بل إنها قد تُوقِعُ الناس في الكفر، فمن جهة ترك الصلاة - مثلًا - حديث: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له، أو لم يزْدَدْ من الله إلا بعدًا» بعض الناس يقع في الفواحش؛ قد يشرب الخمر، قد يزني قد يسرق، قد يرتشي، فعندما يسمع هذا الحديث: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له» يقول في نفسه أنا لم أستطع أن أتخلص من الزنا إذًا: ليس لي صلاة، فلماذا أصلي؟!
أعْرِفُ (١) رجلًا قال لي بلسانه ـ وكان رجلًا ضالًا ثم مَنَّ الله عليه فاهتدى ـ: «كنت وأنا ضال في البداية أصلي، مع أني أسافر وأفجر وأفسق لكني كنت أصلي، ثم سمعتُ هذا الحديث: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له»، فقال: قلت في نفسي: إذًا لماذا أصلي إذا كان ليس لي صلاة وأنا مصمم على المعصية مُصِرٌّ عليها، إذًا: ليس لي حاجة لِأَنْ أصلي، وكلما أردت أن أصلي بَرَزَ أمام عيني هذا الحديث فتركْتُ الصلاة!».
لماذا ترك الصلاة؟ لهذا الحديث الموضوع المكذوب المنكر (٢).
стр. 597
مثلًا: إيقاع الناس في قضايا تنافي التوحيد مثل: التشاؤم بالأزمان والتطير بها: «لا تسافر والقمر في العقرب» إذا صار القمر في برج العقرب فلا تسافروا فهذا السفر سيء، ولا تسافروا لأن نتائجه سيئة. أو حديث: «من بشرني بخروج صَفَر بشّرْتُه بالجنة»؛ لأنهم يتشاءمون بشهر صَفَر، فهي أحاديث مكذوبة توقع الناس في قضايا تنافي التوحيد.
وقد تؤدي هذه الأحاديث الموضوعة أو الضعيفة أيضًا إلى إنكار أشياء من العقيدة مثل حديث: «لا مهدي إلا عيسى» فماذا تكون النتيجة؟ إنكار أمر من أمور العقيدة وهو: المهدي الذي أخبر به النبي ﵌ من أنه سيخرج في آخر الزمان عندما تمتلئ الأرض جورًا وظلمًا.
стр. 598
الغلو في الأنبياء ورَفْعُهم فوق المقام الذي أنزلهم الله مثل حديث في تعظيم الرسول ﵌ ورفعه فوق منزلته التي أنزله الله فيها كحديث: «لولاك ما خلقت الأفلاك» لولاك يا محمد! ما خلقت الأفلاك، حديث مكذوب، وهو يعني أن الله لم يوجِد السماوات والأرض ويخلق الناس لعبادته، لولا محمد ﵌ ما خلقهم، وهذا ينافي القرآن وظاهر القرآن.
حديث إحياء أبويه ﵌، بعض الناس من محبتهم للنبي ﵌ عندما يعرف حقيقة تاريخية من أن أبوي الرسول ﵌ ماتا على الكفر لا يعجبه، يقول: كيف؟ أبو الرسول ﵌ وأمه على الكفر؟! غير معقول! مستحيل! لا يمكن! إذًا ما هو الحل؟ هذا الحديث: إحياء أبَوَيَّ النبي ﵌ وعرْض الإسلام عليهما فماتا بعد ذلك على الإسلام، هذا غير صحيح هذا، لماذا؟ نوح؛ على ماذا كان ولده؟ وإبراهيم؛ على ماذا كان أبوه؟ هل نفعه شيئًا؟
إن هذا الدين لا يحابي أحدًا، لا ينفع إلا الإيمان والعمل الصالح.
٣ - التشنيع على أهل الحديث:
من الآثار السيئة لهذه الأحاديث الضعيفة والموضوعة: التشنيع على أهل الحديث، فاختلق بعض الزنادقة أحاديث ليشوهوا سمعة أهل الحديث، مثل حديث: «إن الله لما أراد أن يخلق نفسه خلق الخيل فأجراها فعرقت فخلق نفسه من هذا العَرَق» تعالى الله عما يقولون عنه علوًا كبيرًا، هو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، ومثل الأحاديث التي يروونها من أن الله ينزل يوم عرفة إلى الموكب فيصافح الناس المشاة والركبان. سبحان الله العظيم! لماذا وضعوها؟!
وبعضهم يعرف أن العامة لن تتقبل هذا الكلام لكن ليقولوا: انظر إلى أهل الحديث ماذا يروون!! نسبة ما لا يليق إلى الأنبياء والتشنيع عليهم منتشرة ومبثوثة الآن في كتب السير، أو بعض التفاسير: أن داود ﵇ أعجب بزوجة أحد جنوده فأراد أن
стр. 599
يتزوجها، فلكي يتخلص منه أرسل به في ميدان من ميادين القتال ليموت ويتزوج المرأة، هل يمكن أن نبيًا من الأنبياء يعمل هذا العمل؟ ماذا يعتقد الناس عن داود عندما يسمعون بهذا الحديث.
٤ - تعليم الناس ما لم يثبت:
مثلًا في حفظ القرآن الكريم: أكثر الناس يتفلت منهم القرآن ويحتاجون إلى مراجعته دائمًا، ومع ذلك فهو يتفلت، فيريد الناس وسيلة سهلة لحبهم السهل، يقول: المراجعة شيء صعب، كل يوم مراجعة! ما هو الحل؟ يأتيك الجواب، يوجد حديث يجعلك لا تنسى القرآن، ما هو هذا الحديث؟ يقول: يا أخي! يقول الرسول ﵌: «إذا جاءت ليلة الجمعة فصل أربع ركعات واقرأ في الأولى الفاتحة ويس، وفي الثانية الفاتحة والدخان، وفي الثالثة الفاتحة والسجدة، وفي الرابعة الفاتحة وتبارك، فإذا فرغت من التشهد فاحمد الله وقل كذا وكذا لا تنسى ما حفظته».
الناس يريدون هذه الأشياء، يريدون شيئًا سهلًا يوفر عليهم تعب المراجعة، فيقوم المسكين فيعمل بهذا الحديث، وقد لا يحدث له ما في الحديث فتكون النتيجة عدم الثقة في كلام النبي ﵌، والعياذ بالله.
ومن ذلك حديث مسح العينين بباطن الأنملة من السبابتين عند قول المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، تجد بعض الناس يفعل هذا، فهل ثبت هذا الكلام عن رسول الله ﵌؟ إذًا كيف نعمله؟! كيف نستبيح لأنفسنا أن نعمل أشياء في العبادات لم تثبت عن الرسول ﵌.
بعض الناس يوزعون أيام الأسبوع لمهمات معينة بناءً على أحاديث ضعيفة أيضًا، يأتي مثلًا فيقول: يوم السبت يوم مكرٍ ومكيدة، ويوم الأحد يوم بناءٍ وعرس، ويوم الاثنين يوم سفرٍ وتجارة، ويوم الثلاثاء يوم دم، ويوم الأربعاء يوم نحسٍ مستمر، ويوم الخميس يوم دخول على السلطان وقضاء الحوائج، ويوم الجمعة يوم خطبة ونكاح.
стр. 600
انتهت القضية! أي توزيع وأي شيء هذا؟! تجارة ليوم كذا، ونكاح ليوم كذا، توزعت الأعمال وأصبحت جدولًا! لماذا؟ من أين أتى هذا الكلام؟ إنه من حديث موضوع عن الرسول ﵌.
الأحاديث في فضل الأزمان والأماكن، ومن فعل كذا في رجب حصل له كذا وكذا، وصيام يوم سبعة وعشرين من رجب، وقيام ليلة خمس عشرة من شعبان، من أين جاء هذا؟! لا يوجد شيء صحيح، ولا يوجد مستند شرعي لهذا الكلام.
حتى شم الورود ما سلم من الأحاديث الموضوعة المكذوبة: «من شم الورد الأحمر ولم يُصَلّ علَيَّ فقد جفاني»، «من أراد أن يشم رائحتي فليشم الورد الأحمر».
اختراع أصول في الجزاء والحساب ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يمكن أن الله يحاسب الناس بناءً عليها: «إن الله تعالى لا يعذب حسان الوجوه» أي أنه: إذا وجد شخص خلقته جميلة فهذا نجاة له من العذاب! «عليكم بالوجوه الملاح فإن الله يستحي أن يعذب وجهًا مليحًا بالنار»؛ فهل هذا المقياس من الممكن أن الشريعة تأتي به؟ شخص ينجو من النار لأن وجهه جميل ولو كان أكفر الناس وأبعدهم عن الشريعة وعن العبادة؟!
ومن المعايير الأخرى أيضًا في الحساب: «آلَيْتُ على نفسي ألا يدخل أحدٌ اسمه محمد أو أحمد النار» فقط لأن اسمه محمد أو أحمد!! لا يدخل النار! أممكن هذا الكلام؟! ليست القضية قضية أسماء، لأن من المنافقين من الذين ينتسبون للإسلام ويتكلمون بألسنتنا من اسمه عبد الله وعبد الرحمن ومحمد وأحمد، ولكنهم يمكن أن يكونوا أشد خطرًا على الإسلام من جورج وجوزيف ... إلى آخره، نعم يوجد هذا.
стр. 601
في الإمامة أحكام فقهية: «يؤم القوم أفقههم بكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا بالسنة سواء فأحسنهم وجهًا» (١) يعني: إذا تساووا نقدم أحسنهم وجهًا، وماذا بعد إلا أن نحول المسجد إلى مسابقة جمال ووجوه، ثم انتخاب ثم ننتخب، واللجنة، والأصوات حتى نخرج أجملهم ثم يصلي بالناس، قبح الله ذلك فعلًا، وهذا موجود وإن لم تكونوا قد سمعتم به فهناك أناسٌ يعملون به، ويتفقهون على هذه الأشياء المبثوثة في المذاهب من الأحاديث الباطلة.
إدخال أمورٍ في الإيمان ليست منه: «حب الوطن من الإيمان» ليس حب الوطن من الإيمان، قد يكون الوطن كافرًا، قد يكون الإنسان في بلد كافر، فهل إذا أحب وطنه الذي نشأ فيه ولو كان بلدًا كافرًا صار هذا من الإيمان؟! هذا غير صحيح.
٥ - تأصيل أصول مخالفة للشريعة:
أحيانًا تأتي الأحاديث الضعيفة والموضوعة بتأصيل أصولٍ مخالفة للشريعة مثل حديث: «اختلاف أمتي رحمة» هذا الحديث من آثاره السيئة: أنه يقضي على كل محاولة للوصول إلى الحق، لأنه مثلًا إذا وقع خلافٌ علمي بين واحد وآخر هذا يرى شيئًا وذلك يرى شيئًا آخر، فإن المفروض في هذه الحالة المباحثة والمناقشة العلمية المؤدبة على طريقة السلف حتى نصل إلى الحق، لكن عندما يأتي حديث: (اختلاف أمتي رحمة) إذًا: ليطمئن كل إنسان فكل الناس بخير، كل الآراء الفقهية الحمد لله صحيحة، أنت على صواب وهو على صواب رحمة من الأصل!.
стр. 602
قد تكون بعض الآراء ضعيفة متهافتة باطلة لا يمكن أن تكون صحيحة، وكيف يكون الاختلاف رحمة والله ذم الاختلاف في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ (النساء: ٨٢).
كذلك من هذه الأصول الباطلة: وضع أصولٍ في قبول الروايات غير الأصول الشرعية المعتمدة كحديث: «أصدق الحديث ما عطس عنده»، إذًا: لو جاء حديث عن الرسول ﵌ ولما ذكر هذا الحديث عطس رجل من الحاضرين فهذا دليل على صحة الحديث. . عجيب! سبحان الله! كيف يكون دليلًا على صحة الحديث، ولو عطس مائة رجل عند حديث مكذوب لا يمكن أن نجزم بنسبته إلى رسول الله ﵌.
وكذلك أحاديث تُطْبَع وتنشر وتوزع بين الناس، وتنتشر انتشار النار في الهشيم، الآن كالحديث الذي فيه أن تارك الصلاة يعاقب بكذا عقوبة، خمسة في الدنيا، وخمسة في القبر، وخمسة في الآخرة؟ فقد انتشرت بين الناس مع أن هناك أحاديث صحيحة في الحث على الصلاة، والتحذير من تركها، فلماذا نلجأ إلى هذا وننشره بين الناس؟ وكذلك هذه أوراق دعاء الخضر وإلياس، وأن زينب ﵂ قالت هذا الكلام، وأن امرأةً عَمِيَتْ فقرأت هذا الكلام فرأت زينب في الليل، فقالت لها زينب: اقرئي هذا الذكر أو هذا الدعاء فستشفي، فاستيقظت فقرأت فشفيت، وأن الدعاء الفلاني ويلٌ لمن لم يقرأه ولم يوزعه، وأن فلانًا قرأه فغني من ثاني يوم، وفلان سافر فربح، وفلان لم يعمل به فخسر التجارة وقتل بعد كذا يوم.
والمشكلة أن بعض الضعفاء لما يأتي مكتوب فيه مثلًا: وزع ثلاث عشرة نسخة، وإن من لم يوزع هذه النسخ فإنه يحصل له كذا وكذا من المصائب، والناس تصدق فتصور وتوزع، وامرأة من المسكينات لم تجد آلة تصوير فنسختها بيدها ثلاث عشرة مرة نسخًا باليد ثم وزعتها! لماذا؟ خوفًا من أن يحصل لها شيء؛ لأن فيه تخويفًا وترعيبًا (وإذا
стр. 603
ما فعلت سيحدث لك كذا وكذا) وطبعًا الذي ليس عنده ثقة بالله ولا معرفة حقيقية بطبيعة هذا الدين سيكتب ويوزع.
٦ - إفساد الأخلاق:
التشجيع على أمورٍ من المفاسد، حتى في الأخلاق الأحاديث الضعيفة والموضوعة لها آثار سيئة: «من عشق وكتم فمات مات شهيدًا» يشجع الناس على العشق، والعشق باختصار هو: أن تحب إنسانًا مع الله أو أكثر من الله ، بحيث يسيطر ذكر المعشوق على العاشق فيلهيه عن الصلاة وعن ذكر الله ، وعن كل شيء حتى عن الأكل والشرب، ولكن الحديث المكذوب يقول: «من عشق وكتم فمات مات شهيدًا» المشكلة أيضًا (مات شهيدًا) فوضعت هذه الشهادة - المرتبة العظمى- لمن يعشق، إذًا العشق حسن، وهذه الأغاني التي فيها العشق ممتازة.
انظروا إلى هذا الحديث المكذوب لكي تتبَيّنُوا كيف أن هذه الأحاديث الضعيفة المكذوبة لها آثار سيئة في نسف الأخلاق والفضيلة، وإحلال الرذيلة في نفوس البشر الذين يستمعون إليها ويطبقونها، في روض الأذكار: «أن امرأة خرجت تسمع كلام النبي ﵌ فرآها شابٌ فقال: «إلى أين؟»، قالت: «أسمع كلام النبي ﵌»، فقال: «أتحبينه؟» قالت: «نعم». قال: «فبحقه ارفعي نقابك حتى أنظر إلى وجهك»، ففعلت ثم أخبرت زوجها بذلك فأوقد تنورًا ثم قال: «بحقه عليك - يعني الرسول ﵌ ادخلي التنور»، فألقت نفسها في التنور - (كل هذا بحقه عليها) - وأخبر النبي ﵌ بذلك؛ فقال للزوج: «ارجع واكشف عنها»، فكشف عنها التنور - فرن محمى- فرآها سالمة وقد جللها العرق! أي: لم يصبها شيء!
ما هي النتيجة؟ شاب أجنبي رأى أجنبية في الطريق قال: تحبين رسول الله؟ قالت: نعم. قال: بحقه عليك اكشفي النقاب حتى أنظر إلى وجهك، أتكشف النقاب وينظر إلى وجهها؟!!
стр. 604
ومن الآثار السيئة أيضًا في الأخلاق: أن بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة لها آثار سيئة في عدم تغيير الخلق السيئ وتبديله، كل إنسان فيه أخلاق سيئة وطبائع غير جيدة، والحل أن يجاهد نفسه حتى يبدل الخلق السيئ بخلق طيب، لكن عندما يأتي حديث: «الحِدّة تعتري خيار أمتي»، «الحِدّة تعتري حملة القرآن لعزة القرآن في أجوافهم»؛ لو أن إنسانًا حاد الطبع يغضب بسرعة وينفعل فإنه عندما يسمع هذا الحديث: «الحِدّة تعتري خيار أمتي»، «وحملة القرآن لعزة القرآن في أجوافهم» ماذا يعمل هذا الحديث وما هو مفعوله في النفس؟ إنه على الأقل يجعلك حادًَّا.
٧ - تغيير سنة النبي ﵌ -:
إن تغيير سنة النبي ﵌ أثر من آثار الأحاديث الضعيفة والموضوعة مثل حديث أن النبي ﵌ «كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها»، لحية الرسول ﵌ كانت أوفر ما يكون، وأجمل ما يكون، وأمر ﵌ بإعفاء اللحى، ولكن يأتيك هذا الحديث: «كان يأخذ من لحيته من طولها وعرضها»، فيأتي إنسان يقصقص، لماذا تقصقص يا أخي؟ الرسول ﵌ أمر بإعفاء اللحية! قال: لا. عندي دليل، ما هو؟ قال: «كان يأخذ من لحيته من طولها وعرضها»، لا يمكن يأمر الرسول ﵌ بإعفاء اللحية ثم بعد ذلك هو نفسه ﵌ يخالف أمره فيذهب يقصقص منها، هذا لا يمكن!
وكذلك الحديث الآخر الباطل: «من سعادة المؤمن خفة لحيته»؛ فخفيف اللحية يصير مسرورًا، وأما كثيف اللحية فيغتم، مشكلة، لست بسعيد بل شقي! لماذا؟ لأن عندي لحية كثيفة! انظروا إلى هذه الآثار السيئة.
٨ - إلغاء قواعد في أصول الفقه:
من آثار الأحاديث الضعيفة والموضوعة: إلغاء قواعد في أصول الفقه، نحن نعلم أن القرآن والسنة والإجماع من مصادر الأحكام الشرعية، وكذلك إذا كان القياس صحيحًا فيؤخذ منه الحكم الشرعي فيأتي هذا الحديث مثلًا: «من عمل بالمقاييس فقد
стр. 605
هلك وأهلك» ما هي النتيجة؟ إلغاء هذا البند من أصول الفقه، وعدم الاستفادة من القياس إطلاقًا.
