن ذلك من تعظيم شركهم، ومن عونهم على كفرهم. وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك. وهو قول مالك وغيره، لم أعلمه اختُلِف فيه. وقد ذكر ابن حبيب أنه قد اجتمع على كراهة مبايعتهم ومهاداتهم ما يستعينون به على أعيادهم، وقد صرح بأن مذهب مالك: أنه لا يحل ذلك. قال إسحاق بن إبراهيم: سئل أبو عبد الله (١) عن نصارى، وقفوا ضيعة للبيعة: أيستأجرها الرجل المسلم منهم؟ قال: لا يأخذها بشيء، لا يعينهم على ما هم فيه. وقال أيضاً: سمعت أبا عبد الله ـ وسأله رجل بنَّاء: أبْني للمجوس ناووساً (٢)؟ قال: «لا تَبْنِ لهم، ولا تُعِنْهم على ما هم فيه».

стр. 114

وقد نقل عنه محمد بن الحكم، وسأله عن الرجل المسلم يحفر لأهل الذمة قبراً بِكِراء (١) ـ قال: «لا بأس فيه». والفرق بينهما: أن الناووس من خصائص دينهم الباطل كالكنيسة. بخلاف القبر المطلق فإنه ليس في نفسه معصية، ولا من خصائص دينهم. وقال أيضاً في نصارى أوقفوا ضيعة لهم للبيعة: «لا يستأجرها الرجل المسلم منهم، يعينهم على ما هم فيه». ومثل هذا ما اشترى من المال الموقوف للكنيسة أو الموصى لها به، أو باع آلات يبنون بها كنيسة ونحو ذلك. والمنع هنا أشد؛ لأن نفس هذا المال الذي يبذله يصرف في المعصية، فهو كبيع العصير لمن يتخذه خمراً. وأما مذهب أحمد في الإجارة لعمل ناووس ونحوه، فقال الآمدي: لا يجوز، رواية واحدة، لأن المنفعة المعقود عليها محرمة، وكذلك الإجارة لبناء كنيسة أو بيعة، أو صومعة، كالإجارة لكتبهم المحرفة. فإذا عرف أصل أحمد في هذه المسائل، فمعلوم أن ما يبتاعونه

стр. 115

من الطعام واللباس، ونحو ذلك، يستعينون به على العيد. إذ العيد اسم لما يفعل من العبادات والعادات، وهذا إعانة على ما يقام من العادات، لكن لما كان جنس الأكل والشرب واللباس، ليس محرما في نفسه، بخلاف شرب الخمر، فإنه محرم في نفسه. فإن كان ما يبتاعونه يفعلون به نفس المحرم: مثل صليب، أو شعانين، أو معمودية، أو تبخير، أو ذبح لغير الله، أو صورة ونحو ذلك، فهذا لا ريب في تحريمه، كبيعهم العصير ليتخذوه خمرا، وبناء الكنيسة لهم، وأما ما ينتفعون فيه في أعيادهم للأكل والشرب واللباس، فأصول أحمد وغيره تقتضي كراهته. لكن: كراهة تحريم كمذهب مالك، أو كراهة تنزيه؟ والأشبه: أنه كراهة تحريم، كسائر النظائر عنده، فإنه لا يجوز بيع الخبز واللحم والرياحين للفساق الذين يشربون عليها الخمر، ولأن هذه الإعانة تفضي إلى إظهار الدين الباطل وكثرة اجتماع الناس لعيدهم وظهوره. وهذا أعظم من إعانة شخص معين. حكم قبول الهدية من أهل الذمة يوم عيدهم، وما ورد عن السلف في ذلك: وأما قبول الهدية منهم يوم عيدهم: فعن علي ﵁: أنه أتي بهدية

стр. 116

النيروز فقبلها. [إسناده ضعيف] وروى ابن أبي شيبة عن قابوس عن أبيهأن امرأة سألت عائشة، قالت: إن لنا أظآرا (١) من المجوس، وإنه يكون لهم العيد فيهدون لنا، قالت: «أما ما ذُبِح لذلك اليوم فلا تأكلوا، ولكن كلوا من أشجارهم». [إسناده ضعيف] وقال: حدثنا وكيع، عن الحسن بن حكيم عن أمه، عن أبي برزة: أنه كان له سكان مجوس، فكانوا يهدون له في النيروز والمهرجان، فكان يقول لأهله: ما كان من فاكهة فكلوه، وما كان من غير ذلك فردوه. [إسناده ضعيف] فهذا كله يدل على أنه لا تأثير للعيد في المنع من قبول هديتهم، بل حكمها في العيد وغيره سواء، لأنه ليس في ذلك إعانة لهم على شعائر كفرهم. وإنما يجوز أن يؤكل من طعام أهل الكتاب في عيدهم، بابتياع أو هدية، أو غير ذلك مما لم يذبحوه للعيد. فأما ذبائح المجوس فالحكم فيها معلوم، فإنها حرام عند العامة.

