٨٣ - السهر أسبابه وأقسامه (١)
آية من آيات الله:
من آيات الله الدالةِ على فضله وكرمه، أنْ جعل الليل ليسكنوا فيه، والنهار مضيئًا ليعملوا فيه فيما ينفعهم في دينهم ودنياهم وآخرتهم. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (يونس: ٦٧). وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣)﴾ (الروم: ٢٣). وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾ (غافر: ٦١). وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)﴾ (النمل: ٨٦). وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧)﴾ (الفرقان: ٤٧).
ما يستفاد من هذه الآيات الكريمات:
١ - بيان الحكمة في خلق الليل والنهار، وهي السكن والراحة في الليل، والتصرف في مختلف الأعمال والمصالح في النهار.
٢ - أن في ذلك آياتٍ ودلالات على قدرة الله وعظمته وتوحيده، لمن كان له سمع يسمع به ما ينفعه ويضره.
٣ - أنه لا يَعتبِر ويتفكر في آيات الله ومخلوقاته إلا من كان له سمع يسمع به سماعَ قَبولٍ وفهم، وتفكُّر وإيمان.
стр. 1192
٤ - أن النوم بالليل، وابتغاء فضل الله بالنهار، من آيات الله، ودلائل توحيده وقدرته.
٥ - أن من اعتاد سهر الليل بدون عبادة وضرورة، فقد خالف الفطرة التي فطر الله الناسَ عليها.
٦ - أن تسخير الليل للسكن والنوم والراحة من فضل الله على الناس، ومن أعظم النعم الموجبة للشكر ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾ (غافر: ٦١).
٧ - أنه لا يتفكَّر في عجائب الليل والنهار، ويستدل بها على قدرة خالقها إلا المؤمنون.
٨ - من نِعَمِ الله على خلقه أن جعل لهم الليل ساترًا بظلامه كاللباس، والنوم راحةً لأبدانهم، قاطعًا لأعمالهم، والنهار مضيئًا لانتشارهم وتصرفاتهم وقضاء حوائجهم، فلله الحمد والشكر والثناء على ذلك.
ظاهرة سيئة:
إن من الظواهر التي بدت في الأمة وظهرت وانتشرت حتى تغيرت مفاهيم كثير من الناس، صغارًا وكبارا، ذكورا وإناثا، تجاه من تلبس بهذه الظاهرة، إنها ظاهرة السهر إلى ساعات متأخرة أو إلى قبيل الفجر، خاصة في أوقات الإجازات، فترى الناس في الليل قيامًا، وفي النهار نيامًا!! ويعُدّون ذلك تقدمًا ورُقِيًّا، أما الذين ينامون بعد صلاة العشاء فهؤلاء - كما يقول بعضهم - (كالدجاج) نسأل الله تعالى السلامة والعافية. فأصبحت سنة نبينا ﵌ تشبه بمثل هذا التشبيه القذر الذي يخشى على قائلها!! إذا لم يتدارك نفسه ويعود إلى رشده.
لماذا الحديث عن السهر؟
١ - لما فيه من الأضرار والأخطار على الفرد والجماعة.
стр. 1193
٢ - لتصور بعض الشباب - حتى وصل الأمر إلى صغار السن - أن السهر فخرٌ ورُقِيٌّ فيتفاخر أمام زملائه بأنه قد سهر إلى الساعة الثانية ليلًا!! والآخر يقول بل سهرت إلى الساعة الثالثة!! وهكذا يستمر وضع الشاب على هذا المنوال حتى يصبح ليله نهارًا ونهاره ليلًا!!
٣ - لما حصل فيه من التفريط في رعاية الأسرة والأولاد فيأتي الولي وهم نائمون ويخرجون من بيته وهو نائم فمتى يحصل اللقاء؟
٤ - ضياع كثير من الطاقات، وإهدار الكثير من القدرات في مثل هذا المرض.
لذا كان لابد من علاج هذا الموضوع وطرحه بموضوعية وإنصاف وبدون شطط وإجحاف.
أسباب السهر:
١ - المصالح الدنيوية كالتجارة أو المناوبات في العمل أو الاختبارات للطلاب.
٢ - المشاكل الصحية للمرء أو لأفراد أسرته.
٣ - المشاكل العائلية أو الدراسية أو غيرها.
٤ - المناسبات العائلية أو الزيارات الأخوية.
٥ - متابعة القنوات الفضائية.
٦ - مصالح شرعية كحماية ثغور المسلمين، وطلب العلم ونحو ذلك.
٧ - النوم في النهار كثيرًا.
٨ - السفر.
٩ - الإجازات الصيفية.
١٠ - غفلة وقلة عناية الكثير من أولياء الأمور بالسؤال عن حال أبنائهم وفيما هم فيه من حال.
стр. 1194
١١ - مجالسة رفقاء السوء الذين هم فتيل الشر والمقود إلى طريق الانحراف فكل قرين إلى قرينه ينسب.
١٢ - الدخول على الشبكة العالمية والتي تسمى بالإنترنت.
١٣ - ارتفاع حرارة الجو.
١٤ - محاكاة الناس وتقليد الأصدقاء.
أقسام السهر:
القسم الأول: السهر في طاعة الله :
قبل الخوض في هذا النوع من السهر لابد أن نَعلمَ قضيتين:
الأولى: إذا ترتب على هذا السهر ضياع واجب كتفويت صلاة الفجر مثلًا فإنه يأثم الإنسان على فعله.
الثانية: قد يُلَبّس الشيطان على كثير من الصالحين أن سهرهم من أجل طاعة الله تعالى فيسهر لمعالجة قضية من القضايا أو بحث مسألة علمية مع إخوانه وخِلّانه فيمتد بهم الحديث من موضوع إلى موضوع والحديث - كما يقال - ذو شجون، فتذهب الساعات تلو الساعات وهم منهمكون في حديثهم ولو أنصفوا أنفسهم لَعَلِموا أن هذا الموضوع أو تلك المسألة لا تحتاج كل ذلك الوقت وذاك السهر؛ فلماذا نخادع أنفسنا ونضيع أوقاتنا ونهمل أسرنا في أمر لا طائل من جرائه؟!!
أنواع السهر في طاعة الله :
١ - السهر لمتابعة مصالح المسلمين:
كمن يسهر في متابعة المنكرات على مختلف أنواعها وصورها أو متابعة الشباب في أماكن تواجدهم؛ فعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ سدد خطاكم قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَسْمُرُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي الْأَمْرِ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ وَأَنَا مَعَهُمَا» (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
وقال علي بن الحسن بن شقيق: قمت مع عبدالله بن المبارك في ليلة باردة، ليخرج من المسجد، فذاكرني عند الباب بحديث وذاكرته، فما زال يذاكرني حتى جاء المؤذن فأذن للفجر!!
