← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36157

دليل الواعظ إلى أدلة المواعظ

شحاتة صقر

Полный текст (1 425 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

٣ - تقول هذه المرأة المكلومة: عزمنا على السفر إلى مدينة الرياض وعند ركوب السيارة جرى خلاف بينها وبين أحد أبنائها حول لبس الشماغ، حيث طلبت منه إحضاره فرفض فكانت المشادة بينهما وانتهت بدعائها عليه بقولها: «اذهب لا رَدَّك الله» تقول هذه الأم الحزينة: «وسافرنا إلى الرياض وكانت المصيبة في أحد الشوارع في الرياض حيث كنت أسير معه فإذا بسيارة تتجه نحوه وتصدمه، فيسقط يصارع الموت ولم يلبثْ سوى ساعات ثم يموت، وأعود إلى بلدي بعد هذا السفر بدونه»، هكذا كانت النهاية الأليمة؛ أستجاب الله دعاءها وذهب ابنها. ٤ - تذْكُر إحدى الأمهات أنه في أحد الأيام، وقبل أذان المغرب بقليل أراد أحد أبنائها السفر فحاولت أن يؤجله إلى الغد ليكون سفره نهارًا، ولكن الولد أصَرَّ على السفر، وبالفعل سافر، تقول والدته: «لقد قلقتُ عليه أشد القلق، فما كان مني إلا أن فزعْتُ إلى الصلاة وذلك في الساعة الثامنة مساءً، وتضرعْتُ إلى الله وسألْتُه أنْ يحفظ ابني، وقدَّمْتُ مبلغًا يسيرًا صدقة لوجه الله. وما هي إلا ساعات، ويتصل ابني بالهاتف يُطَمْئِنُنِي على وصوله سالمًا، وقال لي: «هل دعوْتِ اللهَ لي؟»، فسألْتُه: «لماذا تسأل؟»، قال: «في الساعة الثامنة تقريبًا، وبينما أنا أسير بسيارتي مسرعًا، وإذ بي أرى زجاج السيارة الأمامي، وقد أصبح عليه ظل أسود جعلني لا أرى أمامي فأصابني الخوف فحاولت إيقاف السيارة، وإذا بها واقفة فوضعت رأسي على مقود السيارة لحظات، ولما رفعت رأسي إذْ بالذي كان أمامي قد ذهب، ويبدو لي والله أعلم أنه كان جملًا، وبعد هذا الموقف سارت السيارة، ولم أصَبْ بأذى ولله الحمد». وما كان ذلك إلا بفضل الله، ثم بفضل وبركة دعاء والدته.

стр. 1157

٧٩ - سلامة الصدر (١) القلب السليم: قد علق الله النجاة والفوز يوم القيامة بسلامة القلوب بقوله تعالى: ﴿ ... يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء: (٨٨) – (٨٩))، والقلب السليم هو القلب السالم من الشرك وغيره من محبطات الأعمال، والسالم من سيِّءِ الأخلاق كالغِلّ والحسد والبغضاء والحقد، وهو الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه ومن كل شبهة تعارض خبره. والقلب السليم المحمود هو الذي يريد الخير لا الشر، وكمال ذلك بأن يعرف الخير والشر، فأما من لا يعرف الشر فذاك نقص فيه لا يمدح به. وسئل ابن سيرين ﵀: «ما القلب السليم؟»، فقال: «الناصح لله في خلقه». وصاحب القلب السليم عنده من اليقين والنور ما يهتدي به إلى المطالب العالية. أقصر طرق الجنة: قال قاسم الجُوعي ﵀: أصل الدين الورع، وأفضل العبادة مكابدة الليل، وأقصر طرق الجنة سلامة الصدر». وعن سفيان بن دينار قال: «قلت لأبي بشير - وكان من أصحاب علي سدد خطاكم -: «أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟»، قال: «كانوا يعملون يسيرًا ويُؤْجَرُون كثيرًا». قلت: ولِمَ ذاك؟ قال: «لسلامة صدورهم».

стр. 1158

وعن زيد بن أسلم قال: «دُخِل على أبي دجانة سدد خطاكم وهو مريض، وكان وجهه يتهلل، فقيل له: «ما لِوجهكَ يتهلل؟»، فقال: «ما من عملي شيء أوثق عندي من اثنتين. أما إحداهما: فكنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، وأما الأخرى فكان قلبي للمسلمين سليمًا». سليم القلب من أفضل الناس: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو بن العاص ﵄ قَالَ: «قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﵌: «أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟» قَالَ: «كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ». قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ؛ فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: «هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ لَا إِثْمَ فِيهِ وَلَا بَغْيَ وَلَا غِلَّ وَلَا حَسَدَ» (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) (١).

стр. 1159

يُقَالُ رَجُلٌ مَخْمُومُ الْقَلْبِ إِذَا كَانَ نَقِيَّ الْقَلْبِ مِنَ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ، هُوَ مِنْ خَمَمْتُ الْبَيْتَ إِذَا كَنَسْتُهُ وَنَظَّفْتُهُ. فَالْمَعْنَى أَنْ يَكُونَ قَلْبُهُ مَكْنُوسًا وَمُنَظَّفًا مِنْ أَخْلَاقِ الْأَقْذَارِ. (صَدُوقِ اللِّسَانِ): أَيْ: مُبَالِغٍ لِلصِّدْقِ فِي لِسَانِهِ، فَيَحْصُلُ بِهِ الْمُطَابَقَةُ بَيْنَ تَحْسِينِ لِسَانِهِ وَبَيَانِهِ، فَيَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُنَافِيًا أَوْ مُرَائِيًا مُخَالِفًا، (النَّقِيُّ) أَيْ: نَقِيُّ الْقَلْبِ، وَطَاهِرُ الْبَاطِنِ، (لَا إِثْمَ فيه): فَإِنَّهُ مَحْفُوظٌ، وَبِالْغُفْرَانِ مَحْظُوظٌ، (وَلَا بَغْيَ) أَيْ: لَا ظُلْمَ لَهُ، (وَلَا غِلَّ) أَيْ: لَا حِقْدَ، (وَلَا حَسَدَ) أَيْ: لَا تَمَنِّيَ زَوَالِ نِعْمَةِ الْغَيْرِ مِنْ بَابِ التَّخْصِيصِ وَالتَّعْمِيمِ عَلَى سَبِيلِ التَّكْمِيلِ وَالتَّعْمِيمِ، لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ اخْتِصَاصُ الْإِثْمِ بِحَقِّ اللَّهِ، فَصَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا مُطَالَبَةَ عَلَيْهِ لَا مِنَ الْخَلْقِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الْخَالِقِ. وما أحوجنا لمثل هذا النقي في مثل هذا الزمن الذي اتصف بكثرة الخلاف والنزاع والفرقة، فامتلأت النفوس وأوغِرَتْ الصدور، فلا تسمع إلا كلمات التنقص، والازدراء، وسوء الظن، والدخول في النيات والمقاصد! فما هي النتيجة؟! إن خُوطِبُوا كذَبُوا أو طُولِبُوا غضبُوا ... أو حُورِبُوا هربُوا أو صُوحِبُوا غدرُوا على أرائِكِهِمْ سُبْحانَ خالِقِهِم عاشُوا ... وما شَعَرُوا مَاتُوا وما قُبِرُوا!

стр. 1160

ما أحوجنا لمثل هذا النقي. فالأنقياء لا يعرفون الانتقام ولا التشفي، ويتجاوزون عن الهفوات والأخطاء. الأنقياء: يتثبتون ولا يتسرعون. الأنقياء: سليمة قلوبهم نقية صدورهم. الأنقياء: يحبون العفو والصفح وإن كان الحق معهم. الأنقياء: ألسنتهم نظيفة فلا يسبون ولا يشتمون. الأنقياء: صفاء في السريرة ونقاء في السيرة. دعاؤهم: اللهم قنا شح أنفسنا، اللهم قنا شح أنفسنا، ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ (الحشر: ٩). لماذا الحديث عن الأنقياء؟ ولماذا الحديث عن سلامة الصدر؟ لقد خُلِقْنا لعبادة الله ومرضاته، وطلبًا لجنات الفردوس، فلا يجوز لمن كان هذا هو هدفه ومقصده من هذه الدنيا أن يغفل عن قلبه؛ فيطلق لهذه المضغة العنان في البغضاء والشحناء، والحَمْل على الآخرين والانتقام والتَشَفّي. سلامة الصدر وتنقية القلب مطلب عزيز: اعلم أن سلامة الصدر وتنقية القلب مطلب عزيز، والحرص عليه واجب، وبذل الأسباب إليه وسلوك طريقه مُتَعَيَّن، ولكن لا تنس أن الناس بشر وأن النفس ضعيفة، فلا بد من الخطأ ولا بد للنفس أن تتأثر، فتنبه لهذا وعامل الآخرين بحسبه. ولهذا يقول سعيد بن المسيب ﵀: «إنه ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه، ومن كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله». سامِحْ أخاكَ إذا خلطْ ... مِنه الإصابةُ والغلطْ وتجافَ عن تعنِيفِهِ ... إنْ زاغَ يومًا أو قَسَطْ

стр. 1161

واحفَظْ صنِيعَكَ عندَهُ ... شَكَرَ الصّنيعةَ أو غمَطْ وأطِعْهُ إن عاصَى وهُنْ ... إن عَزّ وادْنُ إذا شمَطْ واقْضِ الوفاءَ ولو أخَلّ ... بِمَا اشترطْتَ وما اشْتَرَطْ واعلمْ بأنّكَ إنْ طلبْتَ ... مُهَذَّبًا رُمْتَ الشطَطْ مَن الذي ما سَاءَ قَطْ؟ ... ومَن له الحُسنَى فَقَطْ؟ الحذر من الأعداء: الحيطة والحذر لا تنافي سلامة القلب والأخذ بالظاهر، فإن هناك من الناس من يَسْتَدْرِج الناس ويستغْفِلُهم ويُلَبِّسُ عليهم، فعليك أن تكون فطِنًا متنبهًا، فالله يقول للمؤمنين: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (النساء:٧١)، ويقول : ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ (الروم: ٦٠). القرآن يدعوك: إن قرآننا هو كلام ربنا، ودستور حياتنا، ومنبع صفائنا، وميزاننا الذي نحتكم إليه عند خلافنا، بل وفي كل حياتنا وأمورنا. إن القرآن يدعونا جميعًا، وفي أكثر من سورة وأكثر من آية لمثل هذا الموضوع، فالقرآن يدعوك لبراءة القلب من الغل للذين آمنوا: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الحشر:١٠). والقرآن يدعوك فيقول: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف:١٩٩). والقرآن يدعوك فيقول: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (البقرة: ١٠٩). والقرآن يدعوك فيقول: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾ (المائدة: ١٣). والقرآن يدعوك فيقول: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (التغابن:

стр. 1162

١٤). والقرآن يدعوك فيقول: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) (الحجر: ٨٥). والقرآن يدعوك فيقول: ﴿ ... قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)﴾ (البقرة: ٢٦٣). والقرآن يدعوك فيقول: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ (آل عمران: ١٣٤). والقرآن يدعوك فيقول: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ (الشعراء: ٨٨ - ٨٩). وأخيرًا! القرآن - يا أخي الحبيب – القرآن يدعوك فيقول: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾ (النور: ٢٢)؟ «بَلَى وَاللهِ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي»، قالها أبو بكر الصديق سدد خطاكم مع سخاء نفسه وسلامة صدره ونصحه للأمة، فماذا نقول نحن وهذه حالنا مع قلوبنا؟! قالت عائشة ﵂ في أثناء حديثها عن حادثة الإفك: « ... فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)﴾ الْعَشْرَ الْآيَاتِ كُلَّهَا، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ هَذَا فِي بَرَاءَتِي، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ سدد خطاكم - وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ -: «وَاللهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ». فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: «بَلَى وَاللهِ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي»، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَقَالَ: «وَاللهِ لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا» (رواه البخاري). وعن أنس بن مالك في قول الله ﵎: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا

стр. 1163

الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ (فصلت: ٣٤ - ٣٥)، قال: «الرجل يشتمه أخوه فيقول: «إن كنتَ صادقًا فغفر اللهُ لي، وإن كنتَ كاذبًا فغفر اللهُ لك». أخي الحبيب: هلا وقفت مع هذه الآيات وتدبرتها جيدًا؟! إن القرآن يدعوك! ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ (محمد: ٢٤)؟! هل استمعت جيدًا لهذه الآيات؟! تدبَّرْها وقِفْ معها طويلًا! كم من المشاجرات والخصومات تقع بيننا وبين الناس؟ وإذا رجعنا للقرآن وجدنا هذه الآيات تحدونا إلى العفو والصفح عن المؤمنين وعن الناس ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾ (الشورى: ٤٠)! تدبر قوله تعالى: ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾! فما أعظم هذا الأجر، فهو من مالك الملك ، فلم تحرم نفسك هذا الأجر؟! صور مشرقة في عالم الصفاء والنقاء: الصورة الأولى: هذا نبينا ﵌ لقي من الأذى مالا تطيقه الجبال ومع هذا كان أسلم الناس صدرًا وأكثرهم عفوا فعن أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﵌: «يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟»، فَقَالَ: «لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ، وَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلاَلٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إلاَّ بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ. فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي. فَقَالَ: «إنَّ اللهَ – قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ». قَالَ: «فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ. ثُمَّ قَالَ: «يَا مُحَمَّدُ، إنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ. فَمَا شِئْتَ؟ إنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ؟».

стр. 1164

فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» (رواه البخاري ومسلم) (١). (مَا لَقِيتُ) أي لقِيتُ الكثير منَ الأذَى. (يَوْمَ الْعَقَبَة) أي كان ما لاقاه عندها وقيل المراد بالعقبة جمرة العقبة التي بمنى وقيل مكان مخصوص في الطائف ولعل هذا أوْلى. (عَلَى وَجْهِي) باتجاه الجهة المواجهة لي. (فَلَمْ أَسْتَفِقْ إلا بقرن الثعالب) أي لم أَتَنَبَّهْ لِحَالِي وَلِلْمَوْضِعِ الَّذِي أَنَا ذَاهِبٌ إِلَيْهِ وَفِيهِ إِلَّا وَأَنَا عِنْدَ قَرْنِ الثَّعَالِبِ لِكَثْرَةِ هَمِّي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ. وقَرْنُ الثَّعَالِبِ هُوَ قَرْنُ الْمَنَازِلِ، وَهُوَ مِيقَاتُ أَهْلِ نَجْدٍ، وَهُوَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ، وَأَصْلُ الْقَرْنِ كُلُّ جَبَلٍ صَغِيرٍ يَنْقَطِعُ مِنْ جَبَلٍ كَبِيرٍ. (الْأَخْشَبَيْنِ) هُمَا جَبَلَا مَكَّةَ أَبُو قُبَيْسٍ وَالْجَبَلُ الَّذِي يُقَابِلُهُ، سُمِّيَا بذلك لصَلَابَتِهِما وغِلَظِ حِجَارَتِهِمَا. الصورة الثانية: يوسف ﵇ فَعَلَ إخوتُه فيه ما حكاه الله تعالى لنا، فلما أمكن منهم ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (يوسف: ٩٢). ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ أي: لا أثرب عليكم ولا ألومكم ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ فسمح لهم سماحًا تامًّا، من غير تعيير لهم على ذكر الذنب

стр. 1165

السابق، ودعا لهم بالمغفرة والرحمة، وهذا نهاية الإحسان، الذي لا يتأتى إلا من خواص الخلق وخيار المصطفين. الصورة الثالثة: سلمان الفارسي سدد خطاكم لما شُتِمَ قال: «إن خَفَّتْ موازيني فأنا شر مما تقول، وإن ثَقُلَتْ موازيني لم يَضُرّني ما تقول». فقد كان همه مصروفًا إلى الآخرة فلم يتأثر قلبه بالشتم. الصورة الرابعة: انشغال قلب الحاقد بما لا ينفع: قال رجل لعمرو بن العاص سدد خطاكم: «والله لأتفرغن لك!»، يعني بالكيد والتشفي والانتقام وغير ذلك، فماذا كان رد عمرو؟! فقال عمرو بن العاص سدد خطاكم بذكائه وعقله: «إذن تقع في الشغل، إذن تقع في الشغل!». نعم. إن الذي يتفرغ لِيَنَالَ من الناس ويشتم الناس لا يكون فارغًا أبدًا، إنما تشغله نفسه وحقده بالناس، فيضيع عمره فيما لا ينفع، ولا شك أن قول عمرو هو الصواب ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة: ٢٦٩). كم نحب أن نسمع مثل هذه الكلمات لمن وقع بينه وبين أحد خصومة أو من هدده وتوعده، (إذن تقع في الشغل)؛ لأن القلب الذي امتلأ بالحسد والانتقام من الناس، وتتبع زلاتهم والتشفي منهم، قلب مشغول دائمًا، أما القلب السليم الذي امتلأ بسلامة الصدر وحب الناس وجمع القلوب فهو لا يفكر إلا فيما ينفعه: كطلب علم أو عمل خير ونحوهما، أما أعراض الناس فهو بريء منها؛ لأنه عاهد الله أن يترك مثل ذلك. الصورة الخامسة: تواضع جمّ: في سيرة سالم بن عبد الله بن عمر ﵃ أن رجلًا زاحمه في مِنًى - وأنتم تعلمون حال الناس في مِنًى كيف يكون؟ وكيف تبلغ النفوس مبلغها في مثل هذه المواقف نظرًا للزحام الشديد؟ - فالتفت الرجل إلى سالم - وسالم هذا علّامة التابعين سدد خطاكم، فقال

стр. 1166

الرجل لسالم: «إنني لأظنك رجل سوء»، فبماذا أجاب سالم سدد خطاكم؟! قال كلمتين: «ما عرفني إلا أنت!». وإذَا تَشَاجَرَ في فؤادِكَ مَرَّةً ... أمْرانِ فاعْمِدْ للأعَفِّ الأجْمَل وإذَا هَمَمْتَ بِأمْرِ سُوءٍ فاتَّئِدْ ... وإذَا همَمْتَ بأمرِ خَيرٍ فافْعَلِ! الصورة السادسة: أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم؟ قال أبو داود: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: “ أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ أَبِي ضَيْغَمٍ أَوْ ضَمْضَمٍ - شَكَّ ابْنُ عُبَيْدٍ -، كَانَ إِذَا أَصْبَحَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِعِرْضِي عَلَى عِبَادِكَ» (رواه أبو داود، وصححه الألباني). (اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِعِرْضِي عَلَى عِبَادِكَ) أَيْ فَلَوِ انْتَقَصَ أَحَدٌ مِنْهُمْ مِنْ عِرْضِي فَلَيْسَ لِي عَلَيْهِ مِنْ دَعْوَى الِانْتِصَارِ، وفي هذا الجود من سلامة الصدر وراحة القلب والتخلص من معاداة الخلق ما فيه. الصورة السابعة: استطالَ رجلٌ علَى عَلِيّ بنِ الحُسَيْن، فتغافَلَ عنه، فقال له الرجل: «إياك أعْنِي»، فقال له عليّ: «وعَنْك أغْضِي». الصورة الثامنة: قال أبو وهب: جاء رجل إلى الشعبي فشتمه في ملأ من الناس فقال الشعبي: «إن كنت صادقًا فغفر الله لي، وإن كنت كاذبًا فغفر الله لك». الصورة التاسعة: شُتم الربيع بن خثيم فقال: «يا هذا قد سمع الله كلامك، وإن دون الجنة عقبة إن قطعْتُها لم يضرني ما تقول، وإن لم أقطعها فأنا شَرٌّ مما تقول». الصورة العاشرة: ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله: الإمام البخاري محمد بن إسماعيل، صاحب الصحيح ﵀، كان كثير من أصحابه يقولون له: «إن بعض الناس يقع فيك!». - لو قيلت هذه الكلمة لأحدنا ماذا

стр. 1167

سيقول؟ ربما يبادر ويقول مباشرةً: ماذا يقولون؟! ومتى؟! ومن هم؟! أما الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- لما قيلت له هذه الكلمة: «إن بعض الناس يقع فيك»، قال: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ (النساء: ٧٦)، ويتلو أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ (فاطر: ٤٣). الصورة الحادية عشرة: هذا شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية ﵀ يقول في رسالته التي أرسلها لتلاميذه من السجن معلمًا ومُرَبّيًا لهم: «لا أحب أن ينتصر من أحد بسبب كذبه عليَّ أو ظلمه وعدوانه؛ فإني قد أحلَلْتُ كل مسلم، وأنا أحب الخير لكل المسلمين وأريد بكل مؤمن من الخير ما أحبه لنفسي، والذين كذبوا وظلموا فهُمْ في حِلٍ مِن جهتي».

стр. 1168

٨١ - من أسباب غِلّ القلب من أسباب التشاحن والتباغض وامتلاء الصدر وغل القلب: ١ - طاعة الشيطان: قالتعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣)﴾ (الإسراء: ٥٣)، والفرقة والخلاف وملء الصدر بالشحناء وضيق الصدر غاية من غايات الشيطان. قال ﵌: “ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ» (رواه مسلم). والمعنى أنهم لا يزين لهم عبادته ولكن يرغبهم في التحريش بينهم ، أي: بالخصومات وبالشحناء والحروب والفتن وغيرها، ومن نظر لحال المسلمين اليوم عرف كيف نجح الشيطان في التحريش بين المسلمين في كل مكان؟. ٢ - أمراض القلوب بأنواعها: ومنها سوء الظن، والنجوى، والغرور، والهوى، وحب التصدر وغيرها كثير، وجماع ذلك: الغفلة عن القلب وإهماله، والمسلم لو اهتم بقلبه أكثر مما يهتم حقيقة بمظهره وبيته وأكله وشربه؛ لَوَجَدَ أن الله وفَّقَه في كل صغيرة وكبيرة. فخُذْ مثلًا: سوء الظن! وهو ترجيح ما يخطر في النفس من احتمال السوء، ويبدأ سوء الظن بخاطرة تنقدح في الذهن، ثم لا يزال الشيطان ينفخ فيها حتى ينزلها منزلة الحقيقة، فنقول مثلًا: فلان يريد كذا، ويقصد من كلامه كذا، فدخلنا في النوايا والمقاصد، وكأننا أصبحنا نعلم الغيب بما يدور في صدور هؤلاء وفي نفوسهم.

стр. 1169

٣ - الغضب: فالغضب مفتاح كل شر عن أبي هريرةَ سدد خطاكم أنَّ رجلًا قال للنبيِّ ﵌ أوصِني. قال: «لَا تَغْضَبْ». فَردَّدَ مِرَارًا، قال: «لَا تَغْضَبْ». (رواه البخاري). فإن الغضب طريق إلى التهكم بالناس والسخرية منهم وبخس حقوقهم وإيذائهم وغير ذلك مما يُوَلّد البغضاءَ والفرقة. ٤ - النميمة: وهي من أسباب الشحناء وطريق إلى القطيعة والتنافر ووسيلة إلى الوشاية بين الناس وإفساد قلوبهم، قال تعالى في ذمه أهل هذه الخصلة الذميمة: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ (القلم: ١١)، يعني وقاعًا في الناس عائبًا لهم بما ليس فيهم، ينقل الكلام من بعضهم إلى بعض على وجه الوقيعة بينهم. وعَنْ حُذَيْفَةَ سدد خطاكم أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا يَنِمُّ الْحَدِيثَ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: “ لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ “ (رواه مسلم). وقال ﵌: «خِيَارُ عِبَادِ اللهِ الَّذِينَ إِذَا رُءُوا، ذُكِرَ اللهُ، وَشِرَارُ عِبَادِ اللهِ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، الْبَاغُونَ الْبُرَآءَ الْعَنَتَ» (رواه الإمام أحمد في المسند وحسنه الألباني والأرنؤوط). (إذا رُؤُوا ذُكِر الله) أي لما في وجوههم من سيما الصلاح وأنوار الذكر. (الْبُرَآء) جمع بريء، كالكُرَمَاء جمع كريم. (العَنَت) أي: يطلبون لهم الهلاك والتعب بأن يتهموهم بالفواحش. ٥ - الحسد: وهو تمني زوال النعمة عن صاحبها وفيه تَعَدٍّ وأذى للمسلمين نهى الله عنه ورسوله ﵌، وأمر الحسد خطير، حتى إن الله تعالى يأمرنا بالاستعاذة من شر

стр. 1170

الحاسد، قال : ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ (الفلق: ٥). وقال الله : ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (النساء: من الآية٥٤). قال ذلك عن الكفار. وقال رسول الله ﵌ موجهًا أمتَه: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَقَاطَعُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا» (رواه البخاري ومسلم). والحسد يُفْضي بصاحبه إلى اغتياب المحسود وشتمه وقد يُتْلِف ماله أو يسعى في سفك دمه، وكل ذلك مظالم يقتص منها في الآخرة ويذهب في عوض ذلك حسنات. ٦ - التنافس على الدنيا: خاصة التنافس المذموم المؤدي إلى الوقوع في المحرمات فهذا يحقد على زميله لأن راتبه أكثر منه أو لكونه نال رتبة أعلى، وتلك تغار من أختها لأنها تزوجت قبلها، وهذا يكيد لجاره لكون منزله أفضل من منزله والأمر دون ذلك فكل ذلك إلى زوال. وَمَا هِي إلاَّ جِيفَةٌ مُسْتَحِيلَةٌ ... عليها كلابٌ همّهنَّ اجتذابُها فإنْ تَجْتَنِبْها كُنْتَ سِلْمًا لأَهْلِهَا ... وإن تَجْتَذِبْهَا نَازَعتْكَ كِلابُهَا وعَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ سدد خطاكم أنّ النّبِيَّ ﵌ قَالَ: “ وَاللهِ مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ “ (رواه البخاري ومسلم). ٧ - حب الشهرة والرياسة: وهي الداء العضال والمرض الخطير، قال ﵌: «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ أَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ، لِدِينِهِ» (رواه الإمام أحمد في المسند، وصححه الألباني والأرنؤوط).

стр. 1171

والمراد من الحديث أن الحرص على المال والشرف، وهو الجاه والمنصب، أكثر إفسادًا للدِّين من إفساد الذئبين للغنم، لأن ذلك الأشر والبطر يستفز صاحبه ويأخذ به إلى ما يضره، وذلك مذموم لاستدعائه العلو في الأرض والفساد المذمومين شرعًا. قال الفضيل بن عياض ﵀: «ما من أحدٍ أحب الرياسة إلا حَسد وبَغى وتَتبع عيوب الناس، وكره أن يُذكر أحَدٌ بخير». حُبُّ الرياسةِ داءٌ يُخْلِقُ الدُنْيَا ... ويجعلُ الحُبَّ حَرْبًا للمُحِبِّينَا يَفْرِي الحلَاقِمَ والأرحامَ يقْطَعُها ... فلا مروءةَ تبقَى لا ولا دينَا (يُخْلِقُ الدُنْيَا): يُفسدها، (يَفْرِي): يشق، (الحلقوم): تجويف خلف تجويف الفم، وهي مجرى الطعام والشراب والنفس، والجمع حلاقم وحلاقيم. والمعنى أنه يؤدي إلى قتل النفوس وإزهاق الأرواح. ٨ - كثرة المزاح: فإن كثيره يورث الضغينة ويجر إلى القبيح والمزاح كالملح للطعام قليله يكفي وإن كثُرَ أضَرَّ وأهلَكَ. لا تمزَحَنَّ فإنْ مزَحْتَ فلَا يَكُنْ ... مَزحًا تُضافُ به إلى سُوءِ الأدبْ واحْذرْ ممازحةً تعودُ عداوةً ... إن المزاحَ علَى مُقَدّمةِ الغضبْ وقال ميمون بن مهران ﵀ “ إذا كان المزاح أمام الكلام كان آخره اللطمُ والشِتَام».

стр. 1172

٩ - العُجب: وهو تصور استحقاق الشخص رتبةً لا يكونُ مستحقًّا لها، وتغَيُّرُ النفس بما خفي سببه وخرج عن العادة مثله. والعُجْبُ بالرأي والمكانة والنسب والمال سبب للعداوة إن لم يُمنع بالدين، وذلك برده ودفعه فالعُجْبُ قرينُ الكِبْر وملازمٌ له , والكِبْر من كبائر الذنوب؛ فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ سدد خطاكم الله عَنِ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» (رواه مسلم). وقال أبو الدرداء سدد خطاكم: «لولا ثلاثٌ لصلح الناس: شُحٌّ مطاع، وهوًى مُتَّبَع، وإعجابُ المرءِ بنفسه». ١٠ - المراء: قال النَّبيِّ ﵌: «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ» (رواه أبو داود وحسنه الألباني). (أَنَا زَعِيم): أَيْ ضَامِن وَكَفِيل (بِبَيْتٍ): قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْبَيْت هَا هُنَا الْقَصْر. (فِي رَبَضِ الْجَنَّة): مَا حَوْلهَا خَارِجًا عَنْهَا تَشْبِيهًا بِالْأَبْنِيَةِ الَّتِي تَكُون حَوْل الْمُدُن وَتَحْت الْقِلَاع. (الْمِرَاء): أَيْ الْجِدَال؛ كَسْرًا لِنَفْسِهِ كَيْلَا يَرْفَع نَفْسه عَلَى خَصْمه بِظُهُورِ فَضْله. وحقيقة المراء طَعْنُك في كلام غيرك لإظهار خللٍ فيه لغير غرض سوى تحقير قائله وإظهار مزيتك عليه. وقال أحدُهم لابنه: «يا بُنَيَّ، إياك والمراء؛ فإن نفعه قليل، وهو يهيج العداوة بين الإخوان». وقال بعضهم: «ما رأيت شيئًا أذْهَبَ للدين ولا أنقَصَ للمروءة ولا أضْيَعَ للّذّة، ولا أشغل للقلب من المخاصمة».

стр. 1173

١١ - التناصح: كيف يكون التناصح سببًا للحسد والحقد؟! بعض الناس لا يحتمل النصيحة، فيبدأ بالكيد للناصح والتفتيش عن عيوبه وبَثِّها، مع أنك حرصْتَ على أن تكون الوسيلة صحيحةً: بانفراد بينك وبينه، وبالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، ومع ذلك وجد في نفسه شيئًا عليك، ولا يزال يتحرى ويبحث عن أخطائك، حتى يرد الصاع صاعين. ١٢ - التجارة والبيع والشراء والتعامل مع الآخرين: فالمشكلات الناتجة عن التعامل المادي قد توغر الصدور، والمسلم ينبغي أن يتصف بما ورد في الحديث عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌، قَالَ: «رَحِمَ اللهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى» (رواه البخاري). (سَمْحًا) جوَادًا متساهلًا يوافق على ما طُلِبَ منه. (اقْتَضَى) طلب الذي له على غيره.

стр. 1174

٨٢ - السبيل إلى سلامة الصدر مما يعين على سلامة الصدر: أولًا: الإخلاص: عن أنس بن مالك سدد خطاكم عن رسول الله ﵌ قال: “ ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ صَدْرُ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِله، وَمُنَاصَحَةُ أُولِي الْأَمْرِ، وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَاءِهِمْ» (رواه الإمام أحمد في المسند، وصححه الأرنؤوط). (ثَلَاثٌ لَا يَغِلّ) - بتشديد اللام - من الغِلّ: وهو الحقد والشحناء، أي: لا يدخله حقد يُزيله عن الحق، ورُوِيَ: “ يَغِلُ “ بالتخفيف، من الوُغُول: وهو الدخول في الشر، ويُروَى بضم الياء (يُغِلّ) من الإغلال: وهو الخيانة، والمعنى: أن هذه الخلال الثلاث تُستَصلَح بها القلوبُ، فمن تمسَّك بها، طَهُرَ قلبُه من الخيانة والدََّخَل والشر. (فإنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَاءِهِمْ) (مَنْ وَرَاءَهِمْ) بفتح الميم في (مَن) على أنه اسم موصول بمعنى (الذي)، ونصب (وَرَاءَهِمْ) أي: تنال غائبهم. أو بكسر الميم في (مِن) وجر (وَرَاءِهِمْ) على أن (مِن) حرف جرّ، أي: تجمعهم بحيث لا يَشِذُ منهم شيء. ثانيًا: رضا العبد بما قسمه الله له: فقد كان من دعاء النبي ﵌: «وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ» (رواه النسائي، وصححه الألباني). (وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ) أي الرضا بما قدرته لي في الأزل لأتلقاه بوجه منبسط، وخاطر منشرح، وأعلم أن كل قضاء قضيته لي فلي فيه خير. إن الرضى يفتح للعبد باب السلامة فيجعل قلبه سليمًا نقيًّا من الغش والغل، ولا ينجو من عذاب الله إلا مَن أتَى الله بقلب سليم، وتستحيل سلامة القلب مع السخط وعدم الرضى وكلما كان العبد أشد رِضًى كان قلبه أسلم؛ فالخبث والغش قرين

стр. 1175

السخط، وسلامة القلب وبره ونصحه قرين الرضى، وكذلك الحسد هو من ثمرات السخط وسلامة القلب منه من ثمرات الرضى. ثالثًا: قراءة القرآن وتدبره: فهو الدواء لكل داء، والمحروم مَن لم يتداوَ بكتاب الله، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (فصلت: ٤٤)، وقال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ (الإسراء: ٨٢). وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ (يونس: ٥٧)، فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية وأدواء الدنيا والآخرة. وما كُلّ أحدٍ يُؤَهَّل ولا يُوَفَّق للاستشفاء به، وإذا أحسن العليل التداوي به ووَضَعَه على دائه بصدق وإيمان وقبول تام واعتقاد جازم واستيفاء شروطه لم يقاوِمْه الداء أبدًا، وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء الذي لو نزل على الجبال لَصَدَّعها أو على الأرض لَقَطّعها؛ فما مِن مرض مِن أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه وسببه والحِمْية منه لمن رزقه فَهْمًا في كتابه. فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية لكن لا يحسن التداوي به إلا الموفقون، ولله حكمة بالغة في إخفاء سِرّ التداوي به عن نفوس أكثر العالمين كما له حكمة بالغة في إخفاء كنوز الأرض عنهم. فمن تدبر كتاب الله تعالى علم ما أعده الله تعالى لمن سلمت صدورهم لإخوانهم وآثاروهم على كثير من دنياهم. رابعًا: تذكر الحساب والعقاب: قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ (ق: ١٨) فمن أيقن أنه محاسَبٌ ومسئول عن كل شيء هانت الدنيا عليه، وزهد بما فيها، وفعل ما ينفعه عند

стр. 1176

الله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ (الكهف: ٤٩). فينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلامًا تظهر المصلحة فيه ومتى استوى الكلام وتَرْكُه في المصلحة فالسُنّة الإمساك عنه لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه بل هذا كثير أو غالب في العادة والسلامة لا يَعْدِلها شيء. قال ﵌: “ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» (رواه البخاري ومسلم)، فهذا الحديث نص صريح في أنه لا ينبغي للإنسان أن يتكلم إلا إذا كان الكلام خيرًا وهو الذي ظهرت مصلحته للمتكلم.

стр. 1177

خامسًا: الدعاء: فتدعو الله بصِدْقٍ وإلحاحٍ أن يَرزقَك قلبًا سليمًا محبًا للمسلمين؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ (الحشر: ١٠). وعَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ عن شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ سدد خطاكم قال: «احْفَظُوا مِنِّي مَا أَقُولُ لَكُمْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «إِذَا كَنَزَ النَّاسُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، فَاكْنِزُوا هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ حُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا، وَأَسْأَلُكَ لِسَانًا صَادِقًا، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ، إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» (رواه الإمام أحمد في المسند، وحسنه الأرنؤوط، ورواه الحاكم في المستدرك، وقال: «صحيح على شرط مسلم»). (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ)، أَيْ: فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَمْرِ الدِّينِ، (وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ): وَهِيَ كَالْعَزْمِ عَقْدُ الْقَلْبِ عَلَى إِمْضَاءِ الْأَمْرِ، وَقَدَّمَ الثَّبَاتَ عَلَى الْعَزِيمَةِ، وَإِنْ كَانَ فِعْلُ الْقَلْبِ مُقَدَّمًا عَلَى الْفِعْلِ، وَالثَّبَاتُ عَلَيْهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ؛ لِأَنَّ الْغَايَاتِ مُقَدَّمَةٌ فِي الرُّتْبَةِ وَإِنْ كَانَتْ مُؤَخَّرَةً فِي الْوُجُودِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣)﴾ (الرحمن: ١ - ٣). وَالرُّشْدُ: بِمَعْنَى الْهِدَايَةِ، (وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ) الْمُرَادُ لُزُومُهَا وَدَوَامُهَا، (وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ)، أَيِ: التَّوْفِيقَ عَلَى شُكْرِهَا بِصَرْفِ النِّعْمَةِ فِي طَاعَةِ الْمُنْعِمِ، وَهُوَ الْقِيَامُ بِالْأَوَامِرِ وَاجْتِنَابُ الزَّوَاجِرِ، (وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ): بِأَدَاءِ شَرَائِطِهَا وَأَرْكَانِهَا وَالْقِيَامِ بِإِخْلَاصِهَا، (وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا) أَيْ: مِنَ الْعَقَائِدِ الْفَاسِدَةِ وَالْمَيْلِ إِلَى الشَّهَوَاتِ؛ فَإِنَّهَا مَرَضُ الْقَلْبِ، وَصِحَّتُهُ الْعِلْمُ وَالْأَخْلَاقُ الْفَاضِلَةُ. أَوِ الْمُرَادُ سَلِيمًا مِنَ الْغِلِّ وَالْغِشِّ وَالْحِقْدِ، وَسَائِرِ الصِّفَاتِ الرَّدِيئَةِ، وَالْأَحْوَالِ الدَّنِيئَةِ.

стр. 1178

(وَلِسَانًا صَادِقًا): نِسْبَةُ الصِّدْقِ إِلَى اللِّسَانِ مَجَازٌ بِأَنَّهُ لَا يَبْرُزُ عَنْهُ إِلَّا الْحَقُّ الْمُطَابِقُ لِلْوَاقِعِ. سادسًا: الصدقة: فهي تطهر القلب، وتُزكي النفس، قال الله تعالى لنبيه ﵌: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة: ١٠٣). وقال ﵌: «دَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ» (رواه البيهقي، وحسنه الألباني). وإن أحق المرضى بالمداواة مرضى القلوب، وأحق القلوب بذلك قلبك الذي بين جنبيك. سابعًا: إحسان الظن بالآخرين وحمل الكلمات والمواقف على أحسن المحامل: فعليك بحسن الظن والتماس الأعذار، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (الحجرات: ١٢)، وقال النبيِّ ﵌: “ إِيَّاكُمْ وَالظّنَّ؛ فَإِنّ الظّنَّ أكْذَبُ الْحَدِيثِ “. (رواه البخاري ومسلم). ورُوِيَ عن عمر بن سدد خطاكم أنه قال: «لا تظن بكلمة صدرت من أخيك شرًّا وأنت تجد لها في الخير مَحْمَلًا». ورُوِيَ عن محمد بن سيرين ﵀: “ إذا بلغَكَ عن أخيك شيءٌ، فالتَمِسْ له عُذرًا، فإن لم تجد له فقل: لعل له عذرًا “. ورُوِيَ عن أبي قلابة أنه قال: «التمس لأخيك العذر بجهدك، فإن لم تجد له عذرًا، فقُلْ لعلَّ لأخي عذرًا لا أعلمه». ورُوِيَ عن جعفر بن محمد أنه قال: «إذا بلغك عن أخيك الشيءَ تنكره؛ فالتمس له عذرًا واحدًا إلى سبعينَ عذرًا، فإن أصَبْتَه وإلا قُلْ لعل له عذرًا لا أعْرِفُه». ورُوِيَ عن حمدون القصار أنه قال: «إذا زل أخٌ من إخوانكم فاطلبوا له سبعين عذرًا، فإن لم تقْبلْه قلوبُكم فاعلموا أن المعيب أنفسَكم؛ حيث ظهر لمسلم سبعين عذرًا فلم تقبله». تَأَنَّ ولا تعجَلْ بلَوْمِكَ صاحبًا ... لعَلَّ لهُ عذرًا وأنتَ تلومُ

стр. 1179

أحد العلماء نزع عمامته يومًا، وتوضأ في نهر دجلة فجاء لص فأخذها وترك عمامةً رديئةً بدَلها، فطلع الشيخ فلبسها، وما شعر حتى سألوه، وهو يدرس في درسه! فقال: «لعل الذي أخذها محتاج»! ثامنًا: التغافل وإقالة العثرات والتغاضي عن الزلات: قال محمد بن عبد الله الخُزاعيّ: سمعتُ عُثمان بن زائدة يقول: «العافية عشرة أجزاء: تسعة منها في التغافل». قال: فحدثت به أحمد بن حنبل فقال: «العافية عشرة أجزاء كلها في التغافل». وَمَنْ لَمْ يُغْمِضْ عَيْنَهُ عَنْ صديقِهِ ... وَعَنْ بَعْضِ مَا فِيهِ يَمُتْ وَهْوَ عَاتِبُ ... صَدِيقِه وَمَنْ يَتَتبَعْ جَاهِدًا كُلَّ عَثْرَةٍ ... يَجِدْهَا وَلا يَسْلَمْ لَهُ الدَّهْرَ صَاحِبُ وقيل: أَقِلْ ذَا الْوُدِّ عَثَرْتَهُ وَقِفْهُ ... عَلَى سُنَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمَةْ وَلَا تُسْرِعْ بِمَعْتَبَةٍ إلَيْهِ ... فَقَدْ يَهْفُو وَنِيَّتُهُ سَلِيمَةْ تاسعًا: إفشاء السلام: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سدد خطاكم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: “ لاَ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا. أَوَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلاَمَ بَينَكُمْ “. (رواه مسلم). وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب سدد خطاكم: «ثلاث يصفين لك وُدّ أخيك: تبدؤه بالسلام إذا لقيته، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب أسمائه إليه».

стр. 1180

إن من فوائد إفشاء السلام حصول الألفة؛ فتتألف الكلمة وتَعُمّ المصلحةُ وتقع المعاونة على إقامة شرائع الدين وإخزاء الكافرين، وهي كلمةٌ إذا سُمِعَت أخلصت القلب الواعي لها غير الحقود إلى الإقبال على قائلها. عاشرًا: الابتسام والبشاشة: للابتسامة أثر حسن على الآخرين صغارًا وكبارًا وهي مما يزرع الألفة والمحبة بين الناس وقد حث النبي ﵌ عليها وأمر بها مع فِعْلِه ﵌ لها فعن أبي ذَرٍّ سدد خطاكم قال: قال رسول اللهِ ﵌: “ تَبَسُّمُكَ في وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ “ (رواه الترمذي، وصححه الألباني). وقال ابن عيينة ﵀: «البشاشة مصيدةُ المودة، والبر شيء هَيِّن: وجْهٌ طليقٌ وكلامٌ ليِّنٌ». تَجَافى النومُ بَعدَك عن جُفوني ... ولكن ليس يَجفوها الدموعُ يذَكِّرُني تَبَسُّمَك الأقاحي ... ويَحكِي لي تَوَرُّدَك الربيعُ الْأُقْحُوَانُ: مِنْ نَبَاتِ الرَّبِيعِ لَهُ زهر أَبْيَضُ، والجمع أقاحي. الحادي عشر: ترك السؤال عما لا يعنيك وتتبع أحوال الناس وعيوبهم: قال ﵌: «مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» (رواه الإمام أحمد في المسند، وصححه الألباني). وعن زيد بن أسلم قال: دُخل على أبي دجانة سدد خطاكم وهو مريض وكان وجهه يتهلل فقيل له: «ما لِوَجْهِك يتهلل؟»، فقال: «ما من عملي شيء أوثق عندي من اثنتين: أما إحداهما: فكنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، وأما الأخرى: فكان قلبي للمسلمين سليمًا».

стр. 1181

والواجب على العاقل لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس مع الاشتغال بإصلاح عيوب نفسه؛ فإن من اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره أراح بدنه ولم يُتْعِب قلبه، فكلما اطلع على عيبٍ لنفسه هان عليه ما يرى مثلَه مِن أخيه، ومن اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه عمى قلبه وتعب بدنه وتعذر عليه ترك عيوب نفسه، وإن من أعجز الناس من عاب الناس بما فيهم، وأعجز منه من عابَهم بما فيه، مَن عابَ الناسَ عابُوه. إذَا أنتَ عِبْتَ الناسَ عَابُوا وأكثَرُوا ... عليك وأبدَوْا منكَ ما كان يُستَرُ وقدْ قالَ في بعضِ الأقاويلِ قائلٌ ... له منطقٌ فيهِ كلامٌ محبَّرُ إذا ما ذكرتَ الناسَ فاتركْ عيوبَهمُ ... فلا عيبَ إلا دُونَ ما مِنكَ يُذكرُ فإنْ عبتَ قومًا بالذي ليسَ فيهمُ ... فذلك عندَ اللهِ والناسِ أكبرُ وإنْ عِبْتَ قومًا بالذِي فيكَ مِثْلُهُ ... فكيفَ يعيبُ العُورَ مَن هُو أعْورُ وكيفَ يعيبُ الناسَ مَن عيبُ نفسِهِ ... أشَدُّ إذا عَدَّ العيوبَ وأنكرُ متَى تلتمِسْ للناسِ عيبًا تجِدْ لهُم ... عيُوبًا، لكِنِ الذي فيكَ أكثرُ فسالمْهُمْ بالكَفِّ عنهم فإنهم ... بعيبِكَ مِن عَيْنَيْكَ أهْدَى وأبصرُ الثاني عشر: محبة الخير للمسلمين: عَنْ أَنَسٍ سدد خطاكم عنِ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: “ لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (رواه البخاري ومسلم). إن القلب لا يكون سليمًا إذا كان حقودًا حسودًا معجبًا متكبرًا وقد شرط النبي ﵌ في الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه.

стр. 1182

الثالث عشر: تَرْكُ الاستماع للغيبة والنميمة والإنكار على مرتكبهما حتى يبقى قلب الإنسان سليمًا: دخل رجل على عمر بن عبد العزيز ﵀ فذكر له عن رجلٍ شيئًا فقال له عمر: «إن شئت نظرنا في أمرك فإن كنت كاذبًا فأنت من أهل هذه الآية: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات: ٦)، وإن كنت صادقا فأنت من أهل هذه الآية ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾ (القلم: ١١)، وإن شئت عفونا عنك»، فقال: «العفو يا أمير المؤمنين، لا أعود إليه أبدًا». وعن الفضل بن أبي عياش قال: كنت جالسًا مع وهب بن مُنَبِّه فأتاه رجل فقال: «إني مررْتُ بفلانٍ وهو يشتمُكَ»، فغضب فقال: «ما وجد الشيطانُ رسولًا غيرك؟»، فما بَرِحْتُ من عنده حتى جاءه ذلك الرجل الشاتم فسلم على وهب، فرَدَّ عليه، ومد يده، وصافحه، وأجلسه إلى جنبه. الرابع عشر: إصلاح القلب ومداومة علاجه: عن النُّعمان بن بَشيرٍ سدد خطاكم قال: سمعتُ رسولَ الله ﵌ يقول: “ ألَا وإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلّهُ، ألَا وَهِيَ الْقَلْبُ “ (رواه البخاري ومسلم). خُصِّصَ القلب بالذِكْر؛ لأنه محلٌ لأصول الأعمال. ولذا ذكره الله في معرض الذم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (البقرة: (٢٨٣))، وذكره في معرض المدح، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ (الأنفال: (٢)). (إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلّهُ)، يصلح بصلاحها ويفسد بفسادها، فإذا فعل الإنسان بجوارحه الطاعات وعمل الخيرات دل

стр. 1183

ذلك على صلاح قلبه , وإذا فعل المعاصي وارتكب المنكرات وتجنب الطاعات دل ذلك على فساد قلبه، ومما قيل في إصلاح القلب. دواءُ قلبِكَ خمْسٌ عندَ قسوتِهِ ... فدُمْ عليها تَفُزْ بالخَيْرِ والظَفَر خلاءُ بطنٍ وقرآنٌ تَدَبُّرُه كذَا ... تضَرُّعُ باكٍ ساعةَ السحر كذا قيامِك جنحَ الليلِ أوسطَهُ ... وأنْ تُجالسَ أهلَ الخيرِ والخبَر الخامس عشر: الإيمان بالقدر: فإن العبد إذا أيقن أن الأرزاق مقسومة مكتوبة رضي بحاله ولم يجد في قلبه حسدا لأحد من الناس على خير أعطاه الله إياه؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ» (رواه مسلم). (انْظُرُوا إِلَى من هُوَ أَسْفَل مِنْكُم) فِي أُمُور الدُّنْيَا، (وَلَا تنظروا إِلَى من هُوَ فَوْقكُم) فِيهَا (فَهُوَ أَجْدَر) أَي فالنظر إِلَى من هُوَ أَسْفَل لَا إِلَى من هُوَ فَوق حقيق (أَن لَا تَزْدَرُوا) أَي بِأَن لَا تحتقروا (نعْمَة الله عَلَيْكُم) فَإِن الْمَرْء إِذا نظر إِلَى من فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا استصغر مَا عِنْده من نعم الله فَكَانَ سَببا لمقته، وَإِذا نظر للدون شكر النِّعْمَة وتواضع وحمد؛ فَيَنْبَغِي للْعَبد أَن لَا ينظر إِلَى تجمل أهل الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يُحَرك دَاعِيَة الرَّغْبَة فِيهَا ومصداقه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)﴾ (طه: (١٣١)). أي: لا تمد عينيك مُعجَبًا، ولا تكرر النظر مستحسنًا إلى أحوال الدنيا والممتعين بها، من المآكل والمشارب اللذيذة، والملابس الفاخرة، والبيوت المزخرفة، والنساء المجملة، فإن ذلك كله زهرة الحياة الدنيا، تبتهج بها نفوس المغترين، وتأخذ إعجابًا بأبصار المعرضين، ويتمتع بها - بقطع النظر عن الآخرة - القومُ الظالمون، ثم تذهب

стр. 1184

سريعًا، وتمضي جميعًا، وتقتل محبيها وعشاقها، فيندمون حيث لا تنفع الندامة، ويعلمون ما هم عليه إذا قدموا في القيامة، وإنما جعلها الله فتنة واختبارًا، ليعلم مَن يقفُ عندها ويغْتَرُّ بها، ومن هو أحسن عملًا. ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾ العاجل من العلم والإيمان وحقائق الأعمال الصالحة، والآجل من النعيم المقيم والعيش السليم في جوار الرب الرحيم ﴿خَيْرٌ﴾ مما متعنا به أزواجًا في ذاته وصفاته ﴿وَأَبْقَى﴾ لكَوْنِه لا ينقطع، أكُلُها دائم وظلها، كما قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) (الأعلى: (١٦) - (١٧)). وفي هذه الآية إشارة إلى أن العبد إذا رأى من نفسه طموحًا إلى زينة الدنيا وإقبالًا عليها أن يذكرها ما أمامها من رزق ربه وأن يوازن بين هذا وهذا. وقيل لحاتم الأصم: «عَلَامَ بنَيْتَ أمْرَك؟»، فقال: «على التوكل». ثم قال: «بنَيْتُ أمري على أربع خصال: علمتُ أن رزقي لا يأكلُه غيري؛ فاطمأنَّتْ نفسي، وعلمتُ أنّ عملي لا يعملُه غيري؛ فلم أشتغل لغيره، وعلمتُ أنّ الموت يأتيني بغتةً؛ فأنا أبادِرُه، وعلِمْتُ أني لا أخلو من عين الله حيث ما كنت؛ فأنا مُستحْيِي منه». السادس عشر: أن يضع المرء نفسه موضع خصمه: فإن ذلك يدعوه إلى حسن الظن، قال ابن حزم ﵀: «من أراد الإنصاف فلْيَتَوَهَّمْ نفْسَهُ مكانَ خصمِه فإنه يلوح له وجهُ التعسف». وقال إبراهيم بن جنيد ﵀: «اتخذ مرآتين، وانظر في إحداهما عيب نفسك، وفي الأخرى محاسن الناس». السابع عشر: صحبة الجليس الصالح والابتعاد عن الجليس السوء: فعن أَبِي مُوسَى سدد خطاكم عَنِ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: “ إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ. فَحَامِلُ الْمِسْكِ، إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ،

стр. 1185

وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً. وَنَافِخُ الْكِيرِ، إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً “ (رواه البخاري ومسلم). فالجليس الصالح يعين صاحبه على الصفح والعفو عمن أساء إليه والصبر على ما يصيبه من أذى من الآخرين وبهذا يسلم صدره من الغِلّ وغيرِه. وصحبةُ الأشرار تُورِثُ سوء الظن بالأخيار، ومَن صاحَبَ الأشرار لم يسلم من الدخول في جملتهم، فالواجب على العاقل أن يجتنب أهل الرّيَب لئلا يكون مريبًا، فكما أن صحبة الأخيار تورث الخير كذلك صحبة الأشرار تورث الشر. الثامن عشر: استحضار حال أهل الجنة: فقد أخبر الله تعالى عن حالهم فقال: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ (الأعراف: ٤٣)، ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ (الحجر: ٤٧). وهذا من كرمه وإحسانه، على أهل الجنة، أن الغِلَّ الذي كان موجودًا في قلوبهم، والتنافس الذي كان بينهم، أنّ الله يقلعه ويزيله، حتى يكونوا إخوانًا متحابين، وأخلاء متصافين. ويخلق الله لهم من الكرامة، ما به يحصل لكل واحد منهم الغبطة والسرور، ويرى أنه لا فوق ما هو فيه من النعيم نعيم، فبهذا يأمنون من التحاسد والتباغض، لأنه فقدت أسبابه. التاسع عشر: معرفة أن مُخَالِط الناس لن يسلم من أذاهم: عن ابن عمر سدد خطاكمما عن النبيّ ﵌ أَنّه قال: “ المُؤْمِنُ الذي يُخالِطُ النّاسَ وَيَصْبِرْ عَلى أَذاهم أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الّذِي لا يُخالِطَهُمْ ولا يَصْبِرْ على أَذاهم “ (رواه الإمام أحمد في المسند، والترمذي، وابن ماجه، وصححه الألباني). قال أبو مسلم الخولاني ﵀: «كان الناس ورقًا لا شوك فيه، فإنهم اليوم شوك لا ورق فيه، إن سابَبْتَهم سابُّوك، وإن ناقدتَهم ناقدوك، وإن تركْتَهم لم يتركوك، وإن

стр. 1186

نفرتَ منهم يدركوك». قيل له: «فما أصنع؟»، قال: «هَبْ عِرْضَك ليوم فقرك، وخُذْ شيئًا من لا شيء». ومن أعظم أنواع الصبرِ الصبرُ على مخالطة الناس وتحَمُّلُ أذاهم، فكن فيما بينهم سميعًا لحَقّهم، أصمَّ عن باطلهم، نطوقًا بمحاسنهم، صموتًا عن مساوئهم. العشرون: قبول اعتذار المخطئين: قال أمير المؤمنين عمر سدد خطاكم: «أعقل الناس أعذَرُهُم لهم». وقال الأحنف: «إياكم ورأيَ الأوغاد». قالوا: «وما رأيُ الأوغاد؟»، قال: «الذين يَرَوْنَ الصفح والعفو عارًا». قِيلَ لي قد أساءَ إليكَ فلانٌ ... ومقامُ الفتى علَى الذُلِّ عارُ قلت قدْ جاءَنا فأحدَثَ عُذْرًا ... ودِيَةُ الذنبِ الاعتذارُ وقيل: اقبل معاذير مَن يأتيكَ معتذرًا ... إنْ بَرَّ عندكَ فيما قالَ أو فَجَرَا فقد أطاعك مَن يُرضِيكَ ظاهرُه ... وقد أجَلَّك مَن يعصيكَ مُسْتَتِرا الحادي والعشرون: أقْلِلْ من العتاب: ولَسْتُ معاتبًا خِلًّا لأني ... رأيتُ العتبَ يُغرِي بالعقوق وَلَوْ أَنِّي أُوَقِّفُ لِي صَدِيقًا ... عَلَى ذَنْبٍ بَقِيتُ بِلَا صَدِيق

стр. 1187

فكثير منا يعتب على أخيه في أمر هو يأتيه ومن نفسه يرتضيه، وأبغض منه من يعتب على من يحسن إليه، فإن عاتبْتَ فليكُنْ عتابُك بحق ورفق ولطف ولا تبالغ فيه فتسيء أكثر من إساءة المعاتَب. تَرَفَّقْ أيُّها المولَى عليهِمْ ... فإنَّ الرِّفْقَ بالجانِي عِتابُ وقد قيل: «إن أفضل العتاب ما غَرس العفوَ وأثمر المحبة، وعَتْبٌ يوجب العفو والصفاء أفضلُ من تركٍ يُعْقِبُ الجفاء». رأيتُ أساليبَ للعتابِ كثيرةً ... وألطَفُها ما أكّدَ الحُبَّ في القلب إذا ما خلَوْنا لم أجِدْ ما أقولُه ... يَلِذُّ سوَى الشكوَى إليهِ مع العَتْب وعلى المعاتَب أن يصبر على من يعاتبه ويحسن إليه فلعله بذلك يريح نفسه بتلك المعاتبة فتصفو نفسُه بعدها. قُلْ لأحبابِنا الجناةِ علينَا ... دَرِّجُونا على احتمالِ الملال أحْسِنُوا في عتابِكم أو أسِيئُوا ... لا عَدِمْنَاكم علَى كلِّ حال ومن أراد العتاب فليحسن اختيار الوقت والمكان المناسبين له؛ فلا يعاتب بحضرة أناس آخرين، كما لا يعاتب في حال فرح أو حزن أو انشغال؛ فهذا مما يزيد الأمر سوءًا وقد أحسن القائل: ولو كان هذا موضعُ العَتْبِ لاشْتَفَى ... فُؤادِي ولكنْ للعتابِ مواضعُ

стр. 1188

وقيل: حُجَجِي عليكَ إذا خلوتُ كثيرةٌ ... وإذا حضرتَ فإنني مخصومُ لا أستطيعُ أقولُ أنتَ ظلمْتَنِي ... واللهُ يعلمُ أنني مظلومُ وقال حاتم الأصم ﵀: «إذا رأيتَ من أخيك عيبًا فإن كتمْتَه عليه فقد خُنْتَه، وإن قُلْتَه لغيرِه فقد اغْتَبْتَه، وإنْ واجَهْتَه به فقد أوْحَشْتَه»؛ قيل له: «كيف أصنع؟» قال: «تُكَنِّي عنه، وتعَرِّض به وتجعله في جملة الحديث». الثاني والعشرون: استحضار الأضرار المترتبة على فساد ذات البين في الدنيا والآخرة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سدد خطاكم أَنَّ رَسُولَ الله ﵌ قَالَ: “ تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ. فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا. إِلاَّ رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ. فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هاذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا. أَنْظِرُوا هاذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا. أَنْظِرُوا هاذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا “ (رواه مسلم). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سدد خطاكم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ؛ فَمَنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ» (رواه أبو داود، وصححه الألباني). (فَمَاتَ): أَيْ عَلَى تِلْكَ الْحَالَة مِنْ غَيْر تَوْبَة. (دَخَلَ النَّار): أَيْ اِسْتَوْجَبَ دُخُول النَّار. وعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ سدد خطاكم أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ؛ يَلْتَقِيَانِ فَيَصُدُّ هَذَا وَيَصُدُّ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» (رواه البخاري ومسلم، ولفظه: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ». (أَخَاهُ) أَيْ الْمُسْلِمَ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أُخُوَّةِ الْقَرَابَةِ وَالصَّحَابَةِ.

стр. 1189

(فَوْقَ ثَلَاثٍ) الْمُرَادُ ثَلَاثِ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا. قَالَ الْعُلَمَاءُ: «فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ الْهَجْرِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ لَيَالٍ وَإِبَاحَتُهَا فِي الثَّلَاثِ الْأُوَلُ بِنَصِّ الْحَدِيثِ، قَالُوا: «وَإِنَّمَا عَفَا عَنْهَا فِي الثَّلَاثِ لِأَنَّ الْآدَمِيَّ مَجْبُولٌ مِنْ الْغَضَبِ وَسُوءِ الْخُلُقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَعَفَا عَنْ الْهَجْرِ الثَّلَاثَ لِيَذْهَبَ ذَلِكَ الْعَارِضُ». (يَلْتَقِيَانِ) أَيْ يَتَلَاقَيَانِ. (فَيَصُدُّ هَذَا وَيَصُدُّ هَذَا) مَعْنَى (يَصُدُّ) يُعْرِضُ أَيْ يُوَلِّيهِ عُرْضَهُ - بِضَمِّ الْعَيْنِ - وَهُوَ جَانِبُهُ، وَالصُّدُّ بِضَمِّ الصَّادِ، وَهُوَ أَيْضًا الْجَانِبُ وَالنَّاحِيَةُ. (وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ) أَيْ هُوَ أَفْضَلُهُمَا. الثالث والعشرون: العفو والصفح: قال تعالى: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾ (الشورى:٤٠). ذكر الله في هذه الآية مراتب العقوبات، وأنها على ثلاث مراتب: عدل وفضل وظلم. فمرتبة العدل: جزاء السيئة بسيئةٍ مثلها، لا زيادة ولا نقص، فالنفس بالنفس، وكل جارحة بالجارحة المماثلة لها، والمال يُضْمَنُ بمِثْله. ومرتبة الفضل: العفو والإصلاح عن المسيء، ولهذا قال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، يجزيه أجرًا عظيمًا، وثوابًا كثيرًا، وشرط الله في العفو الإصلاح فيه، ليدل ذلك على أنه إذا كان الجاني لا يليق العفو عنه، وكانت المصلحة الشرعية تقتضي عقوبته، فإنه في هذه الحال لا يكون مأمورًا به. وفي جَعْلِ أجر العافي على الله ما يُهَيِّجُ على العفو، وأنْ يعامل العبدُ الخلقَ بما يحب أن يعامله الله به، فكما يحب أن يعفو الله عنه، فَلْيَعْفُ عنهم، وكما يحب أن يسامحه الله، فليسامحهم، فإن الجزاء من جنس العمل. ومن علامة العفو الدعاء لإخوانك، خاصةً من كان بينك وبينه جفوة أو شحناء، حاول أن تدعو له مع أن البعض قد يقول إن هذا لا يطاق، لكن جرب

стр. 1190

وحاول أن تدعو لإخوانك، وأرغم نفسك والشيطان على الدعاء لهم بالرحمة والمغفرة والتوفيق والهداية. والعجب أن ينام المسلم ملء جفنيه، وبينه وبين أخيه شحناء أو جفوة، وقد تأتيه المنية تلك الليلة، وما أجمل قول المقنع الكندي: وإن الذي بينِي وبينَ بَنِي أبِي ... وبينَ بنِي عمِّي لمُختلفٌ جِدّا فإنْ أكلُوا لحمِي وفَرْتُ لحومَهُم ... وإنْ هدمُوا مجْدِي بنيْتُ لهُم مجْدَا وإن ضيَّعوا غيبِي حفظْتُ غُيوبَهم ... وإنْ هُم هَوَوْا غَيِّي هوَيْتُ لهمْ رُشْدَا ولا أحملُ الحقدَ القديمَ عليهِم ... وليسَ كريمُ القومِ مَن يحملُ الحِقْدَا

стр. 1191

٨٣ - السهر أسبابه وأقسامه (١) آية من آيات الله: من آيات الله الدالةِ على فضله وكرمه، أنْ جعل الليل ليسكنوا فيه، والنهار مضيئًا ليعملوا فيه فيما ينفعهم في دينهم ودنياهم وآخرتهم. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (يونس: ٦٧). وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣)﴾ (الروم: ٢٣). وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾ (غافر: ٦١). وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)﴾ (النمل: ٨٦). وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧)﴾ (الفرقان: ٤٧). ما يستفاد من هذه الآيات الكريمات: ١ - بيان الحكمة في خلق الليل والنهار، وهي السكن والراحة في الليل، والتصرف في مختلف الأعمال والمصالح في النهار. ٢ - أن في ذلك آياتٍ ودلالات على قدرة الله وعظمته وتوحيده، لمن كان له سمع يسمع به ما ينفعه ويضره. ٣ - أنه لا يَعتبِر ويتفكر في آيات الله ومخلوقاته إلا من كان له سمع يسمع به سماعَ قَبولٍ وفهم، وتفكُّر وإيمان.

стр. 1192

٤ - أن النوم بالليل، وابتغاء فضل الله بالنهار، من آيات الله، ودلائل توحيده وقدرته. ٥ - أن من اعتاد سهر الليل بدون عبادة وضرورة، فقد خالف الفطرة التي فطر الله الناسَ عليها. ٦ - أن تسخير الليل للسكن والنوم والراحة من فضل الله على الناس، ومن أعظم النعم الموجبة للشكر ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾ (غافر: ٦١). ٧ - أنه لا يتفكَّر في عجائب الليل والنهار، ويستدل بها على قدرة خالقها إلا المؤمنون. ٨ - من نِعَمِ الله على خلقه أن جعل لهم الليل ساترًا بظلامه كاللباس، والنوم راحةً لأبدانهم، قاطعًا لأعمالهم، والنهار مضيئًا لانتشارهم وتصرفاتهم وقضاء حوائجهم، فلله الحمد والشكر والثناء على ذلك. ظاهرة سيئة: إن من الظواهر التي بدت في الأمة وظهرت وانتشرت حتى تغيرت مفاهيم كثير من الناس، صغارًا وكبارا، ذكورا وإناثا، تجاه من تلبس بهذه الظاهرة، إنها ظاهرة السهر إلى ساعات متأخرة أو إلى قبيل الفجر، خاصة في أوقات الإجازات، فترى الناس في الليل قيامًا، وفي النهار نيامًا!! ويعُدّون ذلك تقدمًا ورُقِيًّا، أما الذين ينامون بعد صلاة العشاء فهؤلاء - كما يقول بعضهم - (كالدجاج) نسأل الله تعالى السلامة والعافية. فأصبحت سنة نبينا ﵌ تشبه بمثل هذا التشبيه القذر الذي يخشى على قائلها!! إذا لم يتدارك نفسه ويعود إلى رشده. لماذا الحديث عن السهر؟ ١ - لما فيه من الأضرار والأخطار على الفرد والجماعة.

стр. 1193

٢ - لتصور بعض الشباب - حتى وصل الأمر إلى صغار السن - أن السهر فخرٌ ورُقِيٌّ فيتفاخر أمام زملائه بأنه قد سهر إلى الساعة الثانية ليلًا!! والآخر يقول بل سهرت إلى الساعة الثالثة!! وهكذا يستمر وضع الشاب على هذا المنوال حتى يصبح ليله نهارًا ونهاره ليلًا!! ٣ - لما حصل فيه من التفريط في رعاية الأسرة والأولاد فيأتي الولي وهم نائمون ويخرجون من بيته وهو نائم فمتى يحصل اللقاء؟ ٤ - ضياع كثير من الطاقات، وإهدار الكثير من القدرات في مثل هذا المرض. لذا كان لابد من علاج هذا الموضوع وطرحه بموضوعية وإنصاف وبدون شطط وإجحاف. أسباب السهر: ١ - المصالح الدنيوية كالتجارة أو المناوبات في العمل أو الاختبارات للطلاب. ٢ - المشاكل الصحية للمرء أو لأفراد أسرته. ٣ - المشاكل العائلية أو الدراسية أو غيرها. ٤ - المناسبات العائلية أو الزيارات الأخوية. ٥ - متابعة القنوات الفضائية. ٦ - مصالح شرعية كحماية ثغور المسلمين، وطلب العلم ونحو ذلك. ٧ - النوم في النهار كثيرًا. ٨ - السفر. ٩ - الإجازات الصيفية. ١٠ - غفلة وقلة عناية الكثير من أولياء الأمور بالسؤال عن حال أبنائهم وفيما هم فيه من حال.

стр. 1194

١١ - مجالسة رفقاء السوء الذين هم فتيل الشر والمقود إلى طريق الانحراف فكل قرين إلى قرينه ينسب. ١٢ - الدخول على الشبكة العالمية والتي تسمى بالإنترنت. ١٣ - ارتفاع حرارة الجو. ١٤ - محاكاة الناس وتقليد الأصدقاء. أقسام السهر: القسم الأول: السهر في طاعة الله : قبل الخوض في هذا النوع من السهر لابد أن نَعلمَ قضيتين: الأولى: إذا ترتب على هذا السهر ضياع واجب كتفويت صلاة الفجر مثلًا فإنه يأثم الإنسان على فعله. الثانية: قد يُلَبّس الشيطان على كثير من الصالحين أن سهرهم من أجل طاعة الله تعالى فيسهر لمعالجة قضية من القضايا أو بحث مسألة علمية مع إخوانه وخِلّانه فيمتد بهم الحديث من موضوع إلى موضوع والحديث - كما يقال - ذو شجون، فتذهب الساعات تلو الساعات وهم منهمكون في حديثهم ولو أنصفوا أنفسهم لَعَلِموا أن هذا الموضوع أو تلك المسألة لا تحتاج كل ذلك الوقت وذاك السهر؛ فلماذا نخادع أنفسنا ونضيع أوقاتنا ونهمل أسرنا في أمر لا طائل من جرائه؟!! أنواع السهر في طاعة الله : ١ - السهر لمتابعة مصالح المسلمين: كمن يسهر في متابعة المنكرات على مختلف أنواعها وصورها أو متابعة الشباب في أماكن تواجدهم؛ فعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ سدد خطاكم قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَسْمُرُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي الْأَمْرِ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ وَأَنَا مَعَهُمَا» (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

стр. 1195

٢ - السهر في طلب العلم: قال الإمام البخاري ﵀ (بَاب السَّمَرِ فِي الْفِقْهِ وَالْخَيْرِ بَعْدَ الْعِشَاءِ) ثم أورد حديث قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: «انْتَظَرْنَا الْحَسَنَ وَرَاثَ عَلَيْنَا حَتَّى قَرُبْنَا مِنْ وَقْتِ قِيَامِهِ، فَجَاءَ فَقَالَ: «دَعَانَا جِيرَانُنَا هَؤُلَاءِ»، ثُمَّ قَالَ: «قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: «انْتَظَرْنَا النَّبِيَّ ﵌ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى كَانَ شَطْرُ اللَّيْلِ يَبْلُغُهُ فَجَاءَ فَصَلَّى لَنَا ثُمَّ خَطَبَنَا، فَقَالَ: “ أَلَا إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا ثُمَّ رَقَدُوا وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ “، قَالَ الْحَسَنُ: «وَإِنَّ الْقَوْمَ لَا يَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا انْتَظَرُوا الْخَيْرَ» (رواه البخاري). (اِنْتَظَرْنَا الْحَسَن) أَيْ اِبْن أَبِي الْحَسَن الْبَصْرِيّ. (وَرَاثَ عَلَيْنَا) أَيْ أَبْطَأَ وتأخر. (مِنْ وَقْت قِيَامه) أَيْ الَّذِي جَرَتْ عَادَتُهُ بِالْقُعُودِ مَعَهُمْ فِيهِ كُلَّ لَيْلَة فِي الْمَسْجِد لِأَخْذِ الْعِلْم عَنْهُ. (دَعَانَا جِيرَانُنَا) كَأَنَّ الْحَسَن أَوْرَدَ هَذَا مَوْرِدَ الِاعْتِذَار عَنْ تَخَلُّفِهِ عَنْ الْقُعُود عَلَى عَادَتِهِ. (ثُمَّ قَالَ) أَيْ الْحَسَن. (حَتَّى كَانَ شَطْرُ اللَّيْل) بِرَفْعِ شَطْر، وَكَانَ تَامَّة. (يَبْلُغهُ) أَيْ يَقْرُبُ مِنْهُ. (ثُمَّ خَطَبَنَا) أَيْ بَعْدَ صَلَاة العشاء. وهَذا مَوْضِع الشاهد من الحديث. وَأَوْرَدَ الْحَسَن ذَلِكَ لِأَصْحَابِهِ مُؤْنِسًا لَهُمْ وَمُعَرِّفًا أَنَّهُمْ وَإِنْ كَانَ فَاتَهُمْ الْأَجْر عَلَى مَا يَتَعَلَّمُونَهُ مِنْهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَلَى ظَنُّهُمْ فَلَمْ يَفُتْهُمْ الْأَجْر مُطْلَقًا لِأَنَّ مُنْتَظِر الْخَيْر فِي خَيْر فَيَحْصُلُ لَهُ الْأَجْر بِذَلِكَ، وَالْمُرَاد أَنَّهُ يَحْصُل لَهُمْ الْخَيْر فِي الْجُمْلَة لَا مِنْ جَمِيع الْجِهَات. وَاسْتَدَلَّ الْحَسَن عَلَى ذَلِكَ بِفِعْلِ النَّبِيّ ﵌ فَإِنَّهُ آنَسَ أَصْحَابه بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ الْحَسَن بَعْدُ: «وَأَنَّ الْقَوْم لَا يَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا اِنْتَظَرُوا الْخَيْر». وَلَا تَسْأَمَنَّ الْعِلْمَ وَاسْهَرْ لَنَيْلِهِ ... بِلَا ضَجَرٍ تَحْمَدْ سُرَى اللَّيْلِ فِي غَدِ وهكذا كان أسلافنا الأوائل، يحيون ليلهم في مدارسة حديث رسول الله ﵌. يقول فضيل ابن غزوان: «كنا نجلس أنا ومغيرة - وعدَّدَ ناسا - نتذاكر الفقه فربما لم نَقُمْ حتى نسمع النداء بصلاة الفجر».
следующие страницы →