стр. 117

حكم ذبيحتهم يوم عيدهم: ما ذبحه أهل الكتاب لأعيادهم، وما يتقربون بذبحه إلى غير الله ـ نظير ما يذبح المسلمون هداياهم، وضحاياهم متقربين بها إلى الله تعالى. وذلك مثل: ما يذبحون للمسيح والزهرة ـ عن أحمد روايتان: أشهرهما في نصوصه: أنه لا يباح أكله، وإن لم يسم عليه غير الله تعالى. ونقل النهي عن ذلك، عن عائشة وعبد الله بن عمر. صوم أعياد الكفار صوم أيام أعياد الكفار مفردة بالصوم، كصوم يوم النيروز والمهرجان- وهما يومان يعظمهما الفرس- قد اختلف فيهما؛ لأجل أن المخالفة تحصل بالصوم، أو بترك تخصيصه بعمل أصلاً. صوم يوم السبت: عن عبد الله بن بسر السلمي، عن أخته الصماء أن النبي ﷺ قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افتُرِض عليكم وإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب، أو عود شجرة ـ وفي لفظ: إلا عود عنب أو لحاء شجرة ـ فليمضغه» [أبوداود٢٤٢١ وصححه الألباني] وقد اختلف الأصحاب وسائر العلماء فيه. قال أبو بكر الأثرم:

стр. 118

وسمعت أبا عبد الله يُسْأل عن صيام يوم السبت يفترد به. فقال: أما صيام يوم السبت يفترد به فقد جاء في ذلك الحديث حديث الصماء، يعني حديث ثور عن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر، عن أخته الصماء، عن النبي ﷺ «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم»، قال أبو عبد الله: «وكان يحيى بن سعيد يتَّقيه، وأبَى أن يحدثني به، وقد كان سمعه من ثور. قال: فسمعتُه من أبي عاصم. قال الأثرم: وحجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت: أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بسر. منها حديث أم سلمة حين سئلت: أي الأيام كان رسول الله ﷺ أكثر صياماً لها. فقالت: السبت والأحد». [ابن خزيمة ٢١٦٧وقال الألباني: إسناده حسن] ومنها حديث جويريةأن النبي ﷺ قال لها يوم الجمعة: «أصُمْتِ أمس؟» قالت: لا، قال: «تريدين أن تصومي غداً؟» [البخاري١٩٨٦] فالغد هو يوم السبت. وحديث نَهْى النبي ﷺ عن صوم يوم الجمعة، إلا بيوم قبله أو يوم بعده. [البخاري١٩٨٥،مسلم١١٤٤] فاليوم الذي بعده هو يوم السبت. ومنها أنه أمر بصوم المحرم، [مسلم١١٦٣] وفيه يوم السبت،

стр. 119

وقال: «من صام رمضان، وأتبعه بست من شوال». [مسلم١١٦٤] وقد يكون فيها السبت. وأمر بصيام البيض، [البخاري١٩٨١] وقد يكون فيها السبت. ومثل هذا كثير. فهذا الأثرم، فهم من كلام أبي عبد الله، أنه توقف عن الأخذ بالحديث، وأنه رخص في صومه، حيث ذكر الحديث الذي يحتج به في الكراهة، وذكر أن الإمام في علل الحديث، يحيى بن سعيد، كان يتقيه، وأبَى أن يحَدِّث به، فهذا تضعيف للحديث. واحتج الأثرم بما دل من النصوص المتواترة، على صوم يوم السبت ولا يقال: يحمل النهي على إفراده، لأن لفظه: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم» والاستثناء دليل التناول، وهذا يقتضي أن الحديث عمَّ صومه على كل وجه، وإلا لو أُريدَ إفرادُه لمَا دخل الصوم المفروض ليُستَثْنَي فإنه لا إفراد فيه؛ فاستثناؤه دليل على دخول غيره، بخلاف يوم الجمعة، فإنه بين أنه إنما نهى عن إفراده. وعلى هذا، فيكون الحديث: إما شاذاً غير محفوظ، وإما منسوخاً. وهذه طريقة قدماء أصحاب أحمد الذين صحبوه، كالأثرم وأبي داود.

стр. 120

وأما أكثر أصحابنا ففهموا من كلام أحمد الأخذ بالحديث وحمله على الإفراد، فإنه سئل عن عين الحكم. فأجاب بالحديث، وجوابه بالحديث يقتضي اتباعه. وما ذكره عن يحيى إنما هو بيان ما وقع فيه من الشبهة، وهؤلاء يكرهون إفراده بالصوم، عملاً بهذا الحديث، لجودة إسناده، وذلك موجب للعمل به، وحملوه على الإفراد كيوم الجمعة، وشهر رجب. وعلى هذا، فيكون قوله ﷺ : «لا تصوموا يوم السبت» أي لا تقصدوا صومه بعينه إلا في الفرض، فإن الرجل يقصد صومه بعينه، بحيث لو لم يجب عليه إلا صوم يوم السبت، كمن أسلم ولم يبق من الشهر إلا يوم السبت، فإنه يصومه وحده. وأيضاً فقَصْدُه بعينه في الفرض لا يكره، بخلاف قصده بعينه في النفل، فإنه يكره، ولا تزول الكراهة إلا بضَمّ غيره إليه أو موافقته عادة، فالمزيل للكراهة في الفرض، مجرد كونه فرضاً، لا المقارنة بينه وبين غيره. وأما في النفل فالمزيل للكراهة ضم غيره إليه، أو موافقته عادة، ونحو ذلك. وقد يقال: الاستثناء أخرج بعض صور الرخصة، وأخرج الباقي بالدليل.

стр. 121

صوم النيروز والمهرجان ونحوها من أعياد المشركين وأما النيروز والمهرجان ونحوهما من أعياد المشركين، فمن لم يكره صوم يوم السبت من الأصحاب وغيرهم، قد لا يكره صوم ذلك اليوم، بل ربما يستحبه لأجل مخالفتهم وكرههما أكثر الأصحاب. وعللوا ذلك بأنهما يومان تعظمهما الكفار، فيكون تخصيصهما بالصيام دون غيرهما موافقة لهم في تعظيمهما، فكره، كيوم السبت. قال الإمام أبو محمد المقدسي: وعلى قياس هذا، كل عيد للكفار، أو يوم يفردونه بالتعظيم. وقد يقال: يكره صوم يوم النيروز والمهرجان، ونحوهما من الأيام التي لا تعرف بحساب العرب. بخلاف ما جاء في الحديث من يوم السبت والأحد لأنه إذا قصد صوم مثل هذه الأيام العجمية، أو الجاهلية، كان ذريعة إلى إقامة شعار هذه الأيام وإحياء أمرها، وإظهار حالها بخلاف السبت والأحد، فإنهما من حساب المسلمين. فليس في صومهما مفسدة، فيكون استحباب صوم أعيادهم المعروفة بالحساب العربي الإسلامي، مع كراهة الأعياد المعروفة بالحساب الجاهلي العجمي، توفيقاً بين الآثار. والله أعلم.

стр. 122

الأعياد والمواسم المبتدعة ومن المنكرات في هذا الباب: سائر الأعياد والمواسم المبتدعة، فإنها من المنكرات المكروهات، سواء بلغت الكراهة التحريم أو لم تبلغه. وذلك أن أعياد أهل الكتاب والأعاجم نهي عنها لسببين: أحدهما: أن فيها مشابهة الكفار. والثاني: أنها من البدع. فما أحدث من المواسم والأعياد هو منكر، وإن لم يكن فيها مشابهة لأهل الكتاب، لوجهين: أحدهما: أن ذلك داخل في مسمى البدع المحدثات، فيدخل فيما رواه مسلم في صحيحه، عن جابر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش .. يقول: صبحكم ومساكم، ويقول: «بعثت أنا والساعة كهاتين» ـ ويقرن بين أصبعيه: السبابة والوسطى ـ ويقول: «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة». [مسلم٨٦٧] وفيما رواه أيضاً في الصحيح عن عائشة ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدّ» [مسلم١٧١٨] وفي

стр. 123

لفظ في الصحيحين: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». [البخاري٢٦٩٧،مسلم١٧١٨] وفي الحديث الصحيح عن العرباض بن سارية عن النبي ﷺ أنه قال: «إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة». [أبو داود٤٦٠٧، ابن ماجه٤٢وصححه الألباني] وهذه قاعدة قد دلت عليها السنة والإجماع، مع ما في كتاب الله من الدلالة عليها أيضاً. قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللهُ﴾ [الشورى:٢٢] فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله، أو أوجبه بقوله أو بفعله، من غير أن يشرعه الله؛ فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله. ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكاً لله شرع من الدين ما لم يأذن به الله. نعم، قد يكون متأولاً في هذا الشرع، فيُغفَر له لأجل تأويله، إذا كان مجتهداً الاجتهاد الذي يعفى معه عن المخطئ ويثاب أيضاً على اجتهاده، لكن لا يجوز اتباعه في ذلك، كما لا يجوز اتباع سائر من قال أو عمل، قولاً أو عملاً، قد علم الصواب في خلافه، وإن

стр. 124

كان القائل أو الفاعل مأجوراً أو معذوراً. وقد قال سبحانه: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١] قال عدي بن حاتم للنبي ﷺ : يا رسول الله، ما عبدوهم. قال: «ما عبدوهم، ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم»، [الترمذي ٣٣٠٦، البيهقي ١٠/ ١١٦وحسنه الألباني] فمن أطاع أحداً في دين لم يأذن به الله في تحليل أو تحريم أو استحباب أو إيجاب فقد لحقه من هذا الذم نصيب، كما يلحق الآمر الناهي أيضاً نصيب. ثم قد يكون كل منهما معفواً عنه لاجتهاده، ومثاباً أيضاً على الاجتهاد، فيتخلف عنه الذم لفوات شرطه، أو لوجود مانعه، وإن كان المقتضي له قائماً. ويلحق الذم مَنْ تَبَيَّنَ له الحق فتركه، أو من قصّر في طلبه حتى لم يتبين له، أو أعرض عن طلب معرفته لهوى، أو لكسل، أو نحو ذلك. وأيضاً: فإن الله تعالى عاب على المشركين شيئين: أحدهما: أنهم أشركوا به ما لم ينزل به سلطاناً، والثاني: تحريمهم

стр. 125

ما لم يحرمه عليهم. وبين النبي ﷺ ذلك فيما رواه مسلم عن عياض بن حمار ﵁ عن النبي ﷺ قال: «قال الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالَتْهم الشياطين، وحرمَتْ عليهم ما أحلَلْتُ لهم، وأمرَتْهُم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً». [مسلم٢٨٦٥] قال سبحانه: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٤٨] فجمعوا بين الشرك والتحريم، والشرك يدخل فيه كل عبادة لم يأذن الله بها، فإن المشركين يزعمون أن عبادتهم: إما واجبة، وإما مستحبة، وأن فعلها خير من تركها. ثم مِنهم مَن عبد غير الله، ليتقرب بعبادته إلى الله. ومنهم من ابتدع ديناً عبدوا به الله، في زعمهم، كما أحدثته النصارى من أنواع العبادات المحدثة. وأصل الضلال في أهل الأرض إنما نشأ من هذين: ١ - إما اتخاذ دين لم يشرعه الله. ٢ - أو تحريم ما لم يحرمه الله. ولهذا كان الأصل الذي بنى الإمام أحمد وغيره من الأئمة عليه

стр. 126

مذاهبهم أن أعمال الخلق تنقسم إلى: ١ - عبادات يتخذونها ديناً، ينتفعون بها في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة. ٢ - وإلى عادات ينتفعون بها في معايشهم. * فالأصل في العبادات: أن لا يشرع منها إلا ما شرعه الله. * والأصل في العادات: أن لا يُحْظر منها إلا ما حظره الله. وهذه المواسم المحدثة: إنما نهى عنها لما حدث فيها من الدين الذي يتقرب به المتقربون. هل في الإسلام بدعة حسنة ؟ اعلم أن هذه القاعدة وهي: الاستدلال بكون الشيء بدعة على كراهته، قاعدة عامة عظيمة، وتمامها بالجواب عما يعارضها. وذلك أن من الناس من يقول البدع تنقسم إلى قسمين: حسنة، وقبيحة. بدليل قول عمر ﵁ في صلاة التراويح: «نعمت البدعة هذه» [البخاري٢٠١٠] وبدليل أشياء من الأقوال والأفعال أحدثت بعد رسول الله ﷺ ، وليست بمكروهة، أو هي حسنة، للأدلة الدالة على ذلك من الإجماع أو القياس. وربما يضم إلى ذلك من لم يحكم أصول العلم، ما عليه كثير من الناس من كثير من العادات ونحوها، فيجعل هذا أيضاً من الدلائل

стр. 127

على حُسن بعض البدع: إما بأن يجعل ما اعتاد هو ومن يعرفه إجماعاً، وإن لم يعلم قول سائر المسلمين في ذلك، أو يستنكر تركه لما اعتاده بمثابة من ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة:١٠٤]، وما أكثر ما قد يحتج بعض من يتميز من المنتسبين إلى علم أو عبادة، بحجج ليست من أصول العلم التي يعتمد في الدين عليها. الرد على الشبهات: ١ - عادة بعض البلاد، أو أكثرها، أو قول كثير من العلماء، أو العباد، أو أكثرهم ونحو ذلك، ليس مما يصلح أن يكون معارضا لكلام رسول الله ﷺ ، حتى يعارَضَ به. ومن اعتقد أن أكثر هذه العادات المخالفة للسنن مجمَعٌ عليها، بناء على أن الأمة أقَرَّتْها، ولم تنكرها، فهو مخطئ في هذا الاعتقاد، فإنه لم يزل، ولا يزال في كل وقت من ينهى عن عامة العادات المحدثة المخالفة للسنة، وما يجوز دعوى الإجماع بعمل بلد، أو بلاد من بلاد المسلمين، فكيف بعمل طوائف منهم؟ وإذا كان أكثر أهل

стр. 128

العلم لم يعتمدوا على عمل علماء أهل المدينة، وإجماعهم في عصر مالك، بل رأوا السنة حجة عليهم، كما هي حجة على غيرهم، مع ما أُوتُوه من العلم والإيمان، فكيف يعتمد المؤمن العالم على عادات أكثر من اعتادها عامة، أو من قيدته العامة، أو قوم مترئسون بالجهالة، لم يرسخوا في العلم، لا يعدون من أولي الأمر، ولا يصلحون للشورى، ولعلهم لم يتم إيمانهم بالله ورسوله، أو قد دخل معهم فيها بحكم العادة قوم من أهل الفضل، عن غير رويّة، أو لشبهة أحسن أحوالهم فيها أن يكون فيها بمنزلة المجتهدين من الأئمة والصديقين. ٢ - لا يجوز حمل قوله ﷺ : «كل بدعة ضلالة» [مسلم٧٦٨] على البدعة التي نهى عنه بخصوصها؛ لأن هذا تعطيل لفائدة هذا الحديث، فإن ما نهى عنه من الكفر والفسوق وأنواع المعاصي، قد علم بذلك النهي أنه قبيح محرم، سواء كان بدعة، أو لم يكن بدعة، فإذا كان لا منكر في الدين إلا ما نهى عنه بخصوصه سواء كان مفعولا على عهد رسول الله ﷺ ، أو لم يكن، وما نهى عنه، فهو منكر، سواء كان بدعة أو لم يكن، صار وصف البدعة عديم

стр. 129

التأثير، لا يدل وجوده على القبح، ولا عدمه على الحسن، بل يكون قوله: «كل بدعة ضلالة» بمنزلة قوله: كل عادة ضلالة. أو: كل ما عليه العرب أو العجم فهو ضلالة. ويراد بذلك: أن ما نهى عنه من ذلك فهو الضلالة. وهذا تعطيل للنصوص من نوع التحريف والإلحاد، وليس من نوع التأويل السائغ. ٣ - هَبْ أن البدع تنقسم إلى حسن وقبيح، فهذا القدر لا يمنع أن يكون هذا الحديث دالا على قبح الجميع، لكن أكثر ما يقال: أنه إذا ثبت أن هذا حسن يكون مستثنى من العموم، وإلا فالأصل أن كل بدعة ضلالة، فقد تبين أن الجواب عن كل ما يعارض به من أنه حسن، وهو بدعة: إما أنه ليس ببدعة، وإما أنه مخصوص، فقد سلمت دلالة الحديث. وهذا الجواب إنما هو عما ثبت حُسنه. فأما أمور أخرى قد يظن أنها حسنة وليست بحسنة، أو أمور يجوز أن تكون حسنة، ويجوز أن لا تكون حسنة، فلا تصلح المعارضة بها. بل يجاب عنها بالجواب المركب، وهو: إن ثبت أن هذا حسن فلا يكون بدعة، أو يكون مخصوصاً، وإن لم يثبت أنه حسن فهو داخل في العموم.

стр. 130

٤ - لا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله ﷺ الكلية، وهي قوله: «كل بدعة ضلالة» بسَلْب عمومها وهو أن يقال: ليست كل بدعة ضلالة. فإن هذا إلى مشاقة الرسول ﷺ أقرب منه إلى التأويل. بل الذي يقال فيما ثبت أنه حسن من الأعمال التي قد يقال هي بدعة: إن هذا العمل المعين ـ مثلا ـ ليس ببدعة، فلا يندرج في الحديث، أو إن اندرج لكنه مستثنى من هذا العموم لدليل كذا وكذا، الذي هو أقوى من العموم، مع أن الجواب الأول أجود. وهذا الجواب فيه نظر: فإنَّ قَصْدَ التعميم المحيط ظاهرٌ من رسول الله ﷺ بهذه الكلمة الجامعة، فلا يعدل عن مقصده ـ بأبي هو وأمي ﵊. ٥ - الرد على من يستدل بصلاة التراويح على تحسين بعض البدع: فأما صلاة التراويح فليست بدعة في الشريعة بل سنة، قد صلاها رسول الله ﷺ في الجماعة في أول شهر رمضان، ليلتين، بل ثلاثا، [البخاري٢٠١٢] وصلاها أيضاً في العشرالأواخر في جماعة مرات. [أبو داود١٣٧٥وصححه الألباني] وقال: «إن الرجل إذا صلى مع

стр. 131

الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة».كما قام بهم حتى خشَوا أن يفوتهم الفلاح. [ابن ماجه١٣٢٧وصححه الألباني] وبهذا الحديث احتج أحمد وغيره على أن فعلها في الجماعة أفضل من فعلها في حال الانفراد. وفي قوله هذا ترغيب لقيام رمضان خلف الإمام وذلك أوكد من أن يكون سنة مطلقة، وكان الناس يصلونها جماعات في المسجد، على عهده ﷺ ، وهو يقرهم، وإقراره سنة منه ﷺ . * وأما قول عمر ﵁: «نعمت البدعة هذه» فأكثر ما فيه تسمية عمر تلك بدعة، مع حسنها، وهذه تسمية لُغوية، لا تسمية شرعية. وذلك أن البدعة في اللغة تعم كل ما فعل ابتداء من غير مثال سابق، وأما البدعة الشرعية: فما لم يدل عليه دليل شرعي، فإذا كان نص رسول الله ﷺ قد دل على استحباب فعل، أو إيجابه بعد موته، أو دل عليه مطلقا، ولم يعمل به إلا بعد موته ككتاب الصدقة، الذي أخرجه أبو بكر ﵁، فإذا عمل ذلك العمل بعد موته، صح أن يسمي بدعة في اللغة، لأنه عمل مبتدأ، كما أن نفس الدين الذي جاء به النبي ﷺ يسمى بدعة، ويسمى محدثا في اللغة. ثم ذلك العمل الذي دل عليه الكتاب والسنة: ليس بدعة في

стр. 132

الشريعة، وإن سمي بدعة في اللغة. فلفظ البدعة في اللغة أعم من لفظ البدعة في الشريعة. وقد علم أن قول النبي ﷺ : «كل بدعة ضلالة» لم يُرَدْ به كل عمل مُبتَدَأ، فإن دين الإسلام ـ بل كل دين جاءت به الرسل ـ فهو عمل مبتدأ، وإنما أراد ما ابتُدِئ من الأعمال التي لم يشرعها هو ﷺ . وإذا كان كذلك فالنبي ﷺ قد كانوا يصلون قيام رمضان على عهده جماعة وفرادى، وقد قال لهم في الليلة الثالثة، أو الرابعة، لما اجتمعوا: «إنه لم يمنعني أن أخرج إليكم، إلا كراهة أن تفرض عليكم، فصلوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» [البخاري٢٠١٢، ٧٢٩٠] فعلل ﷺ عدم الخروج بخشية الافتراض، فعُلم بذلك أن المقتضي للخروج قائم، وأنه لولا خوف الافتراض لخرج إليهم، فلما كان في عهد عمر ﵁ جمعهم على قارئ واحد، وأسرج المسجد. فصارت هذه الهيئة، وهي اجتماعهم في المسجد وعلى إمام واحد مع الإسراج عملا لم يكونوا يعملونه من قبل، فسمي بدعة، لأنه في اللغة يسمى بذلك. ولم يكن بدعة شرعية، لأن السنة اقتضت أنه عمل صالح، لولا خوف

стр. 133

الافتراض، وخوف الافتراض زال بموته ﷺ فانتفى المعارض. * وهكذا جمع القرآن، فإن المانع من جمعه كان على عهد رسول الله ﷺ أن الوحي كان لا يزال ينزل، فيغير الله ما يشاء ويحكم ما يريد. فلو جمع في مصحف واحد، لتعسر أو تعذر تغييره كل وقت، فلما استقر القرآن بموته، واستقرت الشريعة بموته ﷺ أمن الناس من زيادة القرآن ونقصه، وأمنوا من زيادة الإيجاب والتحريم، والمقتضي للعمل قائم بسنته، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فعمل المسلمون بمقتضى سنته، وذلك العمل من سنته، وإن كان يسمى في اللغة بدعة. وهذا باب واسع. والضابط في هذا ـ والله أعلم ـ أن يقال: إن الناس لا يُحْدِثون شيئا إلا لأنهم يرَوْنه مصلحة، إذ لو اعتقدوه مفسدة لم يحدثوه، فإنه لا يدعو إليه عقل ولا دين. فما رآه الناس مصلحة نُظِر في السبب المحوج إليه، فإن كان السبب المحوج إليه أمراً حدث بعد النبي ﷺ من غير تفريط منا فهنا قد يجوز إحداث ما تدعو الحاجة إليه، وكذلك إن كان المقتضي لفعله قائماً على عهد رسول الله ﷺ ، لكن تركه النبي ﷺ لمعارض زال بموته.

стр. 134

* وأما ما لم يحدث سبب يحوج إليه، أو كان السبب المحوج إليه بعض ذنوب العباد، فهنا لا يجوز الإحداث، فكل أمر يكون المقتضي لفعله على عهد رسول الله ﷺ موجوداً ـ لو كان مصلحة ولم يفعل ـ يعلم أنه ليس بمصلحة. وأما ما حدث المقتضي له بعد موته من غير معصية الخلق، فقد يكون مصلحة. ثم هنا للفقهاء طريقان: أحدهما: أن ذلك يفعل ما لم ينه عنه، وهذا قول القائلين بالمصالح المرسلة. والثاني: أن ذلك لا يفعل إن لم يؤمر به: وهو قول من لا يرى إثبات الأحكام بالمصالح المرسلة، وهؤلاء ضَربان: ١ - منهم من لا يثبت الحكم، إن لم يدخل في لفظ كلام الشارع، أو فعله، أو إقراره، وهم نفاة القياس. ٢ - ومنهم من يثبته بلفظ الشارع أو بمعناه وهم القياسيون. * فأما ما كان المقتضي لفعله موجوداً لو كان مصلحة، وهو مع هذا لم يشرعه، فوضْعُه تغيير لدين الله، وإنما دخل فيه من نسب إلى تغيير الدين، من الملوك والعلماء والعباد، أو من زلَّ منهم باجتهاد. فمثال هذا القسم: الأذان في العيدين، فإن هذا لما أحدثه بعض

стр. 135

الأمراء، أنكره المسلمون لأنه بدعة، فلو لم يكن كونه بدعة دليلاً على كراهته، وإلا لقيل: هذا ذكر لله ودعاء للخلق إلى عبادة الله، فيدخل في العمومات. كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٤١] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ﴾ [فصلت:٣٣] أو يقاس على الأذان في الجمعة، فإن الاستدلال على حُسن الأذان في العيدين، أقوى من الاستدلال على حسن أكثر البدع. بل يقال: تَرْك رسول الله ﷺ ـ مع وجود ما يُعتقَد مقتضِياً وزوال المانع ـ سنة، كما أن فِعْلَه سنة. فلما أمر بالأذان في الجمعة، وصلى العيدين بلا أذان ولا إقامة، كان ترْك الأذان فيهما سنة، فليس لأحد أن يزيد في ذلك، بل الزيادة في ذلك كالزيادة في أعداد الصلوات أو أعداد الركعات، أو صيام الشهر، أو الحج، فإن رجلا لو أحب أن يصلي الظهر خمس ركعات وقال: هذا زيادة عمل صالح، لم يكن له ذلك. وكذلك لو أراد أن ينصب مكاناً آخر يقصد لدعاء الله فيه وذكره، لم يكن له ذلك، وليس له أن يقول: هذه بدعة حسنة، بل يقال له كل بدعة ضلالة. ونحن نعلم أن هذا ضلالة قبل أن نعلم نهياً خاصاً عنها، أو

стр. 136

نعلم ما فيها من المفسدة. فهذا مثال لما حدث، مع قيام المقتضي له، وزوال المانع لو كان خيراً. فإن كل ما يبديه المُحْدِث لهذا من المصلحة، أو يستدل به من الأدلة، قد كان ثابتا على عهد رسول الله ﷺ ، ومع هذا لم يفعله رسول الله ﷺ ، فهذا الترك سنة خاصة، مقدمة على كل عموم وكل قياس. * ومثال ما حدثت الحاجة إليه من البدع بتفريط من الناس: تقديم الخطبة على الصلاة في العيدين، فإنه لما فعله بعض الأمراء أنكره المسلمون لأنه بدعة، واعتذر من أحدثه بأن الناس قد صاروا ينفضّون قبل سماع الخطبة، وكانوا على عهد رسول الله ﷺ لا ينفضّون حتى يسمعوا، أو أكثرهم. فيقال له: سبب هذا تفريطك، فإن النبي ﷺ كان يخطبهم خطبة يقصد بها نفعهم وتبليغهم وهدايتهم، وأنت قصدُك إقامة رياستك، وإن قصدت صلاح دينهم، فلا تعلمهم ما ينفعهم، فهذه المعصية منك لا تبيح لك إحداث معصية أخرى، بل الطريق في ذلك أن تتوب إلى الله، وتتبع سنة نبيه، وقد استقام الأمر، وإن لم يستقم فلا يسألك الله إلا عمن عملك، لا عن عملهم.

стр. 137

* وعامة الأمراء إنما أحدثوا أنواعا من السياسات الجائرة من أخذ الأموال لا يجوز أخذها، وعقوبات على الجرائم لا تجوز؛ لأنهم فرطوا في المشروع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلا فلو قبضوا ما يسوغ قبضه، ووضعوه حيث يسوغ وضعه، طالبين بذلك إقامة دين الله، لا رياسة نفوسهم، وأقاموا الحدود المشروعة على الشريف والوضيع، والقريب والبعيد، متحرين في ترغيبهم وترهيبهم للعدل الذي شرعه الله ـ لما احتاجوا إلى المكوس (١) الموضوعة، ولا إلى العقوبات الجائرة، ولا إلى من يحفظهم من العبيد والمستعبدين، كما كان الخلفاء الراشدون، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم من أمراء بعض الأقاليم. * وكذلك العلماء: إذا أقاموا كتاب الله وفقهوا ما فيه من البينات التي هي حجج الله، وما فيه من الهدى ـ الذي هو العلم النافع والعمل الصالح ـ وأقاموا حكمة الله التي بعث بها رسوله ﷺ ـ وهي سنته ـ لوجدوا فيها من أنواع العلوم النافعة ما يحيط بعلم عامة الناس، ولَمَيّزوا حينئذ بين المحق والمبطل من جميع الخلق،

стр. 138

بوصف الشهادة التي جعلها الله لهذه الأمة، حيث يقول : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] ولاستغنوا بذلك عما ابتدعه المبتدعون، من الحجج الفاسدة، التي يزعم الكلاميون أنهم ينصرون بها أصل الدين، ومن الرأي الفاسد الذي يزعم القياسيون أنهم يُتِمّون به فروع الدين، وما كان من الحجج صحيحاً ومن الرأي سديداً، فذلك له أصل في كتاب الله وسنة رسوله، فهمه من فهمه، وحُرِمه من حُرِمه. * وكذلك العُبَّاد: إذا تعبدوا بما شرع من الأقوال والأعمال ظاهرًا وباطنًا، وذاقوا طعم الكلم الطيب، والعمل الصالح الذي بعث الله به رسوله ﷺ ، وجدوا في ذلك من الأحوال الزكية، والمقامات العلية، والنتائج العظيمة، ما يُغْنيهم عما قد يحدث في نوعه: كالتغبير ونحوه، من السماعات المبتدعة، الصارفة عن سماع القرآن، وأنواع من الأذكار والأوراد، لفَّقَها بعضُ الناس. أو في قَدْره: كزيادات من التعبدات، أحدثها من أحدثها لِنَقْص تمسكه بالمشروع منها، وإن كان كثير من العلماء والعُبَّاد ـ بل والأمراء ـ معذوراً فيما أحدثه لنوع اجتهاد.

стр. 139

فالغرض أن يعرف الدليل الصحيح، وإن كان التارك له قد يكون معذوراً لاجتهاده، بل قد يكون صِدِّيقاً عظيماً، فليس من شرط الصديق أن يكون قوله كله صحيحاً، وعمله كله سنة، إذ كان يكون بمنزلة النبي ﷺ . الوجه الثاني: في ذم المواسم والأعياد المحدثة: ما تشتمل عليه من الفساد في الدين . اعلم أنه ليس كل أحد، بل ولا أكثر الناس يدرك فساد هذا النوع من البدع، لا سيما إذا كان من جنس العبادات المشروعة، بل أولو الألباب هم الذين يدركون بعض ما فيه من الفساد. والواجب على الخلق: اتباع الكتاب والسنة، وإن لم يدركوا ما في ذلك من المصلحة والمفسدة، فننبه على بعض مفاسدها. فمن ذلك: ١ - أن من أحدث عملاً في يوم، كإحداث صوم أول خميس من رجب، والصلاة في ليلة تلك الجمعة، التي يسميها الجاهلون صلاة الغائب مثلا. وما يتبع ذلك، من إحداث أطعمة وزينة، وتوسيع في النفقة، ونحو ذلك. فلا بد أن يتبع هذا العمل اعتقاد في القلب. وذلك لأنه لا بد أن يعتقد أن هذا اليوم أفضل من أمثاله،

стр. 140

وأن الصوم فيه مستحب استحباباً زائداً على الخميس الذي قبله وبعده مثلاً، وأن هذه الليلة أفضل من غيرها من الجُمَع، وأن الصلاة فيها أفضل من الصلاة في غيرها من ليالي الجُمَع خصوصاً، وسائر الليالي عموماً، إذ لولا قيام هذا الاعتقاد في قلبه، أو في قلب متبوعه لما انبعث القلب لتخصيص هذا اليوم والليلة، فإن الترجيح من غير مرجح ممتنع. ومن قال: إن الصلاة أو الصوم في هذه الليلة كغيرها، هذا اعتقادي ومع ذلك فأنا أخصها، فلا بد أن يكون باعثه: إما موافقة غيره، وإما اتباع العادة، وإما خوف اللوم له، ونحو ذلك، وإلا فهو كاذب. فالداعي إلى هذا العمل لا يخلو قط من أن يكون ذلك الاعتقاد الفاسد، أو باعثاً آخر غير ديني، وذلك الاعتقاد ضلال. فإنا قد علمنا يقيناً أن النبي ﷺ وأصحابه وسائر الأئمة، لم يذكروا في فضل هذا اليوم والليلة ولا في فضل صومه بخصوصه، وفضل قيامها بخصوصها حرفاً واحداً. وأن الحديث المأثور فيها موضوع، وأنها إنما حدثت في الإسلام بعد المائة الرابعة، ولا يجوز ـ والحال هذه ـ أن يكون لها فضل؛ لأن ذلك الفضل إن لم يعلمه النبي ﷺ ،

стр. 141

ولا أصحابه ولا التابعون، ولا سائر الأئمة، امتنع أن نعلم نحن من الدين الذي يقرب إلى الله ما لم يعلَمْه النبي ﷺ ، والصحابة، والتابعون وسائر الأئمة. وإن علموه امتنع ـ مع توفر دواعيهم على العمل الصالح، وتعليم الخلق، والنصيحة لهم ـ أن لا يُعْلِموا أحداً بهذا الفضل ولا يسارع إليه واحد منهم. فإذا كان هذا الفضل المدَّعَى، مستلزماً لعدم علم الرسول وخير القرون ببعض دين الله، أو لكتمانهم وتَرْكهم ما تقتضي شريعتهم وعاداتهم أن لا يكتموه ولا يتركوه، وكل واحد من اللازمين مُنْتَفٍ: إما بالشرع وإما بالعادة مع الشرع ـ عُلِمَ انتفاء الملزوم، وهو الفضل المدَّعَى. ٢ - هذا العمل المبتدع مستلزم: إما لاعتقادٍٍ هو ضلالٌ في الدين، أو عملِ دين لغير الله سبحانه، والتدين بالاعتقادات الفاسدة، أو التدين لغير الله لا يجوز. فهذه البدع ـ وأمثالها ـ مستلزمة قطعاً، أو ظاهراً لفعل ما لا يجوز. فأقل أحوال المستلزم ـ إن لم يكن محرماً ـ أن يكون مكروهاً، وهذا المعنى سارٍٍ في سائر البدع المحدثة. ثم هذا الاعتقاد يتبعه

стр. 142

أحوال في القلب: من التعظيم، والإجلال، وتلك الأحوال أيضاً باطلة، ليست من دين الله. ولو فُرِض أن الرجل قد يقول: أنا لا أعتقد الفضل فلا يمكنه مع التعبد أن يزيل الحال الذي في قلبه من التعظيم والإجلال، والتعظيم والإجلال لا ينشأ إلا بشعور من جنس الاعتقاد، ولو أنه توَهَّمَ أو ظَنَّ أن هذا أمر ضروري، فإن النفس لو خلَتْ عن الشعور بفضل الشيء امتنع مع ذلك أن تعظمه، ولكن قد تقوم بها خواطر متقابلة: فهو من حيث اعتقاده أنه بدعة، يقتضي منه ذلك عدم تعظيمه. ومن حيث شعوره بما رُوِى فيه ـ أو بفعل الناس له، أو بأن فلاناً وفلاناً فعلوه، أو بما يظهر له فيه من المنفعة ـ يقوم بقلبه عظمته. فعلمتَ أن فعل هذه البدع يناقض الاعتقادات الواجبة، وينازع الرسل ما جاءوا به عن الله. وأنها تورث القلب نفاقاً، ولو كان نفاقاً خفيفاً. ومثلها مثل أقوام كانوا يعظمون أبا جهل، أو عبد الله بن أبي، لرياسته وماله ونسبه، وإحسانه إليهم، وسلطانه عليهم، فإذا ذمه الرسول أو بين نقصه، أو أمر بإهانته أو قتله، فمن لم يخلص إيمانه،

стр. 143

وإلا يبقى في قلبه منازعة بين طاعة الرسول، التابعة لاعتقاده الصحيح، واتباع ما في نفسه من الحال التابع لتلك الظنون الكاذبة. فمن تدبر هذا، علم يقيناً ما في حشو البدع من السموم المُضْعِفة للإيمان، ولهذا قيل: إن البدع مشتقة من الكفر. * وهذا المعنى الذي ذكرته معتبر في كل ما نهى عنه الشارع، من أنواع العبادات التي لا مزية لها في الشرع ـ إذا جاز أن يتوهم لها مزية ـ كالصلاة عند القبور، أو الذبح عند الأصنام، ونحو ذلك، وإن لم يكن الفاعل معتقداً للمزية، لكن نفس الفعل قد يكون مظنة للمزية، فكما أن إثبات الفضيلة الشرعية مقصود، فرفع الفضيلة غير الشرعية مقصود أيضاً. شبهة: إن قيل: هذا يعارضه أن هذه المواسم ـ مثلاً ـ فعلها قوم من أولي العلم والفضل، الصديقين فمن دونهم، وفيها فوائد يجدها المؤمن في قلبه وغير قلبه: من طهارة قلبه ورقته، وزوال آصار الذنوب عنه، وإجابة دعائه، ونحو ذلك، مع ما ينضم إلى ذلك من العمومات الدالة على فضل الصلاة والصيام. كقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى﴾ [العلق:١٠، ٩] وقوله ﷺ : «

стр. 144

الصلاة نور» [مسلم٢٢٣] ونحو ذلك. الرد: ١ - لا ريب أن من فعلها متأولاً مجتهداً أو مقلداً كان له أجرٌ على حسن قصده، وعلى عمله، من حيث ما فيه من المشروع، وكان ما فيه من المبتدَع مغفوراً له، إذا كان في اجتهاده أو تقليده من المعذورين، وكذلك ما ذُكِر فيها من الفوائد كلها، إنما حصلت لما اشتملت عليه من المشروع في جنسه: كالصوم والذكر، والقراءة، والركوع، والسجود، وحسن القصد في عبادة الله وطاعته ودعائه. وما اشتملت عليه من المكروه، انتفى موجبه بعفو الله عنه، لاجتهاد صاحبها أو تقليده، وهذا المعنى ثابت في كل ما يذكر في بعض البدع المكروهة من الفائدة. لكن هذا القدر لا يمنع كراهتها والنهي عنها، والاعتياض عنها بالمشروع، الذي لا بدعة فيه، كما أن الذين زادوا الأذان في العيدين هم كذلك، بل اليهود والنصارى يجدون في عباداتهم أيضاً فوائد، وذلك لأنه لابد أن تشتمل عبادتهم على نوع ما، مشروع في جنسه، كما أن أقوالهم لابد أن تشتمل على صدق ما، مأثور عن الأنبياء. ثم مع ذلك لا يوجب ذلك أن نفعل عباداتهم، أو نروي

стр. 145

كلماتهم؛ لأن جميع المبتدعات لابد أن تشتمل على شر راجح على ما فيها من الخير؛ إذ لو كان خيرها راجحاً لما أهملتها الشريعة. فنحن نستدل بكونها بدعة على أن إثمها أكبر من نفعها، وذلك هو الموجب للنهي. وأقول: إن إثمها قد يزول عن بعض الأشخاص لمعارض، لاجتهاد أو غيره، كما يزول إثم النبيذ والربا المختلف فيهما عن المجتهدين من السلف، ثم مع ذلك يجب بيان حالها، وأن لا يقتدي بمن استحلها، وأن لا يقصر في طلب العلم المبيِّن لحقيقتها. وهذا الدليل كاف في بيان أن هذه البدع مشتملة على مفاسد اعتقادية، أو حالية مناقضة لما جاء به الرسول ﷺ ، وأن ما فيها من المنفعة مرجوح لا يصلح للمعارضة. ٢ - إذا فعلها قوم ذوو فضل ودين فقد تركها في زمان هؤلاء، معتقداً لكراهتها، وأنكرها قومٌ ـ إن لم يكونوا أفضل ممن فعلها ـ فليسوا دونهم. ولو كانوا دونهم في الفضل فقد تنازع فيها أولو الأمر، فترد إلى الله والرسول. وكتاب الله وسنة رسوله مع من كرهها، لا مع من رخص فيها. ثم عامة المتقدمين، الذين هم
следующие страницы →