وكان وكيع بن الجراح إذا صلى العتمة ينصرف معه أحمد بن حنبل، فيقف على الباب فيذاكره وكيع، فلم يزل قائما حتى جاءت الجارية فقالت: «قد طلع الكوكب».
٣ - السمر مع الضيف:
قال البخاري ﵀: (باب السمر مع الضيف والأهل) ثم أورد حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وفيه اشتغال أبي بكر بعد صلاة العشاء بمجيئه إلى بيته ومراجعته لخبر الأضياف واشتغاله بما دار بينهم.
٤ - السهر للمرابطة في الثغور:
عن أبي رَيْحَانَةَ قال رَسُولُ اللهِ ﵌: “ حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللهِ “ (رواه الإمام أحمد في المسند وحسنه الأرنؤوط).
ومن ذلك ما فعله عبَّاد بن بشرٍ سدد خطاكم مع رسول الله ﵌ لما قفلَ عائدًا من غزوة ذاتِ الرقاع نزل بالمسلمين في شِعْبٍ من الشعاب ليقضُوا ليلتهم فيه.
فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﵌ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَأُصِيبَتْ امْرَأَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﵌ قَافِلًا، وَجَاءَ زَوْجُهَا وَكَانَ غَائِبًا، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَنْتَهِيَ حَتَّى يُهْرِيقَ دَمًا فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﵌، فَخَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ النَّبِيِّ ﵌، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﵌ مَنْزِلًا، فَقَالَ: “ مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا لَيْلَتَنَا هَذِهِ؟ “ فَانْتَدَبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَا: «نَحْنُ يَا رَسُولَ اللهِ»، قَالَ: “ فَكُونُوا بِفَمِ الشِّعْبِ “.
стр. 1197
قَالَ: وَكَانُوا نَزَلُوا إِلَى شِعْبٍ مِنَ الْوَادِي، فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلَانِ إِلَى فَمِ الشِّعْبِ، قَالَ الْأَنْصَارِيُّ لِلْمُهَاجِرِيِّ: «أَيُّ اللَّيْلِ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ أَكْفِيَكَهُ؟ أَوَّلَهُ أَوْ آخِرَهُ؟»، قَالَ: «اكْفِنِي أَوَّلَهُ»، فَاضْطَجَعَ الْمُهَاجِرِيُّ فَنَامَ، وَقَامَ الْأَنْصَارِيُّ يُصَلِّي، وَأَتَى الرَّجُلُ.
فَلَمَّا رَأَى شَخْصَ الرَّجُلِ عَرَفَ أَنَّهُ رَبِيئَةُ الْقَوْمِ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ، وَثَبَتَ قَائِمًا، ثُمَّ رَمَاهُ بِسَهْمٍ آخَرَ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ، وَثَبَتَ قَائِمًا، ثُمَّ عَادَ لَهُ بِثَالِثٍ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، ثُمَّ أَهَبَّ صَاحِبَهُ، فَقَالَ: «اجْلِسْ؛ فَقَدْ أُوتِيتَ»، فَوَثَبَ، فَلَمَّا رَآهُمَا الرَّجُلُ عَرَفَ أَنْ قَدْ نَذَرُوا بِهِ فَهَرَبَ.
فَلَمَّا رَأَى الْمُهَاجِرِيُّ مَا بِالْأَنْصَارِيِّ مِنَ الدِّمَاءِ، قَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ، أَلَا أَهْبَبْتَنِي»، قَالَ: «كُنْتُ فِي سُورَةٍ أَقْرَؤُهَا، فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا حَتَّى أُنْفِذَهَا، فَلَمَّا تَابَعَ الرَّمْيَ رَكَعْتُ فَأُرِيتُكَ، وَايْمُ اللهِ، لَوْلَا أَنْ أُضَيِّعَ ثَغْرًا أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﵌ بِحِفْظِهِ، لَقَطَعَ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ أَقْطَعَهَا، أَوْ أُنْفِذَهَا». (رواه الإمام أحمد في المسند، وحسنه الأرنؤوط). (ربِيئَة القَوْمِ) الربيئة هو الرقيب والجاسوس، والمراد بالقوم المسلمون.
(أهَبَّ) أي: أيقظ. (نَذَرُوا) شعروا به وعلموا بمكانه.
القسم الثاني: السهر في مباح.
كمن يسهر في حراسة أو طبيب مناوب أو سفر لمباح أو يحادث أهله وزوجه لما أخرجه البخاري ومسلم، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللهِ ﵌ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً، ثُمَّ رَقَدَ»، فدل ذلك على جواز الحديث مع الأهل لمعاشرتهم بالمعروف.
القسم الثالث: السهر في معصية الله:
كالسهر في لعب الورق (الكوتشينة)، أو السهر في سماع الموسيقى، أو على متابعة القنوات الفضائية، أو معاكسة النساء في الأسواق أو عبر الهاتف أو السهر في المقاهي سواء كانت الإنترنت أو مقاهي الشيشة ونحو ذلك.
стр. 1198
٨٤ - أضرار السهر
آثار السهر وأضراره:
إن للسهر أضرارا وله آثاره المدمرة على الفرد والأسرة .. بل على المجتمع ككل، ولذلك استُخْدِمَ التعذيب بالسهر في العصور الوسطى لإجبار السجناء على الاعتراف، وقد أسَرَتْ الصين أثناء الحرب الكورية مجموعة من الطيارين الأمريكيين وأخضعتهم للحرمان من النوم كنوع من غسيل المخ حتى انهارت مقاومتهم.
وهاهي بعض آثاره حتى يدرك المسلم فداحة المصيبة وعظيم الخطيئة، فمن أضراره:
أولًا: مخالفة هدْيِ النبِيِّ ﵌:
فعَنْ أَبِي بَرْزَةَ سدد خطاكم أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ «كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا “ (رواه البخاري ومسلم). وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: “ جَدَبَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﵌ السَّمَرَ بَعْدَ الْعِشَاءِ “ قَالَ خَالِدٌ: «مَعْنَى جَدَبَ إِلَيْنَا، يَقُولُ: عَابَهُ، ذَمَّهُ». (رواه الإمام أحمد في المسند، وابن ماجه وحسنه الأرنؤوط).
وخَالِدٌ هو خالد بنُ عبد الله الواسطي الطحان، وهو أحد رواة الحديث.
والحديث بعد العشاء يعني في الأمر المباح أما إذا كان الحديث في محرم فلا يجوز سواء كان بعد العشاء أو قبلها أو في أي وقت من ليل أو نهار.
ثانيًا: إضاعة صلاة الفجر وتفويتها:
إن السهر من أسباب النوم عن صلاة الفجر في وقتها مع الجماعة، التي تعدل قيامَ الليل كله مع صلاة العشاء مع الجماعة؛ فقد قال ﵌: «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ». (رواه مسلم).
стр. 1199
وقد أفاد كثير من الشباب بذلك فيقول أحدهم: دائما ننصرف قبيل الفجر فننام ولا نصليها!!! ويحدث هذا أيضا في قصور الأفراح للنساء فتعود المرأة لبيتها في ساعة متأخرة من الليل وهي مرهقة متعبة ثم تلقي بنفسها في فراشها ولا تشعر بنفسها إلا والساعة قد بلغت العاشرة أو الحادية عشرة!!
حتى من قام الليل أو طلب العلم إذا خشي فوات هذه الصلاة فإنه لا يصح له ذلك، وقد أنكر عمر بن الخطاب سدد خطاكم على الذي أحيا الليل بالصلاة ثم غلبت عليه عينه ونام عن الصلاة المكتوبة؛ فعَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أبِي حَثْمَةَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سدد خطاكم فَقَدَ سُلَيْمَانَ بْنَ أبِي حَثْمَةَ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ، وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سدد خطاكم غَدَا إِلَى السُّوقِ - وَمَسْكَنُ سُلَيْمَانَ بَيْنَ السُّوقِ وَالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ – فَمَرَّ عَلَى الشِّفَاءِ أُمِّ سُلَيْمَانَ، فَقَالَ لَهَا: «لَمْ أَرَ سُلَيْمَانَ فِي الصُّبْحِ»، فَقَالَتْ: «إِنَّهُ بَاتَ يُصَلِّي فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ». فَقَالَ عُمَرُ: «لأَنْ أَشْهَدَ صَلاَةَ الصُّبْحِ فِي الْجَمَاعَةِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُومَ لَيْلَةً». (رواه مالك في الموطأ، وصححه الألباني).
هذا يقال في من قام الليل فكيف بمن أسهر ليله على الأغاني والمعازف؟ كيف بمن أسهر ليله على الأفلام والمسلسلات؟! كيف بمن أسهر ليله في تصيد بنات المسلمين عبر الهاتف أو في الأسواق؟!!
وقد جاء الوعيد الشديد للذي ينام عن الصلاة المكتوبة ففي البخاري عَنِ النَّبِيِّ ﵌ فِي الرُّؤْيَا قَالَ: “ أَمَّا الَّذِي يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفِضُهُ وَيَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ» (رواه البخاري). يُثْلَغُ: يُكْسَر ويُشَجّ.
وهذه الصلاة هي الفارقة بين أهل الإيمان وأهل النفاق فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سدد خطاكم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: “ إِنَّ أَثْقَلَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» (رواه مسلم).
وقد يقول قائل: أليس النبي ﵌ يقول: “ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا “ (رواه البخاري ومسلم). وعَنْ أَبِي قَتَادَةَ سدد خطاكم قَالَ:
والشاهد من الحديث أن النبي ﵌ قبل أن ينام أمر بلالًا أن يوقظه للصلاة ففعل السبب ولكن غلبت عليه عينه فما قام إلا وقد طلعت الشمس.
ففرقٌ بين من يسهر في آخر الليل ولم يفعل الأسباب الشرعية للاستيقاظ، وبين من حصل له ظرف طارئ للسهر ولكن فعل الأسباب فوضع الساعة أو الجوال أو غيرها من الأسباب.
٢ - هل يا ترى يعذر من ينام كل يوم عن الحضور لوظيفته؟!! ويُتَسامَح معه، ويُتَغَاضى عنه أم أنه يحاسب على هذا التفريط والإضاعة؟ إذن فشتان بين من تغلبه عينه في الشهر مرة لمرض أو تعب أو أرق أو نحو ذلك؟!! وبين من اعتاد النوم عن الصلاة كل يوم!!
ثالثًا: إهمال المنزل وأهله:
يجلس الشاب في المقهى أو على الأرصفة أو في الاستراحات أو في غيرها، ويتلذذ بالسمر مع أصحابه إما بمشاهدة القنوات الفضائية أو بلعب الكرة، وينسى نفسه وأهله ووالديه وقضاء حوائجهما، وتزداد المصيبة إذا كان صاحب أسرة فهو مشغول عن متابعة أولاده ورعايتهم والنظر في مصالحهم وقضاء حوائجهم ومتابعة دروسهم. أما الزوجة فهي آخر ما يفكر فيها فتجلس المسكينة إلى ساعة متأخرة من الليل واضعة يدها على خدها تنتظر زوجها الذي لم تكن في باله، ولم تَرِدْ في خياله.
وهذا كله من التفريط الذي يحاسب عليه العبد يوم القيامة؛ فعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: “ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (رواه البخاري). فأعِدّ للسؤال جوابًا وللجواب صوابًا.
كما أن الاستمرار على هذه العادة قد يؤدي إلى الانفصال بين الزوجين؛ لأن المرأة مع كثرة الضغوط التي تواجهها والمصاعب التي تقابلها مِن جَرّاء تخَلِّي الزوج عن
стр. 1202
المنزل والأولاد قد تنفجر بكثرة المشاكل، أو بطلب الفراق والطلاق!! ثم لك بعد ذلك أن تفكر في المفاسد المترتبة على الطلاق خاصة إذا كان بينهما أولاد.
رابعًا: التفريط في الأداء الوظيفي أو الحضور المدرسي:
فإذا كان الشاب يسهر إلى ساعات متأخرة من الليل فهل يمكن لهذا الشاب أن يحضر لمدرسته مبكرا؟! وهل يمكن لهذا الموظف أن يأتي لعمله في الوقت المحدد؟ وإذا أتى على سبيل الافتراض في الوقت المحدد، فهل سيكون حضوره له فعاليته ونشاطه المطلوب؟ أم يكون على حالة يُرْثَى لها؟!! فيكون وجوده كعدمه!! فجسم الإنسان لابد أن يأخذ قسطًا من الراحة حتى يستعيد قدراته ونشاطاته الفكرية والبدنية، وبدون هذه الراحة سيظل طيلة يومه متعبًا قلقًا.
خامسًا: تفويت بركة البكور:
إن النبيّ ﵌ دعا لأمته بالبركةِ في البكور، فَعَنْ عُمَارَةَ بْنِ حَدِيدٍ عَنْ صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ سدد خطاكم عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا»، قَالَ: «وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلًا تَاجِرًا، وَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ». (رواه أصحاب السنن وصححه الألباني).
