إن غض البصر من الرجال عن محاسن المرأة؛ سواء البشرة إذا انكشفت، أو تقاسيم البدن إذا بدت من وراء الحجاب: مأمور به. وسواء قيل بوجوب تغطية الوجه والكفين أم لا، فإن غض البصر واجب عن سائر البدن.
وغض البصر متعذر بل ممتنع في الاختلاط المنظم؛ لطول المكث في مجلس واحد، فصَرْفُ البصر من كليهما غير ممكن، وتحوط المرأة في حجابها شاق؛ إذ طول المقام يلجؤها إلى تغيير أوضاعها، مما سيبدي حتما ما يجب ستره.
فما كان الشارع ليأمر بغض البصر من كليهما، ثم يبيح اختلاطهما على هذه الصورة، فإن في الإباحة تحريضًا وتيسيرًا للنظر، وإتْبَاعه بنظرة أخرى، وقد قال النبي ﵌ لعليِّ ﵁: «يَا عَلِىُّ لاَ تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ». (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).
فالمختلط إذا قدر على الغض في الأولى، فهل سيصمد في الثانية، أو الثالثة إلى المائة، وهي كذلك، هما كل يوم في لقاءات مستمرة لساعات طويلة، قد تبلغ الثمان والعشر؟.
قال ﵌: «الْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا» (رواه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم). وإنما كان زنًا لأنه تمتع بالنظر إلى محاسن المرأة ومُؤَدٍّ إلى دخولها في قلب ناظرها، فتعلق في قلبه، فيسعى إلى إيقاع الفاحشة بها. فإذا نهى الشارع عن النظر إليهن لما يؤدي إليه من المفسدة وهو حاصل في الاختلاط، فكذلك الاختلاط يُنهى عنه لأنه وسيلة إلى ما لا تحمد عقباه من التمتع بالنظر والسعي إلى ما هو أسوأ منه.
وقد ذكر النبي ﵌ أن من حق الطريق: «غَضّ البَصَر» (رواه البخاري ومسلم). فإذا كان غض البصر واجبًا على الرجال إذا مرت بمجلسهم في الطريق امرأة مرورًا عابرًا، فكيف يسوغ لبعض الناس أن يزعموا أن شريعة الله تعالى لا تُمانع من اختلاط الرجال بالنساء يوميًا في مكان مغلق الساعات الطوال؟!
стр. 1087
وإذا كان استراق النظر خيانة كما في قول الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (غافر: ١٩)؛ فكيف تكون المخالطة؟
وإذا نهى الشارع عن النظر إلى النساء بسبب ما يؤدي إليه من المفسدة وهو حاصل في الاختلاط، فكذلك الاختلاط ينهى عنه لأنه وسيلة إلى ما لا تحمد عقباه من التمتع بالنظر والسعي إلى ما هو أسوأ منه، وواقع الناس اليوم يبين أن الاختلاط يفضي لزامًا لوقوع البصر فيما أمر الله بحفظه عنه.
الدليل الثالث:
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: «يَا رَسُولَ اللهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟»، قَالَ: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ» (رواه البخاري ومسلم).
وجه الاستدلال: أنه حذّر من الدخول على النساء باسم فعل الأمر (إيَّاك)، والمعنى احفظوا أنفسكم واتقوا الدخول على النساء، فهو أمرٌ باتِّقَاء الدخول على النساء والأمر يفيد الوجوب، ونهي عن الدخول عليهن؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضدّه، والنهي يفيد التحريم.
وسمى ﵌ دخول قريب الرجل على امرأته وهو غير مَحْرَم لها باسم الموت، ولا شك أن تلك العبارة هي أبلغ عبارات التحذير، وهذا دليل صحيح نبوي على أن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (الأحزاب: ٥٣) عام في جميع النساء؛ إذ لو كان حكمه خاصًا بأزواجه ﵌ لَمَا حذر الرجالَ هذا التحذير البالغ العام من الدخول على النساء.
وظاهر الحديث التحذير من الدخول عليهن ولو لم تحصل الخلوة بينهما، وهو كذلك، فالدخول عليهن والخلوة بهن كلاهما محرم تحريمًا شديدًا بانفراده.
стр. 1088
فتأملوا قوله ﵌ في دخول قريب الزوج على زوجته «الْحَمْوُ الْمَوْتُ»؛ لتدركوا أن اختلاط الرجال الأجانب بالنساء الأجنبيات أنه هو الموت.
стр. 1089
الدليل الرابع:
عن أَبِى أُسَيْدٍ الأَنْصَارِىِّ سدد خطاكم أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ - وَهُوَ خَارِجٌ مِنَ الْمَسْجِدِ فَاخْتَلَطَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ فِى الطَّرِيقِ - فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ لِلنِّسَاءِ: «اسْتَأْخِرْنَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ، عَلَيْكُنَّ بِحَافَاتِ الطَّرِيقِ». فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَلْتَصِقُ بِالْجِدَارِ حَتَّى إِنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا بِهِ. (رواه أبو داود، وحسنه الألباني).
(وَهُوَ خَارِج): أَيْ النَّبِيّ ﵌، (أَنْ تَحْقُقْنَ) هُوَ أَنْ يَرْكَبْنَ حُقّهَا وَهُوَ وَسَطهَا، أَيْ ابْعُدْنَ عَنْ الطَّرِيق، وَالْمَعْنَى أَنْ لَيْسَ لَهُنَّ أَنْ يَذْهَبْنَ فِي وَسَط الطَّرِيق. (بِحَافَّاتِ): جَمْع حَافَّة وَهِيَ النَّاحِيَة. (ثَوْبهَا): أَيْ الْمَرْأَة (مِنْ لُصُوقهَا): أَيْ الْمَرْأَة (بِهِ): بِالْجِدَارِ.
ووجه الدلالة: أن رسول الله ﵌ إذا منع الاختلاط في الطريق لأنه يؤدى إلى الافتتان، فكيف يقال بجواز الاختلاط في غير ذلك؟!.
الدليل الخامس:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ؛ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ». (رواه مسلم).
ووجه الدلالة أن النبي ﵌ أمر باتقاء النساء، وهو يقتضي الوجوب، فكيف يحصل الامتثال مع الاختلاط؟!!
الدليل السادس: قول رسول الله ﵌: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً هِيَ أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ» (رواه البخاري ومسلم). ووجه الدلالة: أنه وصَفَهُنَّ بأنهن فتنة فكيف يُجمع بين الفاتن والمفتون؟ هذا لا يجوز.
الدليل السابع: قول رسول الله ﵌: «الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ فَإِذَا خَرَجَتْ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ» (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
стр. 1090
(فَإِذَا خَرَجَتْ اِسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ) أَيْ زَيَّنَهَا فِي نَظَرِ الرِّجَالِ، وَقِيلَ أَيْ نَظَرَ إِلَيْهَا لِيُغْوِيَهَا وَيُغْوِيَ بِهَا. وَالْأَصْلُ فِي الِاسْتِشْرَافِ رَفْعُ الْبَصَرِ لِلنَّظَرِ إِلَى الشَّيْءِ وَبَسْطُ الْكَفِّ فَوْقَ الْحَاجِبِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَرْأَةَ يُسْتَقْبَحُ بُرُوزُهَا وَظُهُورُهَا فَإِذَا خَرَجَتْ أَمْعَنَ النَّظَرَ إِلَيْهَا لِيُغْوِيَهَا بِغَيْرِهَا، وَيُغْوِيَ غَيْرَهَا بِهَا لِيُوقِعَهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا فِي الْفِتْنَةِ.
أَوْ يُرِيدَ بِالشَّيْطَانِ شَيْطَانُ الْإِنْسِ مِنْ أَهْلِ الْفِسْقِ سَمَّاهُ بِهِ عَلَى التَّشْبِيهِ.
والاختلاط وسيلة إلى تسهيل هذا التزيين والإغواء.
دَعِي عنكِ قومًا زاحمَتْهُم نساؤُهم ... فكانوا كما حفَّ الشرابَ ذبابُ
تساوَوا فهذا بينهم مثلُ هذهِ ... وسِيَّانُ معنىً يافعٌ وكَعَابُ
وما عجبي أنَّ النساءَ ترجَّلَتْ ... لكنَّ تأنيثَ الرجالِ عُجَاب
الغُلامُ إذا كادَ يَبْلُغُ الحُلُمَ أوْ بَلَغَهُ فهو يافِع وَمُرَاهِق، والكَعَاب: المرأة حين يَبْدُو ثَدْيُها للنّهود، والمعنى: لا فرق عندهم بين ذكر وأنثى، فالرجال مثل النساء.
الدليل الثامن: قول رسول الله ﵌ «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» (رواه مسلم).
ووجه الدلالة أن الرسول ﵌ شرع للنساء إذا أتَيْن إلى المسجد فإنهن ينفصلن عن الجماعة على حدة، ثم وصف أول صفوفهن بالشر، والمؤخر منهن بالخير، وما ذلك إلا لبُعد المتأخرات عن الرجال عن مخالطتهم ورؤيتهم وتعلق القلب بهم عند رؤية حركاتهم وسماع كلامهم، وذمّ أول صفوفهن لحصول عكس ذلك، ووصف آخر صفوف الرجال بالشر إذا كان معهم نساء في المسجد؛ لفوات التقدم والقُرْب من الإمام وقربه من النساء اللاتى يشغلن البال، وربما أفسدن به العبادة وشوشن النية والخشوع.
فإذا كان الشارع توقع حصول ذلك في مواطن العبادة مع أنه لم يحصل اختلاط فحصول ذلك إذا وقع اختلاط من باب أولى فيمنع الاختلاط من باب أولى.
стр. 1091
وقد أفرد النبي ﵌ في المسجد بابًا خاصًّا للنساء يدخلن , ويخَرجن منه , لا يُخالطهن , ولا يُشاركهن فيه الرجال. فعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَابَ لِلنِّسَاءِ»، قَالَ نَافِعٌ: «فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ ابْنُ عُمَرَ حَتَّى مَاتَ» (رواه أبو داود، وصححه الألباني).
وشرع النبي ﵌ للرجال إمامًا ومؤتمين ألاَّ يخرُجوا فور التسليم من الصلاة , إذا كان بالصفوف الأخيرة بالمسجد نساء , حتى يخرجن , وينصرفن إلى دورهن قبل الرجال , لكي لا يحصل الاختلاط بين الجنسين ـ ولو بدون قصد ـ إذا خرجوا جميعًا.
فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﵌ قَالَتْ: «كَانَ يُسَلِّمُ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ فَيَدْخُلْنَ بُيُوتَهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَنْصَرِفَ رَسُولُ اللهِ ﵌» (رواه البخاري).
وهذا كله في حال العبادة والصلاة التي يكون فيها المسلم أو المسلمة أبعد ما يكون عن وسوسة الشيطان وإغوائه , فكيف بما عداها؟!.
الدليل التاسع:
روى البخاري ومسلم أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ﵌ جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﵌ تَزُورُهُ فِى اعْتِكَافِهِ فِى الْمَسْجِدِ، فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِىُّ ﵌ مَعَهَا يَقْلِبُهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ رَجُلاَنِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ فَقَالَ لَهُمَا النَّبِىُّ ﵌: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِىَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَىٍّ». فَقَالاَ: «سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ». وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا. فَقَالَ النَّبِىُّ ﵌: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ، وَإِنِّى خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِى قُلُوبِكُمَا شَيْئًا».
والشاهد أن النبي ﵌ قرر أن خلطة الرجل بالمرأة موطن ريبة، ومحل تهمة، مع أن هذه الخلطة كانت:
- عند المسجد.
стр. 1092
- وفي مكان عام مطروق (يمر فيه الناس).
- وزمانها ليلة من ليال العشر الأواخر من رمضان.
- مع امرأة مضروب عليها الحجاب الكامل بغير خلاف لكونها من أزواجه ﵌.
- أضف إلى ذلك الأصول المقررة؛ كعصمة النبي ﵌، ورسوخ إيمان صحابته ﵃.
كل ذلك لم يبرر ترك بيان أن الاختلاط بالنساء موضع تهمة، ومحل شبهة.
الدليل العاشر:
قول النبي ﵌: «لَا تُبَاشِرْ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا» (رواه البخاري)؛ فالمرأة المسلمة منهية عن وصف المرأة الأجنبية لزوجها كأنه ينظر إليها، والْحِكْمَة فِي هَذَا النَّهْي خَشْيَة أَنْ يُعْجِب الزَّوْج الْوَصْف الْمَذْكُور فَيُفْضِي ذَلِكَ إِلَى تَطْلِيق الْوَاصِفَة أَوْ الِافْتِتَان بِالْمَوْصُوفَةِ، فكيف يُعقَل أن ينهى الإسلام المرأةَ المسلمة أن تصف امرأةً أجنبية لزوجها لئَلّا يتعلق قلبُه بها، ثم يبيح لهذا الزوج أن يجالس هذه المرأة الأجنبية ويخالطها في العمل أو الدراسة مخالطةً مستديمة؟!!!
стр. 1093
٧٤ - من الثمار المُرّة للاختلاط
خطر الاختلاط على الدنيا والدين:
يا قومِ لا تُفْنُوا الفضيلة واحذروا ... مِن كُل مَن يدعو إلى الإضلال
يا قومِ شاعَ دعاةُ شرٍ بيننا ... يَنْوُونَ خلْط نسائنا برجال
يا قومِ ما في الاختلاط سوى ... الأذى وبقاؤنا في أرذلِ الأحوال
ثم انظروا يا قومِ فيمن حولنا ... ممن أطاعوا دعوةَ الإضلال
لما تخالط بالرجالِ نساؤُهم ... ذهبت كرامتهم كطَيْفِ خيال
شاع الفسادُ بأرْضِهم وتخالطتْ ... أنسابُهم وبقُوا بأرذلِ حال
يا قومِ قد أبدَيْتُ نُصحي فاحذرُوا ... مِن كل مَن يدعو إلى الإضلال
إن جعبة الباحثين والدارسين لظاهرة الاختلاط حافلة بالمآسي المخزية، والفضائح المشينة، التي تمثل صفعة قوية في وجه كل من يجادل في الحق بعدما تبين.
وإن الإحصائيات الواقعية في كل البلاد التي فيها الاختلاط ناطقة بل صارخة بخطر الاختلاط على الدنيا والدين، لخصها العلامة أحمد وفيق باشا العثماني، الذي كان سريع الخاطر، حاضر الجواب عندما سأله بعض عُشَرائه من رجال السياسة في أوربا، في مجلس بإحدى تلك العواصم قائلًا: «لماذا تبقى نساء الشرق محتجبات في بيوتهن مدى حياتهن، من غير أن يخالِطْنَ الرجال، ويغْشَيْنَ مجامِعَهُم؟»، فأجابه في الحال قائلًا: «لأنهن لا يرغَبْنَ أنْ يَلِدْنَ من غيرِ أزواجهن». وكان هذا الجواب كصَبِّ ماء بارد على رأس هذا السائل، فسكت على مضض كأنه ألقم الحجر.
ونستطيع - بكل قوة - أن نجزم بحقيقة لا مراء فيها، وهي أنك إذا وقفت على جريمة فيها نُهِش العرضُ، وذُبِح العفافُ، وأهدِرَ الشرف، ثم فتشت عن الخيوط
стр. 1094
الأولى التي نسجت الجريمة، وسهَّلت سبيلها، فإنك حتمًا ستجد أن هناك ثغرة حصلت في الأسلاك الشائكة التي وضعتها الشريعة الإسلامية بين الرجال والنساء.
ومن خلال هذه الثغرة ... دخل الشيطان! وصدق الله العظيم: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ (النساء: ٢٧ – ٢٨).
من ثمار الاختلاط المرة:
إن الاختلاط بين الرجال والنساء في العمل وغيره، له آثاره السيئة، ومفاسده الواضحة، على كلٍّ من الرجل والمرأة، ومن ذلك:
١ - تعسير غضّ البصر , وتيسير زنا العين بحصول النظر المحرم، وقد أمر الله تعالى المؤمنين والمؤمنات بغض البصر.
٢ - قد يحصل فيه اللمس المُحَرّم، ومنه المصافحة باليد، وقد قال رَسُولُ اللهِ ﵌: «لأَنْ يُطْعَنَ فِي رَأْسِ رَجُلٍ بِمِخْيَطٍ مِنْ حَدِيدٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لا تَحِلُّ لَهُ». (رواه الطبراني، وصححه الألباني).
٣ - الاختلاط قد يوقع في خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية عنه، وهذا محرم.
إن أنواع الزنا الأصغر تتحقق عند اختلاط الرجال بالنساء، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِىِّ ﵌ قَالَ «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَى مُدْرِكٌ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ؛ فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاِسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلاَمُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ». (رواه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم).
والمختلطون بالنساء لا يكاد أحد منهم يسلم من الوقوع في هذة الأنواع أو بعضها.
стр. 1095
٤ - ومن مفاسده التسبب في بلاء العشق الذي يتلف الدنيا والدين، حيث تعلق قلب الرجل بالمرأة وافتتانه بها، أو العكس، وذلك من جراء الخلطة، وطول المعاشرة.
٥ - دمار الأسر وخراب البيوت، فكم من رجل أهمل بيته، وضيع أسرته، لانشغال قلبه بزميلته في الدراسة أو العمل، وكم من امرأة ضيعت زوجها وأهملت بيتها، لنفس السبب، بل: كم من حالة طلاق وقعت بسبب العلاقة المحرمة التي أقامها الزوج أو الزوجة، وكان الاختلاط في العمل رائدها وقائدها؟.
إن من الآثار المدمرة الخطيرة للاختلاط أن يفقد الزواج الطاهر قيمته في نفوس من استحوذ عليهم مرض الاختلاط، حيث يجد كلا الجنسين سبيله إلى متعة مغرية تجعله لا يفكّر بالزواج، بل تُفقِد المتزوج اهتمامه برابط الزوجية مع زوجته، فيفارقها أو تفارقه إلى اتخاذ الأخدان من الأخلاّء والخليلات، أو الطلاق والفرقة لأتفه الأسباب.
قالت مفيدة عبد الرحمن - وهي أشهر محامية طلاق في مصر-: «الاختلاط أنا ضده تمامًا؛ الاختلاط مفسدة، يحدث أن تذهب الزوجة إلى عملها في حالة اكتئاب فتجد زميلها يلاطفها ويصغي إليها ويريحها، وتتكرر هذه الجلسات: مرة في الصباح مع فنجان القهوة، ومرة أثناء غداء في المكتب، ومرة ثالثة وهو يدعوها لتوصيلها بسيارته، وفي كل مرة يحدث التقارب النفسي، فالتعارف الشخصي المباشر، وتعود الزوجة تطلب الطلاق وتتزوج الآخر، وقد تجد هناءها المنشود، وقد تكتشف أنها مجرد (نزوة) ونفس الموقف يحدث للزوج؛ إن هذا الاختلاط بهذه الصورة حيث لا ضوابط جعل الطلاق أمرًا هينًا وسهلًا بعد أن كان من المستحيلات.
٦ - من آثار الاختلاط ذلك التبرّج والتفنّن بإبداء الزينة والجمال، يصل الأمر إلى الخلاعة والعري من أجل إطفاء شهوة الجنس المحرمة بنص الكتاب والسنة.
٧ - ومن آثاره المدمرة انعدام الغيرة , واضمحلال الحياء , وفساد الأخلاق , وقد ترى امرأة تحادث أجنبيًا تظن من حالهما أنهما زوجان بعقد أُشْهِد عليه أبو هريرة
стр. 1096
- ﵁، ولو رآها الديوث زوجها وهي على هذه الحال، لما تحركت منه شعرة، لموات غيرته، نعوذ بالله من موت الغيرة ومن سوء المنقلب.
٨ - ومن آثار الاختلاط المدمّرة اضمحلال القوى الجسدية والفكرية في شباب الأمة حين تغتالهم الشهوات المحرمة البهيمية وتسيطر عليهم الاستثارة الجنسية، ويصبح جُلّ تفكيرهم وهدفهم واهتمامهم بصور الإغراء والأدب المكشوف الهابط والموسيقى الراقصة والأغاني الماجنة في الإذاعة والفيديو والسينما والتلفزيون.
فيتحوّل المجتمع إلى لهو وعبث ومجون وخلاعة، وهذا بالطبع يؤدي إلى أن يورد المجتمع موارد الهلاك والدمار والعطب والفناء وفشوّ الفاحشة.
٩ - الاختلاط سبب في انتشار ما يسمى بالزواج العرفي (١):
في إحصائية أجراها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة عام ١٤٢٦ هـ ٢٠٠٦ م تم رصد عشرة آلاف حالة زواج عرفي بين مديري الشركات والسكرتيرات.
стр. 1097
وكشفت دراسة حكومية مصرية أن أكثر من (١٤) ألف طفل مصري على الأقل بلا اسم ولا هوية أو نسب، ولا وجود قانوني أو رسمي، بعدما رفض آباؤهم!!! الاعتراف بهم، وأن أغلب هؤلاء الأطفال جاؤوا نتاج زواج عرفي أو غير رسمي ينكره الأب دائمًا.
ضحايا الاختلاط ... قصص واقعية:
الأمل المفقود؟ امرأة تجاوزت الأربعين تحكي حكايتها:
«عشتُ مع زوجي حياة مستورة وإن لم يكن هناك ذاك التقارب والانسجام، لم يكن زوجي تلك الشخصية القوية التي ترضي غروري كامرأة، إلا أن طيبته جعلتني أتغاضى عن كوني أتحمل الشق الأكبر من مسؤولية القرارات التي تخص عائلتي.
كان زوجي كثيرًا ما يردد اسم صاحبه وشريكه في العمل على مسمعي وكثيرًا ما اجتمع به في مكتبه الخاص بالعمل الذي هو بالأصل جزء من شقتنا وذلك لسنوات عدة. إلى أن زارنا هذا الشخص هو وعائلته. وبدأتْ الزيارات العائلية تتكرر وبحكم صداقته الشديدة لزوجي لم نلاحظ كم ازداد عدد الزيارات ولا عدد ساعات الزيارة الواحدة. حتى أنه كثيرًا ما كان يأتي منفردًا ليجلس معنا أنا وزوجي الساعات الطوال. ثقة زوجي به كانت بلا حدود، ومع الأيام عرفتُ هذا الشخص عن كثب، فكم هو رائع ومحترم وأخذت أشعر بميل شديد نحوه، وفي نفس الوقت شعرتُ أنه يبادلني الشعور ذاته.
وأخذت الأمور تسير بعدها بطريقة عجيبة، حيث أني اكتشفت أن ذلك الشخص هو الذي أريد وهو الذي حلمت به يومًا ما ... لماذا يأتي الآن وبعد كل هذه السنين؟!.
كان في كل مرّة يرتفع هذا الشخص في عيني درجة، ينزل زوجي من العين الأخرى درجات. وكأني كنت محتاجة أن أرى جمال شخصيته لأكتشف قبح شخصية زوجي.
стр. 1098
لم يتَعَدّ الأمر بيني وبين ذلك الشخص المحترم عن هذه الهواجس التي شغلتني ليل نهار. فلا أنا ولا هو صرّحنا بما ... في قلوبنا .. وليومي هذا ... ومع ذلك فإن حياتي انتهت.
زوجي لم يعد يمثل لي سوى ذلك الإنسان الضعيف المهزوز السلبي، كرهتُه، ولا أدري كيف طفح كل ذلك البغض له، وتساءلت كيف تحملته كل هذه السنين ثقلًا على ظهري، وحدي فقط أجَابِهُ معتركات الحياة، ساءت الأمور لدرجة أني طلبت الطلاق، نعم طلقني بناء على رغبتي، أصبح بعدها حطام رجل.
الأمرّ من هذا كله أنه بعد خراب بيتي وتحطم أولادي وزوجي بطلاقي، ساءت أوضاع ذلك الرجل العائلية لأنه بفطرة الأنثى التقطت زوجته ما يدور في خفايا القلوب، وحوّلَتْ حياته إلى جحيم.
فلقد استبدت بها الغيرة لدرجة أنها في إحدى الليالي تركتْ بيتها في الثانية صباحًا بعد منتصف الليل لتتهجم على بيتي، تصرخ وتبكي وتكيل لي الاتهامات.
لقد كان بيتُه أيضًا في طريقه للانهيار.
أعترف أن الجلسات الجميلة التي كنّا نعيشها معًا أتاحت لنا الفرصة لنعرف بعضنا في وقتٍ غير مناسب من هذا العمر.
عائلتُه تهدمت وكذلك عائلتي، خسرتُ كلَّ شيء وأنا أعلم الآن أن ظروفي وظروفه لا تسمح باتخاذ أي خطوة إيجابية للارتباط ببعضنا، أنا الآن تعيسة أكثر من أيِّ وقتٍ مضى وأبحث عن سعادة وهمية وأملٍ مفقود».
واحدة بواحدة:
تقول: «كان لزوجي مجموعة من الأصدقاء المتزوجين، تعودنا بحكم علاقتنا القوية بهم أن نجتمع معهم أسبوعيًا في أحد بيوتنا، للسهر والمرح.
стр. 1099
كنت بيني وبين نفسي غير مرتاحة من ذلك الجو، حيث يصاحب العشاء، والحلويات، والمكسرات، والعصائر موجات صاخبة من الضحك، بسبب النكات والطرائف التي تجاوزت حدود الأدب في كثير من الأحيان.
باسم الصداقة رُفِعَتْ الكلفة لتسمع بين آونة وأخرى قهقهات مكتومة سرية بين فلانة وزوج فلانة، كان المزاح الثقيل الذي يتطرق - ودون أي خجل - لمواضيع حساسة كالجنس وأشياء خاصة بالنساء - كان شيئًا عاديًا بل مستساغًا وجذابًا.
برغم انخراطي معهم في مثل هذه الأمور إلا إن ضميري كان يؤنّبني إلى أن جاء ذلك اليوم الذي أفصح عن قبح وحقارة تلك الأجواء.
رنّ الهاتف، وإذا بي أسمع صوت أحد أصدقاء الشلّة، رحبت به واعتذرت لأن زوجي غير موجود، إلا أنه أجاب بأنه يعلم ذلك وأنه لم يتصل إلا من أجلي أنا (!) ثارت ثائرتي بعد أن عرض عليّ أن يقيم علاقة معي، أغلظت عليه بالقول وقبحته، فما كان منه إلا أن ضحك قائلًا: «بدل هذه الشهامة معي، كوني شهمة مع زوجك وراقبي ماذا يفعل».
حطمني هذا الكلام، لكني تماسكت وقلت في نفسي أن هذا الشخص يريد تدمير بيتي، لكنه نجح في زرع الشكوك تجاه زوجي.
وخلال مدّة قصيرة كانت الطامة الكبرى، اكتشفت أن زوجي يخونني مع امرأة أخرى، كانت قضية حياة أو موت بالنسبة لي، كاشفْتُ زوجي وواجهته قائلة: «لست وحدك الذي تستطيع إقامة علاقات، فأنا عُرِضَ علَيَّ مشروع مماثل، وقصَصْتُ عليه قصة صاحبه، فذهل لدرجة الصّدمة. إن كنت تريدني أن أتقبل علاقتك مع تلك المرأة، فهذه بتلك. صفْعَتُه زلزلت كياني وقتها، هو يعلم أني لم أكن أعني ذلك فعلًا، لكنه شعر بالمصيبة التي حلّت بحياتنا وبالجو الفاسد الذي نعيش، عانيت كثيرًا حتى ترك زوجي تلك الساقطة التي كان متعلقًا بها كما اعترف لي.
стр. 1100
نعم لقد تركها وعاد إلى بيته وأولاده ولكن من يُرْجِع لي زوجي في نفسي كما كان؟؟ من يعيد هيبته واحترامه وتقديره في أعماقي؟؟ وبقى هذا الجرح الكبير في قلبي الذي ينزّ ندمًا وحرقة من تلك الأجواء النتنة، بقى شاهدًا على ما يسمونه السهرات البريئة وهي في مضمونها غير بريئة، بقي يطلب الرحمة من رب العزة».
كانت تجلس معه ومع زوجته فاختار أن يتزوجها ويطلق زوجته:
مشكلتي هي أني مقبلة على الزواج من زوج صديقة أختي، كنت أذهب إلى بيتها وأجلس معها وزوجها، وكنا نتحدث دائمًا مع بعض ولما كانت تنصحها أختي: «هذا حرام» - أي الاختلاط - استهزأتْ مِن أختي، وقالت لها: «أنتم متخلفون» , إلى أن تقدم زوجُها وخطبني وهو يقول إنه معجب بي من أول نظرة.
ماذا لو علم زوجها؟!!!
أثناء الجماع تتخيل زميلها في العمل مكان زوجها:
حدث بينها وبين زوجها بعض المشكلات البسيطة - كما يحدث في معظم البيوت - فوجدتْ المعاملة الحسنة من زميلها في العمل، فتعلقتْ به، فبدأت علاقتها مع زوجها تسوء أكثر وأكثر، لدرجة أنها تمنَّت الطلاق من زوجها، ولم تطالبه بذلك حفاظًا على أولادها، وكرهَتْ إعطاءه حقه في الجماع، وإنْ حدث فإنها تتخيل أن زميلها في العمل هو الذي يجامعها، كل هذا وزميلها في العمل لا يعلم شيئًا عن تعلقها به.
وأخرى:
تحكي بالتفصيل لزملائها الرجال!!! ما يحدث بينها وبين زوجها أثناء الجماع.
وأخرى:
تنصح زميلها في العمل - المقبل على الزواج - بما ينبغي أن يفعله مع عروسه عند الدخول بها، كل هذا بالتفصيل طبعًا، مع أنه لم يطلب منها النصيحة، وكان - مع أنه رجل - في موقفٍ سبب له إحراجًا بالغًا.
стр. 1101
٧٥ - واجِبُنا نحو آل بيت النبي ﵌ (١)
فضل محبة الله تعالى:
إن أعظم ما يُحَصِّلُه العبد في دنياه وآخرته هو محبة الله تعالى له، فهي الغاية التي يتنافس فيها المتنافسون , وإليها شَخَصَ العاملون , وإلى عَلَمها شمر الصادقون , فهي جنة الدنيا ولذة القلب وقوته وحياته , فالقلب لا يفلح ولا يصلح ولا يتنعم ولا يبتهج ولا يلتذ ولا يطمئن ولا يسكن إلا بمعرفة الله ومحبته , فمحبة العبد لربه ومحبة الله لعبده هي النور والشفاء والسعادة واللذة , تالله لقد ذهب أهل المحبة بشرف الدنيا والآخرة.
إن مِن محبة الله وطاعته محبةَ رسوله ﵌ وطاعته، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (آل عمران:٣١)، وقال ﵌: “ لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (رواه البخاري ومسلم).
ومن علامات محبته ﵌ محبة من أحبّ، وطاعة من أمر بطاعته، ومن ذلك محبه آل بيته ﵌.
مَن هم أهل البيت؟
القولُ الصحيحُ في المرادِ بآل بيت النَّبِيِّ ﵌ هم مَن تَحرُم عليهم الصَّدقةُ، وهم أزواجُه وذريَّتُه، وكلُّ مسلمٍ ومسلمةٍ من نَسْل عبد المطلب، وهم بنُو هاشِم بن عبد مَناف؛ ويدلُّ لدخول بنِي أعمامه في أهل بيته ما أخرجه مسلم في صحيحه عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب أنَّه ذهب هو والفضل بن عباس إلى رسول
стр. 1102
الله ﵌ يطلبان منه أن يُولِّيهما على الصَّدقةِ ليُصيبَا مِن المال ما يتزوَّجان به، فقال لهما: “ إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ “، ثمَّ أمر بتزويجهما وإصداقهما من الخُمْس.
وقد ألْحَق بعضُ أهل العلم - منهم الشافعي وأحمد - بنِي المطلب بن عبد مَناف ببَنِي هاشم في تحريم الصَّدقة عليهم؛ لمشاركتِهم إيَّاهم في إعطائهم من خمس الخُمس؛ وذلك للحديث الذي رواه البخاري في صحيحه عن جُبير بن مُطعِم، الذي فيه أنَّ إعطاءَ النَّبِيِّ ﵌ لبَنِي هاشم وبنِي المطلب دون إخوانِهم من بنِي عبد شمس ونوفل؛ لكون بنِي هاشم وبَنِي المطلب شيئًا واحدًا.
فأمَّا دخول أزواجه ﵅ في آلِه ﵌، فيدلُّ لذلك قول الله : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾ (الأحزاب: ٣٣ - ٣٤).فإنَّ هذه الآيةَ تدلُّ على دخولِهنَّ حتمًا؛ لأنَّ سياقَ الآيات قبلها وبعدها خطابٌ لهنَّ.
حديث الكساء:
ولا يُنافي ذلك ما جاء في صحيح مسلم عن أم المؤمنين عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﵌ غَدَاةً وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ، مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (١).
стр. 1103
لأنَّ الآيةَ دالَّةٌ على دخولِهنَّ؛ لكون الخطابِ في الآيات لهنَّ، ودخولُ عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين ﵃ في الآيةِ دلَّت عليه السُّنَّةُ في هذا الحديث، وتخصيصُ النَّبِيِّ ﵌ لهؤلاء الأربعة ﵃ في هذا الحديث لا يدلُّ على قَصْرِ أهل بيته عليهم دون القرابات الأخرى، وإنَّما يدلُّ على أنَّهم مِن أخصِّ أقاربه.
وعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، قَالَتْ: قَالَتْ عَائِشَةُ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﵌ غَدَاةً وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ، مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ (١) (رواه مسلم).
وعن عُمَرَ بْنِ أَبِى سَلَمَةَ رَبِيبِ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَى النَّبيِّ ﵌ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ (٢) فِى بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ فَدَعَا فَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَجَلَّلَهُمْ بِكِسَاءٍ وَعَلِىٌّ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَجَلَّلَهُمْ بِكِسَاءٍ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ هَؤُلاَءِ أَهْلُ بَيْتِى فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا».
قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: «وَأَنَا مَعَهُمْ يَا نَبِىَّ اللهِ؟»، قَالَ: «أَنْتِ عَلَى مَكَانِكِ وَأَنْتِ عَلَى خَيْرٍ». (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
(أَنْتِ عَلَى مَكَانِك وَأَنْتِ عَلَى خَيْرٍ) أَنْتِ على خَيْرٌ وَعَلَى مَكَانِك مِنْ كَوْنِك مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، وَلَا حَاجَةَ لَك فِي الدُّخُولِ تَحْتَ الْكِسَاءِ، وكَأَنَّهُ ﵌ مَنَعَهَا عَنْ ذَلِكَ لِمَكَانٍ عَلِيٍّ ﵁.
معنى هذا الحديث أن الرسول ﵌ بما له من مكانة عند ربه ، جمع عليًّا وفاطمة والحسن والحسين ﵃ تحت ثوب ثم دعا الله أن يدخلهم في أهل بيته بدلالة
стр. 1104
قوله ﵌: «فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا»؛ فلو كانوا داخلين في الآية من قَبْل لَمَا دعا لهم النبي ﵌ في هذا الحديث بذهاب الرجس والتطهير، ولَمَا خاطَبَ اللهَ بقوله: «اللَّهُمَّ هَؤُلاَءِ أَهْلُ بَيْتِى»، فالله قد بَيَّنَ في الآية أن المخاطَب هن نساء الرسول ﵌، فالرسول ﵌ لا يمكن أن يقصد من قوله: «اللَّهُمَّ هَؤُلاَءِ أَهْلُ بَيْتِى» أنه يريد تعريف الله مَن هُم أهل بيته، ولكن أراد مِن ربّه ضَمَّهُم لأهل البيت.
ولذلك عندما أرادت أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ أن تدخل تحت الكساء قال لها ﵌: «أَنْتِ عَلَى مَكَانِكِ وَأَنْتِ عَلَى خَيْرٍ» أي أنك قد ذُكِرْتِ بالآية فلا حاجة لدخولك تحت الكساء، وإنما أطلب من الله أن يضيف هؤلاء إلى أهل البيت.
مُجملُ عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة في أهل البيت:
عقيدةُ أهل السُّنَّة والجماعة وسَطٌ بين الإفراطِ والتَّفريط، والغلُوِّ والجَفاء في جميعِ مسائل الاعتقاد، ومِن ذلك عقيدتهم في آل بيت الرَّسول ﵌، فإنَّهم يَتوَلَّونَ كلَّ مسلمٍ ومسلمةٍ من نَسْل عبد المطلِّب، وكذلك زوجات النَّبِيِّ ﵌ جميعًا، فيُحبُّون الجميعَ، ويُثنون عليهم، ويُنْزلونَهم منازلَهم التي يَستحقُّونَها بالعدلِ والإنصافِ، لا بالهوى والتعسُّف، ويَعرِفون الفضلَ لِمَن جَمع اللهُ له بين شرِف الإيمانِ وشرَف النَّسَب، فمَن كان من أهل البيت من أصحاب رسول الله ﵌، فإنَّهم يُحبُّونَه لإيمانِه وتقواه، ولصُحبَتِه إيَّاه، ولقرابَتِه منه ﵌.
ومَن لَم يكن منهم صحابيًّا، فإنَّهم يُحبُّونَه لإيمانِه وتقْواه، ولقُرْبِه من رسول الله ﵌، ويَرَون أنَّ شرَفَ النَّسَب تابعٌ لشرَف الإيمان، ومَن جمَع اللهُ له بينهما فقد جمع له بين الحُسْنَيَيْن، ومَن لَم يُوَفَّق للإيمان، فإنَّ شرَفَ النَّسَب لا يُفيدُه شيئًا، وقد قال الله : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣)، وقال ﵌: “ وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ “. (رواه مسلم). ومعناه أنَّ العملَ هو الذي يَبلُغُ بالعبدِ درجات الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ (الأنعام: ١٣٢)، فمَن أبطأ به عملُه أن يبلُغَ به المنازلَ العاليةَ عند الله تعالى لَم يُسرِع به نسبُه، فيبلغه تلك
стр. 1105
الدَّرجات؛ فإنَّ اللهَ رتَّب الجزاءَ على الأعمال لا على الأنساب، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ (المؤمنون: ١٠١).
ويشهد لهذا كلِّه ما في الصحيحين عن عمرو بن العاص سدد خطاكم أنَّه سمع النَّبِيَّ ﵌ يقول: “ أَلَا إِنَّ آلَ أَبِي، يَعْنِي فُلَانًا، لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ “، يشير إلى أنَّ ولايتَه لا تُنال بالنَّسَب وإن قَرُب، وإنَّما تُنال بالإيمان والعمل الصالح، فمن كان أكملَ إيمانًا وعملًا فهو أعظم ولايةً له، سواء كان له منه نسبٌ قريبٌ أو لم يكن، وفي هذا المعنى يقول بعضُهم:
وربِّكَ مَا الإنسانُ إلاَّ بدينِهِ فلَا ... تَتْرُكِ التقوَى اتِّكالًا على النَّسب
لقدْ رفعَ الإسلامُ سلمانَ فارسٍ ... وقدْ وضعَ الشركُ النَّسِيبَ أبا لهب
أهل السنة وسط في حب آل البيت بين المذاهب:
فالشيعة يغالون في حب آل البيت، ومنهم من يطوف على قبورهم، ويدعوهم بكشف الضر وجلب النفع، ومنهم من يزعم أنهم يعلمون الغيب ... إلخ.
وأما النواصب فيبغضون آل البيت ويحاربونهم، والخوارج منهم قتلوا علي بن أبي طالب ﵁ وشنعوا عليه.
وأما أهل السنة فيحبون آل البيت ويذكرون فضائلهم، ويعتبرون حبهم إيمانًا، وبغضهم نفاقًا، لكنهم لا يغلون فيهم، فلا يطوفون حول قبورهم؛ لأن الله أمر بالطواف حول الكعبة فقط، ولأن الطواف عبادة والعبادة لا تكون إلا لله ... وكذلك لا يدَّعون فيهم أنهم يعلمون الغيب، قال تعالى: ﴿ ... قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (النمل: ٦٥).
وهذه العقيدة - عقيدة أهل السنة في آل البيت رضوان الله عليهم - موجودة في كتبهم: كتب الحديث، وكتب العقائد، وكتب الفقه، حيث يذكرها كل صاحب
стр. 1106
مصنَّف في الموضع الذي يناسبه، ففي كتب الحديث تجد أبوابًا في فضائلهم، وفي كتب العقائد تجد أبوابًا في بيان المعتقد فيهم، وفي كتب الفقه تجد أبوابًا فيما يتعلق بهم من أحكام، كتحريم الصدقة عليهم، وغير ذلك.
فضائل آل البيت:
أولا: فضائل عامة: ومنها
١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ (الأحزاب: ٣٣).
٢ - حديث زيد بن أرقم ﵁ وفيه قول النبي ﵌: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» (رواه مسلم) وهذا عام في كل أهل بيت النبي ﵌.
وأهلَ السُّنَّة والجماعة هم أسعَدُ الناس بتنفيذ وصيَّة النَّبِيِّ ﵌ في أهل بيتِه التي جاءت في هذا الحديث؛ لأنَّهم يُحبُّونَهم جميعًا ويتوَلَّونَهم، ويُنزلونَهم منازلَهم التي يستحقُّونَها بالعدلِ والإنصافِ، وأمَّا الشيعة فهم أبعدُ الناسِ عن هذه الوصيَّة؛ فإنَّهم يُعادُون العبَّاس وذُريَّتَه، بل يُعادون جمهور أهل البيت.
٣ - قال ﵌ في الحديث الصحيح: «كُلُّ سَبَبٍ ونَسَبٍ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غَيْرَ سَبَبي ونَسَبي»، (رواه الطبراني والحاكم والبيهقي وللحديث طرقٌ كثيرة، جوَّدَ بعضَها ابنُ كثير، وصححه ابن السَّكَن، والحاكم، والضياء، والذهبي، والألباني، وغيرُهم).
٤ - أحاديث الصلاة عليهم في التشهد:
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ الله ﵌ وَنَحْنُ فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: «أَمَرَنَا اللهُ تَعَالَى أَنَّ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ، يَا رَسُولَ اللهِ؛ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟»، فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﵌ حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ
(صِنْوُ أَبِيهِ): أَي أَصله وَأَصله شَيْء وَاحِد أَو مثله فِي رِعَايَة الْأَدَب وَحفظ الْحُرْمَة.
٨ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنْتُ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، فَوَضَعْتُ لِرَسُولِ اللهِ ﵌ طَهُورًا، فَقَالَ: «مَنْ وَضَعَ هَذَا؟»، قَالَتْ مَيْمُونَةُ: «عَبْدُ الله»، فَقَالَ ﵌: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» (رواه الإمام أحمد في المسند، وصححه الألباني).
من فضائل زوجات النبي ﵌:
١ - قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (الأحزاب: ٦)؛ فقد وصفهنَّ بأنَّهنَّ أمّهات المؤمنين.
٢ - كونهنَّ خُيِّرْن بين إرادة الدنيا وزينتها، وبين إرادة الله ورسوله والدار الآخرة، فاخترنَ اللهَ ورسولَه والدارَ الآخرة، ﵅.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ (الأحزاب: ٢٨ – ٢٩)
لما اجتمع نساء رسول الله ﵌ في الغيرة، وطلبْن منه النفقة والكسوة، طلبن منه أمرًا لا يقدر عليه في كل وقت، ولم يزلن في طلبهن متفقات، شَقَّ ذلك على الرسول ﵌، حتى وصلت به الحال إلى أنه آلى منهن شهرًا.
فأراد اللهُ أن يسهل الأمر على رسوله، وأن يرفع درجة زوجاته ﵅، ويُذْهِبَ عنهن كل أمر ينقص أجرهن، فأمر رسوله أن يخَيِّرَهُنّ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ (الأحزاب: ٢٨)، أي: ليس لكن في غيرها مطلب، وصِرْتُنَّ ترْضَيْنَ لوجودها، وتغضَبْنَ لفَقْدِها، فليس لي فيكن أرَبٌ وحاجة، وأنتن بهذه الحال.
стр. 1110
﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ شيئًا مما عندي، من الدنيا ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ أي: أفارقكن ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ من دون مغاضبة ولا مشاتمة، بل بسعة صدر، وانشراح بال، قبل أن تبلغ الحال إلى ما لا ينبغي.
﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ أي: هذه الأشياء مرادُكُنَّ، وغاية مقصودِكُنَّ، وإذا حصل لَكُنَّ الله ورسوله والجنة، لم تُبالِينَ بسعة الدنيا وضيقها، ويُسرِها وعسرها، وقنعْتُنَّ من رسول الله ﵌ بما تيسر، ولم تطلُبْنَ منه ﵌ ما يشق عليه، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ رتب الأجر على وصفهن بالإحسان؛ لأنه السببُ الموجِبُ لذلك، لا لكَوْنِهِنَّ زوجاتٍ للرسول ﵌ فإن مجرد ذلك لا يكفي، بل لا يفيد شيئًا، مع عدم الإحسان، فخيَّرهن رسول الله ﵌ في ذلك فاخْتَرْن اللهَ ورسوله، والدار الآخرة، كلُهُنّ، ولم يتخلف منهن واحدة، ﵅.
وفي هذا التخيير فوائد عديدة:
منها: سلامة زوجاته ﵅ عن الإثم، والتعرض لسخط الله ورسوله. فحسم اللهُ بهذا التخيير عنهن، التسخط على الرسول ﵌، الموجب لسخطه، المسخط لربه، الموجب لعقابه.
ومنها: إظهار رِفْعَتِهِنَّ، وعلو درجَتَهِنَّ، وبيان عُلُوِّ هِمَمِهِنَّ، أن كان اللهُ ورسوله والدار الآخرة، مرادَهُنَّ ومقصودَهُنَّ، دون الدنيا وحطامها.
ومنها: استعدادُهُنَّ بهذا الاختيار، للأمر الخيار للوصول إلى خيار درجات الجنة، وأن يَكُنَّ زوجاته في الدنيا والآخرة.
ومنها: ظهور المناسبة بينه ﵌ وبينهن، فإنه ﵌ أكمل الخلق، وأراد اللهُ أن تكون نساؤه كاملاتٍ مُكَمَّلَاتٍ، طيباتٍ مُطَيَّبَاتٍ ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾.
стр. 1111
ومنها: أن يكون اختيارهن هذا، سببًا لزيادة أجرِهِنَّ ومضاعفته، وأن يَكُنَّ بمرتبة، ليس فيها أحد من النساء.
عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللهِ ﵌ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِى فَقَالَ: «إِنِّى ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلاَ عَلَيْكِ أَنْ لاَ تَعْجَلِى حَتَّى تَسْتَأْمِرِى أَبَوَيْكِ». قَالَتْ: «وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَىَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِى بِفِرَاقِهِ»، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللهَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إِلَى ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١). قَالَتْ: «فَقُلْتُ: فَفِى أَىِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَىَّ؛ فَإِنِّى أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ»، قَالَتْ: «ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبيِّ ﵌ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ» (رواه البخاري ومسلم).
علوُّ مكانة أهل البيت عند الصحابة ﵃:
لقد حرص السلف الصالح ﵏ من الصحابة والتابعين على هذه الحقوق، وقاموا بها خير قيام، وما ذلك إلا لاستشعارهم مكانة الآل من النبي ﵌، وامتثالًا لوصيته ﵌ بهم.
١ - أبو بكر الصديق سدد خطاكم:
روى البخاري ومسلم في صحيحهما أنَّ أبا بكر قال لعليٍّ ﵄: “ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللهِ ﵌ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي» (رواه البخاري ومسلم).
وفي صحيح البخاري عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ سدد خطاكم قَالَ: «رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ سدد خطاكم، وَحَمَلَ الحَسَنَ، وَهُوَ يَقُولُ: «بِأَبِي شَبِيهٌ بِالنَّبِيِّ، لَيْسَ شَبِيهٌ بِعَلِيٍّ» وَعَلِيٌّ يَضْحَكُ.
قال الحافظ ابن حجر في شرحه: “ قَوْلُهُ (بِأَبِي) فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ أَفْدِيهِ بِأَبِي».
стр. 1112
٢ - عمر بن الخطاب سدد خطاكم: روى البخاري في صحيحه عَنْ أَنَسٍ سدد خطاكم أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ سدد خطاكم، كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا ﵌ فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا»، قَالَ: «فَيُسْقَوْنَ».
والمرادُ بتوسُّل عمر سدد خطاكم بالعباس سدد خطاكم التوسُّلُ بدعائه كما جاء مبيَّنًا في بعض الروايات، وقد ذكرها الحافظ ابن حجر في شرح الحديث في كتاب الاستسقاء من فتح الباري.
واختيار عمر سدد خطاكم للعباس سدد خطاكم للتوسُّل بدعائه إنَّما هو لقرابتِه مِن رسول الله ﵌، ولهذا قال سدد خطاكم في توسُّله: “ وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا “، ولم يقل: بالعباس.
ومن المعلوم أنَّ عليًّا سدد خطاكم أفضلُ من العباس، وهو من قرابة الرسول ﵌، لكن العباس أقربُ، ولو كان النَّبِيُّ ﵌ يُورَث عنه المال لكان العباس هو المقدَّم في ذلك؛ لقوله ﵌: “ أَلْحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (رواه البخاري ومسلم).
وقال عمر بن الخطاب للعباس ﵄: “والله لإِسلاَمُك يوم أسلمتَ كان أحبَّ إليَّ من إسلامِ الخطاب - يعني والده - لو أسلَمَ؛ لأنَّ إسلامَك كان أحبَّ إلى رسول الله ﵌ من إسلام الخطاب “، (رواه ابن سعد في الطبقات، وابن عساكر في تاريخ دمشق).
٣ - عن عمار بن أبي عمار أن زيد بن ثابت ركب يوما فأخذ ابن عباس بركابه فقال: «تنح يا ابن عم رسول الله ﵌»، فقال: «هكذا أمِرْنا أن نفعلَ بعلمائنا وكبرائنا»، فقال زيد: «أرِنِي يدك»، فأخرج يده فقبَّلها فقال: «هكذا أمِرْنَا أن نفعل بأهل بيت رسولنا ﵌» (رواه ابن سعد في الطبقات، والذهبي في السير، وابن الجوزي في صفة الصفوة والحافظ في الإصابة وجود إسنادها الحافظ في الفتح).
стр. 1113
٤ - ولما دخل عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ في حاجة له على عمر بن عبد العزيز، قال له عمر: “إذا كانت لك حاجةٌ فأرسِلْ إليَّ أو اكتب؛ فإني أستحيي من الله أن يَرَاكَ على بابِي» (ذكره القاضي عياض في (الشفا).
حقوق آل البيت:
إن لآل بيت النبوة علينا حقوقا عظيمة يجب مراعاتها والقيام بها، فمنها:
١ - محبتهم وإجلالهم بما يليق بهم، وإكرام الصالحين منهم وموالاتهم، ومعرفة أقدارهم، قال ﵌: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ» فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» (رواه مسلم).
قال الآجُرِّيُّ ﵀: “ واجب على كل المسلمين محبة أهل بيت رسول الله ﵌، وإكرامهم واحتمالهم، وحسن مداراتهم والصبر عليهم، والدعاء لهم “.
٢ - استحقاقهم من الخمس والفيء، قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (الأنفال:٤١)، وقال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ (الحشر: ٧).
٣ - الدعاء لهم في الصلاة والسلام على رسول الله ﵌.
٤ - تَوَلّي الصالحين منهم ومجالستهم والأخذ عنهم، والبرّ بهم وتطييب خواطرهم؛ فإنهم من آثار النبي، ومحاولة القرب منهم، ومصاهرتهم تزوجًا أو تزويجًا.
٥ - مناصرتهم والبذل لهم، والذبُّ عنهم، وذكر مناقبهم ومحاسنهم.
стр. 1114
٦ - تأكيد مناصحة غير الصالح منهم والشفقة عليه والرحمة به، ودعوته إلى نهج آل البيت الطيبين الطاهرين. ويشترط لهذه الحقوق صحة ثبوت انتسابه لرسول الله في النسب، وصحة انتسابه له في الدين.
تحريم الانتساب بغير حق إلى أهل البيت:
أشرفُ الأنساب نسَبُ نبيِّنا محمد ﵌، وأشرف انتسابٍ ما كان إليه ﵌ وإلى أهل بيتِه إذا كان الانتسابُ صحيحًا، وقد كثُرَ في العرب والعجم الانتماءُ إلى هذا النَّسب، فمَن كان من أهل هذا البيت وهو مؤمنٌ، فقد جمَع الله له بين شرف الإيمان وشرف النَّسب، ومَن ادَّعى هذا النَّسبَ الشريف وهو ليس من أهله فقد ارتكب أمرًا محرَّمًا، وهو متشبِّعٌ بِما لَم يُعط، وقد قال النَّبِيُّ ﵌: “ الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ» (رواه مسلم).
(الْمُتَشَبِّعُ) أَي المتزين بِمَا لَيْسَ عِنْده يتكثر بذلك، قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ الْمُتَكَثِّرُ بِمَا لَيْسَ عِنْدَهُ بِأَنْ يُظْهِرَ أَنَّ عِنْدَهُ ما ليس عِنْدَهُ يَتَكَثَّرُ بِذَلِكَ عِنْدَ النَّاسِ وَيَتَزَيَّنُ بِالْبَاطِلِ فهومَذْمُومٌ كَمَا يُذَمُّ مَنْ لَبِسَ ثَوْبَيْ زُورٍ، وقيل: هُوَ الَّذِي يَلْبَسُ ثِيَابَ أَهْلِ الزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ وَالْوَرَعِ وَمَقْصُودُهُ أَنْ يُظْهِرَ لِلنَّاسِ أَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِتِلْكَ الصِّفَةِ وَيُظْهِرَ مِنَ التَّخَشُّعِ وَالزُّهْدِ أَكْثَرَ مِمَّا فِي قَلْبِهِ فَهَذِهِ ثياب زُورٍ وَرِيَاءٍ. وَقِيلَ: هُوَ كَمَنْ لَبِسَ ثَوْبَيْنِ لِغَيْرِهِ وَأَوْهَمَ أَنَّهُمَا لَهُ.
وقد جاء في الأحاديث الصحيحة تحريمُ انتساب المرء إلى غير نسبِه، قال ﵌: «لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ - وَهُوَ يَعْلَمُهُ - إِلَّا كَفَرَ، وَمَنِ ادَّعَى مَا ليْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا، وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (رواه البخاري ومسلم).
وقال رسول الله ﵌: “ إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الفِرَى أَنْ يَدَّعِيَ الرَّجُلُ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوْ يُرِيَ عَيْنَهُ مَا لَمْ تَرَ، أَوْ يَقُولُ عَلَى رَسُولِ اللهٍِ ﵌ مَا لَمْ يَقُلْ» (رواه البخاري).
وَالْفِرَى: جمع فِرْيَة، والْفِرْيَةُ: الْكِذْبَةُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي يُتَعَجَّبُ مِنْهَا. (أَنْ يُرِيَ عَيْنَهُ مَا لَمْ تَرَ)، أي: في المنام. ومَعْنَى نِسْبَةِ الرُّؤْيَا إِلَى عَيْنَيْهِ مَعَ أَنَّهُمَا لَمْ يَرَيَا شَيْئًا أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْهُمَا بِالرُّؤْيَةِ وَهُوَ كَاذِبٌ.
стр. 1115
٧٦ - معاوية بن أبي سفيان ﵄ (١)
إن سلامة القلب تجاه الصحابة ﵃ والتأدب معهم من صميم اعتقاد أهل السنة والجماعة، وإن الطعن فيهم هو وسيلة للطعن في الدين الإسلامي فأصحاب رسول الله ﵌ كلهم عدول ثقات، وهم الذين نقلوا لنا هذا الدين.
أولئك أصحابُ النبيِّ وحِزْبُه ... ولولاهُمُ ما كانَ في الأرضِ مُسْلِمُ
ومعاوية بن أبي سفيان ﵄ كاتب وحي النبي ﵌ وأمير المؤمنين الذي مكث عشرين سنة أميرًا على الشام في خلافة عمر وخلافة عثمان سدد خطاكم، ثم خليفةً للمسلمين مثلَها.
ولعله لم تَنَلْ شخصيةٌ في التاريخ من التشويه مثل شخصية معاوية بن أبي سفيان ﵄ خاصة من أهل الأهواء قديمًا للنزاعات السياسية والمذهبية، ثم وجد المستشرقون في رواياتهم مرتعًا خصبًا للنيل من الإسلام.
إن معاوية بن أبي سفيان ﵄ من الصحابة الأجلّة الكرام، الذين يجبُ الترضّي عن جميعهم، ولا يجوز الطعنُ فيهم، كما هو اعتقادُ الفرقة الناجية: أهلِ السُنَّة والجماعة، كيف وقد قال فيهم رسول الله ﵌: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» (رواه البخاري ومسلم).
ومَعْنَى الْحَدِيث: لَا يَنَال أَحَدكُمْ بِإِنْفَاقِ مِثْل أُحُد ذَهَبًا مِنْ الْفَضْل وَالْأَجْر مَا يَنَال أَحَدهمْ بِإِنْفَاقِ مُدّ طَعَام أَوْ نَصِيفه.
стр. 1116
ومعاوية بن أبي سفيان ﵄ هو أحد الصحابة الذين أكرمهم الله بصحبة نبيه محمد ﵌ وكل كلام يقال في الصحابة فيما يتعلق بفضلهم عمومًا وما يجب لهم عمومًا، فإن معاوية سدد خطاكم يدخل في ذلك.
أما من تكلم فيهم بكلام لا ينبغي فهو في الحقيقة لم يضرَّهم إنما ضرَّ نفسه؛ وذلك أنهم ﵃ قدِموا على ما قدَّموا، وقد قدَّموا الخير الكثير، وقد قدَّموا الأعمال الجليلة التي قاموا بها مع رسول الله ﵌، فالذي يتكلم فيهم بما لا ينبغي هو في الحقيقة لا يضرهم وإنما يضرُّ نفسه.
بل إن ذلك يكون زيادة في حسناتهم، ورفعة في درجاتهم؛ لأنه إذا تكلم فيهم بغير حق أضيف إليهم من حسنات المتكلم فيهم إذا كان له حسنات، فيكون ذلك رِفْعةً في درجاتهم، وإن لم يكن له حسنات فإنه لا يضر السحاب نبح الكلاب - كما يقولون. وعن عائشة ﵂ قالت: «أمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﵌ فَسَبُّوهُمْ» (رواه مسلم).
قال الإمام النووي في (شرح صحيح مسلم):
«وَأَمَّا الْأَمْر بِالِاسْتِغْفَارِ الَّذِي أَشَارَتْ إِلَيْهِ فَهُوَ قَوْله تَعَالَى تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ (الحشر: ١٠)، وَبِهَذَا اِحْتَجَّ مَالِك فِي أَنَّهُ لَا حَقّ فِي الْفَيْء لِمَنْ سَبَّ الصَّحَابَة ﵃، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى إِنَّمَا جَعَلَهُ لِمَنْ جَاءَ بَعْدهمْ مِمَّنْ يَسْتَغْفِر لَهُمْ».
وقال أبو زرعة الرازى ﵀: «إذا رأيتَ الرجُل ينتقِصُ أحدًا من أصحابِ رسول الله ﵌ فاعلم أنه زنديق؛ وذلك أن القرآن حق، والرسول ﵌ حق، وما جاء به حق، وما أدّى إليْنا ذلكَ كُلَّه إلا الصحابة. فمَن جَرَحَهُم إنما أراد إبطال الكتاب والسنة، فيكون الجرح به أليَق، والحكم عليه بالزندقة والضلال أقوَم وأحَقّ».
стр. 1117
فلا يجوز الطعنُ في آحادهم، فكيف بمن له فضائل ثابتة - خاصة وعامة - مثلَ معاوية ﵁؟
وما من شخصية في تاريخنا الإسلامي، من الرعيل الأول من الصحابة الذين تربَّوْا على يَدَيْ رسولِ الله ﵌ قد نالها من التشويه والدَّسّ والافتراء والظلم، مثل ما ناله معاوية بن أبي سفيان ﵄. حيث امتلأت معظم المصادر التاريخية بعشرات الروايات الضعيفة أو المكذوبة على هذا الصحابي الكريم سدد خطاكم.
وإن الشبهات التي قيلَتْ في ذم معاوية ﵁ ليست بشيء! وهذه الشبهات التي ذكرت في معاوية ﵁ إما أحاديث صحيحة ليس فيها ذم لمعاوية سدد خطاكم بل يُفْهَم منها المدح له. وإما أخبار ساقطة يرويها الأخباريون وأهل التاريخ بلا زمام ولا خطام، ويتولى كبر الترويج لها أهل البدع والأهواء.
ومنها من يكون رواتها من المتروكين كأبي مخنف لوط بن يحيى، والرافضي نصر بن مزاحم صاحب كتاب (صفين)، ومحمد بن السائب الكلبي، ومحمد بن عمر الواقدي متروك.
ولمعاوية ﵁ فضائل كثيرة وبسبب ثبوت هذه الفضائل وغيرها عن السلف، فقد نهَوْا نهيًا شديدًا عن التكلم في معاوية ﵁ وبقية الصحابة ﵃، وعَدّوا ذلك من الكبائر. وكان بعض السلف يجعل حب معاوية سدد خطاكم ميزانًا للسنة.
قال الربيع بن نافع: «معاوية بن أبي سفيان ستر أصحاب رسول الله ﵌ فإذا كَشَفَ الرجلُ السِّتْرَ اجترأ على ما وراءه».
وسُئِلَ أبو عبد الرحمن النسائي عن معاويةَ بن أبي سفيان ﵄ صاحبِ رسول الله ﵌، فقال: «إنما الإسلام كدارٍ لها بابٌ، فبابُ الإسلام الصحابة، فمن آذى الصحابةَ إنما أرادَ الإسلام، كمن نَقرَ البابَ إنما يريدُ دخولَ الدار. فمن أراد معاويةَ فإنما أراد الصحابة».
стр. 1118
قال الإمام عبد الله بن المبارك ﵀: «معاوية عندنا مِحْنة، فمن رأيناه ينظر إليه شزَرًا اتهمناه على القوم»، يعني الصحابة.
وقد صَدَقُوا في ذلك، فإنه ما من رجل يتجرأ ويطعن في معاوية ﵁ إلا تجرأ على غيره من الصحابة ﵃. والسبب في ذلك أن من تجرأ على معاوية ﵁ فإنه يكون قد أزال هيبة الصحابة ﵃ من قلبه فيقع فيهم.
قال الأوزاعي: «أدركَتْ خلافةُ معاوية جماعةً من أصحاب رسول الله ﵌، لم ينتزعوا يدًا من طاعة، ولا فارقوا جماعة، وكان زيد بن ثابت يأخذ العطاء من معاوية».
وقال الميموني: «سمعْتُ أحمد يقول: «ما لهم ولمعاوية؟ نسأل الله العافية». وقال لي: «يا أبا الحسن، إذا رأيتَ أحدًا يذكر أصحاب رسول الله ﵌ بسوء فاتهمه على الاسلام».
وسُئِلَ الإمام أحمد ﵀ عن رجل انتقص معاوية وعمرو بن العاص أيُقَالُ له رافضي؟ فقال: «إنه لم يجترئ عليهما إلا وله خبيئة سوء، ما انتقص أحدٌ أحدًا من أصحاب رسُول الله ﵌ إلا له داخلة سُوء؛ قال رسول الله ﵌: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِى» (رواه البخاري ومسلم).
وما ضر معاوية سدد خطاكم شتم من شتمه؛ فإنه «ما ضر المسك عطره، أن مات من شمه الجُعْل”. الجُعْل: دُوَيْبَّة سَوْدَاء تُدِير الْخِرَاء بِأَنْفِهَا. وَمِنْ شَأْنِه جَمْع النَّجَاسَة وَادِّخَارهَا. وَمِنْ عَجِيب أَمْره أَنَّهُ يَمُوت مِنْ رِيح الْوَرْد وَرِيح الطِّيب فَإِذَا أُعِيدَ إِلَى الرَّوْث عَاشَ. وَمِنْ عَادَته أَنْ يَحْرُس النِّيَام فَمَنْ قَامَ لِقَضَاءِ حَاجَته تَبِعَهُ وَذَلِكَ مِنْ شَهْوَته لِلْغَائِطِ لِأَنَّهُ قُوتُه.
و «لا يضر السحابَ نبحُ الكلاب، ولن يضير السماء نقيق الضفادع».
يا نَاطِحَ الجَبَلَ العالي ليَكْلِمَه ... أَشفِقْ على الرّأسِ لا تُشْفِقْ عل الجَبَلِ
стр. 1119
معاوية بن أبي سفيان ﵄ في سطور:
هو خال المؤمنين (١)، وكاتب وحي رسول الله رب العالمين ﵌، أمير المؤمنين ملك الإسلام، أبو عبد الرحمن مُعاوية بن أبي سُفيان - صَخْر بن حَرْب - بن أُمَيَّة بن عبد شَمْس بن عبد مَناف بن قُصي بن كِلاب القرشي الأمويُ المكي، يلتقي نسبُه مع النبيِّ ﵌ في عبدِ مَناف.
وأٌمُّه: هِند بنت عُتبة بن رَبيعة بن عبد شمس ﵂.
وُلد معاوية ﵁ قبل البعثة بخمس سنين على الأشهر، وقيل بسبع، وقيل بثلاث عشرة.
وكان معاوية ﵁ رجلًا طويلًا أبيضَ جميلًا مهيبًا أجلح (٢).
ومعاوية ﵁ لم يُعْرَف عنه قبل الإسْلام أذىً للنبي ﵌، لا بيد، ولا بلسان. وبعد إسلام أبيه أبي سفيانسدد خطاكم: انتقلَ وأهله إلى المدينة، وآخَى رسُول الله ﵌ بين معاوية والحُتات بن يزيد المُجاشِعي، وتوفي النبي ﵌ وهو عن معاوية راضٍ.
وصحب معاويةُ رسول الله ﵌، وكتب الوحي بين يديه مع الكُتَّاب، ورَوَى عن رسول الله ﵌ أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما من السنن والمسانيد، وروى عنه جماعة من الصحابة والتابعين.
رُوِيَ له عن النبي ﵌ مائة حديث وثلاث وستون حديثًا، رَوَى عنه من الصحابة ابنُ عباس وابنُ عمر وابنُ الزبير وأبو الدرداء وجرير البجلي والنعمان بن بشير وغيرهم، ومن التابعين ابنُ المسيَّب وحميد بن عبد الرحمن وغيرهما.
стр. 1120
مكث معاوية سدد خطاكم عشرين سنة أميرًا على الشام في خلافة عمر وخلافة عثمان ﵄، ثم خليفةً للمسلمين مثلَها.
فتح معاوية قيسارية (١) سنة تسع عشرة في خلافة عمر بن الخطاب سدد خطاكم. وافتتح في سنة سبع وعشرين جزيرة قبرص. ولم تزل الفتوحات والجهاد قائما على ساقه في أيامه في بلاد الروم والفرنج وغيرها.
ثم كان ما كان بينه وبين علي بعد قتل عثمان، على سبيل الاجتهاد والرأي، فجرى بينهما قتال عظيم، وكان الحق والصواب مع علي سدد خطاكم، ومعاوية سدد خطاكم معذور عند جمهور العلماء سلفًا وخلفًا. وقد شهدت الأحاديث الصحيحة بالإسلام للفريقين من الطرفين - أهل العراق وأهل الشام - (٢).
ولما كان من أمره وأمر أمير المؤمنين علي ﵄ ما كان، لم يقع في تلك الأيام فتح بالكلية، لا على يديه ولا على يدي عليسدد خطاكم، وطمع في معاويةَ ملكُ الروم بعد أن كان قد أخشاه وأذله، وقهر جنده، فلما رأى ملك الروم اشتغال معاوية بحرب علي ﵄ تدانى إلى بعض البلاد في جنود عظيمة وطمع فيه، فكتب معاوية إليه: «والله لئِنْ لم تَنْتَهِ وترجع إلى بلادك يا لعين، لأصْطَلِحَنَّ أنا وابنُ عمي عليك، ولأخْرِجَنَّكَ من جميع بلادك، ولأضَيِّقَنَّ عليْكَ الأرضَ بما رحُبَتْ».
стр. 1121
فعند ذلك خاف ملكُ الروم وانْكَفّ، وبعث يطلب الهدنة.
ثم كان من أمر التحكيم ما كان، وكذلك ما بعده إلى وقت اصطلاحه مع الحسن بن علي ﵄ فانعقدت الكلمة على معاوية، وأجمعت الرعايا على بيعته في سنة إحدى وأربعين للهجرة، فلم يزل مستقلًا بالأمر في هذه المدة إلى السنة التي كانت فيها وفاته، والجهاد في بلاد العدو قائم، وكلمة الله عالية، والغنائم تَرِدُ إليه من أطراف الأرض، والمسلمون معه في راحة وعدل، وصفح وعفو.
وكان يغزو الروم في كل سنة مرتين، مرة في الصيف ومرة في الشتاء، ويأمر رجلًا من قومه فيحج بالناس، وحج هو سنة خمسين، وحج ابنه يزيد سنة إحدى وخمسين. وفيها - أو في التي بعدها - غزا ابنُه يزيد بلاد الروم فسار معه خلق كثير من كبراء الصحابة حتى حاصر القسطنطينية، وقد قال النبي ﵌: «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِى يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ». (رواه البخاري).
وكان معاوية سدد خطاكم من الموصوفين بالدهاء والحِلم. وكان يُضرَب بحِلمه المثل. وكان معاوية سدد خطاكم أول من اتخذ ديوان الخاتم وختم الكتب، وديوان الخاتم شبيه بدائرة السجلات أو الأرشيف العام في الوقت الحاضر. وقد عين معاوية موظفين مشرفين على هذا الديوان.
توفي معاوية ﵁ بدمشق في رجب سنة ستين. أغمي عليه ثم أفاق فقال لأهله: «اتقوا الله؛ فإن الله تعالى يَقِي مَن اتقاه، ولا يَقِي مَن لا يتقي، ثم مات ﵀.
وقد وَرَدَ من غير وجه أنه أوصى أن يكفن في ثوب رسول الله ﵌ الذي كساه إياه، وكان مُدَّخَرًا عنده لهذا اليوم.
ومن أشهر أولاده يزيد.
وعاش معاوية ثمانية وسبعين عامًا، وقيل غيرُ ذلك، ﵁.
стр. 1122
أبو سفيان بن حرب والد معاوية ﵄:
كان أبو سفيان سدد خطاكم من سادات قريش ومن عُتاة الجاهلية الذين حاربوا الإسلام، إلا أن الله أراد الهداية له؛ فأسلم قبل فتح مكة بقليل، وقد حسن إسلامه وقَدَّم خدمات جليلة للإسلام، فقد كان مع رسول الله ﵌ في حُنَيْن، وشارك في حصار الطائف وفقد إحدى عينيه فيها، وفي اليرموك فقد الثانية، وبعد ثقيف أرسله رسول الله ﵌ مع المغيرة بن شعبة لهَدْم اللات - صنم ثقيف -، وقد كانت اللات مُعَظّمَةً عند قريش كذلك، وكانوا يحلفون بها.
ورُوي عن سعيد بن المسَيَّب عن أبيه قال: فُقِدَت الأصوات يوم اليرموك إلا صوت رجل واحد يقول: «يا نصر الله اقتَرِبْ»، والمسلمون يقتتلون هم والروم، فذهبتُ أنظر فإذا هو أبو سفيان تحت راية ابنه يزيد.
ورُوي أنه كان يوم اليرموك يقف على الكراديس: فيقول للناس: «اللهَ اللهَ؛ إنكم ذادَةُ العرب وأنصار الإسلام، وإنهم ذادَةُ الروم وأنصار الشرك، اللهمَّ هذا يومٌ من أيامك، اللهمَّ أنزل نصرك على عبادك».
هند بنت عتبة بن ربيعة أم معاوية ﵄:
أسلمت ﵂ يوم الفتح، بعد إسلام زوجها أبي سفيان سدد خطاكم، ولما فرغ رسول الله ﵌ من بيعة الرِّجال، بايع النساء، وفيهنَّ هند بنت عتبة، وقد بايعن رسول الله ﵌ من غير مصافحة، فقد كان لا يصافح النساء، ولا يمس يد امرأة إلا امرأة أحلّها الله له، أو ذات محرم منه.
ولما أسلمت هند وبايعت عادت إلى بيتها فجعلت تكسر صنمًا كان عندها وهي تقول: «كنتُ منك في غرور».
стр. 1123
موقف في الجاهلية:
وكان لهند في جاهليتها موقف مع زينب بنت رسول الله ﵌، فقد كانت بمكة مع زوجها أبي العاص بن الربيع وأرسل النبي ﵌ من يأتيه بها إلى المدينة، وكان ذلك بعد (غزوة بدر) ولم تجف دماء قريش بعد، وكانت هند قد أصيبت بأبيها وأخيها وعمها، وكانت تطوف على مجالس قريش وأنديتها تُذكي نار الثأر، وتؤجج أوار الحرب.
وفي الطريق لقِيَتْ زينب بنت رسول الله ﵌، وكان قد تسرَّب خبر استعدادها للخروج لأبيها فقالت هند: «أي بنت محمد: بلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك، أي ابنة عمي، إن كانت لك حاجة بمتاع مما يعينك في سفرك، أو بمال تبلغين به إلي أبيك، فعندي حاجتك فلا تستحي مني، فإنه لا يدخل بين النساء ما يكون بين الرجال».
تروي زينب ﵂ ذلك، وتقول: «ووالله ما أراها قالت إلا لتفعل».
ثم يوم خروج زينب يتعرض لها رجال من قريش، يريدون إرجاعها، فتسقط مِن على ناقتها وكانت حاملًا، فتنزف، وتسمع هند، فتخرج مسرعة، وتقول لقومها: «أين كانت شجاعتكم يوم بدر؟».
وتحول بينهم وبين زينب وتضمها إليها وتمسح عنها ما بها، وتصلح شأنها، حتى استأنفت الخروج إلى أبيها في أمن وأمان».
стр. 1124
٧٧ - من فضائل معاوية ﵁
من فضائل معاوية ﵁ في القرآن الكريم
قال الله : ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)﴾ (الحديد: ١٠).
ومعاوية ﵁ لا يخلو أن يكون على حالَين: أن يكون قد أسلم قبل فتح مكة كما رجّح وصحّح الحافظُ ابنُ حَجَر، أو يكون بعد ذلك، وقد أنفق وقاتل في حُنين والطائف مع رسول الله ﵌، فهو ممن وعَدَهم الله الحُسنى بنص الآية، والحُسنى: الجنّة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ (الأنبياء: ١٠١)، وهل يُخْلِف الله وعده؟!
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ (التوبة: ١١٧).
وساعةُ العُسرة هي غزوةُ تَبُوك، وقد شَهِدَها مُعاوية ﵁.
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ (التحريم: ٨)، فقد ضمن الله الكريم بأن لا يُخزيه، لأنه ممَّنْ آمَنَ برسولِ الله ﵌.
من فضائل معاوية سدد خطاكم في السنة النبوية الصحيحة:
ثبوت كونه كاتبًا للنبي ﵌، وكتابته الوحي:
عن ابْنَ عَبَّاسٍ سدد خطاكم قال: كُنْتُ غُلَامًا أَسْعَى مَعَ الصِّبْيَانِ قَالَ فَالْتَفَتُّ فَإِذَا نَبِيُّ اللهِ ﵌ خَلْفِي مُقْبِلًا، فَقُلْتُ: «مَا جَاءَ نَبِيُّ اللهِ ﵌ إِلَّا إِلَيَّ».
стр. 1125
قَالَ: فَسَعَيْتُ حَتَّى أَخْتَبِئَ وَرَاءَ بَابِ دَارٍ فَلَمْ أَشْعُرْ حَتَّى تَنَاوَلَنِي فَأَخَذَ بِقَفَايَ فَحَطَأَنِي حَطْأَةً، قَالَ: «اذْهَبْ فَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ» ـ وَكَانَ كَاتِبَهُ ـ فَسَعَيْتُ فَقُلْتُ: «أَجِبْ نَبِيَّ اللهِ ﵌ فَإِنَّهُ عَلَى حَاجَةٍ». (رواه الإمام أحمد وصححه ابن عساكر والذهبي، وقال شعيب الأرنؤوط: «إسناده حسن»).
(حَطَأَنِي حَطْأَة): هُوَ الضَّرْب بِالْيَدِ مَبْسُوطَة بَيْن الْكَتِفَيْنِ، وَإِنَّمَا فَعَلَ النبي ﵌ هَذَا بِابْنِ عَبَّاس مُلَاطَفَة وَتَأْنِيسًا.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: «إن معاوية كان يكتبُ بين يَدَي رسولِ الله ﵌». (إسنادُه حسن، رواه الطبراني وأبوعوانة والبزار والآجري).
وعن سَهْلِ بن الحَنْظَلِيَّة الأنصاري ﵁: أن عُيَيْنَةَ والأَقْرَعَ سألا رسولَ الله ﵌ شيئًا، فأمرَ معاويةَ أن يكتُبَ به لهما، ففعلَ، وختَمَها رسول الله ﵌، وأَمَر بدفعه إليهما». (رواه أحمد، وأبو داود، وإسناده صحيح على شرط مسلم).
ومن فضائل معاوية سدد خطاكم كوْنُه خال المؤمنين:
فهو أخو أمِّ المؤمنين، زوجِ النبي ﵌، أمِّ حَبيبة رَمْلة بنت أبي سفيان ﵃؛ ولذلك قال الإمام أحمد: «أقول: معاوية خال المؤمنين، وابن عمر خال المؤمنين». (رواه الخلال في السنة بسند صحيح).
وروى العجلي في (الثقات) ومن طريقه ابن عساكر بسند صحيح أن رجلا سأل الحكم بن هشام الكوفي: «ما تقول في معاوية؟»، قال: «ذاك خالُ كلِّ مؤمن».
* وقد قال ﵌: «كُلُّ سَبَبٍ ونَسَبٍ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غَيْرَ سَبَبي ونَسَبي»، وفي رواية: «غَيْرَ نَسَبِي وصِهْرِي» (وللحديث طرقٌ كثيرة، جوَّدَ بعضَها ابنُ كثير، وصححه ابن السَّكَن، والحاكم، والضياء، والذهبي، والألباني، وغيرُهم).
ولا شك أن معاوية داخلٌ في هذا الفضل.