← Акыда

Акыда · id 36155

تهذيب اقتضاء الصراط المستقيم

شحاتة صقر

Полный текст (280 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ولا أصحابه ولا التابعون، ولا سائر الأئمة، امتنع أن نعلم نحن من الدين الذي يقرب إلى الله ما لم يعلَمْه النبي ﷺ ، والصحابة، والتابعون وسائر الأئمة. وإن علموه امتنع ـ مع توفر دواعيهم على العمل الصالح، وتعليم الخلق، والنصيحة لهم ـ أن لا يُعْلِموا أحداً بهذا الفضل ولا يسارع إليه واحد منهم. فإذا كان هذا الفضل المدَّعَى، مستلزماً لعدم علم الرسول وخير القرون ببعض دين الله، أو لكتمانهم وتَرْكهم ما تقتضي شريعتهم وعاداتهم أن لا يكتموه ولا يتركوه، وكل واحد من اللازمين مُنْتَفٍ: إما بالشرع وإما بالعادة مع الشرع ـ عُلِمَ انتفاء الملزوم، وهو الفضل المدَّعَى. ٢ - هذا العمل المبتدع مستلزم: إما لاعتقادٍٍ هو ضلالٌ في الدين، أو عملِ دين لغير الله سبحانه، والتدين بالاعتقادات الفاسدة، أو التدين لغير الله لا يجوز. فهذه البدع ـ وأمثالها ـ مستلزمة قطعاً، أو ظاهراً لفعل ما لا يجوز. فأقل أحوال المستلزم ـ إن لم يكن محرماً ـ أن يكون مكروهاً، وهذا المعنى سارٍٍ في سائر البدع المحدثة. ثم هذا الاعتقاد يتبعه

стр. 142

أحوال في القلب: من التعظيم، والإجلال، وتلك الأحوال أيضاً باطلة، ليست من دين الله. ولو فُرِض أن الرجل قد يقول: أنا لا أعتقد الفضل فلا يمكنه مع التعبد أن يزيل الحال الذي في قلبه من التعظيم والإجلال، والتعظيم والإجلال لا ينشأ إلا بشعور من جنس الاعتقاد، ولو أنه توَهَّمَ أو ظَنَّ أن هذا أمر ضروري، فإن النفس لو خلَتْ عن الشعور بفضل الشيء امتنع مع ذلك أن تعظمه، ولكن قد تقوم بها خواطر متقابلة: فهو من حيث اعتقاده أنه بدعة، يقتضي منه ذلك عدم تعظيمه. ومن حيث شعوره بما رُوِى فيه ـ أو بفعل الناس له، أو بأن فلاناً وفلاناً فعلوه، أو بما يظهر له فيه من المنفعة ـ يقوم بقلبه عظمته. فعلمتَ أن فعل هذه البدع يناقض الاعتقادات الواجبة، وينازع الرسل ما جاءوا به عن الله. وأنها تورث القلب نفاقاً، ولو كان نفاقاً خفيفاً. ومثلها مثل أقوام كانوا يعظمون أبا جهل، أو عبد الله بن أبي، لرياسته وماله ونسبه، وإحسانه إليهم، وسلطانه عليهم، فإذا ذمه الرسول أو بين نقصه، أو أمر بإهانته أو قتله، فمن لم يخلص إيمانه،

стр. 143

وإلا يبقى في قلبه منازعة بين طاعة الرسول، التابعة لاعتقاده الصحيح، واتباع ما في نفسه من الحال التابع لتلك الظنون الكاذبة. فمن تدبر هذا، علم يقيناً ما في حشو البدع من السموم المُضْعِفة للإيمان، ولهذا قيل: إن البدع مشتقة من الكفر. * وهذا المعنى الذي ذكرته معتبر في كل ما نهى عنه الشارع، من أنواع العبادات التي لا مزية لها في الشرع ـ إذا جاز أن يتوهم لها مزية ـ كالصلاة عند القبور، أو الذبح عند الأصنام، ونحو ذلك، وإن لم يكن الفاعل معتقداً للمزية، لكن نفس الفعل قد يكون مظنة للمزية، فكما أن إثبات الفضيلة الشرعية مقصود، فرفع الفضيلة غير الشرعية مقصود أيضاً. شبهة: إن قيل: هذا يعارضه أن هذه المواسم ـ مثلاً ـ فعلها قوم من أولي العلم والفضل، الصديقين فمن دونهم، وفيها فوائد يجدها المؤمن في قلبه وغير قلبه: من طهارة قلبه ورقته، وزوال آصار الذنوب عنه، وإجابة دعائه، ونحو ذلك، مع ما ينضم إلى ذلك من العمومات الدالة على فضل الصلاة والصيام. كقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى﴾ [العلق:١٠، ٩] وقوله ﷺ : «

стр. 144

الصلاة نور» [مسلم٢٢٣] ونحو ذلك. الرد: ١ - لا ريب أن من فعلها متأولاً مجتهداً أو مقلداً كان له أجرٌ على حسن قصده، وعلى عمله، من حيث ما فيه من المشروع، وكان ما فيه من المبتدَع مغفوراً له، إذا كان في اجتهاده أو تقليده من المعذورين، وكذلك ما ذُكِر فيها من الفوائد كلها، إنما حصلت لما اشتملت عليه من المشروع في جنسه: كالصوم والذكر، والقراءة، والركوع، والسجود، وحسن القصد في عبادة الله وطاعته ودعائه. وما اشتملت عليه من المكروه، انتفى موجبه بعفو الله عنه، لاجتهاد صاحبها أو تقليده، وهذا المعنى ثابت في كل ما يذكر في بعض البدع المكروهة من الفائدة. لكن هذا القدر لا يمنع كراهتها والنهي عنها، والاعتياض عنها بالمشروع، الذي لا بدعة فيه، كما أن الذين زادوا الأذان في العيدين هم كذلك، بل اليهود والنصارى يجدون في عباداتهم أيضاً فوائد، وذلك لأنه لابد أن تشتمل عبادتهم على نوع ما، مشروع في جنسه، كما أن أقوالهم لابد أن تشتمل على صدق ما، مأثور عن الأنبياء. ثم مع ذلك لا يوجب ذلك أن نفعل عباداتهم، أو نروي