(فِي بُكُورهَا): أَيْ صَبَاحهَا وَأَوَّل نَهَارهَا. (قَالَ: وَكَانَ) أَيْ رَسُولُ اللهِ ﵌. (إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا) السَّرِيَّةُ طَائِفَةٌ مِنْ الْجَيْشِ يَبْلُغُ أَقْصَاهَا أَرْبَعَمِائَةٍ تُبْعَثُ إِلَى الْعَدُوِّ جَمْعُهَا السَّرَايَا. (وَكَانَ يَبْعَث تِجَارَته): أَيْ مَالهَا. (فَأَثْرَى): أَيْ صَارَ ذَا ثَرْوَة أَيْ مَال كَثِير. (وَكَثُرَ مَاله): عَطْف تَفْسِير.
والنومُ بين صلاة الصبحِ وشروقِ الشمس تفويتٌ لزهرة اليوم. فالبركة في التبكير وليعلم أولئك الذين ينامون إلى نصف النهار أنهم قد حرموا أنفسهم بركة ذلك اليوم. وإن من سهروا الليل على ما لا يرضي الله، وناموا النهار عن طاعته، قد كسلوا عن السعي في الأرض لطلب رزقه والأكل مما أحله. فأين مِن البركة مَن نام في وقت البركة؟! أين مِن البركة مَن نام عن صلاة الفجر مع الجماعة؟!
стр. 1203
سادسًا: السهر مخالفة للسنة الإلهية:
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ (الفرقان:٤٧) ويقول : ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ (غافر: ٦١) فالله جعل الليل سكنًا ولباسًا يغشى العالم فتسكن فيه الحركات، وتأوي الحيوانات إلى بيوتها، والطير إلى أوكارها، وتستجم فيه النفوس وتستريح من كدِّ السعي والتعب، حتى إذا أخذت منه النفوس راحتها وسباتها وتطلعت إلى معايشها وتصرفها، جاء فالق الإصباح بالنهار؛ فانتشر الحيوان وتصرف في معاشه ومصالحه وخرجت الطيور من أوكارها.
فلماذا أنت أيها المسلم تخالف هذه السنة الربانية والحكمة الإلهية؟!
سابعًا: السهر وأضراره على صحة الإنسان:
وأضرار السهر متنوعة فمنها:
١ - سوء التغذية: فمع تغير مواعيد النوم يصحو الإنسان مبكرًا أو متأخرًا، وتتغير مواعيد وجباته الغذائية، خاصة لدى صغار السن والشباب، وهذا بدوره يؤدي إلى البنية الهزيلة، وضعف المقاومة ويعرض الجسم لمختلف الأمراض بسهولة.
٢ - أضرار نفسية: فإذا استمر - أي على السهر - وأصبح عادةً لديه فقد يصبح ذلك التأثير دائمًا وتصطبغ به شخصية الفرد وسلوكياته فيبدو متعكر المزاج، سريع الاستثارة بعض الشيء غير قادر على تحمل المهام التي تتطلب الجهد والتركيز.
وكثيرًا ما يراجع العيادات النفسية أشخاص لديهم مشكلات نفسية وبدنية ناتجة عن اضطرابات في النوم وأهم ذلك: الكآبة والحزن - تعكر المزاج وسرعة الانفعال - القلق والتوتر - ضعف التركيز - سرعة النسيان - الكسل - الفتور - سرعة الاجهاد.
٣ - أضراره على ذاكرة الإنسان والجهاز العصبي: أكدت الدراسات والبحوث أن السهر من أقوى العوامل المؤثرة على الجهاز المناعي والمثبطة لنشاط ذاكرة الجسم
стр. 1204
المناعية وحركة خلايا الجهاز المناعي. وقد ثبت أيضًا أن السهر يعوق طرفيات الجهاز العصبي وخلايا الإحساس من أداء عملها بشكل فعال. وللسهر تأثير سلبي حاد على الجهاز العصبي والمخ. ويتسبب السهر في فقدان التركيز وضعف الذاكرة وبُطْء الاستجابة العصبية.
وينصح من يريد الإبداع والإنتاج وزيادة القدرة العقلية والجسدية بالنوم مبكرًا والاستيقاظ مبكرًا لكي تنتظم حياته وتستقر صحته.
وفي بريطانيا أكد د. جيمس هور - مدير معامل أبحاث النوم بجامعة لوبرا ببريطانيا - أن عدم النوم ولو لليلة واحدة يضيع على الإنسان مقدرة الابتكار والإتيان بأفكار جديدة، وقد توصل إلى هذه النتيجة بعد تجربة أجراها على طلاب جامعيين بعد أن قضوا ليلة لم يذوقوا فيها طعم النوم، وجرى توجيه أسئلة إليهم، فكانت إجاباتهم عنها تفتقر إلى الفورية والنشاط الذهني.
٤ - أضراره في نمو الإنسان وتكامل بنيته:
لقد أثبتت الأبحاث العلمية ذلك وأوضحت أن الكثير من الهرمونات التي تفرزها ساعات النوم ومنها - على سيبل المثال لا الحصر - هرمون النمو وهو مسؤول عن إكساب الجسم المزيد من القوة العضلية والقوة الذهنية، ومع طول السهر يُحْرَم الإنسان من إفراز الهرمونات بالصورة الطبيعية.
ولوحظ كذلك زيادة إفراز هرمون الميلاتونين أثناء النوم ليلًا وهو المسؤول عن إعطاء الجسم المزيد من الحيوية والنشاط وإكسابه المزيد من المناعة ضد الإصابة بالأمراض المختلفة بما فيها الأورام الخبيثة؛ ولذلك نلاحظ أن الذين يدمنون سهر الليالي يعانون من الكسل والهزال وضعف البنية الجسدية.
وفي تقرير آخر ذُكِرَ أن سهر الأطفال يؤدي إلى التأخير في نموهم أو حتى توقفه، وذلك لعدم إفراز هرمون النمو بكمية كافية، وهذه الهرمونات تنشط البروتينات التي تساعد على بناء خلايا الجسم التي يموت منها عشرات الآلاف يوميًّا
стр. 1205
وتقوي العظام وتعطي الطاقة للعضلات، كما أن هرمون النوم الذي تقوم بإفرازه الغدة النخامية، ينظم نشاط الهرمونات التي تساعد على التئام كسور العظام وتقلل نسبة الكوليسترول في الدم، إضافة إلى أن المعادن التي يحتاج إليها الجسم لا تثبت إلا ليلًا.
وثبت علميًّا أن النوم مهم جدًّا لنضج مخ الطفل، كما أن النوم يمنزلة المأوى والهرب من المشكلات ويساعدنا على مواجهة ضغوط الحياة.
هذه الحقائق دعت فريقا من الباحثين وعلماء النفس بجامعة فلوريدا الأمريكية إلى دعوة الآباء والأمهات والمعلمين إلى ضرورة تعليم الأطفال نظام النوم منذ الصغر بنفس طريقة تلقينهم آداب المائدة والمحادثة.
وأجريت دراسة على ألف طفل في نيويورك، من أولئك الأطفال الذين يشخص الأطباء حالتهم على أنها نوع من الضعف الذهني، وهم في الواقع أصحاء نفسيا وذهنيا، ولكنهم يعانون اضطرابا في النوم يشتت أذهانهم وقدراتهم على التركيز والتذكر والتعليم. وأظهرت الدراسة أن ٤٠% من الأطفال لا يحصلون على قسط كاف من النوم، وأن ١٧% يشكون دائما من الإرهاق، وأكثر من ١١ % يشكون من صعوبات في النوم.
٥ - أضراره على العين: من أضرار العين بسبب السهر إصابة العين باحمرار ونقص في حدة الأبصار وذلك بسبب نقص إفراز مادة أرووبسين التي تفرز بكثرة أثناء النوم ليلًا.
٦ - يفوت نوم الليل المفيد:
هل تعلم أن سهرك بالليل معناه تفويت لجسمك من الاستفادة من نوم الليل الذي أثبت الطب الحديث فائدته وأن نوم النهار لا يُغْنِي عنه وأن قليلًا من نوم الليل يكفي عن كثير من نوم النهار.
وهناك دراسات أثبتت أن نوم الإنسان ليلًا هو الطريقة المثلى لإعطاء الجسم كفايته من الراحة وإعادة الحيوية والنشاط لأعضاء الجسم الأخرى. أما الذين يسهرون
стр. 1206
في الليل وينامون في النهار فإنهم يفتقدون لتلك العملية الحيوية المهمة للجسم؛ لأن نوم النهار لا يعوِّض ولا يعتبر بديلًا عن نوم الليل؛ وذلك بسبب اختلاف الجاذبية وطبيعة السكون وعوامل فيزيائية كثيرة وصدق الله العظيم حينما قال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾ (النبأ: ١٠ - ١١). ولا يمكن تغيير هذه الطبيعية الفيزيائية ولا تغيير طباع الإنسان لكي يتعايش معها. فالليل هو السكن وهو وقت الراحة.
ثامنًا: السهر سبب من أسباب الحوادث:
أعرب خبراء بريطانيون عن قلقهم من أن السهر وقلة النوم مشكلة كانت سببًا في كثرة الحوادث العالمية كانفجار تشيرنوبل، وكارثة مكوك الفضاء الأمريكي تشالينجر وغيرها من الحوادث، وضع فيها اللوم على العمال الذين غلبهم النعاس، أو الذين يشكون من التعب الشديد ولم يتمكنوا من القيام بعملهم على أكمل وجه، كما أثبتت دراسة أمريكية أن ٩٠% من الحوادث الصناعية و (٢٠٠) ألف حادث مروري كل عام سببها قلة النوم!!.
تاسعًا: السهر نزيف اقتصادي:
فعلى سبيل المثال: تصرف الولايات المتحدة الأمريكية ١٦ بليون دولار للتعامل مع المشاكل الناجمة عن اضطراب النوم، كما يصرف الأطباء ٢١٥ ألف وصفة طبية في بريطانيا كل عام لمرضى يعانون اضطراب النوم، فلو حسبنا تكلفة ذلك سواء قيمة الأدوية أو تكلفة العمالة الصحية لوَصَلَتْ بلايين!!
السهر في رمضان:
تزداد مصيبة السهر إذا كان ذلك في ليالي رمضان المباركة، ويجل الخطب، وتعظم المصيبة، إذا كان في العشر الأواخر من رمضان!! فبينما المشمرون في صلاة ودعاء وتضرع والتجاء، إذا بفريق من الناس قد استعدوا في تجهيز ملاعب الطائرة والكرة أو الجلوس على الأرصفة إلى الفجر أو ما بعد الفجر، ثم النوم حتى صلاة المغرب!!
стр. 1207
وأما من جهة النساء فالأمر أطم، فما تحلو الأسواق إلا في العشر الأواخر من رمضان!! في كل يوم سوق!! وفي كل ليلة مجمع تجاري!! تمضي الساعات وهي في غاية السعادة!! وما تحلو الزيارات هنا أو هناك إلا في الأيام المباركات!! فسبحان الله، مواسم عظمية تضيع؟!! ومواسم جليلة يفرط فيها؟!! فرطوا في الثلث الأخير من الليل؟!! وضيعوا الصلوات المكتوبات في النهار!!
أما عَلِمْتَ أن من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليله؟! أما علِمْتَ أن في العشر الأواخر من رمضان ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر؟!! ليلة القدر التي مَن قامها إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه!! فلماذا إذن التفريط والإضاعة؟ لماذا التكاسل والتهاون في العبادة؟ عجبًا لأمرك كيف تُضَيِّع هذا الموسم العظيم وتلك الأوقات الثمينة بمثل لعب الورق (الكوتشينة) ومشاهدة القنوات الفضائية!!
يا ساهيًا لاهيًا عَمَّا يُرادُ بهِ ... آنَ الرحيلُ وما قدمْتَ مِن زاد
ترجُو البقاءَ صحيحًا سالمًا أبدًا ... هيهاتَ أنتَ غدًا فيمنْ غدَا غادِي
ما الحل؟
عرفنا جميعا الداء الذي يعاني منه فئام من الناس .. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: أنا الآن أدركْتُ خطورة السهر ومضاره الدينية والصحية والاجتماعية وغيرها فماذا أفعل؟ وماذا أصنع؟ فالجواب: هناك عدة أمور منها:
أولًا: شعورك بالخطأ؛ هذا بحد ذاته مكسب يجعلك تفكر في محاولة إصلاح نفسك من جديد.
ثانيًا: تذكر عواقب السهر وأضراره الدينية والدنيوية والاجتماعية.
ثالثًا: تذكر ثمرات النوم المبكر وما يعيشه صاحبه من نشاط وحيوية.
رابعًا: تذكر هدي المصطفى ﵌ وأنه كان ينام مبكرًا إلا من حاجة، وهو قدوتك وحبيبك ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ (الأحزاب: ٢١).
стр. 1208
خامسًا: الزواج؛ لأن الزوجة تجعلك تضبط نفسك في السهر خارج المنزل.
سادسًا: تجنب النوم نهارًا، وتكتفي بالقيلولة بشرط أن تكون أقل من ساعة.
سابعًا: مجاهدة النفس في النوم مبكرًا على حد قول القائل:
النفْسُ كالطفْلِ إنْ شَبَّ علَى ... حُبِّ الرَّضاعِ وإنْ تَفْطُمْهُ يَنْفَطِمِ
ثامنًا: الحد بقدر المستطاع من قبول الدعوة ليلًا.
تاسعًا: التعود على الاستيقاظ المبكر حتى يأخذ الجسم كفايته ويكون للنوم طريق عليه في الليل.
عاشرًا: الابتعاد عن الأسباب الجالبة للسهر كالقنوات الفضائية والأصدقاء والتلفاز وغيرها.
стр. 1209
٨٥ - أنواع الهموم (١)
عسَى الهمُّ الذي أمسَيْتَ فيهِ ... يكونُ وراءَه فَرجٌ قَريبُ
فيأمنُ خائفٌ ويُفَكُ عَانٍ ... ويأتي أهلَه النائي الغريبُ
عانٍ (مفرد): والجمع عانون وعُناة، والمؤنث عَانية، والجمع عانيات وعَوَانٍ، والعاني: الأسير.
الهموم والغموم من طبيعة الحياة الدنيا:
إن من طبيعة الحياة الدنيا الهموم والغموم التي تصيب الإنسان فيها، فهي دار الشدة والضنك، ولهذا كان مما تميزت الجنة به عن الدنيا أنه ليس فيها هم ولا غم؛ قال تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ (الحجر:٤٨)، وأهلها لا تتكدر خواطرهم ولا بكلمة، قال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ (الواقعة:٢٥ – ٢٦).
وطبيعة الحياة الدنيا المعاناة والمقاساة التي يواجهها الإنسان في ظروفه المختلفة وأحواله المتنوعة، كما دل عليه قول الحق تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ (البلد: ٤). فهو حزين على ما مضى، مهموم بما يستقبل، مغموم في الحال.
والمكروه الوارد على القلب إن كان من أمر ماض أحدث الحزن، وإن كان من مستقبل أحدث الهم، وإن كان من أمر حاضر أحدث الغم.
стр. 1210
والقلوب تتفاوت في الهم والغمّ كثرة واستمرارًا بحسب ما فيها من الإيمان أو الفسوق والعصيان فهي على قلبين: قلب هو عرش الرحمن، ففيه النور والحياة والفرح والسرور والبهجة وذخائر الخير، وقلب هو عرش الشيطان فهناك الضيق والظلمة والموت والحزن والغم والهمّ.
والناس يتفاوتون في الهموم بتفاوت بواعثهم وأحوالهم وما يحمله كل واحد منهم من المسئوليات: فمن الهموم هموم سامية، ذات دلالات طيبة، كهموم العالم في حلّ المعضلات التي يحتاج المسلمون فيها إلى جواب وخصوصًا إذا استعصت المسألة واستغلقت، وكذلك همّ إمام المسلمين بمشكلات رعِيَّتِه.
ومن الهموم الشريفة همّ الداعية في نشر الدين وحَمْل الرسالة والأخذ بيد المدعو إلى طريق الهداية، وهموم العابد في تصحيح عبادته في القصد والأداء، وهَمّ المسلم بما يصيب إخوانه في أقطار الأرض.
ومن الهموم ما يكون ناشئًا عن المعاصي، كالهموم التي تصيب المذنب بعد ذنبه كما يحدث في هم من أصاب دمًا حرامًا، أو هم الزانية بحملها.
ومن الغموم ما يكون بسبب ظلم الآخرين كظلم الأقرباء كما قال الشاعر:
وظلمُ ذَوِي القُربَى أشَدُّ مَضَاضَةً علَى ... النفْسِ مِنْ وَقْعِ الحُسَامِ المُهَنَّدِ
(المَضَاضةً: التألّم من وجع المصيبة. حُسام: سيف قاطع. حُسام السَّيْف: طرفُه الذي يُضرب به. هنَّد السَّيفَ: شحَذه، فهو مُهنِّد).
وكذلك الغموم الحاصلة بسبب مصائب الدنيا، كالأمراض المزمنة والخطيرة، وعقوق الأبناء، وتسلط الزوجة، واعوجاج الزوج.
ومن الهموم ما يكون بسبب الخوف من المستقبل كهموم الأب بذريته من بعده وخاصة إذا كانوا ضعفاء وليس لديه ما يخلفه لهم. وهكذا تتنوع الغموم والهموم.
٨٦ - علاج الهموم
إذا اشتمَلَتْ علَى اليأسِ القلُوبُ ... وَضَاْقَ بِمَا بِهِ الصَّدْرُ الرَّحِيْبُ
وأوْطَنَتْ المكارِهُ واستَقَرَّتْ ... وَأَرْسَتْ فِي أَمَاكِنِهَا الخُطُوْبُ
ولم تَرَ لانْكِشَافِ الضُّرِّ وَجْهًا ... ولَا أغْنَى بحيلَتِه الأريبُ
أتاكَ عَلَى قُنُوطٍ مِنكَ غوثُ ... يَمُنُّ به اللطيفُ المستجيبُ
وكلُّ الحادِثاتِ إذا تَنَاهَتْ ... فَمَوْصُولٌ بِهَا فَرَجٌ قَرْيَبُ
وَضَاْقَ بِمَا بِهِ الصَّدْرُ الرَّحِيْبُ: وَضَاْقَ الصَّدْرُ الرَّحِيْبُ بِمَا بِهِ من الهموم.
خُطُوب: نوازل. أَريب: بصير بالأمور، ذو دهاء وفطنة. تناهت: بلغت نهايتَها.
علاج الهموم:
لا شك أن العقيدة تؤثر في المعالجة، فترى كثيرًا من الكفار وكذلك ضعفاء الإيمان يُصابون بالانهيار أو يُقدمون على الانتحار للتخلص من الكآبة والحبوط واليأس إذا ما وقعوا في ورطة أو أصابتهم مصيبة وكم مُلِئَتْ المستشفيات من مرضى الانهيارات العصبية والصدمات النفسية وكم أثَّرَتْ هذه الأمور على كثير من الأقوياء، فضلًا عن الضعفاء، وكم أدت إلى العجز التام أو فقدان العقل والجنون.
أما من اهتدى بهدي الإسلام فإنه يجد العلاج فيما أتى من لدن العليم الخبير الذي خلق الخلق وهو أعلم بما يُصْلِحُهُم؛ قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ (الملك: ١٤).
فهلم إلى استعراض بعض أنواع العلاجات التي جاءت في هذه الشريعة:
стр. 1225
أولا: التسلّح بالإيمان المقرون بالعمل الصالح:
قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ (النحل: ٩٧). وسبب ذلك واضح، فإن المؤمنين بالله الإيمان الصحيح، المثمر للعمل الصالح المصلح للقلوب والأخلاق والدنيا والآخرة، معهم أصول وأسس يتعاملون بها مع كلّ ما يَرِدُ عليهم من أنواع المسرات والأحزان.
فيتلقون النّعم والمسارّ بقبولٍ لها، وشكرٍ عليها، ويستعملونها فيما ينفع، فإذا فعلوا ذلك أحسوا ببهجتها وطمعوا في بقائها وبركتها ورجاء ثواب شكرها وغير ذلك من الأمور العظيمة التي تفوق بخيراتها وبركاتها تلك المسرات.
ويتلقون المكاره والمضار والهم والغم بالمقاومة لِما يُمْكِنُهُم مقاومته وتخفيف ما يمكنهم تخفيفه، والصبر الجميل لما ليس لهم عنه بُدٌّ، فيحصّلون منافع كثيرة من جَرَّاء حصول المكاره، ومن ذلك: المقاومات النافعة، والتجارب المفيدة، وقوة النفس، وأيضا الصبر واحتساب الأجر والثواب وغير ذلك من الفوائد العظيمة التي تضمحل معها المكاره، وتحل محلها المسار والآمال الطيبة، والطمع في فضل الله وثوابه، كما عبّر النبي ﵌ عن هذا المعنى بقوله: “ عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (رواه مسلم). وهكذا يكون النظر الإيجابي إلى الابتلاء.
ثانيًا: النظر فيما يحصل للمسلم من تكفير الذنوب وتمحيص القلب ورفع الدرجة، إذا أصابته غموم الدنيا وهمومها:
قال رسول الله ﵌: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ وَلا هَمٍّ وَلا حُزْنٍ وَلا أَذًى وَلا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلا كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» (رواه البخاري). وفي رواية مسلم: «مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلا نَصَبٍ وَلا سَقَمٍ وَلا حَزَنٍ حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ إِلا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ».
стр. 1226
فلْيَعْلم المهموم أن ما يصيبه من الأذى النفسي نتيجةً للهمّ لا يذهب سُدًى بل هو مفيد في تكثير حسناته وتكفير سيئاته، ولْيَعْلم المسلم أنه لولا المصائب لوَرَدْنا يوم القيامة مفاليس كما ذكر بعض السلف؛ ولذلك كان أحدهم يفرح بالبلاء كما يفرح أحدنا بالرخاء.
وإذا علم العبْدُ أن ما يصيبه من المصائب يكفّر عنه سيئاته فرح واستبشر، وخصوصًا إذا عُوجِل بشيء بعد الذنب مباشرة، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
(إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ) أَيْ أَسْرَعَ (لَهُ الْعُقُوبَةَ) أَيِ الِابْتِلَاءَ بِالْمَكَارِهِ (فِي الدُّنْيَا) لِيَخْرُجَ مِنْهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ، وَمَنْ فُعِلَ ذَلِكَ مَعَهُ فَقَدْ أَعْظَمَ اللُّطْفَ بِهِ وَالْمِنَّةَ عَلَيْهِ (أَمْسَكَ) أَيْ أَخَّرَ (عَنْهُ) مَا تَسْتَحِقُّهُ مِنَ الْعُقُوبَةِ (بِذَنْبِهِ) أَيْ بِسَبَبِهِ (حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ حَتَّى يَأْتِيَ الْعَبْدُ بِذَنْبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَعْنِي لَا يُجَازِيهِ بِذَنْبِهِ حَتَّى يَجِيءَ فِي الْآخِرَةِ مُتَوَفِّرَ الذُّنُوبِ وَافِيهَا فَيَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ مِنَ الْعِقَابِ.
ثالثًا: معرفة حقيقة الدنيا:
فإذا علم المؤمن أن الدنيا فانية، ومتاعَها قليل، وما فيها من لذة فهي مكدّرة ولا تصفو لأحد. إن أضحكت قليلًا أبكت طويلًا، وإن أعطت يسيرًا منعت كثيرًا، والمؤمن فيها محبوس كما قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ» (رواه مسلم).
وهي كذلك نَصَبٌ وأذى وشقاء وعناء؛ ولذلك يستريح المؤمن إذا فارقها كما جاء عن أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ: «مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ»، قَالُوا: «يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ»، قَالَ: «الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ» (رواه البخاري).
стр. 1227
وموت المؤمن راحة له من غموم دار الدنيا وهمومها وآلامها كما في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سدد خطاكم عَنِ النَّبِيِّ ﵌: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا قُبِضَ أَتَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ بَيْضَاءَ، فَتَقُولُ: «اخْرُجِي إِلَى رَوْحِ اللهِ»، فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبِ رِيحِ مِسْكٍ حَتَّى إِنَّهُمْ لَيُنَاوِلُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا يَشُمُّونَهُ، حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُونَ: «مَا هَذِهِ الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي جَاءَتْ مِنَ الْأَرْضِ؟»، وَلَا يَأْتُونَ سَمَاءً إِلَّا قَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَهْلِ الْغَائِبِ بِغَائِبِهِمْ، فَيَقُولُونَ: «مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟»، فَيَقُولُونَ: «دَعُوهُ حَتَّى يَسْتَرِيحَ، فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا» (رواه ابن حبان وغيره، وصححه الألباني).
إن هذا المعنى الذي يدركه المؤمن لحقيقة الدنيا يُهوّن عليه كثيرًا من وقع المصاب وألم الغمّ ونكد الهمّ؛ لأنه يعلم أنه أمر لا بدّ منه فهو من طبيعة هذه الحياة الدنيا.
رابعًا: ابتغاء الأسوة بالرسل ﵈ وبالصالحين واتخاذهم مَثلا وقدوة:
وهم أشد الناس بلاءً في الدنيا، والمرء يبتلى على قدر دينه، والله إذا أحب عبدًا ابتلاه، وقد سأل سعد سدد خطاكم النبي ﵌ فقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً»، قَالَ: «الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
خامسًا: أن يجعل العبد الآخرة همه لكي يجمع الله له شمله لما رواه أنس سدد خطاكم قال: قال رسول الله ﵌: «مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ. وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلا مَا قُدِّرَ لَهُ» (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
стр. 1228
(مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ) أَيْ قَصْدُهُ وَنِيَّتُهُ، (جَعَلَ اللهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ) أَيْ جَعَلَهُ قَانِعًا بالكفاف والكِفَاية كَيْلَا يَتْعَبَ فِي طَلَبِ الزِّيَادَةِ (وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ) أَيْ أُمُورَهُ الْمُتَفَرِّقَةَ بِأَنْ جَعَلَهُ مَجْمُوعَ الْخَاطِرِ بِتَهْيِئَةِ أَسْبَابِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ بِهِ (وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا) أَيْ مَا قُدِّرَ وَقُسِمَ لَهُ مِنْهَا (وَهِيَ رَاغِمَةٌ) أَيْ ذَلِيلَةٌ حَقِيرَةٌ تَابِعَةٌ لَهُ لَا يَحْتَاجُ فِي طَلَبِهَا إِلَى سَعْيٍ كَثِيرٍ بَلْ تَأْتِيهِ هَيِّنَةً لَيِّنَةً عَلَى رَغْمِ أَنْفِهَا وَأَنْفِ أَرْبَابِهَا (وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ) أَيْ جِنْسَ الِاحْتِيَاجِ إِلَى الْخَلْقِ كَالْأَمْرِ المحسوس مَنْصُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ (وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ) أَيْ أُمُورَهُ الْمُجْتَمَعَةَ (وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ) أَيْ وَهُوَ رَاغِمٌ فَلَا يَأْتِيهِ مَا يَطْلُبُ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى رَغْمِ أَنْفِهِ وَأَنْفِ أَصْحَابِهِ.
قال ابن القيم ﵀: «إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده تحمّل الله عنه سبحانه حوائجه كلها، وحمل عنه كلّ ما أهمّه، وفرّغ قلبه لمحبته، ولسانه لذكره، وجوارحه لطاعته، وإن أصبح وأمسى والدنيا همه حمّله الله همومها وغمومها وأنكادها ووكَلَه إلى نفسه، فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق، ولسانه عن ذكره بذكرهم، وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم، فهو يكدح كدح الوحوش في خدمة غيره. فكلّ من أعرض عن عبودية الله وطاعته ومحبته بُلِيَ بعبودية المخلوق ومحبته وخدمته. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ (الزخرف: ٣٦)».
سادسًا: ذكر الموت:
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» يَعْنِي الْمَوْتَ. (رواه الترمذي، وصححه الألباني). وعَن أَنَسسدد خطاكم أَن رَسولَ اللهِ ﵌ مَرَّ بِمَجْلِسٍ وَهُمْ يَضْحَكُونَ فَقَالَ: «أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ، فَإِنَّهُ مَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ فِي ضِيقٍ مِنَ الْعَيْشِ إلاَّ وَسَّعَهُ عَلَيْهِ، ولَا فِي سَعَةٍ إلاَّ ضَيَّقَهُ عَلَيْهِ» (رواه البزار، وحسنه الألباني).
стр. 1229
(هَاذِمِ اللَّذَّاتِ) بالذال المُعْجَمَة أي قاطعها. ويجتمل أن يكون بالدال المهملة، والمراد على التقديرين الموت فإنه يقطع لذات الدنيا قطعًا.
(أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ) أَي نغصوا بِذكرِهِ لَذَّاتِكُم حَتَّى يَنْقَطِع رُكُونَكُم إِلَيْهَا فتُقْبِلوا على الله . والإكثار من ذكر الموت عَظِيم النَّفْع؛ إِذْ بِهِ ينقص حبّ الدُّنْيَا وتنقطع علاقَة الْقلب عَنْهَا، ولو فكر البُلَغاءُ في قول المصطفى ﵌ ذلك لَعَلموا أنه أتى بهذا القليل على كل ما قيل في ذكر الموت ووُصِفَ به نظمًا ونثرًا.
وقال أبو حمزة الخراساني: «من أكثر ذكر الموت حُبِّبَ إليه كلُّ باق، وبُغِّضَ إليه كلُّ فانٍ». وقال القرطبي: «ذِكْرُ الموت يُورِثُ استشعار الانزعاج عن هذه الدار الفانية والتوجه في كل لحظة إلى الآخرة الباقية ثم إن الإنسان لا ينفك عن حالين: ضيق وسعة ونعمة ومحنة؛ فإن كان في حال ضيق ومحنة فذكر الموت يسهل عليه ما هو فيه من الاغترار بها والركون إليها». وقيل: «لا يدخل ذِكْرُ الموتِ بيتًا إلا رَضِيَ أهلُه بما قُسِمَ لهم».
أخي ما بالُ قلبِكَ ليسَ يَنْقَى ... كأنّكَ لا تظنُ الموتَ حقّا
ألَا يا ابْنَ الذينَ فَنَوْا وماتُوا ... أمَا واللهِ ما ذهبُوا لِتَبْقَى
سابعًا: دعاء الله تعالى:
ومنه ما هو وقاية ومنه ما هو علاج، فأما الوقاية فإن على المسلم أن يلجأ إلى الله ويدعوه متضرعًا إليه بأن يعيذه من الهموم ويباعد بينه وبينها، كما كان يفعل النبي ﵌؛ فقد قال خادمه أنس بن مالك سدد خطاكم واصفًا حال النبي ﵌: «كُنْتُ أَسْمَعُهُ كَثِيرًا يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَالعَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالبُخْلِ وَالجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» (رواه البخاري). (ضَلَع الدَّيْن) ثقله وشدته. (غَلَبَة الرِّجَال) قَهْرهم.
وهذا الدعاء مفيد لدَفْع الهَمّ قبل وقوعه، والدفع أسهل من الرفع.
стр. 1230
ومن أنفع ما يكون في ملاحظة مستقبل الأمور استعمال هذا الدعاء الذي كان النبي ﵌ يدعو به؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ» (رواه مسلم).
فإذا وقع الهم وألمّ بالمرء، فباب الدعاء مفتوح غير مغلق، والكريم إن طُرِق بابه وسُئِل أعطَى وأجاب. قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: ١٨٦).
ومن أعظم الأدعية في إذهاب الهمّ والغم والإتيان بعده بالفرج: الدعاء العظيم المشهور الذي حثّ النبي ﵌ كلّ من سمعه أن يتعلّمه ويحفظه، فقد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلا حَزَنٌ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلا أَذْهَبَ اللهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرحًا»، قَالَ: فَقِيلَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَلا نَتَعَلَّمُهَا؟»، فَقَالَ: «بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا» (رواه الإمام أحمد في المسند، وصححه الألباني، وقال أحمد شاكر: «إسناده صحيح»).
هذا الحديث العظيم فيه اعترافُ العبد أنه مملوك لله وأنه لا غِنَى له عنه، وليس له سيد سواه، والتزامٌ بعبوديته وإعلانُ الخضوعِ والامتثالِ لأمْره ونهْيِه، وأن الله يصرّفه ويتحكّم فيه كيف يشاء، وإذعانٌ لحكم الله ورِضًى بقضائه، وتوسُّلٌ إلى الله بجميع أسمائه قاطبة، ثم سؤالُ المطلوب ونُشْدَانُ المرغوب.
(وابْنُ أمَتِكَ) أي ابن جاريتك وهو اعتراف بالعبودية. (نَاصِيَتِي بِيَدِكَ) أي لا حول ولا قوة إلا بك، وهذا يدل على كمال قدرته تعالى على التصرف فيه، كما قال تعالى: