ويقول : ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ (الحج: ٦٧) أي: عيدًا يختصون به.
عن أنس ﵁ أن النبي ﵌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﵌ الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فَقَالَ: «مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟».
قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «إِنَّ اللهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ» (صحيح رواه أبوداود).
فالعيد شعيرة من شعائر الإسلام ومظهر من أجل مظاهره، تهاون به بعض الناس وقدموا الأعياد المحدثة عليه .. فترى من يستعد لأعياد الميلاد وأعياد الأم وشم النسيم والغطاس وغيرها ويسعد هو وأطفاله بقدومها ويصرف الأموال لإحيائها .. أما أعياد الإسلام فلا قيمة لها بل ربما تمر وهو معرض عنها غير ملتفت إليها.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج:٣٢)
• يوم العيد يوم فرح وسرور ولكن:
إن يوم العيد يوم فرح وسرور لمن طابت سريرته، وخلصت لله نيته.
واعلموا أيها المسلمون، أنه ليس السعيد من تزين وتجمل للعيد، فلَبِسَ الجديد (١)، ولا من خدَمَتْهُ الدنيا وأتتْه على ما يريد، إنما العيد لمن خاف يوم الوعيد واتقى ذا العرش المجيد .. وسكب الدمع تائبًا رجاء يوم المزيد .. والسعيد من فاز بتقوى الله تعالى، وكتب له النجاة من نار حرها شديد، وقعرها بعيد، وطعام أهلها الزقوم والضريع، وشرابهم الحميم والصديد، وفاز بجنة الخلد التي لا ينقص نعيمها ولا يبيد.
فالحذَر الحذَر أن تكون الأعيادُ موسمًا يُعَبُّ فيه من اللهو عَبًّا، بلا تحرُّز من حرام أو تباعُد عن باطل، فذلك ينافي تعاليمَ الإسلام، ويضادُّ مقاصدَه من الأعياد وغيرها.
•
стр. 527
وقفات سريعة موجزة مع آداب وأحكام العيد:
أولًا: احمدِ الله أن أتم عليك أيام هذا الشهر العظيم وجعلك ممن صامه وقامه. وأكثر من الدعاء بأن يتقبل الله منك الصيام والقيام وأن يتجاوز عن تقصيرك وزللك.
ثانيًا: التكبير:
التكبير في أيام العيدين سنة؛ قال الله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة:١٨٥).
ويسن جهر الرجال به في المساجد والأسواق والبيوت إعلانًا بتعظيم الله وإظهارًا لعبادته وشكره.
وكان ﵌ يخرج يوم الفطر فيكبر حتى يأتى المُصًلَّى، وحتى يقضي الصلاة، فإذا قضى الصلاة قطع التكبير. (أخرجه ابن أبي شيبة وصححه الألباني).
وكان ابن عمر ﵄ إذا غدا يوم الفطر ويوم الأضحى يجهر بالتكبير حتى يأتي المصلى ثم يكبر حتى يأتي الإمام. (رواه الدارقطني وصححه الألباني).
وجمهور العلماء على أن التكبير في عيد الفطر من وقت الخروج إلى الصلاة إلى ابتداء الخطبة. وقال بعض العلماء: التكبير من ليلة الفطر إذا رأوا الهلال حتى يغدوا إلى المصلى وحتى يخرج الامام.
ووقت التكبير في عيد الأضحى من صبح يوم عرفة إلى عصر أيام التشريق وهي اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة.
والتكبير في أيام التشريق لا يختص استحبابه بوقت دون وقت، بل هو مستحب في كل وقت من تلك الأيام.
وأصح ما ورد في صيغة التكبير ما رواه عبد الرزاق عن سلمان سدد خطاكم بسند صحيح قال: كبروا: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرًا. وجاء عن عمر وابن مسعود ﵄: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
стр. 528
ثالثًا: الاغتسال والتطيب للرجال ولبس أحسن الثياب:
بدون إسراف ولا إسبال ولا حلق لحية فهذا حرام ـ أما المرأة فيشرع لها الخروج إلى مصلى العيد بدون تبرج ولا تطيب. ونربأ بالمسلمة أن تذهب لطاعة الله وهي متلبسة بمعصية التبرج والسفور والتطيب أمام الرجال.
رابعًا: أكل تمرات: وترا ثلاث أو خمس قبل الذهاب إلى المصلى لفعل الرسول ﵌.
خامسًا: الصلاة مع المسلمين وحضور الخطبة: والذي رجحه المحققون من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيره: أن صلاة العيد واجبة ولا تسقط إلا بعذر، والنساء يشهدن العيد مع المسلمين حتى الحُيَّض، ويعتزل الحُيَّضُ المصلَّى.
سادسًا: مخالفة الطريق: يستحب الذهاب إلى مصلى العيد من طريق، والرجوع من طريق آخر لفعل النبي.
سابعًا: لا بأس بالتهنئة بالعيد: كقول (تقبل الله منا ومنك).
• مخالفات العيد:
وننبهك أخي الحبيب إلى بعض المخالفات ـ مع الأسف ـ التي تقع في يوم العيد وليلته لتحذيرها .. والعجب أن يختم بعض المسلمين هذه الطاعة بالمعاصي .. ويستبدل البعض الآخر الاستغفار في نهاية كل عبادة باللهو والعبث .. ومن المخالفات:
* اعتقاد مشروعية إحياء ليلة العيد والأحاديث الواردة فيها لا تصح.
* تخصيص يوم العيد لزيارة المقابر والسلام على الأموات.
* اختلاط النساء بالرجال في بعض المصليات والشوارع والمنتزهات.
* بعض الناس يجتمعون في العيد على الغناء واللهو والعبث وهذا لا يجوز.
* البعض يظهر عليه الفرح بالعيد لأن شهر رمضان انتهى وتخلص من العبادة فيه وكأنها حمل ثقيل على ظهره .. وهذا خطر عظيم.
стр. 529
*الإغراق في المباحات من لبس وأكل وشرب حتى تجاوز الأمر إلى الإسراف في ذلك. قال تعالى: ﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف:٣١).
• العيد استمرار على العهد وتوثيق للميثاق:
فيا من وفَّى في رمضان على أحسن حال لا تُغَيِّر في شوال .. ويا من أدرك العيد عليك بشكر النعم والثناء عليه ولا تنقض غزلًا من بعد قوة وعناء ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ *وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (النحل:٩١:٩٢).
﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ الأيمان: جمع يمين وهو الحلف بالله، وتوكيدها: تغليظها بالألفاظ الزائدة ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ أي وكيلًا، أي أثناء حلفكم به تعالى، فقد جعلتموه وكيلًا، فهذه الآية حرمت نقض الأيمان وهو نكثها وعدم الالتزام بها بالحنث فيها لمصالح مادية. وقوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ فيه وعيد شديد لمن ينقض أيمانه بعد توكيدها.
﴿نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾: أي أفسدت غزلها بعد ما غزلته. ﴿مِن بَعْدِ قُوَّةٍ﴾: أي إحكام له وبرم. ﴿أَنكَاثًا﴾: جمع نكث وهو ما ينكث ويحل بعد الإبرام. فهي تعبت على الغزل ثم على النقض، ولم تستفد سوى الخيبة والعناء وسفاهة العقل ونقص الرأي، فكذلك من نقض ما عاهد عليه فهو ظالم جاهل سفيه ناقص الدين والمروءة.
فنهى الله تعالى المؤمنين أن ينقضوا أيمانهم بعد توكيدها فتكون حالهم كحال هذه الحمقاء. وقوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا﴾ أي إفسادًا وخديعة كأن تحالفوا جماعة وتعاهدوها، ثم تنقضون عهدكم وتحلون ما أبرتم من عهد وميثاق وتعاهدون جماعة أخرى لأنها أقوى وتنتفعون بها أكثر. هذا معنى قوله تعالى ﴿أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ أي جماعة أكثر من جماعة رجالًا وسلاحًا أو مالًا ومنافع.
стр. 530
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ﴾ أي يختبركم فتعرض لكم هذه الأحوال وتجدون أنفسكم تميل إليها، ثم تذكرون نهي ربكم عن نقض الأيمان والعهود فتتركوا ذلك طاعة لربكم أولًا تفعلوا إيثارًا للدنيا عن الآخرة، ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ثم يحكم بينكم ويجزيكم، المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
* احذر الرجوع إلى الذنب بعد الطاعة فإن ذلك علامة مقت وخسران، فالعيد بقاء على الخير وثبات على الجادة واستمرار في الطريق قال بعض أصحاب سفيان الثوري: خرجت مع سفيان يوم العيد فقال: «إن أول ما نبدأ به يومنا هذا غض البصر».
* حذار حذار من جلساء وأصحاب السوء واصطحاب آلات اللهو في المتنزهات والاستراحات والعكوف عليها، قال ﵌: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ» (رواه البخاري).
(الْحِرَ):الْفَرْج، وَالْمَعْنَى يَسْتَحِلُّونَ الزِّنَا، (وَالْمَعَازِف) هِيَ آلَات الْمَلَاهِي، أي الآلات الموسيقية.
• رب رمضان هو رب كل الشهور:
لا تنس أيها الأخ الحبيب أن رب رمضان هو رب الشهور .. واستمر على الطاعة واسأل الله الثبات على هذا الدين حتى تلقاه، وأعلم أن نهاية وقت الطاعة والعبادة ليس رؤية هلال العيد كما يتوهم البعض بل هو كما قال الله : ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (الحجر:٩٩). واليقين هو الموت .. قال بعض السلف: ليس لعمل المسلم غاية دون الموت.
وقال الحسن: أبَى قوم المداومة، والله ما المؤمن بالذي يعمل شهر أو شهرين أو عام أو عامين، لا والله ما جعل لعمل المؤمن أجل دون الموت.
وقرأ عمر بن الخطاب وهو يخطب الناس على المنبر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (فصلت:٣٠). فقال: استقاموا والله بطاعة الله ثم لم يروغوا روغان الثعلب.
стр. 531
وإن ودَّعْتَ ـ أيها المسلم ـ شهر الطاعة والعبادة وموسم الخير والعتق من النار فإن الله جعل لنا من الطاعات والعبادات ما تهنأ به نفس المؤمن وتقر به عين المسلم من أنواع النوافل والقربات طوال العام ومن ذلك:
*صيام ست من شوال؛ قال ﵌: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ». (رواه مسلم). وإن كان عليك قضاء فاقْضِه ثم صُمْها.
* صيام أيام البيض ١٣، ١٤، ١٥، وصيام يوم عرفه لغير الحاج، وكذلك صيام أيام الاثنين والخميس.
* قيام الليل والمحافظة على الوتر. وتأَسَّ بالأخيار ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (الذاريات:١٧).
* المداومة على الرواتب التابعة للفرائض اثنتا عشرة ركعة: أربع قبل الظهر وركعتان بعده وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء وركعتان قبل الفجر.
* قراءة القرآن والحرص على ذلك يوميًّا ولو جزءًا واحدًا على الأقل.