стр. 145

كلماتهم؛ لأن جميع المبتدعات لابد أن تشتمل على شر راجح على ما فيها من الخير؛ إذ لو كان خيرها راجحاً لما أهملتها الشريعة. فنحن نستدل بكونها بدعة على أن إثمها أكبر من نفعها، وذلك هو الموجب للنهي. وأقول: إن إثمها قد يزول عن بعض الأشخاص لمعارض، لاجتهاد أو غيره، كما يزول إثم النبيذ والربا المختلف فيهما عن المجتهدين من السلف، ثم مع ذلك يجب بيان حالها، وأن لا يقتدي بمن استحلها، وأن لا يقصر في طلب العلم المبيِّن لحقيقتها. وهذا الدليل كاف في بيان أن هذه البدع مشتملة على مفاسد اعتقادية، أو حالية مناقضة لما جاء به الرسول ﷺ ، وأن ما فيها من المنفعة مرجوح لا يصلح للمعارضة. ٢ - إذا فعلها قوم ذوو فضل ودين فقد تركها في زمان هؤلاء، معتقداً لكراهتها، وأنكرها قومٌ ـ إن لم يكونوا أفضل ممن فعلها ـ فليسوا دونهم. ولو كانوا دونهم في الفضل فقد تنازع فيها أولو الأمر، فترد إلى الله والرسول. وكتاب الله وسنة رسوله مع من كرهها، لا مع من رخص فيها. ثم عامة المتقدمين، الذين هم

стр. 146

أفضل من المتأخرين، مع هؤلاء. ٣ - ما فيها من المنفعة، يعارضه ما فيها من مفاسد البدع الراجحة. منها: مع ما تقدم من المفسدة الاعتقادية والحالية: أ- أن القلوب تستعذبها وتستغني بها عن كثير من السنن، حتى تجد كثيراً من العامة يحافظ عليها، ما لا يحافظ على التراويح والصلوات الخمس. ب- أن الخاصة والعامة، تنقص ـ بسببها ـ عنايتهم بالفرائض والسنن، ورغبتهم فيها، فتجد الرجل يجتهد فيها، ويُخْلِص ويُنيب، ويفعل فيها ما لا يفعله في الفرائض والسنن، حتى كأنه يفعل هذه عبادة، ويفعل الفرائض والسنن عادة ووظيفة، وهذا عكس الدين، فيفوته بذلك ما في الفرائض والسنن من المغفرة والرحمة والرقة والطهارة والخشوع، وإجابة الدعوة، وحلاوة المناجاة، إلى غير ذلك من الفوائد. وإن لم يَفُتْه هذا كلُّه، فلابد أن يفوته كماله. جـ- ما في ذلك من مصير المعروف منكراً، والمنكر معروفاً.

стр. 147

وجهالة أكثر الناس بدين المرسلين، وانتشار زرع الجاهلية. د - اشتمالها على أنواع من المكروهات في الشريعة مثل: تأخير الفطور، وأداء العشاء الآخرة بلا قلوب حاضرة، والمبادرة إلى تعجيلها، والسجود بعد السلام لغير سهو، وأنواع من الأذكار ومقاديرها لا أصل لها، إلى غير ذلك من المفاسد التي لا يدركها إلا من استنارت بصيرته، وسلمت سريرته. هـ- مسارقة الطبع إلى الانحلال من ربقة الاتباع وفوات سلوك الصراط المستقيم، وذلك أن النفس فيها نوع من الكبر، فتحب أن تخرج من العبودية والاتباع بحسب الإمكان، كما قال أبو عثمان النيسابوري ﵀: «ما ترك أحد شيئاً من السنة إلا لكبر في نفسه»، ثم هذا مظنة لغيره، فينسلخ القلب عن حقيقة اتباع الرسول ﷺ ، ويصير فيه من الكبر وضعف الإيمان ما يفسد عليه دينه، أو يكاد، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. وما تقدم التنبيه عليه في أعياد أهل الكتاب من المفاسد التي توجد في كلا النوعين المحدثين، النوع الذي فيه مشابهة، والنوع الذي لا مشابهة فيه.

стр. 148

الأعياد الزمانية المبتدعة قد تقدم أن العيد يكون اسماً لنفس المكان، ولنفس الزمان، ولنفس الاجتماع. وهذه الثلاثة قد أحدث منها أشياء. أما الزمان فثلاثة أنواع: ويدخل فيها بعض بدع أعياد المكان والأفعال. النوع الأول من الأعياد الزمانية: يوم لم تعظمه الشريعة أصلاً، ولم يكن له ذكر في السلف، ولا جرى فيه ما يوجب تعظيمه: مثل أول خميس من رجب، وليلة تلك الجمعة، المسماة عند الجاهلين بصلاة الرغائب. والصواب الذي عليه المحققون من أهل العلم، النهي عن إفراد هذا اليوم بالصوم، وعن هذه الصلاة المحدثة، وعن كل ما فيه تعظيم لهذا اليوم من صنعة الأطعمة، وإظهار الزينة، ونحو ذلك حتى يكون هذا اليوم بمنزلة غيره من الأيام، وحتى لا يكون له مزية أصلاً. وكذلك يوم آخر في وسط رجب، يصلى فيه صلاة تسمى صلاة أم داود، فإن تعظيم هذا اليوم لا أصل له في الشريعة أصلاً.

стр. 149

النوع الثاني من الأعياد الزمانية: ما جرى فيه حادثة كما كان يجري في غيره، من غير أن يوجب ذلك جعله موسماً، ولا كان السلف يعظمونه، كثامن عشر ذي الحجة الذي خطب النبي ﷺ فيه بغدير خم مرجعه من حجة الوداع، فإنه ﷺ خطب فيه خطبة وصَّى فيها باتباع كتاب الله، ووصى فيها بأهل بيته كما روى ذلك مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم ﵁. [مسلم٢٤٠٨] فزاد بعض أهل الأهواء (١) في ذلك حتى زعموا أنه عهد إلى علي ﵁ بالخلافة بالنص الجَلِيّ، بعد أن فرش له، وأقعده على فراش عالية، وذكروا كلاماً وعملاً قد علم بالاضطرار أنه لم يكن من ذلك شيء، وزعموا أن الصحابة ﵃ تمالؤوا على كتمان هذا النص، وغصبوا الوصي حقه، وفسقوا وكفروا، إلا نفراً قليلاً. والعادة التي جبل الله عليها بني آدم، ثم ما كان القوم عليه من الأمانة والديانة، وما أوجبته شريعتهم من بيان الحق يوجب العلم اليقيني بأن مثل هذا ممتنع كتمانه. وليس الغرض الكلام في مسألة الإمامة، وإنما الغرض أن اتخاذَ

стр. 150

هذا اليوم عيداً محدثٌ لا أصل له، فلم يكن في السلف ـ لا من أهل البيت ولا من غيرهم ـ مَن اتخذ ذلك اليوم عيداً، حتى يحدث فيه أعمالاً. إذ الأعياد شريعة من الشرائع، فيجب فيها الاتباع، لا الابتداع. وللنبي ﷺ خطب وعهود ووقائع في أيام متعددة: مثل يوم بدر، وحنين، والخندق، وفتح مكة، ووقت هجرته، ودخوله المدينة، وخطب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين. ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ أمثال تلك الأيام أعياداً. وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى ﵇ أعياداً، أو اليهود، وإنما العيد شريعة، فما شرعه الله اتُّبِع. وإلا لم يُحْدَث في الدين ما ليس منه. اتخاذ مولد النبي ﷺ عيداً مضاهاة للنصارى في عيد ميلاد عيسى ﵇ -: ما يحدثه بعض الناس ـ إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى ﵇، وإما محبة للنبي ﷺ ، وتعظيماً. والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد، لا على البدع ـ من اتخاذ مولد النبي ﷺ عيداً. مع اختلاف الناس في مولده. فإن هذا لم يفعله السلف، مع قيام المقتضي

стр. 151

له وعدم المانع منه لو كان خيراً. ولو كان هذا خيراً محضًا، أو راجحاً لكان السلف ﵃ أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله ﷺ وتعظيماً له منا، وهم على الخير أحرص. وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره، وإحياء سنته باطناً وظاهراً، ونشر ما بُعِث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان. فإن هذه طريقة السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان. وأكثر هؤلاء الذين تجدهم حراصاً على أمثال هذه البدع، مع ما لهم من حسن القصد، والاجتهاد الذي يرجى لهم بهما المثوبة، تجدهم فاترين في أمر الرسول ﷺ ، عما أمروا بالنشاط فيه، وإنما هم بمنزلة من يحلّي المصحف ولا يقرأ فيه، أو يقرأ فيه ولا يتبعه وبمنزلة من يزخرف المسجد، ولا يصلي فيه، أو يصلي فيه قليلاً، وبمنزلة من يتخذ المسابيح والسجادات المزخرفة. وأمثال هذه الزخارف الظاهرة التي لم تشرع، ويصحبها من الرياء والكبر، والاشتغال عن المشروع ما يفسد حال صاحبها. واعلم أن من الأعمال ما يكون فيه خير، لاشتماله على أنواع من

стр. 152

المشروع، وفيه أيضاً شر، من بدعة وغيرها، فيكون ذلك العمل خيراً بالنسبة إلى ما اشتمل عليه من أنواع المشروع وشراً بالنسبة إلى ما اشتمل عليه من الإعراض عن الدين بالكلية كحال المنافقين والفاسقين. وهذا قد ابتلى به أكثر الأمة في الأزمان المتأخرة. فعليك هنا بأدبين: أحدهما: أن يكون حرصك على التمسك بالسنة باطناً وظاهراً، في خاصتك وخاصة من يطيعك. وأعرف المعروف وأَنْكِر المنكر. الثاني: أن تدعو الناس إلى السنة بحسب الإمكان فإذا رأيت من يعمل هذا ولا يتركه إلا إلى شر منه، فلا تدعو إلى ترك منكر بفعل ما هو أنكر منه، أو بترك واجب أو مندوب تركه أضر من فعل ذلك المكروه، ولكن إذا كان في البدعة من الخير، فعوِّض عنه من الخير المشروع بحسب الإمكان، إذ النفوس لا تترك شيئاً إلا بشيء، ولا ينبغي لأحد أن يترك خيراً إلا إلى مثله أو إلى خير منه. النوع الثالث من الأعياد الزمانية: ما هو معظَّم في الشريعة، كيوم عاشوراء، ويوم عرفة، ويومَي العيدين، والعشر الأواخر من شهر رمضان، والعشر الأول من ذي الحجة، وليلة الجمعة

стр. 153

ويومها، والعشر الأول من المحرم، ونحو ذلك من الأوقات الفاضلة. فهذا الضَّرب قد يحدث فيه ما يُعتقَد أن له فضيلة، وتوابع ذلك ما يصير منكراً يُنهى عنه: مثل ما أحدث بعض أهل الأهواء (١)، في يوم عاشوراء، من التعطش، والتحَزّن والتجمع، وغير ذلك من الأمور المحدثة التي لم يشرعها الله تعالى ولا رسوله ﷺ ، ولا أحد من السلف، لا من أهل بيت رسول الله ﷺ ، ولا من غيرهم، لكن لما أكرم الله فيه سبط نبيه، أحد سيدي شباب أهل الجنة، وطائفة من أهل بيته، بأيدي الفجرة الذين أهانهم الله، وكانت هذه مصيبة عند المسلمين، يجب أن تُتَلقَّى بما يُتَلقَّى به المصائب، من الاسترجاع المشروع، فأحدث بعض أهل البدع، في مثل هذا اليوم خلاف ما أمر الله به عند المصائب، وضموا إلى ذلك من الكذب والوقيعة في الصحابة، البُرَآء من فتنة الحسين ﵁، وغيرها، أموراً أخرى، مما يكرهها الله ورسوله. وأما اتخاذ أمثال أيام المصائب مآتم فهذا ليس في دين المسلمين، بل هو إلى دين الجاهلية أقرب. ثم فَوّتُوا بذلك ما في صوم هذا اليوم من الفضل، وأحدث بعض الناس فيه أشياء مستندة إلى أحاديث موضوعة، لا أصل لها، مثل:

стр. 154

فضل الاغتسال فيه، أو التكحل، أو المصافحة وهذه الأشياء ونحوها، من الأمور المبتدعة، كلها مكروهة. وإنما المستحب صومه. وقد رُوي في التوسيع على العيال في آثار معروفة، أعلى ما فيها حديث إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه قال: «بلَغَنا أنه من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنَتِه» رواه عنه ابن عيينة. وهذا بلاغ منقطع لا يعرف قائله. والأشبه أن هذا وُضِعَ لما ظهرت العصبية بين الناصبة، والرافضة، فإن هؤلاء اتخذوا يوم عاشوراء مأتماً، فوضع أولئك فيه آثاراً تقتضي التوسع فيه، واتخاذه عيداً، وكلاهما باطل. وهؤلاء فيهم بدع وضلال، وأولئك فيهم بدع وضلال وإن كانت الشيعة أكثر كذباً وأسوأ حالاً. لكن لا يجوز لأحد أن يغير شيئاً من الشريعة لأجل أحد، وإظهار الفرح والسرور يوم عاشوراء، وتوسيع النفقات فيه، هو من البدع المحدثة المقابلة للرافضة. وقد وضعت في ذلك أحاديث مكذوبة في فضائل ما يصنع فيه من الاغتسال، والاكتحال وغير ذلك. وليس فيها ما يصح. وقد يكون سبب الغلو في تعظيمه من بعض المنتسبة لمقابلة الروافض، فإن الشيطان قصده أن يحرف الخلق

стр. 155

عن الصراط المستقيم، ولا يبالي إلى أي الشقين صاروا. فينبغي أن يجتنب جميع هذه المحدثات. ما أحدثه بعض الناس من البدع في شهر رجب: ومن هذا الباب: شهر رجب ـ فإنه أحد الأشهر الحرم ـ واتخاذه موسماً بحيث يفرد بالصوم، مكروه عند الإمام أحمد وغيره، كما روي عن عمر بن الخطاب وأبي بكرة وغيرهما من الصحابة ﵃. وروى ابن ماجةأن النبي ﷺ «نهى عن صوم رجب». وليس بالقوي. [ابن ماجه١٧٤٣وقال الألباني: ضعيف جداً] وهل الإفراد المكروه أن يصومه كله؟ أو أن لا يقرن به شهراً آخر؟ فيه للأصحاب وجهان. ما أحدثه بعض الناس من البدع في شهر شعبان، خاصة ليلة النصف منه: ومن هذا الباب: ليلة النصف من شعبان، فقد روى في فضلها من الأحاديث المرفوعة والآثار ما يقتضي أنها ليلة مفضلة (١) وأن من

стр. 156

السلف من كان يخصها بالصلاة فيها. وصوم شهر شعبان قد جاءت فيه أحاديث صحيحة. ومن العلماء: من السلف، من أهل المدينة، وغيرهم من الخلف، من أنكر فضلها، وطعن في الأحاديث الواردة فيها، كحديث: «إن الله يغفر فيها لأكثر من عدد شعر غنم كلب». [ابن ماجه١٣٨٩وضعفه الألباني] وقال: لا فرق بينها وبين غيرها. لكن الذي عليه كثير من أهل العلم، أو أكثرهم ـ من أصحابنا وغيرهم ـ على تفضيلها، وعليه يدل نص أحمد، لتعدد الأحاديث الواردة فيها، وما يصدق ذلك من الآثار السلفية، وقد روي بعض فضائلها في المسانيد والسنن. وإن كان قد وُضع فيها أشياء أخر. فأما صوم يوم النصف مفرداً فلا أصل له، بل إفراده مكروه، وكذلك اتخاذه موسماً تصنع فيه الأطعمة، وتظهر فيه الزينة، هو من المواسم المحدثة المبتدعة، التي لا أصل لها. وكذلك ما قد أحدث في ليلة النصف، من الاجتماع العام للصلاة الألفية، في المساجد الجامعة، ومساجد الأحياء والدروب والأسواق. فإن هذا الاجتماع ـ لصلاة نافلة مقيدة بزمان وعدد،

стр. 157

وقدر من القراءة لم يشرع ـ مكروه. فإن الحديث الوارد في الصلاة الألفية موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث، وما كان هكذا لا يجوز استحباب صلاة بناءً عليه، وإذا لم يُستحب فالعمل المقتضي لاستحبابها مكروه، ولو سوغ أن كل ليلة لها نوع فضل، تخص بصلاة مبتدعة يجتمع لها، لكان يفعل مثل هذه الصلاة، أو أزيد أو أنقص، ليلتي العيدين، وليلة عرفة، كما أن بعض أهل البلاد يقيمون مثلها أول ليلة من رجب. وكما بلغني أنه كان في بعض القرى يصلون بعد المغرب صلاة مثل المغرب في جماعة، يسمونها صلاة بر الوالدين. وكما كان بعض الناس يصلي كل ليلة في جماعة صلاة الجنازة على من مات من المسلمين في جميع الأرض، ونحو ذلك من الصلوات الجماعية التي لم تشرع. وعليك أن تعلم: أنه إذا استحب التطوع المطلق في وقت معين، وجوز التطوع في جماعة، لم يلزم من ذلك تسويغ جماعة راتبة غير مشروعة، ففرق بين البابَيْن، وذلك أن الاجتماع لصلاة تطوع، أو استماع قرآن، أو ذكر الله، ونحو ذلك، إذا كان يفعل أحياناً، فهذا حسن. فقد صح عن النبي ﷺ : «أنه صلى التطوع في جماعة

стр. 158

أحياناً». [البخاري٧٢٧، مسلم٣٣، ٦٥٨ - ٦٦٠] وخرج على أصحابه وفيهم من يقرأ وهم يستمعون، فجلس معهم يستمع.» (١) وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا اجتمعوا أمروا واحداً يقرأ وهم يستمعون. وقد ورد في القوم الذين يجلسون يتدارسون كتاب الله ويتلونه، وفي القوم الذين يذكرون الله من الآثار ما هو معروف مثل قوله ﷺ : «ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا غشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة، وحفَّتْهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» [مسلم٢٦٩٩] وورد أيضاً «في الملائكة الذين يلتمسون مجالس الذكر فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم». [البخاري٦٤٠٨] فأما اتخاذ اجتماع راتب يتكرر بتكرر الأسابيع أو الشهور أو الأعوام، غير الاجتماعات المشروعة، فإن ذلك يضاهي الاجتماع للصلوات الخمس، وللجمعة، وللعيدين وللحج. وذلك هو

стр. 159

المبتدع المحدَث. ففرق بين ما يتخذ سنة وعادة، فإن ذلك يضاهي المشروع. وهذا الفرق هو المنصوص عن الإمام أحمد، وغيره من الأئمة فروى أبو بكر الخلال، في كتاب الأدب، عن إسحاق بن منصور الكوسج، أنه قال لأبي عبد الله: تكره أن يجتمع القوم يدعون الله ويرفعون أيديهم؟ قال: ما أكرهه للإخوان إذا لم يجتمعوا على عمد، إلا أن يكثروا. قال إسحاق بن راهويه كما قال. وإنما معنى أن لا يكثروا: أن لا يتخذوها عادة حتى يكثروا. هذا كلام إسحاق. وقال المروزي: سألت أبا عبد الله عن القوم يبيتون، فيقرأ قارئ ويدعون حتى يصبحوا؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأس. وقال أبو أمية الطرسوسي: سألت أحمد بن حنبل عن القوم يجتمعون ويقرأ لهم القارئ قراءة حزينة فيبكون، وربما أطفئوا السراج. فقال لي أحمد: إن كان يقرأ قراءة أبي موسى فلا بأس. وروى الخلال عن الأوزاعي: أنه سئل عن القوم يجتمعون فيأمرون رجلا فيقص عليهم. قال: إذا كان ذلك يوما بعد الأيام

стр. 160

فليس به بأس. فقيد أحمد الاجتماع على الدعاء بما إذا لم يتخذ عادة. وأصل هذا: أن العبادات المشروعة، التي تتكرر بتكرر الأوقات، حتى تصير سننا ومواسم، قد شرع الله منها ما فيه كفاية العباد، فإذا أُحدث اجتماع زائد على هذه الاجتماعات معتاد، كان ذلك مضاهاة لما شرعه الله وسنه. وفيه من الفساد ما تقدم التنبيه على بعضه، بخلاف ما يفعله الرجل وحده، أو الجماعة المخصوصة أحياناً، ولهذا كره الصحابة إفراد صوم رجب، لما شُبِّه برمضان. فكما أن تطوع الصلاة فرادى وجماعة مشروع، من غير أن يتخذ جماعة عامة متكررة، تشبه المشروع من الجمعة، والعيدين والصلوات الخمس، فكذلك تطوع القراءة والذكر والدعاء، جماعة (١) وفرادى، يفرق بين الكثير الظاهر منه، والقليل الخفي، والمعتاد وغير المعتاد، وكذلك كل ما كان مشروع الجنس، لكن البدعة اتخاذه عادة لازمة، حتى يصير كأنه واجب.

