← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36157

دليل الواعظ إلى أدلة المواعظ

شحاتة صقر

Полный текст (1 425 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

(مُرُوا): أَمْر مِنْ الْأَمْر. (أَوْلَادكُمْ): يَشْمَل الذُّكُور وَالْإِنَاث. (بِالصَّلَاةِ): وَبِمَا يَتَعَلَّق بِهَا مِنْ الشُّرُوط (وَهُمْ أَبْنَاء سَبْع سِنِينَ):لِيَعْتَادُوا وَيَسْتَأْنِسُوا بِهَا، (وَاضْرِبُوهُمْ): أَيْ الْأَوْلَاد (عَلَيْهَا): أَيْ عَلَى تَرْك الصَّلَاة (وَهُمْ أَبْنَاء عَشْر سِنِينَ): لِأَنَّهُمْ بَلَغُوا أَوْ قَارَبُوا الْبُلُوغ (وَفَرِّقُوا بَيْنهمْ فِي الْمَضَاجِع):أَيْ فَرِّقُوا بَيْن أَوْلَادكُمْ فِي مَضَاجِعهمْ الَّتِي يَنَامُونَ فِيهَا إِذَا بَلَغُوا عَشْرًا حَذَرًا مِنْ غَوَائِل الشَّهْوَة وَإِنْ كُنَّ أَخَوَاته. قَالَ الطِّيبِيُّ: «جَمَعَ بَيْن الْأَمْر بِالصَّلَاةِ وَالْفَرْق بَيْنهمْ فِي الْمَضَاجِع فِي الطُّفُولِيَّة تَأْدِيبًا لَهُمْ وَمُحَافَظَة لِأَمْرِ اللهِ كُلّه وَتَعْلِيمًا لَهُمْ». فأمر ﵌ أن يُؤمر الطفل بالصلاة من غير عقوبة ثلاث سنوات متواصلة يُسأل في كل يوم خمس مرات: قم فصلّ، قم فصلّ، وإذا دخل الأب البيت يسأل يقول: «أصلي الغلام» كما كان النبي ﵌ يفعل؛ فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﵌ بَعْدَمَا أَمْسَى فَقَالَ: «أَصَلَّى الْغُلَامُ؟»، قَالُوا: نَعَمْ». (صحيح رواه أبو داود). يُسأل ويُؤمَر ثلاث سنين وبعد ذلك لو أصر على الترك يُضرب، لكن قبل ذلك الأخذ طواعية لكي يتعود أن يفعل الطاعة من نفسه، كرِّر الأمر ولا تيأس. والمجالسة بين الأب وأبنائه أمر مطلوب حيث تجد الحوار الهادئ والفرصة الملائمة لتحقيق الترابط الأسري، والقرب من الأولاد ومعرفة مشكلاتهم له دور كبير ـ بإذن الله ـ في حمايتهم من الانحراف، ولكنك تجد بعض الناس تفر من أبنائها ـ والعياذ بالله ـ والدليل علي ذلك كثرة المقاهي وكثرة الجالسين بها. ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ لم يقُلْ: «انظر ماذا أفعل»؛ لأنه سيفعل، ولكن انظر ماذا تري؟ يعني انظر ما تراه أنت؟ وكان الجواب علي ما يُرضِي الأب الرحيم الشفيق. ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾. إنه يحب لابنه أن يتذوق لذة التطوع التي ذاقها؛ وأن ينال الخير الذي يراه هو أبقى من الحياة. فماذا يكون من أمر الغلام، الذي يعرض عليه الذبح، تصديقًا لرؤيا

стр. 562

رآها أبوه؟ إنه يرتقي إلى الأفق الذي ارتقى إليه من قبل أبوه: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ إنه يتلقى الأمر لا في طاعة واستسلام فحسب. ولكن في رضى كذلك وفي يقين. ﴿يَا أَبَتِ﴾ في مودة وقربى. فشبَحُ الذبْحِ لا يزعجه ولا يفزعه ولا يفقده رشده. بل لا يفقده أدبه ومودته، فـ ﴿يَا أَبَتِ﴾ فيها تعظيم وتوقير وتكريم لأبيه. ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ فهو يحس ما أحسه مِن قبْلُ قلبُ أبيه. يحس أن الرؤيا إشارة. وأن الإشارة أمر. وأنها تكفي لكي يلبي وينفذ بغير لجلجة ولا تمحل ولا ارتياب. • أدب مع الله : ثم هو الأدب مع الله، ومعرفة حدود قدرته وطاقته في الاحتمال؛ والاستعانة بربه على ضعفه ونسبة الفضل إليه في إعانته على التضحية، ومساعدته على الطاعة: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ ولم يأخذها بطولةً. ولم يأخذها شجاعةً. ولم يأخذها اندفاعًا إلى الخطر دون مبالاة. ولم يظهر لشخصه ظلًا ولا حجمًا ولا وزنًا. إنما أرْجَعَ الفضل كله لله إنْ هو أعانه على ما يطلب إليه، وأصْبَره على ما يراد به: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾. يا للأدب مع الله! ويالروعة الإيمان. ويالَنُبل الطاعة. ويالعظمة التسليم! ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ مع أن صبره فعله هو ولكن علقه علي مشيئة الله، وهذا دليل علي أن هذا الابن الواعي يفهم قضية القضاء والقدر وأن فعله لن يكون إلا بمشية الله وتوفيقه. ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ ولم يُزَكّ نفسه وإنما علقه علي مشيئة الله فهو يرجو أن يكون صابرًا وهو أن يصبر علي أمر الله والبلاء والألم المتوقع. ويخطو المشهد خطوة أخرى وراء الحوار والكلام .. يخطو إلى التنفيذ: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ أي: إبراهيم وابنه إسماعيل، جازمًا بقتل ابنه وثمرة فؤاده، امتثالًا لأمر ربه، وخوفًا من عقابه، والابن قد وطَّن نفسه على الصبر، وهانت عليه في طاعة

стр. 563

ربه، ورضا والده، ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أي: تَلَّ إبراهيمُ إسماعيلَ على جبينه، ليضجعه فيذبحه، وقد انكب لوجهه، لئلا ينظر وقت الذبح إلى وجهه. ومرة أخرى يرتفع نبل الطاعة. وعظمة الإيمان. وطمأنينة الرضا وراء كل ما تعارف عليه بنو الإنسان. إن الرجل يمضي فيكب ابنه على جبينه استعدادًا. وإن الغلام يستسلم فلا يتحرك امتناعًا. وقد وصل الأمر إلى أن يكون عيانًا. لقد أسلما .. فهذا هو الإسلام. هذا هو الإسلام في حقيقته. ثقة وطاعة وطمأنينة ورضًا وتسليم .. وتنفيذ .. وكلاهما لا يجد في نفسه إلا هذه المشاعر التي لا يصنعها غير الإيمان العظيم. إنها ليست الشجاعة والجراءة. وليس الاندفاع والحماسة. لقد يندفع المجاهد في الميدان، يَقتل ويُقتل. ولقد يندفع الفدائي وهو يعلم أنه قد لا يعود. ولكن هذا كله شيء والذي يصنعه إبراهيم وإسماعيل سدد خطاكم هنا شيء آخر ... ليس هنا دم فائر، ولا حماسة دافعة ولا اندفاع في عجلة تخفي وراءها الخوف من الضعف والنكوص! إنما هو الاستسلام الواعي المتعقل القاصد المريد، العارف بما يفعل، المطمئن لما يكون. لا بل هنا الرضا الهادئ المستبشر المتذوق للطاعة وطعمها الجميل! وهنا كان إبراهيم وإسماعيل سدد خطاكم قد أديا. كانا قد أسلما. كانا قد حققا الأمر والتكليف. ولم يكن باقيًا إلا أن يذبح إسماعيل ﵇، ويسيل دمه، وتزهق روحه .. وهذا أمر لا يعني شيئًا في ميزان الله، بعدما وضع إبراهيم وإسماعيل سدد خطاكم في هذا الميزان من روحهما وعزمهما ومشاعرهما كل ما أراده منهما ربهما. كان الابتلاء قد تم. والامتحان قد وقع. ونتائجه قد ظهرت. وغاياته قد تحققت. ولم يعد إلا الألم البدني. وإلا الدم المسفوح. والجسد الذبيح. والله لا يريد أن يعذب عباده بالابتلاء. ولا يريد دماءهم وأجسادهم في شيء. ومتى خلصوا له واستعدوا للأداء بكلياتهم فقد أدوا، وقد حققوا التكليف، وقد جازوا الامتحان بنجاح.

стр. 564

• فرجٌ مِن بعد شدة: وعرف الله من إبراهيم وإسماعيل صدقهما. فاعتبرهما قد أديا وحققا وصدقًا: ﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾ في تلك الحال المزعجة، والأمر المدهش: ﴿أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ﴾ أي: قد فعلتَ ما أمِرتَ به، فإنك وطَّنْتَ نفسك على ذلك، وفعلتَ كل سبب، ولم يبق إلا إمرار السكين على حلقه. قد صدقتَ الرؤيا وحققتها فعلًا. فالله لا يريد إلا الإسلام والاستسلام بحيث لا يبقى في النفس ما تُكِنّه عن الله أو تعزه عن أمره أو تحتفظ به دونه، ولو كان هو الابن فلذة الكبد. ولو كانت هي النفس والحياة. وأنت يا إبراهيم قد فعلت. جُدتَ بكل شيء. وبأعز شيء. وجُدتَ به في رضى وفي هدوء وفي طمأنينة وفي يقين. فلم يبق إلا اللحم والدم. وهذا ينوب عنه ذبح. أي ذبح من دم ولحم! ويفدي الله هذه النفس التي أسلمت وأدت. يفديها بذبح عظيم. كل مواقف إبراهيم ﵇ يأتي الفرج في آخر لحظة، إسماعيل وهو يتلوي من العطش الفرج جاء أمه بعد سبع أشواط بين الصفا والمروة وبعد ما نفد التمر والماء، ثم يأتي الفرج في اللحظة الأخيرة، الفرج دائما يأتي بعد شدة العسر ولذلك لا تيأسوا عباد الله الأمة سوف يأتيها الفرج من عند الله . ﴿إِنَّ هَذَا﴾ الذي امتحنا به إبراهيم ﵇ ﴿لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ أي: الواضح، الذي تبين به صفاء إبراهيم، وكمال محبته لربه وخلته، فإن إسماعيل ﵇ لما وهبه الله لإبراهيم، أحبه حبًا شديدًا، وهو خليل الرحمن، والخلة أعلى أنواع المحبة، وهو منصب لا يقبل المشاركة ويقتضي أن تكون جميع أجزاء القلب متعلقة بالمحبوب، فلما تعلقت شعبة من شعب قلبه بابنه إسماعيل، أراد تعالى أن يصفي وُدَّه ويختبر خلته، فأمره أن يذبح من زاحم حبُّه حُبَّ ربه، فلما قدّم حب الله، وآثره على هواه، وعزم على ذبحه، وزال ما في القلب من المزاحم، بقي الذبح لا فائدة فيه، فلهذا قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ أي: صار بدله ذبح من الغنم عظيم، ذبحه

стр. 565

إبراهيم، فكان عظيمًا من جهة أنه كان فداء لإسماعيل، ومن جهة أنه من جملة العبادات الجليلة، ومن جهة أنه كان قربانًا وسنة إلى يوم القيامة. ومضت بذلك سنة النحر في الأضحى، ذكرى لهذا الحادث العظيم الذي يرتفع منارة لحقيقة الإيمان. وجمال الطاعة. وعظمة التسليم. والذي ترجع إليه الأمة المسلمة لتعرف فيه حقيقة أبيها إبراهيم، الذي تتبع ملته، والذي ترث نسبه وعقيدته. ولتدرك طبيعة العقيدة التي تقوم بها أو تقوم عليها، ولتعرف أنها الاستسلام لقَدر الله في طاعة راضية واثقة ملبية لا تسأل ربها لماذا؟ ولا تتلجلج في تحقيق إرادته عند أول إشارة منه وأول توجيه. ولا تستبقي لنفسها في نفسها شيئًا، ولا تختار فيما تقدمه لربها هيئة ولا طريقة لتقديمه إلا كما يطلب هو إليها أن تقدم! ثم لتعرف أن ربها لا يريد أن يعذبها بالابتلاء؛ ولا أن يؤذيها بالبلاء، إنما يريد أن تأتيه طائعة ملبية وافية مؤدية. مستسلمة لا تقدم بين يديه، ولا تتأبَّى عليه، فإذا عرف منها الصدق في هذا أعفاها من التضحيات والآلام. واحتسبها لها وفاءً وأداءً. وقبِلَ منها وفدّاها. وأكرمها كما أكرم أباها. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: وأبقينا عليه ثناءً صادقًا في الآخرين، كما كان في الأولين، فكل وقت بعد إبراهيم ﵇، فإنه فيه محبوب معظم مثني عليه. فهو مذكور على توالي الأجيال والقرون. وهو أمة. وهو أبو الأنبياء. وهو أبو هذه الأمة المسلمة. وهي وارثة ملته. وقد كتب الله لها وعليها قيادة البشرية على ملة إبراهيم. فجعلها الله له عقبًا ونسبًا إلى يوم الدين. ﴿سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ سلام عليه من ربه أي: تحيته عليه كقوله : ﴿قُلِ الْحَمْدُ للهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾. (النمل:٥٩). فكل الأمم المتأخرة تسلم علي إبراهيم وتريد الانتساب إليه ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران:٦٨) ونحن أولي الناس بإبراهيم إذ نحن علي ملته.

стр. 566

﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ في عبادة الله، ومعاملة خلقه، أن نفرج عنهم الشدائد، ونجعل لهم العاقبة، والثناء الحسن. ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ في عبادتنا، المقدِّمين رضانا على شهوات أنفسهم. نجزيهم باختيارهم لمثل هذا البلاء. ونجزيهم بتوجيه قلوبهم ورفعها إلى مستوى الوفاء. ونجزيهم بإقدارهم وإصبارهم على الأداء. ونجزيهم كذلك باستحقاق الجزاء! كذلك نجزيهم بالبلاء .. والوفاء ... والذكر ... والسلام ... والتكريم. • الجزاء من جنس العمل: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ إذًا ليست خاصة بإبراهيم فقط بل هي لكل محسن أخلص لله وراقب الله ـ سوف يجازي بنفس الطريقة. ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ كل من ضحي لله بشيء فالله سوف يخلفه خيرًا منه أو يبقيه له وزيادة، كما بقيت نفس إسماعيل وزِيدَ له أخًا نبيًا بدلا من نبي واحد أصبحا نبيَّيْن إسماعيل وإسحاق، وفداه الله بذبح عظيم. وقد قال ﵌: «إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا للهِ إِلَّا بَدَّلَكَ اللهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ». (رواه الإمام أحمد، وقال الألباني: سنده صحيح على شرط مسلم). (إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا للهِ) أي امتثالًا لأمره وابتغاءً لرضاه بغير مشاركة غرض من الأغراض معه. ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ بما أمر الله بالإيمان به، الذين بلغ بهم الإيمان إلى درجة اليقين، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (الأنعام:٧٥). وهذا جزاء الإيمان. وتلك حقيقته فيما كشف عنه البلاء المبين. لما قبل إبراهيم أن يذبح ولده ونجح في هذا الامتحان كافأه الله أن أعطاه ولدًا آخر فوهب له إسحاق في شيخوخته. وباركه وبارك إسحاق. وجعل إسحاق نبيًا من الصالحين: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ هذه البشارة الثانية بإسحاق، الذي من ورائه يعقوب، فبشر بوجوده وبقائه، ووجود ذريته، وكونه نبيًّا من الصالحين، فهي بشارات متعددة. •

стр. 567

صحبة الصالحين: وصحبة الصالحين هي سعادة هذه الدنيا بل ومن سعادة الآخرة؛ فالنبي ﵌ يقول في آخر كلماته في هذه الدنيا: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِي وَاجْعَلْنِي مَعَ الرَّفِيقِ الْأَعْلَى»، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ إِذَا اشْتَكَى مِنَّا إِنْسَانٌ مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَذْهِبْ الْبَاسَ، رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا». فَلَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللهِ ﵌ وَثَقُلَ أَخَذْتُ بِيَدِهِ لِأَصْنَعَ بِهِ نَحْوَ مَا كَانَ يَصْنَعُ فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ يَدِي، ثُمَّ قَالَ، «اللهُمَّ اغْفِرْ لِي وَاجْعَلْنِي مَعَ الرَّفِيقِ الْأَعْلَى»، قَالَتْ: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ قَدْ قَضَى» (رواه مسلم). وإبراهيم ﵇ يقول ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَالْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (الشعراء:٨٣) دعا ﵇ ربه فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ أي: علمًا كثيرًا، أعرِفُ به الأحكام، والحلال والحرام، وأحكُمُ به بين الأنام، ﴿وَالْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ من إخوانه الأنبياء والمرسلين. يقولها إبراهيم النبي الكريم الأواه الحليم. فيا للتواضع! ويا للتحرج! ويا للإشفاق من التقصير! ويا للخوف من تقلب القلوب! ويا للحرص على مجرد اللحاق بالصالحين! بتوفيق من ربه إلى العمل الصالح الذي يلحقه بالصالحين! إن صحبة الصالحين سعادة وإن صحبة الكفار والفاسقين عقوبة والنظر في وجوههم شقاء وعذاب كما قالت أم جريج لجريج: «اللهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ» (رواه البخاري ومسلم). مع أنه ينظر لتبرئة نفسه، جريج اضطُر إلي النظر في وجه المومس لكي يبرئ نفسه من التهمة الباطلة التي اتهمته بها وهي الزنى ومع ذلك كان ذلك من دعوة أمه عليه. فتخيل الذي يُصِرُّ علي صحبة الكذابين في وسائل الإعلام الفاسدة وعلي صفحات الجرائد والمجلات ويُصِرُّ علي صحبتهم علي شاشات التلفزيون والفيديو ويُصِرُّ علي صحبتهم علي شاشات السينما، ويُصِرُّ علي صحبتهم في القِصص السخيفة. مجرد النظر لهؤلاء فقط عذاب للإنسان الذي يحب صحبة الصالحين، أما الصالحون فهم

стр. 568

القوم لا يشقي بهم جليسهم. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سدد خطاكم قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﵌: «إِنَّ لِلهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللهَ تَنَادَوْا هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ، فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ: مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالُوا: يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ. فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ فَيَقُولُونَ: لَا وَاللهِ مَا رَأَوْكَ. فَيَقُولُ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا. يَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونِي. قَالُوا: يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ. قَالَ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالُوا: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا. قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟ قَالُوا: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً. قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قَالُوا: مِنْ النَّارِ. قَالَ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالُوا: َ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا. قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ قَالُوا: رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً. فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا. فَيَقُولُونَ: رَبِّ فِيهِمْ فُلَانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ، إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ. فَيَقُولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ؛ هُمْ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ». (رواه البخاري ومسلم). وَفِي الحديث بَيَان كَذِب مَنْ اِدَّعَى مِنْ الزَّنَادِقَة أَنَّهُ يَرَى الله تَعَالَى جَهْرًا فِي دَار الدُّنْيَا، وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم أن رسول الله ﵌ قال: «تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ». ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ أي: أنزلنا عليهما البركة، التي هي النمو والزيادة في علمهما وعملهما وذريتهما، فنشر الله من ذريتهما ثلاث أمم عظيمة: أمة العرب من ذرية إسماعيل، وأمة بني إسرائيل وأمة الروم من ذرية إسحاق. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ أي: منهم الصالح والطالح، والعادل والظالم الذي تبين ظلمه، بكفره وشركه، ولعل هذا من باب دفع الإيهام، فإنه لما قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وعلى إسحاق﴾ اقتضى ذلك البركة في ذريتهما، وأن من تمام البركة أن تكون الذرية كلهم محسنين، فأخبر الله تعالى أن منهم محسنًا وظالمًا. وتتلاحق من بعدهما ذريتهما. ولكن وراثة هذه الذرية لهما ليست وراثة الدم والنسب إنما هي وراثة الملة والمنهج: فمن اتبع فهو محسن. ومن انحرف فهو ظالم لا ينفعه نسب قريب أو بعيد. إذا كنتَ بالله مُستعصما ... فماذا يضيرُك ريبُ المنونْ حَذَارِ أخي أنْ تُسيء الظنون ... بوعدِ الإلهِ القويِّ المتينْ فقدْ وعدَ المؤمنينَ النجاةَ ... كما نجّا يونُسَ مِن بطنِ نُونْ تحصّنْ بذِكرِ الإلهِ العظيم ... وبادِرْ بحفظِ الكتابِ المبينْ فذاكَ لقلبِكَ حصنٌ حصينْ ... وهذا لروحِكَ زادٌ مَعينْ فهذي شدائدُ سوفَ تزول ... وتبقى الفوائدُ منها فنونْ ولستَ وحيدًا بهذي الطريق ... فتلكَ القوافلُ عبرَ السنينْ فلا تَبْتَئِسْ يا أخَ الصالحين ... لفرقة أهلٍ وفَقْدِ بنينْ فإنْ كان هذا لربٍّ ودين ... فأينَ الثباتُ وأينَ اليقينْ فذاكَ الخليلُ مضَى طائعًا ... لِذَبْحِ ابنِهِ في بلاءٍ مبينْ بيومٍ جليلٍ عظيمٍ كريم ... بلا جزعٍ تَلّه للجبينْ فنَجّاهُ ربي بإحسانِهِ ... وأفْداه فورًا بكبشٍ سمينْ وأنتَ بَنُوكَ بعَيْشٍ رغِيد ... ولهْوٍ ولعبٍ وحِرزٍ أمينْ ولم يُطلبَنْ منكَ ذبحًا لهم ... فقط أن تصابر بُعدًا لحينْ فهم في رعايةِ ربٍ رحيم ... وأنت بخلوةِ ذكرٍ ودينْ لمرضاةِ ربٍ ونصرةِ دين ... تهون الحياةُ وكلّ البنونْ

стр. 569

٥٠ - خطبة عيد الأضحى إنه العيدُ جاءَ ضيفًا عزيزًا فاكتُبُوا بالمِدادِ فيضَ التهاني كبّرُوا اللهَ عَلَّ تكبيرةَ العيدِ تضخّ الضميرَ في الشريانِ زلزلَتْ في القديمِ إيوانَ كسرَى هلْ تهزُّ الغداةَ كِسرَى الزمانِ معاشرَ المسلمين، أوصيكم ونفسي بما وصَّى به الله في كتابه ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ﴾ (النساء:١٣١). وأوصيكم بما وصى به رسول الله ﵌ فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﵌ الصَّلَاةَ يَوْمَ الْعِيدِ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، ثُمَّ قَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى بِلَالٍ، فَأَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ وَوَعَظَ النَّاسَ وَذَكَّرَهُمْ ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ» (رواه مسلم). فأوصيكم ـ عبادَ الله ـ بتقوى الله، فإنها سعادةُ الأبرار وقوامُ حياةِ الأطهار، تمسَّكوا بوثائقها، واعتصموا بحقائقها. • حاجة الأمة في هذا العصر إلى التمسك بمبادئ الإسلام وعظم مقاصد خطبة الوداع: أيها المسلمون، هاهم حجاج بيت الله يخطون خطواتهم على تلك الأرض الطيبة الآمنة بأمان الله، هذه الأرض التي تحكي تاريخ الإسلام المجيد، تاريخ نشأة هذا الدين في هذه البطاح. قصة الانتصار والكفاح، سيرة النماذج المثالية العالية، ومصارع الشهداء في سبيل الحق، بلدٌ وتاريخٌ، قفزت فيه البشرية إلى أبعد الآفاق، دينًا ودنيا، علمًا وعملًا فقهًا وخلقًا. أرضٌ طيبةٌ، تزدحم فيها هذه المناظر والمشاهد، حيةً نابضةً، تختلط فيه مشاعر العبودية، وأصوات التلبية، والإقبال على الربِّ الرحيم.

стр. 570

في هذه الأجواء يغمر قلب المتأمل، شعورٌ كريمٌ فياضٌ، بانتماء أفراد هذه الأمة إلى هدفٍ واحدٍ وغايةٍ واحدةٍ، إنها أمة محمد ﵌، دينها دين الإسلام دين الله رب العالمين. ما أحوج الأمة في أيام محنتها وشدائدها، وأيام ضعفها وتيهها، إلى دروسٍ من تاريخها تتأملها، وإلى وقفاتٍ عند مناسباتها، تستلهم منها العبر، ويتجدد فيها العزم على الجهاد الحق، ويصح فيها التوجه على محاربة كل بغي وفساد. ما أحوجها إلى دروس تستعيد فيها كرامتها، وتردُّ على من يريد القضاء على كيانها. وإن في حجة نبيكم محمد ﵌ الوداعية التوديعية لعبرًا ومواعظ، وإن في خطبها لدروسًا جوامع. فلقد خطب ﵌ خطبًا في موقف عرفة، ويوم الحج الأكبر وأيام التشريق ـ أرسى فيها قواعد الإسلام، وهدم مبادئ الجاهلية، وعظَّم حرمات المسلمين. خطب ﵌ الناس وودعهم، بعد أن استقرَّ التشريع، وكمل الدين، وتمت النعمة، ورضي الله هذا الإسلام دينًا للإنسانية كلها، لا يقبل من أحدٍ دينًا سواه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة:٣). ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران:٨٥). • خطابٌ عالميّ من سيّد العالمين محمّد ﵌: ألقى نبيكم محمد ﵌ في هذا المقام العظيم كلماتٍ جامعةً موجزةً، تحكي المبادئ الكبرى لهذا الدين. أحبتِي عادَ ذهنِي إلى زمنٍ ... مُعَظَّمٍ في سُويْدَا القلبِ مُستَطِرِ كأنني برسولِ اللهِ مرتديًا ... ملابسَ الطهرِ بين الناسِ كالقمرِ نورٌ وعن جانِبَيْهِ مِن صحابتِه فَيالقُ وألوفُ الناسِ بالأثَرِ

стр. 571

ساروا برُفقةِ أزكَى مُهجةٍ دَرَجَتْ وخيرِ مشتَمِلٍ ثوبًا ومُؤتَزِرِ مُلبِّيًا رافعًا كفَّيْهِ في وَجَلٍ ... للهِ في ثوبٍ أوّابٍ ومفتقرِ يَمْضِي ينادِي خُذُوا عنِّي مناسِكَكُمْ لعل هذا ختامُ العهْدِ والعُمُرِ وقامَ في عرَفَاتِ اللهِ ممتطيًا ... قَصواءَهُ يا له مِن موقِفٍ نَضِرِ تأمَّلَ الموقفَ الأسمَى فما نظرتْ ... عيناهُ إلا لأمواجٍ مِن البشَرِ فينحَنِي شاكرًا لله مِنّتَه ... وفضْلَه مِن تمامِ الدينِ والظَفَرِ يَشْدُو بخطْبتِه العصماءِ زاكيةً ... كالشهدِ كالسلسبيلِ العذبِ كالدُرَرِ مُجَلّيًا روعةَ الإسلامِ في جُمَلٍ ... مِن رائعٍ مِن بديعِ القولِ مختَصَرِ دَاعٍ إلى العدلِ والتقوَى وأنَّ بها ... تفاضُلُ الناسِ لا بالجنسِ والصورِ مُبَيِّنًا أنّ للإنسانِ حرمتَه ... مُمَرِّغًا سَيِّء العاداتِ بالمَدَرِ يا ليتني كنتُ بين القومِ إذْ حضَروا ... مُمَتَّعَ القلبِ والأسماعِ والبصرِ وأنبري لرسولِ اللهِ ألثُمُهُ ... على جبينٍ نقيٍّ طاهرٍ عطِرِ أقَبِّلُ الكفَّ كفَّ الجودِ كمْ بذلَتْ ... سحّاءَ بالخيرِ مثل السَلسَلِ الهدرِ ألوذُ بالرّحْلِ أمشِي في معِيَّتِه ... وأرتوِي مِن رسولِ اللهِ بالنظرِ أُسّرُّ بالمشْيِ وإنْ طالَ المسيرُ بنَا ... وما انقضَى مِن لقاءِالمصطفَى وَطَرِي أما الرداءُ الذِي حجَّ الحبيبُ بهِ ... يا ليتَه كفنٌ لي في دُجَى الحُفَرِ يا غافلًا عن مزاياهُ وروعتٍها ... يَمِّمْ إلى كتُبِ التاريخِ والسِّيَرِ يا ربِّ لا تحرِمْنَا مِن شفاعتِه وحوضِه العذبِ يومَ الموقفِ العَسِرِ معاشرَ المسلمين، إنّ الأمّة اليومَ في حاجةٍ عظيمة للمبادئ التي تعالج واقعَها وللأصول التي تحلّ مشكلاتها وللقيَم التي ترسم لها الخطّة الناجحةَ لمحاربة التحدّيات التي تواجهها والمخاطر التي تحيط بها. ومِن هذا المنطلَق فإنّ ضرورةَ المسلمين اليومَ كبيرةٌ في مثل هذه المناسبة للمراجعة الجادّةِ والتبصُّر الصادق في وثيقةٍ تاريخية عظيمة، صدرت من رجلٍ عظيم في يومٍ

стр. 572

عظيم. إنها خطبةُ الوداع التي تعرِض للأمة أعلى القيَم، وتمدّها بمقوّمات الخير والصّلاح لبناء الحاضِر والمستقبل، وتعطيها أُسُسَ الفلاح ومبادئَ النّجاح. إخوةَ الإسلام، خطبةُ الوداع جاءت تذكِّر الأمّة في كلِّ حين بأسباب الحياةِ المثلى، وتبصِّرها بسُبل الوقاية من الشرور والفتَن، وهو تحقيقُ منهج الإسلام في هذه الحياة عقيدةً وشريعة، حُكمًا وتحاكمًا، عملًا وسُلوكًا. • مبدأ حفظ الدماء والأموال والأعراض: أمّةَ الإسلام، وفي مضامين هذه الوثيقةِ أصلٌ مهمّ تقوم عليه سعادة الناس، وتصلح به حياتهم، إنه مبدأ حفظِ النفوس والأموال والأعراض، يقول ﵌ في هذه الخطبة: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ. قَالَ: فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ قَالُوا: بَلَدٌ حَرَامٌ. قَالَ: فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قَالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ. قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فَأَعَادَهَا مِرَارًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: اللهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» (رواه البخاري ومسلم). إنها المقاصد العامّة والمصالح الكلّية التي جاءت الشريعةُ برعايتها والحفاظِ عليها وبناء الأحكام على وفقها وجعلها غايةً مستقرّة في تشريعاتها، ممّا حدَا بأحدِ المستشرقين أن يقول: «لو طبّق المسلمون تعاليمَ دينهم وحرصوا عليها عملًا فإنّ دُورَ الشرطةِ والمحاكم والسجون ستُغلق؛ لأنه لن يبقَ لها عملٌ، وبذلك يوجد المجتمع المسلم الذي رسم الإسلام معالمَه». خطابٌ عالميّ يصدُر من سيّد العالمين محمّد ﵌، يتضمّن محاربةَ كلِّ تصرّفٍ يترتّب عليه ترويعُ الآمنين وإخافة المسلمين. خطابٌ يتضمّن في مشمول معانيه الحرصَ التامَّ من دين الإسلام على حفظ النفوس أن تهدَر والأموال أن تضيّع والأعراض أن تنتهَك. إنه خطابٌ كالسّيف ضدّ كلِّ تهمةٍ تُوجَّه للإسلام بأنه دينُ إرهابٍ وإرعاب، فأين المنصفون؟! وأين المتبصِّرون؟! •

стр. 573

مبدأ العقوبات في الإسلام: إنّ حرص التشريع الإسلاميّ على إصلاح النفوس وتهذيبها وحماية الجماعة وأفرادها لا مثيل له في القضاء على الخطر والمنعِ من الشرّ والضرر، حدودٌ تزجر الناسَ وتردعهم، وتصلح أحوالهم وشؤونهم، حسمٌ لباب الفساد، وإصلاحٌ لأحوال العباد؛ لتقوم حياةٌ كريمة وعيشٌ مطمئنّ مستقرّ، ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:١٧٩). وقد عجزت الأمم المعاصرة بتقدمها وتقنية وسائلها أن توقف سيل الجرائم، وإزهاق النفوس، وزاد سوؤها وانكشفت سوأتها، حين ألغت عقوبة الاقتصاص من المجرمين، واكتفت بعقوبات هزيلة بزعم استصلاح المجرمين، وما زاد المجرمين ذلك إلا عتوًا واستكبارًا في الأرض ومكر السيئ، ولكنه في شرع محمد ﵌ محسوم بالقصاص العادل: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:١٧٩). إن في القصاص حياة حين يكفُّ من يَهمُّ بالجريمة عن الإجرام، وفي القصاص حياةٌ حين تشفى صدور أولياء القتيل من الثأر الذي لم يكن يقف عند حدٍّ لا في القديم ولا في الحديث. ثأرٌ مثيرٌ للأحقاد العائلية، والعصبيات القبلية، يتوارثه الأجيال جيلًا بعد جيلٍ، لا تكفُّ معه الدماء عن المسيل. ويأتي حسمٌ عمليٌّ ومباشرة تطبيقية من محمد ﵌ في هذا الموقف العظيم، وفي إلغاء حكم جاهلي في مسألة الثأر، فاستمع إليه وهو يقول: «أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْل» (رواه مسلم). أيها الإخوة، إن في القصاص والحدود وأحكام الجنايات في الشريعة، حياةً ورحمةً، حياةً أعم وأشمل، حياة تشمل المجتمع كله، رحمة واسعة غير مقصورة على

стр. 574

شفقة ورِقَّة تنبت في النفس نحو مستضعفٍ أو أرملةٍ أو طفلٍ، ولكنها رحمةٌ عامةٌ للقوي والضعيف والقريب والبعيد. • تحريم الربا: معاشرَ المسلمين، في موقفِ الوداع يُعلن المصطفى ﵌ حكمَ الإسلام الأبديَّ في قضيةٍ خطيرة من قضايا الاقتصاد، إنها قضيّة الربا، فيقول ﵌: «وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا ـ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِب» (رواه مسلم). سياسةٌ نبويّة لصيانة الاقتصاد من الهلاك والدمار، ولحماية المجتمعات من الشرور والأضرار، وذلك بتَحريم الربا بمختلف صُوَره ومهما كان نوعُه وقدره. وقال ﵌: «الرِّبَا ثَلَاثَةٌ وسَبْعُونَ بَابًا، أيْسَرُهَا مِثْلُ أنْ ينْكِحَ الرَّجُلُ أمَّه» (صحيح رواه الحاكم). وعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «مَا أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنْ الرِّبَا إِلَّا كَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهِ إِلَى قِلَّةٍ» (صحيح رواه ابن ماجه). معاشرَ المسلمين، إنّه في الوقتِ الذي يُصدر الإسلام وصاياه النيّرةَ يتَّضح للعالم بعد قرونٍ بالتجارب الواقعية والكتابات المتعدّدة والإحصاءات الدقيقةِ الصادرة من أساطين الاقتصاد العالمي أنّ النظامَ الربويّ ليس هو العاجز على توفير الاقتصاد النامي المستقرِّ فحسب، بل إنّه عنصرٌ مدمِّر لشروط ودعائم الاقتصاد ونموِّه واستقراره، فأين المدركون؟! وأين هم المتَّعظون؟! • صيانة المرأة والحرص على كرامتها: معاشر الإخوة، أما قضية المرأة، وما أدراك ما قضية المرأة، وكأنها قضية كل عصر وكل جيل وكل أمة، يأتي الخطاب النبوي في هذا الحشد الهائل ممن عاصر الجاهلية، ليضع الناس على الحق، والطريق المستقيم. إن مواريث العرب والجاهلية قبل الإسلام احتقرت المرأة وازْدَرَتْها، بل لعلها رأت أنها شرٌ لابد منه. وإذا كانت مواريث الجاهلية قد جعلت المرأة في قفص الاتهام ومظاهر الاستصغار، فإن مسلك التقدم المعاصر قد جعلها مصيدةً لكل الآثام. ولكنَّ هدي محمد ﵌ أعطى كل ذي حق حقه، وحفظ لكلٍّ نصيبه: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ (النساء:٣٢). في مسلك وسط، ومنهجٍ عدلٍ، فالنساء شقائق الرجال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة:٢٢٨)، ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (آل عمران:١٩٥)، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل:٩٧). أمّةَ الإسلام، المرأة في الإسلام شقيقةُ الرجال في إقامة الحياة على خيرِ حال، علاقتها به علاقةُ مودّةٍ ورحمة وسَكَنٍ وطمأنينة، يقول ﵌ في خطبة الوداع: «فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ» (رواه مسلم). المرأة في الإسلام لها شأنٌ عظيم، حقوقها محفوظةٌ مُصَانة، تعيش كريمةً مُصانة عُضوًا مشَرّفا وعنصرًا فعّالا في إقامة حياةٍ سعيدة ومجتمع طاهر نزيه، تمارس مسؤولياتها وفقَ الحِشمة والآداب، مستوعِبةً المفيدَ من الجديد، محافظةً على نفسها، لها ميادينها ومجالاتُها في الخير والعطاءِ والبذل والفداء، وحينئذ تجني لأمّتها ولنفسها الثمراتِ الخيّرة، ولمجتمعها القطوفَ الزّاهرة، مجتنبةً الويلاتِ التي يعاني منها المستسلِمات لصرخاتِ التحرير الكاذبة الماكرة والدعوات الخادعة السافرة. أيّها المؤمنون، أعداءُ الإسلام حريصون على أن تنهجَ المسلمة السبُل العوجاءَ والأفكار الهوجاء، قال أحدهم: «لن تستقيمَ حال الشّرق ما لم يُرفَع الحجابُ عن وجه المرأةِ ويغطَّى به القرآن»، وقال آخر: «إنّ التأثير الفكريَّ الذي يظهر في كلّ المجالات ويقلب المجتمعَ الإسلاميّ رأسًا على عقب لا يبدو في جلاءٍ أفضل بما يبدو في تحرير المرأة». وهذا ليس بمستغرَبٍ على مَن مبادِؤُه مهلِكة ومقاييسه فاسِدة، ولكن المستغرَب أن يتأثّر بذلك ذوو أفهامٍ سقيمة أو نوايا خبيثة، فتجدهم يتّجهون لمِثل تلك الدعوات، وينادون في ديار الإسلام بمثل تلك الصيحات. ألا فليت هؤلاء وغيرهم يدركون ما أدركه عقلاء القومِ ويستبصرون ما استبصروه من العواقب الوخيمةِ والآثار المدمّرة لمثل تلك التوجّهات، فترى أولئك منذرين نادمين على أرجاءِ حاضرتهم الهابطة التي أوردتهم الموارد. تقول إحدى كاتباتهم: «إنّ الاختلاطَ الذي يألفُه الرجال وقد طمعَت فيه المرأة بما يخالف فطرتَها، وهنا البلاء العظيم على المرأة ... إلى أن قالت: أما آن لنا أن نبحثَ عمّا يخفِّف ـ إذا لم نقل: عمّا يزيل ـ هذه المصائب؟!»، وتقول أخرى: «ألا ليتَ بلادَنا كبلاد المسلمين، فيها الحشمة والعفافُ والطّهارة، تنعَم المرأة بأرغد عيش، تعمل كما يعمَل أولادُ البيت، ولا تُمسُّ الأعراض بسوء». ألا وقد استبان الأمرُ وانكشف الحال، فواجبُ مَن انبهر بهذه المبادئ الزائفة والشعارات المرَوْنَقَة واجبهُ النظرُ المنصِف والتفكُّر الدقيق، ليعلم ما جرّته تلك المفاهيمُ الزائفة من عواقبَ وخيمة على الفرد والمجتمع في كثيرٍ من العالم اليوم. وإنّه لحريٌّ بالمسلمين التمسّكُ بخصائصهم الدينيّة والثقافية والاجتماعيّة أمامَ طغيان الثقافات الأخرى ومفاهيمها في قضية المرأة وغيرها، وذلك باختيار الهدي الإلهي ومبادئ التشريع الرباني وإظهار الاعتزاز بتلك الخصوصية وتطبيقها والالتزام بها، فذلك كافلٌ لها بموقع مشرِّفٍ في كلّ المجالات وشتّى الميادين. يا نساء المسلمين، اتقين الله تعالى في واجباتكن التي طوقت أعناقكن، أحسِنَّ إلى أولادكن بالتربية الإسلامية النافعة، واجتهدن في إعداد الأولاد إعدادًا سليمًا ناجحًا، فإن المرأة أشد تأثيرًا على أولادها من الأب، وليكن هو معينًا لها على التربية، وأحسِنَّ إلى الأزواج بالعشرة الطيبة، وبحفظ الزوج في عرضه وماله وبيته، ورعاية حقوق أقاربه وضيفه وجيرانه. عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «إِذَا صَلَّتْ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا، قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ» (حسن رواه الإمام أحمد). • ذم العصبية والعنصرية: إخوةَ الإسلام، جاء الإسلامُ والناسُ تموج بهم صراعاتُ الأجناس والألوانِ والطبقات، فأشرق نورُه، وجمع بين تلك المختلِفات على مبدأ المساواة بين النّاس، لا تفاضُلَ فيه إلاّ باعتبار التقوى التي تنطرِح معها كلّ نزعةٍ عنصريّة عصبية أو قومية، يقول المصطفى ﵌ في خطابه: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى» (إسناده صحيح رواه الإمام أحمد). وقال النَّبِيِّ ﵌: «الْحَسَبُ الْمَالُ، وَالْكَرَمُ التَّقْوَى» (صحيح رواه الترمذي). (الْحَسَبُ الْمَالُ) أَيْ مَالُ الدُّنْيَا الْحَاصِلُ بِهِ الْجَاهُ غَالِبًا. (وَالْكَرَمُ) أَيْ الْكَرَمُ الْمُعْتَبَرُ فِي الْعَقِبِ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ الْإِكْرَامُ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى (التَّقْوَى) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْحَسَبُ مَا يَعُدُّهُ مِنْ مَآثِرِهِ وَمَآثِرِ آبَائِهِ، وَالْكَرَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ وَالشَّرَفِ وَالْفَضَائِلِ وَهَذَا بِحَسَبِ اللُّغَةِ، فَرَدَّهُمَا ﵌ إِلَى مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ بَيْنَ النَّاسِ وَعِنْدَ اللهِ، أَيْ لَيْسَ ذِكْرُ الْحَسَبِ عِنْدَ النَّاسِ لِلْفَقِيرِ حَيْثُ لَا يُوَقَّرُ وَلَا يُحْتَفَلُ بِهِ بَلْ كُلُّ الْحَسَبِ عِنْدَهُمْ مَنْ رُزِقَ الثَّرْوَةَ وَوُقِّرَ فِي الْعُيُونِ، أَيْ إِنَّهُ يُوَقَّرُ لِذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ دَلِيلُ الثَّرْوَةِ وَذُو الْفَضْلِ وَالشَّرَفِ عِنْدَ النَّاسِ وَلَا يُعَدُّ كَرِيمًا عِنْدَ اللهِ. وَإِنَّمَا الْكَرِيمُ عِنْدَهُ مَنْ اِرْتَدَى بِرِدَاءِ التَّقْوَى. كَانَتْ مَوَدَّةُ سَلْمَانَ لَهُ نَسَبًا ... وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ نُوحٍ وَابْنِهِ رَحِمٌ. وعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا، فَالنَّاسُ رَجُلَانِ بَرٌّ تَقِيٌّ

стр. 575

كَرِيمٌ عَلَى اللهِ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللهِ، وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ وَخَلَقَ اللهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، قَالَ اللهُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾» (صحيح رواه الترمذي). (إِنَّ اللهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ) أَيْ أَزَالَ وَرَفَعَ عَنْكُمْ. (عُبِّيَّة الْجَاهِلِيَّة) أَيْ فَخْرهَا وَتَكَبُّرهَا وَنَخْوَتهَا. (وَتَعَاظُمَهَا) أَيْ تَفَاخُرَهَا. (فَالنَّاسُ رَجُلَانِ) أَيْ نَوْعَانِ: (رَجُلٌ بَرٌّ تَقِيٌّ) أَيْ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَكَبَّرَ عَلَى أَحَدٍ لِأَنَّ مَدَارَ الْإِيمَانِ عَلَى الْخَاتِمَةِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ اِتَّقَى. (وَفَاجِرٌ) أَيْ كَافِرٌ أَوْ عَاصٍ (شَقِيٌّ) أَيْ غَيْرُ سَعِيدٍ (هَيِّنٌ) أَيْ ذَلِيلٌ (عَلَى اللهِ) أَيْ عِنْدَهُ وَالذَّلِيلُ لَا يُنَاسِبُهُ التَّكَبُّرُ. (وَالنَّاسُ) أَيْ كُلُّهُمْ (بَنُو آدَمَ) أَيْ أَوْلَادُهُ (وَخَلَقَ اللهُ آدَمَ مِنْ التُّرَابِ) أَيْ فَلَا يَلِيقُ بِمَنْ أَصْلُهُ التُّرَابُ النَّخْوَةُ وَالتَّجَبُّرُ. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ أَيْ آدَمَ وَحَوَّاءَ ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا﴾ جَمْعُ شَعْبٍ وَهُوَ أَعْلَى طَبَقَاتِ النَّسَبِ ﴿وَقَبَائِلَ﴾ هِيَ دُونَ الشُّعُوبِ، وَبَعْدَهَا الْعَمَائِرُ، ثُمَّ الْبُطُونُ، ثُمَّ الْأَفْخَاذُ، ثُمَّ الْفَصَائِلُ آخِرُهَا. ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ أَيْ لِيَعْرِفَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا لَا لِتُفَاخِرُوا بِعُلُوِّ النَّسَبِ وَإِنَّمَا الْفَخْرُ بِالتَّقْوَى. ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ أَيْ إِنَّمَا تَتَفَاضَلُونَ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى بِالتَّقْوَى لَا بِالْأَحْسَابِ. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «إِنَّ اللهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ، إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللهِ مِنْ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ» (حسن رواه أبو داود).

стр. 576

ورواه الترمذي بلفظ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمْ الَّذِينَ مَاتُوا، إِنَّمَا هُمْ فَحْمُ جَهَنَّمَ أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللهِ مِنْ الْجُعَلِ الَّذِي يُدَهْدِهُ الْخِرَاءَ بِأَنْفِهِ ... » (حسن). (مُؤْمِن تَقِيّ وَفَاجِر شَقِيّ) مَعْنَاهُ أَنَّ النَّاس رَجُلَانِ مُؤْمِن تَقِيّ فَهُوَ الْخَيِّرُ الْفَاضِل وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَسِيبًا فِي قَوْمه، وَفَاجِر شَقِيّ فَهُوَ الدَّنِيّ وَإِنْ كَانَ فِي أَهْله شَرِيفًا رَفِيعًا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُفْتَخِر الْمُتَكَبِّر إِمَّا مُؤْمِن تَقِيّ فَإِذَنْ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَكَبَّر عَلَى أَحَد، أَوْ فَاجِر شَقِيّ فَهُوَ ذَلِيل عِنْد اللهِ، وَالذَّلِيل لَا يَسْتَحِقّ التَّكَبُّر فَالتَّكَبُّر مَنْفِيّ بِكُلِّ حَال. (لَيَدَعَن): أَيْ لِيَتْرُكَن. (إِنَّمَا هُمْ): أَيْ أَقْوَام. (أَهْوَنَ): أَيْ أَذَلَّ. (عَلَى اللهِ): أَيْ عِنْده (مِنْ الْجِعْلَان):جَمْع جُعْل: دُوَيْبَّة سَوْدَاء تُدِير الْخِرَاء بِأَنْفِهَا، وَمِنْ شَأْنِه جَمْع النَّجَاسَة وَادِّخَارهَا. وَمِنْ عَجِيب أَمْره أَنَّهُ يَمُوت مِنْ رِيح الْوَرْد وَرِيح الطِّيب فَإِذَا أُعِيدَ إِلَى الرَّوْث عَاشَ. وَمِنْ عَادَته أَنْ يَحْرُس النِّيَام فَمَنْ قَامَ لِقَضَاءِ حَاجَته تَبِعَهُ وَذَلِكَ مِنْ شَهْوَته لِلْغَائِطِ لِأَنَّهُ قُوتُه. (الَّتِي تَدْفَع بِأَنْفِهَا النَّتْن): أَيْ الْعَذِرَة، أي البراز. (يُدَهْدِه) يُدَحْرِج. شَبَّهَ ﵌ الْمُفْتَخِرِينَ بِآبَائِهِمْ الَّذِينَ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّة بِالْجِعْلَانِ، وَآبَاءَهُمْ الْمُفْتَخَر بِهِمْ بِالْعَذِرَةِ، وَنَفْس اِفْتِخَارهمْ بِهِمْ بِالدَّفْعِ وَالدَّهْدَهَة بِالْأَنْفِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ أَحَد الْأَمْرَيْنِ وَاقِع الْبَتَّة إِمَّا الِانْتِهَاء عَنْ الِافْتِخَار أَوْ كَوْنهمْ أَذَلّ عِنْد اللهِ تَعَالَى مِنْ الْجِعْلَانِ الْمَوْصُوفَة. وما أشبه هؤلاء الْمُفْتَخِرِينَ بِآبَائِهِمْ الَّذِينَ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّة بمن يفتخرون اليوم بالمشركين من الفراعنة أو الأشوريين أو البابليين أو غيرهم، يزعمون أنهم أجدادهم. إن أجدادنا الذين يحق لنا أن نفخر بهم هم تلاميذ محمد ﵌ وأصحابه ﵃ من أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ والحسن والحسين ومعاوية وعمرو بن العاص ﵃، ومن سار على نهجهم من التابعين وتابعيهم بإحسان.

стр. 577

وإذا كان الإسلام في العهد النبوي قد دفن النعرات الجاهلية، والعصبيات الدموية، والشيطان قد يئس أن يُعبد في ذلك العهد، لكننا نخشى تجدد آماله في هذه العصور المتأخرة. تتجدد آماله في الفرقة والتمزيق. فالعالم الإسلامي اليوم تتوزعه عشراتُ القوميات، وتمشي جماهيره تحت عشرات الرايات، وهي قوميات ذات توجهات مقيتة. ما جلبت لأهلها إلا الذل والصغار، والفرقة والتمزق. فهل يستيقِن المسلمون اليومَ أنّ التفرُّقَ والتشرذُم الحاصِل والذلّ والهوان الواقع إنما هو بسببِ تلك القوميّات العرقيّة والأحزاب الفكريّة والمشارِب المتعدّدة؟! فكم جرّت على الأمّة الإسلاميّة من ويلاتٍ وويلات، ودمّرت مصالحَ ومقدَّرات، ونبيّ الأمّة ﵌ يقول: «مَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ» (رواه مسلم).وفي لفظ آخر: «وَمَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِلْعَصَبَةِ وَيُقَاتِلُ لِلْعَصَبَةِ فَلَيْسَ مِنْ أُمَّتِي» (رواه مسلم). قوْله ﵌: (وَمَنْ قَاتَلَ تَحْت رَايَة عِمِّيَّة) هِيَ الْأَمْر الْأَعْمَى لَا يَسْتَبِين وَجْهه كَتَقَاتُلِ الْقَوْم لِلْعَصَبِيَّةِ. قَوْله ﵌: (يَغْضَب لِعَصَبَةٍ أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَة أَوْ يَنْصُر عَصَبَة) مَعْنَاهُ: إِنَّمَا يُقَاتِل عَصَبِيَّة لِقَوْمِهِ وَهَوَاهُ. • الوصية بالتمسك بالكتاب والسنة: أيّها المسلمون، وتُختَم كلمات الوداع من نبيّ الأمّة ﵌ وهو يفارقها بوَصيّة تضمَن لها السعادة والرفعةَ والنصرَ والعزّ، إنها وصيّة الالتزام بالتمسك بالوحيين والاعتصام بالهديين، قال ﵌ في خطبة الوداع: «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابُ اللهِ» (رواه مسلم). وقال ﵌: «تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ» (١). (صحيح رواه الحاكم).

стр. 578

تمسُّكٌ بهما في شتَّى الجوانب، واعتصامٌ بهما في جميع الأحوال، عقيدةً وعملًا، شريعةً وتحاكمًا. ألا فليكن التنظيمُ في حياة المسلمين على وفقهما، وليُنهَج في ديار المسلمين الإصلاحُ في ضوء مذهبهما، نظامُ حياةٍ كامل، ودستور إصلاح شامِل، فالتأريخ الإسلامي في المدّ والجزر والنصر والهزيمة والقوّة والضعف برهانٌ ساطع على أن العزّةَ والسؤدَد والرخاءَ والازدهار يكون للمسلمين يومَ يكون أمرهم على الوحيين وشؤونُهم وفقَ الهديين. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة:٤٨ - ٥٠). يقول تعالى: ﴿وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ الذي هو القرآن العظيم، أفضل الكتب وأجَلّها.

стр. 579

﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: إنزالا بالحق، ومشتملا على الحق في أخباره وأوامره ونواهيه. ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ لأنه شهد لها ووافقها، وطابقت أخباره أخبارها، وشرائعه الكبار شرائعها، وأخبرت به، فصار وجوده مصداقا لخبرها. ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ أي: مشتملا على ما اشتملت عليه الكتب السابقة، وزيادة في المطالب الإلهية والأخلاق النفسية. فهو الكتاب الذي تتبع كل حق جاءت به الكتب فأمر به، وحث عليه، وأكثر من الطرق الموصلة إليه. وهو الكتاب الذي فيه نبأ السابقين واللاحقين، وهو الكتاب الذي فيه الحكم والحكمة، والأحكام الذي عرضت عليه الكتب السابقة، فما شهد له بالصدق فهو المقبول، وما شهد له بالرد فهو مردود، قد دخله التحريف والتبديل، وإلا فلو كان من عند الله، لم يخالفه. ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللهُ﴾ من الحكم الشرعي الذي أنزله الله عليك. ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ أي: لا تجعل اتباع أهوائهم الفاسدة المعارضة للحق بدلا عما جاءك من الحق فتستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير. ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ أي: أفيطلبون بتوليهم وإعراضهم عنك حكم الجاهلية، وهو كل حكم خالف ما أنزل الله على رسوله. فلا ثَمَّ إلا حكم الله ورسوله أو حكم الجاهلية. فمن أعرض عن الأول ابتلي بالثاني المبني على الجهل والظلم والغي، ولهذا أضافه الله للجاهلية، وأما حكم الله تعالى فمبني على العلم، والعدل والقسط، والنور والهدى. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ فالموقن هو الذي يعرف الفرق بين الحُكْمين ويميز ـ بإيقانه ـ ما في حكم الله من الحسن والبهاء، وأنه يتعين ـ عقلًا وشرعًا ـ إتباعه. واليقين، هو العلم التام الموجب للعمل. تتناول هذه الآيات قضية الحكم والشريعة والتقاضي ـ ومن ورائها قضية الألوهية والتوحيد والإيمان ـ والقضية في جوهرها تتلخص في الإجابة على هذا

стр. 580

السؤال: أيكون الحكم والشريعة والتقاضي حسب مواثيق الله وعقوده وشرائعه التي كتبها على الرسل، وعلى من يتولون الأمر بعدهم ليسيروا على هداهم؟ أم يكون ذلك كله للأهواء المتقلبة، والمصالح التي لا ترجع إلى أصل ثابت من شرع الله، والعرف الذي يصطلح عليه جيل أو أجيال؟ وبتعبير آخر: أتكون الألوهية والربوبية والقوامة لله في الأرض وفي حياة الناس؟ أم تكون كلها أو بعضها لأحد من خلقه يشرع للناس ما لم يأذن به الله؟ الله يقول: إنه هو الله لا إله إلا هو. وإن شرائعه التي سنَّها للناس بمقتضى ألوهيته لهم وعبوديتهم له، وعاهدهم عليها وعلى القيام بها ـ هي التي يجب أن تحكم هذه الأرض، وهي التي يجب أن يتحاكم إليها الناس وهي التي يجب أن يقضي بها الأنبياء ومن بعدهم من الحكام. إنه لا هوادة في هذا الأمر، ولا ترخص في شيء منه، ولا انحراف عن جانب ولو صغير. وإنه لا عبرة بما تواضع عليه جيل، أو لما اصطلح عليه قبيل، مما لم يأذن به الله في قليل ولا كثير! إن المسألة مسألة إيمان أو كفر؛ أو إسلام أو جاهلية؛ وشرع أو هوى. وليس لأحد من عباده أن يقول: إنني أرفض شريعة الله، أو إنني أبْصَرُ بمصلحة الخلق من الله. فإن قالها ـ بلسانه أو بفعله ـ فقد خرج من نطاق الإيمان. إن الاعتبار الأول في هذه القضية هو أنها قضية الإقرار بألوهية الله وربوبيته وقوامته على البشر ـ بلا شريك ـ أو رفض هذا الإقرار .. ومن هنا هي قضية كفر أو إيمان، وجاهلية أو إسلام. ومعنى الاستسلام لشريعة الله هو ـ قبل كل شيء ـ الاعتراف بألوهيته وربوبيته وقوامته وسلطانه. ومعنى عدم الاستسلام لهذه الشريعة، واتخاذ شريعة غيرها في أية جزئية من جزئيات الحياة، هو ـ قبل كل شيء ـ رفض الاعتراف بألوهية الله وربوبيته وقوامته وسلطانه.

стр. 581

ويستوي أن يكون الاستسلام أو الرفض باللسان أو بالفعل دون القول. فما يملك إنسان أن يدعي أن شريعة أحد من البشر تفضل أو تماثل شريعة الله، في أية حالة أو في أي طور من أطوار الجماعة الإنسانية .. ثم يدعي ـ بعد ذلك ـ أنه مؤمن بالله، وأنه من المسلمين .. إنه يدعي أنه أعلم من الله بحال الناس؛ وأحكم من الله في تدبير أمرهم. أو يدعي أن أحوالًا وحاجات جرت في حياة الناس، وكان الله غير عالم بها وهو يشرع شريعته؛ أو كان عالمًا بها ولكنه لم يشرع لها! ولا تستقيم مع هذا الادعاء دعوى الإيمان والإسلام. مهما قالها باللسان! إن شريعة الله تمثل منهجًا شاملًا متكاملًا للحياة البشرية؛ يتناول بالتنظيم والتوجيه والتطوير كل جوانب الحياة الإنسانية؛ في جميع حالاتها، وفي كل صورها وأشكالها. وهو منهج قائم على العلم المطلق بحقيقة الكائن الإنساني، والحاجات الإنسانية، وبحقيقة الكون الذي يعيش فيه الإنسان؛ وبطبيعة النواميس التي تحكمه وتحكم الكينونة الإنسانية. وهو منهج قائم على العدل المطلق .. أولًا .. لأن الله يعلم حق العلم بم يتحقق العدل المطلق وكيف يتحقق .. وثانيًا .. لأنه ـ سبحانه ـ رب الجميع؛ فهو الذي يملك أن يعدل بين الجميع؛ وأن يجيء منهجه وشرعه مبرأ من الهوى والميل والضعف. كما أنه مُبَرَّأ من الجهل والقصور والغلو والتفريط، الأمر الذي لا يمكن أن يتوافر في أي منهج أو في أي شرع من صنع الإنسان، ذي الشهوات والميول، والضعف والهوى ـ فوق ما به من الجهل والقصور ـ سواء كان المشَرِّع فردًا، أو طبقة، أو أمة، أو جيلًا من أجيال البشر .. فلكل حالة من هذه الحالات أهواؤها وشهواتها وميولها ورغباتها؛ فوق أن لها جهلها وقصورها وعجزها عن الرؤية الكاملة لجوانب الأمر كله حتى في الحالة الواحدة في الجيل الواحد.

стр. 582

إنه المنهج الوحيد الذي يتحرر فيه الإنسان من العبودية للإنسان. ففي كل منهج ـ غير المنهج الإسلامي ـ يتعبد الناسُ الناسَ. ويعبد الناسُ الناسَ. وفي المنهج الإسلامي ـ وحده ـ يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده بلا شريك. والإسلام حين يجعل الشريعة لله وحده، يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ويعلن تحرير الإنسان. بل يعلن «ميلاد الإنسان» .. فالإنسان لا يولد، ولا يوجد، إلا حيث تتحرر رقبته من حكم إنسان مثله؛ وإلا حين يتساوى في هذا الشأن مع الناس جميعًا أمام رب الناس. ومن هنا خطورة هذه القضية في حياة بني الإنسان، وفي نظام الكون كله: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ (المؤمنون:٧١). فالحكم بغير ما أنزل الله معناه الشر والفساد والخروج في النهاية عن نطاق الإيمان .. بنص القرآن. • البركة في تطبيق شرع الله : عباد الله: ما تقولون في مطر يرسله الله على العباد والبلاد، فيسقي أرضهم وينبت الله به زرعهم، ويدرّ به ضرعهم، ويلطف به هواءهم، ويكثر ماؤهم، وتنشرح باخضرار الأرض صدورهم، وتقضى لهم حوائجهم؛ فهم في رغد وسعد ونعمة ما بها نقمة ثم يدوم ذلك بهم أربعون صباحًا، إنها النعمة الكبرى تستحق من العباد إجمال الشكر لله . إن حدًّا واحدا يعمل به في الأرض خير من ذلك كله؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «حَدٌّ يُعْمَلُ بِهِ فِي الْأَرْضِ خَيْرٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا» (حسن رواه ابن ماجه). وَذَلِكَ لِأَنَّ فِي إِقَامَتهَا زَجْرًا لِلْخَلْقِ عَنْ الْمَعَاصِي وَالذُّنُوب، وَسَبَبًا لِفَتْحِ أَبْوَاب السَّمَاء بِالْمَطَرِ، وَفِي الْقُعُود عَنْهَا وَالتَّهَاوُن بِهَا أَنَّهُمَا كَأَنَّهُمْ فِي الْمَعَاصِي، وَذَلِكَ سَبَب لِأَخْذِهِمْ بِالسِّنِينَ وَالْجَدْب وَإِهْلَاك الْخَلْق.

стр. 583

إن كل ما يمكن تصوره من رخاء وسعة عيش ورغد كل ذلك لا يعدل في نظر المؤمن الحق تطبيق حد من حدود الله . إن من أصول العقيدة الإسلامية تطبيق حدود الله في أرض الله، والحكم بشرع الله في عباد الله؛ الخلق خلقه، والأرض أرضه، والملك ملكه، والحكم حكمه، والشرع شرعه، فعباد الله في أرض الله يجب أن يُحكَموا بشرع الله مهما شغب المشاغبون أو لبس الملبسون. إن الله هو الذي خلقنا وهو الذي يعلم ما يصلحنا ويصلح لنا: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك:١٤)، ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ﴾ (البقرة:١٤٠)، ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:٢١٦). • مشروعية الأضحية وبعض أحكامها: عبادَ الله، الأضحيةُ مشروعةٌ بأدلّة الشريعة المتنوّعة، فضلُها عظيم وأجرُها كبير. تتأكّد مشروعيتُها لمن كان غنيًّا وعلى ثمنِها مقتدِرًا، روى ابن ماجه بسند حسَن عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا». (فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا) لَيْسَ الْمُرَاد أَنَّ صِحَّة الصَّلَاة تَتَوَقَّف عَلَى الْأُضْحِيَّة بَلْ هُوَ عُقُوبَة لَهُ بِالطَّرْدِ عَنْ مَجَالِس الْأَخْيَار، وَهَذَا قَدْ يُفِيد الْوُجُوب ـ وقال به بعض العلماء ـ. والشاةُ تجزئ عن الرجُل وأهلِ بيته من الأمواتِ والأحياء. ومَن كان عنده وصايا وجب عليه تنفيذُها سواءً بسواءً حَسبَ المنصوص. ولا يجزئ للأضحية إلاّ ما كان سليمًا من العيوب، فلا تجزئ العوراءُ البيّنُ عوَرها، وهي ما نتأت عينُها أو انخسفت، ولا تجزئ العرجاءُ البيّن ضلعُها، وهي التي لا تستطيع المشيَ مع السَّليمة، ولا تجزئ المريضةُ البيِّنُ مرضُها بحيث يظهرُ أثرٌ في أحوالها أو فساد لحمها، والعجفاء التي لا تُنقي، وهي الهزيلة التي لا مُخَّ فيها، ثبت ذلك عن النبي ﵌. (صحيح رواه الترمذي وأبو داود).

стр. 584

وقال أهل العلم: ويلحق بهذه العيوب ما كان مثلَها أو أشدّ. ولا بدّ أن يكتمل السنُّ المعتبَر في الأضاحي؛ ففي الإبل ما تمّ له خمسُ سنين، وفي البقر ما تمّ له سنتان، وفي المعز سنةٌ، وفي الضأن نصفُها. ووقتُ الأضحية المعتبرَ من بعد صلاةِ العيد، والأفضلُ بعد انتهاء الخطبة، فقد ثبت عن النبيّ ﵌ «أنّه صَلّى ثُمَّ خَطَبَ ثُمَّ نَحَرَ» (رواه البخاري ومسلم). ويستمرّ الذبحُ إلى آخر أيّام التشريق، يوم العيد وثلاثة بعده؛ فكُلوا وتصدّقوا واهدوا. والسنّة ـ أيها المسلمون ـ أن يذبحَ المسلم الأضحيةَ إن كان محسِنًا للذبح، وإلاّ فليشهَدْ ذبحَها. واعلموا ـ عباد الله ـ أن التكبير المقيد بعد الصلوات ـ لغير الحاج يبدأ من فجر يوم عرفة إلى آخر عصر أيام التشريق، وأما الحاج فيبدأ من ظهر يوم النحر، وأما التكبير المطلق فيكون في عشر ذي الحجة. • من حِكَم وآداب العيد: إخوةَ الإيمان، إن الأعياد من جملة الشرائع والمناهج يقول الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة: ٤٨)، ويقول : ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ (الحج: ٦٧) أي: عيدًا يختصون به. روى ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس قال: (منسكًا أي: عيدًا) فيكون معنى الآية أن الله جعل لكل أمة عيدًا شرعيًا أو عيدًا قدريًا. وعيد الأضحى وعيد الفطر يكونان بعد ركن من أركان الإسلام، فعيد الأضحى يكون بعد عبادة الحج، وعيد الفطر يكون بعد عبادة الصوم. عن أنس ﵁ أن النبي ﵌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﵌ الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فَقَالَ: «مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟»، قَالُوا: «كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ»،

стр. 585

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «إِنَّ اللهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ» (صحيح رواه أبو داود). فالعيد شعيرة من شعائر الإسلام ومظهر من أجَلّ مظاهره، تهاون به بعض الناس وقدموا الأعياد المحدثة عليه. فترى من يستعد لأعياد الميلاد، وعيد الأم، وشم النسيم، والغطاس وغيرها، ويسعد هو وأطفاله بقدومها ويصرف الأموال لإحيائها. أما أعياد الإسلام فلا قيمة لها بل ربما تمر وهو مُعرِضٌ عنها غير ملتفت إليها. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج:٣٢)، فلا يجوز لمسلم أن يحتفل بأعياد الكفار أو بالأعياد المبتدعة. في الأعياد تُظهر الأمُم زينتَها، وتعلن سرورَها، وتسرِّي عن نفسها ما يصيبها من مشاقّ الحياة، ومِن هنا شُرع للمسلمين عيدُ الفطر والأضحى، ينعَم فيهما المسلمون، ويبتهجون لهوًا طيِّبًا مباحًا، وتعبُّدًا صالحًا حميدًا، قال ﵌: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلهِ» (رواه مسلم). ومن أعياد المسلمين يوم الجمعة فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: «إِنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَوْمُ عِيدٍ فَلَا تَجْعَلُوا يَوْمَ عِيدِكُمْ يَوْمَ صِيَامِكُمْ إِلَّا أَنْ تَصُومُوا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ» (إسناده حسن رواه الإمام أحمد). ومن حِكَم العيد ومنافعه العظيمة شهود جمع المسلمين لصلاة العيد، ومشاركتهم في بركة الدعاء والخير المتنزل على جمعهم المبارك، والانضواء تحت ظلال الرحمة التي تغشى المصلين، والبروز لرب العالمين، إظهارًا لفقر العباد لربهم، وحاجتهم لمولاهم ، وتعرضًا لنفحات الله وهباته التي لا تُحد ولا تُعد، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﵌ أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى: الْعَوَاتِقَ، وَالْحُيَّضَ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ» (رواه البخاري ومسلم). فتشهد النساء العيد غير متبرجات وغير متعطرات. •

стр. 586

سَابِقُوا: وعيد الأضحى جعله الله يوم العاشر من ذي الحجة بعد الوقوف بعرفة ركنِ الحج الأعظم، وشرع في هذا العيد أعمالًا جليلة صالحة يتقرب بها المسلمون إلى الله تعالى، وسماه الله يوم الحج الأكبر؛ لأن أكثر أعمال الحج تكون في يوم هذا العيد، والله برحمته وحكمته وعلمه وقدرته شرع الأعمال الصالحة والقربات الجليلة، ودعا الناس كلهم إلى فعلها قربةً إلى الله وزلفى عنده كما قال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (الحديد:٢١)، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ (المائدة:٤٨). فإذا لم يُمكن أن يعمل المسلم بعض الطاعات لأجل اختصاصها بمكان أو بزمان شرع الله له طاعات من جنس ونوع تلك الطاعات المختصة بالمكان أو الزمان، فيوم عرفة عيد لحجاج بيت الله الحرام، واجتماع لهم وتضرع لله ، فمن لم يحج شرع الله له صلاة عيد الأضحى في جمع المسلمين، وشرع له صيام عرفة الذي يكفر السنة الماضية والآتية، وقربانُ الحاج وذبائحهم شرع الله مقابل ذلك أضحية المقيم، فأبواب الخيرات كثيرة ميسرة، وطرق البر ممهَّدة واسعة، ليستكثر المسلم من أنواع الطاعات لحياته الأبدية بقدر ما يوفقه الله تعالى. • التواصل بين المسلمين من حكم العيد ومنافعه العظمى: أيها المسلمون، وإن من حكم العيد ومنافعه العظمى، التواصل بين المسلمين، والتزاور، وتقارب القلوب، وارتفاع الوحشة، وانطفاء نار الأحقاد والضغائن والحسد. فاقتدار الإسلام على جمع المسلمين في مكان واحد لأداء صلاة العيد آية على اقتداره على أن يجمعهم على الحق، ويؤلف بين قلوبهم على التقوى، فلا شيء يؤلف بين المسلمين سوى الحق؛ لأنه واحد، ولا يفرق بين القلوب إلا الأهواء والبدع لكثرتها، فالتراحم والتعاون والتعاطف صفة المؤمنين فيما بينهم، عَنْ النّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ

стр. 587

- ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» (رواه مسلم). وعن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قال: جَاءَ شَيْخٌ يُرِيدُ النَّبِيَّ ﵌، فَأَبْطَأَ الْقَوْمُ عَنْهُ أَنْ يُوَسِّعُوا لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا» (صحيح رواه الترمذي). والمحبة بين المسلمين والتواد غاية عظمى من غايات الإسلام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال َ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ: أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» (رواه مسلم). فجاهد نفسك ـ أيها المسلم ـ لتكون سليمَ الصدر للمسلمين، فسلامة الصدر نعيم الدنيا، وراحة البدن ورضوان الله في الأخرى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﵌:أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ». قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: «هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ لَا إِثْمَ فِيهِ وَلَا بَغْيَ وَلَا غِلَّ وَلَا حَسَدَ» (صحيح رواه ابن ماجه). • يوم العيد يوم فرح وسرور ولكن: إن يوم العيد يوم فرح وسرور لمن طابت سريرته، وخلصت لله نيته. واعلموا أيها المسلمون، أنه ليس السعيد من تزين وتجمل للعيد، فلَبِسَ الجديد، ولا من خدَمَتْهُ الدنيا وأتتْه على ما يريد، إنما العيد لمن خاف يوم الوعيد واتقى ذا العرش المجيد (١). وسكب الدمع تائبًا رجاء يوم المزيد. والسعيد من فاز بتقوى الله تعالى،

стр. 588

وكتب له النجاة من نار حرها شديد، وقعرها بعيد، وطعام أهلها الزقوم والضريع، وشرابهم الحميم والصديد، وفاز بجنة الخلد التي لا ينقص نعيمها ولا يبيد. فالحذَر الحذَر أن تكون الأعيادُ موسمًا يُعَبُّ فيه من اللهو عَبًّا، بلا تحرُّز من حرام أو تباعُد عن باطل، فذلك ينافي تعاليمَ الإسلام، ويضادُّ مقاصدَه من الأعياد وغيرها. • عيد الأضحى يربطنا بتاريخنا المجيد: أيها المسلمون، عيد الأضحى ترتبط فيه أمة الإسلام بتاريخها المجيد في ماضيها المشرق السحيق، الأمة المسلمة عميقة جذور الحق في تاريخ الكون، متصلةُ الأسباب والوشائج عبر الزمان القديم، منذ وطئت قدم أبينا آدم ﵇ الأرض، وتنزل كلام الله على الأنبياء ﵈ عبر العصور الخالية، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء:٩٢)، وختم الله الرسل ﵈ بسيد البشر محمد ﵌ الذي أمره الله بإتباع ملة إبراهيم ﵇، بقوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل:١٢٣). فكانت شريعة محمد ﵌ ناسخة لجميع الشرائع، فلا يقبل الله إلا الإسلام دينًا، ولا يقبل غيره، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران:٨٥). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ أَنَّهُ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّار» (رواه مسلم). ِ فأنتم ـ معشر المسلمين ـ على الإرث الحق لخليلين نبيين عظيمين عليهما الصلاة والسلام، لما شرع الله لكم في هذا اليوم من الحق والدين القيم، ملة الخليل إبراهيم ﵇، ودين الخليل محمد ﵌.

стр. 589

دليل الواعظ إلى أدلة المواعظ موضوعات للخطب بأدلتها من القرآن الكريم والسنة الصحيحة مع ما تيسر من الآثار والقصص والأشعار جمع وترتيب شحاتة محمد صقر المجلد الثاني الخطب من ٥١ - ١٠٠ مع ١٠٠٠ حديث لا يثبت دار الخلفاء الراشدين - دار الفتح الإسلامي (الإسكندرية)

стр. 590

مقدمة إنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ (آل عمران:١٠٢). ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ (النساء:١). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾. (الأحزاب:٧٠). أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﵌، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ، وَكُلَّ ضَلاَلَةٍ فِى النَّارِ. فبين يديك - أخي الداعية - المجلدُ الثاني من كتاب (دليل الواعظ إلى أدلة المواعظ) الذي هو محاولة لإعداد موضوعات متكاملة يستفيد منها الخطيب وغيره في إعداد خطبة الجمعة وغيرها من المواعظ.

стр. 591

وقد جمعتُها من كتب أهل العلم، ومن مواقع الخطب على الشبكة العنكبوتية مع تعديلها بالحذف أو الإضافة بما يناسب منهج الكتاب. وتشتمل هذه الموضوعات على أدلة من الكتاب والسنة الصحيحة مع ما تيسر من الآثار والقصص والأشعار، مع الحرص على تجنب الأحاديث الضعيفة والموضوعة؛ حيث إن في الصحيح ما يُغني عن الضعيف. أما طريقة عرض الخطبة فمتروكة للخطيب بما يناسب قدراته ومنهجه في العرض وبما يناسب جمهور مستمعيه. وهذا المجلد تجد به ما يزيد على ألف وثلاثمائة وخمسين (١٣٥٠) من الأحاديث الضعيفة والموضوعة والتي لا أصل لها رغم شهرتها بين كثير من عامة الناس واعتقادهم نسبتها إلى المعصوم الصادق المصدوق ﵌، ورغم أن كثير من الوعاظ قد يتناولها في خطبه وهو لا يعلم حالها، وقد رتبتُها أبجديًّا ليسهل الوصول إليها ليتجنبها الداعية، وفي المجلد الثالث - إن شاء الله - تجد بقيتها. وقد حاولت - قدر الإمكان - أن أذكر في الهامش البديل الصحيح لبعض هذه الأحاديث التي لم تصح نسبتها إلى المعصوم الصادق المصدوق ﵌. واللهَ أسألُ أن ينفع المسلمين بهذه الورقات وأن يرزقنا الإخلاص في السر والعلن، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه ـ سيدنا محمد ـ وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. شحاتة محمد صقر sakrmhma@yahoo.com ت: ٠١١١٠٩٦٧٤٦٦

стр. 592

أحاديث ضعيفة وموضوعة ولا أصل لها خطورة انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة بين الناس (١): إن حب الناس للنبي ﵌ دفَعَهم لقبول ما يُرْوَى عنه دون تثبت، لاسيما إذا خاطب ما يروي عليهم عواطفهم ومشاعرهم، ورتب على قليل الفعل جزيل الأجر. وهذه الأحاديث الضعيفة والموضوعة قد تركَتْ آثارًا سيئة على الفرد والمجتمع كالتفرقة بين المسلمين، وإلغاء قواعد في أصول الفقه، وإيقاع المسلمين في الشرك، ورَدّ الحديث الصحيح، وغيرها من الآثار السيئة. إن تفريطًا عظيمًا حصل من المسلمين بسُنّة رسول الله ﵌، ومن هذا التفريط: التساهل في رواية الأحاديث التي تنسب إلى رسول الله ﵌ وقد يكون ﵌ منها براء، ولا يمكن أن يقول ﵌ مثل بعض الكلام الذي ينسبه بعض الجهلة إليه ﵌، وقد يكون في أذهان البعض أن هذا الموضوع من البديهيات، ولكن المتأمل في أضرار هذه المسألة - وهي انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة بين الناس - لَيُدْرِكُ بجلاء أن المسألة خطيرة. كان الإمام عبد الرحمن بن مهدي ﵀ يقول: «لَأَنْ أعرف عِلَّة حديثٍ هو عندي أحَبُّ إليَّ مِن أن أكتب حديثًا ليس عندي»، ما الفائدة من الجمع فقط؟ لابد أن

стр. 593

أعرف هل الذي جمعت يحتج به أم لا؟ هل هو صحيح فيعمل به، أم هو ضعيف فيحذر الناس منه. وقال سفيان الثوري ﵀: «الملائكة حراس السماء وأصحاب الحديث حراس الأرض»، وقال يزيد بن زريع: «لكل دينٍ فرسان وفرسان هذا الدين أصحاب الأسانيد». ولذلك ذكر الحافظ الذهبي في الميزان أن هارون الرشيد ﵀ أتى بزنديق ليقتله، فقال الزنديق: «أين أنت من ألف حديثٍ وضَعْتُها على رسول الله ﵌؟»، يعني: ماذا تستفيد من قتلي وقد وضعت ألف حديث وقد سَرَتْ بين الناس؟ فقال له هارون ﵀: «وأين أنت من أبي إسحاق الفزاري وعبد الله بن المبارك ينخلانها حرفًا حرفًا، يُبَيِّنَانِها للناس». ولذلك كان للعلماء جهودٌ جبارة في كشف الكذب، وتعيين الأحاديث المكذوبة، وتبيين الضعيف للناس والمكذوب حتى يحذروا منه، ولذلك ألفوا مصنفاتٍ خاصة في تبيان الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وفي تبيان الأحاديث المشتهرة على الألسنة، وقعدوا القواعد في روايات أهل البدع، وشددوا في قبول الحديث، ودعوا الناس إلى تلقي الصحيح، والحث على التثبت في الرواية، وألفوا الكتب في أسماء الضعفاء والوضَّاعين، وبينوا الأحاديث المسروقة والمركبة وأحاديث القصاصين، وكانت لهم مواقف من الكذابين: بفَضْحهم، وتَرْك السلام عليهم، ووعظهم، والتشهير بهم، وتمزيق كتبهم بين أعينهم، والاستعداء عليهم من أهل الخير، ووصفهم بألقابٍ تناسبهم. أسباب انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة بين الناس: السبب الأول: قلة علماء الحديث في هذا العصر. والسبب الثاني: انتشار وسائل النشر والتوزيع التي تطبع الكتب وتغرق الأسواق بآلافٍ من الكتب التي فيها الشيء الكثير من الأحاديث الضعيفة والموضوعة،

стр. 594

وقلما تجد واعظًا أو محاورًا أو خطيبًا إلا ويسوق في ثنايا كلامه أحاديث موضوعة أو ضعيفة إلا من رحم الله من طلبة العلم الذين يتحرون فيما ينسبونه إلى رسولهم ﵌. وبعض الناس تعجبهم الأحاديث الضعيفة والموضوعة لأسباب منها مثلًا: أنها تلمس عواطفهم، مثال: «من زار قبر والديه كل جمعة فقرأ عندهما يس غفر له بعدد كل آية أو حرف»، الناس يحبون آباءهم ويحبون أمهاتهم، ويُريد الواحدُ منهم أن يفعل شيئًا لأمه وأبيه، فيذهب عندما يسمع هذا الحديث ويطبق ليس إلا من باب العاطفة. وبعض الأحاديث الموضوعة تستدر الشفقة، إذا سمعت هذا الحديث: «إذا بكى اليتيم وقعت دموعه في كف الرحمن يقول: مَن أبكى هذا اليتيم الذي وارَيْتُ والديه تحت الثرى، مَن أسكتَه فله الجنة»، هذا الحديث المكذوب الموضوع في رحمة اليتيم قد يؤثر في عواطف الناس، فيندفعون بعواطفهم لتقَبُّل هذه الأحاديث، وتلَقّفِها والعمل بها، لأنه شيء عاطفي، شيء يؤثر في النفس، ولكن ما دَرَى أولئك المساكين أن هذا كلامٌ مكذوب على الرسول ﵌ وأن في سنة الرسول ﵌ أحاديث مؤثرة تجيش عواطف النفس وتؤثر في القلب، فلماذا لا يعملون بها. وبعض الوعاظ يظنون أن السبيل إلى تحميس الناس لأمرٍ معين هو أن يذكر لهم حديثًا موضوعًا في فضل هذا الأمر، فيأتي واعظ يرى الناس قد قصروا في زكاة الفطر مثلًا فيذكر لهم هذا الحديث: «شهر رمضان معلقٌ بين السماء والأرض لا يُرْفَعُ إلى الله إلا بزكاة الفطر» لماذا؟! قال: لأن الناس لا يخرجون زكاة الفطر، نريد أن نحمِّس الناس على إخراج زكاة الفطر. من الآثار السيئة للأحاديث الضعيفة والموضوعة: ١ - عدم تقبل الناس للأحاديث الصحيحة بعد سماعهم للأحاديث الضعيفة: من الآثار السيئة لهذه الأحاديث الضعيفة والموضوعة: أن في كثيرٍ منها أجورًا خيالية! من فعل كذا فله ألف حسنة وألف قصر في الجنة، وفي كل قصر ألف خيمة،

стр. 595

وفي كل خيمة ألف حورية، وعلى كل حورية ألف حلة من ذهب!! وفي المقابل أحاديث العذاب: من فعل كذا وكذا وكذا وضع في تنورٍ من نار فيه ألف فرن، في كل فرن ألف أفعى، في كل أفعى ألف لسان، في كل لسان ألف نوعٍ من أنواع السم يقرصه صباحًا ويلدغه مساءً وهكذا! مع استمرار الكلام في هذه الأشياء وطَرْق مثل هذه الأحاديث الخيالية يتعود الناس على المبالغة مما يعكس أثرًا سيئًا وهو أنهم لا يتقبلون أحاديث صحيحة كحديث - على سبيل المثال -: «ويلٌ لمن فعل كذا» لأن كلمة ويل صارت بالنسبة للأحاديث التي فيها ألف ألف كذا وكذا شيئًا قليلًا، فصاروا لا يتأثرون، فلابد أن تأتي بحديث فيه ألف ألف كذا، وعشرة آلاف كذا، ومائة ألف كذا حتى يتأثر، وهذه من إحدى السلبيات لانتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة. ٢ - إيقاع المسلم في الشرك الصريح: من الآثار السيئة لهذه الأحاديث: إيقاع المسلم في الشرك الصريح، والكفر المخرج عن الملة، والردة عن الدين، والعياذ بالله مثل حديث: «إن اعتقد أحدكم بحجرٍ لَنفَعه» لو اعتقدت أن هذا حجر يضر وينفع لنفعك، لا يوجد حجر ينفع! إن في هذا إرجاعًا للمسلمين إلى الجاهلية الأولى، إلى عبادة الأحجار، والأوثان. وفيه صرف للناس عن التوسل المشروع إلى التوسل غير المشروع. فبدلًا من أن يقول الشخص مثلًا: يا الله! إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام! ويسأل الله، يأتيه هذا الحديث، مثلًا: «توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم» ونأتي نقول: نسألك بحق الأنبياء، نسألك بجاه محمد، نسألك بكذا وكذا، وقد بين لنا رسول الله ﵌ توسلاتٍ مشروعة، ولكن هذه الأحاديث لا تدع الناس يكملون التوسل المشروع بل تصرفهم إلى الشيء غير المشروع.

стр. 596

بل إنها قد تُوقِعُ الناس في الكفر، فمن جهة ترك الصلاة - مثلًا - حديث: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له، أو لم يزْدَدْ من الله إلا بعدًا» بعض الناس يقع في الفواحش؛ قد يشرب الخمر، قد يزني قد يسرق، قد يرتشي، فعندما يسمع هذا الحديث: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له» يقول في نفسه أنا لم أستطع أن أتخلص من الزنا إذًا: ليس لي صلاة، فلماذا أصلي؟! أعْرِفُ (١) رجلًا قال لي بلسانه ـ وكان رجلًا ضالًا ثم مَنَّ الله عليه فاهتدى ـ: «كنت وأنا ضال في البداية أصلي، مع أني أسافر وأفجر وأفسق لكني كنت أصلي، ثم سمعتُ هذا الحديث: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له»، فقال: قلت في نفسي: إذًا لماذا أصلي إذا كان ليس لي صلاة وأنا مصمم على المعصية مُصِرٌّ عليها، إذًا: ليس لي حاجة لِأَنْ أصلي، وكلما أردت أن أصلي بَرَزَ أمام عيني هذا الحديث فتركْتُ الصلاة!». لماذا ترك الصلاة؟ لهذا الحديث الموضوع المكذوب المنكر (٢).

стр. 597

مثلًا: إيقاع الناس في قضايا تنافي التوحيد مثل: التشاؤم بالأزمان والتطير بها: «لا تسافر والقمر في العقرب» إذا صار القمر في برج العقرب فلا تسافروا فهذا السفر سيء، ولا تسافروا لأن نتائجه سيئة. أو حديث: «من بشرني بخروج صَفَر بشّرْتُه بالجنة»؛ لأنهم يتشاءمون بشهر صَفَر، فهي أحاديث مكذوبة توقع الناس في قضايا تنافي التوحيد. وقد تؤدي هذه الأحاديث الموضوعة أو الضعيفة أيضًا إلى إنكار أشياء من العقيدة مثل حديث: «لا مهدي إلا عيسى» فماذا تكون النتيجة؟ إنكار أمر من أمور العقيدة وهو: المهدي الذي أخبر به النبي ﵌ من أنه سيخرج في آخر الزمان عندما تمتلئ الأرض جورًا وظلمًا.

стр. 598

الغلو في الأنبياء ورَفْعُهم فوق المقام الذي أنزلهم الله مثل حديث في تعظيم الرسول ﵌ ورفعه فوق منزلته التي أنزله الله فيها كحديث: «لولاك ما خلقت الأفلاك» لولاك يا محمد! ما خلقت الأفلاك، حديث مكذوب، وهو يعني أن الله لم يوجِد السماوات والأرض ويخلق الناس لعبادته، لولا محمد ﵌ ما خلقهم، وهذا ينافي القرآن وظاهر القرآن. حديث إحياء أبويه ﵌، بعض الناس من محبتهم للنبي ﵌ عندما يعرف حقيقة تاريخية من أن أبوي الرسول ﵌ ماتا على الكفر لا يعجبه، يقول: كيف؟ أبو الرسول ﵌ وأمه على الكفر؟! غير معقول! مستحيل! لا يمكن! إذًا ما هو الحل؟ هذا الحديث: إحياء أبَوَيَّ النبي ﵌ وعرْض الإسلام عليهما فماتا بعد ذلك على الإسلام، هذا غير صحيح هذا، لماذا؟ نوح؛ على ماذا كان ولده؟ وإبراهيم؛ على ماذا كان أبوه؟ هل نفعه شيئًا؟ إن هذا الدين لا يحابي أحدًا، لا ينفع إلا الإيمان والعمل الصالح. ٣ - التشنيع على أهل الحديث: من الآثار السيئة لهذه الأحاديث الضعيفة والموضوعة: التشنيع على أهل الحديث، فاختلق بعض الزنادقة أحاديث ليشوهوا سمعة أهل الحديث، مثل حديث: «إن الله لما أراد أن يخلق نفسه خلق الخيل فأجراها فعرقت فخلق نفسه من هذا العَرَق» تعالى الله عما يقولون عنه علوًا كبيرًا، هو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، ومثل الأحاديث التي يروونها من أن الله ينزل يوم عرفة إلى الموكب فيصافح الناس المشاة والركبان. سبحان الله العظيم! لماذا وضعوها؟! وبعضهم يعرف أن العامة لن تتقبل هذا الكلام لكن ليقولوا: انظر إلى أهل الحديث ماذا يروون!! نسبة ما لا يليق إلى الأنبياء والتشنيع عليهم منتشرة ومبثوثة الآن في كتب السير، أو بعض التفاسير: أن داود ﵇ أعجب بزوجة أحد جنوده فأراد أن

стр. 599

يتزوجها، فلكي يتخلص منه أرسل به في ميدان من ميادين القتال ليموت ويتزوج المرأة، هل يمكن أن نبيًا من الأنبياء يعمل هذا العمل؟ ماذا يعتقد الناس عن داود عندما يسمعون بهذا الحديث. ٤ - تعليم الناس ما لم يثبت: مثلًا في حفظ القرآن الكريم: أكثر الناس يتفلت منهم القرآن ويحتاجون إلى مراجعته دائمًا، ومع ذلك فهو يتفلت، فيريد الناس وسيلة سهلة لحبهم السهل، يقول: المراجعة شيء صعب، كل يوم مراجعة! ما هو الحل؟ يأتيك الجواب، يوجد حديث يجعلك لا تنسى القرآن، ما هو هذا الحديث؟ يقول: يا أخي! يقول الرسول ﵌: «إذا جاءت ليلة الجمعة فصل أربع ركعات واقرأ في الأولى الفاتحة ويس، وفي الثانية الفاتحة والدخان، وفي الثالثة الفاتحة والسجدة، وفي الرابعة الفاتحة وتبارك، فإذا فرغت من التشهد فاحمد الله وقل كذا وكذا لا تنسى ما حفظته». الناس يريدون هذه الأشياء، يريدون شيئًا سهلًا يوفر عليهم تعب المراجعة، فيقوم المسكين فيعمل بهذا الحديث، وقد لا يحدث له ما في الحديث فتكون النتيجة عدم الثقة في كلام النبي ﵌، والعياذ بالله. ومن ذلك حديث مسح العينين بباطن الأنملة من السبابتين عند قول المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، تجد بعض الناس يفعل هذا، فهل ثبت هذا الكلام عن رسول الله ﵌؟ إذًا كيف نعمله؟! كيف نستبيح لأنفسنا أن نعمل أشياء في العبادات لم تثبت عن الرسول ﵌. بعض الناس يوزعون أيام الأسبوع لمهمات معينة بناءً على أحاديث ضعيفة أيضًا، يأتي مثلًا فيقول: يوم السبت يوم مكرٍ ومكيدة، ويوم الأحد يوم بناءٍ وعرس، ويوم الاثنين يوم سفرٍ وتجارة، ويوم الثلاثاء يوم دم، ويوم الأربعاء يوم نحسٍ مستمر، ويوم الخميس يوم دخول على السلطان وقضاء الحوائج، ويوم الجمعة يوم خطبة ونكاح.

стр. 600

انتهت القضية! أي توزيع وأي شيء هذا؟! تجارة ليوم كذا، ونكاح ليوم كذا، توزعت الأعمال وأصبحت جدولًا! لماذا؟ من أين أتى هذا الكلام؟ إنه من حديث موضوع عن الرسول ﵌. الأحاديث في فضل الأزمان والأماكن، ومن فعل كذا في رجب حصل له كذا وكذا، وصيام يوم سبعة وعشرين من رجب، وقيام ليلة خمس عشرة من شعبان، من أين جاء هذا؟! لا يوجد شيء صحيح، ولا يوجد مستند شرعي لهذا الكلام. حتى شم الورود ما سلم من الأحاديث الموضوعة المكذوبة: «من شم الورد الأحمر ولم يُصَلّ علَيَّ فقد جفاني»، «من أراد أن يشم رائحتي فليشم الورد الأحمر». اختراع أصول في الجزاء والحساب ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يمكن أن الله يحاسب الناس بناءً عليها: «إن الله تعالى لا يعذب حسان الوجوه» أي أنه: إذا وجد شخص خلقته جميلة فهذا نجاة له من العذاب! «عليكم بالوجوه الملاح فإن الله يستحي أن يعذب وجهًا مليحًا بالنار»؛ فهل هذا المقياس من الممكن أن الشريعة تأتي به؟ شخص ينجو من النار لأن وجهه جميل ولو كان أكفر الناس وأبعدهم عن الشريعة وعن العبادة؟! ومن المعايير الأخرى أيضًا في الحساب: «آلَيْتُ على نفسي ألا يدخل أحدٌ اسمه محمد أو أحمد النار» فقط لأن اسمه محمد أو أحمد!! لا يدخل النار! أممكن هذا الكلام؟! ليست القضية قضية أسماء، لأن من المنافقين من الذين ينتسبون للإسلام ويتكلمون بألسنتنا من اسمه عبد الله وعبد الرحمن ومحمد وأحمد، ولكنهم يمكن أن يكونوا أشد خطرًا على الإسلام من جورج وجوزيف ... إلى آخره، نعم يوجد هذا.
следующие страницы →