تفسيرها هكذا، يذكر الرجل نوعاً من أنواع المسمى لحاجة المستمع إليه، أو لينبِّه به على الجنس، كما لو قال العجمي: ما الخبز؟ فيعطى رغيفاً ويقال له: هذا، بالإشارة إلى الجنس، لا إلى عين الرغيف.
ولكن قد قال قوم: إن المراد: شهادة الزور التي هي الكذب، وهذا فيه نظر، فإنه تعالى قال: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ ولم يقل: لا يشهدون بالزور.
والعرب تقول: شهدت كذا: إذا حضرته، كقول ابن عباس: شهدت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [البخاري٩٦٢] وأما (شهدت بكذا) فمعناه: أخبرت به.
وأعياد المشركين إذا كان الله قد مدح ترك شهودها، الذي هو مجرد الحضور، برؤية أو سماع، فكيف بالموافقة بما يزيد على ذلك، من العمل الذي هو عمل الزور، لا مجرد شهوده؟
ثانيًا: السنة
الوجه الأول: روى أنس بن مالك ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: «ما هذان
стр. 72
اليومان؟» قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ : «إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر» [أبو داود١١٣٤، وصححه الألباني]
فوجه الدلالة: أن العيدين الجاهليين لم يقرُّهما رسول الله ﷺ ولا تركهم يلعبون فيهما على العادة، بل قال: «إن الله قد أبدلكم بهما يومين آخرين»، والإبدال من الشيء، يقتضي ترك المبدل منه، إذ لا يجمع بين البدل والمبدل منه، ولهذا لا تستعمل هذه العبارة إلا فيما ترك اجتماعهما، كقوله سبحانه: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ [الكهف:٥٠] وقوله: ﴿وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ:١٦]
فقوله ﷺ : «إن الله قد أبدلَكم بهما خيراً منهما» يقتضي ترك الجمع بينهما لا سيما وقوله: «خيراً منهما» يقتضي الاعتياض بما شرع لنا، عما كان في الجاهلية.
وأيضاً ـ فقوله لهم: «إن الله قد أبدلكم»، لما سألهم عن اليومين فأجابوه: بأنهما يومان كانوا يلعبون فيهما في الجاهلية، دليل
стр. 73
على أنه نهاهم عنهما اعتياضاً بيومي الإسلام، إذ لو لم يقصد النهي لم يكن ذكر هذا الإبدال مناسباً، إذ أصل شرع اليومين الإسلاميين كانوا يعلمونه، ولم يكونوا ليتركوه لأجل يومي الجاهلية.
وفي قول أنس: ولهم يومان يلعبون فيهما وقول النبي ﷺ : «إن الله قد أبدلكم بهما يومين خيراً منهما» دليل على أن أنساً ﵁ فهم من قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أبدلكم بهما» تعويضاً باليومين المبدلين.
وأيضاً ـ فإن ذينك اليومين الجاهليين قد ماتا في الإسلام، فلم يبق لهما أثر على عهد رسول الله ﷺ ، ولا عهد خلفائه ولو لم يكن قد نهى الناس عن اللعب فيهما، ونحوه مما كانوا يفعلونه لكانوا قد بقوا على العادة، إذ العادات لا تغيَّر إلا بمغيِّر يزيلها، ولاسيما وطباع النساء والصبيان، وكثير من الناس متشوفة إلى اليوم الذي يتخذونه عيداً للبطالة واللعب، ولهذا قد يعجز كثير من الملوك والرؤساء عن نقل الناس عن عاداتهم في أعيادهم، لقوة مقتضيها من نفوسهم، وتوفر همم الجماهير على اتخاذها، فلولا قوة المانع من رسول الله ﷺ لكانت باقية، ولو على وجه ضعيف، فعلم أن المانع القوي منه كان
стр. 74
ثابتاً، وكل ما منع النبي منعاً قوياً كان محرماً إذ لا يعني بالمحرم إلا هذا.
وهذا أمر بيِّن لا شبهة فيه؛ فإن مثل ذينك العيدين، لو عاد الناس إليهما بنوع مما كان يفعل فيهما ـ إن رخص فيه ـ كان مراغمة بينه وبين ما نهى عنه، فهو المطلوب.
والمحذور في أعياد أهل الكتابين التي نقرهم عليها، أشد من المحذور في أعياد الجاهلية التي لا نقرهم عليها، فإن الأمة قد حذروا مشابهة اليهود والنصارى، وأخبروا أن سيفعل قوم منهم هذا المحذور، بخلاف دين الجاهلية، فإنه لا يعود إلا في آخر الدهر، عند اخترام أنفس المؤمنين عموماً، ولو لم يكن أشد منه، فإنه مثله على ما لا يخفى، إذ الشر الذي له فاعل موجود، يخاف على الناس منه أكثر من شر لا مقتضى له قوي.
الوجه الثاني: عن ثابت بن الضحاك قال: «نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ : أن ينحر إبلا ببوانة، فأتى رسول الله ﷺ : «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبد؟» قالوا: لا، قال: «فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟» قالوا: لا. قال رسول الله ﷺ : «أَوْفِ
стр. 75
بنَذْرك، فإنه لا وفاءَ لنذرٍ في معصية الله، ولا فيما لا يملكُ ابنُ آدم» [أبو داود٣٣١٣ وصححه الألباني]
فوجه الدلالة: أن هذا الناذر كان قد نذر أن يذبح نعما: إما إبلا، وإما غنما، وإما كانت قضيتين، بمكان سماه، فسأله النبي ﷺ : هل كان بها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قال: لا، قال: فهل كان بها عيد من أعيادهم؟ قال: لا، فقال: أوف بنذرك، ثم قال: لا وفاء لنذر في معصية الله».وهذا يدل على أن الذبح بمكان عيدهم ومحل أوثانهم ـ معصية لله، وإذا كان الذبح بمكان عيدهم منهياً عنه، فكيف بالموافقة في نفس العيد بفعل بعض الأعمال التي تعمل بسبب عيدهم؟
يوضح ذلك: أن العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد، عائد: إما بعود السنة، أما بعود الأسبوع، أو الشهر، أو نحو ذلك. فالعيد: يجمع أموراً:
* منها: يوم عائد، كيوم الفطر، ويوم الجمعة.
* ومنها: اجتماع فيه.
* ومنها: أعمال تتبع ذلك: من العبادات والعادات، وقد
стр. 76
يختص العيد بمكان بعينه، وقد يكون مطلقاً، وكل من هذه الأمور قد يسمى عيداً.
فالزمان كقوله ﷺ ليوم الجمعة: «إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين». [ابن ماجه١٠٩٧، وحسنه الألباني] والاجتماع والأعمال: كقول ابن عباس: شهدت العيد مع رسول الله ﷺ . [البخاري٩٦٢، مسلم٨٨٤] والمكان: كقوله ﷺ : «لا تجعلوا قبري عيداً». [أبو داود٢٠٤٢، وصححه الألبانى]
وقد يكون لفظ: العيد اسماً لمجموع اليوم والعمل فيه، وهو الغالب، كقوله ﷺ : «دعْهُما يا أبا بكر فإن لكل قومٍ عيداً وإن هذا عيدُنا» [البخاري٩٥٢، مسلم٨٩٢] فقول النبي ﷺ : «هل بها عيد من أعيادهم؟»، يريد اجتماعاً معتاداً من اجتماعاتهم التي كانت عيداً، فلما قال: لا، قال له: «أَوْفِ بنذرك»، وهذا يقتضي أن كون البقعة مكاناً لعيدهم مانع من الذبح بها ـ وإن نذر، كما أن كونها موضع أوثانهم كذلك، وإلا لما انتظَم الكلام، ولا حَسُنَ الاستفصال.
فإذا كان ﷺ قد نهى أن يُذبح في مكان كان الكفار يعملون فيه عيداً وإن كان أولئك الكفار قد أسلموا وتركوا ذلك العيد،
стр. 77
والسائل لا يتخذ المكان عيداً، بل يذبح فيه فقط: فقد ظهر أن ذلك سَدٌّ للذريعة إلى بقاء شيء من أعيادهم، خشية أن يكون الذبح هناك سبباً لإحياء أمر تلك البقعة، وذريعة إلى اتخاذها عيداً، مع أن ذلك العيد إنما كان يكون ـ والله أعلم ـ سوقاً يتبايعون فيها، ويلعبون، كما قالت له الأنصار: يومان كنا نلعب فيهما في الجاهلية. لم تكن أعياد الجاهلية عبادة لهم ولهذا فرق ﷺ بين كونها مكان وثن، وكونها مكان عيد. وهذا نهي شديد عن أن يفعل شيء من أعياد الجاهلية على أي وجه كان.
وأعياد الكفار: من الكتابِيِّين والأميين، في دين الإسلام، من جنس واحد، كما أن كفر الطائفتين سواء في التحريم، وإن كان بعضه أشد تحريماً من بعض، ولا يختلف حكمهما في حق المسلم، لكن أهل الكتابين أُقِرُّوا على دينهم، مع ما فيه من أعيادهم، بشرط: أن لا يظهروها، ولا شيئاً من دينهم، وأولئك لم ُيقَرُّوا، بل أعياد الكتابيين ـ التي تتخذ دينا وعبادة ـ أعظم تحريماً من عيد يتخذ لهواً ولعباً، لأن التعبد بما يسخطه الله ويكرهه أعظم من اقتضاء الشهوات بما حرمه، ولهذا كان الشرك أعظم إثماً من الزنا.
стр. 78
وإذا كان الشارع قد حسم مادة أعياد أهل الأوثان خشية أن يتدنَّس المسلم بشيء من أمر الكفار ـ الذين قد يئس الشيطان أن يقيم أمرهم في جزيرة العرب ـ فالخشية من تدنسه بأوضار (١) الكتابيين الباقين أشد، والنهي عنه أوْكد، كيف وقد تقدم الخبر الصادق بسلوك طائفة من هذه الأمة سبيلهم؟.
الوجه الثالث من السنة: أن هذا الحديث وغيره، قد دل على أنه كان للناس في الجاهلية أعياد يجتمعون فيها، ومعلوم أنه بمبعث رسول الله ﷺ ، محى الله ذلك عنه، فلم يبق شيء من ذلك.
ومعلوم أنه لولا نَهْيه ومنعه لما ترك الناس تلك الأعياد، لأن المقتضي لها قائم من جهة الطبيعة التي تحب ما يصنع في الأعياد، خصوصاً أعياد الباطل، من اللعب واللذات، ومن جهة العادة التي ألفت ما يعود من العيد، فإن العادة طبيعة ثانية، وإذا كان المقتضي قائماً قوياً، فلولا المانع القوي، لما درست تلك الأعياد.
وهذا يوجب العلم اليقيني، بأن إمام المتقين ﷺ كان يمنع أمته منعاً قوياً عن أعياد الكفار، ويسعى في دروسها، وطمسها بكل
стр. 79
سبيل، وليس في إقرار أهل الكتاب على دينهم، إبقاء لشيء من أعيادهم في حق أمته، كما أنه ليس في ذلك إبقاء في حق أمته، لما هم عليه في سائر أعمالهم، من سائر كفرهم ومعاصيهم، بل قد بالغ ﷺ في أمر أمته بمخالفتهم في كثير من المباحات، وصفات الطاعات، لئلا يكون ذلك ذريعة إلى موافقتهم في غير ذلك من أمورهم، ولتكون المخالفة في ذلك حاجزاً ومانعاً عن سائر أمورهم، فإنه كلما كثرت المخالفة بينك وبين أصحاب الجحيم، كان أبعد عن أعمال أهل الجحيم.
فليس بعد حرصه على أمته ونصحه لهم غاية ـ بأبي هو وأمي ـ وكل ذلك من فضل الله عليه وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
الوجه الرابع من السنة: في الصحيحين عن عائشة ﵄ قالت: دخل عليّ أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاوَلَتْ به الأنصار، يوم بُعاث، قالت: وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر ﵁:أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ وذلك يوم عيد فقال رسول الله ﷺ : «يا أبا بكر إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا»
стр. 80
وفي رواية: «يا أبا بكر إن لكل قوم عيداً وإن عيدنا هذا اليوم». وفي الصحيحين أيضاً - أنه قال: «دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد»، وتلك الأيام أيام منى. [البخاري٩٨٧، ٣٩٣١، ٩٥٢، مسلم٨٩٢]
فالدلالة من وجوه: ١ - قوله: «إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا»، فإن هذا يوجب اختصاص كل قوم بعيدهم، كما أن الله سبحانه لما قال: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة:١٤٨] وقال: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة٤٨] أوجب ذلك اختصاص كل قوم بوجهتهم وبشرعتهم، وذلك أن اللام تورث الاختصاص، فإذا كان لليهود عيد، وللنصارى عيد، كانوا مختصين به فلا نشركهم فيه، كما لا نشركهم في قبلتهم وشرعتهم. وكذلك ـ أيضاً ـ على هذا: لا ندعهم يشركوننا في عيدنا.
٢ - قوله: «وهذا عيدنا» فإنه يقتضي حصر عيدنا في هذا، فليس لنا عيد سواه، وكذلك قوله: «وإن عيدنا هذا اليوم»، فإن التعريف باللام والإضافة يقتضي الاستغراق، فيقتضي أن يكون جنس عيدنا منحصراً في جنس ذلك اليوم.
وكذا قوله: «وإن هذا اليوم». أي: جنس هذا اليوم، كما يقول
стр. 81
القائل لما يعاينه من الصلاة: هذه صلاة المسلمين، ويقول لمخرج الناس إلى الصحراء وما يفعلونه من التكبير والصلاة ونحو ذلك: هذا عيد المسلمين ونحو ذلك.
ومن هذا الباب: حديث عقبة عامر ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «يوم عرفة ويوم النحر، وأيام التشريق، عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب» [أبوداود٢٤١٩وصححه الألباني] فإنه دليل مفارقتنا لغيرنا في العيد، والتخصيص بهذه الأيام الخمسة؛ لأنه يجتمع فيها العيداًن: المكاني والزماني، ويطول زمنه، وبهذا يسمى العيد الكبير.
٣ - أنه رخص في لعب الجواري بالدف، وتغنيهن، معللاً بأن لكل قوم عيداً، وأن هذا عيدنا، وذلك يقتضي: أن الرخصة معللة بكونه عيد المسلمين، وأنها لا تتعدى إلى أعياد الكفار، وأنه لا يرخص في اللعب في أعياد الكفار، كما يرخص فيه في أعياد المسلمين. فلا يجوز لنا أن نفعل في كل عيد للناس من اللعب ما نفعل في عيد المسلمين، وهذا فيه دلالة على النهي عن التشبه بهم في اللعب ونحوه.
стр. 82
الوجه الخامس من السنة: أن أرض العرب ما زال فيها يهود ونصارى، حتى أجلاهم عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته، وكان اليهود بالمدينة كثيراً في حياة رسول الله ﷺ ، وكان قد هادَنهم حتى نقضوا العهد، طائفة بعد طائفة، وما زال بالمدينة يهود، وإن لم يكونوا كثيراً، فإنه ﷺ مات ودرعه مرهونة عد يهودي، وكان في اليمن يهود كثير، والنصارى بنجران وغيرها، والفرس بالبحرين، ومن المعلوم: أن هؤلاء كانت لهم أعياد يتخذونها، ومن المعلوم ـ أيضاً ـ أن المقتضي لما يفعل في العيد ـ من الأكل والشرب، واللباس والزينة، واللعب والراحة، ونحو ذلك ـ قائم في النفوس كلها إذا لم يوجد مانع، خصوصاً في نفوس الصبيان والنساء، وأكثر الفارغين من الناس.
ثم من كانت له خبرة بالسيرة، علم يقيناً أن المسلمين على عهده ﷺ ما كانوا يشركونهم في شيء من أمرهم، ولا يغيرون لهم عادة في أعياد الكافرين، بل ذلك اليوم عند رسول الله ﷺ ، وسائر المسلمين يوم من الأيام لا يخصونه بشيء أصلاً إلا ما قد اختلف فيه من مخالفتهم فيه، كصومه.
стр. 83
فلولا أن المسلمين كان دينهم الذي تلقوه عن نبيهم منع من ذلك وكف عنه، لوجب أن يوجد من بعضهم فِعْلُ بعضِ ذلك، لأن المقتضي إلى ذلك قائم، كما تدل عليه الطبيعة والعادة، فلولا المانع الشرعي لوجد مقتضاه، ثم على هذا جرى عمل المسلمين، على عهد الخلفاء الراشدين.
الوجه السادس من السنة: ما رواه أبو هريرة ﵁، أنه سمع النبي ﷺ يقول: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بَيْد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم، فاختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع: اليهود غداً والنصارى بعد غد». [البخاري ٢٣٨، مسلم٨٥٥]
وفي لفظ صحيح: «بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له». [مسلم ٨٥٥] وعن أبي هريرة، وحذيفة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن
стр. 84
الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة المقضي لهم ـ وفي رواية ـ بينهم قبل الخلائق». [مسلم٨٥٦] وقد سمّى النبي ﷺ الجمعة: عيداً في غير موضع ونهى عن إفراده بالصوم لما فيه من معنى العيد.
ثم إنه في هذا الحديث ذكر أن الجمعة لنا، كما أن السبت لليهود، والأحد للنصارى، واللام تقتضي الاختصاص، فإذا نحن شاركناهم في عيدهم يوم السبت، أو عيد يوم الأحد، خالفنا هذا الحديث، وإذا كان هذا في العيد الأسبوعي، فكذلك في العيد الحَوْلي، إذ لا فرق، بل إذا كان هذا في عيد يعرف بالحساب العربي، فكيف بأعياد الكافرين العجمية التي لا تعرف إلا بالحساب الرومي القبطي، أو الفارسي أو العبري، ونحو ذلك.
والمعنى والله أعلم: أي نحن الآخرون في الخلق، السابقون في الحساب والدخول إلى الجنة، كما قد جاء في الصحيح أن هذه الأمة أول من يدخل الجنة من الأمم، [مسلم٨٥٥] وأن محمداً ﷺ أول من يفتح له باب الجنة، [مسلم١٩٧] وذلك لأنا أوتينا الكتاب من بعدهم، فهُدِينا لما اختلفوا فيه من العيد السابق للعيدين الآخرين،
стр. 85
وصار عملنا الصالح قبل عملهم، فلما سبقناهم إلى الهدى والعمل الصالح، جعلنا سابقين لهم في ثواب العمل الصالح.
الوجه السابع من السنة: ما روى كريب مولى ابن عباس ﵄ قال: أرسلني ابن عباس وناس من أصحاب النبي ﷺ إلى أم سلمة ﵄، أسألها: أي الأيام كان النبي ﷺ أكثرها صياماً؟ قالت: كان يصوم يوم السبت، ويوم الأحد، أكثر ما يصوم من الأيام، ويقول: إنهما يوما عيد للمشركين؛ فأنا أحبُّ أن أخالفَهم».رواه أحمد. [المسند٢٦٦٢٩، وقال محققه: إسناده صحيح]
وهذا نص في شرع مخالفتهم في عيدهم، وإن كان على طريق الاستحباب. وسنذكر حديث نهيه عن صوم يوم السبت، وتعليل ذلك أيضاً بمخالفتهم، ونذكر حكم صومه مفرداً عند العلماء، وأنهم متفقون على شرع مخالفتهم في عيدهم، وإنما اختلفوا: هل مخالفتهم يوم عيدهم بالصوم لمخالفة فعلهم فيه، أو بالإهمال حتى لا يقصد بصوم ولا بفطر، أو يفرق بين العيد العربي، والعيد العجمي؟ على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
стр. 86
ثالثًا: تقرير الإجماع على النهي عن مشابهة الكافرين في أعيادهم وما وراء ذلك من آثار: وأما الإجماع والآثار فمن وجوه:
أحدها: أن اليهود والنصارى والمجوس ما زالوا في أمصار المسلمين بالجزية، يفعلون أعيادهم التي لهم والمقتضي لبعض ما يفعلونه قائم في كثير من النفوس، ثم لم يكن على عهد السابقين من المسلمين، من يشركهم في شيء من ذلك، فلولا قيام المانع في نفوس الأمة، كراهة ونهياً عن ذلك، وإلا لوقع ذلك كثيراً، إذ الفعل مع وجود مقتضيه، وعدم منافيه، واقع لا محالة، والمقتضي واقع، فعلم وجود المانع، والمانع هنا هو: الدين، فعلم أن الدين دين الإسلام هو المانع من الموافقة، وهو المطلوب.
الثاني: في شروط عمر ﵁ ـ التي اتفقت عليها الصحابة، وسائر الفقهاء بعدهم ـ أن أهل الذمة من أهل الكتاب لا يظهرون أعيادهم في دار الإسلام، وسموا الشعانين والباعوث، فإذا كان المسلمون قد اتفقوا على منعهم من إظهارها، فكيف يسوغ للمسلمين فعلها؟ أو ليس فعل المسلم لها أشد من فعل الكافر لها، مظهراً لها؟
стр. 87
وذلك: أنا إنما منعناهم من إظهارها لما فيه من الفساد: إما لأنها معصية أو شعار المعصية، وعلى التقديرين: فالمسلم ممنوع من المعصية، ومن شعار المعصية، ولو لم يكن في فعل المسلم لها من الشر إلا تجْرِئَة الكافر على إظهارها لقوة قلبه بالمسلم إذا فعلها.
الثالث: روى البيهقي بإسناد صحيح، في باب كراهة الدخول على أهل الذمة في كنائسهم، والتشبه بهم يوم نيروزهم ومهرجانهم: عن عطاء بن دينار، قال: قال عمر: «لا تعلموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم، فإن السخطة تنزل عليهم».
وروى بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: «من بنى ببلاد الأعاجم، فصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك، حشر معهم يوم القيامة».
هذا عمر ﵁ نهى عن تعلم لسانهم، وعن مجرد دخول الكنيسة عليهم يوم عيدهم، فكيف بفعل بعض أفعالهم؟ أو فعل ما هو من مقتضيات دينهم؟ أليست موافقتهم في العمل أعظم من الموافقة في اللغة؟ أو ليس عمل بعض أعمال عيدهم أعظم من مجرد
стр. 88
الدخول عليهم في عيدهم؟ وإذا كان السخط ينزل عليهم يوم عيدهم بسبب عملهم، فمن يشركهم في العمل أو بعضه، أليس قد تعرض لعقوبة ذلك؟
وأما عبد الله بن عمر ﵁: فصرح أنه: من بنَى ببلادهم، وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم، وهذا يقتضي أنه جعله كافراً بمشاركتهم في مجموع هذه الأمور، أو جعل ذلك من الكبائر الموجبة للنار، وإن كان الأول ظاهراً لفظه، فتكون المشاركة في بعض ذلك معصية؛ لأنه لو لم يكن مؤثراً في استحقاق العقوبة لم يَجُز جَعْلُه جزءاً من المقتضي، إذ المباح لا يعاقب عليه وليس الذم على بعض ذلك مشروطاً ببعض، لأن أبعاض ما ذكره يقتضي الذم منفرداً، وإنما ذكر ـ والله أعلم ـ من بنى ببلادهم؛ لأنهم على عهد عبد الله بن عمرو وغيره من الصحابة كانوا ممنوعين من إظهار أعيادهم بدار الإسلام، وما كان أحد من المسلمين يتشبه بهم في عيدهم، وإنما يتمكن من ذلك بكونه في أرضهم.
كراهة السلف للرطانة وهي التشبه بالأعاجم في كلامهم:
وأما الرطانة، وتسمية شهورهم بالأسماء العجمية، فقال أبو
стр. 89
محمد الكرماني ـ المسمى بحرب ـ: باب تسمية الشهور بالفارسية، «قلت لأحمد: فإن للفرس أياماً وشهوراً، يسمونها بأسماء لا تعرف؟ فكره ذلك أشد الكراهة». فما قاله أحمد من كراهة هذه الأسماء له وجهان:
أحدهما: إذا لم يعرف معنى الاسم، جاز أن يكون معنى محرماً، فلا ينطق المسلم بما لا يعرف معناه، ولهذا كرهت الرقى العجمية، كالعبرانية، أو السريانية، أو غيرها، خوفاً أن يكون فيها معان لا تجوز.
الوجه الثاني: كراهته أن يتعود الرجل النطق بغير العربية فإن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون، ولهذا كان كثير من الفقهاء أو أكثرهم يكرهون في الأدعية، التي في الصلاة والذكر، أن يدعى الله، أو يذكر بغير العربية.
ونُقِل عن طائفة منهم، أنهم كانوا يتكلمون بالكلمة بعد الكلمة من العجمية، قال منذر الثوري: سأل رجل محمد بن الحنفية عن الجبن، فقال: «يا جارية اذهبي بهذا الدرهم فاشتري به نبيزاً،
стр. 90
فاشترت به نبيزاً ثم جاءت به» يعني الجبن.
وفي الجملة: فالكلمة بعد الكلمة من العجمية، أمرها قريب، وأكثر ما يفعلون ذلك، إما لكون المخاطب أعجمياً، أو قد اعتاد العجمية، يريدون تقريب الأفهام عليه، كما قال النبي ﷺ لأم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص ـ وكانت صغيرة قد ولدت بأرض الحبشة لما هاجر أبوها ـ فكساه النبي ﷺ خميصة وقال: يا أم خالد، هذا سنا»، والسنا بلغة الحبشة: الحسن. [البخاري٥٨٤٥]
وأما اعتياد الخطاب بغير اللغة العربية، التي هي شعار الإسلام ولغة القرآن حتى يصير ذلك عادة للمَصْر وأهله، أو لأهل الدار، للرجل مع صاحبه، أو لأهل السوق، أو للأمراء، أو لأهل الديوان، أو لأهل الفقه، فلا ريب أن هذا مكروه فإنه من التشبه بالأعاجم، وهو مكروه كما تقدم، ولهذا كان المسلمون المتقدمون لما سكنوا أرض الشام ومصر، وأهلهما رومية، وأرض العراق وخراسان ولغة أهلهما فارسية، وأهل المغرب ـ ولغة أهلها بربرية ـ عودوا أهل هذه البلاد العربية، حتى غلبت على أهل هذه الأمصار: مسلمهم وكافرهم، وهكذا كانت خراسان قديماً.
стр. 91
ثم إنهم تساهلوا في أمر اللغة، واعتادوا الخطاب بالفارسية، حتى غلبت عليهم، وصارت العربية مهجورة عند كثير منهم، ولا ريب أن هذا مكروه، إنما الطريق الحسن اعتياد الخطاب بالعربية، حتى يتلقنها الصغار في المكاتب وفي الدور فيظهر شعار الإسلام وأهله، ويكون ذلك أسهل على أهل الإسلام في فقه معاني الكتاب والسنة وكلام السلف، بخلاف من اعتاد لغة ثم أراد أن ينتقل إلى أخرى فإنه يصعب.
واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل، والخلق، والدين تأثيراً قوياً بَيِّناً، ويؤثر أيضاً في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق.
وأيضاً ـ فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ثم منها ما هو واجب على الأعيان، ومنها ما هو واجب على الكفاية، وهذا معنى ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن عمر بن زيد: كتب عمر إلى أبي موسى ﵁: «أما بعد. فتفقهوا في السنة، وتفقهوا
стр. 92
في اللغة وأعربوا القرآن، فإنه عربي»، وفي حديث آخر عن عمر ﵁ أنه قال: «تعلموا العربية فإنها من دينكم، وتعلموا الفرائض فإنها من دينكم» وهذا الذي أمر به عمر ﵁ من فقه العربية وفقه الشريعة، يجمع ما يحتاج إليه؛ لأن الدين فيه أقوال وأعمال، ففقه العربية هو الطريق إلى فقه أقواله، وفقه السنة هو فقه أعماله.
رابعًا: وأما الاعتبار في مسألة العيد فمن وجوه:
أحدها: أن الأعياد من جملة الشرع والمناهج والمناسك، التي قال الله سبحانه: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج:٦٧] كالقبلة والصلاة والصيام، فلا فرق بين مشاركتهم في العيد وبين مشاركتهم في سائر المناهج، فإن الموافقة في جميع العيد، موافقة في الكفر، والموافقة في بعض فروعه: موافقة في بعض شعب الكفر، بل الأعياد هي من أخص ما تتميز به الشرائع، ومن أظهر ما لها من الشعائر، فالموافقة فيها موافقة في أخص شرائع الكفر، وأظهر شعائره، ولا ريب أن الموافقة في هذا قد تنتهي إلى الكفر في الجملة بشروطه.
وأما مبدؤُها فأقل أحواله: أن تكون معصية وإلى هذا
стр. 93
الاختصاص أشار النبي ﷺ بقوله: «إن لكل قومٍ عيداً وإن هذا عيدُنا» [البخاري٩٥٢، ٩٤٩، مسلم٨٩٢] وهذا أقبح من مشاركتهم في لبس الزنار ونحوه من علاماتهم، لأن تلك علامة وضعية ليست من الدين، وإنما الغرض بها مجرد التمييز بين المسلم والكافر، وأما العيد وتوابعه، فإنه من الدين الملعون هو وأهله، فالموافقة فيما يتميزون به من أسباب سخط الله وعقابه.
ثم كل ما يختص به ذلك ـ من عبادة وعادة ـ فإنما سببه هو كونه يوماً مخصوصاً، وإلا فلو كان كسائر الأيام لم يختص بشيء، وتخصيصه ليس من دين الإسلام في شيء بل كفر به.
الوجه الثاني: أن ما يفعلونه في أعيادهم معصية لله؛ لأنه إما محدث مبتدع، وإما منسوخ، وأحسن أحواله ـ ولا حسن فيه ـ أن يكون بمنزلة صلاة المسلم إلى بيت المقدس.
هذا إذا كان المفعول مما يُتَدَيَّنُ به، وأما ما يتبع ذلك ـ من التوسع في العادات من الطعام واللباس، واللعب والراحة ـ فهو تابع لذلك العيد الديني، كما أن ذلك تابع له في دين الله: الإسلام، فيكون بمنزلة أن يتخذ بعض المسلمين عيداً مبتدعاً يخرج فيه إلى
стр. 94
الصحراء، ويفعل فيه من العبادات والعادات من جنس المشروع في يومي الفطر والنحر، أو مثل أن ينصب بِنْيَة يُطاف بها وتُحج ويُصنع لمن يفعل ذلك طعاماً، ونحو ذلك، فلو كره المسلم ذلك، لكن غير عادته ذلك اليوم، كما يغير أهل البدعة عادتهم في الأمور العادية أو في بعضها، بصنعة طعام وزينة لباس، وتوسيع في نفقة، ونحو ذلك، من غير أن يتعبد بتلك العادة المحدثة ـ ألم يكن هذا من أقبح المنكرات؟ فكذلك موافقة هؤلاء المغضوب عليهم والضالين وأشد.
نعم: هؤلاء يُقَرّون على دينهم المبتدع، والمنسوخ، مُسْتَسِرِّين به، والمسلم لا يُقَرُّ على مبتدع ولا منسوخ، لا سراً ولا علانية، وأما مشابهة الكفار فكمشابهة أهل البدع وأشد.
الوجه الثالث: أنه إذا سوغ فعل القليل من ذلك أدى إلى فعل الكثير، ثم إذا اشتهر الشيء دخل فيه عوام الناس، وتناسوا أصله حتى يصير عادة للناس، بل عيداً، حتى يُضَاهَى بعيد الله، بل قد يُزاد عليه، حتى يكاد أن يُفْضِي إلى موت الإسلام وحياة الكفر، كما قد سوَّله الشيطان لكثير ممن يدعي الإسلام، فيما يفعلونه في أواخر
стр. 95
صوم النصارى، من الهدايا والأفراح، والنفقات وكسوة الأولاد، وغير ذلك، مما يصير به مثل عيد المسلمين، بل البلاد المصاقبة (١) للنصارى، التي قل علم أهلها وإيمانهم، قد صار ذلك أغلب عندهم وأبهى في نفوسهم من عيد الله ورسوله، على ما حدثني به الثقات. (٢)
الوجه الرابع: أن الأعياد والمواسم في الجملة، لها منفعة عظيمة في دين الخلق ودنياهم، كانتفاعهم بالصلاة والزكاة والحج، ولهذا جاءت بها كل شريعة، كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج:٣٤]. وقال: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ [الحج:٦٧]
ثم إن الله شرع على لسان خاتم النبيين من الأعمال ما فيه صلاح الخلق على أتم الوجوه، وهو الكمال المذكور في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣] ولهذا أنزل الله هذه الآية في أعظم أعياد الأمة الحنيفية، فإنه لا عيد في النوع أعظم
стр. 96
من العيد الذي يجتمع فيه المكان والزمان وهو عيد النحر، ولا عين من أعيان هذا النوع، أعظم من يوم كان قد أقامه رسول الله ﷺ بعامة المسلمين، وقد نفى الله تعالى الكفر وأهله.
والشرائع هي غذاء القلوب وقوتها، ومن شأن الجسد إذا كان جائعاً فأخذ من طعامٍ حاجته استغنى عن طعام آخر، حتى لا يأكله إن أكل منه إلا بكراهة، وتجشم، وربما ضرَّه أكلُه، أو لم ينتفع به، ولم يكن هو المغذي له الذي يقيم بدنه، فالعبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته، قَلَّتْ رغبتُه في المشروع وانتفاعه به، بقدر ما اعتاض من غيره، بخلاف مَن صرف نهمته وهِمَّته إلى المشروع، فإنه تعظيم محبته له ومنفعته به ويتم دينه، ويكمل إسلامه.
ولذا تجد من أكثر من سماع القصائد لطلب صلاح قلبه تنقص رغبته في سماع القرآن، حتى ربما كرهه، ومن أكثر من السفر إلى زيارات المشاهد ونحوها لا يبقى لحج البيت الحرام في قلبه من المحبة والتعظيم ما يكون في قلب من وسعته السنة، ومن أدمن على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء فارس والروم، لا يبقى
стр. 97
لحكمة الإسلام وآدابه في قلبه ذاك الموقع، ومن أدمن قصص الملوك وسيرهم لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الاهتمام، ونظير هذا كثير. ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ : «ما ابتدع قوم بدعة إلا نزع الله عنهم من السنة مثلها» رواه الإمام أحمد [المسند١٦٩٠٧ وضعفه الألباني]
وهذا أمر يجده من نفسه من نظر في حاله من العلماء، والعباد، والأمراء والعامة وغيرهم، ولهذا عظمت الشريعة النكير على من أحدث البدع، وكرهَتْها؛ لأن البدع لو خرج الرجل منها كفافاً لا عليه ولا له لكان الأمر خفيفاً، بل لابد أن يوجب له فساداً، منه نقص منفعة الشريعة في حقه، إذ القلب لا يتسع للعوض والمعوض منه.
ولهذا قال ﷺ في العيدين الجاهليين: «إن الله قد أبدلكم بهما يومين خيراً منهما» [أبو داود١١٣٤وصححه الألباني] فيبقى اغتذاء قلبه من هذه الأعمال المبتدعة مانعاً من الاغتذاء، أو من كمال الاغتذاء بتلك الأعمال الصالحة النافعة الشرعية، فيفسد عليه حاله من حيث لا يشعر، كما يفسد جسد المغتذي بالأغذية الخبيثة من حيث لا
стр. 98
يشعر، وبهذا يتبين لك بعض ضرر البدع.
إذا تبين هذا فلا يخفى ما جعل الله في القلوب من التشوق إلى العيد والسرور به والاهتمام بأمره، اتفاقاً واجتماعات وراحة، ولذة وسروراً، وكل ذلك يوجب تعظيمه لتعلق الأغراض به، فلهذا جاءت الشريعة في العيد، بإعلان ذكر الله تعالى فيه، حتى جعل فيه من التكبير في صلاته وخطبته، وغير ذلك ما ليس في سائر الصلوات، وأقامت فيه من تعظيم وتنزيل الرحمة فيه خصوصاً العيد الأكبر، ما فيه صلاح الخلق، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ* لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢٧] فصار ما وُسِّع على النفوس فيه من العادات الطبيعية عوناً على انتفاعها بما خُصَّ به من العبادات الشرعية، فإذا أعطيت النفوس في غير ذلك اليوم حظها، أو بعضه الذي يكون في عيد الله فترت عن الرغبة في عيد الله، وزال ما كان له عندها من المحبة والتعظيم، فنقص بسبب ذلك تأثير العمل الصالح فيه، فخسرت النفوس خسراناً مبيناً، وأقل الدرجات: أنك لو فرضت رجلين: أحدهما قد اجتمع اهتمامه بأمر
стр. 99
العيد على المشروع، والآخر مهتم بهذا وبهذا، فإنك بالضرورة تجد المتجرد للمشروع، أعظم اهتماماً به من المشرك بينه وبين غيره ومن لم يدرك هذا فلغفلته أو إعراضه، وهذا أمر يعلمه من يعرف بعض أسرار الشرائع.
وأما الإحساس بفتور الرغبة، فيجده كل أحد، فإنا نجد الرجل إذا كسا أولاده، أو وسع عليهم في بعض الأعياد المسخوطة، فلابد أن تنقص حرمة العيد المرضي من قلوبهم.
الوجه الخامس: أن مشابهتهم في بعض أعيادهم يوجب سرور قلوبهم بما هم عليه من الباطل، خصوصاً إذا كانوا مقهورين تحت ذل الجزية والصغار، فرأوا المسلمين قد صاروا فرعاً لهم في خصائص دينهم، فإن ذلك يوجب قوة قلوبهم وانشراح صدورهم، وربما أطمعهم ذلك في انتهاز الفرص، واستذلال الضعفاء، وهذا أيضاً، أمر محسوس، لا يستريب فيه عاقل فكيف يجتمع ما يقتضي إكرامهم بلا موجب مع شرع الصغار في حقهم؟
الوجه السادس: أن مما يفعلونه في عيدهم: ما هو كفر، وما هو حرام، وما هو مباح لو تجرد عن مفسدة المشابهة، ثم التمييز بين
стр. 100
هذا وهذا يظهر غالباً، وقد يخفى على كثير من العامة، فالمشابهة فيما لم يظهر تحريمه للعالم، يوقع العامي في أن يشابههم فيما هو حرام، وهذا هو الواقع.
الوجه السابع: أن الله تعالى جبل بني آدم بل سائر المخلوقات، على التفاعل بين الشيئين المتشابهين، وكلما كانت المشابهة أكثر كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتَمَّ، حتى يؤول الأمر إلى أن لا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بالعين فقط. فالمشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة، توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخفي.
وقد رأينا اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين، هم أقل كفراً من غيرهم، كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى، هم أقل إيماناً من غيرهم ممن جرد الإسلام، والمشاركة في الهدي الظاهر توجب أيضاً مناسبة وائتلافاً، وإن بَعُد المكان والزمان فهذا أيضاً أمر محسوس، فمشابهتهم في أعيادهم ـ ولو بالقليل ـ هو سبب لنوع ما من اكتساب أخلاقهم التي هي ملعونة، وما كان مظنة لفساد خفي غير منضبط، علق الحكم به، وأدير
стр. 101
التحريم عليه، فنقول: مشابهتهم في الظاهر سبب ومظنة لمشابهتهم في عين الأخلاق والأفعال المذمومة، بل في نفس الاعتقادات وتأثير ذلك لا يظهر ولا ينضبط، ونفس الفساد الحاصل من المشابهة قد لا يظهر ولا ينضبط، وقد يتعسر أو يتعذر زواله بعد حصوله، لو تفطن له، وكل ما كان سبباً إلى مثل هذا الفساد فإن الشارع يحرمه، كما دلت عليه الأصول المقررة.
الوجه الثامن: أن المشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة، وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة، حتى أن الرجلين إذا كانا من بلد واحد، ثم اجتمعا في دار غربة، كان بينهما من المودة، والائتلاف أمر عظيم، وإن كانا في مَصْرهما لم يكونا متعارفين، أو كانا متهاجرين، وذاك لأن الاشتراك في البلد نوع وصف اختصا به عن بلد الغربة، بل لو اجتمع رجلان في سفر، أو بلد غريب، وكانت بينهما مشابهة في العمامة أو الثياب، أو الشعر، أو المركوب ونحو ذلك ـ لكان بينهما من الائتلاف أكثر مما بين غيرهما، وكذلك تجد أرباب الصناعات الدنيوية يألف بعضهم بعضاً، ما لا يألفون
стр. 102
غيرهم.
فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية، تورث المحبة والموالاة لهم، فكيف بالمشابهة في أمور دينية؟ فإن إفضاءها إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد، والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٥١ - ٥٣]
وقال تعالى فيما يذم بها أهل الكتاب: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا
стр. 103
يُؤْمِنُونَ بِاللهِ والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٨١]
فبيّن أن الإيمان بالله والنبي وما أُنزل إليه مستلزم لعدم ولايتهم، فثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان، لأن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم.
وقال سبحانه: ﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ [المجادلة:٢٢] فأخبر سبحانه أنه لا يوجد مؤمن يواد كافراً، فمن واد الكفار فليس بمؤمن، والمشابهة الظاهرة مظنة الموادة، فتكون محرمة.
مشابهتهم فيما ليس من شرعنا قسمان:
أحدهما: مع العلم بأن هذا العمل هو من خصائص دينهم، فهذا العمل الذي هو من خصائص دينهم: إما أن يفعل لمجرد موافقتهم ـ وهو قليل ـ وإما لشهوة تتعلق بذلك العمل، وإما لشبهة فيه تخيل أنه نافع في الدنيا أو الآخرة ـ وكل هذا لا شك في تحريمه،
стр. 104
لكن يبلغ التحريم في بعضه إلى أن يكون من الكبائر، وقد يصير كفراً بحسب الأدلة الشرعية.
الثاني: عمل لم يعلم الفاعل أنه من عملهم وهو نوعان:
أ- ما كان في الأصل مأخوذاً عنهم، إما على الوجه الذي يفعلونه، وإما مع نوع تغيير في الزمان أو المكان أو الفعل ونحو ذلك، فهذا غالب ما يُبتَلَى به العامة، في مثل ما يصنعونه في الخميس الحقير، والميلاد ونحوهما، فإنهم قد نُشِّئوا على اعتياد ذلك، وتلقاه الأبناء عن الآباء، وأكثرهم لا يعلمون مبدأ ذلك، فهذا يعرف صاحبه حكمه، فإنْ لم يَنْتَه وإلا صار من القسم الأول.
ب- ما ليس في الأصل مأخوذاً عنهم، لكنهم يفعلونه أيضاً، فهذا ليس فيه محذور المشابهة، ولكن قد يفوت فيه منفعة المخالفة، فتتوقف كراهة ذلك وتحريمه على دليل شرعي وراء كونه من مشابهتهم، إذ ليس كوننا تشبهنا بهم بأولى من كونهم تشبهوا بنا، فأما استحباب تركه لمصلحة المخالفة إذا لم يكن في تركه ضرر، فظاهر لما تقدم من المخالفة، وهذا قد توجب الشريعة مخالفتهم
стр. 105
فيه، وقد توجب عليهم مخالفتنا: كما في الزي ونحوه، وقد يقتصر على الاستحباب، كما في صبغ اللحية والصلاة في النعلين، وقد تبلغ الكراهة، كما في تأخير المغرب والفطور، بخلاف مشابهتهم فيما كان مأخوذاً عنهم، فإن الأصل فيه التحريم كما قدمناه.
حريم العيد
العيد: اسم جنس يدخل فيه كل يوم أو مكان لهم فيه اجتماع، وكل عمل يحدثونه في هذه الأمكنة والأزمنة، فليس النهي عن خصوص أعيادهم، بل كل ما يعظمونه من الأوقات والأمكنة التي لا أصل لها في دين الإسلام، وما يحدثونه فيها من الأعمال يدخل في ذلك.
وكذلك حريم العيد: وهو ما قبله وما بعده من الأيام التي يحدثون فيها أشياء لأجله، أو ما حوله من الأمكنة التي يحدث فيها أشياء لأجله، أو ما يحدث بسبب أعماله من الأعمال حكمها حكمه فلا يفعل شيء من ذلك، فإن بعض الناس قد يمتنع من إحداث أشياء في أيام عيدهم، كيوم الخميس والميلاد ويقول لعياله: إنما أصنع لكم هذا في الأسبوع، أو الشهر الآخر، وإنما المحرك على
стр. 106
إحداث ذلك وجود عيدهم، ولولا هو لم يقتضوا ذلك. فهذا أيضاً من مقتضيات المشابهة. لكن يحال الأهل على عيد الله ورسوله ويقضي لهم فيه من الحقوق ما يقطع استشرافهم إلى غيره، فإن لم يرضوا فلا حول ولا قوة إلا بالله، ومن أغضب أهله لله، أرضاه الله وأرضاهم.
وليحذر العاقل من طاعة النساء في ذلك، ففي الصحيحين عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : «ما تركتُ بعدي فتنةً أضَرّ على الرجال من النساء». [البخاري٥٠٩٦، مسلم٢٧٤٠]
وأكثر ما يفسد الملك والدول، طاعة النساء، وفي صحيح البخاري، عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» [البخاري٧٠٩٩]
هل يجب على المسلم أن يعرف أعياد الكفار ؟
أعياد الكفار كثيرة مختلفة، وليس على المسلم أن يبحث عنها، ولا يعرفها، بل يكفيه أن يعرف في أي فعل من الأفعال أو يوم، أو مكان، أو سبب هذا الفعل أو تعظيم هذا المكان أو الزمان من جهتهم، ولو لم يعرف أن سببه من جهتهم، فيكفيه أن يعلم أنه لا
стр. 107
أصل له في دين الإسلام، فإنه إذا لم يكن له أصل فإما أن يكون قد أحدثه بعض الناس من تلقاء نفسه، أو يكون مأخوذاً عنهم، فأقل أحواله: أن يكون من البدع.
ونحن ننبه على ما رأينا كثيراً من الناس قد وقعوا فيه، فمن ذلك: الخميس الحقير، الذي في آخر صومهم، فإنه يوم عيد المائدة فيما يزعمون، ويسمونه عيد العشاء. وهو الأسبوع الذي يكون فيه من الأحد إلى الأحد ـ هو عيدهم الأكبر، فجميع ما يحدثه الإنسان فيه من المنكرات.
فمنه: خروج النساء: وتبخير القبور. ووضع الثياب على السطح. وكتابة الورق وإلصاقها بالأبواب، واتخاذه موسماً لبيع البخور وشرائه وكذلك شراء البخور في ذلك الوقت، إذ اتخذ وقتاً للبيع، ورقى البخور مطلقاً في ذلك الوقت، أو في غيره أو قصد شراء البخور المرقي، فإن رقى البخور واتخاذه قرباناً هو دين النصارى والصابئين، وإنما البخور طيب يتطيب بدخانه كما يتطيب سائر الطيب من المسك وغيره، مما له أجزاء بخارية، وإن لطفت، أو له رائحة محضة، ويستحب التبخر حيث يستحب التطيب.
стр. 108
وكذلك اختصاصه بطبخ رُزّ بلبن، أو بسيسة، أو عدس، أو صبغ، أو بيض، ونحو ذلك. فأما القمار بالبيض، أو بيع البيض لمن يقامر به، أو شراؤه من المقامرين فحكمه ظاهر.
ومن ذلك ما يفعله الأَكَّارُون (١)، من نكت البقر بالنقط الحمر، أو نكت الشجر أيضاً، أو جمع أنواع من النبات والتبرك بها، والاغتسال بمائها، ومن ذلك ما قد يفعله النساء من أخذ ورق الزيتون، والاغتسال بمائه، أو قصد الاغتسال في شيء من ذلك، فإن أصل ذلك ماء المعمودية.
ومن ذلك ترك الوظائف الراتبة: من الصنائع، والتجارات، أو حلق العلم، أو غير ذلك، واتخاذه يوم راحة وفرح، واللعب فيه بالخيل أو غيرها، على وجه يخالف ما قبله وما بعده من الأيام.
والضابط: أنه لا يحدث فيه أمر أصلا، بل يجعل يوماً كسائر الأيام، فإنا قد قدمنا عن النبي ﷺ أنه نهاهم عن اليومين اللذين كانا لهم يلعبون فيهما في الجاهلية. وأنه ﷺ نهى عن الذبح بالمكان إذا كان المشركون يعيّدون فيه.
ومن ذلك ما يفعله كثير من الناس، في أثناء الشتاء، في أثناء كانون الأول لأربع وعشرين خلت منه، ويزعمون أنه ميلاد عيسى ﵇، فجميع ما يحدث فيه هو من المنكرات، مثل إيقاد النيران، وإحداث طعام، واصطناع شمع وغير ذلك. فإن اتخاذ هذا الميلاد عيداً هو دين النصارى، ليس لذلك أصل في دين الإسلام، ولم يكن لهذا الميلاد ذكر أصلاً، على عهد السلف الماضين، بل أصله مأخوذ عن النصارى، وانضم إليه سبب طبيعي وهو كونه في الشتاء المناسب لإيقاد النيران، وأنواع مخصوصة من الأطعمة.
ثم إن النصارى تزعم أنه بعد الميلاد بأيام ـ أظنها أحد عشر يوماً ـ عمد يحيى لعيسى سدد خطاكمفي ماء المعمودية، فهم يتعمدون في هذا الوقت ويسمونه: عيد الغطاس. وقد صار كثير من جهال النساء يدخلن أولادهن إلى الحمام في هذا الوقت، ويزعمن أن هذا ينفع الولد وهذا من دين النصارى، وهو من أقبح المنكرات المحرمة.
وكذلك أعياد الفرس مثل: النيروز والمهرجان. وأعياد اليهود أو غيرهم من أنواع الكفار، أو الأعاجم أو الأعراب، حكمها كلها على ما ذكرناه من قبل.
стр. 109
حكم إعانة المسلمين المتشبهين بالكفار في أعيادهم:
وكما لا نتشبه بهم في الأعياد، فلا يُعَان المسلم المتشبه بهم في ذلك. بل ينهى عن ذلك، فمن صنع دعوة مخالفة للعادة في أعيادهم لم تُجَبْ دعوتُه، ومن أهدى من المسلمين هدية في هذه الأعياد، مخالفة للعادة في سائر الأوقات، غير هذا العيد، لم تُقْبل هديته، خصوصاً إن كانت الهدية مما يستعان بها على التشبه بهم. مثل إهداء الشمع ونحوه، في الميلاد. أو إهداء البيض واللبن والغنم في الخميس الصغير، الذي في آخر صومهم. وكذلك أيضاً لا يهدى لأحد من المسلمين في هذه الأعياد هدية لأجل العيد، لا سيما إذا كان مما يستعان به على التشبه بهم كما ذكرناه.
ولا يبيع المسلم ما يستعين به المسلمون على مشابهتهم في العيد، من الطعام واللباس ونحو ذلك، لأن في ذلك إعانة على المنكر فأما مبايعتهم ما يستعينون هم به على عيدهم، أو شهود أعيادهم للشراء فيها، فقد قيل للإمام أحمد: هذه الأعياد التي تكون عندنا بالشام مثل طور يانور، ودير أيوب، وأشباهه، يشهده المسلمون، يشهدون الأسواق، ويجلبون فيه الغنم والبقر والدقيق والبر، وغير
стр. 110
ذلك، إلا أنه إنما يكون في الأسواق يشترون، ولا يدخلون عليهم بيعهم، وإنما يشهدون الأسواق، قال إذا لم يدخلوا عليهم بيعهم، وإنما يشهدون السوق فلا بأس.
فما أجاب به أحمد من جواز شهود السوق فقط للشراء منها، من غير دخول الكنيسة ليس فيه شهود منكر، ولا إعانة على معصية، لأن نفس الابتياع منهم جائز، ولا إعانة فيه على المعصية، بل فيه صرف لما لعلهم يبتاعونه لعيدهم عنهم، فيكون فيه تقليل الشر، وقد كانت أسواق في الجاهلية، كان المسلمون يشهدونها، وشهد بعضها النبي ﷺ ، ومن هذه الأسواق ما كان يكون في مواسم الحج، ومنها ما كان يكون لأعياد باطلة.
وأيضاً، فإن أكثر ما في السوق، أن يباع فيها ما يستعان به على المعصية، فهو كما لو حضر الرجل سوقاً يباع فيها السلاح لمن يقتل به معصوماً أو العصير لمن يخمره، فحضرها الرجل ليشتري منها، بل هذا أجود، لأن البائع في هذه السوق ذمي، وقد أقروا على هذه المبايعة.
ثم إن الرجل لو سافر إلى دار الحرب ليشتري منها، جاز