اليوم.
فهذه البقاع التي يعتقد لها خصيصة ـ كائنة ما كانت ـ فإن تعظيم مكان لم يعظمه الشرع شر من تعظيم زمان لم يعظمه، فإن تعظيم الأجسام بالعبادة عندها أقرب إلى عبادة الأوثان من تعظيم الزمان، حتى أنه ينبغي تجنب الصلاة فيها، وإن كان المصلي لا يقصد تعظيمها، لئلا يكون ذلك ذريعة إلى تخصيصها بالصلاة فيها، كما ينهى عن الصلاة عند القبور المحققة، وإن لم يكن المصلي يقصد الصلاة لأجلها. وكما ينهى عن إفراد الجمعة بالصوم، وإن كان الصائم لا يقصد التخصيص بذلك الصوم، فإن ما كان مقصودا بالتخصيص، مع النهي عن ذلك، ينهى عن تخصيصه أيضاً بالفعل.
وما أشبه هذه الأمكنة بمسجد الضرار الذي أسس على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم. فإن ذلك المسجد لما بُنِي ضراراً وكفراً، وتفريقا بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل، نهى الله نبيه ﷺ عن الصلاة فيه، وأمر بهدْمه.
وهذه المشاهد الباطلة، إنما وضعت مضاهاة لبيوت الله،
стр. 177
وتعظيماً لما لم يعظمه الله، وعكوفاً على أشياء لا تنفع ولا تضر، وصداً للخلق عن سبيل الله، وهي عبادته وحده لا شريك له بما شرعه على لسان رسوله ﷺ ، واتخاذها عيداً هو الاجتماع عندها واعتياد قصدها، فإن العيد من المعاودة.
ويلتحق بهذا الضَّرب ـ لكنه ليس منه ـ مواضع يدعى لها خصائص لا تثبت، مثل كثير من القبور التي يقال إنها قبر نبي، أو قبر صالح، أو مقام نبي، أو صالح، ونحو ذلك، وقد يكون ذلك صدقاً، وقد يكون كذباً. وأكثر المشاهد التي على وجه الأرض من هذا الضَّرب. فإن القبور الصحيحة والمقامات الصحيحة قليلة جداً. وكان غير واحد من أهل العلم يقول: لا يثبت من قبور الأنبياء إلا قبر نبينا ﷺ . وغيره قد يثبت غير هذا أيضاً مثل: قبر إبراهيم الخليل ﵇، وقد يكون عُلم أن القبر في تلك الناحية لكن يقع الشك في عينه، ككثير من قبور الصحابة التي بباب الصغير من دمشق، فإن الأرض غُيِّرت مرات، فتعيين قبر أنه قبر بلال أو غيره لا يكاد يثبت، إلا من طريق خاصة، وإن كان لو ثبت ذلك لم يتعلق به حكم شرعي مما قد أُحدِث عندها. ولكن الغرض أن نبين هذا
стр. 178
القسم الأول، وهو تعظيم الأمكنة، التي لا خصيصة لها: إما مع العلم بأنه لا خصيصة لها، أو مع عدم العلم بأن لها خصيصة، إذ العبادة والعمل بغير علم منهي عنه، كما أن العبادة والعمل بما يخالف العلم منهيٌّ عنه، ولو كان ضبط هذه الأمور من الدين لما أُهمل، ولما ضاع عن الأمة المحفوظِ دينُها، المعصومةِ عن الخطأ.
وأكثر ما تجد الحكايات المتعلقة بهذا عند السدنة والمجاورين لها الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله. وقد يحكي من الحكايات التي فيها تأثير، مثل أن رجلاً دعا عندها فاستُجيب له، أو نذر لها إن قضى الله حاجته فقضيت حاجته، ونحو ذلك. وبمثل هذه الأمور كانت تُعبد الأصنام فإن القوم كانوا أحياناً يخاطبون من الأوثان، وربما تقضي حوائجهم إذا قصدوها، وكذلك يجري لأهل الأبداد (١) من أهل الهند وغيرهم. وربما قيست على ما شرع الله تعظيمه من بيته المحجوج، والحجر الأسود الذي شرع الله استلامه وتقبيله، كأنه يمينه، والمساجد التي هي بيوته.
وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس، وبمثل هذه الشبهات حدث الشرك في أهل الأرض. وقد صح عن النبي ﷺ أنه نهى عن
стр. 179
النذر وقال: «إنه لا يأتي بخير وإنما يُسْتَخرج به من البخيل» [البخاري٦٦٩٣، ٦٦٩٤، مسلم٢٦٣٩] فإذا كان نذر الطاعات المعلقة بشرط لا فائدة فيه، ولا يأتي بخير، فما الظن بالنذر لما لا يضر ولا ينفع؟.
أسباب إجابة الدعاء عند القبور وغيرها: وأما إجابة الدعاء، فقد يكون سببه اضطرار الداعي وصدقه، وقد يكون سببه مجرد رحمة الله له، وقد يكون أمرا قضاه الله لا لأجل دعائه، وقد يكون له أسباب أخرى، وإن كانت فتنة في حق الداعي.
فإنا نعلم أن الكفار قد يستجاب لهم فيُسْقَوْن، ويُنصرون ويُعانون، ويُرزقون، مع دعائهم عند أوثانهم وتوسلهم بها. وقد قال الله تعالى: ﴿كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ [الإسراء:٢٠] وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن:٦] وأسباب المقدورات فيها أمور يطول تعدادها، ليس هذا موضع تفصيلها. وإنما على الخلق اتباع ما بعث الله به المرسلين، والعلم بأن فيه خير الدنيا والآخرة.
стр. 180
النوع الثاني من الأمكنة: ما له خصيصة لكن لا يقتضي اتخاذه عيداً، ولا الصلاة ونحوها من العبادات عنده: فمن هذه الأمكنة: قبور الأنبياء والصالحين، وقد جاء عن النبي ﷺ ، والسلف، النهي عن اتخاذها عيداً، عموما وخصوصاً. وبينوا معنى العيد.
فأما العموم: فقال رسول الله ﷺ : «لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم». [أبو داود٢٠٤٢وصححه الألباني]
ووجه الدلالة: أن قبر رسول الله ﷺ أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى عن اتخاذه عيداً. فقبر غيره أولى بالنهي كائناً من كان، ثم إنه قَرَن ذلك بقوله ﷺ : «ولا تتخذوا بيوتكم قبوراً» أي لا تعطلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبه بهم. ثم إنه ﷺ أعقب النهي عن اتخاذه عيداً بقوله: «صَلُّوا علي فإن صلاتَكم تبلغُني حيثما كنتم» يشير بذلك ﷺ إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم منه فلا حاجة
стр. 181
بكم إلى اتخاذه عيداً.
والأحاديث عنه بأن صلاتنا وسلامنا تعرض عليه كثيرة. مثل ما روى أبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇» ﷺ . وهذا الحديث على شرط مسلم. [أبو داود٢٠٤١وحسنه الألباني] ومثل ما روى أبو داود أيضاً عن أوس بن أوس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي»، قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرِمْتَ؟ فقال: «إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء». [أبو داود١٠٤٧وصححه الألباني] [أرم أي صار رميماً، أي عظماً بالياً]
وفي النسائي وغيرِه عنه ﷺ أنه قال: «إن لله ملائكة سياحين في الأرض يُبَلَّغوني عن أمتي السلام» [النسائي١٢٨١وصححه الألباني] إلى أحاديث أُخَر في هذا الباب متعددة.
والعيد إذا جعل اسماً للمكان فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه، وانتيابه (١) للعبادة عنده، أو لغير العبادة، كما أن المسجد الحرام
стр. 182
ومنى ومزدلفة وعرفة، جعلها الله عيداً، مثابة للناس، يجتمعون فيها، وينتابونها، للدعاء والذكر والنسك، وكان للمشركين أمكنة ينتابونها للاجتماع عندها. فلما جاء الإسلام محى الله ذلك كله.
وهذا النوع من الأمكنة يدخل فيه قبور الأنبياء والصالحين والقبور التي يجوز أن تكون قبوراً لهم، بتقدير كونها قبوراً لهم. بل وسائر القبور أيضاً داخلة في هذا. فإن قبر المسلم له من الحرمة ما جاءت به السنة، إذ هو بيت المسلم الميت، فلا يترك عليه شيء من النجاسات بالاتفاق ولا يُوطُأ ولا يُداس، ولا يُتَّكَأ عليه عندنا، وعند جمهور العلماء، ولا يجاور بما يؤذي الأموات، من الأقوال والأفعال الخبيثة، ويستحب عند إتيانه السلام على صاحبه، والدعاء له، وكلما كان الميت أفضل، كان حقه أوكد.
قال بريدة بن الحصيب ﵁: «كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، أن يقول قائلهم: السلام على أهل الديار وفي لفظ: السلام عليكم أهل الديار، من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية» [مسلم٩٧٥]
وروى أيضاً عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج إلى المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم
стр. 183
لاحقون». [مسلم٢٤٩] وروى أيضاً عن عائشة ﵄ في حديث طويل عن النبي ﷺ قال: «إن جبريل أتاني فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع، فتستغفر لهم» قالت: قلت: كيف أقول يا رسول الله؟ قال: «قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون». [مسلم٩٧٤]
وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت، وقف عليه فقال: «استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يُسْأل» [أبو داود٣٢٢١وصححه الألباني] وقد روي حديث صححه ابن عبد البر أنه قال: «ما من رجل يمر بقبر رجل، كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه، إلا رد الله عليه روحه، حتى يرد ﵇». [ضعفه الألباني]
فهذا ونحوه مما كان النبي ﷺ يفعله، ويأمر به أمته عند قبور المسلمين، عقب الدفن، وعند زيارتهم، والمرور بهم، إنما هو تحية للميت، كما يُحَيَّى الحيُّ، ودعاء له كما يُدعَى له، إذا صلى عليه قبل الدفن أو بعده، وفي ضمن الدعاء للميت، دعاء الحي لنفسه،
стр. 184
ولسائر المسلمين، كما أن الصلاة على الجنازة فيها الدعاء للمصلي، ولسائر المسلمين، وتخصيص الميت بالدعاء له، فهذا كله، وما كان مثله، من سنة رسول الله ﷺ ، وما كان عليه السابقون الأولون، هو المشروع للمسلمين في ذلك. وهو الذي كانوا يفعلونه عند قبر النبي ﷺ ، وغيره.
وروى ابن بطة في الإبانة، بإسناد صحيح، عن معاذ بن معاذ، حدثنا ابن عون، قال: سأل رجل نافعاً فقال: هل كان ابن عمر يسلم على القبر، فقال: نعم، لقد رأيتُه مائة أو أكثر من مائة مرة، كان يأتي القبر، فيقوم عنده فيقول: «السلام على النبي، السلام على أبي بكر، السلام على أبِي» وفي رواية أخرى، ذكرها الإمام أحمد محتجاً بها: «ثم ينصرف».
وزيارة القبور جائزة في الجملة، حتى قبور الكفار، فإن في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: «زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: «استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور، فإنها تذكر الموت». [مسلم٩٧٦]
وفي صحيح مسلم عن بريدة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «نهيتكم
стр. 185
عن زيارة القبور فزوروها». [مسلم٩٧٧] فقد أذن النبي ﷺ في زيارتها بعد النهي، وعلل ذلك بأنها تذكر الموت، وأذن إذناً عاماً، في زيارة قبر المسلم والكافر.
والسبب الذي ورد عليه هذا اللفظ يوجب دخول الكافر، والعلة ـ وهي تذكر الموت والآخرة ـ موجودة في ذلك كله. وقد كان ﷺ يأتي قبور أهل البقيع والشهداء للدعاء لهم والاستغفار، فهذا المعنى يختص بالمسلمين دون الكافرين. فهذه الزيارة ـ وهي زيارة القبور، لتذكر الآخرة، أو لتحيتهم والدعاء لهم ـ هو الذي جاءت به السنة، كما تقدم.
حكم السفر لزيارة القبور
وقد اختلف أصحابنا (١) وغيرهم، هل يجوز السفر لزيارتها؟ على قولين، أحدهما: لا يجوز، والمسافرة لزيارتها معصية، ولا يجوز قصر الصلاة فيها؛ لأن هذا السفر بدعة، لم يكن في عصر السلف، وهو مشتمل على ما سيأتي من معاني النهي، ولأن في الصحيحين عن النبي ﷺ قال: «لا تُشَدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا».
стр. 186
[البخاري١١٨٩،مسلم١٣٩٧]
وهذا النهي يعم السفر إلى المساجد والمشاهد، وكل مكان يقصد السفر إلى عينه للتقرب، بدليل أن بصرة بن أبي بصرة الغفاري، لما رأى أبا هريرة ﵁ راجعاً من الطور الذي كلم الله عليه موسى قال: لو رأيتك قبل أن تأتيه لم تأته لأن النبي ﷺ قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» [رواه مالك في الموطأ بإسناد صحيح] فقد فهم الصحابي الذي روى الحديث، أن الطور وأمثاله من مقامات الأنبياء، مندرجة في العموم، وأنه لا يجوز السفر إليها، كما لا يجوز السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة. وأيضاً فإذا كان السفر إلى بيت من بيوت الله ـ غير الثلاثة ـ لا يجوز، مع أن قصده لأهل مَصره يجب تارة، ويستحب أخرى، وقد جاء في قصد المساجد من الفضل ما لا يُحْصى ـ فالسفر إلى بيوت الموتى من عباده أولى أن لا يجوز.
من المحدثات الصلاة عند القبور واتخاذها مساجد والبناء عليها:
من المحدثات الصلاة عند القبور مطلقاً، واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها، فقد تواترت النصوص عن النبي ﷺ بالنهي
стр. 187
عن ذلك، والتغليظ فيه.
فأما بناء المساجد على القبور فقد صرح عامة علماء الطوائف بالنهي عنه، متابعة للأحاديث، وصرح أصحابنا وغيرهم، من أصحاب مالك والشافعي وغيرهما، بتحريمه، ولا ريب في القطع بتحريمه، لما روى مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله البجلي قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلاً، كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً، لاتخذتُ أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك». [مسلم٥٣٢]
وعن عائشة ﵂، وعبد الله بن عباس قالا: «لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتنم بها كشفها، فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، يحذر ما صنعوا» [البخاري٤٣٦، ٤٣٥، مسلم٥٣١] وأخرجا جميعاً عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «
стр. 188
قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». [البخاري٤٣٧، مسلم٥٣٠] وفي رواية لمسلم: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» [مسلم٥٣٠] فقد نهى عن اتخاذ القبور مساجد في آخر حياته، ثم إنه لعن ـ وهو في السياق ـ مَن فعَل ذلك من أهل الكتاب، ليحذر أمته أن يفعلوا ذلك.
قالت عائشة ﵄: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً. [البخاري١٣٣٠، مسلم٥٢٩] وروى الإمام أحمد في مسنده بإسناد جيد عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن مِن شرار الناس مَن تدركهم الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد» [المسند٤١٤٣وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح] وعن ابن عباس ﵄ قال: «لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسُرُج». رواه أحمد. [المسند٢٠٣٠وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح] وفي الباب أحاديث وآثار كثيرة ليس هذا موضع استقصائها.
стр. 189
الأبنية المقامة على القبور تتعين إزالتها، لاشتمالها على أنواع من المحرمات:
فهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين، والملوك وغيرهم، يتعين إزالتها بهدم أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء المعروفين، وتكره الصلاة فيها من غير خلاف أعلمه، ولا تصح عندنا في ظاهر المذهب، لأجل النهي واللعن الوارد في ذلك، ولأحاديث أُخَر، وليس في هذه المسألة خلاف لكون المدفون فيها واحداً، وإنما اختلف أصحابنا في المقبرة المجردة عن مسجد، هل حدها ثلاثة أقبر، أو ينهى عن الصلاة عند القبر الفذ (١) وإن لم يكن عنده قبر آخر؟ على وجهين.
ثم يتغلظ النهي إن كانت البقعة مغصوبة، مثل ما بني على بعض العلماء، أو الصالحين، أو غيرهم ممن كان مدفوناً في مقبرة مسبَّلة، فبني على قبره مسجد، أو مدرسة، أو رباط، أو مشهد، وجعل فيه مطهرة، أو لم يجعل فإن هذا مشتمل على أنواع من المحرمات:
أحدها: أن المقبرة المُسَبَّلة لا يجوز الانتفاع بها في غير الدفن من غير تعويض بالاتفاق، فبناء المسجد أو المدرسة أو الرباط فيها كدفن الميت في المسجد، أو كبناء الخانات ونحوها في المقبرة، أو كبناء المسجد في الطريق الذي يحتاج الناس إلى المشي فيه.
الثاني: اشتمال غالب ذلك على نبش قبور المسلمين، وإخراج عظام موتاهم، كما قد علم ذلك في كثير من هذه المواضيع.
الثالث: أنه قد روى مسلم في صحيحه عن جابر: أن رسول الله ﷺ : نهى أن يُبْنَى على القبور». [مسلم٩٧٠]
الرابع: أن بناء المطاهر التي هي محل النجاسات، بين مقابر المسلمين، من أقبح ما تُجَاوَرُ به القبور، لا سيما إن كان محل المطهرة قبر رجل مسلم.
الخامس: اتخاذ القبور مساجد، وقد تقدم بعض النصوص المحرمة لذلك.
السادس: الإسراج على القبور وقد لعن رسول الله ﷺ من يفعل ذلك. [المسند٢٠٣٠وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح]
السابع: مشابهة أهل الكتاب في كثير من الأقوال والأفعال
стр. 190
والسنن بهذا السبب كما هو الواقع، إلى غير ذلك من الوجوه.
بدعة البناية التي على قبر إبراهيم ﵇:
وقد كانت البنية التي على قبر إبراهيم الخليل ﷺ مسدودة لا يدخل إليها إلى حدود المائة الرابعة، فقيل: إن بعض النسوة المتصلات بالخلفاء رأتْ في ذلك مناماً فنقبت لذلك. وقيل: إن النصارى لما استولوا على هذه النواحي نقبوا ذلك. ثم ترك ذلك مسجداً بعد الفتوح المتأخرة. وكان أهل الفضل من شيوخنا لا يصلون في مجموع تلك البنية، وينهون أصحابهم عن الصلاة فيها، اتباعاً لأمر رسول الله ﷺ ، واتقاء لمعصيته، كما تقدم.
بدعة البناية على المشاهد والصلاة عندها:
وكذلك إيقاد المصابيح في هذه المشاهد مطلقاً، لا يجوز بلا خلاف أعلمه، للنهي الوارد، ولا يجوز الوفاء بما يُنذر لها من دهن وغيره، بل موجبه موجب نذر المعصية.
ومن ذلك الصلاة عندها، وإن لم يبن هناك مسجد، فإن ذلك أيضاً اتخاذها مسجداً، كما قالت عائشة: «ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن خشي أن يتخذ مسجداً» ولم تقصد عائشة ﵄ مجرد بناء
стр. 191
مسجد، فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجداً، وإنما قَصَدت أنهم خشوا أن الناس يصلون عند قبره، وكل موضع قُصِدَت الصلاة فيه فقد اتُّخِذ مسجداً، بل كل موضع يصلَّى فيه فإنه يسمى مسجداً وإن لم يكن هناك بناء، كما قال النبي ﷺ : «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً». [البخاري٣٣٥، مسلم٥٢٣] وقد روى أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «الأرض كلها مسجد، إلا المقبرة والحمام» [أبو داود٤٩٢وصححه الألباني].
سبب كراهية الصلاة في المقبرة: اعلم أن من الفقهاء من اعتقد أن سبب كراهة الصلاة في المقبرة ليس إلا كونها مظنة النجاسة، لما يختلط بالتراب من صديد الموتى، وبنى على هذا الاعتقاد، الفرق بين المقبرة الجديدة والعتيقة، وبين أن يكون بينه وبين التراب حائل، أو لا يكون. ونجاسة الأرض مانع من الصلاة عليها، سواء كانت مقبرة أو لم تكن، لكن المقصود الأكبر بالنهي عن الصلاة عند القبور ليس هو هذا. فإنه قد بين أن اليهود والنصارى كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وقال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم
стр. 192
مساجد» يحذر ما فعلوا. وروى عنه ﷺ أنه قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا، لعن الله قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» [المسند٧٣٥٢وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح] قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجداً» [البخاري١٣٣٠، مسلم٥٢٩]. وقال: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهى عن ذلك». [مسلم٥٣٢]
فهذا كله يبين لك أن السبب ليس هو مظنة النجاسة وإنما هو مظنة اتخاذها أوثانا. وقد نَبَّه هو ﷺ على العلة بقوله: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد» وبقوله: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد فلا تتخذوها مساجد» وأولئك إنما كانوا يتخذون قبوراً لا نجاسة عندها. ولأنه قد روى مسلم في صحيحه، أن النبي ﷺ قال: «لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها». [مسلم٩٧٢، ٥٢٨] وعن عائشة ﵄ أن أم سلمة وأم حبيبة ﵄ ذكرتا لرسول الله ﷺ ، كنيسة، رأَيْنَها بأرض الحبشة، يقال لها: مارية، وذكرتا من حُسنها وتصاوير فيها، فقال رسول الله ﷺ : «أولئك قوم إذا مات
стр. 193
فيهم العبد الصالح، أو الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجداً، وصوَّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله ». [البخاري٤٢٦، مسلم٥٢٨]. فجمع بين التماثيل والقبور.
وأيضا فإن اللات كان سبب عبادتها تعظيم قبر رجل صالح كان هناك، وقد ذكروا أن وداً، وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم ونوح سدد خطاكم. فروى محمد بن جرير بإسناده إلى الثوري عن موسى بن محمد بن قيس: ﴿وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾؟ [نوح: ٢٣] قال: «كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح سدد خطاكم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم. فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يُسقَون المطر، فعبدوهم»، قال قتادة وغيره: «كانت هذه الآلهة يعبدها قوم نوح، ثم اتخذها العرب بعد ذلك». [ابن جرير الطبري في التفسير (٢٩/ ٩٩) وإسناده صحيح]
وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع هي أوقعت كثيرا من الأمم، إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإن النفوس
стр. 194
قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وبتماثيل يزعمون أنها طلاسم للكواكب، ونحو ذلك. فإن يُشْرَك بقبر الرجل الذي يُعتقد نبوَّته أو صلاحه، أعظم من أن يشرك بخشبة أو حجر على تمثاله. ولهذا نجد أقواماً كثيرين يتضرعون عندها، ويخشعون ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في المسجد، بل ولا في السَّحَر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد التي تشد إليها الرحال.
فهذه المفسدة ـ التي هي مفسدة الشرك، كبيره وصغيره ـ هي التي حسم النبي ﷺ مادتها، حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا، وإن لم يقصد المصلي بَرَكة البقعة بصلاته، كما يقصد بصلاته بَرَكة المساجد الثلاثة، ونحو ذلك. كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس، واستوائها وغروبها لأنها الأوقات التي يقصد المشركون بركة الصلاة للشمس فيها، فينهى المسلم عن الصلاة حينئذ ـ وإن لم يقصد ذلك ـ سدًا للذريعة.
فأما إذا قصد الرجل الصلاة عند بعض قبور الأنبياء والصالحين، متبركاً بالصلاة في تلك البقعة، فهذا عين المحادّة لله
стр. 195
ورسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله، فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله ﷺ ، من أن الصلاة عند القبر ـ أي قبر كان ـ لا فضل فيها لذلك، ولا للصلاة في تلك البقعة مزية خير أصلاً، بل مزية شر.
واعلم أن تلك البقعة، وإن كانت قد تنزل عندها الملائكة والرحمة، ولها شرف وفضل، لكن دين الله تعالى بين الغالي فيه والجافي عنه. فإن النصارى عظموا الأنبياء حتى عبدوهم، وعبدوا تماثيلهم، واليهود استخفوا بهم حتى قتلوهم. والأمة الوسط، عرفوا مقاديرهم فلم يغلوا فيهم غلو النصارى، ولم يجفوا عنهم جفاء اليهود، ولهذا قال ﷺ فيما صح عنه: «لا تُطْرُونِي كما أَطْرَتْ النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله». [البخاري٣٤٤٥] فإذا قُدِّر أن الصلاة هناك توجب من الرحمة أكثر من الصلاة في غير تلك البقعة، كانت المفسدة الناشئة من الصلاة هناك تربي (١) على هذه المصلحة، حتى تغمرها أو تزيد عليها. بحيث تصير الصلاة هناك مُذهِبة لتلك الرحمة، ومُثْبِتة لما يوجب العذاب، ومن لم تكن له بصيرة يدرك بها الفساد الناشئ من الصلاة عندها، فيكفيه
стр. 196
أن يقلد الرسول ﷺ ، فإنه لولا أن الصلاة عندها مما غلبت مفسدته على مصلحته لما نهى عنه كما نهى عن الصلاة في الأوقات الثلاثة، وعن صوم يومي العيدين. بل كما حرم الخمر، فإنه لولا أن فسادها غالب على ما فيها من المنفعة لما حرمها، وكذلك تحريم القطرة منها. ولولا غلبة الفساد فيها على الصلاح لما حرمها.
وليس على المؤمن، ولا له أن يطالب الرسل بتبيين وجوه المصالح والمفاسد، وإنما عليه طاعتهم. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [النساء:٦٤] وقال: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ [النساء:٨٠] وإنما حقوق الأنبياء في تعزيرهم، وتوقيرهم ومحبتهم محبة مقدمة على النفس والأهل والمال وإيثار طاعتهم ومتابعة سنتهم، ونحو ذلك من الحقوق التي مَن قام بها لم يَقُم بعبادتهم والإشراك بهم، كما أن عامة من يشرك بهم شركاً أكبر أو أصغر، يترك ما يجب عليه من طاعتهم، بقدر ما ابتدعه من الإشراك بهم.
وكذلك حقوق الصديقين المحبة والإجلال، ونحو ذلك من الحقوق التي جاء بها الكتاب والسنة، وكان عليها سلف الأمة.
стр. 197
حكم الصلاة في المقبرة:
قد اختلف الفقهاء في الصلاة في المقبرة: هل هي محرمة أم مكروهة؟ وإذا قيل هي محرمة فهل تصح مع التحريم أم لا؟ والمشهور عندنا أنها محرمة لا تصح. ومن تأمل النصوص المتقدمة تبين له أنها محرمة بلا شك، وأن صلاته لا تصح.
قصد القبور للدعاء عندها أو بها: الدعاء عند القبور وغيرها من الأماكن ينقسم إلى نوعين: أحدهما: أن يحصل الدعاء في البقعة بحكم الاتفاق، لا لقصد الدعاء فيها، كمن يدعو الله في طريقه، ويتفق أن يمر بالقبور، أو كمن يزورها، فيسلم عليها، ويسأل الله العافية له وللموتى، كما جاءت به السنة، فهذا ونحوه لا بأس به.
الثاني: أن يتحرى الدعاء عندها، بحيث يستشعر أن الدعاء هناك أجْوَب منه في غيره، فهذا النوع مَنْهِيٌّ عنه، إما نهي تحريم أو تنزيه، وهو إلى التحريم أقرب، والفرق بين البابين ظاهر. فإن الرجل لو كان يدعو الله، واجتاز في ممره بصنم، أو صليب، أو كنيسة، أو كان يدعو في بقعة، وهناك صليب هو عنه ذاهل، أو دخل كنيسة ليبيت فيها مبيتاً جائزاً، ودعا الله في الليل، أو بات في
стр. 198
بيت بعض أصدقائه ودعا الله، لم يكن بهذا بأس.
ولو تحرى الدعاء عند صنم أو صليب، أو كنيسة، يرجو الإجابة بالدعاء في تلك البقعة، لكان هذا من العظائم، بل لو قصد بيتاً، أو حانوتاً في السوق، أو بعض عواميد الطرقات يدعو عندها، يرجو الإجابة بالدعاء عندها، لكان هذا من المنكرات المحرمة. إذ ليس للدعاء عندها فضل. فقصد القبور للدعاء عندها، من هذا الباب، بل هو أشد من بعضه؛ لأن النبي ﷺ نهى عن اتخاذها مساجد، واتخاذها عيداً، وعن الصلاة عندها، بخلاف كثير من هذه المواضع.
حديث الاستعانة بأهل القبور كذب
ما يرويه بعض الناس من أنه ﷺ قال: «إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا بأهل القبور» أو نحو هذا، فهو كلام موضوع مكذوب باتفاق العلماء والذي يبين ذلك أمور:
أحدها: أنه قد تبين أن العلة التي نهى النبي ﷺ لأجلها عن الصلاة عندها إنما هو لئلا تُتَّخَذ ذريعة إلى نوع من الشرك بالعكوف عليها، وتعلق القلوب بها رغبة ورهبة.
стр. 199
ومن المعلوم أن المضطر في الدعاء الذي قد نزلت به نازلة، فيدعو لاستجلاب خير كالاستسقاء، أو لرفع شر ـ كالاستنصار ـ حاله في افتتانه بالقبور ـ إذا رجا الإجابة عندها ـ أعظم من حال من يؤدي الفرض عندها في حال العافية، فإن أكثر المصلين في حال العافية، لا تكاد قلوبهم تُفتَن بذلك إلا قليلاً، أما الداعون المضطرون ففتنتهم بذلك عظيمة جداً. فإذا كانت المفسدة والفتنة التي لأجلها نهي عن الصلاة متحققة في حال هؤلاء، كان نهيهم عن ذلك أوكد وأوكد. وهذا واضح لمن فقه في دين الله، وتبين له ما جاءت به الحنيفية من الدين الخالص لله، وعلم كمال سنة إمام المتقين في تجريد التوحيد، ونفي الشك بكل طريق.
الثاني: أن قصد القبور للدعاء عندها، ورجاء الإجابة بالدعاء هنالك رجاءً أكثر من رجائها بالدعاء في غير ذلك الموطن ـ أمر لم يشرعه الله ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أئمة المسلمين، ولا ذكره أحد من العلماء، ولا الصالحين المتقدمين، بل أكثر ما ينقل من ذلك عن بعض المتأخرين بعد المائة الثانية، وأصحاب رسول الله ﷺ قد أجدبوا مرات، ودهمتهم
стр. 200
نوائب غير ذلك، فهلا جاؤوا فاستسقوا واستغاثوا، عند قبر النبي ﷺ ؟ بل خرج عمر بالعباس فاستسقى به (١)، ولم يستسق عند قبر النبي ﷺ .
ومن تأمل كتب الآثار، وعرف حال السلف، تيقن قطعا أن القوم ما كانوا يستغيثون عند القبور، ولا يتحرون الدعاء عندها أصلاً، بل كانوا ينهون عن ذلك من كان يفعله من جهالهم. فلا يخلو: إما أن يكون الدعاء عندها أفضل منه في غير تلك البقعة، أو لا يكون. فإن كان أفضل لم يَجُز أن يخفى علم هذا عن الصحابة والتابعين وتابعيهم، فتكون القرون الثلاثة الفاضلة جاهلة بهذا الفضل العظيم، ويعلمه من بعدهم.
ولم يَجُز أن يعلموا ما فيه من الفضل العظيم ويزهدوا فيه، مع حرصهم على كل خير، لا سيما الدعاء، فإن المضطر يتشبث بكل سبب، وإن كان فيه نوع كراهة، فكيف يكونون مضطرين في كثير من الدعاء، وهم يعلمون فضل الدعاء عند القبور، ثم لا يقصدونه؟ هذا محال طبعاً وشرعاً.
стр. 201
وإن لم يكن الدعاء عندها أفضل، كان قصد الدعاء عندها ضلالة ومعصية، كما لو تحرى الدعاء وقصَدَه عند سائر البقاع التي لا فضيلة للدعاء عندها، من شطوط الأنهار، ومغارس الأشجار وحوانيت الأسواق، وجوانب الطرقات، وما لا يحصي عدده إلا الله.
وهذا الدليل قد دل عليه كتاب الله في غير موضع، مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللهُ﴾ [الشورى:٢١] فإذا لم يشرع الله استحباب الدعاء عند المقابر ولا وجوبه فمن شرعه فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣] وهذه العبادة عند المقابر نوع من أن يشرَك بالله ما لم ينزل به سلطاناً، لأن الله لم ينزل حجة تتضمن استحباب قصد الدعاء عند القبور وفضله على غيره. ومن جعل ذلك من دين الله فقد قال على الله ما لا يعلم.
وما أحسن قوله تعالى: ﴿مَا لَم يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً﴾ لئلا يحتج
стр. 202
بالمقاييس والحكايات.
ومثل هذا قوله تعالى في حكايته عن الخليل: ﴿وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ * وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:٨٠ - ٨٣] فإن هؤلاء المشركين الشرك الأكبر والأصغر يُخَوّفُون المخلصين بشفعائهم فيقال لهم: نحن لا نخاف هؤلاء الشفعاء الذين لكم، فإنهم خلق من خلق الله، لا يضرون إلا بعد مشيئة الله، فمن مسه بضر فلا كاشف له إلا هو، ومن أصابه برحمة فلا راد لفضله وكيف نخاف هؤلاء المخلوقين الذين جعلتموهم شفعاء وأنتم لا تخافون الله، وقد أحدثتم في دينه من الشرك ما لم ينزل به وحيا من السماء، فأي الفريقين أحق بالأمن: من كان لا يخاف إلا الله، ولم يبتدع في دينه شركاء، أو من ابتدع في دينه شركاّ بغير إذنه؟ بل من آمن ولم يخلط إيمانه بشرك
стр. 203
فهؤلاء من المهتدين.
وهذه الحجة المستقيمة التي يرفع الله بها وبأمثالها أهل العلم.
اعتقاد المبطلين استجابة الدعاء عند القبور جعَلها تُقصَد وهذا هو ما نهي عنه النبي ﷺ :اعتقاد استجابة الدعاء عندها وفضله، قد أوجب أن تُنْتَاب (١) لذلك وتقصد، وربما اجتمع عندها اجتماعات كثيرة، في مواسم معينة، وهذا بعينه هو الذي نهى عنه النبي ﷺ بقوله: «لا تجعلوا قبري عيداً». [أبو داود٢٠٤٢، وصححه الألبانى] وبقوله ﷺ : «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» [مسلم٥٣٠] وبقوله ﷺ : «لا تتخذوا القبور مساجد؛ فإن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» [مسلم٥٣٢] حتى إن بعض القبور يجتمع عندها في يوم من السنة ويسافر إليها: إما في المحرم، أو رجب، أو شعبان، أو ذي الحجة، أو غيرها. وبعضها يجتمع عندها في يوم عاشوراء، وبعضها في يوم عرفة، وبعضها في النصف من شعبان، وبعضها في وقت آخر، بحيث يكون لها يوم من السنة تقصد فيه، ويجتمع
стр. 204
عندها فيه كما تقصد عرفة ومزدلفة ومنى، في أيام معلومة من السنة، أو كما يُقصَد مُصَلَّى المَصْر يوم العيدين، بل ربما كان الاهتمام بهذه الاجتماعات في الدين والدنيا أهم وأشد.
ومنها ما يسافر إليه من الأمصار، في وقت معين أو في وقت غير معين، لقصد الدعاء عنده، والعبادة هناك، كما يقصد بيت الله لذلك، حتى أن بعضهم يسميه الحج ويقول: نريد الحج إلى قبر فلان وفلان.
وهذا السفر لا أعلم بين المسلمين خلافا في النهي عنه، إلا أن يكون خلافا حادثا.
ومنها ما يقصد الاجتماع عنده في يوم معين من الأسبوع.
وفي الجملة: هذا الذي يفعل عند هذه القبور هو بعينه الذي نهى عنه رسول الله ﷺ بقوله: «لا تجعلوا قبري عيداً» فإن اعتياد قصد المكان المعين، وفي وقت معين، عائد بعود السنة أو الشهر، أو الأسبوع هو بعينه معنى العيد. ثم ينهى عن دِقّ ذلك وجُلِّه. ويكره اعتياد عبادة في وقت إذا لم تجئ بها السنة. فكيف اعتياد مكان معين في وقت معين؟.
стр. 205
ويدخل في هذا: ما يفعل بمصر، عند قبر نفيسة وغيرها. وما يفعل بالعراق عند القبر الذي يقال إنه قبر علي ﵁، وقبر الحسين، وحذيفة بن اليمان، وسلمان الفارسي. وقبر موسى بن جعفر، ومحمد بن علي الجواد ببغداد. وعند قبر أحمد بن حنبل، ومعروف الكرخي. وغيرهما وما يفعل عند قبر أبي يزيد البسطامي. وكان يفعل نحو ذلك بِحرّان، عند قبر يسمى قبر الأنصاري، إلى قبور كثيرة، في أكثر بلاد الإسلام لا يمكن حصرها. كما أنهم بنوا على كثير منها مساجد وبعضها مغصوب، كما بنوا على قبر أبي حنيفة والشافعي وغيرهم.
وهؤلاء الفضلاء من الأئمة، إنما ينبغي محبتهم واتباعهم، وإحياء ما أحيوه من الدين، والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة والرضوان، ونحو ذلك.
فأما اتخاذ قبورهم أعيادا، فهو مما حرمه الله ورسوله واعتياد قصد هذه القبور في وقت معين، أو الاجتماع العام عندها في وقت معين، هو اتخاذها عيداً، كما تقدم. ولا أعلم بين المسلمين أهل العلم في ذلك خلافا. ولا يُغْتر بكثرة العادات الفاسدة، فإن هذا من
стр. 206
التشبه بأهل الكتابَيْن، الذي أخبرنا النبي ﷺ أنه كائن في هذه الأمة. وأصل ذلك: إنما هو اعتقاد فضل الدعاء عندها، وإلا فلو لم يقم هذا الاعتقاد بالقلوب انمحى ذلك كله، فإذا كان قصدها للدعاء يجر هذه المفاسد كان حراما، كالصلاة عندها وأولى، وكان ذلك فتنة للخلق، وفتحا لباب الشرك، وإغلاقا لباب الإيمان.
سائر العبادات لا تجوز عند القبور: قد تقدم أن النبي ﷺ نهى عن اتخاذها مساجد وعن الصلاة عندها، وعن اتخاذها عيداً، وأنه دعى الله أن لا يتخذ قبره وثناً يُعبد. وقد تقدم أن اتخاذ المكان عيداً هو اعتياد إتيانه للعبادة عنده أو غير ذلك، وقد تقدم النهي الخاص عن الصلاة عندها أو إليها، والأمر بالسلام عليها والدعاء لها.
وذكرنا ما في دعاء المرء لنفسه عندها، من الفرق بين قصدها لأجل الدعاء، أو الدعاء ضمنا وتبعا. وتمام الكلام في ذلك، بذكر سائر العبادات، فالقول فيها جميعا كالقول في الدعاء، فليس في ذكر الله هناك، أو القراءة عند القبر، أو الصيام عنده، أو الذبح عنده، فضل على غيره من البقاع، ولا قصد ذلك عند القبور مستحباً. وما علمت أحداً من علماء المسلمين يقول إن الذكر هناك، أو الصيام أو
стр. 207
القراءة، أفضل منه في غير تلك البقعة.
حكم الذبح عند القبور: وأما الذبح هناك فمنهي عنه مطلقا، ذكره أصحابنا وغيرهم. لما روى أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا عقر في الإسلام» قال عبد الرزاق: كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة. [أبوداود٣٢٢٢وصححه الألباني] قال أصحابنا: وفي معنى هذا ما يفعله كثير من أهل زماننا في التصدق عند القبر بخبز أو نحوه.
العكوف عند القبور، والمجاورة عندها، وسدانتها، من المحرمات
ومن المحرمات: العكوف عند القبر والمجاورة عنده، وسدانته، وتعليق الستور عليه، كأنه بيت الله الكعبة. فإنا قد بينا أن نفس بناء المسجد عليه مَنْهيٌّ عنه باتفاق الأمة، محرم بدلالة السنة، فكيف إذا ضم إلى ذلك المجاورة في ذلك المسجد، والعكوف فيه كأنه المسجد الحرام؟ بل عند بعضهم أن العكوف فيه أحب إليه من العكوف في المسجد الحرام، إذ ﴿مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِله﴾ [البقرة: ١٦٥]. بل حرمة ذلك المسجد المبني على القبر الذي حرمه الله ورسوله،
стр. 208
أعظم عند المقابريين من حرمة بيوت الله التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه. وقد أسست على تقوى من الله ورضوان.
وقد بلغ الشيطان بهذه البدع إلى الشرك العظيم في كثير من الناس، حتى إن منهم من يعتقد أن زيارة المشاهد التي على القبور ـ إما قبر لنبي، أو شيخ، أو بعض أهل البيت ـ أفضل من حج البيت الحرام، ويسمى زيارتها: الحج الأكبر، ومن هؤلاء من يرى أن السفر لزيارة قبر النبي ﷺ أفضل من حج البيت. وبعضهم إذا وصل المدينة رجع وظن أنه حصل له المقصود. وهذا لأنهم ظنوا أن زيارة القبور لأجل الدعاء عندها والتوسل بها، وسؤال الميت ودعائه. ومعلوم أن النبي ﷺ أفضل من الكعبة، ولو علموا أن المقصود إنما هو عبادة الله وحده لا شريك له وسؤاله ودعاؤه، والمقصود بزيارة القبور الدعاء لها، كما يقصد بالصلاة على الميت ـ لَزَال هذا عن قلوبهم. ولهذا، كثير من هؤلاء يسأل الميت والغائب، كما يسأل ربه، فيقول: اغفر لي وارحمني، وتُب علي، ونحو ذلك.
وكثير من الناس تمثل له صورة الشيخ المستغاث به، ويكون ذلك شيطاناً قد خاطبه، كما تفعل الشياطين بِعَبَدَة الأصنام.
وأعظم من ذلك: قصد الدعاء عنده والنذر له، أو للسدنة العاكفين عليه، أو المجاورين عنده، من أقاربه أو غيرهم، واعتقاد أنه بالنذر له قضيت الحاجة، أو كشف البلاء. فإنا قد بَيَّنَّا بقول الصادق المصدوق: أن نذر العمل المشروع لا يأتي بخير، وأن الله لم يجعله سبباً لدرك الحاجة، كما جعل الدعاء سبباً لذلك، فكيف نذر المعصية، الذي لا يجوز الوفاء به؟
واعلم أن أهل القبور من الأنبياء والصالحين، المدفونين، يكرهون ما يفعل عندهم كل الكراهة، كما أن المسيح علي ﵇ يكره ما يفعل النصارى به، وكما كان أنبياء بني إسرائيل يكرهون ما يفعله الأتباع فلا يحسب المرء المسلم أن النهي عن اتخاذ القبور أعياداً وأوثاناً فيه غَضٌّ من أصحابها، بل هو من باب إكرامهم، وذلك أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن، فتجد أكثر هؤلاء العاكفين على القبور معرضين عن سنة ذلك المقبور وطريقته، مشتغلين بقبره عما أمر به ودعا إليه.
ومن كرامة الأنبياء والصالحين، أن يتبع ما دعوا إليه من العمل الصالح، ليكثر أجرهم بكثرة أجور من اتبعهم، كما قال النبي ﷺ :
стр. 209
«من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيء». [مسلم٢٦٧٤] وإنما اشتغلت قلوب طوائف من الناس، بأنواع من العبادات المبتدَعة: إما من الأدعية، وإما من الأشعار وإما من السماعات، ونحو ذلك لإعراضهم عن المشروع، أو بعضه ـ أعني لإعراض قلوبهم ـ وإن قاموا بصورة المشروع، وإلا فمَن أقبَلَ على الصلوات الخمس بوجهه وقلبه ـ عاقلاً لما اشتملت عليه من الكلم الطيب، والعمل الصالح مهتماً بها كل الاهتمام ـ أغْنَتْه عن كل ما يتوهم فيه خير من جنسها.
ومن أصغى إلى كلام الله وكلام رسوله بعقله، وتدبره بقلبه، وجد فيه من الفهم والحلاوة والبركة والمنفعة ما لا يجده في شيء من الكلام لا منظومه ولا منثوره. ومن اعتاد الدعاء المشروع في أوقاته، كالأسحار، وأدبار الصلوات والسجود، ونحو ذلك، أغناه عن كل دعاء مبتدع، في ذاته أو بعض صفاته.
فعلى العاقل أن يجتهد في اتباع السنة في كل شيء من ذلك، ويعتاض عن كل ما يظن من البدع أنه خير بنوع من السنن، فإنه من يتحَرَّ الخير يُعْطَه، ومن يتوَقّ الشر يُوقَه.
стр. 210
أقوال العلماء في مقامات الأنبياء وحكم قصدها. وبيان القول الصحيح وأدلته:
أما مقامات الأنبياء والصالحين ـ وهي الأمكنة التي قاموا فيها، أو أقاموا، أو عبدوا الله سبحانه، لكنهم لم يتخذوها مساجد ـ فالذي بلغني في ذلك قولان عن العلماء المشهورين:
أحدهما: النهي عن ذلك وكراهته، وأنه لا يستحب قصْد بقعة للعبادة، إلا أن يكون قصْدها للعبادة مما جاء به الشرع، مثل أن يكون النبي ﷺ قصدها للعبادة كما قصد الصلاة في مقام إبراهيم، وكما كان يتحرى الصلاة عند الاسطوانة (١)، [البخاري٥٠٢] وكما يقصد المساجد للصلاة، ويقصد الصف الأول ونحو ذلك.
والقول الثاني: أنه لا بأس باليسير من ذلك، كما نُقل عن ابن عمر ﵁: أنه كان يتحرى قصد المواضع التي سلكها النبي ﷺ ، [البخاري٤٨٣] وإن كان النبي قد سلكها اتفاقاً لا قصداً.
قال سندي الخواتيمي: سألنا أبا عبد الله عن الرجل يأتي هذه المشاهد، ويذهب إليها، ترى ذلك؟ قال: أما على حديث ابن أم
стр. 211
مكتوم: أنه سأل النبي ﷺ أن يصلي في بيته حتى يتخذ ذلك مصلى (١). وعلى ما كان يفعله ابن عمر، يتتبع مواضع النبي ﷺ وأثره ـ فليس بذلك بأس، أن يأتي الرجل المشاهد، إلا أن الناس قد أفرطوا في هذا جداً، وأكثروا فيه وكذلك نقل عنه أحمد بن القاسم: أنه سئل عن الرجل يأتي هذه المشاهد التي بالمدينة، وغيرها، يذهب إليها؟ فقال: أما على حديث ابن أم مكتوم: أنه سأل النبي ﷺ أن يأتيه فيصلي في بيته حتى يتخذه مسجداً وعلى ما كان يفعل ابن عمر ﵁: كان يتبع مواضع سير النبي ﷺ ، حتى رؤي أنه يصب في موضع ماء، فيسئل عن ذلك. فقال: رأيت النبي ﷺ يصب ههنا ماء» [رواه ابن بطة الحنبلي في (الإبانة) (٧٣) بإسناد صحيح]، قال: أما على هذا فلا بأس. قال: ورخص فيه، ثم قال: ولكن قد أفرط الناس جداً، وأكثروا في هذا المعنى، فذكر قبر الحسين وما يفعل الناس عنده. رواهما الخلال في كتاب الأدب.
فقد فصل أبو عبد الله ﵀ في المشاهد ـ وهي الأمكنة التي فيها آثار الأنبياء والصالحين، من غير أن تكون مساجد لهم،
стр. 212
كمواضع بالمدينة ـ بين القليل الذي لا يتخذونه عيداً، والكثير الذي يتخذونه عيداً، كما تقدم. وهذا التفصيل جمع فيه بين الآثار وأقوال الصحابة، فإنه قد روى البخاري في صحيحه، عن موسى بن عقبة قال: «رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق، ويصلي فيها، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه رأى النبي ﷺ يصلي في تلك الأمكنة» قال موسى: «وحدثني نافع أن ابن عمر كان يصلي في تلك الأمكنة» [البخاري٤٨٣] فهذا كما رخص فيه أحمد ﵁.
وأما ما كرهه فروى سعيد بن منصور في سننه عن معرور بن سويد، عن عمر ﵁ قال: خرجنا معه في حجة حجها فقرأ بنا في الفجر بـ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ و ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ في الثانية، فلما رجع من حجته رأى الناس ابتدروا المسجد فقال: ما هذا؟ قالوا مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ فقال: هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم: اتخذوا آثار أنبيائهم بِيَعَاً، من عرضت له منكم فيه الصلاة فلْيُصَلِّ، ومن لم تعرض له الصلاة فليمض» [أشار ابن حجر في (فتح الباري) أن ذلك ثابت عن عمر] فقد كره عمر ﵁ اتخاذ مصلى النبي
стр. 213
- ﷺ عيداً، وبيَّن أن أهل الكتاب إنما هلكوا بمثل هذا.
وفي رواية عنه: أنه رأى الناس يذهبون مذاهب فقال: أين يذهب هؤلاء؟ فقيل: يا أمير المؤمنين، مسجد صلى فيه النبي ﷺ ، فهم يصلون فيه فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعاً، فمن أدركته الصلاة منكم في هذه المساجد فليصل، ومن لا فليمض ولا يتعمدها. [صحح إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية في (التوسل والوسيلة)]
وروى محمد بن وضاح وغيره: أن عمر بن الخطاب أمر بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ لأن الناس كانوا يذهبون تحتها. فخاف عمر الفتنة عليهم. [صحح إسناده الحافظ ابن حجر]
وقد اختلف العلماء ﵃ في إتيان المشاهد: فقال محمد بن وضاح: كان مالك وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار التي بالمدينة، ما عدا قباء وأُحُداً. ودخل سفيان الثوري بيت المقدس وصلى فيه ولم يتبع تلك الآثار، ولا الصلاة فيها. فهؤلاء كرهوها مطلقاً، لحديث عمر ﵁ هذا، ولأن ذلك يشبه الصلاة عند المقابر إذ هو ذريعة إلى اتخاذها أعياداً، وإلى التشبه بأهل
стр. 214
الكتاب، ولأن ما فعله ابن عمر لم يوافقه عليه أحد من الصحابة، فلم ينقل عن الخلفاء الراشدين ولا غيرهم، من المهاجرين والأنصار، أنه كان يتحرى قصد الأمكنة التي نزلها النبي ﷺ .
والصواب مع جمهور الصحابة، لأن متابعة النبي ﷺ تكون بطاعة أمره، وتكون في فعله، بأن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعله، فإذا قصَدَ العبادة في مكان كان قصْد العبادة فيه متابعةً له، كقصد المشاعر والمساجد. وأما إذا نزل في مكان بحكم الاتفاق لكونه صادف وقت النزول، أو غير ذلك، مما يعلم أنه لم يتحر ذلك المكان، فإذا تحرينا ذلك المكان لم نكن متبعين له، فإن الأعمال بالنيات.
فأما الأمكنة التي كان النبي ﷺ يقصد الصلاة أو الدعاء عندها، فقصد الصلاة فيها أو الدعاء سنة، اقتداء برسول الله ﷺ واتباعًا له، كما إذا تحرى الصلاة أو الدعاء في وقت من الأوقات فإن قصد الصلاة أو الدعاء في ذلك الوقت سنة كسائر عباداته، وسائر الأفعال التي فعلها على وجه التقرب ومثل هذا: ما خرجاه في الصحيحين عن يزيد بن أبي عبيد قال: «كان سلمة بن الأكوع يتحرى الصلاة عند الاسطوانة التي عند المصحف. فقلت له: يا أبا
стр. 215
مسلم، أراك تتحرى الصلاة عند هذه الاسطوانة: قال: رأيت النبي ﷺ يتحرى الصلاة عندها» [البخاري٥٠٢، مسلم٥٠٩] وفي رواية لمسلم عن سلمة بن الأكوع: أنه كان يتحرى الصلاة موضع المصحف، يسبح فيه، وذكر أن رسول الله ﷺ كان يتحرى ذلك المكان، وكان بين المنبر والقبلة قدر ممر الشاة. [مسلم٥٠٩]
وأما قصْد الصلاة في تلك البقاع التي صلى فيها اتفاقا، فهذا لم ينقل عن غير ابن عمر من الصحابة، بل كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وسائر السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، يذهبون من المدينة إلى مكة حُجَّاجًا وعُمارًا ومسافرين، ولم ينقل عن أحد منهم أنه تحرى الصلاة في مصليات النبي ﷺ . ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحباً لكانوا إليه أسبق، فإنهم أعلم بسنته وأتبع لها من غيرهم. وقد قال ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة﴾ [أبو داود ٤٦٠٧، ابن ماجه٤٢، المسند١٧٠٧٦وصححه الألباني، ولفظة ﴿(كل بدعة ضلالة) رواها مسلم٨٦٧].وتحري هذا ليس من