* احرص على أعمال البر واستقم على الطاعة. قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾ (هود:١١٢). وأنواع الطاعات كثيرة وأجرها عظيم قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (النحل:٩٧).
فاحرص أخي المسلم على الاستمرار على الأعمال الصالحة واحذر أن يفجأك الموت على معصية .. واستحضر أن من علامات قبول عملك في رمضان استمرارك على الطاعة بعده .. والحسنة تتبعها الحسنة والسيئة تجر السيئة.
* تذلل وتضرع وأدع ربك أن يحييك على الإسلام وأن يميتك عليه وأسأله الثبات على كلمة التوحيد عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ
стр. 532
تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: «نَعَمْ؛ إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ». (صحيح رواه الترمذي).
• أيام العيد أيام عبادة وشكر:
أيام العيد ليست أيام لهو وغفلة بل هي أيام عبادة وشكر، والمؤمن يتقلب في أنواع العبادة، ولا يُعرفُ حدٌّ لها .. ومن تلك العبادات التي يحبها الله ويرضاها: صلة الأرحام وزيارة الأقارب وترك التباغض والتحاسد والعطف على المساكين والأيتام وإدخال السرور على الأرملة والفقير.
وتأمل دورة الأيام واستوحش من سرعة انقضائها .. وافزع إلى التوبة وصدق الالتجاء إلى الله ووطِّن أيها الحبيب نفسك على الطاعة وأَلْزِمْها العبادة فإن الدنيا أيام قلائل.
وأعلم أنه لا يهدأ قلب المؤمن ولا يسكن روعة حتى تطأ قدمه الجنة .. فسارع إلى جنة عرضها السموات والأرض وجنب نفسك نارًا تلظى لا يصلاها إلا الأشقى. عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، وَأَنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» (رواه البخاري).
• احذر الركون إلى الدنيا وكفران النعم:
اشتهت زوجة المعتمد بن عباد ـ أحد ولاة الأندلس ـ أن تمشي في الطين وتحمل القِرَب؟! فأمر المعتمد أن يُنْثَرَ المسكُ على الكافور والزعفران وتحمل قربًا من طيب المسك لتخوض فيه زوجته تحقيقًا لشهوتها.
وتجري السُنّة الإلهية وتتهاوى حصون الإسلام في الأندلس بسبب اللهو والغفلة والإغراق في الشهوات ليؤخذ المعتمد أسيرًا إلى (أغمات) وتبقى بناته يتجرَّعْنَ كأس الفقر بعد الغنى، والذلة بعد العزة؛ يغْزِلْنَ للناس ـ يتكسّبْنَ ـ حتى إذا علم المعتمد بذلك تمثل يقول:
فيما مضَى كنتَ بالأعيادِ مسْرورًا فساءَك العيدُ في أغمات مأْسُورًا
ترَى بناتَك في الأطمارِ جائعةً يغزِلْنَ للناسِ ما يملكْنَ قِطْمِيرَا
стр. 533
برَزْنَ نحوَكَ للتسليمِ خاشعةً أبصارُهن حسيراتٍ مكاسيرَا
يَطَأنَ في الطينِ والأقدامُ حافيةٌ كأنّها لم تطَأ مِسْكًا وكافورَا
مَن باتَ بعدَك في مُلكٍ يُسَرُّ به فإنما باتَ بالأحلامِ مسرورَا
﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (النحل:١١٢).
• العيد فرصة لتحسين العلاقات وتسوية النزاعات وجمع الشمل ورأب الصدع وقطع العداوات المستشرية:
ورحم الله من أعان على إعادة مياه المودة إلى مجاريها؛ فاجعل هدية العيد لهذا العام عفو وصفح وغفران، قال : ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (التغابن:١٤) ما أجمل أن يكون العيد فرصة لصلة المتهاجرين والتقاء المتقاطعين.
إن الرجل الكريم هو من يعفو عن الزلة ولا يحاسب على الهفوة حاله كما قيل:
وإنّ الذي بينِي وبينَ بَنِي أخِي وبينَ بنِي عمّي لمختلفٌ جِدَّا
إذا نَهَشُوا لحمِي وَفَرْتُ لحومَهم وليس زعيم القومِ مَن يحملُ الحِقْدَا
(وَفَرْتُ: حميتُ وصُنْتُ).
ليس زعيم القوم من يحمل الحقدا، ليس كريمًا ولا عظيمًا ولا سيدًا من يجمع الأحقاد ويحمل الضغائن ويداوم على الجفاء والقطيعة. إنه لابد لتحسين العلاقات من نفوس كبيرة تتسع لهضم البغضاء وقضم العداوات؛ ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (الشورى: ٣٧).
لقد دعا الإسلام إلى احتواء النزاعات بفعل المعروف ـ خاصة مع الأقارب ـ واعتبر ذلك من أفضل البر فعن أم كلثوم بنت عقبة ﵂ أن النبي ﵌ قال: «أفْضَلُ الصَّدَقَةِ: الصَدَقَةُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ» (صحيح رواه أحمد وغيره).
الكاشِحُ: العَدُوُّ الذي يُضْمِر عَداوَته ويَطْوي عليها كَشْحَه: أي باطِنَه.
يعني أفضل الصدقة على ذي الرحم المضمر العداوة في باطنه فالصدقة عليه أفضل منها على ذي الرحم الغير كاشح لما فيه من قهر النفس للإذعان لمعاديها.
فأصلحوا ذات بينكم، ولا يصدنكم الشيطان، فإنه قد يزين للمسلم أن هذا التنازل عن الحقوق والصفح عن الهفوات نوع ضعف وعجز ومهانة وأن يقال في المسلم ذلك خير له من أن يقع في بحور القطيعة وخطيئة فعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» (رواه البخاري ومسلم).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ» (رواه مسلم).
وقال ﵌: «لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا» (رواه البخاري ومسلم). (وَلَا تَدَابَرُوا) التَّدَابُر الْمُعَادَاة، وَقِيلَ: الْمُقَاطَعَة؛ لِأَنَّ كُلّ وَاحِد يُوَلِّي صَاحِبه دُبُره.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا تَتَهَاجَرُوا فَيَهْجُر أَحَدكُمْ أَخَاهُ، مَأْخُوذ مِنْ تَوْلِيَة الرَّجُل الْآخَر دُبُره إِذَا أَعْرَضَ عَنْهُ حِين يَرَاهُ، وَالْحَسَد تَمَنِّي زَوَال النِّعْمَة، وَهُوَ حَرَام.
وَمَعْنَى (كُونُوا عِبَاد اللهِ إِخْوَانًا) أَيْ تَعَامَلُوا وَتَعَاشَرُوا مُعَامَلَة الْإِخْوَة، وَمُعَاشَرَتهمْ فِي الْمَوَدَّة وَالرِّفْق، وَالشَّفَقَة وَالْمُلَاطَفَة، وَالتَّعَاوُن فِي الْخَيْر، وَنَحْو ذَلِكَ، مَعَ صَفَاء الْقُلُوب، وَالنَّصِيحَة بِكُلِّ حَال.
• معاشر النساء:
أَجِبْنَ نداء الله لَكُنَّ حيث قال: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ (الأحزاب: ٣٣) إنها آية عظيمة جامعة لو تأملَتْها المرأة وعملت بها لحازت خير الدنيا والآخرة.
إن الأصل في المرأة قرارها في البيت إذ هي نور أركانه وسكون أرجائه والخروج من البيت أمر طارئ لا يكون إلا لحاجة البيت هو وظيفة المرأة الأساس فما بالنا نرى
стр. 534
تهافت النساء على الخروج من البيت لحاجة ولغير حاجة والله يقول: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾.
إنَّ خير النساء امرأة البيت فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ:
«خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ؛ أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ» (رواه البخاري ومسلم).
(أَحْنَاهُ): أَكْثَره شَفَقَة، وَالْحَانِيَة عَلَى وَلَدهَا هِيَ الَّتِي تَقُوم عَلَيْهِمْ فِي حَال يُتْمهمْ فَلَا تَتَزَوَّج، (وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْج فِي ذَات يَده) أَيْ أَحْفَظ وَأَصْوَن لِمَالِهِ بِالْأَمَانَةِ فِيهِ وَالصِّيَانَة لَهُ وَتَرْك التَّبْذِير فِي الْإِنْفَاق.
إن مكان المرأة في البيت لا يمكن أن يسده أحد، إن الخادمة في البيت قد تعد الطعام والشراب واللباس وتنظف الملابس والبيت لكنها لا تستطيع أن تمنح البيت حنان الأم.
قال أحد المشايخ الثقات: «لي قريبة تدرس في إحدى المدارس فلما أرادت أن تخرج إلى المدرسة كعادتها لحِقَ بها طفلها الصغير وهو يناديها، فالتفتت إليه وقالت: ماذا تريد فقال: أين تذهبين عني كل يوم فقالت: للمدرسة.
فقال ولماذا؟ قالت: حتى آتي لك بالمال تشتري به ألعاب وحلوى ـ وكأنها تريد أن تخفف عنه لوعة الفراق ـ فلما جاء يوم وأرادت الخروج كعادتها لحق بها ينادي وهو يمد يده قد قبض بكفه على ريال وهو يقول: «خذي يا أماه، واجلسي معي في البيت».
* عليكِ بخدمة الزوج والقيام معه بالطاعة ورعاية أولاده وحفظ ماله ومتاعه فإن لك بذلك عظيم الأجر وجزيل العطاء وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «إذَا صَلّتْ المرْأةُ خَمْسَهَا وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحصَّنَتْ فَرْجَهَا، وَأطَاعَتْ زَوْجَهَا قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي مِنْ أيِّ أبْوَابِ الجَنَّةِ شِئْتِ» (صحيح رواه ابن حبان).
وروى الطبراني في معجمه وصححه الألباني أن النبي ﵌ قال: «ألَا أخْبِرُكُمْ بِنِسَائِكُمْ فِي الجَنَّةِ؟» (يعني نساء الدنيا) قلنا: بلى يا رسول الله، قال: «الوَدُودُ الوَلُودُ
стр. 535
العَؤُودُ التِي إذَا ظُلِمَتْ قَالَتْ: هَذِهِ يَدِي فِي يَدِكَ لَا أذُوقُ غَمْضًا حَتَّى تَرْضَى» (حسن رواه الطبراني).
أما لكِ أسوة حسنة في عباسة بنت الفضل زوجة الإمام أحمد فقد قال عنها الإمام أحمد: أقمت مع (أم صالح) ثلاثين سنة!! فما اختلفت أنا وهي في كلمة!! ثم ماتت ـ رحمها الله .
* احذري الخضوع في مخاطبة الرجال ومخالطتهم وإبداء الزينة لهم ابتعدي عن ذلك في أماكن العبادة كمكة وفي الأعياد والجمع فضلًا عن الأسواق والحدائق العامة.
عن أَبِي أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْمَسْجِدِ فَاخْتَلَطَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ رَسُولُ الله ﵌ لِلنِّسَاءِ: «اسْتَأْخِرْنَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ، عَلَيْكُنَّ بِحَافَّاتِ الطَّرِيقِ»، فَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تَلْتَصِقُ بِالْجِدَارِ حَتَّى إِنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا بِهِ» (حسن صحيح رواه أبو داود).
(وَهُوَ خَارِج): أَيْ النَّبِيّ ﵌. (أَنْ تَحْقُقْنَ) هُوَ أَنْ يَرْكَبْنَ حِقّهَا وَهُوَ وَسَطهَا. وَالْمَعْنَى أَنْ لَيْسَ لَهُنَّ أَنْ يَذْهَبْنَ فِي وَسَط الطَّرِيق. (بِحَافَّاتِ): جَمْع حَافَّة وَهِيَ النَّاحِيَة (ثَوْبهَا): أَيْ الْمَرْأَة (مِنْ لُصُوقهَا): أَيْ الْمَرْأَة (بِهِ): بِالْجِدَارِ.
* احذري مشابهة الكافرات والماجنات بحجة متابعة الموضة؛ قال رسول الله ﵌: «مَنْ َتَشَّبَه بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ». (صحيح رواه الإمام أحمد وغيره).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا» (رواه مسلم).
قال النووي ﵀: هَذَا الْحَدِيث مِنْ مُعْجِزَات النُّبُوَّة، فَقَدْ وَقَعَ مَا أَخْبَرَ بِهِ ﵌، فَأَمَّا أَصْحَاب السِّيَاط فَهُمْ غِلْمَان وَالِي الشُّرْطَة.
وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (الأحزاب٥٩).
احذري دعوات التغريب وسهام التضليل التي يقذف بها الأعداء. احذري تمييع الحجاب فالحجاب ستر وليس زينة. وليست العباءة الضيقة ولا الشفافة ولا مطرزة الأكمام حجابًا شرعيًا.
* أيتها المسلمة .. الله لحكمته جعل القوامة بيد الرجل ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (النساء:٣٤) فكان ذلك تكليفًا له بهذه الأمانة من أجل رعاية البيت وحمايته وحفظه.
وإن التمرد على القوامة والنشوز دون حق شرعي يعتبر من أعظم الذنوب التي يعاقب الله عليها عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ» (رواه البخاري ومسلم).
الْفِرَاش كِنَايَة عَنْ الْجِمَاع، وَظَاهِر الْحَدِيث اِخْتِصَاص اللَّعْن بِمَا إِذَا وَقَعَ مِنْهَا ذَلِكَ لَيْلًا لِقَوْلِهِ ﵌: «حَتَّى تُصْبِح» وَكَأَنَّ السِّرّ تَأَكُّد ذَلِكَ الشَّأْن فِي اللَّيْل وَقُوَّة الْبَاعِث عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجُوز لَهَا الِامْتِنَاع فِي النَّهَار، وَإِنَّمَا خُصَّ اللَّيْل بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ الْمَظِنَّة لِذَلِكَ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهَا فَتَأْبَى عَلَيْهِ إِلَّا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا» (رواه مسلم).
• أيها الرجال:
على الزوج أيضًا أن يتقي الله في زوجته فلا يظلمها ولا يضربها، عليه أن يحفظ لها قيمتها وقدرها خصوصًا عند أولادها.
عليك أيها الزوج أن تعلم أن رباط الزوجية رباط وثيق فهو رباط مصاحبة لا ينقطع بالموت؛ قال : ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (عبس:٣٣ـ٣٨).
стр. 538
إنه عقد صحبة لا عقد رق وولاء وفي الحديث عنه ﵌ قال: «كُلّ نَفْسٍ مِنْ بَنِي آدَمَ سَيِّدٌ؛ فالرَّجُلُ سَيِّدُ أهْلِهِ، والمرْأةُ سَيِّدَةُ بَيْتِهَا» (صحيح رواه ابن السني).
فالواجب احترام سيادة المرأة في البيت وأن لا تسقط خاصة عند أولادها، وحين يدوس الزوج كرامة المرأة وتفعل المرأة ذلك فهو إذن سقوط البيت وتقويض خيامه وذهاب قيمته التربوية ودوره المرتقب.
لابد أن يُبْنَى البيت على المودة والرحمة ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم:٢١) ولابد أن يبنى البيت على العفو والصفح بين كل من الطرفين ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (التغابن:١٤) وحين يرى أحد الطرفين من الآخر ما يسوؤه فليتذكر محاسنه وجوانب الكمال فيه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» (رواه مسلم).
تسامَحْ ولا تَسْتَوْفِ حقّك كُلّهُ ... وأبْقِ فلمْ يستَوْفِ قَطّ كريمُ
أيها الرجال، اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا» (رواه البخاري ومسلم). وفي رواية لمسلم: «إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ فَإِنْ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا». (رواه مسلم).
(أَعْلَاهَا): رَأْسهَا، وَفِيهِ لِسَانهَا وَهُوَ الَّذِي يَحْصُل مِنْهُ الْأَذَى.
(وَإِنْ تَرَكْته لَمْ يَزَلْ أَعْوَج) أَيْ وَإِنْ لَمْ تُقِمْهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَج.
(فَاسْتَوْصُوا) أَيْ أُوصِيكُمْ بِهِنَّ خَيْرًا فَاقْبَلُوا وَصِيَّتِي فِيهِنَّ وَاعْمَلُوا بِهَا.
(بِالنِّسَاءِ خَيْرًا) كَأنَ فِيهِ رَمْزًا إِلَى التَّقْوِيم يَرْفُق بِحَيْثُ لَا يُبَالِغ فِيهِ فَيَكْسِر وَلَا يَتْرُكهُ فَيَسْتَمِرّ عَلَى عِوَجه، فلَا يَتْرُكهَا عَلَى الِاعْوِجَاج إِذَا تَعَدَّتْ مَا طُبِعَتْ عَلَيْهِ مِنْ
стр. 539
النَّقْص إِلَى تَعَاطِي الْمَعْصِيَة بِمُبَاشَرَتِهَا أَوْ تَرْكِ الْوَاجِب، وَإِنَّمَا الْمُرَاد أَنْ يَتْرُكهَا عَلَى اِعْوِجَاجهَا فِي الْأُمُور الْمُبَاحَة.
وَفِي الْحَدِيث النَّدْب إِلَى الْمُدَارَاة لِاسْتِمَالَةِ النُّفُوس وَتَأَلُّف الْقُلُوب. وَفِيهِ سِيَاسَة النِّسَاء بِأَخْذِ الْعَفْو مِنْهُنَّ وَالصَّبْر عَلَى عِوَجهنَّ، وَأَنَّ مَنْ رَامَ تَقْوِيمهنَّ فَإِنَّهُ الِانْتِفَاع بِهِنَّ مَعَ أَنَّهُ لَا غِنَى لِلْإِنْسَانِ عَنْ اِمْرَأَة يَسْكُن إِلَيْهَا وَيَسْتَعِين بِهَا عَلَى مَعَاشه، فَكَأَنَّهُ قَالَ: الِاسْتِمْتَاع بِهَا لَا يَتِمّ إِلَّا بِالصَّبْرِ عَلَيْهَا.
فالمرأة فيها الغيرة والعاطفة والليونة، وكل ذلك أمر طبعي؛ فعلينا أن نتعلم كيف نتعامل مع هذا الاعوجاج الفطري والذي يعتبر منتهى الكمال في حقها فاستقامة المنجل في اعوجاجه.
• احذروا كيد الأعداء:
فإنهم لا يريدون بكم خيرًا وقد أخبركم ربكم بدوام عداوتهم لكم ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (البقرة:٢١٧) وأنهم لن يرضوا عنكم إلا بانسلاخكم عن دينكم ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة:١٢٠).
لقد نطقوا بالحقد قديمًا وحديثًا ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أكبر﴾ (آل عمران:١١٨) يقول (جلادستون) رئيس وزراء بريطانيا سابقًا: «مادام هذا القران موجود في أيدي المسلمين فلن تستطيع أوربا السيطرة على الشرق».
لما كانت قلوبنا تردد التكبير مع الألسن نصرنا بالرعب مسيرة شهر وأحكمنا الأمر.
إن تكبيرنا في العيد إعلانٌ لانتصار الدين على الدنيا والآخرة على الأولى، فالله أكبر من الدنيا ولذائذها والله أكبر من كيد الأعداء ِ ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أكبر﴾ (العنكبوت:٤٥)، لقد دخلنا الأندلس لما كان نشيد طارق بن زياد في العبور (الله أكبر) وبقينا فيها زمانًا
стр. 540
كانت الهمة تغلب الشهوة؛ ذكر أهل السير أنه لما قدم لعبد الرحمن الداخل الخمر قال: «إني لما يزيد في عقلي أحوج، لا لما ينقصه».
• جسد واحد:
أخي المسلم، وأنت تعيش العيد لا تنسى أن تعيشه بروح الجسد الواحد فتذكر إخوانك في فلسطين وما يلاقونه من شرذمة اليهود الغاصبين، وإخوانك في العراق وأفغانستان والشيشان وفي كشمير والفلبين وفي الصومال وكيف تكالبت عليهم قوى الكفر والطغيان.
عليك بكثرة الدعاء لهم واجعل من موسم العيد إعادةً لقضيتهم ونشرًا لصحيح أخبارهم. وتذكَّر أنهم يعيشون العيد تحت قذائف الطائرات ودوي الدبابات، كان الله لهم في العون وربط على قلوبهم وثبت أقدامهم.
يعودُ العيدُ ياأحبابْ ... سعيدًا يقرعُ الأبوابْ
يُحَيّينا .. ....... ويُحْيينا ... ويدعونا إلى المحرابْ
يعودُ الحبُّ للقلبِ ... وهل أحلى من الحبِّ؟!
فنَهْنَا بالجنَا العذبِ ... وندعو الله َ: يا توابْ
نرى الفقراءَ قد ناموا ... وفي الأكبادِ آلامُ
وقبلَ الصوم قد صاموا ... وأنتَ الرازق الوهّابْ
فكبِّرْ يا أخا الإسلامْ ... فهذا أسعدُ الأيامْ
وهيّا نمسح الآلامْ ... ونسقي الخيرَ َبالأكوابْ
دموعُ القدسِ خلفَ النارْ ... تنادِي موكبَ الأحرارْ
فكبّرْ .. دمِّر الأسوارْ ... فربُّك هازمُ الأحزابْ
أيَا عيدٌ متى النصرُ؟ ... متى حطينُ أو بدرُ؟
تُرى هل يشرقُ الفجرُ؟ ... ونفرحُ فرحةَ الأصحابْ
стр. 541
*إن نصر هذه الأمة قد أقبلت أيامُه فأحسِنوا الظن بربكم واجمعوا مع الأمل حسن العمل واعلموا أن الشدائد التي تمر بها الأمة هي أمارات ميلاد جديد بإذن الله فإن مع العسر يسرًا، إن مع العسر يسرًا.
لا تقولوا: زرع الزارعُ والباغي حَصَدْ
ذهب الأقصى وضاعت قدسُنا منّا وحيفانا ويافا وصَفَدْ
لا تقولوا: حارس الثَّغْر رَقَدْ
أنا لا أُنكر أنَّ البَغْيَ في الدُّنيا ظَهَرْ
والضَّميرَ الحيَّ في دوَّامة العصر انْصَهَرْ
أنا لا أُنكر أنَّ الوهمَ في عالمنا المسكون بالوهم انتشرْ
غيرَ أنَّي لم أزلْ أحلف بالله الأحَدْ
أنَّ نَصْرَ اللهِ آتٍ، وعدوَّ اللهِ لن يلقى من الله سَنَدْ
لن ينال المعتدي ما يبتغي في القدسِ .... ما دام لنا فيها وَلَدْ ...
*******
أتيتُ لكيْ أبشِّرَكُم ... بمصرعِ ليلِنا القاسِي
أرى مِن قومِنا طفلًا ... يرتِّلُ سورةَ (الناسِ)
يعوذُ بربِّه مِن شرِّ ... وَسواسٍ ٍ وخناسِ
ِيقرأُ سورةَ (الأنفالِ) ... يُرهب ألف جساسِ
ِأرى جيلًا بصحوتِنا ... شديدَ العزمِ والباسِ
ِبصوتِ الحقِّ يصرخُ ... ثائرًا بوجوهِ أنجاسِ
كتابُ اللهِ قائدُنا ... نسيرُ بخيرِ نبراسِ
هو الفرقانُ إن تاهتْ ... خنازيرٌ بأرجاس ِ
هو الميزان إن مالت ... يَدَا قَسٍّ ومَكَّاسِ
أنخشَى الناسَ ياعجبًا ... وننسى خالقَ الناسِ
стр. 542
٤٨ - الحج: عبر وعظات
يا سائرينَ إلى البيتِ العتيقِ لقَدْ سِرْتُم جُسُومًا وسِرْنَا نحنُ أروَاحَا
إنّا أقَمْنَا علَى عُذرٍ وعن قدرٍ ومن أقام على عذرٍ كَمَنْ رَاحَا
• متى فرض الحج:
فُرِضَ الحج على الصحيح سَنَة تسع من الهجرة، وهي سنة الوفود التي نزلت فيها سورة آل عمران وفيها قول الله تعالى: ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران:٩٧)
• حُكم الحج:
الفرضية، وهو من أركان الدين، ودليله ما سبق من الآية الكريمة، وكذا جاء في السنة ما يدل عليه؛ فعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﵌: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ». (رواه البخاري ومسلم).
• هل يجب الحج على الفور؟
نعم هو على الفور، ودليله ما سبق من الآية الكريمة، وهو الأصل في الأوامر الشرعية، ومن السنة ما يدل على هذا الحكم:
١ - عن ابن عباس ﵄ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ وَتَضِلُّ الضَّالَّةُ وَتَعْرِضُ الْحَاجَةُ» (حسن رواه ابن ماجه).
• الحج يجب مرة واحدة في العمر:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﵌ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا»، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ» ثُمَّ قَالَ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ؛ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ؛ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ». (رواه مسلم).
• فضل الحج:
قد جاء في فضل الحج أحاديث كثيرة، منها:
١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ سُئِلَ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ»، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ» (رواه البخاري ومسلم).
والحج المبرور معناه: أ- أن يكون من مالٍ حلال. ب-أن يبتعد عن الفسق والإثم والجدال فيه. جـ - أن يأتي بالمناسك وفق السنة النبوية. د - أن لا يرائي بحجه، بل يخلص فيه لربه. هـ- أن لا يعقبه بمعصية أو إثم.
٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﵌ يقول: «مَنْ حَجَّ للهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». (رواه البخاري ومسلم).
٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ». (رواه البخاري ومسلم).
٤ - عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا نَغْزُو وَنُجَاهِدُ مَعَكُمْ؟ فَقَالَ: «لَكِنَّ أَحْسَنَ الْجِهَادِ وَأَجْمَلَهُ الْحَجُّ، حَجٌّ مَبْرُورٌ»، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: «فَلَا أَدَعُ الْحَجَّ بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﵌» (رواه البخاري).
٥ - قال رسول الله ﵌ لعمرو بن العاص ﵁: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ». (رواه مسلم).
٦ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؛ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» (صحيح رواه الترمذي).
٧ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ وَفْدُ اللهِ، دَعَاهُمْ فَأَجَابُوهُ، وَسَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ». (حسن رواه ابن ماجه).
стр. 543
• منافع الحج:
قال الله : ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (الحج: ٢٨).
والمنافع: دنيوية ودينية.
أما الدينية: فلتحصيل رضوان الله تعالى، والعودة بمغفرة الذنوب جميعًا، وكذا الأجور العظيمة التي لا توجد إلا في تلك الأماكن، فمثلًا الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، ولا يوجد طواف ولا سعي إلا في تلك الأماكن.
ومن المنافع لقاء المسلمين، والوقوف على أحوالهم، ولقاء أهل العلم، والاستفادة منهم، وطرح المشكلات عليهم.
وأما المنافع الدنيوية فمنها التجارة، وسائر وجوه المكاسب الناشئة والمتعلقة بالحجّ.
• حِكَم الحج، وما فيه من آثار على النفس:
لأداء مناسك الحج فضائل متعددة وحِكَم بالغة من وُفِّق لفهمهما والعمل بها وفق لخير عظيم، ومنها:
١ - سفر الإنسان إلى الحج لأداء المناسك: يتذكر سفره إلى الله والدار الآخرة، وكما أن في السفر فراق الأحبة والأهل والأولاد والوطن؛ فإن السفر إلى الدار الآخرة كذلك.
قال ﵌: «يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ: يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ» (رواه البخاري ومسلم).
(يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ) هَذَا يَقَع فِي الْأَغْلَب، وَرُبَّ مَيِّتٍ لَا يَتْبَعُهُ إِلَّا عَمَلُهُ فَقَطْ، وَالْمُرَادُ مَنْ يَتْبَعُ جِنَازَتَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَرُفْقَتِهِ وَدَوَابِّهِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْعَرَبِ، وَإِذَا اِنْقَضَى أَمْرُ الْحُزْنِ عَلَيْهِ رَجَعُوا، سَوَاءٌ أَقَامُوا بَعْدَ الدَّفْنِ أَمْ لَا.
٢ - وكما أن الذاهب في هذا السفر يتزود من الزاد الذي يبلِّغه إلى الديار المقدسة، فليتذكر أن سفره إلى ربه ينبغي أن يكون معه من الزاد ما يبلِّغه مأمنه، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (البقرة:١٩٧).
стр. 544
تزوَّدْ مِن التقوَى فإنك لا تَدرِي ... إذا جَنّ ليلٌ هل تعيشُ الى الفجرِ
فكم مِن فتًى أمسَى وأصبحَ ضاحكًا وقد نُسِجَتْ أكفانُه وهو لا يدرِي
وكم مِن عروسٍ زينُوها لزوجِها ... وقد قُبضَتْ أرواحهمْ ليلةَ القدْرِ
ِوكم مِن صحيحٍ ماتَ مِن غيرِ عِلَّةٍ وكم مِن سَقيمٍ عاش حِينًا مِن الدهرِ
٣ - وكما أن السفر قطعة من العذاب فالسفر إلى الدار الآخرة كذلك وأعظم منه بمراحل، فأمام الإنسان النَزْعُ والموت والقبر والحشر والحساب والميزان والصراط ثم الجنة أو النار، والسعيد من نجَّاه الله تعالى.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «يَجْمَعُ اللهُ ﵎ النَّاسَ فَيَقُومُ الْمُؤْمِنُونَ حَتَّى تُزْلَفَ لَهُمْ الْجَنَّةُ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: يَا أَبَانَا اسْتَفْتِحْ لَنَا الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: «وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ إِلَّا خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ آدَمَ لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، اذْهَبُوا إِلَى ابْنِي إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللهِ».
قَالَ: فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: «لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ إِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلًا مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ، اعْمِدُوا إِلَى مُوسَى ﵊ الَّذِي كَلَّمَهُ اللهُ تَكْلِيمًا».
فَيَأْتُونَ مُوسَى ﵊ فَيَقُولُ: «لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى كَلِمَةِ اللهِ وَرُوحِهِ»، فَيَقُولُ عِيسَى ﵊: «لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا ﵌ فَيَقُومُ فَيُؤْذَنُ لَهُ.
وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيْ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ.
قَالَ: قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَيُّ شَيْءٍ كَمَرِّ الْبَرْقِ؟
قَالَ: أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْبَرْقِ كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ.
ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ، وَشَدِّ الرِّجَالِ، تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ، وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ: «رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ»،حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلَا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلَّا زَحْفًا.
قَالَ: وَفِي حَافَتَيْ الصِّرَاطِ كَلَالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ، فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ، وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ».
وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ إِنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعُونَ خَرِيفًا. (رواه مسلم).
(تُزْلَف لَهُمْ الْجَنَّة): تَقْرُب، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّة لِلْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ: قَرُبَتْ.
قَوْله ﵌ عَنْ إِبْرَاهِيم ﵌: (إِنَّمَا كُنْت خَلِيلًا مِنْ وَرَاء وَرَاء) هَذِهِ كَلِمَة تُذْكَر عَلَى سَبِيل التَّوَاضُع أَيْ: لَسْت بِتِلْكَ الدَّرَجَة الرَّفِيعَة.
قَوْله ﵌: (وَتُرْسَل الْأَمَانَة وَالرَّحِم فَتَقُومَانِ جَنْبَتَيْ الصِّرَاط):
(جَنَبَتَا الصِّرَاط) جَانِبَاهُ. و (إِرْسَال الْأَمَانَة وَالرَّحِم) لِعِظَمِ أَمْرهمَا وَكِبَر مَوْقِعهمَا فَتُصَوَّرَانِ مُشَخَّصَتَيْنِ عَلَى الصِّفَة الَّتِي يُرِيدهَا اللهُ تَعَالَى.
(شَدّ الرِّجَال) عَدْوُهَا الْبَالِغ وَجَرْيُهَا. (تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالهمْ) مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي سُرْعَة الْمُرُور عَلَى حَسَب مَرَاتِبهمْ وَأَعْمَالهمْ.
٤ - وإذا لبس المُحْرم ثوبي إحرامه فلا يذكر إلا كفنه الذي سيكفن به، وهذا يدعوه إلى التخلص من المعاصي والذنوب، وكما تجرد من ثيابه فعليه أن يتجرد من الذنوب، وكما لبس ثوبين أبيضين نظيفين فكذا ينبغي أن يكون قلبه وأن تكون جوارحه بيضاء لا يشوبها سواد الإثم والمعصية.
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﵌:أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ».
قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ؛ فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: «هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ لَا إِثْمَ فِيهِ وَلَا بَغْيَ وَلَا غِلَّ وَلَا حَسَدَ» (صحيح رواه ابن ماجه).
٥ - وإذا قال الحاجُّ في الميقات: «لبيك اللهم لبيك» فهو يعني أنه قد استجاب لربه تعالى، فما باله باقٍ على ذنوب وآثام لم يستجب لربّه في تركها ويقول بلسان الحال: «لبيك اللهم لبيك» يعني: استجبتُ لنَهْيِك لي عنها وهذا أوان تركها؟
قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال:٢٤)
يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان منهم وهو الاستجابة لله وللرسول، أي: الانقياد لما أمرا به والمبادرة إلى ذلك والدعوة إليه، والاجتناب لما نهيا عنه، والانكفاف عنه والنهي عنه.
وقوله : ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ وصف ملازم لكل ما دعا الله ورسوله إليه، وبيان لفائدته وحكمته، فإن حياة القلب والروح بعبودية الله تعالى ولزوم طاعته وطاعة رسوله على الدوام.
ثم حذر عن عدم الاستجابة لله وللرسول ﵌ فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ فإياكم أن ترُدُّوا أمر الله أول ما يأتيكم، فيحال بينكم وبينه إذا أردتموه بعد ذلك، وتختلف قلوبكم، فإن الله يحول بين المرء وقلبه، يقلب القلوب حيث شاء ويصرفها أنى شاء.
فليكثر العبد من قول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب، اصرف قلبي إلى طاعتك».
﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: تجمعون ليوم لا ريب فيه، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بعصيانه.
وقال : ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ (الشورى:٤٧)
يأمر تعالى عباده بالاستجابة له، بامتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، وبالمبادرة بذلك وعدم التسويف، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْم﴾ القيامة الذي إذا جاء لا يمكن رده واستدراك الفائت، وليس للعبد في ذلك اليوم ملجأ يلجأ إليه، فيفوت ربه، ويهرب منه.
стр. 545
بل قد أحاطت الملائكة بالخليقة من خلفهم، ونودوا ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ﴾
(الرحمن:٣٣) وليس للعبد في ذلك اليوم نكير لما اقترفه وأجرمه، بل لو أنكر لشهدت عليه جوارحه.
وهذه الآية ونحوها، فيها ذم الأمل، والأمر بانتهاز الفرصة في كل عمل يعرض للعبد، فإن للتأخير آفات.
٦ - وترك الحاجّ للمحظورات أثناء إحرامه، واشتغاله بالتلبية والذكر يبين له حال المسلم الذي ينبغي أن يكون عليه، وفيه تربية له وتعويد للنفس على ذلك، فهو يرَُوِّضُ نفسه ويربيها على ترك مباحات في الأصل، لكن الله حرمها عليه ها هنا في الحج، فكيف يتعدى على محرمات حرمها الله عليه في كل زمان ومكان؟
٧ - ودخول الحاجّ لبيت الله الحرام الذي جعله الله أمنًا للناس يتذكر به العبد الأمن يوم القيامة، وأنه لا يحصله الإنسان إلا بكد وتعب، وأعظم ما يؤمن الإنسان يوم القيامة التوحيد وترك الشرك بالله، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام: ٨٢).
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾ أي: يخلطوا ﴿إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ الأمن من المخاوفِ والعذاب والشقاء، والهدايةُ إلى الصراط المستقيم، فإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بظلم مطلقا، لا بشرك، ولا بمعاصٍ، حصل لهم الأمن التام، والهداية التامة.
وإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بالشرك وحده، ولكنهم يعملون السيئات، حصل لهم أصل الهداية، وأصل الأمن، وإن لم يحصل لهم كمالها.
ومفهوم الآية الكريمة، أن الذين لم يحصل لهم الأمران، لم يحصل لهم هداية، ولا أمن، بل حظهم الضلال والشقاء.
стр. 546
وقال : ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (الحج:٢٦)
٨ - وتقبيل للحجر الأسود يربي الزائر على تعظيم السنة، وأن لا يتعدى على شرع الله بعقله القاصر، ويعلم أن ما شرع الله للناس فيه الحكمة والخير، ويربي نفسه على عبوديته لربه تعالى، فَعُمَرَ ﵁ جَاءَ إِلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ فَقَالَ: «إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﵌ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ» (رواه البخاري).
أَرَادَ عُمَر ﵁ أَنْ يُعَلِّم النَّاس أَنَّ اِسْتِلَامه اِتِّبَاعٌ لِفِعْلِ رَسُول اللهِ ﵌، لَا لِأَنَّ الْحَجَر يَنْفَع وَيَضُرّ بِذَاتِهِ كَمَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّة تَعْتَقِدهُ فِي الْأَوْثَان، إنَّمَا شُرِعَ تَقْبِيله اِخْتِبَارًا لِيُعْلَم بِالْمُشَاهَدَةِ طَاعَة مَنْ يُطِيع، وَذَلِكَ شَبِيه بِقِصَّةِ إِبْلِيس حَيْثُ أُمِرَ بِالسُّجُودِ لِآدَم.
قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء: ٥٩).
وقال رسول الله ﵌: «إِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا؛ فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (صحيح رواه أبو داود، وروى مسلم لفظة: «كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»).
«عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ»: كناية عن شدة التمسك بها، و «النواجذ»: الأضراس.
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم».
وقال الإمام مالك ﵀: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﵌ خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة: ٣)، فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا».
стр. 547
وقال الإمام الزهري ﵀: «الاعتصام بالسنة نجاة؛ لأن السنة ـ كما قال مالك ـ مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك».
٩ - وفي طواف الحاجّ يتذكر أباه إبراهيم ﵇، وأنه بنى البيت ليكون مثابة للناس وأمنًا، وأنه دعاهم للحج لهذا البيت، فجاء نبينا محمدٌ ﵌ ودعا الناس لهذا البيت أيضًا، وكذا كان يحج إليه موسى ويونس وعيسى ﵈، فكان هذا البيت شعارًا لهؤلاء الأنبياء وملتقىً لهم، وكيف لا وقد أمر الله تعالى إبراهيم ﵇ ببنائه وتعظيمه.
١٠ - وشرب الحاجّ لماء زمزم يذكره بنعمة الله تعالى على الناس بهذا الماء المبارك والذي شرب منه ملايين الناس على مدى دهور طويلة ولم ينضب، ويحثه على الدعاء عند شربه.
عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» (صحيح رواه ابن ماجه).
وقال عنها رسول الله ﵌: «خَيْرُ مَاءٍ عَلَى وَجْهِ الْأرْضِ مَاءُ زَمْزَم؛ فِيهِ طَعَامٌ مِنَ الطُعْمِ وَشِفَاءٌ مِنَ السُّقْمِ» (صحيح رواه الطبراني).
(فِيهِ طَعَامٌ مِنَ الطُعْمِ) أي طعام إشباع أو طعام شبع من إضافة الشئ إلى صفته، والطُعم: الطعام (وَشِفَاءٌ مِنَ السُّقْمِ) أي شفاء من الأمراض إذا شرب بنية صالحة.
وقال عنها رسول الله: «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ» (رواه مسلم).
قَوْله ﵌ فِي زَمْزَم: «(إِنَّهَا طَعَام طُعْم» أَيْ تُشْبِعُ شَارِبهَا كَمَا يُشْبِعُهُ الطَّعَام.
وفي قصة أبي ذر أنه لما دخل مكة أقام بها شهرًا لا يتناول غير مائها وقال: «مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي وَمَا أَجِدُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوع» (رواه مسلم).
(حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَن بَطْنِي) يَعْنِي اِنْثَنَتْ لِكَثْرَةِ السِّمَن وَانْطَوَتْ.
(سُخْفَة جُوع) أي رِقَّةُ الْجُوعِ وَضَعْفه وَهُزَاله.
стр. 548
١١ - والسعي بين الصفا والمروة يذكّر الحاجَّ بما تحملته هاجر أم إسماعيل وزوجة الخليل ﵇ من الابتلاء، وكيف أنها كانت تتردد بين الصفا والمروة بحثًا عن مُغيث يخلصها مما هي فيه من محنة وخاصة في شربة ماء لولدها الصغير ـ إسماعيل ـ، فإذا صبرت هذه المرأة على هذا الابتلاء ولجأت لربها فيه فأنْ يفعل الرجل ذلك أولى وأحرى له، فالرجل يتذكر جهاد المرأة وصبرها فيخفف عليه ما هو فيه، والمرأة تتذكر من هو من بنات جنسها فتهون عليها مصائبها.
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: «أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لَتُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ.
ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: أَاللهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: إِذَنْ لَا يُضَيِّعُنَا».
ثُمَّ رَجَعَتْ فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (إبراهيم:٣٧).
وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى ـ أَوْ قَالَ يَتَلَبَّطُ ـ، فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتْ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الْأَرْضِ يَلِيهَا، فَقَامَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْ الْوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا فَهَبَطَتْ مِنْ الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الْإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتْ الْوَادِيَ،
عن ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﵌ يَقُولُ: «إِنَّكُمْ مُلَاقُو اللهِ حُفَاةً عُرَاةً مُشَاةً غُرْلًا» (رواه البخاري).
(إِنَّكُمْ مُلَاقُو اللهِ) أَيْ فِي الْمَوْقِف بَعْدَ الْبَعْثِ.
(حُفَاةً) جَمْع حَافٍ أَيْ بِلَا خُفّ وَلَا نَعْل. (غُرْلًا) جَمْع أَغْرَلَ وَهُوَ الْأَقْلَفُ، وَهُوَ مَنْ بَقِيَتْ غُرْلَتُهُ وَهِيَ الْجِلْدَةُ الَّتِي يَقْطَعُهَا الْخَاتِنُ مِنْ الذَّكَر.
وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا».
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟
قَالَ ﵌: «يَا عَائِشَةُ الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ» (رواه مسلم).
مَثِّلْ وقُوفَكَ يومَ العرضِ عُريانَا ... مُستوحشًا قَلِقَ الأحشاءِ حَيْراناَ
النارُ تَلْهَبُ مِن غيظٍ ومِن حَنَقٍ ... على العصاةِ وربُّ العرش غَضبانَا
اقرَأ كتابَك يا عبدُ على مَهَلٍ ... فهل ترى فيه حَرفًا غيْرَ مَا كانَا
فلما قرأتَ ولم تُنكِرْ قراءَتَه ... إقرارَ مَن عَرفَ الأشياءَ عِرفانَا
نادَى الجليلُ خُذوهُ يا ملائكَتَي ... وامْضُوا بعَبدٍ عَصَى ـ للنَّارِ ـ عطشَانَا
المشركونَ غدًا في النار تَلتهبُ ... والمؤمنونَ بدارِ الخلدِ سُكَانَا
١٢ - وفي رمي الجمار يعوِّد المسلم نفسه على الطاعة المجردة ولو لم يُدرك فائدة الرمي وحكمته، ولو لم يستطع ربط الأحكام بعللها، وفي هذا إظهار للعبودية المحضة لله تعالى.
١٣ - وأما ذبح الحاجُّ الهدْيَ فيذكّره بالحادثة العظيمة في تنفيذ أبينا إبراهيم لأمر الله تعالى بذبح ولده البكر إسماعيل بعد أن شبَّ وصار مُعينًا له، وأنه لا مكان للعاطفة التي تخالف أمر الله ونهيه، ويعلمه كذلك الاستجابة لما أمر الله .قال الله : ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (الصافات: ١٠٢).
стр. 551
١٤ - فإذا ما تحلل من إحرامه وحلَّ له ما حرمه الله عليه: ربَّاه ذلك على عاقبة الصبر، وأن مع العسر يسرًا، وأن عاقبة المستجيب لأمر الله الفرح والسرور وهذه فرحة لا يشعر بها إلا من ذاق حلاوة الطاعة، كالفرحة التي يشعرها الصائم عند فطره، أو القائم في آخر الليل بعد صلاته.
١٥ - وإذا انتهى الحاجُّ من مناسك الحج وجاء به على ما شرع الله وأحب، وأكمل مناسكه رجا ربه أن يغفر له ذنوبه كلها كما وعد بذلك النبي ﵌ بقوله: «مَنْ حَجَّ للهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ مَنْ حَجَّ للهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». (رواه البخاري ومسلم)، ودعاه ذلك ليفتح صفحة جديدة في حياته خالية من الآثام والذنوب.
١٦ - وإذا رجع الحاجُّ إلى أهله وبنيه وفرح بلقائهم ذكره ذلك بالفرح الأكبر بلقائهم في جنة الله تعالى، وعرَّفه ذلك بأن الخسارة هي خسارة النفس والأهل يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِين﴾ (الزمر: ١٥).
إليكَ إلهِي قد أتيتُ مُلَبّيَا ... بارِكْ إلهِي حجّتِي ودُعائيَا
قصَدتُك مضطرًا وجئتُكَ باكيَا ... وحاشاك ربي أن تَرُدَّ بُكَائيَا
كفاني فخرًا أنني لك عابدٌ ... فيافرْحَتي إنْ صِرتُ عبدًا مُواليَا
إلهي فأنت اللهُ لا شيءَ مثلُه ... فأفْعِمْ فؤادِي حكمةً ومعانيَا
أتيتُ بلا زادٍ، وجودُك مَطْعَمِي ... وما خاب من يهْفُو لجُودِك ساعيَا
إليكَ إلهِي قد حضرتُ مؤمِّلًا ... خلاصَ فؤادِي مِن ذُنوبي مُلَبّيَا
وكيف يرَى الإنسانُ في الأرضِ متعةً ... وقد أصبحَ القدسُ الشريفُ مَلَاهِيَا
يَجُوسُ به الأنذالُ مِن كلّ جانبٍ ... وقد كانَ للأطهارِ قدسًا ونادِيَا
معالمَ إسراءٍ، ومهبِطَ حكمةٍ ... وروضةَ قرآنٍ تعطرُ وادِيَا
стр. 552
٤٩ - قصة الذبح ... دروس وعبر
قال الله : ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آَلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ * فَرَاغَ إِلَى آَلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ *مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ * فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ * قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ * قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ * وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ (سورة الصافات:٨٣ - ١١٣).
أي: وإن إبراهيم الخليل ﵇ من شيعة نوح ﵇، ومَن هو على طريقته في النبوة والرسالة، ودعوة الخلق إلى الله، وإجابة الدعاء.
﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ من الشرك والشُبَه، والشهوات المانعة من تصور الحق، والعمل به، وإذا كان قلب العبد سليمًا، سلم من كل شر، وحصل له كل خير، ومن سلامته أنه سليم من غِشّ الخلق وحسدهم، وغير ذلك من مساوئ الأخلاق، وبهذا القلب السليم، استنكر ما عليه قومه واستبشعه. استنكار الحس السليم لكل ما تنبو عنه الفطرة الصادقة من تصور ومن سلوك. ولهذا نصح الخلق في الله، وبدأ بأبيه
﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿فَـ﴾ لهذا ﴿تَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ فلما وجد الفرصة ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ أي: أسرع إليها على وجه الخفية والمراوغة، ﴿فَقَالَ﴾ متهكمًا بها ﴿أَلا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ﴾ أي: فكيف يليق أن تعبد، وهي أنقص من الحيوانات، التي تأكل أو تتكلم؟ فهذه جماد لا تأكل ولا تتكلم.
﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ أي: جعل يضربها بقوته ونشاطه، حتى جعلها جذاذًا، إلا كبيرًا لهم، لعلهم إليه يرجعون.
﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ أي: يسرعون ويهرعون، أي: يريدون أن يوقعوا به، بعدما بحثوا وقالوا: ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وقيل لهم: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ يقول: ﴿تَاللهِ لأكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ فوبَّخوه ولامُوه، فقال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمْ الظَّالِمُونَ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ﴾.
﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ لقد تسامعوا بالخبر، وعرفوا من الفاعل، فأقبلوا إليه يسرعون الخُطَى، وهم جمع كثير غاضب هائج، وهو فرد واحد. ولكنه فرد مؤمن. فرد يعرف طريقه. فرد عقيدته معروفة له محدودة. يدركها في نفسه، ويراها في الكون من حوله. فهو أقوى من هذه الكثرة الهائجة المائجة، المدخولة العقيدة؛ ومن ثَمَّ يواجههم بالحق الفطري البسيط لا يبالي كثرتهم وهياجهم!!
﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ أي: تنحتونه بأيديكم وتصنعونه؟ فكيف تعبدونهم، وأنتم الذين صنعتموهم، وتتركون الإخلاص لله الذي ﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾.
ومع وضوح هذا المنطق وبساطته، إلا أن القوم في غفلتهم وفي اندفاعهم لم يستمعوا له، ومتى استمع الباطل إلى صوت الحق البسيط؟ واندفع أصحاب الأمر والنهي فيهم يزاولون طغيانهم في صورته الغليظة: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا﴾ أي: عاليًا مرتفعًا، وأوقدوا فيها النار ﴿فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ جزاءً على ما فعل، من تكسير
стр. 555
آلهتهم. إنه منطق الحديد والنار الذي لا يعرف أعداء الإسلام منطقًا سواه؛ عندما تعوزهم الحجة وينقصهم الدليل. وحينما تحرجهم كلمة الحق الخالصة ذات السلطان المبين.
﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ ليقتلوه أشنع قتلة ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ رد الله كيدهم في نحورهم، وجعل النار على إبراهيم بردًا وسلامًا. وأين يذهب كيد العباد إذا كان الله يريد؟ وماذا يملك أولئك الضعاف المهازيل من الطغاة والمتجبرين وأصحاب السلطان وأعوانهم من الكبراء إذا كان الله يدافع عن عباده المخلصين؟ لقد أرادوا به الهلاك في النار التي أسموها الجحيم. وأراد الله أن يكونوا هم الأسفلين؛ ونجاه من كيدهم أجمعين.
• مهاجر إلى الله :
ولما فعلوا فيه هذا الفعل، وأقام عليهم الحجة، وأعذر منهم، ﴿قال إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ أي: مهاجر إليه، قاصد إلى الأرض المباركة أرض الشام. ﴿سَيَهْدِينِ﴾ يدلني إلى ما فيه الخير لي، من أمر ديني ودنياي، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾.
عندئذ استدبر إبراهيم مرحلة من حياته ليستقبل مرحلة؛ وطوى صفحة لينشر صفحة: ﴿قال إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ هكذا .. إني ذاهب إلى ربي .. إنها الهجرة. وهي هجرة نفسية قبل أن تكون هجرة مكانية. هجرة يترك وراءه فيها كل شيء من ماضي حياته. يترك أباه وقومه وأهله وبيته ووطنه وكل ما يربطه بهذه الأرض، وبهؤلاء الناس. ويدع وراءه كذلك كل عائق وكل شاغل. ويهاجر إلى ربه متخففًا من كل شيء، طارحًا وراءه كل شيء، مسلِمًا نفسه لربه لا يستبقي منها شيئًا. موقن أن ربه سيهديه، وسيرعى خطاه، وينقلها في الطريق المستقيم.
стр. 556
إنها الهجرة الكاملة من حال إلى حال، ومن وضع إلى وضع، ومن أواصر شتى إلى آصرة واحدة لا يزاحمها في النفس شيء. إنه التعبير عن التجرد والاستسلام والطمأنينة واليقين.
• الجزاء من جنس العمل:
وكان إبراهيم حتى هذه اللحظة وحيدًا لا عقب له؛ وهو يترك وراءه أواصر الأهل والقربى، والصحبة والمعرفة. وكل مألوف له في ماضي حياته، وكل ما يشده إلى الأرض التي نشأ فيها، والتي انحسم ما بينه وبين أهلها الذين ألقوه في الجحيم! فاتجه إلى ربه الذي أعلن أنه ذاهب إليه. اتجه إليه يسأله الذرية المؤمنة والخلف الصالح: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ واستجاب الله دعاء عبده الصالح المتجرد، الذي ترك وراءه كل شيء، وجاء إليه بقلب سليم.
﴿رَبِّ هَبْ لِي﴾ ولدًا يكون ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ وذلك عندما أيس من قومه، ولم ير فيهم خيرًا، دعا الله أن يهب له غلامًا صالحًا، ينفع اللهُ به في حياته، وبعد مماته.
﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ هذا الدعاء لطلب الولد ليس لمجرد طلب الولد، ليس لمجرد وجود الرغبة في الأبوة ولكن ليكون صالحًا. هذا هو النافع للإنسان أما الولد عندما لا يكون صالحًا فهو ضرر علي الإنسان وربما كان عذابًا كما قال في المنافقين: ﴿فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ (التوبة:٥٥). فربما كان الولد سببًا في عذاب أبيه وأمه إذا لم يكن صالحا.
إبراهيم ﵇ يقول ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ والذي يريد الولد ينبغي أن يدعوا هذا الدعاء ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، ولم يطلب زكريا ﵇ أي ذرية وإنما ذرية طيبة ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (آل عمران:٣٨) إنما يريد من يعبد الله سبحانه وتعالي.
•
стр. 557
إذا تأخرت إجابة الدعاء لا تعجل:
إذا تأخرت إجابة الدعاء لا تعجل؛ فقد مضت سنوات قبل أن يستجاب لإبراهيم؛ قد أجيبت الدعوة ولكن متي تحققت الإجابة قد تتأخر فلا تستعجل فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، فَيَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي» (رواه مسلم).
الهبة من الله، الولد هبة محضة الإنسان قد يأخذ بالأسباب ولكنه يعجز، إبراهيم ﵇ دعا بهذه الدعوة وتأخرت الإجابة إلي الكبر إلي أن ييأس الناس في العادة من أن يوجد لمثل هذا الرجل ولد؛ ولهذا قال: ﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (إبراهيم:٣٩).
﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فلا تيأس من رحمة الله، كما لم ييأس إبراهيم ﵇ الفرج قد يأتي في اللحظة الأخيرة كما في شأن الولد يأتي بعد أن ييأس الناس.
كانت سارة قد وصلت إلي سِنٍّ لا تجد فيها أملًا، هي أصلًا عقيم وعجوز ولكن لم ييأس إبراهيم فاستجاب الله له، قال الله : ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾؛ قال الله :
﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ * قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ * قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ (الحجر:٥١ - ٥٦).
فاستجاب الله له وقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ وهذا إسماعيل ﵇ بلا شك، فإنه ذكر بعده البشارة بإسحاق، ولأن الله تعالى قال في بشراه بإسحاق ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ فدل على أن إسحاق غير الذبيح، ووصف الله إسماعيل ﵇ بالحلم، وهو يتضمن الصبر، وحسن الخلق، وسعة الصدر والعفو عمن جنى.
•
стр. 558
موقف عظيم فريد:
والآن آنَ أنْ نطّلع على الموقف العظيم الكريم الفريد في حياة إبراهيم ﵇. بل في حياة البشر أجمعين. وآن أن نقف من سياق القصة في القرآن أمام المثل الموحي الذي يعرضه الله للأمة المسلمة من حياة أبيها إبراهيم ﵇.
﴿فَلَمَّا بَلَغَ﴾ الغلام ﴿مَعَهُ السَّعْيَ﴾ أي: أدرك أن يسعى معه، وبلغ سنًا يكون ـ في الغالب ـ أحب ما يكون لوالديه، قد ذهبت مشقته، وأقبلت منفعته، فقال له إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ أي: قد رأيت في النوم والرؤيا، أن الله يأمرني بذبحك، ورؤيا الأنبياء وحي ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ فإن أمر الله تعالى، لا بد من تنفيذه.
قَالَ إسماعيلُ ﵇ صابرًا محتسبًا، مرضيًا لربه، وبارًّا بوالده: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ أي: امض لما أمرك الله ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ أخبر أباه أنه مُوَطّنٌ نفسه على الصبر، وقرن ذلك بمشيئة الله تعالى، لأنه لا يكون شيء بدون مشيئة الله تعالى ... يالروعة الإيمان والطاعة والتسليم.
• بلاء مبين:
هذا إبراهيم الشيخ. المقطوع من الأهل والقرابة. المهاجر من الأرض والوطن. ها هو ذا يرزق في كبره وهرمه بغلام. طالما تطلع إليه. فلما جاءه جاء غلامًا ممتازًا يشهد له ربه بأنه حليم. وها هو ذا ما يكاد يأنس به، وصباه يتفتح، ويبلغ معه السعي، ويرافقه في الحياة. ها هو ذا ما يكاد يأنس ويستروح بهذا الغلام الوحيد، حتى يرى في منامه أنه يذبحه. ويدرك أنها إشارة من ربه بالتضحية.
ولو أن الإنسان أمِر بأن ينظر فقط إلي ولده المريض لكان ذلك مؤلمًا، أم إسماعيل ﵍ لما كانت تنظر إلي ولدها يتلوي من الجوع انصرفت كراهية أن تنظر إليه، والأب كذلك يتألم. تخيل لو أن أحدًا يحاول أن يقتل ابنك، كل طاقاتك الكامنة تنفجر لكي تنقذه من القتل.
стр. 559
أما في حالة إبراهيم ﵇ هو مأمور أن يقتله بنفسه وأيضًا بالذبح، وهو بجانبه مباشرة؛ فسبحان الله بلاء مبين لأن سيدنا إبراهيم ﵇ لم يكن في قلبه شيء لغير الله، فحب الولد حب عظيم وكثير من الناس يأكل الحرام ويتعامل بالربا لكي يبني للأولاد مستقبلًا ـ بزعمه ـ وربما باع دينه لأجل الأولاد. فحب الولد كان الامتحان الأكيد في أن إبراهيم ﵇ خالصٌ لله، سليمٌ قلبُه لله.
فماذا؟ إنه لا يتردد، ولا يخالجه إلا شعور الطاعة، ولا يخطر له إلا خاطر التسليم. نعم إنها إشارة. مجرد إشارة. وليست وحيًا صريحًا، ولا أمرًا مباشرًا. ولكنها إشارة من ربه. وهذا يكفي. هذا يكفي ليلبي ويستجيب. ودون أن يعترض. ودون أن يسأل ربه. لماذا يا ربي أذبح ابني الوحيد؟!
ولكنه لا يلبي في انزعاج، ولا يستسلم في جزع، ولا يطيع في اضطراب. كلا! إنما هو القبول والرضى والطمأنينة والهدوء. يبدو ذلك في كلماته لابنه وهو يعرض عليه الأمر الهائل في هدوء وفي اطمئنان عجيب:
﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ فهي كلمات المالك لأعصابه، المطمَئن للأمر الذي يواجهه، الواثق بأنه يؤدي واجبه. وهي في الوقت ذاته كلمات المؤمن، الذي لا يهوله الأمر فيؤديه، في اندفاع وعجلة ليخلص منه وينتهي، ويستريح من ثقله على أعصابه!
والأمر شاق ما في ذلك شك؛ فهو لا يطلب إليه أن يرسل بابنه الوحيد إلى معركة. ولا يطلب إليه أن يكلفه أمرًا تنتهي به حياته، إنما يطلب إليه أن يتولى هو بيده، يتولى ماذا؟ يتولى ذبحه. وهو مع هذا يتلقى الأمر هذا التلقي، ويعرض على ابنه هذا العرض؛ ويطلب إليه أن يتروى في أمره، وأن يرى فيه رأيه!
إنه لا يأخذ ابنه على غرة لينفذ إشارة ربه وينتهي.
إنما يعرض الأمر عليه كالذي يعرض المألوف من الأمر. فالأمر في حسه هكذا. ربه يريد. فليكن ما يريد، وابنه ينبغي أن يعرف. وأن يأخذ الأمر طاعة وإسلامًا، لا
стр. 560
قهرًا واضطرارًا. لينال هو الآخر أجر الطاعة، وليسلم هو الآخر ويتذوق حلاوة التسليم!
جاء الابتلاء في صورة يمكن أن يدخل الشيطان منها وهي أنها لم تكن وحيًا مباشرًا ـ أتاه جبريل مثلًا ـ وإنما رأي في المنام ولكن رؤيا الأنبياء وحي، وهذا وحي من الله .
• تربية ونعمت التربية:
ولم يتشكك إبراهيم وإنما تلطف في عرض الأمر علي ولده ليكون فعله صادرًا عن اقتناع وعن طواعية في الحقيقة لم يُرِدْ أن يذبحه مباشرة، هو سينفذ الأمر سواء قبِلَ الولد أم لم يقبل، لكنه يريد أن يُثَابَ الولدُ؛ لذا قال: ﴿يَا بُنَيَّ﴾، جلس معه وخاطبه بهذه اللفظة: ﴿يَا بُنَيَّ﴾ يعني يا ابني الصغير، يذَكِّره بأنه لم يَنْس رابطة البنوة التي تربطه به، أنا أبوك وأنت ابني، ومع ذلك إني أري في المنام أني أذبحك لكي لا يظن الابن أن ذلك ينافي الشفقة أو نسيان العلاقة.
لا ليس كذلك، هو متذكر تمامًا أنه ابنه يتلطف معه لكي يصدر الأمر عن رضًا وسماحة نفس؛ فالنفس إذا أدتْ ما كُلّفَت به عن سماحة وطيب نفس كان ذلك أزكي وأكثر في الثواب ومقبولًا عند الله. أما الذي يستخرج الطاعة من بين أضراسه فهذا طاعته ناقصة.
فإبراهيم ﵇ يعلمنا من خلال هذه الوسيلة التربوية الرائعة كيفية توجيه الأبناء ينبغي أن يكون بالمجالسة وبالملاطفة وبالنصيحة المباشرة وبأخذ الفترة المناسبة لكي يقع الأمر طواعية وكما أمرنا النبي ﵌ في أمر العبادات فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» (صحيح رواه أبو داود).
стр. 561
(مُرُوا): أَمْر مِنْ الْأَمْر. (أَوْلَادكُمْ): يَشْمَل الذُّكُور وَالْإِنَاث. (بِالصَّلَاةِ): وَبِمَا يَتَعَلَّق بِهَا مِنْ الشُّرُوط (وَهُمْ أَبْنَاء سَبْع سِنِينَ):لِيَعْتَادُوا وَيَسْتَأْنِسُوا بِهَا، (وَاضْرِبُوهُمْ): أَيْ الْأَوْلَاد (عَلَيْهَا): أَيْ عَلَى تَرْك الصَّلَاة (وَهُمْ أَبْنَاء عَشْر سِنِينَ): لِأَنَّهُمْ بَلَغُوا أَوْ قَارَبُوا الْبُلُوغ (وَفَرِّقُوا بَيْنهمْ فِي الْمَضَاجِع):أَيْ فَرِّقُوا بَيْن أَوْلَادكُمْ فِي مَضَاجِعهمْ الَّتِي يَنَامُونَ فِيهَا إِذَا بَلَغُوا عَشْرًا حَذَرًا مِنْ غَوَائِل الشَّهْوَة وَإِنْ كُنَّ أَخَوَاته.
قَالَ الطِّيبِيُّ: «جَمَعَ بَيْن الْأَمْر بِالصَّلَاةِ وَالْفَرْق بَيْنهمْ فِي الْمَضَاجِع فِي الطُّفُولِيَّة تَأْدِيبًا لَهُمْ وَمُحَافَظَة لِأَمْرِ اللهِ كُلّه وَتَعْلِيمًا لَهُمْ».
فأمر ﵌ أن يُؤمر الطفل بالصلاة من غير عقوبة ثلاث سنوات متواصلة يُسأل في كل يوم خمس مرات: قم فصلّ، قم فصلّ، وإذا دخل الأب البيت يسأل يقول: «أصلي الغلام» كما كان النبي ﵌ يفعل؛ فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﵌ بَعْدَمَا أَمْسَى فَقَالَ: «أَصَلَّى الْغُلَامُ؟»، قَالُوا: نَعَمْ». (صحيح رواه أبو داود).
يُسأل ويُؤمَر ثلاث سنين وبعد ذلك لو أصر على الترك يُضرب، لكن قبل ذلك الأخذ طواعية لكي يتعود أن يفعل الطاعة من نفسه، كرِّر الأمر ولا تيأس.
والمجالسة بين الأب وأبنائه أمر مطلوب حيث تجد الحوار الهادئ والفرصة الملائمة لتحقيق الترابط الأسري، والقرب من الأولاد ومعرفة مشكلاتهم له دور كبير ـ بإذن الله ـ في حمايتهم من الانحراف، ولكنك تجد بعض الناس تفر من أبنائها ـ والعياذ بالله ـ والدليل علي ذلك كثرة المقاهي وكثرة الجالسين بها.
﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ لم يقُلْ: «انظر ماذا أفعل»؛ لأنه سيفعل، ولكن انظر ماذا تري؟ يعني انظر ما تراه أنت؟
وكان الجواب علي ما يُرضِي الأب الرحيم الشفيق. ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾.
إنه يحب لابنه أن يتذوق لذة التطوع التي ذاقها؛ وأن ينال الخير الذي يراه هو أبقى من الحياة. فماذا يكون من أمر الغلام، الذي يعرض عليه الذبح، تصديقًا لرؤيا
стр. 562
رآها أبوه؟ إنه يرتقي إلى الأفق الذي ارتقى إليه من قبل أبوه: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ إنه يتلقى الأمر لا في طاعة واستسلام فحسب. ولكن في رضى كذلك وفي يقين.
﴿يَا أَبَتِ﴾ في مودة وقربى. فشبَحُ الذبْحِ لا يزعجه ولا يفزعه ولا يفقده رشده. بل لا يفقده أدبه ومودته، فـ ﴿يَا أَبَتِ﴾ فيها تعظيم وتوقير وتكريم لأبيه.
﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ فهو يحس ما أحسه مِن قبْلُ قلبُ أبيه. يحس أن الرؤيا إشارة. وأن الإشارة أمر. وأنها تكفي لكي يلبي وينفذ بغير لجلجة ولا تمحل ولا ارتياب.
• أدب مع الله :
ثم هو الأدب مع الله، ومعرفة حدود قدرته وطاقته في الاحتمال؛ والاستعانة بربه على ضعفه ونسبة الفضل إليه في إعانته على التضحية، ومساعدته على الطاعة:
﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ ولم يأخذها بطولةً. ولم يأخذها شجاعةً. ولم يأخذها اندفاعًا إلى الخطر دون مبالاة. ولم يظهر لشخصه ظلًا ولا حجمًا ولا وزنًا. إنما أرْجَعَ الفضل كله لله إنْ هو أعانه على ما يطلب إليه، وأصْبَره على ما يراد به: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.
يا للأدب مع الله! ويالروعة الإيمان. ويالَنُبل الطاعة. ويالعظمة التسليم!
﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ مع أن صبره فعله هو ولكن علقه علي مشيئة الله، وهذا دليل علي أن هذا الابن الواعي يفهم قضية القضاء والقدر وأن فعله لن يكون إلا بمشية الله وتوفيقه.
﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ ولم يُزَكّ نفسه وإنما علقه علي مشيئة الله فهو يرجو أن يكون صابرًا وهو أن يصبر علي أمر الله والبلاء والألم المتوقع.
ويخطو المشهد خطوة أخرى وراء الحوار والكلام .. يخطو إلى التنفيذ:
﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ أي: إبراهيم وابنه إسماعيل، جازمًا بقتل ابنه وثمرة فؤاده، امتثالًا لأمر ربه، وخوفًا من عقابه، والابن قد وطَّن نفسه على الصبر، وهانت عليه في طاعة
стр. 563
ربه، ورضا والده، ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أي: تَلَّ إبراهيمُ إسماعيلَ على جبينه، ليضجعه فيذبحه، وقد انكب لوجهه، لئلا ينظر وقت الذبح إلى وجهه.
ومرة أخرى يرتفع نبل الطاعة. وعظمة الإيمان. وطمأنينة الرضا وراء كل ما تعارف عليه بنو الإنسان. إن الرجل يمضي فيكب ابنه على جبينه استعدادًا. وإن الغلام يستسلم فلا يتحرك امتناعًا. وقد وصل الأمر إلى أن يكون عيانًا.
لقد أسلما .. فهذا هو الإسلام. هذا هو الإسلام في حقيقته. ثقة وطاعة وطمأنينة ورضًا وتسليم .. وتنفيذ .. وكلاهما لا يجد في نفسه إلا هذه المشاعر التي لا يصنعها غير الإيمان العظيم.
إنها ليست الشجاعة والجراءة. وليس الاندفاع والحماسة. لقد يندفع المجاهد في الميدان، يَقتل ويُقتل. ولقد يندفع الفدائي وهو يعلم أنه قد لا يعود. ولكن هذا كله شيء والذي يصنعه إبراهيم وإسماعيل سدد خطاكم هنا شيء آخر ... ليس هنا دم فائر، ولا حماسة دافعة ولا اندفاع في عجلة تخفي وراءها الخوف من الضعف والنكوص! إنما هو الاستسلام الواعي المتعقل القاصد المريد، العارف بما يفعل، المطمئن لما يكون.
لا بل هنا الرضا الهادئ المستبشر المتذوق للطاعة وطعمها الجميل! وهنا كان إبراهيم وإسماعيل سدد خطاكم قد أديا. كانا قد أسلما. كانا قد حققا الأمر والتكليف. ولم يكن باقيًا إلا أن يذبح إسماعيل ﵇، ويسيل دمه، وتزهق روحه .. وهذا أمر لا يعني شيئًا في ميزان الله، بعدما وضع إبراهيم وإسماعيل سدد خطاكم في هذا الميزان من روحهما وعزمهما ومشاعرهما كل ما أراده منهما ربهما.
كان الابتلاء قد تم. والامتحان قد وقع. ونتائجه قد ظهرت. وغاياته قد تحققت. ولم يعد إلا الألم البدني. وإلا الدم المسفوح. والجسد الذبيح. والله لا يريد أن يعذب عباده بالابتلاء. ولا يريد دماءهم وأجسادهم في شيء. ومتى خلصوا له واستعدوا للأداء بكلياتهم فقد أدوا، وقد حققوا التكليف، وقد جازوا الامتحان بنجاح.
стр. 564
• فرجٌ مِن بعد شدة:
وعرف الله من إبراهيم وإسماعيل صدقهما. فاعتبرهما قد أديا وحققا وصدقًا:
﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾ في تلك الحال المزعجة، والأمر المدهش: ﴿أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ﴾ أي: قد فعلتَ ما أمِرتَ به، فإنك وطَّنْتَ نفسك على ذلك، وفعلتَ كل سبب، ولم يبق إلا إمرار السكين على حلقه.
قد صدقتَ الرؤيا وحققتها فعلًا. فالله لا يريد إلا الإسلام والاستسلام بحيث لا يبقى في النفس ما تُكِنّه عن الله أو تعزه عن أمره أو تحتفظ به دونه، ولو كان هو الابن فلذة الكبد. ولو كانت هي النفس والحياة.
وأنت يا إبراهيم قد فعلت. جُدتَ بكل شيء. وبأعز شيء. وجُدتَ به في رضى وفي هدوء وفي طمأنينة وفي يقين. فلم يبق إلا اللحم والدم. وهذا ينوب عنه ذبح. أي ذبح من دم ولحم! ويفدي الله هذه النفس التي أسلمت وأدت. يفديها بذبح عظيم.
كل مواقف إبراهيم ﵇ يأتي الفرج في آخر لحظة، إسماعيل وهو يتلوي من العطش الفرج جاء أمه بعد سبع أشواط بين الصفا والمروة وبعد ما نفد التمر والماء، ثم يأتي الفرج في اللحظة الأخيرة، الفرج دائما يأتي بعد شدة العسر ولذلك لا تيأسوا عباد الله الأمة سوف يأتيها الفرج من عند الله .
﴿إِنَّ هَذَا﴾ الذي امتحنا به إبراهيم ﵇ ﴿لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ أي: الواضح، الذي تبين به صفاء إبراهيم، وكمال محبته لربه وخلته، فإن إسماعيل ﵇ لما وهبه الله لإبراهيم، أحبه حبًا شديدًا، وهو خليل الرحمن، والخلة أعلى أنواع المحبة، وهو منصب لا يقبل المشاركة ويقتضي أن تكون جميع أجزاء القلب متعلقة بالمحبوب، فلما تعلقت شعبة من شعب قلبه بابنه إسماعيل، أراد تعالى أن يصفي وُدَّه ويختبر خلته، فأمره أن يذبح من زاحم حبُّه حُبَّ ربه، فلما قدّم حب الله، وآثره على هواه، وعزم على ذبحه، وزال ما في القلب من المزاحم، بقي الذبح لا فائدة فيه، فلهذا قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ أي: صار بدله ذبح من الغنم عظيم، ذبحه
стр. 565
إبراهيم، فكان عظيمًا من جهة أنه كان فداء لإسماعيل، ومن جهة أنه من جملة العبادات الجليلة، ومن جهة أنه كان قربانًا وسنة إلى يوم القيامة.
ومضت بذلك سنة النحر في الأضحى، ذكرى لهذا الحادث العظيم الذي يرتفع منارة لحقيقة الإيمان. وجمال الطاعة. وعظمة التسليم. والذي ترجع إليه الأمة المسلمة لتعرف فيه حقيقة أبيها إبراهيم، الذي تتبع ملته، والذي ترث نسبه وعقيدته.
ولتدرك طبيعة العقيدة التي تقوم بها أو تقوم عليها، ولتعرف أنها الاستسلام لقَدر الله في طاعة راضية واثقة ملبية لا تسأل ربها لماذا؟ ولا تتلجلج في تحقيق إرادته عند أول إشارة منه وأول توجيه. ولا تستبقي لنفسها في نفسها شيئًا، ولا تختار فيما تقدمه لربها هيئة ولا طريقة لتقديمه إلا كما يطلب هو إليها أن تقدم!
ثم لتعرف أن ربها لا يريد أن يعذبها بالابتلاء؛ ولا أن يؤذيها بالبلاء، إنما يريد أن تأتيه طائعة ملبية وافية مؤدية. مستسلمة لا تقدم بين يديه، ولا تتأبَّى عليه، فإذا عرف منها الصدق في هذا أعفاها من التضحيات والآلام. واحتسبها لها وفاءً وأداءً. وقبِلَ منها وفدّاها. وأكرمها كما أكرم أباها.
﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: وأبقينا عليه ثناءً صادقًا في الآخرين، كما كان في الأولين، فكل وقت بعد إبراهيم ﵇، فإنه فيه محبوب معظم مثني عليه. فهو مذكور على توالي الأجيال والقرون. وهو أمة. وهو أبو الأنبياء. وهو أبو هذه الأمة المسلمة. وهي وارثة ملته. وقد كتب الله لها وعليها قيادة البشرية على ملة إبراهيم. فجعلها الله له عقبًا ونسبًا إلى يوم الدين.
﴿سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ سلام عليه من ربه أي: تحيته عليه كقوله : ﴿قُلِ الْحَمْدُ للهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾. (النمل:٥٩).
فكل الأمم المتأخرة تسلم علي إبراهيم وتريد الانتساب إليه ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران:٦٨) ونحن أولي الناس بإبراهيم إذ نحن علي ملته.