٩ - التفرقة بين المسلمين:
ومن الآثار السيئة: التفرقة بين المسلمين، وذم بعض الأجناس أو الألوان، ومخالفة قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ (الحجرات: ١٣) كحديث: «دعوني من السودان؛ إنما الأسود لبطنه وفرجه»، يقول: الأسود فقط همه البطن والفرج، سبحان الله! ألم يكن من صحابة الرسول ﵌ بلال بن رباح؟ أمَا كان عطاء بن أبي رباح ﵀ من كبار علماء مكة وكان يخضع له الملوك والخلفاء ويأتونه ويستفتونه؟ إذًا: هذه الأحاديث التي تفرق شمل الأمة، وتفضل أجناسًا على أجناس، وعرقًا على عرق إنما هي من مفرزات الجاهلية فصِيغَتْ بهذه الأحاديث الموضوعة.
١٠ - تشويه سمعة الصحابة ﵃ -:
كثير من الناس الآن يعرفون الحديث الذي فيه أن الصحابي ثعلبة بن حاطب طلب المال وكسب المال وخرج عن المدينة وفوَّت صلاة الجمعة والجماعة، وأنه بعد ذلك أراد أن يتوب فلم يقبل منه ﵌ الزكاة، وأن أبا بكر لم يقبل منه الزكاة ولا عمر ﵄، وعندما تُرَاجِعُ الحديث تجد أن سنده ضعيف وأن ثعلبة بن حاطب سدد خطاكم بريءٌ من هذا الكلام، وأنه صحابي جليل كانت له مواقف محمودة.
١١ - إعانة المستهترين على الاجتراء على الله بالمعاصي:
وكذلك من آثارها السيئة أيضًا: إعانة المستهترين على الاجتراء على الله بالمعاصي مثل حديث: «إنما حَرّ جهنم على أمتي كحَرّ الحمَّام» فإذا كان حر جنهم على أمة محمد ﵌ مثل حر الحمام فما الذي يمنع الناس أن يرتكبوا المعاصي، إذا كانت النهاية هي عبارة عن حمام ساخن؟ فهل بعد هذا القبح وبعد هذه الآثار السيئة من شناعة، وآثارٍ تدفع الناس إلى الوقوع في المعاصي والجرأة على الله ؟!
стр. 606
تحريم مس الرجل المرأة الأجنبية، بعض الناس يقول: أنا لا أصافحها مباشرة بل أصافحها من وراء حائل، أي أني أدخل يدي في عمامتي ثم أصافح، أو أمسك طرف العباءة وأصافح، هذا غير صحيح ولا يجوز. . لا مباشرة ولا من وراء حائل، بعض الناس يفعلونه لهذا الحديث الضعيف: «كان يصافح النساء وعلى يده ثوب»، وهو لم يثبت، بل إن الذي ثبت أنه ﵌ ما مست يده يد امرأة أجنبية قط.
مشروعية الرقص والتواجد عند الذكر، ويخترعون لذلك أحاديث كحديث: «ليس بكريمٍ من لم يتواجد عند ذكر الحبيب»، إذا ذُكر النبي ﵌ فلم يقم من سمعه يرقص ويتواجد فليس بكريم.
١٢ - الابتداع في العبادة، ومخالفة السنة:
مثل: إضافة مسح الرقبة في الوضوء، ألم تروا أناسًا يمسحون رقابهم عند الوضوء؟ فهذه الزيادة في الوضوء من أين أتَتْ؟ أصلها من هذا الحديث الموضوع: «من توضأ ومسح عنقه لم يُغَلّ بالأغلال يوم القيامة»، انتهى الأمر! كل واحد لا يريد أن يُغَلّ بالأغلال يوم القيامة فما عليه إلا أن يمسح رقبته، مع أن المسح غير وارد، ولم يثبت عن الرسول ﵌ أنه مسح رقبته.
١٣ - مساواة المسلمين بأهل الذمة:
مثل حديث: «لهم ما لنا وعليهم ما علينا» يعني أهل الذمة، وهذا غير صحيح، إنها أحاديث تنافي أحكامًا شرعية (١).
стр. 607
١٤ - الصد عن سبيل الله:
هناك اعتقادات خاطئة أصلها أحاديث موضوعة مثل: «من طنَّتْ أذنه فليقل: ذكر الله بخير من ذكرني»، هذا منتشر بين الناس، لو طنت أذن واحد يقول: من المؤكد الآن أن واحدًا في مشارق الأرض أو مغاربها يذكرني ويأتي بسيرتي؛ ولذلك الآن طنت أذني فيقول: «ذَكَر اللهُ بخير من ذكرني»؛ هذا الحديث ليس بصحيح، وهذا اعتقاد خاطئ، فطنين أذنك قد يكون لسبب في الدماغ فجعل الأذن تطن.
هذه الخرافات أحيانًا لو اطلع عليها بعض الناس الذين يريدون الدخول في الإسلام - والله! - قد تكون عائقًا في دخولهم الإسلام مثل حديث: «هل تدرون ما يقول الأسد في زئيره، قالوا: الله ورسوله أعلم؟ قال: يقول: «اللهم لا تسلطني على أحدٍ من أهل المعروف».
١٥ - إلقاء الشك والريبة بين المسلمين؛ ونشر الخرافة بينهم:
إلقاء الشك والريبة بين المسلمين: «احترسوا من الناس بسوء الظن» أي أن الزمان قد فسد الآن فلابد أن تسيء الظن في كل واحد، تأخذ احتياطك منه فتفترض في الأصل أنه سيء فتسيء الظن به، فتكون النتيجة أن كل مسلم ينظر لأخيه بمنظار أسود، أكيد أنه يريد أن يؤذيني! أكيد أنه يريد أن يفعل بي كذا! يريد بي شرًا! وهكذا.
كذلك انظر من الخرافات العجيبة: «إن الله أعطاني نهرًا يقال له الكوثر في الجنة لا يدخل أحدٌ أصبعه في أذنيه إلا سمع خريره» يعني: إذا أدخلت أصبعك في أذنيك
стр. 608
فإنك تسمع خرير نهر الكوثر، ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، الآن من مجرد ما نضع أصابعنا في آذاننا فإننا نسمع خرير نهر الكوثر!
والأحاديث الموضوعة في فضائل الأطعمة ما أكثرها: «اجعلوا في موائدكم البقل فإنه يطرد الشياطين»، «إن الله تعالى يوكل بآكل الخل ملَكين يستغفران له»، «عليكم بالقرع فإنه يزيد بالعقل»، «عليكم بالعدس فإنه مبارك ويرق القلب، ويكثر الدمع، وقد قدس على لسان سبعين نبيًا»، «شكا نبيٌ من قلة الولد فأمره أن يأكل البيض والبصل» إلى آخر هذا الهراء. ومنها: «إذا كتبت فضع القلم في أذنيك فإنه أذْكَرُ»، يعني أن هذا يُقَوّي الذاكرة إذا وضعت القلم على أذنك، اعتقادات ليس لها أصل ولا دليل بل هوس وهراء.
بعض الناس يشيع عندهم إذا كانت المرأة تسقط دائمًا الجنين حديث: «يا رسول الله! إني امرأة لا يعيش لي ولد فقال: «اجعلي لله عليك أن تسميه محمدًا»، ففعلت فعاش ولدها»، فصار بعض الناس الآن إذا صارت امرأته دائمًا تسقط يقول: لله علي نذر أن أسميه محمدًا لكي يعيش.
١٦ - التضييق على الناس في أمورٍ من المباحات:
بعض الناس يرجع من عمله الساعة الثانية والنصف تعبًا مرهقًا يصلي ويتغدى، فلا يجد فرصة للراحة والنوم إلا بعد العصر فيأتيه حديث: «من نام بعد العصر ففقد عقله فلا يلومن إلا نفسه»، فماذا يفعل؟ رجل هذه ظروفه الآن متعب، فيقول له هذا الحديث المكذوب: لا. لا تنم بعد العصر فإنه يجلب الجنون، فماذا يفعل؟!
إنسان لا يمكن أن يعيش مع زوجته أكثر من ذلك لوجود مشكلة بينه وبين زوجته، الطلاق في بعض الأحيان هو الحل الوحيد، لكن ليس في كل الأحيان، فإنه يمكن في كثيرٍ من الأحيان تدارك الوضع وتحسين الأشياء بغير الطلاق، الطلاق أحيانًا يكون خطيرًا، وأحيانًا لا يكون الحل بالطلاق فيأتي حديث: «تزوجوا ولا تطلقوا فإن
стр. 609
الطلاق يهتز له العرش»، مهما كانت سيئة خلق؟! مهما كان عدم التوافق موجودًا؟! لا يمكن أن يطلق فكيف يعيش الزوج؟! يعيش في جحيم.
تحريم أشياء من المباحات فيها بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة، واحد يريد مثلًا أن يتزوج، شاب يحتاج للزواج فأتاه الحج قبل التزوج: «من تزوج قبل أن يحج فقد بدأ بمعصية»، سبحان الله! كيف يكون إعفاف الرجل نفسه وإحصانه فرجه سببًا للمعصية؟ هل هذه معصية؟! من قال ذلك؟ يقول: لا. لا يجوز، بعض الناس عندهم اعتقاد أنه لا يجوز الزواج قبل الحج بل لا بد أن تحج أولًا.
الذي ما عق عنه أبوه في الماضي فإنه لا بد من أن يعق قبل أن يعتمر أو يحج وإلا فستصير عمرته أو حجه باطلًا، وبعض الناس عندهم اعتقادات بهذا، وأحيانًا يكون أساسه حديثًا ضعيفًا أو موضوعًا.
حديث: «سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن» إذًا: لا بد أن الواحد يمشي رويدًا رويدًا ويخالف مشية الرسول ﵌.
وحديث: «من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني» لا بد من الزيارة لكل من أراد أن يحج، ولو ما زار فحجه باطل، أو ناقص. . إلى آخره.
١٧ - أحيانًا تؤدي الأحاديث الضعيفة والموضوعة إلى احتقار النساء:
مثل حديث: «لا تسكنوهن الغُرف ولا تعلموهن الكتابة»، أو حديث: «شاوروهن وخالفوهن»، هناك شخص كان دائمًا يستشير زوجته تقول كذا فيفعل هو العكس، في يوم من الأيام تضايقت وقالت: أنت يا فلان! تأخذ بخلاف مشورتي، قال: أنا عندي حديث: «شاوروهن وخالفوهن».
стр. 610
نماذج من
أثر الحديث
الضعيف والموضوع
في تخريب العقائد (١)
أولًا: في أسماء الله وصفاته وتوحيده:
في مجال أسماء الله وصفاته افترى الوضاعون والكذابون أحاديث كثيرة نسبوها إلى الرسول ﵌ كحديث: «قيل يا رسول الله مم ربنا؟»، قال: «من ماء ممرور لا من أرض ولا من سماء، خلق خيلًا فأجراها فعرقت فخلق نفسه من هذا العرق». وحديث نزول الله على جمل يوم عرفه، وعروج الله إلى السماء من صخرة بيت المقدس. وحديث: «كنت كنزا مخفيًّا فأحببت أن أعرَفَ فخلقتُ الخلق فبي عرفوني».
ومن الأحاديث التي أثرت تأثيرًُا سيئًا في العقائد حديث: «يوشك الكفر أن يدخل من دار إلى دار، ومن ربع إلى ربع، ومن بلد إلى بلد، ومن مدينة إلى مدينة، فقيل كيف ذلك يا رسول الله؟»، فقال: «قوم يحدّون الله حدًّا، فيصفونه بذلك الحد». وقد أدى هذا إلى ترك تعلم صفات الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﵌ وذلك تجهيل للأمة بصفة الله وتوحيده ليعم بعد ذلك الكفر والجهل به .
وحديث: «لو اعتقد أحدكم بحجر لنفعه»، قال ابن تيميه: «موضوع»، وقال الشيخ على القاري: «قال ابن القيم: «هو من كلام عُبَّاد الأصنام الذين يحسنون ظنهم بالأحجار».
стр. 611
ولا يخفى أن هذا الحديث يفتح باب الشرك على مصراعيه لأنه يجعل ميزان الاعتقاد هو النفع بل الاعتقاد نفسه، فكل من اعتقد في شيء وظنه نافعًا حتى لو كان حجرًا جعله الله كذلك، وكل مَن أتاه نفعٌ مِن عقيدةٍ ما كان هذا اعتقادًا صحيحًا.
وهكذا أصبحت هذه الأحاديث الباطلة التي لا أصل لها سندًا ومُتكَّئًا لشرك الألوهية الذي جاءت الرسل للتحذير منه.
ثانيا: في حقيقة النبي ﵌ -:
وأما بالنسبة للنبي ﵌ فإن الوضاعين والكذابين قد ألفوا من الأحاديث ما حرف العقيدة الخالصة في الرسول فقد زعموا أنه أول خلق الله ظهورًا في الوجود وأنه مخلوق من نور الله وأنه ما خلق سماء ولا أرضًا ولا جنة ولا نارًا إلا من أجله ﵌.
وجعلوه داعيًا للناس إلى دعائه والتوسل به إلى الله، وأن من حج ولم يزر قبر النبي ﵌ فقد جفاه، بل جعلوه هو الله المستوي فوق العرش وأنه الذي أنزل القرآن!!
وقِسم آخر من الوضاعين افتروا عليه أحاديث في الطعم والشراب والجماع والطب أرادوا بذلك عيب النبي وشينه وتحقير أمره وبالتالي إسقاط رسالته ووحيه.
وإليك بعضًا مما فعل هؤلاء وهؤلاء:
«خلقني الله من نوره، وخلق أبا بكر من نوري، وخلق عمر من نور أبي بكر، وخلق أمتي من عمر، وعمر سراج أهل الجنة».
والحديث المنسوب إلى جابر بن عبد الله الأنصاري قال قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أخبرني عن أول شيء خلقه الله قبل الأنبياء، قال: «يا جابر أن الله تعالى خلق قبل الأنبياء نور نبيك من نوره، فجعل هذا النور يدور بالقدرة حيث يشاء الله تعالى، ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا جنة ولا نار، ولا ملك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر.
стр. 612
فخلق من الجزء الأول القلم، ومن الجزء الثاني اللوح، ومن الثالث العرش، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الجزء الأول حملة العرش، ومن الجزء الثاني الكرسي، ومن الثالث باقي الملائكة، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الجزء الأول السموات، ومن الجزء الثاني الأراضين، ومن الجزء الثالث الجنة والنار.
وقسم الجزء الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الجزء الأول نور أبصار المؤمنين، ومن الثاني نور قلوبهم - وهي المعرفة بالله - ومن الثالث نور أنْسِهم وهو التوحيد: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ثم نظر إليه فترشح النور عرقًا فتقطرت منه مائتا ألف قطرة وعشرين ألفًا وأربعة آلاف قطرة فخلق الله من كل قطرة روح نبي ورسول.
ثم تنفست روح أرواح الأنبياء فخلق الله من أنفاسهم أرواح الأولياء والسعداء والشهداء والمطيعين من المؤمنين إلى يوم القيامة، فالعرش من نوري والعقل والعلم والتوفيق من نوري، والكروبيون من نوري والعقل والعلم والتوفيق من نوري، وأرواح الأنبياء والرسل من نوري، والسعداء والصالحون من نائح نوري.
ثم خلق الله آدم من الأرض وركب فيه النور وهو الجزء الرابع، ثم انتقل منه شيث وكان ينتقل من طاهر إلى طيب إلى أنْ وصل إلى صلب عبد الله بن عبد المطلب، ومنه إلى وجه أمي آمنة ثم أخرجني إلى الدنيا فجعلني سيد المرسلين، وخاتم النبيين وقائد الغر المحجلين».
وهذا الحديث هو عمدة الصوفية فيما زعموه واعتقدوه ونشروه أن الرسول ﵌ هو قبة الكون، وهو أول الوجود، وأنه جزء من نور الله، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا، وأن كل المخلوقات خلقت بأجزاء منه.
وحديث جابر المكذوب هذا هو الذي جاء متأخرو المتصوفة وبنَوا عليه أنّ القرآن أنزله الرسول ﵌ مِن فوق سبع سماوات وأن محمدًا هو الذي أعطاه جبريل في السماء واستلمه في الأرض!!
стр. 613
يقول محمد عثمان عبده البرهاني في كتابه (تبرئة الذمة في نصح الأمة): «ولما رأى النبيُّ ﵌ استغراب سيدنا جبريل ﵇ مما قاله لجابر: «أن أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر»، سأل الرسول جبريل قائلًا: «يا جبريل كم عَمّرت من السنين؟»، فقال جبريل: «يا رسول الله لسْتُ أعلمُ غير أنه في الحجاب الرابع نجمٌ يطلع في كل سبعين ألف سنة مرة ورأيته سبعين ألف مرة (١)، فقال ﵌: «وعزة ربي أنا ذلك الكوكب».
ثم سأل الرسول جبريل عن المكان الذي يأتي منه الوحي؟ فقال: «حينما أكون في أقطار السموات والأرض أسمع صلصلة جرس فأسْرِعُ إلى البيت المعمور فأتلقى الوحي فأحمله إلى الرسول أو النبي فقال الرسول له: «اذهب إلى البيت المعمور الآن واتْلُ نسبي»، فذهب جبريل مسرعًا إلى البيت المعمور وتلا نسب النبي قائلا: «محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ... »، فانفتح البيت المعمور ولم يسبق أنْ فُتِحَ مِن قبل ذلك فرأى جبريل النبي بداخله!! فتعجب فعاد مسرعًا إلى الأرض فوجد الرسول في مكانه كما تركه مع جابر فعاد بسرعة خارقة إلى البيت المعمور فوجده ﵌ هنالك، ثم عاد مسرعًا إلى الأرض فوجده مازال جالسًا مع جابر فسأل جبريل ﵇ جابرًا قائلًا: «هل ترك رسول الله مجلسه هذا؟»، فقال جابر: «كلا يا أخا العرب؛ فإننا لم ننته بعدُ من الحديث الذي تركْتَنا فيه»، فقال جبريل للنبي: «إذا كان الأمر منك وإليك فلماذا تَعَبِي؟» فرد عليه ﵌ قائلًا: «للتشريع يا أخي جبريل»، وتلا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: ١١٤).
стр. 614
وأضاف محمد عثمان عبده البرهاني: «كل هذه الأدلة توضح أن القرآن وهو أكبر معجزة للنبي كان عند النبي قبل البيت المعمور، وقبل جبريل وهو والخلق جُزْءٌ مِن كُلّ» (١).
وليس بعد هذا الكفر والزندقة كفر ولا زندقة، بل ولا هذيان.
مَن أرادُوا شَيْنَ النبي ﵌ -:
وأما الوضاعون الذين أرادوا شَيْنَ النبي ﵌ فإنهم وضعوا عليه أحاديث في الأطعمة والأشربة يناقضون بها ما صح عن النبي ﵌ في ذلك ويعيبون بها النبي كحديث: «ربيع أمتي العنب والبطيخ»، و «من أكل فولة بقشرها أخرج الله منه من الداء مثلها»، و «الباذنجان شفاء من كل داء»، و «الباذنجان لما أكل له»، و «أكل السمك يُذهب الجسد»، وحديث: «إن الله خلق آدم من طين فحرم أكل الطين على ذريته»، وحديث: «عليكم بالعدس فإنه مبارك، وإنه يرق القلب، ويكثر الدمعة، وأنه قد بارك فيه سبعون نبيًّا»، وحديث: «بئست البقلة الجرجير»، وحديث: «لو كان الأرز رجلًا لكان حكيمًا»، وحديث: «الأرز مني وأنا من الأرز»، ونحو هذا من السخافات والهذيانات التي وضعها الوضاعون وألصقوها بسيد المرسلين ومَن بعَثَه الله رحمة للعالمين وهاديا للخلق أجمعين ﵌.
وهذه الأحاديث استغَلّها مَن يريد الطعن بالرسالة المحمدية قديمًا وحديثًا، كما أخبر بعض الطلاب ممن درس في جامعات تبشيرية أن القس الذي كان يدرس لهم كان يقول لهم: «رسولكم كان يقول: «لو كان الأرز رجلًا لكان حكيمًا»، وهذا لا يصدر من نبي»!! ولما كان الطلاب لا يعرفون أن هناك حديثًا صحيحًا وآخر مكذوبًا ما كانوا يستطيعون جوابًا، وترك هذا في أنفسهم ما ترك.
стр. 615
ثالثا: في العصبيات والأهواء:
وأما في باب العصبيات والأهواء والكيد لأهل الإسلام، فإن الوضّاعين قد ملأوا الأرض بكذبهم في هذا المجال، فقد كان من واضعي الأحاديث ناسٌ فيهم حقدٌ على الإسلام وعلى هذا القرآن الذي نزل بلغة العرب، يريدون نسف اللغة العربية، ويريدون إعلاء شأنهم حقدًا على هذا الدين، منهم بعض الفرس الذين وضعوا مثل هذا الحديث: «إن كلام الله حول العرش بالفارسية، وإن الله إذا أوحى أمرًا فيه لينٌ أوحاه بالفارسية، وإذا أوحى أمرًا فيه شدة أوحاه بالعربية».
ما هو المقصود؟! ماذا يوحي هذا الحديث؟! ماذا يلقي في أنفس السامعين؟ إنه يلقي كراهية اللغة العربية ومحبة اللغة الفارسية.
وهل سكت الجهلة المقابلون لهم من العرب؟ كلا. فإنهم وضعوا أحاديث أيضًا في فضل اللغة العربية وأن كلام أهل الجنة عربي، وفي المقابل وضعوا أحاديث في ذم بلاد خراسان مدينةً مدينة.
ولا يجوز أن ترد البدعة ببدعة ولا يجوز أن نرد على الخطأ بخطأ آخر! إن الرد على البدعة والخطأ يكون بتبيان الصواب أولًا، ثم بنقد الخطأ والبدعة ثانيًا.
وبعضهم من الفرق الباطنية الذين كان همهم تمجيد بعض الأشخاص كشخص علي بن أبي طالب سدد خطاكم حتى يوصلوه إلى مرتبة الألوهية، انظروا مثلًا إلى هذا الحديث: «ستكون فتنة فإن أدركها أحد منكم فعليه بخصلتين: كتاب الله وعليِّ بنِ أبي طالب»، علي بن أبي طالب سدد خطاكم رابع الخلفاء الراشدين، مناقبه مشتهرة متكاثرة لا يماري فيها إنسان مسلم يعرف الله ، ويعرف حق صحابة الرسول ﵌ ولكن أن تصل المسألة أن يجاء برجل ولو كان صحابيًا فيُعتبر هو المرجع بعد كتاب الله.
стр. 616
ومن ذلك حديث: «خلقت أنا وعليّ من نور، وكنا على يمين العرش قبل أن يخلق آدم بألف عام، ثم خلق الله آدم فانقلبنا في أصلاب الرجال ثم جعلنا في صلب عبد المطلب، ثم شق أسماؤنا من اسمه فالله محمود وأنا محمد، والله الأعلى وعلي علي».
وحديث: «مَن لم يقل عليّ خير الناس فقد كفر».
وحديث: «أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب».
وحديث أن الرسول أمر الشمس أن تعود لعلي لما فاتته صلاة العصر.
وحديث: «النظر إلي عليّ عبادة».
وحديث: «اسمي في القرآن والشمس وضحاها، واسم علي والقمر إذا تلاها، واسم الحسن والحسين والنهار إذا جلاها، واسم بني أمية والليل إذا يغشاها».
وحديث: «لما عرج إلى السماء رأيت مكتوبًا على ساق العرش لا إله إلا الله محمد رسول الله، أيدتُه بِعَليّ، نصرتُه بِعَليّ».
وقول علي: «غسَّلْتُ النبي فشربت من ماء محاجر عينيه فورثت علم الأولين والآخرين».
وحديث ابن عباس: «سألت الرسول عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه قال: «سأل بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا تبتَ علَيَّ فتاب علَيَّ».
وهذا مثله كثير جدًا، وهذا ومثله كان السبب في نشأة الفرق العقائدية، وتمزيق الأمة المحمدية، وإكفار بعضها بعضًا وكل هذه مسائل أصولية وليست فرعيات عبادية وعملية ولا شك أن انتحال الأحاديث ووصفها كان الدعامة التي عمد إليها أهل الأهواء لتأصيل ما أصلوه، ولاعتقاد ما اعتقدوه.
стр. 617
إذًا المسألة مخططٌ لها، مذاهب قامت في التاريخ يريد كل أصحاب مذهبٍ منهم أن يؤصلوا لمذهبهم بأحاديث يروجونها بين المسلمين، يؤصلون للمذهب ويقَعّدون له بأحاديث موضوعة ومكذوبة على الرسول ﵌.
ولقد وصل الحقد بهؤلاء الباطنية إلى صحابيٍ جليل مثل معاوية سدد خطاكم، فوضعوا أحاديث مثل حديث: «لكل أمة فرعون وفرعون هذه الأمة معاوية»، عندما يسمع الناس هذه الأحاديث ماذا يُحْدِث في قلوبهم على معاوية سدد خطاكم؟ ما هو الأثر السيئ لهذا الحديث في قلوب الناس على صحابة أجلاء كرام من صحابة الرسول ﵌؟
ولكن المتعصبة للطرف الآخر وضعوا أحاديث منها أن النبي ﵌ «أخذ القلم من علي ودفعه إلى معاوية»، عليٌّ لا يصلح فمعاوية هو الكاتب الأمين؟!
وقد يحمل التعصب المذهبي الذميم بعض الناس على اختلاق الأحاديث على رسول الله ﵌ فمنه مثلًا الحديث المشهور المعروف: «سراج أمتي أبو حنيفة النعمان»، «يكون في أمتي رجلٌ كنيته أبو حنيفة النعمان هو سراج أمتي، ويكون رجلٌ في أمتي اسمه محمد بن إدريس هو أضر على أمتي من إبليس»، يقصدون الإمام محمد بن إدريس الشافعي ﵀ الذي هو مجدد من المجددين في الأمة في أصول الفقه، فهل سكت الطرف الآخر؟ كلا. بل اختلقوا حديث: «عالم قريش يملأ الأرض علمًا» يقصدون الشافعي.
رابعا: الأحاديث الموضوعة والخرافة:
عمد الوضاعون إلى تصوير عالم من نسيج خيالهم، وبنات أفكارهم المريضة، ونفثات صدورهم الخبيثة المليئة بالحقد على الإسلام وأهله، وذلك صرفًا للناس عن دين ربهم وتشويهًا لجمال الإسلام، فمن ذلك زعمهم أن الله خلق ملائكة السماء الأولى على صورة بقرة، والثانية على صورة العقبان، والثالثة على صورة الناس، والرابعة على صورة الحور العين، والخامسة على صورة الطيور، والسادسة على صورة الخيل المسومة، والسابعة حملة العرش الكروبيون.
стр. 618
وافتروا على الرسول ﵌ أنه قال: «إن لله تعالى ديكا براثنه في الأرض السفلي وعرفه تحت العرش ويصرخ عند مواقيت الصلاة، وتصرخ له ديكة السماء وديكة الأرض: سبوح قدوس رب الملائكة والروح».
وجعلوا المجرة لعاب حية تحت العرش فزعموا أن الرسول ﵌ قال: «يا معاذ أني مرسلك إلى قوم أهل كتاب فإذا سُئلتَ عن المجرة التي في السماء فقل لهم هي لعاب حية تحت العرش».
ونسبوا كذلك له ﵌ أنه قال: «وكل بالشمس تسعة ملائكة يرمونها بالثلج كل يوم، ولولا ذلك ما أتت على شيء إلا أحرقته».
وأن الأرض على الماء، والماء على صخرة، والصخرة على ظهر حوت يلتقي طرفاه بالعرش، والحوت على كاهل ملك قدماه في الهواء.
وأن العنكبوت مسخ.
وأن النخلة من فضل طينة آدم.
وأن الله خلق جبلا يقال له «قاف» محيط بالعالم وعروقه إلى الصخرة التي عليها الأرض فإذا أراد الله أن يزلزل قرية أمر ذلك الجبل فحرك العرق الذي يلي القرية فيزلزلها ويحركها ثم تتحرك القرية دون القرية.
وأن الأرض على صخرة، والصخرة على قرن ثور فإذا حرك الثور رأسه تحركت الأرض.
والموضوع في هذا الباب لا يكاد يحصى كثرة وكلها تصب عند مصب واحد وهو تخريب العقائد وتشويه الإسلام، وشَيْن رسول الأنام ﵌.
خامسًا: الأحاديث الموضوعة في القرآن:
لعل أخطر ما دمرته الأحاديث الواهية من العقائد هو تشويه القرآن، وهو ما ابتغاه أهل الأهواء من صرف الناس عن كتاب الله وتفسيره بالخرافات والخزعبلات
стр. 619
والأهواء، وتصوير القرآن أنه كتاب خرافات وأساطير وليس كتابًا منزلا من الحكيم الحميد سبحانه.
وإليك بعضا من افتراء هؤلاء الوضاعون على القرآن، وللأسف عليه يعتمد أهل التفسير حتى لا يكاد يخلو تفسير واحد أن يناله شيء من ذلك.
فمن ذلك على سبيل المثال: ما ذكره بعض المفسرين عمن سماه عوج بن عنق الطويل وفي هذا الحديث «أن طوله كان ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثين ذراع»، وأن نوحًا لما خوفه الغرق قال له: «أتحملني في قصعتك هذه»، وأن الطوفان لم يصل إلى ركبته، وأنه خاض البحر فوصل إلى حجزته فقط، وأنه كان يأخذ الحوت من عمق البحر فيشويه في عين الشمس، وأنه قلع صخرة عظيمة على قدر عسكر موسى، وأراد أن يرضخهم بها فوضعها الله في عنقه مثل الطوق».
وكذلك في تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢)﴾ (المائدة: ٢٢ (، أنهم العماليق وأن سبعين رجلًا من قوم موسى استظلوا في قحف رجل واحد منهم، وأن موسى لما نزل قريبًا من أريحا في فلسطين بعث اثني عشر رجلًا من بني إسرائيل ليتعرف خبرهم فهالهم ما رأوه من هيئتهم وجسمهم وأنهم دخلوا في بستان أحد العماليق فجاء فتتبع أثارهم ثم حملهم في كمه مع الفاكهة وذهب إلى ملكهم ونثرهم مع الفاكهة أمامه».
ومن ذلك نسبتهم الشرك إلى آدم وحواء في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾ (الأعراف: ١٩٠).
وتفسيرهم لقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (الإسراء: ٧٩)، قالوا: يجلسه على العرش.
стр. 620
ومن خرافاتهم ما رووه أن سفينة نوح قد طافت بالبيت سبعًا وصلَّتْ خلف المقام ركعتين.
وتفسيرهم قوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ (القمر: ١٣)، قالوا: الدسر خمس مسامير: مسمار باسم الرسول، والثاني باسم علي، والثالث باسم فاطمة، ورابع باسم الحسن، وخامس باسم الحسين، وأن الرسول ﵌ قال: «الألواح خشب السفينة ونحن الدسر لولانا ما سارت السفينة بأهلها».
وأن إبراهيم لما وضع في النار لم يسأل الله وقال: «علمه بحالي يغني عن سؤالي».
وأن النملة التي كلمت سليمان كانت في حجم الذئب، ولم يَعِ هؤلاء أن الله قد قال عن تلك النملة: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (النمل: ١٨)؛ فكيف لا يشعر سليمان وجنوده أنهم يقتلون نملا في حجم الذئاب!!
وتفسيرهم قوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ (الكهف: ٥٠) أن الرسول ﵌ ذكر إبليس فقال: «رأيته الساعة فإنه أدخل ذنَبَه في دُبُره فأخرج سبع بيضات، فأولدها سبع أولاد: فأولهم وأكبرهم المذهب وهو الموكل بفقهاء الناس وعلمائهم فينسيهم الذكر ويعيقهم بالحصا ويولعهم بكثرة الوضوء. والثاني هو الموكل بالنعاس في المساجد يأتي الرجل فيلقى عليه النعاس فينيمه فيقال يا فلان قد نمت فيقول لا فيعاد عليه فيحلف يمينا كاذبة أنه لم ينم. والثالث اسمه ثوبان وهو الموكل بالأسواق فينصب فيها راية بنقص الكيل والميزان حتى لا يؤتون ما يوفون فيها حتى يغلوا. والرابع لغو وهو الموكل بالويل والعويل وشق الجيوب ونتف الشعور ولطم الخدود ونعيق الران وسائر ذلك من الصياح على الميت.
والخامس مشوان وهو الموكل بأعجاز النساء وأحللة الرجال حتى يجمع بين الفاجرين على فجورهما. والسادس مشوط وهو الموكل بالهمز واللمز والنميمة
стр. 621
والكذب والغش. والسابع غرور وهو الموكل بقتل النفوس وسفك الدماء وانتهاك المحارم يأتي الرجل فيقول له: أنت أحوج أم فلان كان أحوج منك ارتكب كذا وكذا من المحارم صنع كذا وكذا فحسن حاله فدلاه بغرور.
فتلك ذريته التي ذكر الله في كتابه ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾، فتلك ذريته الباقية معه إلى اليوم الذي وقت لهم لا يموتون ولا ينتهون عن حديد الأرض، لعنة الله عليه وعلى ذريته».
والحاصل أن كتب التفسير قد شحنت بالأحاديث الضعيفة والموضوعة والروايات الواهية، ولا شك أن هذه الروايات الواهية قد أعدمت نفع القرآن وهدايته عند من يحسن الظن بها، بل جعلت القرآن كتاب خرافة بدلا من أن يكون كتاب هداية وتبصير، بل زادوا على ذلك بأن جعلوا القرآن لكل شيء إلا الهداية فزعموا أن رسول الله ﵌ قال: «خذوا من القرآن ما شئتم لما شئتم». وهو حديث لا أصل له مطلقًا.
ولذلك عمد المتصوفة ومَن على دربهم لجعل كل آية من القرآن لشفاء مرض من الأمراض فلوجع الرأس يقرأ: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (الأنعام: ١٣)، وللأورام يقرأ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ (طه: ١٠٥)، وللحبلى المتعسرة في ولادتها يقرأ: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ (الحج: ٢)، ونحو هذا يُجْعَل في كتب ويقال إن هذا أمر مجرب ويزعمون أن الرسول ﵌ قال: «خذوا من القرآن ما شئتم لما شئتم».
ولا شك أن ارتباط الآيات القرآنية الحكيمة بمثل هذه الأمور يصرفها عن معانيها التي أنزلت من أجلها ويحول القرآن من كتاب هداية وتربية وتبصير إلى كتاب عبث ولعب واستهزاء وأكل لأموال الناس بالباطل، ولا شك أن كل ذلك تشويه للمعتقد.
стр. 622
أحاديث
ضعيفة وموضوعة ولا أصل لها
من باب قول حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵁: «كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ ﵌ عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِى». (رواه البخاري ومسلم). ومن باب قول الشاعر:
عَرَفْتُ الشّرَّ لا ... لِلشّرِّ لَكِنْ لِتَوَقّيهِ
وَمَنْ لَمْ يَعْرِفِ الخيرَ ... من الشّرِّ يقعْ فيهِ
كانت هذه المجموعة من الأحاديث الضعيفة والموضوعة والتي لا أصل لها، جمعتها من كتب أهل العلم؛ لكي يتجنبها إخواني الخطباء والوعاظ في خطبهم ودروسهم، وفي الصحيح والحسن من حديث رسول الله ﵌ ما يغنيهم عن الاستشهاد بها.
ومعظم هذه الأحاديث تجدها في:
• مجمع الزوائد ومنبع الفوائد لنور الدين الهيتمي.
• تخريج أحاديث الإحياء المسمَّى (المغنى عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار) لزين الدين العراقي.
• المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة للسخاوي.
• تمييز الطيب من الخبيث مما يدور على ألسنة الناس من الحديث، لابن الديبع الشيباني.
• كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس للعجلوني.
• تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة لابن عرّاق الكناني.
• الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للشوكاني.
стр. 623
• العلل المتناهية في الأحاديث الواهية لابن الجوزي.
• الجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث لأحمد بن عبد الكريم الغزي العامري.
• النخبة البهية في الأحاديث المكذوبة على خير البرية لمحمد الأمير الكبير المالكي.
• سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للألباني.
• ضعيف الجامع الصغير وزيادته للألباني.
• النافلة في الأحاديث الضعيفة والباطلة لأبي إسحاق الحويني.
• تحذير الداعية من القصص الواهية لعلي حشيش.
• مائة من الأحاديث المشتهرة على الألسنة لإحسان بن محمد بن عايش العتيبي.
• أحاديث لا تصح، إعداد سليمان بن صالح الخراشي
فلينظرها من أراد تخريجها بالتفصيل والاطلاع على كلام أهل العلم عليها.
стр. 624
تنبيهات
قبل قراءة الأحاديث
التنبيه الأول:
لا يجوز لأحد أن يتساهل في نسبة الأحاديث إلى النبي ﵌؛ لأن النبي ﵌ قال: «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ». (رواه البخاري ومسلم).
وقال ﵌: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ» (رواه مسلم في مقدمة صحيحه، وهو حديثٌ متواتر، رواه عن رسول الله ﵌ نحوًا من سبعين صحابيًا وربما مائة صحابي). قال الإمام النووي ﵀: «. . . فِيهِ تَغْلِيظُ الْكَذِبِ وَالتَّعَرُّض لَهُ، وَأَنَّ مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ كَذِبُ مَا يَرْوِيهِ فَرَوَاهُ كَانَ كَاذِبًا , وَكَيْف لا يَكُون كَاذِبًا وَهُوَ مُخْبِرٌ بِمَا لَمْ يَكُنْ» (١).
وقد قال ﵌: «مَنْ قَالَ عَلَيَّ فَلَا يَقُولَنَّ إِلَّا حَقًّا، أَوْ صِدْقًا، فَمَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، (رواه الإمام أحمد في المسند وابن حبان وغيرهما، وحسنه الألباني والأرنؤوط»، وقد ترجم عليه الإمام ابن حبان ﵀: «فَصْلٌ ذِكْرُ إِيجَابِ دُخُولِ النَّارِ لِمَنْ نَسَبَ الشَّيْءَ إِلَى الْمُصْطَفَى ﵌ وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِصِحَّتِهِ» (٢).
وإذا لم يكن عند الشخص القدرة العلمية التي يستطيع أن يعرف بها صحة الحديث أو ضعفه فالواجب عليه أن يسأل أهل العلم المختصين بهذا الشأن والرجوع
стр. 625
إلى أقوال الأئمة والحفاظ المدونة في الكتب، عملًا بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأنبياء: ٧).
التنبيه الثاني:
قد يلاحظ القارئ الكريم أن بعض الكلام الموجود في الأحاديث الضعيفة والموضوعة معناه صحيح أو أنه كلام طيب أو يدل على حكمة قائله ورزانة عقله، مثال ذلك: «عجلوا بالصلاة قبل الفوت، وعجلوا بالتوبة قبل الموت». فمع أنه حديث موضوع فإن معناه صحيح كما قال الشيخ الألباني ﵀ في (سلسلة الأحاديث الضعيفة (١/ ١٧٤، رقم ٧٥).
ومن ذلك حديث: «خمسة كتبت على ساق عرش الرحمن، لا حيلة في الرزق، ولا شفاعة في الموت، لا راحة في الدنيا، لا رادّ لقضاء الله، ولا سلامة من ألسنة الناس»، فإن المعاني الواردة في الرواية معان صحيحة، جاء ما يشهد لها من القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، ولكن ليس كل ما صح معناه جازت نسبته إلى النبي ﵌، وإلا جاز لكل شخص أن يكذب على النبي ﵌ ويختلق الأحاديث عليه، ثم تكون حجته أن ما كذبه له شواهده من القرآن والسنة.
فالحق أنه لا يحل نسبة هذا الكلام إلى النبي ﵌، وكَوْنُ معناه صحيحًا لا يبرّر للمسلم أن ينسبه إلى الصادق المصدوق ﵌. فقد قال ﵌: «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ؛ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» (رواه البخاري ومسلم). وقال ﵌ أيضًا: «مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» (رواه البخاري).
стр. 626
التنبيه الثالث:
كَوْن الحديث ضعيفًا أو موضوعًا ليس معناه بالضرورة أن ما دَلَّ عليه غير صحيح؛ فقد يشير دليل آخر - آية أو حديث صحيح - إلى صحة ما دل عليه.
وإليك هذه الأمثلة:
١ - حديث: «من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمه جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله».
مع ضعف هذا الحديث فلا شك أن الإعانة على قتل المسلم بغير حق من الكبائر. وقد تصل الإعانة على قتل المسلم في بعض الأحوال إلى الكفر. فقد ذكر أهل العلم أن من نواقض الإسلام: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين.
وهذه المسألة ليست من المعاصي العادية أو الصغائر بل إنها مسألة متعلقة بأصل العقيدة والتوحيد وموالاة المسلم لدين الله وبراءته من أعداء الله هكذا نص الأئمة في كتبهم على هذا.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: «وقد أجمع علماء الإسلام على أن من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم بأي نوع من المساعدة فهو كافر مثلهم، كما قال الله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ (المائدة: ٥١) (١).
٢ - حديث «النظرة سهم من سهام إبليس من تركها خوفًا من الله آتاه الله إيمانًا يجد حلاوته في قلبه». حديث ضعيف، وليس معنى ذلك أن المؤمن غير مأمور بغض بصره؛ بل قد قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ
стр. 627
فُرُوجَهُنَّ﴾ (النور: ٣٠ - ٣١)، وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ لِعَلِيٍّ سدد خطاكم: «يَا عَلِيُّ لَا تُتْبِعْ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ» (رواه أبو داود، وحسنه الألباني). وعَنْ جَرِيرٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ عَنْ نَظْرَةِ الْفَجْأَةِ فَقَالَ: «اصْرِفْ بَصَرَكَ» (رواه أبو داود، وصححه الألباني).
٣ - حديث «أيُّمَا امرَأةٍ مَاتَتْ وَزَوجُها رَاضٍ عَنهَا، دَخَلَتِ الجَنَّةَ».
وليس معنى ذلك أن طاعة المرأة لزوجها ليست سببًا لدخول الجنة؛ فإن رسول الله ﵌، قال: «إِذَا صَلَّتْ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا، قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ» (رواه الإمام أحمد، وصححه الألباني).
٤ - «جهاد الكبير والصغير والضعيف والمرأة الحج والعمرة» (ضعيف).
وليس معنى ذلك أن الحج ليس من الجهاد؛ فعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللهِ، نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ، أَفَلاَ نُجَاهِدُ؟»
قَالَ: «لاَ، لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ». (رواه البخاري).
٥ - «الدعاء مخ العبادة».
وليس معنى ذلك أن الدعاء ليس من العبادة؛ فعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﵌ يَقُولُ: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾» (١) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
стр. 628
٦ - «اتقوا مواضع التهم»:
وليس معنى ذلك أن المسلم لا يتقي مواضع التهم، فعَنْ عَلِىِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَىٍّ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﵌ مُعْتَكِفًا فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا فَحَدَّثْتُهُ ثُمَّ قُمْتُ لأَنْقَلِبَ فَقَامَ مَعِىَ لِيَقْلِبَنِى ـ وَكَانَ مَسْكَنُهَا في دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ـ فَمَرَّ رَجُلاَنِ مِنَ الأَنْصَارِ فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ ﵌ أَسْرَعَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَىٍّ». فَقَالاَ: «سُبْحَانَ اللهِ، يَا رَسُولَ الله». قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِى مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ وَإِنِّى خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ في قُلُوبِكُمَا شَرًّا». أَوْ قَالَ: «شَيْئًا». (رواه البخاري ومسلم).
٧ - «يا سعد أطب مطعمك، تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده، إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يُتقبل منه عمل أربعين يوما».
وليس معنى ذلك أن من أسباب عدم إجابة الدعاء التوسع في الحرام: أكلًا، وشربًا، ولبسًا، وتغذية؛ فعَنْ أبي هُرَيرة سدد خطاكم قال: قال رسولُ الله ﵌: «إنَّ الله طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلاَّ طيِّبًا، وإنَّ الله تعالى أمرَ المُؤْمِنينَ بما أمرَ به المُرسَلين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ (المؤمنون: ٥١)، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (البقرة: ١٧٢)، ثمَّ ذكَرَ الرَّجُلَ يُطيلُ السَّفرَ: أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يمُدُّ يدَيهِ إلى السَّماءِ: يا رَب يا رب، وَمَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، وَمَلْبَسُهُ حرامٌ، وَغُذِّيَ بالحَرَامِ، فأنَّى يُستَجَابُ لِذلكَ؟». (رواهُ مُسلمٌ).
стр. 629
٨ - «الغناء واللهو ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء العشب».
وليس معنى ذلك جواز الموسيقى أو الغناء المصحوب بموسيقى؛ فإن من أوضح الأدلة على تحريمهما قولُ النبي ﵌: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ، يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ وَالحَرِيرَ، وَالخَمْرَ، وَالمَعَازِفَ» (رواه البخاري) (١).
التنبيه الرابع:
ليس معنى عدم صحة دلالة الحديث الضعيف أو الموضوع على شيء ما أن نفهم منه عدم دلالته على غيره، فمثلًا: حديث: «خمس تفطر الصائم وتنقض الوضوء: الكذب، والغيبة، والنميمة، والنظر بالشهوة، واليمين الفاجرة» لا يصح، وليس معنى أن هذه الأشياء لا تفطر الصائم أو تنقض الوضوء أنها ليست في ذاتها حرام، أو أنها لا تؤثر على ثواب الصائم.
التنبيه الخامس:
قد يحتوي الحديث الضعيف على جزء من حديث صحيح، وليس معنى ذلك أن ذلك الجزء غير صحيح، ومن الأمثلة على ذلك حديث: «أكرموا العلماء؛ فإنهم ورثة الأنبياء فمن أكرمهم فقد أكرم الله ورسوله». حديث لا يصح، ولكن صحَّ أن النبي ﵌ قال: «إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَه أَخَذَ بِحَظٍّ وافر» (رواه أبو داود، وصححه الألباني).
التنبيه السادس: أحيانًا تجد في الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة بعض الأدعية أو الأذكار المطلقة - غير المحددة بزمان أو بمكان أو بحال - كدعاء: «اللهم
стр. 630
اجعلني صبورًا، اللهم اجعلني شكورًا، اللهم اجعلني في عيني صغيرًا وفي أعين الناس كبيرًا».
وكونها وردت في حديث لا يثبت ليس معناه عدم جواز الدعاء بها على الإطلاق؛ فالأذكار والأدعية على قسمين:
الأول: الأذكار الواردة في الكتاب والسنة مقيدة إما بزمان أو بمكان أو بحال، فهذا القسم يؤتَى به على الوجه الذي ورد في زمانه، أو حاله، أو مكانه، أوفي لفظه، أوفي هيئة الداعي به من غير زيادة ولا نقصان.
القسم الثاني: كل ذكر أو دعاء مطلق غير مقيد بزمان أو مكان، فهذا له حالتان:
الأولى: أن يكون وَرَدَ عن النبي ﵌ فيُؤْتَى بلفظه ولا يُحَدَّد بزمان أو مكان يخص به، أو بعدد يلتزم به.
الثانية: أن يكون غير وارد عن النبي ﵌ بل أتى به الداعي من عند نفسه أو من المنقول عن السلف؛ فيجوز للعبد الذكر والدعاء به بخمسة شروط:
١ - أن يتخير من الألفاظ أحسَنَها وأبْيَنَها؛ لأنه مقام مناجاة العبد لربه ومعبوده .
٢ - أن تكون الألفاظ على وفق المعنى العربي.
٣ - أن يكون الدعاء خاليًا من أي محذور شرعي، كالاستغاثة بغير الله، ونحو ذلك.
٤ - أن يكون في باب الذكر والدعاء المطلق فلا يقيد بزمان أو حال أو مكان.
٥ - أن لا يتخذ ذلك سنة يواظب عليها (١).
/
стр. 631
حرف الألف
١ - آخر الطب الكي.
٢ - آخر من يدخل الجنة رجل يقال له: جهينة فيقول أهل الجنة: عند جهينة الخبر اليقين.
٣ - آخر ما تكلم به إبراهيم حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل (١).
٤ - آفة الدين ثلاثة: فقيه فاجر، وإمام جائر، ومجتهد جاهل.
٥ - آفة الحديث الكذب، وآفة العلم النسيان، وآفة الحلم السفه، وآفة العبادة الفَتْرة، وآفة الظرف الصلف، وآفة الشجاعة البغي، وآفة السماحة المنّ، وآفة الجمال الخيلاء.
٦ - آفة العلم النسيان، وإضاعته أن تحدث به غير أهله.
٧ - آلُ القرآن آلُ الله.
٨ - آلُ محمد كل تقي.
٩ - آمن شعر أمية بن أبي الصلت وكفر قلبه.
١٠ - آمين خاتم رب العالمين على لسان عباده المؤمنين.
١١ - آية الكرسي ربع القرآن.
١٢ - آية من كتاب الله خير من محمد وآله؛ لأن القرآن كلام الله غير مخلوق (٢).
١٣ - أبَى الله أن يجعل للبلاء سلطانًا على بدن عبده المؤمن.
стр. 632
١٤ - أبَى الله أن يرزق عبده المؤمن إلا من حيث لا يحتسب.
١٥ - أبَى الله أن يصح إلا كتابه.
١٦ - ابتدروا الأذان، ولا تبتدروا الإمامة.
١٧ - أبْدِ المَودَّةَ لِمنْ وَادَّكَ تَكُنْ أَثبتَ.
١٨ - أبردوا بالطعام، فإن الطعام الحار غير ذي بركة.
١٩ - أبغض الحلال إلى الله الطلاق.
٢٠ - أبْقِ للصلح موضعًا.
٢١ - ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا.
٢٢ - أبلغي من لقيت من النساء أن طاعة الزوج واعترافًا بحقه يعدل ذلك». رُوِيَ عن ابن عباس ﵄ قال: جاءت امرأة إلى النبي ﵌، فقالت: «يا رسول الله! أنا وافدة النساء إليك، هذا الجهاد كتبه الله على الرجال؛ فإن نصبوا أجِروا، وإن قتلوا كانوا أحياءً عند ربهم يرزقون، ونحن معشر النساء نقوم عليهم، فما لنا من ذلك؟» قال: فقال النبي ﵌: «أبلغي من لقيت من النساء أن طاعة الزوج واعترافًا بحقه يعدل ذلك، وقليل منكن من يفعله».
٢٣ - ابنتي فاطمة حوراء آدمية لم تحِضْ ولم تطمث، وإنما سماها فاطمة لأن الله فطمها ومحبيها من النار.
٢٤ - ابنُكَ لَهُ أجرُ شَهيدَينِ»، رُوِيَ أن امرأة جاءت إلى النبي ﵌ يقال لها: أم خلاد، وهي منتقبة، تسأل عن ابنها وهو مقتول. فقال لها بعض أصحاب النبي ﵌: «جئت تسألين عن ابنك، وأنت منتقبة؟!» (١). فقالت: «إن أُرزأ ابني فلن أرزا حيائي!!»،
стр. 633
فقال النبي ﵌ «ابنُكَ لَهُ أجرُ شَهيدَينِ». قَالتْ: «وَلِمَ ذَاكَ يَا رَسولَ اللهِ؟»، قَالَ: «لأنَّهُ قَتَلهُ أهلُ الكِتابِ».
٢٥ - أبو بكر وعمر خير الأولين وخير الآخرين وخير أهل السماوات وخير أهل الأرض، إلا النبيين والمرسلين.
٢٦ - أبو بكر وعمر مني بمنزلة هارون من موسى.
٢٧ - أتى سائل امرأة وفي فمها لقمة فأخرجت اللقمة فناولَتْها السائل، فلم تلبث أن رُزِقَتْ غلامًا، فلما ترعرع جاء ذئب فاحتمله؛ فخرجت تعدو في أثر الذئب وهي تقول: «ابني ابني!»، فأمر الله تعالى ملَكا: «الحق الذئب فخذ الصبي مِن فِيه، وقل لأمه: «الله يقرئك السلام» وقل: «هذه لقمة بلقمة».
٢٨ - أتاني جبريل آنفا فقلت: يا جبريل، حدثني بفضائل عمر في السماء، فقال: «يا محمد لو حدثتك بفضائل عمر في السماء مثل ما لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ما نفدت فضائل عمر، وإن عمر لَحَسنة من حسنات أبي بكر».
стр. 634
٢٩ - أتاني جبريل، فأخذ بيدي، فأراني باب الجنة الذي تدخل منه أمتي»، فقال أبو بكر: «يا رسول الله! وددتُ أني كنت معك حتى أنظر إليه»، فقال: «أما إنك يا أبا بكر! أول من يدخل الجنة من أمتي».
٣٠ - أتاني جبريل فقال: «إذا أنت عطستَ فقل: الحمد لله ككرمه، والحمد لله كعز جلاله، فإن الله يقول: صدق عبدي، صدق عبدي، صدق عبدي، مغفورًا له».
٣١ - أتاني جبريل فقال: «يا محمد! إن الأمة مفتونة بعدك قلت له: «فما المخرج يا جبريل»، قال: «كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو حبل الله المتين، وهو الصراط المستقيم، وهو قول فصل ليس بالهزل، إن هذا القرآن لا يليه من جبار فيعمل بغيره إلا قصمه الله، ولا يبتغي علما سواه إلا أضله الله، ولا يخلق عن رده، وهو الذي لا تفنى عجائبه، من يقُل به يصدق، ومن يحكم به يعدل، ومن يعمل به يؤجر، ومن يقسم به يقسط».
٣٢ - أتاني جبريل فقال: «يا محمد! إن أمتك مختلفة بعدك، قال: فقلت له: فأين المخرج يا جبريل؟ قال: فقال: كتاب الله تعالى، به يقصم الله كل جبار، من اعتصم به نجا، ومن تركه هلك، مرتين، قول فصل، وليس بالهزل، لا تختلقه الألسن، ولا تفنى أعاجيبه، فيه نبأ ما كان قبلكم، وفصل ما بينكم، وخبر ما هو كائن بعدكم».
٣٣ - أتاني جبريل، فقال: «إن ربي وربك يقول لك: تدري كيف رفعت لك ذكرك؟ قلت: «الله أعلم»، قال: «لا أذْكَر، إلا ذُكِرْتَ معِي».
٣٤ - أتاني جبريل ﵇ فقال: «هذه ليلة النصف من شعبان، ولله فيها عتقاء من نار بعدد شعور غنم بني كلب لا ينظر الله فيها إلى مشرك، ولا إلى مشاحن، ولا إلى قاطع رحم، ولا إلى مسبل، ولا إلى عاق لوالديه، ولا إلى مدمن خمر».
стр. 635
٣٥ - أتاني جبريل فقال: «يا محمد إن الله يقرأ عليك السلام، ويقول: وعزتي وجلالي لا أعذب أحدًا يُسمى باسمك يا محمد بالنار».
٣٦ - أتاني جبريل فقال: «يا محمد، ربك يقرأ عليك السلام ويقول: إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا بالغنى ولو أفقرته لَكَفر، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا بالقلة ولو أغنيته لكفر، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا بالسقم ولو أصححته لكفر، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا بالصحة ولو أسقمته لكفر».
٣٧ - أتاني جبريل فقال: «يا محمد لولاك ما خُلِقت الجنة ولولاك ما خُلِقت النار».
٣٨ - اتبع الطرق، ولو دارت، وخذ - أو تزوج - البكر، ولو بارت (١).
٣٩ - أتَدْرُون أي أهل الإيمان أفضل إيمانا؟»، قالوا: «يا رسول الله الملائكة؟»، قال: «هم كذلك، ويحق ذلك لهم، وما يمنعهم وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم بها؟ بل غيرهم»، قالوا: «يا رسول الله فالأنبياء الذين أكرمهم الله تعالى بالنبوة والرسالة؟»، قال: «هم كذلك ويحق لهم ذلك، وما يمنعهم وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم بها؟ بل غيرهم». قلنا: «فمن هم يا رسول الله؟»، قال: «أقوام يأتون من بعدي في أصلاب الرجال فيؤمنون بي ولم يَرَوْني (٢)، ويجدون الورق المعلق فيعملون بما فيه، فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيمانًا».