← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36157

دليل الواعظ إلى أدلة المواعظ

شحاتة صقر

Полный текст (1 425 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

فعند ذلك خاف ملكُ الروم وانْكَفّ، وبعث يطلب الهدنة. ثم كان من أمر التحكيم ما كان، وكذلك ما بعده إلى وقت اصطلاحه مع الحسن بن علي ﵄ فانعقدت الكلمة على معاوية، وأجمعت الرعايا على بيعته في سنة إحدى وأربعين للهجرة، فلم يزل مستقلًا بالأمر في هذه المدة إلى السنة التي كانت فيها وفاته، والجهاد في بلاد العدو قائم، وكلمة الله عالية، والغنائم تَرِدُ إليه من أطراف الأرض، والمسلمون معه في راحة وعدل، وصفح وعفو. وكان يغزو الروم في كل سنة مرتين، مرة في الصيف ومرة في الشتاء، ويأمر رجلًا من قومه فيحج بالناس، وحج هو سنة خمسين، وحج ابنه يزيد سنة إحدى وخمسين. وفيها - أو في التي بعدها - غزا ابنُه يزيد بلاد الروم فسار معه خلق كثير من كبراء الصحابة حتى حاصر القسطنطينية، وقد قال النبي ﵌: «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِى يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ». (رواه البخاري). وكان معاوية سدد خطاكم من الموصوفين بالدهاء والحِلم. وكان يُضرَب بحِلمه المثل. وكان معاوية سدد خطاكم أول من اتخذ ديوان الخاتم وختم الكتب، وديوان الخاتم شبيه بدائرة السجلات أو الأرشيف العام في الوقت الحاضر. وقد عين معاوية موظفين مشرفين على هذا الديوان. توفي معاوية ﵁ بدمشق في رجب سنة ستين. أغمي عليه ثم أفاق فقال لأهله: «اتقوا الله؛ فإن الله تعالى يَقِي مَن اتقاه، ولا يَقِي مَن لا يتقي، ثم مات ﵀. وقد وَرَدَ من غير وجه أنه أوصى أن يكفن في ثوب رسول الله ﵌ الذي كساه إياه، وكان مُدَّخَرًا عنده لهذا اليوم. ومن أشهر أولاده يزيد. وعاش معاوية ثمانية وسبعين عامًا، وقيل غيرُ ذلك، ﵁.

стр. 1122

أبو سفيان بن حرب والد معاوية ﵄: كان أبو سفيان سدد خطاكم من سادات قريش ومن عُتاة الجاهلية الذين حاربوا الإسلام، إلا أن الله أراد الهداية له؛ فأسلم قبل فتح مكة بقليل، وقد حسن إسلامه وقَدَّم خدمات جليلة للإسلام، فقد كان مع رسول الله ﵌ في حُنَيْن، وشارك في حصار الطائف وفقد إحدى عينيه فيها، وفي اليرموك فقد الثانية، وبعد ثقيف أرسله رسول الله ﵌ مع المغيرة بن شعبة لهَدْم اللات - صنم ثقيف -، وقد كانت اللات مُعَظّمَةً عند قريش كذلك، وكانوا يحلفون بها. ورُوي عن سعيد بن المسَيَّب عن أبيه قال: فُقِدَت الأصوات يوم اليرموك إلا صوت رجل واحد يقول: «يا نصر الله اقتَرِبْ»، والمسلمون يقتتلون هم والروم، فذهبتُ أنظر فإذا هو أبو سفيان تحت راية ابنه يزيد. ورُوي أنه كان يوم اليرموك يقف على الكراديس: فيقول للناس: «اللهَ اللهَ؛ إنكم ذادَةُ العرب وأنصار الإسلام، وإنهم ذادَةُ الروم وأنصار الشرك، اللهمَّ هذا يومٌ من أيامك، اللهمَّ أنزل نصرك على عبادك». هند بنت عتبة بن ربيعة أم معاوية ﵄: أسلمت ﵂ يوم الفتح، بعد إسلام زوجها أبي سفيان سدد خطاكم، ولما فرغ رسول الله ﵌ من بيعة الرِّجال، بايع النساء، وفيهنَّ هند بنت عتبة، وقد بايعن رسول الله ﵌ من غير مصافحة، فقد كان لا يصافح النساء، ولا يمس يد امرأة إلا امرأة أحلّها الله له، أو ذات محرم منه. ولما أسلمت هند وبايعت عادت إلى بيتها فجعلت تكسر صنمًا كان عندها وهي تقول: «كنتُ منك في غرور».

стр. 1123

موقف في الجاهلية: وكان لهند في جاهليتها موقف مع زينب بنت رسول الله ﵌، فقد كانت بمكة مع زوجها أبي العاص بن الربيع وأرسل النبي ﵌ من يأتيه بها إلى المدينة، وكان ذلك بعد (غزوة بدر) ولم تجف دماء قريش بعد، وكانت هند قد أصيبت بأبيها وأخيها وعمها، وكانت تطوف على مجالس قريش وأنديتها تُذكي نار الثأر، وتؤجج أوار الحرب. وفي الطريق لقِيَتْ زينب بنت رسول الله ﵌، وكان قد تسرَّب خبر استعدادها للخروج لأبيها فقالت هند: «أي بنت محمد: بلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك، أي ابنة عمي، إن كانت لك حاجة بمتاع مما يعينك في سفرك، أو بمال تبلغين به إلي أبيك، فعندي حاجتك فلا تستحي مني، فإنه لا يدخل بين النساء ما يكون بين الرجال». تروي زينب ﵂ ذلك، وتقول: «ووالله ما أراها قالت إلا لتفعل». ثم يوم خروج زينب يتعرض لها رجال من قريش، يريدون إرجاعها، فتسقط مِن على ناقتها وكانت حاملًا، فتنزف، وتسمع هند، فتخرج مسرعة، وتقول لقومها: «أين كانت شجاعتكم يوم بدر؟». وتحول بينهم وبين زينب وتضمها إليها وتمسح عنها ما بها، وتصلح شأنها، حتى استأنفت الخروج إلى أبيها في أمن وأمان».

стр. 1124

٧٧ - من فضائل معاوية ﵁ من فضائل معاوية ﵁ في القرآن الكريم قال الله : ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)﴾ (الحديد: ١٠). ومعاوية ﵁ لا يخلو أن يكون على حالَين: أن يكون قد أسلم قبل فتح مكة كما رجّح وصحّح الحافظُ ابنُ حَجَر، أو يكون بعد ذلك، وقد أنفق وقاتل في حُنين والطائف مع رسول الله ﵌، فهو ممن وعَدَهم الله الحُسنى بنص الآية، والحُسنى: الجنّة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ (الأنبياء: ١٠١)، وهل يُخْلِف الله وعده؟! وقال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ (التوبة: ١١٧). وساعةُ العُسرة هي غزوةُ تَبُوك، وقد شَهِدَها مُعاوية ﵁. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ (التحريم: ٨)، فقد ضمن الله الكريم بأن لا يُخزيه، لأنه ممَّنْ آمَنَ برسولِ الله ﵌. من فضائل معاوية سدد خطاكم في السنة النبوية الصحيحة: ثبوت كونه كاتبًا للنبي ﵌، وكتابته الوحي: عن ابْنَ عَبَّاسٍ سدد خطاكم قال: كُنْتُ غُلَامًا أَسْعَى مَعَ الصِّبْيَانِ قَالَ فَالْتَفَتُّ فَإِذَا نَبِيُّ اللهِ ﵌ خَلْفِي مُقْبِلًا، فَقُلْتُ: «مَا جَاءَ نَبِيُّ اللهِ ﵌ إِلَّا إِلَيَّ».

стр. 1125

قَالَ: فَسَعَيْتُ حَتَّى أَخْتَبِئَ وَرَاءَ بَابِ دَارٍ فَلَمْ أَشْعُرْ حَتَّى تَنَاوَلَنِي فَأَخَذَ بِقَفَايَ فَحَطَأَنِي حَطْأَةً، قَالَ: «اذْهَبْ فَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ» ـ وَكَانَ كَاتِبَهُ ـ فَسَعَيْتُ فَقُلْتُ: «أَجِبْ نَبِيَّ اللهِ ﵌ فَإِنَّهُ عَلَى حَاجَةٍ». (رواه الإمام أحمد وصححه ابن عساكر والذهبي، وقال شعيب الأرنؤوط: «إسناده حسن»). (حَطَأَنِي حَطْأَة): هُوَ الضَّرْب بِالْيَدِ مَبْسُوطَة بَيْن الْكَتِفَيْنِ، وَإِنَّمَا فَعَلَ النبي ﵌ هَذَا بِابْنِ عَبَّاس مُلَاطَفَة وَتَأْنِيسًا. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: «إن معاوية كان يكتبُ بين يَدَي رسولِ الله ﵌». (إسنادُه حسن، رواه الطبراني وأبوعوانة والبزار والآجري). وعن سَهْلِ بن الحَنْظَلِيَّة الأنصاري ﵁: أن عُيَيْنَةَ والأَقْرَعَ سألا رسولَ الله ﵌ شيئًا، فأمرَ معاويةَ أن يكتُبَ به لهما، ففعلَ، وختَمَها رسول الله ﵌، وأَمَر بدفعه إليهما». (رواه أحمد، وأبو داود، وإسناده صحيح على شرط مسلم). ومن فضائل معاوية سدد خطاكم كوْنُه خال المؤمنين: فهو أخو أمِّ المؤمنين، زوجِ النبي ﵌، أمِّ حَبيبة رَمْلة بنت أبي سفيان ﵃؛ ولذلك قال الإمام أحمد: «أقول: معاوية خال المؤمنين، وابن عمر خال المؤمنين». (رواه الخلال في السنة بسند صحيح). وروى العجلي في (الثقات) ومن طريقه ابن عساكر بسند صحيح أن رجلا سأل الحكم بن هشام الكوفي: «ما تقول في معاوية؟»، قال: «ذاك خالُ كلِّ مؤمن». * وقد قال ﵌: «كُلُّ سَبَبٍ ونَسَبٍ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غَيْرَ سَبَبي ونَسَبي»، وفي رواية: «غَيْرَ نَسَبِي وصِهْرِي» (وللحديث طرقٌ كثيرة، جوَّدَ بعضَها ابنُ كثير، وصححه ابن السَّكَن، والحاكم، والضياء، والذهبي، والألباني، وغيرُهم). ولا شك أن معاوية داخلٌ في هذا الفضل.

стр. 1126

وروى الخلال في السنة واللالكائي عن عبد الملك بن عبد الحميد الميموني، قال: قلت لأحمد بن حنبل: أليس قال النبي ﵌: «كُلّ صِهْرٍ وَنَسَبٍ يَنْقَطِعُ إلّا صِهْرِي وَنَسَبِي»؟، قال: «بلى». قلت: «وهذه لمعاوية؟»، قال: «نعم! له صهر ونسب». (إسناده صحيح، ويستفادُ منه تثبيتُ الإمام أحمد ﵀ للحديث). ومن فضائل معاوية سدد خطاكم أنه أَوَّلُ مَنْ غَزَا الْبَحْرَ، وقد وجبت له الجنة: روى البخاري في صحيحه عن أم حَرَام الأنصارية ﵂ أنها سمعت النبي ﵌ يَقُولُ: «أوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ الْبَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا». قَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ ﵂ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا فِيهِمْ؟»، قَالَ: «أَنْتِ فِيهِمْ». ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﵌: «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ»، فَقُلْتُ: «أَنَا فِيهِمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟»، قَالَ: «لَا». (مَدِينَةَ قَيْصَر) يَعْنِي الْقُسْطَنْطِينِيَّة. (قَدْ أَوْجَبُوا) أَيْ فَعَلُوا فِعْلًا وَجَبَتْ لَهُمْ بِهِ الْجَنَّة. وفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْقَبَة لِمُعَاوِيَة لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَزَا الْبَحْرَ، وَمَنْقَبَةٌ لِوَلَدِهِ يَزِيد لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَزَا مَدِينَةَ قَيْصَرَ. ومن فضائل معاوية سدد خطاكم أنه من الذين رآهم النبي ﵌ يَرْكَبُونَ ظَهْرَ الْبَحْرِ كَالْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنْ أُمِّ حَرَامٍ ﵂ وَهِيَ خَالَةُ أَنَسٍ - قَالَتْ: «أَتَانَا النَّبِيُّ ﵌ يَوْمًا، فَقَالَ عِنْدَنَا، فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقُلْتُ: «مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي؟»، قَالَ: «أُرِيتُ قَوْمًا مِنْ أُمَّتِي يَرْكَبُونَ ظَهْرَ الْبَحْرِ كَالْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ». فَقُلْتُ: «ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ». قَالَ: «فَإِنَّكِ مِنْهُمْ». قَالَتْ: «ثُمَّ نَامَ فَاسْتَيْقَظَ أَيْضًا وَهُوَ يَضْحَكُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ، فَقُلْتُ: «ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ». قَالَ: «أَنْتِ مِنْ الْأَوَّلِينَ». فَرَكِبَتِ الْبَحْرَ فِى زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِى سُفْيَانَ فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ، فَهَلَكَتْ.

стр. 1127

وفي رواية: فَخَرَجَتْ مَعَ زَوْجِهَا عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ غَازِيًا أَوَّلَ مَا رَكِبَ الْمُسْلِمُونَ الْبَحْرَ مَعَ مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا مِنْ غَزْوِهِمْ قَافِلِينَ فَنَزَلُوا الشَّأْمَ، فَقُرِّبَتْ إِلَيْهَا دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا فَصَرَعَتْهَا فَمَاتَتْ». (رواه البخاري ومسلم). هذا الحديث فِيهِ مُعْجِزَات لِلنَّبِيِّ ﵌ مِنْهَا إِخْبَاره بِبَقَاءِ أُمَّته بَعْده، وَأَنَّهُ تَكُون لَهُمْ شَوْكَة وَقُوَّة وَعَدَد، وَأَنَّهُمْ يَغْزُونَ وَأَنَّهُمْ يَرْكَبُونَ الْبَحْر، وَأَنَّ أُمّ حَرَام تَعِيش إِلَى ذَلِكَ الزَّمَان، وَأَنَّهَا تَكُون مَعَهُمْ، وَقَدْ وُجِدَ بِحَمْدِ اللهِ تَعَالَى كُلّ ذَلِكَ. وَفِيهِ: فَضِيلَة لِتِلْكَ الْجُيُوش، وَأَنَّهُمْ غُزَاة فِي سَبِيل اللهِ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء مَتَى جَرَتْ الْغَزْوَة الَّتِي تُوُفِّيَتْ فِيهَا أُمّ حَرَام فِي الْبَحْر؟ وَقَدْ ذكرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَة فِي مُسْلِم أَنَّهَا رَكِبَتْ الْبَحْر فِي زَمَان مُعَاوِيَة، فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتهَا فَهَلَكَتْ، قَالَ أَكْثَر أَهْل السِّيَر وَالْأَخْبَار: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي خِلَافَة عُثْمَان بْن عَفَّان ﵁ وَأَنَّ فِيهَا رَكِبَتْ أُمّ حَرَام وَزَوْجهَا إِلَى قُبْرُص فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتهَا هُنَاكَ، فَتُوُفِّيَتْ وَدُفِنَتْ هُنَاكَ، وَعَلَى هَذَا يَكُون قَوْله: (فِي زَمَان مُعَاوِيَة) مَعْنَاهُ: فِي زَمَان غَزْوِهِ فِي الْبَحْر لَا فِي أَيَّام خِلَافَته، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ ذَلِكَ فِي خِلَافَته، وَهُوَ أَظْهَر فِي دَلَالَة قَوْله فِي زَمَانه. (مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّة) أَرَادَ - وَاَللهُ أَعْلَم - أَنَّهُ رَأَى الْغُزَاة فِي الْبَحْر مِنْ أُمَّته مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّة فِي الْجَنَّة، وَرُؤْيَاهُ وَحْي، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي صِفَة أَهْل الْجَنَّة: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ (الصافات:٤٤) وَقَالَ: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ (يسن:٥٦) وَالْأَرَائِك السُّرَر فِي الْحِجَال. والحَجَلة مثل القُبَّة، وحَجَلة العروس هي بيت يُزَيَّن بالثياب والأَسِرَّة والستور لَهَا عُرًى وَأَزْرَار. فإذا تبيَّن هذا الفضلُ العظيم، كان معاوية سدد خطاكم مِن أولى الناس به، إذ أنه أميرُ تلك الغزاة بالاتفاق، وقد قال ابنُ عبد البر عن هذا الحديث في التمهيد (١/ ٢٣٥): «وفيه فضلٌ لمعاوية ﵀، إذ جَعَلَ مَن غَزا تحتَ رايَتِه مِن الأوَّلين».

стр. 1128

ومن فضائل معاوية سدد خطاكم أنه كان من الذين أحبُّ النبيُ ﵌ أن يَعِزّوا، فأعزّهم الله: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدٌ إِلَى النَّبِيِّ ﵌ فَقَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُذِلَّهُمْ اللهُ مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، وَمَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُعِزَّهُمْ اللهُ مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ». فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: «وَأَيْضًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه». (رواه البخاري ومسلم). (خِبَاء) خَيْمَة مِنْ وَبَر أَوْ صُوف، ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلَى الْبَيْت كَيْف مَا كَانَ. (قَالَ وَأَيْضًا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) فِيهِ تَصْدِيق لَهَا فِيمَا ذَكَرَتْهُ، كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْمَعْنَى: وَأَنَا أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْك مِثْل ذَلِكَ. فالمدح في قوله: «وَأَيْضًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه»؛ وهو أنه ﵌ كان يَوَدُّ أن هندَ وأهلَها وكلَّ كافر يَذلّوا في حال كفرهم، فلما أسلموا كان يحبُّ أن يَعِزّوا، فأعزّهم الله، يعني أهلَ خبائها». والحديث يدلُّ على تخصيص هند وأهل خبائها بالذات، ثم مما يؤكدُ إعزازَ النبيِّ ﵌ لها بعد الإسلام؛ أنه استَغفرَ لها لما جاءته مبايعةً مع النساء، فنَزل قولُ الله تعالى: ﴿فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ﴾ (الممتحنة:١٢)، وجاء وصفُ المبايعات في الآيات بأنهن من (المؤمنات). ويَدخلُ معاويةُ في فضل الحديث السابق، فهو من أهل خباء هند ﵂. ومن فضائل معاوية سدد خطاكم دعاء النبي ﵌ له بالهداية: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عُمَيْرَةَ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﵌ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا وَاهْدِ بِهِ» (رواه الترمذي وغيره وصححه الألباني). (هَادِيًا) أَيْ لِلنَّاسِ أَوْ دَالًّا عَلَى الْخَيْرِ. (مَهْدِيًّا) أَيْ مُهْتَدِيًا فِي نَفْسِهِ.

стр. 1129

ومن فضائل معاوية سدد خطاكم دعاء النبي ﵌ له بالوقاية من العذاب: ثَبَتَ أن النبيَّ ﵌ دعا لمعاوية فقال: «اللهم عَلِّمْهُ الكِتابَ والحِسَابَ، وقِهِ العَذَابَ». (رواه الطبراني وغيره وصححه الألباني). ومن فضائل معاوية سدد خطاكم: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌: «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ» (رواه مسلم). (يُصَلُّونَ): أَيْ يَدْعُونَ. ومعاوية ﵁ كان من أحسن الناس سيرة في ولايته، وكانت رعيته تحبه وهو يحبهم، ويصلون عليه وهو يصلي عليهم. معاوية سدد خطاكم أحد الخلفاء الاثني عشر: عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ انْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ وَمَعِى أَبِى فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «لاَ يَزَالُ هَذَا الدِّينُ عَزِيزًا مَنِيعًا إِلَى اثْنَىْ عَشَرَ خَلِيفَةً». فَقَالَ كَلِمَةً صَمَّنِيهَا النَّاسُ فَقُلْتُ لأَبِى: «مَا قَالَ؟»، قَالَ «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ». (رواه مسلم). وبالتأمل في النص بكل حيدة وموضوعية نجد أن هؤلاء الاثني عشر وصفوا بأنهم يتولون الخلافة , وأن الإسلام في عهدهم يكون في عزة ومنعة، وأن الناس تجتمع عليهم، ولا يزال أمر الناس ماضيًا وصالحًا في عهدهم، وكل هذا الأوصاف لا تنطبق على مَن تَدّعِي الشيعة الاثنا عشرية فيهم الإمامة فلم يتوَلَّ الخلافة منهم إلا أمير المؤمنين علي والحسن ﵄. ثم أنه ليس في الحديث حصر لأئمة بهذا العدد , بل نبوة منه , بأن الإسلام لا يزال عزيزًا في عصور هؤلاء, وكان عصر الخلفاء الراشدين وبني أميه عصر عزة ومَنَعَة , وعدّ شيخُ الإسلام ابنُ تيمية معاويةَ سدد خطاكم من الأئمة المقصودين بالحديث.

стр. 1130

معاوية سدد خطاكم أم عمر بن عبد العزيز ﵀؟ إن عمر بن عبد العزيز من أئمة الهدى ومن المجددين، واعتُبِرَ خامسُ الخلفاء الراشدين؛ لأنه سار على نهجهم في سيرتهم مع الرعية والخلافة وطريقة العيش وغيرها من الأمور، لكن هذا لا يعني أن نفضل عمر بن عبد العزيز على معاوية سدد خطاكم، فمعاوية سدد خطاكم صحابي جليل القدر والمنزلة رأى رسول الله ﵌ وصافحت يدُه يدَ النبي ﵌. وعن رباح بن الجراح الموصلي قال: سمعت رجلا يسأل المعافى بن عمران، فقال: «يا أبا مسعود أيْش عمر بن عبد العزيز من معاوية بن أبي سفيان؟». فغضب من ذلك غضبًا شديدًا وقال: «لا يقاس بأصحاب رسول الله ﵌ أحد، معاويةُ صاحبُه، وصِهْره، وكاتبُه وأمينُه على وحي الله ». وسئل المعافى بن عمران أيضًا: «معاوية أفضل أو عمر بن عبد العزيز؟»، فقال: «كان معاوية أفضل من ستمائة مثل عمر بن عبد العزيز». وسُئل عبد الله بن المبارك: «أيهما أفضل: معاوية بن أبي سفيان أم عمر بن عبدالعزيز؟»، فقال: «والله إن الغبار الذي دخل في أنف معاوية مع رسول الله ﵌ أفضل من عمر بألف مرة. صلى معاوية خلف رسول الله ﵌، فقال: «سمع الله لمن حمده»، فقال معاوية: «ربنا ولك الحمد»، فما بعد هذا؟». ومعلوم أن (سمع) بمعنى استجاب، فمعاوية حصل له هذا الفضل وهو الصلاة خلف رسول الله ﵌، والرسول ﵌ قال: «سمع الله لمن حمده»، ومعاوية ﵁ كان ممن يصلي وراءه ويقول: «ربنا ولك الحمد». وعن أبي بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد الله (أي الإمام أحمد بن حنبل): «أيهما أفضل: معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟»، فقال: «معاوية أفضل، لسنا نقيس

стр. 1131

بأصحاب رسول الله ﵌ أحدًا، قال النبي ﵌: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي الذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ». وعن الأعمش أنه ذكر عنده عمر بن عبد العزيز وعدله، فقال: «فكيف لو أدركتم معاوية؟»، قالوا: «يا أبا محمد يعني في حلمه؟»، قال: «لا، والله، بل في عدله». وإن الجمع الذي بايع معاوية سدد خطاكم بالخلافة خير من الجمع الذي بايع عمر بن عبد العزيز ﵀، فقد بايع لمعاوية جم غفير من صحابة رسول الله ﵌ و ﵃. تعظيم معاوية سدد خطاكم لسنة النبي ﵌: ١ - عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ وَابْنِ عَامِرٍ، فَقَامَ ابْنُ عَامِرٍ وَجَلَسَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِابْنِ عَامِرٍ: «اجْلِسْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» (رواه أبو داود، وصححه الألباني). (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ): أَيْ يَقُوم وَيَنْتَصِب لَهُ. (فَلْيَتَبَوَّأْ): أَيْ فَلْيُهَيِّئْ، أَمْرٌ بِمَعْنَى الْخَبَرِ، كَأَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَحَبَّ ذَلِكَ وَجَبَ لَهُ أَنْ يَنْزِلَ مَنْزِلَةً مِنْ النَّارِ وَحُقَّ لَهُ ذَلِكَ. ٢ - قال أبو الدَّرداء ﵁: «ما رأيتُ أشْبَهَ صلاةً برسول الله ﵌ مِن أميركم هذا»، يعني معاوية ﵁. (رواه الطبراني، وسنده صحيح). ٣ - روى ابن أبي عاصم أن معاوية قال: «إن تسوية القبور من السنة، وقد رفعت اليهود والنصارى، فلا تشبهوا بهم». (قال الألباني: «إسناده صحيح»). يشير معاوية ﵁ إلى ما رواه مسلم في صحيحه، عن أَنَّ ثُمَامَةَ بْنَ شُفَىٍّ قَالَ كُنَّا مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ بِأَرْضِ الرُّومِ بِرُودِسَ فَتُوُفِّىَ صَاحِبٌ لَنَا فَأَمَرَ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ بِقَبْرِهِ فَسُوِّىَ ثُمَّ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَأْمُرُ بِتَسْوِيَتِهَا».

стр. 1132

٤ - وعَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «إِنَّكَ إِنْ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ»، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: «كَلِمَةٌ سَمِعَهَا مُعَاوِيَةُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ نَفَعَهُ اللهُ تَعَالَى بِهَا». (رواه أبو داود، وصححه الألباني). (أَفْسَدْتَهُمْ أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ): شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي. معنى الحديث: إِذَا بَحَثْت عَنْ مَعَائِبِهِمْ وَجَاهَرْتهمْ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى قِلَّة حَيَائِهِمْ عَنْك فَيَجْتَرِئُونَ عَلَى اِرْتِكَاب أَمْثَالهَا مُجَاهَرَة. قول أَبي الدَّرْدَاءِ: «كَلِمَةٌ سَمِعَهَا مُعَاوِيَةُ مِنْ رَسُولِ اللهِ نَفَعَهُ اللهُ تَعَالَى بِهَا». قال ابن كثير: «يعني أنه كان جيّدَ السريرة، حَسَنَ التجاوُز، جميلَ العفو، كثيرَ السِّتر، رحمه الله تعالى». ٥ - قَالَ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ لِمُعَاوِيَةَ: «إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «مَا مِنْ إِمَامٍ يُغْلِقُ بَابَهُ دُونَ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالْخَلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ إِلَّا أَغْلَقَ اللهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ خَلَّتِهِ وَحَاجَتِهِ وَمَسْكَنَتِهِ»، فَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا عَلَى حَوَائِجِ النَّاسِ. (رواه الترمذي، وصححه الألباني). (وَمَا مِنْ إِمَامٍ يُغْلِقُ بَابَهُ دُونَ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالْخَلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ) أَيْ يَحْتَجِبُ وَيَمْتَنِعُ مِنْ الْخُرُوجِ عِنْدَ اِحْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهِ، وَالْخَلَّةُ: الْحَاجَةُ وَالْفَقْرُ. فَالْحَاجَةُ وَالْخَلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ أَلْفَاظٌ مُتَقَارِبَةٌ وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا لِلتَّأْكِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ. (إِلَّا أَغْلَقَ اللهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ خَلَّتِهِ وَحَاجَتِهِ وَمَسْكَنَتِهِ) أَيْ أَبْعَدَهُ وَمَنَعَهُ عَمَّا يَبْتَغِيهِ مِنْ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ أَوْ الدُّنْيَوِيَّةِ فَلَا يَجِدُ سَبِيلًا إِلَى حَاجَةٍ مِنْ حَاجَاتِهِ الضَّرُورِيَّةِ. ٦ - عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ﵄ يَوْمَ عَاشُورَاءَ عَامَ حَجَّ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يَكْتُبْ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ»، وَأَنَا صَائِمٌ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ» (رواه البخاري).

стр. 1133

قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث في (فتح الباري): «فِي سِيَاق هَذِهِ الْقِصَّة إِشْعَار بِأَنَّ مُعَاوِيَة لَمْ يَرَ لَهُمْ اِهْتِمَامًا بِصِيَامِ عَاشُورَاء، فَلِذَلِكَ سَأَلَ عَنْ عُلَمَائِهِمْ، أَوْ بَلَغَهُ عَمَّنْ يُكَرِّهُ صِيَامَهُ أَوْ يُوجِبُهُ». ٧ - ومن تعظيم معاوية ﵁ لسنة النبي ﵌ تحريه موضع صلاة النبي ﵌ داخل الكعبة، فعن سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ قَالَ: «اعْتَمَرَ مُعَاوِيَةُ فَدَخَلَ الْبَيْتَ فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ وَجَلَسَ يَنْتَظِرُهُ حَتَّى جَاءَهُ فَقَالَ: «أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﵌ يَوْمَ دَخَلَ الْبَيْتَ؟». قَالَ: «مَا كُنْتُ مَعَهُ وَلَكِنِّي دَخَلْتُ بَعْدَ أَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ فَلَقِيتُ بِلَالًا فَسَأَلْتُهُ أَيْنَ صَلَّى، فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ صَلَّى بَيْنَ الْأُسْطُوَانَتَيْنِ». فَقَامَ مُعَاوِيَةُ فَصَلَّى بَيْنَهُمَا. (رواه الإمام أحمد، وقال الأرنؤوط: «إسناده صحيح على شرط الشيخين»). هذا معاوية سدد خطاكم أيُّها الشَّانِئُ (١) أَقْصِرْ ... إِنَّمَا جِئْتُ لِأَفْخَرْ بِابْنِ هندٍ مَنْ كَسَيْلٍ ... لِصُرُوحِ الْكُفْرِ دَمَّرْ سيفهُ قَامَ يُنادِي ... فِي الدُّنَى: اللهُ أَكْبَرْ بَذَلَ الْغالِي انْتِصَارًا ... لِلْهُدَى فِي كُلِّ مَعْبَرْ مَجْدُ (رُومَانٍ) و (فُرْسٍ) ... كُلُّ ذَا وَلَّى ... تَبَخَّرْ زَانَهُ اللهُ بِحِلْمٍ صَارَ ... فِي الْأَمْثَالِ يُذْكَرْ كَاتِبُ الْوَحْيِ أَمِينٌ ... لِلتُّقَى وَالْعَدْلِ مُسْفِرْ جَاءَهُ بِالْحَقِّ بُشْرَى ... الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ تُظْهِرْ أَنَّهُ حَازَ الْجِنَانَ ... سَبْقَ مَنْ في الْيَمِّ أَبْحَرْ كَالْمُلُوكِ فِي الْأَسِرَّةْ ... إِنَّ فَضْلَ اللهِ أَكْبَرْ

стр. 1134

وَلَهُ يُدْعَى بِحِفْظٍ ... مِنْ لَظَى - نَارٍ تُسَعَّرْ وَدُعَاءٍ بِاهْتِدَاءٍ ... وَالْهُدَى فِي النَّاسِ يَنْشُرْ أَيُّهَا الشَّانِي تَدَبَّرْ ... فِي جَزَاءِ مَنْ تَجَبَّرْ عِنْدَ رَبِّ الْعَرْشِ تَلْقَى ... كُلَّ مَا تَجْنِي مُسَطَّرْ هل يَضِيرُ الشَّمْسَ يَوْمًا ... جَحْدُ مَنْ لِلنُّورِ أَنْكَرْ هَلْ يُمِيطُ الضَّوْءَ عَنْهَا ... أمْ بِنُورِ الْحَقِّ يُقْهَرْ أَيُّ وَجْهٍ لِقِرَانٍ؟ (١) ... ذَاكَ نَجْمٌ لَسْتَ تُذْكَرْ أَنْتَ لَا تَسْمُو لِتُرْبٍ (٢) ... دَاسَهُ الْغازِي الْمُظَفَّرْ شَادَ فِي الْآفَاقِ عِزًّا ... أُسُّهُ الدِّينُ الْمُطَهَّرْ لَيْتَ هَذَا العزَّ فِينَا ... إِنَّنِي كَمْ أَتَحَسَّرْ أيْنَ هَذَا مِنْ قُرَانَا ... سَاسَهَا كِسْرَى وَقَيْصَرْ ظُلْمُ (أَمْرِيكَا) وَ (رُوسْيَا) ... وَجْهُ مَنْ بِالْكُفْرِ أَسْفَرْ جَرْحُ (شِيشَانٍ) وَ (بُورْمَا) ... جَرْحُ أَفْغَانَ الْمُسَعَّرْ جَرْحُ أَقْصَانَا سَجِينًا ... جَرْحُ صُومَالَ الْمُفَغَّرْ (٣) جَرْحُ غَزَةَ قَدْ دَهَانَا ... جَرْحُ بَغْدَادَ تَفَجَّرْ أَيُّهَا الْفُجَّارُ مَهْلًا ... إِنَّنَا يَوْمًا سَنَثْأَرْ إِنْ أَقَمْنَا الشَّرْعَ فِينَا ... إِنَّنَا حَتْمًا سَنُنْصَرْ

стр. 1135

٧٨ - من صفات معاوية ﵁ توقير معاوية سدد خطاكم لآل بيت النبي ﵌: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَوْفٍ الْجُرَشِيِّ عَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَمُصُّ لِسَانَهُ أَوْ قَالَ شَفَتَهُ - يَعْنِي الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - وَإِنَّهُ لَنْ يُعَذَّبَ لِسَانٌ أَوْ شَفَتَانِ مَصَّهُمَا رَسُولُ اللهِ ﵌». (رواه الإمام أحمد وقال الأرنؤوط: «إسناده صحيح»). وأخرج ابن كثير في البداية والنهاية بسند صحيح، أن معاوية ﵁، كان إذا لَقِيَ الحسن بن علي ﵄ قال: «مرحبًا بابن رسول الله وأهلًا»، ويأمر له بثلاثمائة ألف، ويلقى ابن الزبير ﵄ فيقول: «مرحبًا بابن عمة رسول الله وابن حواريِّه»، ويأمر له بمائة ألف. وأخرج الآجري عن الزهري قال: لما قُتل علي بن أبي طالب وجاء الحسن بن علي إلى معاوية ﵃، فقال له معاوية: «لو لم يكن لك فضل على يزيد (١) إلا أن أمك من قريش وأمه امرأة من كلب (٢)، لكان لك عليه فضل، فكيف وأمك فاطمة بنت رسول ﵌؟!». ورواية أهل البيت عن معاوية ﵁ دالة على فضله وصدقه عندهم , وممن روى عنه ابن عباس ﵄ ومحمد بن علي بن أبي طالب (ابن الحنفية).

стр. 1136

أمر معاوية سدد خطاكم بالمعروف وإنكاره للمنكر: ١ - عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ﵁ عَامَ حَجَّ عَلَى الْمِنْبَرِفَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعَرٍ وَكَانَتْ فِي يَدَيْ حَرَسِيٍّ، فَقَالَ: «يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﵌ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ، وَيَقُولُ: «إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَهَا نِسَاؤُهُمْ» (رواه البخاري ومسلم). وعَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ: «إِنَّكُمْ قَدْ أَحْدَثْتُمْ زِيَّ سَوْءٍ وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ ﵌ نَهَى عَنْ الزُّورِ». قَالَ: «وَجَاءَ رَجُلٌ بِعَصًا عَلَى رَأْسِهَا خِرْقَةٌ، قَالَ مُعَاوِيَةُ: أَلَا وَهَذَا الزُّورُ». قَالَ قَتَادَةُ: «يَعْنِي مَا يُكَثِّرُ بِهِ النِّسَاءُ أَشْعَارَهُنَّ مِنْ الْخِرَقِ» (رواه مسلم). قال الإمام النووي: «الْقُصَّة: الْخُصْلَة مِنْ الشَّعْر، وهِيَ شَعْر مُقَدَّم الرَّأْس الْمُقْبِل عَلَى الْجَبْهَة، وَقِيلَ: شَعْر النَّاصِيَة. وَالْحَرَسِيّ: وَاحِد الْحُرَّاس، وَهُمْ خَدَم الْأَمِير الَّذِينَ يَحْرُسُونَهُ. (يَا أَهْل الْمَدِينَة أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ) هَذَا السُّؤَال لِلْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ بِإِهْمَالِهِمْ إِنْكَار هَذَا الْمُنْكَر وَغَفْلَتهمْ عَنْ تَغْيِيره. وفِي هَذَا الحَدِيث اِعْتِنَاء معاوية ﵁ بِإِنْكَارِ الْمُنْكَر، وَإِشَاعَة إِزَالَته، وَتَوْبِيخ مَنْ أَهْمَلَ إِنْكَاره مِمَّنْ تَوَجَّهَ ذَلِكَ عَلَيْهِ» (١). ٢ - عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ عَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ: «إِنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلَاةً لَقَدْ صَحِبْنَا النَّبِيَّ ﵌ فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِّيهَا وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا يَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ» (رواه البخاري).

стр. 1137

٣ - عَنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْعَبَّاسِ أَنْكَحَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَكَمِ ابْنَتَهُ وَأَنْكَحَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنَتَهُ وَكَانَا جَعَلَا صَدَاقًا، فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى مَرْوَانَ يَأْمُرُهُ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ فِي كِتَابِهِ: «هَذَا الشِّغَارُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﵌» (رواه أبو داود، وحسنه الألباني). (وَكَانَا جَعَلَا صَدَاقًا) أَيْ كَانَا جَعَلَا إِنْكَاح كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا الْآخَر اِبْنَته صَدَاقًا. (فَكَتَبَ مُعَاوِيَة) بْن أَبِي سُفْيَان الْخَلِيفَة. (إِلَى مَرْوَان) بْن الْحَكَم وَكَانَ عَلَى الْمَدِينَة مِنْ قِبَل مُعَاوِيَة ﵁. (وَقَالَ فِي كِتَابه) الَّذِي كَتَبَ إِلَى مَرْوَان. (هَذَا الشِّغَار الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُول اللَّه ﵌). قَالَ الْإِمَام الْخَطَّابِيّ: «إِذَا وَقَعَ النِّكَاح عَلَى هَذِهِ الصِّفَة كَانَ بَاطِلًا لِأَنَّ النَّبِيّ ﵌ نَهَى عَنْهُ». ٤ - عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي الْخُوَارِ أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَرْسَلَهُ إِلَى السَّائِبِ ابْنِ أُخْتِ نَمِرٍ يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ رَآهُ مِنْهُ مُعَاوِيَةُ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: «نَعَمْ صَلَّيْتُ مَعَهُ الْجُمُعَةَ فِي الْمَقْصُورَةِ فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ قُمْتُ فِي مَقَامِي فَصَلَّيْتُ فَلَمَّا دَخَلَ أَرْسَلَ إِلَيَّ فَقَالَ: «لَا تَعُدْ لِمَا فَعَلْتَ إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ فَلَا تَصِلْهَا بِصَلَاةٍ حَتَّى تَكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ أَمَرَنَا بِذَلِكَ أَنْ لَا تُوصَلَ صَلَاةٌ بِصَلَاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ» (رواه مسلم). (صَلَّيْت مَعَهُ الْجُمُعَة فِي الْمَقْصُورَة) فِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز اِتِّخَاذهَا فِي الْمَسْجِد إِذَا رَآهَا وَلِيّ الْأَمْر مَصْلَحَة، قَالُوا: وَأَوَّل مَنْ عَمِلَهَا مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان حِين ضَرَبَهُ الْخَارِجِيّ. قَوْله: (فَإِنَّ رَسُول اللهِ ﵌ أَمَرَنَا بِذَلِكَ أَلَّا تُوصَلَ صَلَاةٌ بِصَلَاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّم أَوْ نَخْرُج) فِيهِ دَلِيل على أَنَّ النَّافِلَة الرَّاتِبَة وَغَيْرهَا يُسْتَحَبّ أَنْ يَتَحَوَّل لَهَا عَنْ مَوْضِع الْفَرِيضَة إِلَى مَوْضِع آخَر، وَأَفْضَله التَّحَوُّل إِلَى بَيْته، وَإِلَّا فَمَوْضِع آخَر مِنْ الْمَسْجِد أَوْ غَيْره لِيَكْثُر مَوَاضِع سُجُوده وَلِتَنْفَصِل صُورَة النَّافِلَة عَنْ صُورَة الْفَرِيضَة.

стр. 1138

وَقَوْله: (حَتَّى نَتَكَلَّم) دَلِيل عَلَى أَنَّ الْفَصْل بَيْنهمَا يَحْصُل بِالْكَلَامِ أَيْضًا. معاوية سدد خطاكم طالبًا للعلم والنصيحة: ١ - عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُدَيْجٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵁ أَنَّهُ سَأَلَ أُخْتَهُ أُمَّ حَبِيبَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﵌: «هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يُصَلّيِ فِي الثَّوْبِ الَّذِي يُجَامِعُهَا فِيهِ؟»، فَقَالَتْ: «نَعَمْ إِذَا لَمْ يَرَ فِيهِ أَذًى» (رواه أبو داود، وصححه الألباني). ٢ - وكَتَبَ مُعَاوِيَةُ بنُ أبي سُفْيَان ﵄ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَنْ اكْتُبِي إِلَيَّ كِتَابًا تُوصِينِي فِيهِ وَلَا تُكْثِرِي عَلَيَّ، فَكَتَبَتْ عَائِشَةُ ﵂ إِلَى مُعَاوِيَةَ: «سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «مَنْ الْتَمَسَ رِضَا اللهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللهِ وَكَلَهُ اللهُ إِلَى النَّاسِ»، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ» (رواه الترمذي، وصححه الألباني). (مَنْ اِلْتَمَسَ) أَيْ طَلَبَ، (بِسَخَطِ النَّاسِ) السَّخَطُ وَالسُّخُطُ وَالسُّخْطُ وَالْمَسْخَطُ: الْكَرَاهَةُ لِلشَّيْءِ وَعَدَمُ الرِّضَا بِهِ، (كَفَاهُ اللهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ) لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ مِنْ حِزْبِ اللهِ وَهُوَ لَا يَخِيبُ مَنْ اِلْتَجَأَ إِلَيْهِ، أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ. (وَكَلَهُ اللهُ إِلَى النَّاسِ) أَيْ سَلَّطَ اللهُ النَّاسَ عَلَيْهِ حَتَّى يُؤْذُوهُ. تواضع معاوية سدد خطاكم وزهده: ١ - روى الإمام أحمد في (الزهد) وابن أبي عاصم بسند صحيح عن أبي حملة قال: «رأيت معاوية على المنبر بدمشق يخطب الناس وعليه قميص مرقوع». ٢ - وعن يونس بن ميسر الحميري الزاهد - وهو من شيوخ الأوزاعي - قال: «رأيت معاوية في سوق دمشق وهو مُرْدِفٌ وراءَه وصيفًا، وعليه قميص مرقوع الجَيْب يسير في أسواق دمشق». (الوصيف: الخادم). ٣ - قال ابن دريد عن أبي حاتم عن العتبي قال: قال معاوية: «يأيها الناس! ما أنا بخيركم وإن منكم لَمَن هو خيرٌ مِنّي، عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو،

стр. 1139

وغيرهما من الأفاضل، ولكن عسى أن أكون أنفعكم ولاية، وأنكاكم في عدوكم، وأدَرّكم حلبًا». ٤ - عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ فَقَامُوا لَهُ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» (رواه الإمام أحمد، وقال الأرنؤوط: إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين). وعَنْه أيضًا قَالَ: «خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ وَابْنِ عَامِرٍ، فَقَامَ ابْنُ عَامِرٍ وَجَلَسَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِابْنِ عَامِرٍ: اجْلِسْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» (رواه الترمذي وأبو داود، واللفظ له، وصححه الألباني). حِلم معاوية سدد خطاكم ورحابة صدره: لقد كان حلم معاوية ﵁ ورحابة صدره مضرب المثل، وأخباره في ذلك كثيرة جدًا، وقد أفرد الحافظان ابن أبي الدنيا وابن أبي عاصم تصنيفًا في حلم معاوية. ١ - قال ابن عون: «كان الرجل يقول لمعاوية: «والله لتستقيمن بنا يا معاوية أو لنُقَوِّمَنَّكَ»، فيقول: «بماذا؟»، فيقول: «بالخشب»، فيقول: «إذن نستقيم». ٢ - وقال قبيصة بن جابر: «صحبتُ معاوية فما رأيت رجلًا أثقل حلمًا ولا أبطأ جهلًا ولا أبعد أناةً منه». ٣ - عن أبي مسلم الخولاني، أنه نادى معاوية بن أبي سفيان ﵁ وهو جالس على منبر دمشق فقال: «يا معاوية، إنما أنت قبر من القبور؛ إن جئتَ بشيء كان لك شيء، وإن لم تجئ بشيء فلا شيء لك. يا معاوية، لا تحسبَنَّ الخلافة جمع المال، وتفرقته ولكن الخلافة العمل بالحق والقول بالمعدلة، وأخذ الناس في ذات الله، يا معاوية، إنا لا نبالي بكدر الأنهار وما صفَت لنا رأس عيننا وإنك رأس أعيننا، يا معاوية إنك إن تَحِفْ على قبيلة من قبائل العرب يذهب حَيْفُك بعدلِك».

стр. 1140

فلما قضى أبو مسلم مقالته أقبل عليه معاوية فقال: «يرحمك الله يرحمك الله». ٤ - وقال بعضهم: أسمَعَ رجلٌ معاويةَ كلامًا سيئًا شديدًا، فقيل له: «لو سطوت عليه؟»، فقال: «إني لأستحيي من الله أن يضيق حِلمي عن ذنبِ أحدٍ من رعيتي». وفي رواية قال له رجل: «يا أمير المؤمنين ما أحلمك؟»، فقال: «إني لاستحيي أن يكون جرم أحد أعظم من حلمي». ٥ - وقال له ابن أخته عبد الرحمن بن أبي الحكم: «إن فلانًا يشتمني»، فقال له معاوية: «طأطئ لها؛ فتمر؛ فتجاوزك». ٦ - وقال: «لا يبلغ الرجل مبلغ الرأي حتى يغلب حلمه جهله، وصبره شهوته، ولا يبلغ الرجل ذلك إلا بقوة الحلم». جهاد معاوية سدد خطاكم وفتوحاته: شهد معاويةُ ﵁ مع النبي ﵌ حُنينا والطائف، وشهد غزوة تبوك، وهي العُسرة. وفي أيام أبي بكر الصديق ﵁ شهد حرب المرتدين في اليمامة. ثم جمع أبو بكر ﵁ أناسًا ووجههم إلى الشام، وأمَّر عليهم معاوية ﵁، وأمرهم باللحاق بيزيد بن أبي سفيان ﵁، وهي أول مهمة قيادية يتولاها معاوية. ثم صَحِبَ أخاهُ يَزيدَ أميرَ الشام في فُتوحها، وشهد اليرموك، وفتح دمشق تحت راية يزيد. وفي عهد عمر بن الخطاب ﵁ أرسل يزيدُ حملةً بإمرة أخيه معاوية ﵄ إلى سواحل بلاد الشام فافتتحها. وكان معاوية ﵁ من الجيش الذي فتح بيت المقدس، ودخل المسجد مع عمر بن الخطاب ﵁، وكان أحد أربعة شهدوا على العَهد العُمَري الشهير. وفي سنة تسع عشرة زمن عمر كانَ معاويةُ ﵁ قائدَ فتحِ قَيْسَارِيَّة، من المعارك الفاصلة مع الروم، وكان فيها بَطارِقَتُهم، وقد حاصرها معاوية حصارًا شديدًا، وأبلى فيها بلاءً كبيرًا.

стр. 1141

وكان قد استأذن عمر في بناء قوة بحرية لمحاربة الروم فلم يأذن. ثم توفي عمر وهو عن معاوية راض، فأقرّه عثمان بن عفان ﵃ على إمرة الشام كلها، وكان معاوية يغزو الروم، وكان على رأس صائفة، واستطاع أن يصل إلى عمّورية (موقع أنقرة اليوم)، ومعه عدد من الصحابة، منهم: عبادة بن الصامت، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو ذر الغفاري، وأبو الدرداء، وشداد بن أوس ﵃. وأعاد معاوية طلب بناء قوة بحرية للمسلمين، فوافق عثمان ﵁، فبنى أسطولًا، وغزا بنفسه جزيرة قبرص سنة خمس وعشرين وقيل سنة ثمان وعشرين. وعندما قامت الدولة الأموية استكمل معاوية ﵁ ما بدأه في بناء القوة البحرية لحماية سواحل الدولة الإسلامية بإقامة المراكب للغزو إلى جانب ترتيب الحفظة في السواحل مما استولى عليه المسلمون من قواعد ومنشآت بحرية، وعندما خرجت الروم في عهده إلى السواحل الشامية أمر بجمع الصناع من النجارين فجُمعوا ورتبهم في السواحل الشامية وجعل مقر دار صناعة السفن في جند الأردن بعكا. كما أنشأ الخليفة معاوية ﵁ أول دار صناعة للأساطيل لإنتاج السفن الحربية المختلفة بمصر سنة ٥٤ هـ في عهد واليها مسلمة بن مخلد الأنصاري، وبلغت السفن الحربية في عهد معاوية ﵁ نحوًا من ألف وسبعمائة سفينة شراعية مشحونة بالرجال والسلاح وجميع العتاد، والمستلزمات القتالية البحرية. روى البخاري في صحيحه عن أم حَرَام الأنصارية أنها سمعت النبي ﵌ يَقُولُ: «أوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ الْبَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا».، ومعاوية هو أمير تلك الغزوة، ومعه عدد من الصحابة، وقام بتحصين أسوار سواحل الشام عند ذهابه إلى قبرص، مثل عكا وصور، وأنشأ حصونًا وشحنها بالجند. توقفت الفتوحات بعد مقتل عثمان بن عفان ﵁ مظلومًا.

стр. 1142

وغزا جُزُرَ صقلية، ورودس، وجربا، كريت، وكثير من جزر بحر إيجة قرب القسطنطينية. وأما في إفريقية، فقد جدد معاوية فتحها، ووصل إلى مكان تونس اليوم، كما فتح مناطق من فزّان، والسودان. وفي عهده افتتح بعض المناطق في المشرق، مثل الرُّخّج وبعض سجستان، وقوهستان، وغزا أمراؤه بلادَ السِّند، وجبال الغور، وبلاد اللان، واجتازوا النهر، وهم أول من اجتازه من جند المسلمين، ودخلوا بخارى، وسمرقند، وتِرْمِذ. والحاصل كما قال أبونعيم في (معرفة الصحابة): «مَلَكَ الناسَ كلَّهم عشرين سنة منفردًا بالمُلك، يفتح الله به الفتوح، ويغزو الروم، ويقسم الفيء والغنيمة، ويقيم الحدود، والله تعالى لا يُضِيْعُ أجرَ من أحسنَ عَملًا». وتحدث القاضي ابن العربيِّ المالكي في كتابه (العواصم من القواصم) عن الخصال التي اجتمعت في معاوية ﵁ , فذكر منها: « ... قيامه بحماية البيضة, وسدِّ الثغور , وإصلاح الجند , والظهور على العدوِّ , وسياسة الخلق». عدل معاوية سدد خطاكم: عن عطية بن قيس قال: «خطبنا معاوية فقال: «إن في بيت مالكم فضلًا عن أعْطِيَاتِكُمْ وأنا قاسمٌ بينكم ذلك، فإن كان فيه في قابلَ فَضْلٌ قسمناه بينكم، وإلا فلا عتيبة علينا فيه؛ فإنه ليس بمالنا إنما هو فَيْءُ الله الذي أفاءه عليكم». وعن الزهري قال: «عمل معاوية بسيرة عمر بن الخطاب سنين لا يخرم منها شيئًا». وقال ابن كثير في ترجمة معاوية ﵁: «وأجمعت الرعايا على بيعته في سنة إحدى وأربعين ... فلم يزل مستقلًا بالأمر في هذه المدة إلى هذه السنة التي كانت فيها

стр. 1143

وفاته، والجهاد في بلاد العدو قائم وكلمة الله عالية، والغنائم ترد إليه من أطراف الأرض، والمسلمون معه في راحة وعدل وصفح وعفو» (١). اهتمام معاوية سدد خطاكم برعيته: عن أبي قبيل قال: «كان معاوية يبعث رجلًا يقال له أبو الجيش في كل يوم فيدور على المجالس يسأل هل ولد لأحد مولود؟ أو قدم أحد من الوفود؟ فإذا أخبر بذلك أثْبِتَ في الديوان» - يعني ليجري عليه الرزق. (يجري عليه الرزق: أي يحدد له راتبًا من بيت المال). وعن أبي عثمان الشامي، قال: كان معاوية يَخرج علينا ونحن في الكُتّاب، ويقول للمعلم: «يا معلِّم، أَحْسِن أَدَبَ أبناءِ المُهاجرين». ومن إصلاحات معاوية بن أبي سفيان ﵄ أنه أول من بلّط المدينة المنورة بالحجارة، وبنى فيها مرافق وحصنًا لأهلها. وكان يُرسل الأطعمة إلى المدينة كما كان يُفعل أيام عمر، وأمر بحفر نهر مَعْقِل. واهتم بالمسجد الحرام وأمر بتوسعته وأجرى له القناديل والزيت من بيت المال وأضاء المصابيح فيه لأهل الطواف، واهتم بالمسجد الأقصى، وقام مسلمة بن مخلد أمير مصر من قبل معاوية بالزيادة في المسجد الجامع بالفُسطاط عام ٥٣ هـ وبنى له أربع منارات شامخة وفرشه بالحصير. واهتم معاوية ﵁ بالمرافق العامة في الدولة الإسلامية، وحرص على توفير مياه الشرب في المدينة، وأجرى في الحرم المكي عيونًا وأنشأ آبار المياه على الطرقات، فربط بين أجزاء مملكته ربطًا محكمًا.

стр. 1144

وجعل دار المراجل بمكة، والتي كان يطبخ فيها طعام الحجاج وطعام الصائمين من الفقراء في شهر رمضان المبارك وقفًا في سبيل الله. ذكر بعض ما جاء من ثناء الصحابة على معاوية سدد خطاكم: * قال عمر بن الخطاب ﵁ قُبيل وفاته: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ عَلَى أُمَرَاءِ الْأَمْصَارِ، وَإِنِّي إِنَّمَا بَعَثْتُهُمْ عَلَيْهِمْ لِيَعْدِلُوا عَلَيْهِمْ وَلِيُعَلِّمُوا النَّاسَ دِينَهُمْ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِمْ ﵌ وَيَقْسِمُوا فِيهِمْ فَيْئَهُمْ وَيَرْفَعُوا إِلَيَّ مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْرِهِم». (رواه مسلم). وقد توفي عمر سدد خطاكم ومعاوية سدد خطاكم أمير الشام. قال الإمام الذهبي ﵀: «حسبُك بمن يُؤَمِّرُه عمر، ثم عثمان على إقليم - وهو ثغر - فيضبطُه ويقومُ به أتمّ قيام». (سير أعلام النبلاء ٣/ ١٣٢). وروى الطبري في التاريخ بسند صحيح عن سعيد المقبُري، قال: قال عمر بن الخطاب: «تَذكرونَ كِسْرَى وقَيْصَرَ ودَهاءَهُما؛ وعندَكم معاوية». وعن ابن عمر سدد خطاكمما أنه قال: «ما رأيت بعد رسول الله ﵌ أسْوَدَ من معاوية»، فقيل: «ولا أبوك؟»، قال: «أبي عمر ﵀ خير من معاوية، وكان معاوية أسْوَدَ منه». (أسْوَدَ: من السيادة). وقال ابن عباس سدد خطاكمما: ما رأيت رجلًا كان أخْلَق للملك من معاوية». (أخلق: أجدر). وعَنْ أَبِى إِدْرِيسَ الْخَوْلاَنِىِّ قَالَ: «لَمَّا عَزَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عُمَيْرَ بْنَ سَعِيدٍ عَنْ حِمْصَ وَلَّى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ النَّاسُ: «عَزَلَ عُمَيْرًا وَوَلَّى مُعَاوِيَةَ». فَقَالَ عُمَيْرٌ: «لاَ تَذْكُرُوا مُعَاوِيَةَ إِلاَّ بِخَيْرٍ فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «اللَّهمَّ اهْدِ بِهِ». (رواه الترمذي وصححه الألباني). وقالت أم المؤمنين عائشة ﵂: «إني لأتمنى أن يزيدَ اللهُ – معاويةَ مِن عُمري في عُمره».

стр. 1145

وقال عبد الله بن عباس ﵄: «ليس أحدٌ منا أعلم من معاوية». وروى البخاري عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: «أَوْتَرَ مُعَاوِيَةُ بَعْدَ الْعِشَاءِ بِرَكْعَةٍ وَعِنْدَهُ مَوْلًى لِابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: «دَعْهُ؛ فَإِنَّهُ قَدْ صَحِبَ رَسُولَ اللهِ ﵌». وعن ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: «هَلْ لَكَ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةَ؛ فَإِنَّهُ مَا أَوْتَرَ إِلَّا بِوَاحِدَةٍ؟»، قَالَ: «أَصَابَ إِنَّهُ فَقِيهٌ». (رواه البخاري). وقال أبوالدَّرداء ﵁: «ما رأيتُ أشْبَهَ صلاةً برسول الله ﵌ مِن أميركم هذا»، يعني معاوية. ذكر بعض ما جاء من ثناء التابعين على معاوية سدد خطاكم: قال أبو إسحاق السبيعي الكوفي: «كان معاوية، وما رأينا بعده مثله». وعن مجاهد قال: «لو رأيتم معاوية لقُلْتم هذا المهدي؛ من فضله». وقال قتادة: «لو أصبحتم في مِثْلِ عمل معاوية لقال أكثَرُكُم: «هذا المهدي». وقال أبومُسْلِم الخَوْلاني لمعاوية: «فلا والله ما أبغضْناكَ منذ أَحببْناك، ولا عَصَيناك بعدما أَطَعْناك، ولا فارَقْناكَ بعدَما جامَعَنْاك، ولا نَكَثْنا بَيْعَتَنا منذُ بايَعْناك، سُيوفُنا على عَواتِقِنا، إنْ أَمَرْتَنا أَطَعْناك، وإنْ دَعَوْتَنا أَجَبْناك، وإنْ سَبَقْتَنا أَدْرَكْناك، وإنْ سَبَقْناكَ نَظَرْناك». وعن الزهري قال: «عمل معاوية بسيرة عمر بن الخطاب سنين لا يخرم منها شيئًا». ذكر بعض ما جاء من ثناء العلماء على معاوية سدد خطاكم: قال ابن أبي العز الحنفي: «وأول ملوك المسلمين معاوية وهو خير ملوك المسلمين». وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَفْضَلُ مُلُوكِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَإِنَّ الْأَرْبَعَةَ قَبْلَهُ كَانُوا خُلَفَاءَ نُبُوَّةٍ وَهُوَ أَوَّلُ الْمُلُوكِ؛ كَانَ مُلْكُهُ مُلْكًا وَرَحْمَةً

стр. 1146

كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ... (١) وَكَانَ فِي مُلْكِهِ مِنْ الرَّحْمَةِ وَالْحِلْمِ وَنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ خَيْرًا مِنْ مُلْكِ غَيْرِهِ». وقال أيضًا: «فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ أَنَّهُ أَمَّرَهُ النَّبِيُّ ﵌ كَمَا أَمَّرَ غَيْرَهُ وَجَاهَدَ مَعَهُ وَكَانَ أَمِينًا عِنْدَهُ يَكْتُبُ لَهُ الْوَحْيَ وَمَا اتَّهَمَهُ النَّبِيُّ ﵌ فِي كِتَابَةِ الْوَحْيِ. وَوَلَّاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الَّذِي كَانَ مِنْ أَخْبَرِ النَّاسِ بِالرِّجَالِ - وَقَدْ ضَرَبَ اللهُ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِهِ وَقَلْبِهِ - وَلَمْ يَتَّهِمْهُ فِي وِلَايَتِهِ. وَقَدْ وَلَّى رَسُولُ اللهِ ﵌ أَبَاهُ أَبَا سُفْيَانَ إلَى أَنْ مَاتَ النَّبِيُّ ﵌ وَهُوَ عَلَى وِلَايَتِهِ فَمُعَاوِيَةُ خَيْرٌ مِنْ أَبِيهِ وَأَحْسَنُ إسْلَامًا مِنْ أَبِيهِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ». وقال الإمام الذهبي عن معاوية ﵁: «أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ، مَلِكُ الإِسْلاَمِ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ القُرَشِيُّ، الأُمَوِيُّ، المَكِّيُّ». وقال: «حَسْبُكَ بِمَنْ يُؤَمِّرُهُ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ عَلَى إِقْلِيْمٍ - وَهُوَ ثَغْرٌ – فَيَضْبِطُهُ، وَيَقُوْمُ بِهِ أَتَمَّ قِيَامٍ، وَيُرْضِي النَّاسَ بِسَخَائِهِ وَحِلْمِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ تَأَلَّمَ مَرَّةً مِنْهُ، وَكَذَلِكَ فَلْيَكُنِ المَلِكُ. وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﵌ خَيْرًا مِنْهُ بِكَثِيْرٍ، وَأَفْضَلَ، وَأَصْلَحَ، فَهَذَا الرَّجُلُ سَادَ وَسَاسَ العَالَمَ بِكَمَالِ عَقْلِهِ، وَفَرْطِ حِلْمِهِ، وَسَعَةِ نَفْسِهِ، وَقُوَّةِ دَهَائِهِ وَرَأْيِهِ». وقال الحافظ ابن كثير ﵀: «وأجمعت الرعايا على بيعته في سنة إحدى وأربعين ... فلم يزل مستقلًا بالأمر إلى ... السنة التي كانت فيها وفاته , والجهاد في بلاد العدو قائم , وكلمة الله عالية , والغنائم تَرِد إليه من أطراف الأرض , والمسلمون معه في راحة وعدل , وصفح وعفو».

стр. 1147

وقال المؤرخ العلامة ابن خلدون: «إن دولة معاوية وأخباره كان ينبغي أن تلحق بدول الخلفاء الراشدين وأخبارهم، فهو تاليهم في الفضل والعدالة والصحبة». وقال الشيخ محب الدين الخطيب ﵀: «سألني مرة أحد شباب المسلمين ممن يحسن الظن برأيي في الرجال: «ما تقول في معاوية؟». فقلت له: «ومن أنا حتى أسأل عن عظيم من عظماء هذه الأمة، وصاحب من خيرة أصحاب محمد ﵌، إنه مصباح من مصابيح الإسلام، لكن هذا المصباح سطع إلى جانب أربع شموس ملأت الدنيا بأنوارها فغلبت أنوارها على نوره». بعض ما رُوي من أقوال معاوية سدد خطاكم: ١ - «إني لأرفع نفسي من أن يكون ذنبٌ أعظمَ من عَفوي، وجهلٌ أكثر من حِلمي، أو عورةٌ لا أواريها بسِتْري، أو إساءةٌ أكثر من إحساني». ٢ - «ما مِن شيء ألذُّ عندي من غيظٍ أتجَرَّعُه أرجو بذلك وجه الله». ٣ - «العقلُ والحِلمُ أفضل ما أُعطي العبدُ، فإذا ذُكِّرَ ذَكَر، وإذا أُعطيَ شَكر، وإذا ابتُليَ صَبر، وإذا غضب كظم، وإذا قَدر غَفر، وإذا أساءَ استغفر، وإذا وعَد أنجز». ٤ - «إصلاحُ مالٍ في يَدَيك أفضلُ مِن طَلَب الفَضْلِ مِن أيدي الناس، وحُسن التدبير مع الكَفاف أحبُّ إليَّ من الكثير». ٥ - «لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت». قيل: «وكيف يا أمير المؤمنين؟». قال: «كانوا إذا مَدّوها خلّيْتُها، وإذا خَلوها مدَدْتُها». ٦ - «إياكم وقذف المحصنات، وأن يقول الرجل: «سمعتُ وبلغني»، فلو قذف أحدكم امرأة على عهد نوح لَسُئِلَ عنها يوم القيامة».

стр. 1148

٧٨ - لا تدعوا على أولادكم الأولاد نعمة: مِنْ عظيمِ فضلِ اللهِ وكبيرِ نِعَمهِ على خلْقهِ أَنَّهُ كما قال: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ (الشورى: ٤٩ - ٥٠). وَحُبُّ الذُّريَةِ مفْطورٌ في النَّفْسِ الإنْسانيةِ، وطلَبُها والسَّعْيُ إليْها ليسَ غريبًا على النَّفسِ الإنسانيةِ؛ لأنَّ المالَ والبنينَ زينةُ الحياةِ الدنيَا، كما قالَ اللهُ تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (٤٦)﴾ (الكهف: ٤٦). وإذا كانَ الإنسانُ يُحِبُّ أنْ يكونَ لهُ ذريةٌ فعبادُ اللهِ المؤمنونَ من طبيعتِهِم وصفاتِهِم أن يبْتَهِلوا إلى اللهِ أنْ يرزقَهُم أولادًا مؤمنينَ صالحينَ مهْديينَ إلى الإسلام، مُطيعينَ للهِ، يعملونَ الخيرَ، ويبتعدُونَ عنِ الشَّرِّ، تَقَرُّ بِهِمْ أعْيُنُهُم، وتُسَرُّ بِهِمْ نفوسُهُم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ (الفرقان: ٧٤). ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا﴾ أي: قرنائنا من أصحاب وأقران وزوجات، ﴿وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ أي: تقر بهم أعيننا. قُرَّة العَيْن: ما يصادف المرء به سرورًا فلا تطمح العين إلى ما سواه، يقال: هو قرَّة عين أمّه: سرورها وسكونها. قَالَ الضَّحَّاك: أَيْ مُطِيعِينَ لَك. وَفِيهِ جَوَاز الدُّعَاء بِالْوَلَدِ. وإذا استَقْرَأنا حاله وصفات عباد الرحمن عرفنا من هممهم وعلو مرتبتهم أنهم لا تقر أعينهم حتى يرَوْهم مطيعين لربهم عالمين عاملين وهذا كما أنه دعاء لأزواجهم وذرياتهم في صلاحهم فإنه دعاء لأنفسهم لأن نفعه يعود عليهم ولهذا جعلوا ذلك هبة

стр. 1149

لهم فقالوا: ﴿هَبْ لَنَا﴾ بل دعاؤهم يعود إلى نفع عموم المسلمين؛ لأن بصلاح مَن ذُكِرَ يكون سببًا لصلاح كثير ممن يتعلق بهم وينتفع بهم. وقد دعا النبي ﵌ لِأَنَسٍ: «اللهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ» (رواه البخاري ومسلم). وَالْإِنْسَان إِذَا بُورِكَ لَهُ فِي مَاله وَوَلَده قَرَّتْ عَيْنه بِأَهْلِهِ وَعِيَاله , حَتَّى إِذَا كَانَتْ عِنْده زَوْجَة اِجْتَمَعَتْ لَهُ فِيهَا أَمَانِيّه مِنْ جَمَال وَعِفَّة وَنَظَر وَحَوْطَة أَوْ كَانَتْ عِنْده ذُرِّيَّة مُحَافِظُونَ عَلَى الطَّاعَة , مُعَاوِنُونَ لَهُ عَلَى وَظَائِف الدِّين وَالدُّنْيَا , لَمْ يُلْتَفَت إِلَى زَوْج أَحَد وَلَا إِلَى وَلَده , فَتَسْكُن عَيْنه عَنْ الْمُلَاحَظَة , وَلَا تَمْتَدّ عَيْنه إِلَى مَا تَرَى؛ فَذَلِكَ حِين قَرَّتْ الْعَيْن , وَسُكُون النَّفْس. هل أنت مسئول عن البر أو التمرد؟ وكثيرٌ من الآباءِ والأمَّهاتِ يرجونَ برَّ أولادِهِم بِهِمْ واحترامِهِمْ لَهُمْ، وهذا واجبٌ على الأولادِ لِوالِديهِمْ، إلاَّ أنَّ كثيرًا من الآباءِ والأمَّهاتِ يشْكونَ منْ تمرُّدِ وانْحرافِ أبنائِهِم وفسادِ أخْلاقِهِمْ. ومهما كانتْ أسبابُ ذلك فإنَّ التَّبِعَةَ في الواقِعِ يَبُوءُ بها الآباءُ، فالطِّفلُ يولدُ على الفِطْرَةِ السَّليمَةِ والصَّفاءِ والنَّقاءِ، ولَكِنَّ المُجتَمَعَ هو الذي يُفْسِدُه، والبِيئةَ التي يعيشُ فيها هيَ الَّتِي تُلَوِّثُ فِطْرَتَهُ وتُفْسِدُ خُلُقَهُ ودينَهُ، ولا سِيَما أبَوَيهُ فَهُما سَببُ هلاكِهِ ودمارهِ، وسبَبُ فسادِهِ أو صلاحِهِ، وسبَبُ استقامَتِهِ أو اعْوِجاجِهِ، ففي الحديثِ الصَّحيحِ أنَّ رسولَ اللهِ ﵌ قَالَ: “ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ “ (رواه البخاري). ولِهذا جعلَ الإسلامُ من أعظمِ الواجباتِ على الآباءِ والأمَّهاتِ تِجاهَ أولادِهِمْ حسنَ تعَهُّدِهِم ورعايتِهِم، واعْتَبَرَ كلَّ مُفرِّطٍ في أداءِ هذا الواجِبِ ظالمًا لنفْسِهِ وولدِهِ ومُجْتَمَعِهِ وأُمَّتِهِ، فهلْ قُمْنا بواجِبِنا نحْو أبنائِنا؟!

стр. 1150

علينا قَبْلَ أن نلومَ أبناءَنا ونشكُوَ منَ انحِرافِهِم وفسادِ أخلاقِهِم أن نَسألَ أنْفُسَنا: هل تعهَّدناهُمْ ورعيْناهُمْ منذ صِغَرِهِمْ كما عَلَّمَنَا الإسلامُ؟! هل غرسْنا ورسَّخْنا الإيمانَ والعقيدةَ الصحيحةَ في نفوسِهِمْ؟! هل عوَّدْناهُمُ الصَّلاةَ وهم صغارٌ كما أمرنا رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» (رواه أبو داود، وصححه الألباني). (مُرُوا): أَمْر مِنْ الْأَمْر. (أَوْلَادكُمْ): يَشْمَل الذُّكُور وَالْإِنَاث. (بِالصَّلَاةِ): وَبِمَا يَتَعَلَّق بِهَا مِنْ الشُّرُوط (وَهُمْ أَبْنَاء سَبْع سِنِينَ): لِيَعْتَادُوا وَيَسْتَأْنِسُوا بِهَا، (وَاضْرِبُوهُمْ): أَيْ الْأَوْلَاد (عَلَيْهَا): أَيْ عَلَى تَرْك الصَّلَاة (وَهُمْ أَبْنَاء عَشْر سِنِينَ): لِأَنَّهُمْ بَلَغُوا أَوْ قَارَبُوا الْبُلُوغ (وَفَرِّقُوا بَيْنهمْ فِي الْمَضَاجِع): أَيْ فَرِّقُوا بَيْن أَوْلَادكُمْ فِي مَضَاجِعهمْ الَّتِي يَنَامُونَ فِيهَا إِذَا بَلَغُوا عَشْرًا حَذَرًا مِنْ غَوَائِل الشَّهْوَة وَإِنْ كُنَّ أَخَوَاته. هل ربَّيْناهُمْ على حُبِّ اللهِ ورسولِهِ ﵌؟! هل حرصْنا على تحفيظِهِمْ كتابَ اللهِ؟! هل شجَّعْناهُمْ على قِراءةِ السُّنَّةِ النَّبويةِ؟! هل صحِبْناهُم معنا إلى مجالسِ العلمِ والمحاضراتِ والنَّدواتِ التي تُعْقَدُ في المساجدِ وغيرِها؟! هل غرسْنا القِيَمَ الحميدَةَ والخِلالَ الكريمَةَ في نُفُوسِهِمْ وأدَّبْناهُمْ بِآدابِ الإسلامِ؟! هل خَصَّصْنا جُزْءًا من أوقاتِنا لأولادِنا وراقَبْنا تصرُّفاتِهِم في المنْزِلِ والشَّارعِ وتتبَّعْنا أحوالَهُمْ في المدارِسِ؟! هل نحنُ قُدوَةٌ صالِحةٌ لأبنائِنا؟! هل قمنا بتربية أبنائنا على الوجه الصحيح أم أننا تركناهم للشارع لكي يربِّيهِم على الأخلاق الدَّنِيئة والألفاظِ البذيئةِِ؟! أسئِلةٌ كثيرةٌ كثيرةٌ يجبُ أن يطرَحَها كلُّ واحدٍ منَّا على نفسِهِ، ويجيبَ عليها بصِدْقٍ. رُوِيَ أن قاضيًا حَكَمَ على سارقٍ بقطْعِ يدِهِ، فما أنْ لَفَظَ القاضي بالحُكْمِ حتى اهتَزَّتْ جَنَبَاتُ المَحْكَمَةِ بِصَوْتٍ يُجَلْجِلُ: اقْطَعُوا لِسانَ أُمِّي قَبْلَ أَنْ تقْطَعوا يَدِي، فلقد سَرَقْتُ في طفولتي بيضةً من جيراننا، فلم تُؤَنّبْنِي، وإنما هشَّتْ لي وبشَّتْ، مستحسنةً ما فعلتُ، إنني لولا لسانُ أمِّي الذي هَلَّلَ للجريمة في صغري لما كنتُ اليوم سارقًا تقطعُ يدُهُ.

стр. 1151

وهذا حال بعضنا اليوم مع أولادنا، نسكتُ عن خطيئاتهم الصغيرة، بل نضحك لهم ونشجعهم على الإساءاتِ. وعاتبَ بعضهم ولده على العقوق فقال: يا أبت، إنك عققتني صغيرًا فعققتك كبيرًا، وأضعتني وليدًا فأضعتُكَ شيخًا. لقد أهملنا رعايةَ أولادِنا في أول الطريق فساءت أخلاقُهُم في نهايته. وماذا كنا ننتظر غيرَ هذا وقد أضعنا أمرَ الله فيهمْ، وغفلنا عن إصلاحهم والعنايةِ بهم ووقايتهم؟! قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (التحريم: ٦). ولا أظن أن أحدا منا لا يخاف على أولاده من النار مثلما نخاف على أنفسنا منها، إننا نخافُ أن يتأذَّوا ولو بشوكة، فهل نقبل أن يتلظى أبناؤنا في النار؟! إذً فاحموهم من النار. إن مسؤوليتنا في تربيةِ أبنائِنا مسؤوليةٌ كاملةٌ، سنحاسب عليها أمام ربنا، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌، قَالَ: «أَلاَ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا، وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلاَ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (رواه البخاري ومسلم). دعاء الوالدين مستجابٌ: كثير من الآباء والأمهات بمجرد أن يَرَوْا من أبنائهم عقوقا أو تمردًا يَدْعُون عليهم بشتى المصائب، وما علموا أن دعاء الوالدين مستجابٌ، وربما وافق ساعة إجابةٍ، فتقع الدعوة موقعها، فيشقى الولدُ بعدها شقاءً عظيمًا. ولهذا حذر رَسُولُ اللهِ ﵌ من الدعاء على الأولاد فقَالَ: “ لا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلا تَدْعُوا عَلَى أَوْلادِكُمْ، وَلا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لا تُوَافِقُوا مِنْ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ “ (رواه مسلم)، وقَالَ ﵌: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ»

стр. 1152

وفي رواية: «وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ» (رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وحسنه الألباني). أيها الآباء، أيتها الأمهات، ما دامت دعوتكم مستجابة فلِمَ تحرمون أولادكم فضلَ دعوةٍ صالحةٍ تكون سببًا إن شاء الله تعالى في هدايتهم واستقامتهم؟! فأنبياءُ اللهِ ورسُلُهُ لم يغفلوا عن الدعاء والالتجاء إلى الله أن يهب لهم الذرية الصالحة، فهذا إبراهيم الخليل ﵇ قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (الصافات:١٠٠)، وقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ (إبراهيم:٤٠)، وهذا زكريا ﵇ دعا وقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (آل عمران: ٣٨)، وقال تعالى في صفات عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (الفرقان: ٧٤). فأَكْثِرُوا من الدُّعاء لأولادكم، واعلموا أن صلاحهم ينفعكم بعد موتكم؛ فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ سدد خطاكم أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ: صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ». (رواه الترمذي، وصححه الألباني). فخذوا بأسباب صلاح ذرياتكم بغرس محبة الله ومحبة رسوله ﵌ في قلوبهم، وبملء أوقات فراغهم بالمفيد، وبتشويقهم إلى الذهاب للمسجد صغارًا وحملهم عليه كبارًا. من الخطأ في تربية الأولاد: الدعاءُ عليهم: فكم من الوالدين ـ وخصوصًا الأمهات ـ من يدعو على أولاده، فتجد الأم - لأدنى سَبَبٍ - تدعو على ولدها البريء بالحُمَّى، أو أن يقتل بالرصاص، أو أن تدهسه سيارة، أو أن يصاب بالعمى أو الصمم، وتجد من الآباء من يدعو على أبنائه بمجرد أن

стр. 1153

يرى منهم عقوقًا أو تمردًا ربما كان هو السببَ فيه. وما علم الوالدان أن هذا الدعاء ربما وافق ساعة إجابة، فتقع الدعوة موقعها، فيندمان ولات ساعة مندم. ولا يجوز الدعاء على الولد، ولا لعْنُه، ولا سَبُّه، فقد قال ﵌: «لاَ تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلاَ تَدْعُوا عَلَى أَوْلاَدِكُمْ، وَلاَ تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ؛ لاَ تُوَافِقُوا مِنَ اللهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ» (رواه مسلم). ولفظ أبي داود: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى خَدَمِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللهِ ﵎ سَاعَةَ نَيْلٍ فِيهَا عَطَاءٌ، فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ» (صححه الألباني). (لَا تَدْعُوا) أَيْ دُعَاء سُوءٍ (عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أَيْ بِالْهَلَاكِ وَمِثْلِهِ (وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ) أَيْ بِالْعَمَى وَنَحْوِهِ (وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ) أَيْ مِنَ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ بِالْمَوْتِ وَغَيْرِهِ (لَا تُوَافِقُوا) نَهْيٌ لِلدَّاعِي وَعِلَّةُ النَّهْيِ أَيْ لَا تَدْعُوا عَلَى مَنْ ذُكِرَ لِئَلَّا تُوَافِقُوا (مِنَ اللَّهِ سَاعَةَ نَيْلٍ) أَيْ عَطَاءٍ (فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ) أَيْ لِئَلَّا تُصَادِفُوا سَاعَةَ إِجَابَةٍ وَنَيْلٍ فَتُسْتَجَابَ دَعَوْتُكُمُ السُّوءُ. جاء رجل يشكو إلى سعيد بن المسيب فساد ولده، فقال له سعيد بن المسيب: «علّك دعوتَ عليه»، قال: «نعم»، قال: «أنت أفسدته بالدعوة عليه». (علك: لعلك). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ في شرحه لهذا الحديث من رياض الصالحين: «وهذا يقع كثيرًا عند الغضب، إذا غضب الإنسان ربما يدعو على نفسه وربما يدعو على ولده، ويقول - مثلًا -: «قاتلك الله، أو جزاك الله بسوء»، وما أشبه ذلك حتى إن بعضهم يدعوا على ولده باللعنة؛ نسأل الله العافية، وكذلك نجد بعض الناس يدعو على أهله , يدعو على زوجته , يدعو على أخته بل ربما دعا على أمه، والعياذ بالله، مع الغضب وكذلك يدعو على ماله يقول - مثلًا - على سيارة: «يكثر عطلها، الله لا يبارك

стр. 1154

في هذه السيارة، هذه الدار، هذا الفراش، وما أشبه ذلك، كل ذلك نهى النبي ﵌ أن ندعو عليها؛ لأنه ربما يصادف ساعة إجابة، فإذا صادف ساعة إجابة فإنه يستجاب. لو قلت مثلًا لولدك: «تعال، قاتلك الله؛ لماذا فعلت كذا وكذا , الله لا يوفقك، الله لا يربحك، الله لا يصلحك»، كل هذا حرام لا يجوز؛ لأنه ربما يصادف ساعة إجابة. كذلك المال: المال الذي يتعسر عليك، السيارة، أو الشغل في البيت أو غير ذلك لا تدعوا عليه، لا تقل: «الله لا يبارك في كذا». لكن قل: «اللهم يَسِّرْ الأمر، اللهم سَهِّلْ» حتى يحصل التسهيل والتيسير. قصص واقعية لنقارن بين دعاء الخير ودعاء الشر: ١ - شاب لم يوفق بسبب دعوة والده عليه: شابٌ في زمن ليس ببعيد، كان يرعى الغنم لأبيه، ورأى تهافتَ الشباب على السفر والانخراط في السلك العسكري، فطلب من أبيه أن يسمح له ليذهب معهم، فرفض الوالدُ ذلك، حاول مرارًا فلم يأذن له، قال الشاب: «سأذهب أذِنْتَ أم لم تأذن»، قال: «أما القوة فما لي عليك من قوة، لكن مالي عليك إلا سلاح أوجهه في وقت السحر»، وجاء يوم من الأيام وترك هذا الشاب غنمه مع أحد أقرانه، وذهب إلى إحدى قريباته فزوَّدَتْه بما يحتاجه المسافر وذهب إلى سفره. وعلم الأب - وكان صالحًا تقيًا - بسفره بدون إذنه، فرفع يديه إلى الحي القيوم وسأل الله أن يُرِيَه فيه ما يكره، فعَمِيَ الولدُ وهو في الطريق، واستقبله بعض أفراد قبيلته في الطائف، وسألوه: «ماذا تريد؟»، قال: «كنت أريد الوظيفة أما الآن فأعمى لا يقبل مثلي في الوظيفة»، أخذوه وجاءوا به إلى أبيه، وعندما دخل عليه البيت وهو في الليل - ووالده قليل البصر وهذا الشاب أعمى- فقال أبوه: «أفلان أنت؟»، قال: «نعم». قال: «هل وجدت السهم؟». قال: «نعم والله».

стр. 1155

لكن الأب الحنون حزن حزنًا عظيمًا، وتأثر تأثرًا كبيرًا، وكان يود لو كانت في غير عينيه، وقام ليلته يبكي ويَئِنّ يركع ويسجد ويلحس بلسانه عين ولده ويدعو الله ، والله قريب مجيب، فما قام لصلاة الفجر حتى عاد لولده البصر، فحمد الله كثيرًا. هذه القصة ذكرها الشيخ علي القرني في أحد دروسه وقال في نهايتها: «وهو معروف عند بعضكم أيها الجالسون، قد يكون هنا مَن يعلم الشخص الذي حصلَتْ له الدعوة والذي كانت منه الدعوة». ٢ - ذُكِر أن شابًا اسمه مُنازِل كان مُكبًّا على اللهو واللعب لا يفيق عنه، وكان له والدٌ صاحب دِينٍ، كثيرًا ما يعظ هذا الابن ويقول له: «يا بني، احذر هفوات الشباب وعثراته، فإن لله سطوات ونقمات ما هي من الظالمين ببعيد»، وكان إذا ألَحّ عليه زاد في العقوق. ولما كان يوم من الأيام ألَحّ على ابنه بالنصح على عادته، فمدّ الولد يده على أبيه، فحلف الأب بالله مجتهدًا ليأتينّ بيت الله الحرام ويدعو على ولده، فخرج حتى انتهى إلى البيت الحرام وأنشأ يقول: يا مَن إليهِ أتَى الحجّاجُ قد قطعُوا ... عَرضَ المَهامِهِ مِن قُربٍ ومِن بُعْد إنِّي أتَيْتُكَ يا مَن لا يُخيِّبُ مَن ... يَدْعُوهُ مبتهلًا بالواحد الصمَد هذا مُنازِلُ لا يرتدُّ من عَقَقِي ... فخذ بحقّيَ يا رحمن من ولدي وشُلَّ مِنْهُ بحَوْلٍ مِنْكَ جانِبهُ ... يا مَن تَقَدَّس لم يُولَد ولم يَلِد (المهَامِه: جمع مهمهة، وهي المفازة البعيدة). فما أنزل الأب يدَيْه إلا وقد شَلَّ اللهُ نصفَ جسدِ هذا الابن العاق، وأصبح مشلولًا إلى أن مات، نعوذ بالله من العقوق.

стр. 1156

٣ - تقول هذه المرأة المكلومة: عزمنا على السفر إلى مدينة الرياض وعند ركوب السيارة جرى خلاف بينها وبين أحد أبنائها حول لبس الشماغ، حيث طلبت منه إحضاره فرفض فكانت المشادة بينهما وانتهت بدعائها عليه بقولها: «اذهب لا رَدَّك الله» تقول هذه الأم الحزينة: «وسافرنا إلى الرياض وكانت المصيبة في أحد الشوارع في الرياض حيث كنت أسير معه فإذا بسيارة تتجه نحوه وتصدمه، فيسقط يصارع الموت ولم يلبثْ سوى ساعات ثم يموت، وأعود إلى بلدي بعد هذا السفر بدونه»، هكذا كانت النهاية الأليمة؛ أستجاب الله دعاءها وذهب ابنها. ٤ - تذْكُر إحدى الأمهات أنه في أحد الأيام، وقبل أذان المغرب بقليل أراد أحد أبنائها السفر فحاولت أن يؤجله إلى الغد ليكون سفره نهارًا، ولكن الولد أصَرَّ على السفر، وبالفعل سافر، تقول والدته: «لقد قلقتُ عليه أشد القلق، فما كان مني إلا أن فزعْتُ إلى الصلاة وذلك في الساعة الثامنة مساءً، وتضرعْتُ إلى الله وسألْتُه أنْ يحفظ ابني، وقدَّمْتُ مبلغًا يسيرًا صدقة لوجه الله. وما هي إلا ساعات، ويتصل ابني بالهاتف يُطَمْئِنُنِي على وصوله سالمًا، وقال لي: «هل دعوْتِ اللهَ لي؟»، فسألْتُه: «لماذا تسأل؟»، قال: «في الساعة الثامنة تقريبًا، وبينما أنا أسير بسيارتي مسرعًا، وإذ بي أرى زجاج السيارة الأمامي، وقد أصبح عليه ظل أسود جعلني لا أرى أمامي فأصابني الخوف فحاولت إيقاف السيارة، وإذا بها واقفة فوضعت رأسي على مقود السيارة لحظات، ولما رفعت رأسي إذْ بالذي كان أمامي قد ذهب، ويبدو لي والله أعلم أنه كان جملًا، وبعد هذا الموقف سارت السيارة، ولم أصَبْ بأذى ولله الحمد». وما كان ذلك إلا بفضل الله، ثم بفضل وبركة دعاء والدته.

стр. 1157

٧٩ - سلامة الصدر (١) القلب السليم: قد علق الله النجاة والفوز يوم القيامة بسلامة القلوب بقوله تعالى: ﴿ ... يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء: (٨٨) – (٨٩))، والقلب السليم هو القلب السالم من الشرك وغيره من محبطات الأعمال، والسالم من سيِّءِ الأخلاق كالغِلّ والحسد والبغضاء والحقد، وهو الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه ومن كل شبهة تعارض خبره. والقلب السليم المحمود هو الذي يريد الخير لا الشر، وكمال ذلك بأن يعرف الخير والشر، فأما من لا يعرف الشر فذاك نقص فيه لا يمدح به. وسئل ابن سيرين ﵀: «ما القلب السليم؟»، فقال: «الناصح لله في خلقه». وصاحب القلب السليم عنده من اليقين والنور ما يهتدي به إلى المطالب العالية. أقصر طرق الجنة: قال قاسم الجُوعي ﵀: أصل الدين الورع، وأفضل العبادة مكابدة الليل، وأقصر طرق الجنة سلامة الصدر». وعن سفيان بن دينار قال: «قلت لأبي بشير - وكان من أصحاب علي سدد خطاكم -: «أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟»، قال: «كانوا يعملون يسيرًا ويُؤْجَرُون كثيرًا». قلت: ولِمَ ذاك؟ قال: «لسلامة صدورهم».

стр. 1158

وعن زيد بن أسلم قال: «دُخِل على أبي دجانة سدد خطاكم وهو مريض، وكان وجهه يتهلل، فقيل له: «ما لِوجهكَ يتهلل؟»، فقال: «ما من عملي شيء أوثق عندي من اثنتين. أما إحداهما: فكنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، وأما الأخرى فكان قلبي للمسلمين سليمًا». سليم القلب من أفضل الناس: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو بن العاص ﵄ قَالَ: «قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﵌: «أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟» قَالَ: «كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ». قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ؛ فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: «هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ لَا إِثْمَ فِيهِ وَلَا بَغْيَ وَلَا غِلَّ وَلَا حَسَدَ» (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) (١).

стр. 1159

يُقَالُ رَجُلٌ مَخْمُومُ الْقَلْبِ إِذَا كَانَ نَقِيَّ الْقَلْبِ مِنَ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ، هُوَ مِنْ خَمَمْتُ الْبَيْتَ إِذَا كَنَسْتُهُ وَنَظَّفْتُهُ. فَالْمَعْنَى أَنْ يَكُونَ قَلْبُهُ مَكْنُوسًا وَمُنَظَّفًا مِنْ أَخْلَاقِ الْأَقْذَارِ. (صَدُوقِ اللِّسَانِ): أَيْ: مُبَالِغٍ لِلصِّدْقِ فِي لِسَانِهِ، فَيَحْصُلُ بِهِ الْمُطَابَقَةُ بَيْنَ تَحْسِينِ لِسَانِهِ وَبَيَانِهِ، فَيَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُنَافِيًا أَوْ مُرَائِيًا مُخَالِفًا، (النَّقِيُّ) أَيْ: نَقِيُّ الْقَلْبِ، وَطَاهِرُ الْبَاطِنِ، (لَا إِثْمَ فيه): فَإِنَّهُ مَحْفُوظٌ، وَبِالْغُفْرَانِ مَحْظُوظٌ، (وَلَا بَغْيَ) أَيْ: لَا ظُلْمَ لَهُ، (وَلَا غِلَّ) أَيْ: لَا حِقْدَ، (وَلَا حَسَدَ) أَيْ: لَا تَمَنِّيَ زَوَالِ نِعْمَةِ الْغَيْرِ مِنْ بَابِ التَّخْصِيصِ وَالتَّعْمِيمِ عَلَى سَبِيلِ التَّكْمِيلِ وَالتَّعْمِيمِ، لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ اخْتِصَاصُ الْإِثْمِ بِحَقِّ اللَّهِ، فَصَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا مُطَالَبَةَ عَلَيْهِ لَا مِنَ الْخَلْقِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الْخَالِقِ. وما أحوجنا لمثل هذا النقي في مثل هذا الزمن الذي اتصف بكثرة الخلاف والنزاع والفرقة، فامتلأت النفوس وأوغِرَتْ الصدور، فلا تسمع إلا كلمات التنقص، والازدراء، وسوء الظن، والدخول في النيات والمقاصد! فما هي النتيجة؟! إن خُوطِبُوا كذَبُوا أو طُولِبُوا غضبُوا ... أو حُورِبُوا هربُوا أو صُوحِبُوا غدرُوا على أرائِكِهِمْ سُبْحانَ خالِقِهِم عاشُوا ... وما شَعَرُوا مَاتُوا وما قُبِرُوا!

стр. 1160

ما أحوجنا لمثل هذا النقي. فالأنقياء لا يعرفون الانتقام ولا التشفي، ويتجاوزون عن الهفوات والأخطاء. الأنقياء: يتثبتون ولا يتسرعون. الأنقياء: سليمة قلوبهم نقية صدورهم. الأنقياء: يحبون العفو والصفح وإن كان الحق معهم. الأنقياء: ألسنتهم نظيفة فلا يسبون ولا يشتمون. الأنقياء: صفاء في السريرة ونقاء في السيرة. دعاؤهم: اللهم قنا شح أنفسنا، اللهم قنا شح أنفسنا، ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ (الحشر: ٩). لماذا الحديث عن الأنقياء؟ ولماذا الحديث عن سلامة الصدر؟ لقد خُلِقْنا لعبادة الله ومرضاته، وطلبًا لجنات الفردوس، فلا يجوز لمن كان هذا هو هدفه ومقصده من هذه الدنيا أن يغفل عن قلبه؛ فيطلق لهذه المضغة العنان في البغضاء والشحناء، والحَمْل على الآخرين والانتقام والتَشَفّي. سلامة الصدر وتنقية القلب مطلب عزيز: اعلم أن سلامة الصدر وتنقية القلب مطلب عزيز، والحرص عليه واجب، وبذل الأسباب إليه وسلوك طريقه مُتَعَيَّن، ولكن لا تنس أن الناس بشر وأن النفس ضعيفة، فلا بد من الخطأ ولا بد للنفس أن تتأثر، فتنبه لهذا وعامل الآخرين بحسبه. ولهذا يقول سعيد بن المسيب ﵀: «إنه ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه، ومن كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله». سامِحْ أخاكَ إذا خلطْ ... مِنه الإصابةُ والغلطْ وتجافَ عن تعنِيفِهِ ... إنْ زاغَ يومًا أو قَسَطْ
следующие страницы →