стр. 161

وأما ما يُفعل في هذه المواسم مما جنسه منهي عنه في الشرع، فهذا لا يُحتاج إلى ذكره. لأن ذلك لا يحتاج أن يدخل في هذا الباب مثل: رفع الأصوات في المساجد، واختلاط الرجال والنساء، أو كثرة إيقاد المصابيح زيادة على الحاجة، أو إيذاء المصلين أو غيرهم بقول أو فعل، فإن قبح هذا ظاهر لكل مسلم. وإنما هذا من جنس سائر الأقوال المحرمة في المساجد، سواء حرمت في المسجد وغيره، كالفواحش والفحش، أو صِينَ عنها المسجد: كالبيع وإنشاد الضالة، وإقامة الحدود ونحو ذلك. ما جاء في الصلاة الألفية المزعومة: وقد ذكر بعض المتأخرين ـ من أصحابنا وغيرهم ـ أنه يستحب قيام هذه الليلة بالصلاة التي يسمونها الألفية؛ لأن فيها قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ألف مرة. وربما استحبوا الصوم أيضاً، وعمدتهم في خصوص ذلك: الحديث الذي يُروى عن النبي ﷺ في ذلك. وقد يعتمدون على العمومات التي تندرج فيها هذه الصلاة، وعلى ما جاء في فضل هذه الليلة. بخصوصها، وما جاء من الأثر بإحيائها، وعلى الاعتياد، حيث فيها من المنافع والفوائد ما يقتضي

стр. 162

الاستحباب كجنسها من العبادات. فأما الحديث المرفوع في هذه الصلاة الألفية: فكذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث. وأما العمومات الدالة على استحباب الصلاة فحق، لكن العمل المعين إما أن يستحب بخصوصه، أو يستحب لما فيه من المعنى العام. فأما المعنى العام فلا يوجب جعل خصوصها مستحبا ومن استحبَّها ذكَرها في النفل المقيد، كصلاة الضحى والتراويح. وهذا خطأ، ولهذا لم يذكر هذا أحد من الأئمة المعدودين، لا الأولين ولا الآخرين. وإنما كره التخصيص لما صار يخص ما لا خصوص له بالاعتقاد والاقتصاد، كما كره النبي ﷺ : إفراد يوم الجمعة بالصيام، وإفراد ليلة الجمعة بالقيام، وصار نظير هذا لو أحدثت صلاة مقيدة ليالي العشر، أو بين العشائين، ونحو ذلك. فالعبادات ثلاثة:١ - ما هو مستحب بخصوصه، كالنفل المقيد، من ركعتي الفجر، وقيام رمضان، ونحو ذلك. وهذا منه: أ- المؤقَّت كقيام الليل. ب - ومنه المقَيَّد بسبب، كصلاة

стр. 163

الاستسقاء. جـ - ثم قد يكون مقدَّراً في الشريعة بعدد، كالوتر. د- وقد يكون مطلَقاً مع فضل الوقت: كالصلاة يوم الجمعة قبل الصلاة، فصارت أقسام المقيد أربعة. ٢ - ومن العبادات ما هو مستحب بعموم معناه، كالنفل المطلق. ٣ - ومنها ما هو مكروه تخصيصه لا مع غيره كقيام ليلة الجمعة. وقد يكره مطلقا، إلا في أحوال مخصوصة، كالصلاة في أوقات النهي. الأعياد المكانية المبتدعة بدعة الاجتماع عند القبور يوم عرفة: وقد يحدث في اليوم الفاضل، مع العيد العملي المُحْدَث، العيد المكاني، فيغلظ قبح هذا، ويصير خروجاً عن الشريعة. فمن ذلك: ما يفعل يوم عرفة، مما لا أعلم بين المسلمين خلافاً في النهي عنه، وهو قصد قبر بعض من يحسن به الظن يوم عرفة، والاجتماع العظيم عند قبره، كما يفعل في بعض أرض المشرق والمغرب، والتعريف هناك، كما يفعل بعرفات فإن هذا نوع من الحج المبتدع

стр. 164

الذي لم يشرعه الله، ومضاهاة للحج الذي شرعه الله، واتخاذ القبور أعياداً. بدعة السفر إلى بيت المقدس للتعريف فيه: وكذلك السفر إلى بيت المقدس، للتعريف فيه، فإن هذا أيضاً ضلال بين، فإن زيارة بيت المقدس مستحبة مشروعة للصلاة فيه والاعتكاف، وهو أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، لكن قصد إتيانه في أيام الحج هو المكروه، فإن ذلك تخصيص وقت معين بزيارة بيت المقدس، ولا خصوص لزيارته في هذا الوقت على غيره. ثم فيه أيضاً مضاهاة للحج إلى المسجد الحرام، وتشبيه له بالكعبة، ولهذا قد أفضى إلى ما لا يشك مسلم في أنه شريعة أخرى، غير شريعة الإسلام، وهو ما قد يفعله بعض الضُلّال من الطواف بالصخرة، أو من حلق الرأس هناك، أو من قصد النسك هناك. بدعة الطواف بالقبة التي بجبل الرحمة: وكذلك ما يفعله بعض الضلال، من الطواف بالقبة التي بجبل الرحمة بعرفة كما يُطاف بالكعبة. فأما الاجتماع في هذا الموسم لإنشاد الغناء أو الضرب بالدف بالمسجد الأقصى ونحوه، فمن أقبح المنكرات من

стр. 165

جهات أخرى، منها: فعل ذلك في المسجد، فإن ذلك فيه ما نهى عنه خارج المساجد، فكيف بالمسجد الأقصى. ومنها: اتخاذ الباطل دينا. ومنها فعله في الموسم. حكم التعريف بالأمصار: فأما قصد الرجل مسجد بلده يوم عرفة للدعاء والذكر فهذا هو التعريف في الأمصار الذي اختلف العلماء فيه، ففعله ابن عباس [مصنف عبد الرزاق٨١٢٢، -٨١٢٤ وإسناده ضعيف]، وعمرو بن حريث من الصحابة [ابن أبي شيبة (٤/ ٣٧٢) وإسناده صحيح] وطائفة من البصريين والمدنيين. ورخص فيه أحمد وإن كان مع ذلك لا يستحبه. هذا هو المشهور عنه، وكرهه طائفة من الكوفيين والمدنيين، كإبراهيم النخعي [ابن أبي شيبة (٤/ ٣٧٣) وإسناده صحيح] وأبي حنيفة ومالك، وغيرهم. ومن كرهه قال: هو من البدع، فيندرج في العموم لفظا ومعنى. ومن رخص فيه قال: فعله ابن عباس بالبصرة حين كان خليفة لعلي بن أبي طالب ﵄، ولم ينكر عليه، وما يفعل في عهد الخلفاء الراشدين من غير إنكار لا يكون بدعة.

стр. 166

لكن ما يزاد على ذلك من رفع الأصوات الرفع الشديد في المساجد بالدعاء، وأنواع من الخطب والأشعار الباطلة مكروه في هذا اليوم وغيره. قال المروزي: سمعت أبا عبد الله يقول ينبغي أن يسر دعاءه، لقوله: ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء:١١٠] قال: هذا في الدعاء. قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: وكان يكره أن يرفعوا أصواتهم بالدعاء. وروى الخلال بإسناد صحيح، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: «أحدث الناس الصوت عند الدعاء». وعن سعيد بن أبي عروبة: أن مجالد بن سعيد سمع قوما يعجون في دعائهم، فمشى إليهم فقال: أيها القوم، إن كنتم أصبتم فضلاً على من كان قبلكم لقد ضللتم» قال: فجعلوا يتسللون رجلا رجلا، حتى تركوا بغيتهم التي كانوا فيها. والفرق بين هذا التعريف المختلف فيه، وتلك التعريفات التي لم يختلف فيها: أن في تلك قصد بقعة بعينها للتعريف فيها، كقبر الصالح، أو كالمسجد الأقصى، وهذا تشبيه بعرفات، بخلاف مسجد المصر، فإنه قصد له بنوعه لا بعينه، ونوع المساجد مما شرع قصدها، فإن الآتي إلى المسجد ليس قصده مكانا معينا لا يتبدل

стр. 167

اسمه وحكمه، وإنما الغرض بيت من بيوت الله، بحيث لو حُوّل ذلك المسجد لتحول حكمه، ولهذا لا تتعلق القلوب إلا بنوع المسجد لا بخصوصه. شد الرحال إلى مكان للتعريف فيه بدعة: وأيضاً، فإن شد الرحال إلى مكان للتعريف فيه، مثل الحج، بخلاف المصر، ألا ترى أن النبي ﷺ قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا». [البخاري١١٨٩، مسلم١٣٩٧] هذا مما لا أعلم فيه خلافاً. فقد نهى النبي ﷺ عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة، ومعلوم أن إتيان الرجل مسجد مصره إما واجب كالجمعة وإما مستحب كالاعتكاف فيه. وأيضا فإن التعريف عند القبر اتخاذ له عيداً، وهذا بنفسه محرم، سواء كان فيه شد للرحل، أو لم يكن، وسواء كان في يوم عرفة أو في غيره، وهو من الأعياد المكانية مع الزمانية. وأما ما أحدث في الأعياد، من ضرب البوقات والطبول فإن هذا مكروه في العيد وغيره، لا اختصاص للعيد به، وكذلك لبس

стр. 168

الحرير، أو غير ذلك من المنهي عنه في الشرع وترك السنن من جنس فعل البدع، فينبغي إقامة المواسم على ما كان السابقون الأولون يقيمونها، من الصلاة والخطبة المشروعة، والتكبير والصدقة في الفطر، والذبح في الأضحى. فإن من الناس من يقصر في التكبير المشروع. ومن الأئمة من يترك أن يخطب للرجال والنساء. كما كان رسول الله ﷺ يخطب الرجال ثم النساء. ومنهم من لا يذكر في خطبته ما ينبغي ذكره، بل يعدل إلى ما تقل فائدته، ومنهم من لا ينحر بعد الصلاة بالمصلى وهو ترك للسنة، إلى أمور أخرى من السنة، فإن الدين هو فعل المعروف والأمر به، وترك المنكر والنهي عنه. أقسام الأعياد المكانية وأما الأعياد المكانية فتنقسم أيضاً كالزمانية - ثلاثة أقسام: أحدهما: ما لا خصوص له في الشريعة. والثاني: ما له خصيصة لا تقتضي قصده للعبادة فيه. والثالث: ما يشرع العبادة فيه، لكن لا يتخذ عيداً. والأقسام الثلاثة جاءت الآثار بها. مثل قوله ﷺ للذي نذر أن

стр. 169

ينحر ببوانة: «أَبِهَا وثنٌ من أوثان المشركين، أو عيد من أعيادهم؟» قال: لا. قال: «فأوف بنذرك». [أبو داود٣٣١٣, وصححه الألباني] ومثل قوله ﷺ : «لا تجعلوا قبري عيداً». [أبو داود٢٠٤٢وصححه الألباني] ومثل نهي عمر عن اتخاذ آثار الأنبياء أعياداً. فهذه الأقسام الثلاثة: أحدها: مكان لا فضل له في الشريعة أصلاً، ولا فيه ما يوجب تفضيله، بل هو كسائر الأمكنة، أو دونها، فقَصْد ذلك المكان، أو قصد الاجتماع فيه ـ لصلاة أو دعاء، أو ذكر، أو غير ذلك ـ ضلال بيِّن. ثم إن كان به بعض آثار الكفار، من اليهود أو النصارى أو غيرهم، صار أقبح وأقبح، ودخل في هذا الباب وفي الباب قبله، في مشابهة الكفار، وهذه أنواع لا يمكن ضبطها، بخلاف الزمان، فإنه محصور. وهذا الضَّرب (١) أقبح من الذي قبله، فإن هذا يشبه عباده الأوثان أو هو ذريعة إليها، أو نوع من عبادة الأوثان، إذ عُبَّاد الأوثان كانوا يقصدون بقعة بعينها لتمثال هناك أو غير تمثال، يعتقدون أن ذلك يقربهم إلى الله تعالى.

стр. 170

ولما كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم، ويسمونها ذات أنواط، فقال بعض الناس: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط. فقال: «الله أكبر، قلتم كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم». [الترمذي٢٢٨٥، المسند٢١٧٩٤وصححه الألباني] فأنكر النبي ﷺ مجرد مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها، معلقين عليها سلاحهم. فكيف بما هو أعظم من ذلك من مشابهتهم المشركين، أو هو الشرك بعينه؟ فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها، ولم تَستحب الشريعة ذلك، فهو من المنكرات، وبعضه أشد من بعض، سواء كانت البقعة شجرة أو عين ماء أو قناة جارية، أو جبلاً، أو مغارة، وسواء قصدها ليصلي عندها، أو ليدعو عندها، أو ليقرأ عندها، أو ليذكر الله سبحانه عندها، أو ليتنسك عندها، بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيص تلك البقعة به لا عيناً ولا نوعا. وأقبح من ذلك أن ينذر لتلك البقعة دهناً لِتُنَوَّرَ به، ويقال: إنها تقبل النذر، كما يقول بعض الضالين. فإن هذا النذر نذر

стр. 171

معصية باتفاق العلماء، ولا يجوز الوفاء به، بل عليه كفارة عند كثير من أهل العلم، منهم أحمد في المشهور عنه، وعنه رواية هي قول أبي حنيفة والشافعي وغيرهما: أنه يستغفر الله من هذا النذر، ولا شيء عليه. وكذلك إذا نذر طعاماً من الخبز أو غيره للحيتان التي في تلك العين، أو البئر. وكذلك إذا نذر مالاً من النقد أو غيره للسدنة، أو المجاورين العاكفين بتلك البقعة، فإن هؤلاء السدنة فيهم شبه من السدنة التي كانت لللات والعزى ومناة، يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله، والمجاورون هناك فيهم شبه من العاكفين الذين قال لهم إبراهيم الخليل إمام الحنفاء، ﷺ : ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [سورة الأنبياء:٥٢] وقال: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٧٥ - ٧٧] والذين أتى عليهم موسى ﵇ وقومه، كما قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾ [الأعراف:١٣٨] فالنذر لأولئك السدنة والمجاورين في هذه البقاع التي لا فضل

стр. 172

في الشريعة للمجاور بها، نذر معصية، وفيه شبه من النذر لسدنة الصلبان والمجاورين عندها. ثم هذا المال المنذور، إذا صرفه في جنس تلك العبادة من المشروع، مثل أن يصرفه في عمارة المساجد، أو للصالحين من فقراء المسلمين، الذين يستعينون بالمال على عبادة الله وحده ـ لا شريك له ـ كان حسناً. فمن هذه الأمكنة ما يظن أنه قبر نبي، أو رجل صالح، وليس كذلك، أو يظن أنه مقام له، وليس كذلك. وهذا باب واسع أذكر بعض أعيانه. فمن ذلك: عدة أمكنة بدمشق، مثل مشهد لأُبَيّ بن كعب خارج الباب الشرقي، ولا خلاف بين أهل العلم، أن أبي بن كعب إنما توفي بالمدينة، لم يمت بدمشق. والله أعلم قبر من هو، لكنه ليس بقبر أُبَيّ بن كعب صاحب رسول الله ﷺ بلا شك. وكذلك مكان بالحائط القبلي، بجامع دمشق، يقال إن فيه قبر هود ﵇، وما علمت أحداً من أهل العلم ذكر أن هوداً النبي مات بدمشق، بل قد قيل إنه مات باليمن، وقيل بمكة، فإن مبعثه كان

стр. 173

باليمن، ومهاجره بعد هلاك قومه كان إلى مكة، فأما الشام فلا داره ولا مهاجره، فموته بها والحال هذه مع أن أهل العلم لم يذكروه، بل ذكروا خلافه، في غاية البعد. وكذلك مشهد خارج الباب الغربي من دمشق، يقال إنه قبر أويس القرني، وما علمت أن أحدا ذكر أن أويساً مات بدمشق، ولا هو متوجه أيضاً، فإن أويساً قدم من اليمن إلى أرض العراق. وقد قيل إنه قتل بصفين، وقيل إنه مات بنواحي أرض فارس، وقيل غير ذلك. فأما الشام فما ذكر أنه قدم إليها فضلا عن الممات بها. ومن ذلك أيضاً، قبر يقال له: قبر أم سلمة زوج النبي ﷺ ، ولا خلاف أنها ﵂ ماتت بالمدينة لا بالشام، ولم تقدم الشام أيضا. فإن أم سلمة زوج النبي ﷺ ، لم تكن تسافر بعد رسول الله ﷺ . ومن ذلك: مشهد بقاهرة مصر يقال إن فيه رأس الحسين ﵁، وأصله أنه كان بعسقلان مشهد يقال إن فيه رأس الحسين، فحمل ـ فيما قيل ـ الرأس من هناك إلى مصر، وهو باطل باتفاق أهل العلم، لم يقل أحد من أهل العلم إن رأس الحسين كان بعسقلان، بل فيه أقوال ليس هذا منها، فإنه حُمل رأسه إلى قدام عبيد الله بن زياد

стр. 174

بالكوفة، حتى روى له عن النبي ﷺ ما يغيظه. وبعض الناس يذكر أن الرواية كانت أمام يزيد بن معاوية بالشام، ولا يثبت ذلك، فإن الصحابة المسمين في الحديث إنما كانوا بالعراق. وكذلك مقابر كثيرة لأسماء رجال معروفين، قد علم أنها ليست مقابرهم. فهذه المواضع ليست فيها فضيلة أصلاً، وإن اعتقد الجاهلون أن لها فضيلة، اللهم إلا أن يكون قبراً لرجل مسلم فيكون كسائر قبور المسلمين، ليس لها من الخصيصة ما يحسبه الجُهّال، وإن كانت القبور الصحيحة لا يجوز اتخاذها أعياداً، ولا أن يفعل ما يفعل عند هذه القبور المكذوبة، أو تكون قبرا لرجل صالح غير المسمى، فيكون من القسم الثاني. ومن هذا الباب أيضاً مواضع يقال إن فيها أثر النبي ﷺ أو غيره، ويضاهي بها مقام إبراهيم الذي بمكة، كما يقول الجُهّال في الصخرة التي ببيت المقدس، من أن فيها أثراً من وطء رسول الله ﷺ ، وبلغني أن بعض الجُهّال يزعم أنها من وطء الرب ! فيزعمون أن ذلك الأثر موضع القدم. وفي مسجد قبلي دمشق ـ

стр. 175

يسمى مسجد القَدَم ـ أثر أيضاً يقال إن ذلك أثر قدم موسى ﵇، وهذا باطل لا أصل له. ولم يقْدُم موسى دمشق ولا ما حولها. وكذلك مشاهد تضاف إلى بعض الأنبياء أو الصالحين بناء على أنه رُؤِى في المنام هناك، ورؤية النبي ﷺ أو الرجل الصالح في المنام ببقعة لا يوجب لها فضيلة تُقْصد البقعة لأجلها، وُتتَّخذ مُصَلَّى، بإجماع المسلمين. وإنما يفعل هذا وأمثاله أهل الكتاب، وربما صُوِّر فيها صورة النبي أو الرجل الصالح أو بعض أعضائه، مضاهاة لأهل الكتاب، كما كان في بعض مساجد دمشق، مسجد يسمى مسجد الكف، فيه تمثال كف يقال إنه كف علي بن أبي طالب ﵁ حتى هدم الله ذلك الوثن. وهذه الأمكنة كثيرة موجودة في أكثر البلاد. وفي الحجاز مواضع، كغار عن يمين الطريق وأنت ذاهب من بدر إلى مكة يقال إنه الغار الذي كان فيه النبي ﷺ وأبو بكر، وإنه الغار الذي ذكره الله في قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَار﴾ [سورة التوبة:٤٠] ولا خلاف بين أهل العلم أن الغار المذكور في القرآن إنما هو غار بجبل ثور، قريب من مكة، معروف عند أهل مكة إلى

стр. 176

اليوم. فهذه البقاع التي يعتقد لها خصيصة ـ كائنة ما كانت ـ فإن تعظيم مكان لم يعظمه الشرع شر من تعظيم زمان لم يعظمه، فإن تعظيم الأجسام بالعبادة عندها أقرب إلى عبادة الأوثان من تعظيم الزمان، حتى أنه ينبغي تجنب الصلاة فيها، وإن كان المصلي لا يقصد تعظيمها، لئلا يكون ذلك ذريعة إلى تخصيصها بالصلاة فيها، كما ينهى عن الصلاة عند القبور المحققة، وإن لم يكن المصلي يقصد الصلاة لأجلها. وكما ينهى عن إفراد الجمعة بالصوم، وإن كان الصائم لا يقصد التخصيص بذلك الصوم، فإن ما كان مقصودا بالتخصيص، مع النهي عن ذلك، ينهى عن تخصيصه أيضاً بالفعل. وما أشبه هذه الأمكنة بمسجد الضرار الذي أسس على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم. فإن ذلك المسجد لما بُنِي ضراراً وكفراً، وتفريقا بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل، نهى الله نبيه ﷺ عن الصلاة فيه، وأمر بهدْمه. وهذه المشاهد الباطلة، إنما وضعت مضاهاة لبيوت الله،

стр. 177

وتعظيماً لما لم يعظمه الله، وعكوفاً على أشياء لا تنفع ولا تضر، وصداً للخلق عن سبيل الله، وهي عبادته وحده لا شريك له بما شرعه على لسان رسوله ﷺ ، واتخاذها عيداً هو الاجتماع عندها واعتياد قصدها، فإن العيد من المعاودة. ويلتحق بهذا الضَّرب ـ لكنه ليس منه ـ مواضع يدعى لها خصائص لا تثبت، مثل كثير من القبور التي يقال إنها قبر نبي، أو قبر صالح، أو مقام نبي، أو صالح، ونحو ذلك، وقد يكون ذلك صدقاً، وقد يكون كذباً. وأكثر المشاهد التي على وجه الأرض من هذا الضَّرب. فإن القبور الصحيحة والمقامات الصحيحة قليلة جداً. وكان غير واحد من أهل العلم يقول: لا يثبت من قبور الأنبياء إلا قبر نبينا ﷺ . وغيره قد يثبت غير هذا أيضاً مثل: قبر إبراهيم الخليل ﵇، وقد يكون عُلم أن القبر في تلك الناحية لكن يقع الشك في عينه، ككثير من قبور الصحابة التي بباب الصغير من دمشق، فإن الأرض غُيِّرت مرات، فتعيين قبر أنه قبر بلال أو غيره لا يكاد يثبت، إلا من طريق خاصة، وإن كان لو ثبت ذلك لم يتعلق به حكم شرعي مما قد أُحدِث عندها. ولكن الغرض أن نبين هذا

стр. 178

القسم الأول، وهو تعظيم الأمكنة، التي لا خصيصة لها: إما مع العلم بأنه لا خصيصة لها، أو مع عدم العلم بأن لها خصيصة، إذ العبادة والعمل بغير علم منهي عنه، كما أن العبادة والعمل بما يخالف العلم منهيٌّ عنه، ولو كان ضبط هذه الأمور من الدين لما أُهمل، ولما ضاع عن الأمة المحفوظِ دينُها، المعصومةِ عن الخطأ. وأكثر ما تجد الحكايات المتعلقة بهذا عند السدنة والمجاورين لها الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله. وقد يحكي من الحكايات التي فيها تأثير، مثل أن رجلاً دعا عندها فاستُجيب له، أو نذر لها إن قضى الله حاجته فقضيت حاجته، ونحو ذلك. وبمثل هذه الأمور كانت تُعبد الأصنام فإن القوم كانوا أحياناً يخاطبون من الأوثان، وربما تقضي حوائجهم إذا قصدوها، وكذلك يجري لأهل الأبداد (١) من أهل الهند وغيرهم. وربما قيست على ما شرع الله تعظيمه من بيته المحجوج، والحجر الأسود الذي شرع الله استلامه وتقبيله، كأنه يمينه، والمساجد التي هي بيوته. وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس، وبمثل هذه الشبهات حدث الشرك في أهل الأرض. وقد صح عن النبي ﷺ أنه نهى عن

стр. 179

النذر وقال: «إنه لا يأتي بخير وإنما يُسْتَخرج به من البخيل» [البخاري٦٦٩٣، ٦٦٩٤، مسلم٢٦٣٩] فإذا كان نذر الطاعات المعلقة بشرط لا فائدة فيه، ولا يأتي بخير، فما الظن بالنذر لما لا يضر ولا ينفع؟. أسباب إجابة الدعاء عند القبور وغيرها: وأما إجابة الدعاء، فقد يكون سببه اضطرار الداعي وصدقه، وقد يكون سببه مجرد رحمة الله له، وقد يكون أمرا قضاه الله لا لأجل دعائه، وقد يكون له أسباب أخرى، وإن كانت فتنة في حق الداعي. فإنا نعلم أن الكفار قد يستجاب لهم فيُسْقَوْن، ويُنصرون ويُعانون، ويُرزقون، مع دعائهم عند أوثانهم وتوسلهم بها. وقد قال الله تعالى: ﴿كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ [الإسراء:٢٠] وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن:٦] وأسباب المقدورات فيها أمور يطول تعدادها، ليس هذا موضع تفصيلها. وإنما على الخلق اتباع ما بعث الله به المرسلين، والعلم بأن فيه خير الدنيا والآخرة.

стр. 180

النوع الثاني من الأمكنة: ما له خصيصة لكن لا يقتضي اتخاذه عيداً، ولا الصلاة ونحوها من العبادات عنده: فمن هذه الأمكنة: قبور الأنبياء والصالحين، وقد جاء عن النبي ﷺ ، والسلف، النهي عن اتخاذها عيداً، عموما وخصوصاً. وبينوا معنى العيد. فأما العموم: فقال رسول الله ﷺ : «لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم». [أبو داود٢٠٤٢وصححه الألباني] ووجه الدلالة: أن قبر رسول الله ﷺ أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى عن اتخاذه عيداً. فقبر غيره أولى بالنهي كائناً من كان، ثم إنه قَرَن ذلك بقوله ﷺ : «ولا تتخذوا بيوتكم قبوراً» أي لا تعطلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبه بهم. ثم إنه ﷺ أعقب النهي عن اتخاذه عيداً بقوله: «صَلُّوا علي فإن صلاتَكم تبلغُني حيثما كنتم» يشير بذلك ﷺ إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم منه فلا حاجة
следующие страницы →