← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36157

دليل الواعظ إلى أدلة المواعظ

شحاتة صقر

Полный текст (1 425 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وطوبى لمن ذل في نفسه، وطاب كسبه، وأصلح سريرته، وعزل عن الناس شره، طوبى لمن عمل بعلمه، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله. ١٢٨٥ - طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس (١)، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله، ووَسِعَتْهُ السُّنّة فلم يعْدِل عنها إلى البدعة.

стр. 842

حرف العَيْن ١٢٨٦ - عَجَّ حجَرٌ إلى الله تعالى فقال: «إلهي وسيدي عَبَدْتُك منذ كذا وكذا سنة (وفي رواية: ألف سنة)»، ثم جعلتني في أس كَنِيف؟ (١)»، فقال: «أو ما ترضى أن عدلت بك عن مجالس القضاة؟». ١٢٨٧ - عجبت لطالب الدنيا والموت يطلبه، وعجبت لغافل وليس بمغفول عنه، وعجبت لضاحك مِلْءَ فيه ولا يدري أرُضِيَ عنه أم سخط. ١٢٨٨ - عجبت للمؤمن وجزعه من السقم، ولو يعلم ما له في السقم أحب أن يكون سقيما حتى يلقى الله . ١٢٨٩ - عجبْتُ وليس بالعجب، وعجبتُ وهو العجب العجيب العجيب، عجبتُ وليس بالعجب، إني بعثتُ إليكم رجلا منكم فآمن بي مَن آمن بي منكم، وصدَّقني من صدَّقني منكم، فإنه العجب وما هو بالعجب، ولكني عجبت وهو العجب العجيب العجيب لمن لم يَرَنِي وصدَّق بي (٢). ١٢٩٠ - عَجِّلوا الركعتين بعد المغرب؛ فإنهما ترفعان مع المكتوبة.

стр. 843

١٢٩١ - عجلوا بالصلاة قبل الفَوْت (١)، وعجلوا بالتوبة قبل الموت. ١٢٩٢ - عداوة العاقل ولا صحبة المجنون. ١٢٩٣ - عدو المرء مَن يعمل بعمله. ١٢٩٤ - عدو عاقل خير من صديق جاهل. ١٢٩٥ - عدو عاقل خير من صاحب مجنون. ١٢٩٦ - عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا. فَقُلْتُ: «لَا، يَا رَبِّ، وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا وَأَجُوعُ يَوْمًا، فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ، وَإِذَا شَبِعْتُ حَمِدْتُكَ وَشَكَرْتُكَ» (٢). ١٢٩٧ - عُرِضَتْ عَلَىَّ أُجُورُ أُمَّتِى حَتَّى الْقَذَاةُ (٣) يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَعُرِضَتْ عَلَىَّ ذُنُوبُ أُمَّتِى فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أوتِيَهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا.

стр. 844

١٢٩٨ - عُرَى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة عليهن أسِّسَ الإسلام: مَن تَرَك واحدةً منهن فهو بها كافرٌ حلال الدم: شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة المكتوبة، وصوم رمضان (١). ١٢٩٩ - عشرة تمنع عشرة: سورة الفاتحة تمنع غضب الله، سورة يس تمنع عطش يوم القيامه، سورة الدخان تمنع أهوال يوم القيامة، سورة الواقعة تمنع الفقر، سورة الملك تمنع عذاب القبر، سورة الكوثر تمنع الخصومة، سورة الكافرون تمنع الكفر عند الموت، سورة الإخلاص تمنع النفاق، سورة الفلق تمنع الحسد، سورة الناس تمنع الوسواس (٢).

стр. 845

١٣٠٠ - عشر خصال عملها قوم لوط، بها أهلِكُوا وتزيدها أمتي بخلّة: إتيان الرجال بعضهم بعضًا، ورميهم بالجلاهق والخذف (١)، ولعبُهم بالحمام، وضرب الدفوف، وشرب الخمور، وقص اللحية، وطول الشارب، والصفير والتصفيق، ولباس الحرير، وتزيدها أمتي بخلة: إتيان النساء بعضهن بعضًا. ١٣٠١ - عشرة من أخلاق قوم لوط: الخذف في النادي ومضغ العلك، والسواك على ظهر الطريق، والصفير، والحمام، والجلاهق، والعمامة التي لا يُتَلَحَّى بها، والسكينية (وفي رواية: والسِّبْتية)، والتطريف بالحناء، وحل أزرار الأقبية، والمشي في الأسواق والأفخاذ بادية (٢). ١٣٠٢ - عظموا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم.

стр. 846

١٣٠٣ - عظموا مقداركم بالتغافل. ١٣٠٤ - عفّوا عن نساء الناس تعفّ نساؤُكم، وبرّوا آباءَكم تبرُّكم أبناؤكم. ١٣٠٥ - عقولُهُن في فروجِهِن. ١٣٠٦ - علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل. ١٣٠٧ - علماء حكماء كادوا من صدقهم أن يكونوا أنبياء»، رُوِيَ عن أبي سليمان الداراني قال: حدثني شيخ بساحل دمشق يقال له: علقمة بن يزيد الأزدي: حدثني أبي عن جدي قال: وفدت إلى رسول الله ﵌ سابع سبعة من قومي فلما دخلنا عليه وكلمناه أعجبه ما رأى من سَمْتِنا وزِيِّنَا فقال: «ما أنتم؟»، قلنا: «مؤمنين»، فتبسم رسول الله ﵌ فقال: «إن لكل قول حقيقة فما حقيقة قولكم وإيمانكم؟»، قلنا: «خمس عشرة خصلة، خمس منها أمَرَتْنا رسلُك أن نؤمن بها، وخمس أمرَتْنا رسلُك أن نعمل بها، وخمس تخلَّقْنا بها في الجاهلية ونحن عليها إلا أن تكره منها شيئًا». قال رسول الله ﵌: «وما الخمس التي أمرَتْكم رسلي أن تؤمنوا بها؟»، قلنا: «أمرَتْنا أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله والقدر خيره وشره»، قال: «وما الخمس التى أمرَتْكم بها رسلي؟»، قلنا: «أمرَتْنا رسلُك أن نشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له وأنك عبده ورسوله، ونقيم الصلاة المكتوبة، ونؤدي الزكاة المفروضة، ونصوم شهر رمضان ونحج البيت إن استطعنا إليه السبيل»، قال: «وما الخمس التي تخلّقتم بها في الجاهلية؟». قلنا: «الشكر عند الرخاء، والصبر عند البلاء، والصدق في مواطن اللقاء، والصبر عند شماته الأعداء، وإكرام الضيف». فقال النبي ﵌: «علماء حكماء كادوا من صدقهم أن يكونوا أنبياء»، ثم قال رسول الله ﵌: «وأنا أزيدكم خمسًا، فيتِمّ لكم عشرون خصلة: إن كنتم كما تقولون فلا تجمعوا ما لا تأكلون، ولا تبْنُوا ما لا تسكنون، ولا تنافسوا في شيء غدًا عنه تزولون، واتقوا الله الذي إليه ترجعون وعليه تعرضون، وارغبوا فيما عليه تقدمون وفيه تخلدون». قال أبو سليمان: «قال لي علقمة بن يزيد: فانصرف القوم من عند رسول الله ﵌ وحفظوا وصيته وعملوا بها، ولا

стр. 847

والله يا أبا سليمان ما بقي من أولئك النفر وأولادهم أحد غيري». قال: «وبقي إلى أيام قلائل ثم مات سدد خطاكم». ١٣٠٨ - علموا أبناءكم السباحة والرماية، ونعم لهو المؤمنة في بيتها المغزل، وإذا دعاك أبواك فأجِبْ أمك (١). ١٣٠٩ - عليٌّ أخي في الدنيا والآخرة. ١٣١٠ - عليٌّ إمام البررة وقاتل الفجرة، منصور من نصره، مخذول من خذله. ١٣١١ - عليٌّ باب حطة من دخل منه كان مؤمنًا ومن خرج منه كان كافرًا. ١٣١٢ - عليٌّ خير البشر، مَن أبَى فقد كفر.

стр. 848

١٣١٣ - عليٌّ مع القرآن، والقرآن مع علِيّ، لن يفترقا حتى يرِدَا عليَّ الحوض. ١٣١٤ - عليٌّ مني بمنزلة رأسي من بدني. ١٣١٥ - عليٌّ يزهر في الجنة ككواكب الصبح لأهل الدنيا. ١٣١٦ - عليٌّ يعسوب المؤمنين (١)، والمال يعسوب المنافقين. ١٣١٧ - عليك بالإياس مما في أيدي الناس (٢)، وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر. ١٣١٨ - عليك بالعلم؛ فإن العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره، والعقل دليله، والعمل قيِّمُه، والرفق أبوه، واللين أخوه، والصبر أمير جنوده. ١٣١٩ - عليكم بالحناء فإنه يُنَوّر رؤوسكم، ويطهر قلوبكم، ويزيد في الجماع، وهو شاهد في القبر (٣). ١٣٢٠ - عليكم بالشفائين: العسل والقرآن (٤).

стр. 849

١٣٢١ - عليكم بلباس الصوف تجدوا حلاوة الإيمان في قلوبكم، وعليكم بلباس الصوف تجدوا قلة الأكل، وعليكم بلباس الصوف تُعْرَفون به في الآخرة، وإن لباس الصوف يورث القلب التفكر، والتفكر يورث الحكمة، والحكمة تجري في الجوف مجرى الدم، فمن كثر تفكره قل طعمه، وكَلّ لسانُه، ورَقَّ قلبُه، ومن قل تفكره كثر طعمه، وعظم بدنه، وقسا قلبه، والقلب القاسي بعيد من الجنة، قريب من النار. ١٣٢٢ - عَمّار يزول مع الحق حيث يزول. ١٣٢٣ - عمر بن الخطاب سراج أهل الجنة. ١٣٢٤ - عمر معي، وأنا مع عمر، والحق بعدي مع عمر حيث كان. ١٣٢٥ - عمر، وإنه لحسنة من حسنات أبيك»، رُوِيَ عن عائشة قالت: «كانت ليلتي من رسول الله ﵌ فلما ضمني وإياه الفراش نظرتُ إلى السماء فرأيتُ النجوم مشتبكة فقلت: «يا رسول الله، في هذه الدنيا رجل له حسنات بعدد نجوم السماء؟»، فقال: «نعم»، قلت: «من؟»، قال: «عمر، وإنه لحسنة من حسنات أبيك». ١٣٢٦ - عند جهينة الخبر اليقين. ١٣٢٧ - عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة. ١٣٢٨ - عند كل ختمة للقرآن دعوة مستجابة (١).

стр. 850

١٣٢٩ - عند معصية آدم فى الجنة ناداه الله: «أيْ آدم لا تجزع من قولى لك: «أخرج منها»؛ فلك خلقْتُها ولكن انزل إلى الأرض وذل نفسك مِن أجلى وانكسِرْ فى حبي، حتى إذا زاد شوقُك إلىَّ وإليها تعالَ لأدخلك إليها مرة أخرى. يا آدم كنتَ تتمنى أن أعصمك؟»، قال آدم: «نعم». فقال: «يا آدم إذا عصمْتُك وعصمتُ بَنِيكَ فعَلَى مَن أجودُ برحمتي، وعلى مَن أتفضلُ بكرمي، وعلى من أتودد، وعلى من أغفر، يا آدم، ذَنبٌ تذلّ به إلينا أحَبُّ إلينا مِن طاعة تُرائي بها علينا. يا آدم أنينُ المذنبين أحبُّ إلينا من تسبيح المرائيين». ١٣٣٠ - عنوانُ صحيفة المؤمن حُبُّ عليّ بن أبي طالب. ١٣٣١ - عنوانُ كتاب المؤمن يوم القيامة حُسْنُ ثناء الناس. ١٣٣٢ - عودوا المرضى ومُرُوهم فلْيَدْعُوا لكم؛ فإن دعوة المريض مستجابة، وذنبه مغفور. ١٣٣٣ - عُوَيْمِر حكيمُ أمتي، وجُندُب طريد أمتي؛ يعيش وحده، ويموت وحده، واللهُ يبعثه وحده (١).

стр. 851

موضوعات عامة

стр. 852

٥١ - البركة من الله ظاهرة قلة البركة: من الظواهر التي لاحظها كثير من الناس اليوم قلّة البركة في الأموال والأولاد وعدم الانتفاع بالأرزاق والأبناء، حتى إن الرجل ليكون مرتّبه عاليًا ودخله جيدًا وأبناؤه عُصْبَة من الرجال الأقوياء الأشداء ثم تراه يقترض ويستدين، ويعيش في بيته وحيدًا أو مع زوجه العجوز لا أحد من أبنائه يحدب عليه أو يلتفت إليه. ولربما دخل كثير من الناس السوق وجيبه مليء بالمال، فلا يخرج إلا وهو صفر اليدين أو قد تحمَّل شيئًا من الدَّين، وعندما ينظر فيما أتى به من أغراض وحاجات لأهله لا يجد إلا أشياء كمالية صغيرة، يحملها بين يديه بلا عناء، ولا تساوي ما أنفق فيها من مال. وإن هذا الأمر ليس قضية عارضة أو مسألة هينة، بل هو في الواقع يشكل ظاهرة ملموسة وقضية محسوسه، ويعد منحنى خطيرًا في حياة المجتمع المسلم، يجب على كل فرد أن يدرسه ويتعرف أسبابه، ويبحث عن حله الناجح وعلاجه الناجع، فيأخذ به ويقي نفسه، لعل الله أن ينجيه مما ابتلي به غيره من الناس، أو مما قد يكون هو نفسه مبتلى به. إن البركة قد افتقدها كثير منا في أغلب أموره، ورغم ذلك لا يتنبه إلى ذلك ولا يحزن على فقدها أو يحاول أن يفعل الأسباب لتحصيلها. ولو استعرضنا حال من نُزِعَتْ منه البركة لوجدنا ما يُحزن: الذرِّيةُ التي يقول الله تعالى عنها: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الكهف: ٤٦ (صارت عند بعض الناس مصدر شقاء ومتاعب، لماذا؟ لأنه لم يبارك فيهم.

стр. 853

الزوجة التي يقول الله عنها في كتابه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم: ٢١ (لا ألفة، ولا مودّة، ولا رحمة، مشاكل، خلافات، محاكم، لماذا؟ لأنه لم يبارَك فيها. بركة العمر: العمر، أغلى ما يملك الإنسان في الدنيا عمره، تمر السنة والسنتان والعشر سنين والواحد منهم مكانه يراوح، في عبادته، في علمه، في حفظه لكتاب الله، في تفقهه، في دينه، وإن تقدم فشيئًا يسيرًا، يعيش الواحد منهم الستين والسبعين سنة وإذا قارن هذا العمر الطويل بما قدم للآخرة يجد الفارق الهائل، ربما لم يحفظ خمسة أجزاء من القرآن، لماذا؟ لأنه لم يبارَك له في عمره. أوقات كثير منهم مهدره، أربعٌ وعشرون ساعة في اليوم والليلة، لو تأملنا كيف تذهب لَحَزَنَّا على ذلك، ست ساعات في النوم، ست ساعات في العمل، وساعة للصلوات الخمس، كلها ما يقارب اثنتي عشرة إلى ثلاث عشرة ساعة، والباقي ما يقارب النصف ضائع، لماذا؟ لأن البركة نُزِعت من الوقت. ومما يزيد الأمر خطورة أننا سوف نُسأل عن أعمارنا: فيم قضيناها؟ فعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ سدد خطاكم عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «لَا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ» (رواه الترمذي وحسنه الألباني). (فِيمَا أَفْنَاهُ) أَيْ صَرَفَهُ (وَعَنْ شَبَابِهِ) أَيْ قُوَّتِهِ فِي وَسَطِ عُمُرِهِ (فِيمَا أَبْلَاهُ) أَيْ ضَيَّعَهُ. والْمُرَادُ سُؤَالُهُ عَنْ قُوَّتِهِ وَزَمَانِهِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ مِنْهُ عَلَى أَقْوَى الْعِبَادَةِ. (وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اِكْتَسَبَهُ) أَيْ أَمِنْ حَرَامٍ أَوْ حَلَالٍ؟ (وَفِيمَا أَنْفَقَهُ) أَيْ فِي طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ. ماذا نقول لله إذا سألنا عن أعمارنا فيم أفنيناها؟ نقول: نصف أعمارنا ضائع فيما لا فائدة منه، أغلى شيء نملكه في الدنيا نضيّع نصفه، خسارة كبيرة.

стр. 854

والوقتُ أنْفَسُ ما عُنيتَ بحفظهِ ... وأراه أسهلَ ما عليك يُضَيَّعُ ولعل أوجز كلمة في تعريف الوقت هي: «الوقت هو الحياة». وقال علي بن أبي طالب سدد خطاكم: «من أمضى يومه في غير حق قضاه، أو فرض أداه، أو مجد بناه، أو حمد حصّله، أو علم اقتبسه، فقد عق يومه، وظلم نفسه». وقال ابن القيم ﵀: «وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم وهو يمر مَرّ السحاب، فما كان مِن وقت لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبًا من حياته، وإن عاش فيه عيش البهائم، فإذا قطع وقته في الغفلة واللهو والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه به النوم والبطَالة، فموت هذا خير من حياته». وكما قيل: «إن الليل والنهار رأس مال المؤمن، ربحُها الجنة وخسرانها النار». وقال ابن القيم ﵀: «السَّنَةُ شجرة، والشهور فروعُها، والأيام أغصانُها، والساعات أوراقها، والأنفاس ثِمارها، فمن كانت أنفاسه في طاعة، فثمرة شجرته طيبة، ومن كانت في معصية، فثمرته حنظل». وقد قيل: «الوقت المفقود لايُشترى بالنقود، وأمس لايُرَدّ وغدًا ليس في اليد، كثير من الناس يظنون أنهم يقتلون الوقت، ولكن الوقت هو الذي يقتلهم». بركة العلم: نزعت البركة من علم كثير منا، تجد الواحد عنده شهادة جامعية أو خريج كلية علوم شرعية وليس له أثر في أهله وجيرانه وأقاربه، كم سمعنا من المحاضرات، كم حضرنا مجالس علم، كم قرأنا من كتب، أين أثر ذلك علينا وعلى أهلنا وجيراننا ومجتمعنا؟ لا شيء، لماذا؟ لأنه لم يبارَك فيه، لماذا؟ لأننا ربما لم تكن نيتنا خالصة لله، أو لم نستشعر مسؤوليه تبليغ العلم،، لا نستشعر أهمية الدعوة إلى الله. عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ابن العاص ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَالَ: «بَلِّغُوا عَنِّى وَلَوْ آيَةً» (رواه البخاري).

стр. 855

هذا هو حال من نزعت منه البركة، تحولت النِعَمُ إلى نِقَم، وأسباب الراحة والسعادة إلى شقاء ومتاعب، وأصبح يجري وراء الدنيا، كالذي يشرب من البحر؛ كلما زاد شربًا زاد عطشًا. فكيف المخرج من ذلك؟ ما السبيل إلى حصول البركة؟ ماذا نعمل حتى تحصل لنا البركة ونسعد بما يعطينا الله من نعم؟ تعريف البركة: البَرَكَةُ، هي النَّماءُ والزيادةُ، وهي شيء من خير يجعله الله تعالى في بعض مخلوقاته، والتَّبْريكُ الدُّعاءُ بها. والبركة هي الزيادة في الخير والأجر وكل ما يحتاجه العبد في دينه ودنياه بسبب ذات مباركة أو زمان مبارك. وهي: أن تعمل في الزمن القصير ما لا يعمله غيرك في الزمن الكثير. ضوابط في مفهوم البركة: ١ - البركة كلها من الله كما أن الرزق من الله؛ فلا تطلب البركة إلا من الله؛ ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ﴾ (هود: ٤٨)، وقوله: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ (هود: ٧٣). فإذا كانت البركة من الله فطلبُها من غيره شرك. البركة من الله , وهو الذي يبارك ويجعل الشيء مُباركًا، قال تعالى على لسان عيسى ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ (مريم: ٣١). والله هو الذي يجعل البركة فيمن شاء، وفيما شاء كما قال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: ٧١). ويبارك على من شاء، كما قال تعالى: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ (الصافات: ١١٣). والله الذي يبارك وحده، ولا يجوز للمخلوق أن يقول: باركتُ على الشيء، أو يُقال له: بارِكْ لنا، أو: اجعَلْ لنا بركة.

стр. 856

عن سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: قَدْ رَأَيْتُنِي مَعَ النَّبِيِّ ﵌ وَقَدْ حَضَرَتْ الْعَصْرُ وَلَيْسَ مَعَنَا مَاءٌ غَيْرَ فَضْلَةٍ، فَجُعِلَ فِي إِنَاءٍ فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﵌ بِهِ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ وَفَرَّجَ أَصَابِعَهُ ثُمَّ قَالَ: «حَيَّ عَلَى أَهْلِ الْوُضُوءِ، الْبَرَكَةُ مِنْ اللهِ»، فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَتَفَجَّرُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ فَتَوَضَّأَ النَّاسُ وَشَرِبُوا فَجَعَلْتُ لَا آلُوا مَا جَعَلْتُ فِي بَطْنِي مِنْهُ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ بَرَكَةٌ. قُلْتُ لِجَابِرٍ: «كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟». قَالَ: «أَلْفًا وَأَرْبَعَ مِائَةٍ». (رواه البخاري). قَوْله: (وَحَضَرَتْ الْعَصْر) أَيْ وَقْت صَلَاتهَا. قَوْله: (فَجَعَلْت لَا آلُو) أَيْ لَا أُقَصِّر، وَالْمُرَاد أَنَّهُ جَعَلَ يَسْتَكْثِر مِنْ شُرْبه مِنْ ذَلِكَ الْمَاء لِأَجْلِ الْبَرَكَة. ٢ - ما يُتبرك به من الأعيان والأقوال والأفعال التي ورد الشرع بها إنما هو سبب للبركة وليس هو البركة. كما أن ما يُتداوى به من الأدوية إنما هو سبب للشفاء وليس هو الشفاء، وما ذكر الشرع أن فيه بركة فيُستعمل استعمال السبب الذي قد يتخلف تأثيره لفقد شرط أو وجود مانع كما هو معلوم في قاعدة الأسباب الشرعية. وما تضاف البركة إليه إنما هو من باب إضافة الشيء إلى سببه، كما قالت عائشة ﵂ عن جويرية بنت الحارث ﵂: “ فَمَا أَعْلَمُ امْرَأَةً كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً عَلَى قَوْمِهَا مِنْهَا». أي: جويرية ﵂ هي سبب للبركة وليست المعطية للبركة؛ فلذلك لما تزوجها ﵌ أعتق الصحابة من سَبَوْهُ من قومها بني المصطلق لكونهم أصهار رسول الله ﵌؛ فهذه بركة عظيمة من الله والسبب هو جويرية بنت الحارث؛ فهكذا الأشياء المباركة سبب للخير والنماء والزيادة. عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أنَّ رَسُولُ اللهِ ﵌ لَمَّا قَسَمَ سَبَايَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَقَعَتْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ فِي السَّهْمِ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ - أَوْ لِابْنِ عَمٍّ لَهُ - وَكَاتَبَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا، وأنها أَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﵌ فَقَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ سَيِّدِ قَوْمِهِ، وَقَدْ أَصَابَنِي مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ،

стр. 857

فَوَقَعْتُ فِي السَّهْمِ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ ـ أَوْ لِابْنِ عَمٍّ لَهُ ـ فَكَاتَبْتُهُ عَلَى نَفْسِي، فَجِئْتُكَ أَسْتَعِينُكَ عَلَى كِتَابَتِي». قَالَ: «فَهَلْ لَكِ فِي خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ؟». قَالَتْ: «وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟». قَالَ: «أَقْضِي كِتَابَتَكِ وَأَتَزَوَّجُكِ». قَالَتْ: «نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ». قَالَ: «قَدْ فَعَلْتُ». قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: وَخَرَجَ الْخَبَرُ إِلَى النَّاسِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ تَزَوَّجَ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، فَقَالَ النَّاسُ: «أَصْهَارُ رَسُولِ اللهِ ﵌» فَأَرْسَلُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ. قَالَتْ عائشة: «فَلَقَدْ أَعْتَقَ بِتَزْوِيجِهِ إِيَّاهَا مِائَةَ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَمَا أَعْلَمُ امْرَأَةً كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً عَلَى قَوْمِهَا مِنْهَا» (رواه الإمام أحمد في المسند، وأبو داود، وحسنه الألباني). والْمُكَاتَبَةُ مُعَاقَدَةٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَسَيِّدِهِ، يُكَاتِبُ الرَّجُل عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ عَلَى مَالٍ مُنَجَّمٍ (أي على أقساط)، وَيَكْتُبُ الْعَبْدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُعْتَقٌ إِذَا أَدَّى النُّجُومَ. (أي الأقساط). وبَعْدَ الْتِزَامِ الْعَبْدِ بِالْمُكَاتَبَةِ يُصْبِحُ كَالْحُرِّ فِي بَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ، فَلَهُ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ وَيُقَاسِمَ شُرَكَاءَهُ، وَيُضَارِبَ وَيُعِيرَ وَيُودِعَ وَيُؤَجِّرَ وَيُقَاصَّ، وَيَتَصَرَّفَ فِي مَكَاسِبِهِ، وَيُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ دُونَ تَبْذِيرٍ، وَدُونَ إِخْرَاجِ الْمَال بِغَيْرِ عِوَضٍ. وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ مِنْ كُل تَصَرُّفٍ فِيهِ صَلاَحُ الْمَال وَاكْتِسَابُ الْمَنَافِعِ. ٣ - التماس البركة في شيء من الأشياء مَبْنِيٌّ على التوقيف؛ فالذي يدل على حصول البركة من عدمها إنما هو الدليل الشرعي فحسب. ٤ - البركة التي توجد في بعض المخلوقات من الذوات أو الأماكن وغيرها من فضل الله اختصها الله بذلك لحكمة يعلمها.

стр. 858

من صفات الله تعالى أنه تبارك: ومن صفات الله تعالى أنه تبارك كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ... (الملك: ١) , ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ (الفرقان: ٦١) , ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ (الفرقان: ١). واسمه تعالى مباركٌ تُنال معه البركة، قال : ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (الرحمن: ٧٨). وكلُّ شيءٍ لا يكونُ لله فبركتُه منزوعَة، والربُّ هو الذي يُبارِك وحدَه، والبركةُ كلُّها مِنه، وهو سبحانَه تبارَك في ذاتِه، ويباركُ فيمن شاءَ من خلقِه، قال : ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (الزخرف: ٨٥). وكلُّ ما نُسِب إليه فهو مبارَك. قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ (الأعراف: ٥٤). ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ كلما جاء الليل ذهب النهار، وكلما جاء النهار ذهب الليل، وهكذا أبدا على الدوام، حتى يطوي الله هذا العالم، وينتقل العباد إلى دار غير هذه الدار. ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ أي: عَظُم وتعالَى وكَثُر خيرُه وإحسانُه، فتبارك في نفسه لعظمة أوصافه وكمالها، وبارك في غيره بإحلال الخير الجزيل والبر الكثير، فكل بركة في الكون، فمن آثار رحمته، ولهذا قال: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. والله سبحانه يختص بعض خلقه بما يشاء من الخير والفضل والبركة كالرسل والأنبياء. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: ٣٣)، وقال تعالى عن عيسى ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ (مريم: ٣١).

стр. 859

وكذلك فضل الله بعض الأماكن على بعض وبارك فيها كمكة والمدينة والمسجد الأقصى. وفضل بعض الأزمنة على بعض وبارك فيها، كشهر رمضان وليلة القدر وعشر ذي الحجة ويوم الجمعة. وأيضًا فقد أوجد جل وتعالى البركة في الأشياء كالمطر والسحور ونحوها. والله جلّ وعلا برحمته يأتي بالخيرات، وبفضله يضاعِف البركات، وليسَت سَعةُ الرّزق والعملِ بكثرته، ولا زيادةُ العمر بتعاقُب الشهور والأعوام، ولكن سعةُ الرزقِ والعمُر بالبركة فيه. وبالعمَل المبارَك يُكتسَب الذّكر الجميل في الحياة، وجزيلُ الثوابِ في الآخرة، فيه طهارةُ القلبِ وزكاةُ النفس وعليُّ الخلُق. لا غِنَى لأحدٍ عن بركةِ الله: والبركةُ ما كانت في قليلٍ إلاَّ كثَّرته، ولا في كثير إلا نفَعَته، ولا غِنَى لأحدٍ عن بركةِ الله، حتى الأنبياء والرسل يطلبونها من خالقِهم. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ سدد خطاكم عَنِ النَّبِىِّ ﵌ قَالَ: «بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ رِجْلُ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَحْثِى فِى ثَوْبِهِ، فَنَادَى رَبُّهُ يَا أَيُّوبُ، أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى قَالَ بَلَى يَا رَبِّ، وَلَكِنْ لاَ غِنَى لِى عَنْ بَرَكَتِكَ». (رواه البخاري). (بَيْنَا): بينما. (خَرَّ عَلَيْهِ) أَيْ سَقَطَ عَلَيْهِ. (رِجْلُ جَرَادٍ) أَيْ جَمَاعَةُ جَرَادٍ، وَالْجَرَادُ اِسْمُ جَمْعٍ وَاحِدُهُ جَرَادَةٌ كَتَمْرٍ وَتَمْرَةٍ. (يَحْثِي) أَيْ يَأْخُذُ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا. (فَنَادَاهُ رَبُّهُ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِإِلْهَامٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ. (قَالَ: بَلَى) أَيْ أَغْنَيْتنِي. وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْحِرْصِ عَلَى الِاسْتِكْثَارِ مِنْ الْحَلَالِ فِي حَقِّ مَنْ وَثِقَ مِنْ نَفْسِهِ بِالشُّكْرِ عَلَيْهِ، وَفِيهِ تَسْمِيَةُ الْمَالِ الَّذِي يَكُونُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ بَرَكَةً، وَفِيهِ فَضْلُ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ.

стр. 860

٥٢ - أقسام البركة أقسام البركة التي جعلها الله في الأشياء: البركة التي جعلها الله في الأشياء تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: بركة ذاتية، جعلها الله في الذوات: وهذه البركة هي في أجسام الأنبياء والرسل - عليهم الصلاة والسلام- , فيجوز أن يتبرك من يشاء من قومهم بهم، إما بالتمسّح بأجسامهم أو بعرقهم أو بشعرهم؛ لأن الله قد جعل أجسامهم مباركة، فمن تبرك بهم تعدت إليه البركة، وقد كان نبينا محمد ﵌ ذا جسدٍ مبارك، فكان الصحابة ﵃ يتبركون بشعره ﵌، وفي حديث أنس ﵁ قال: «لَمَّا رَمَى رَسُولُ اللهِ ﵌ الْجَمْرَةَ وَنَحَرَ نُسُكَهُ وَحَلَقَ نَاوَلَ الْحَالِقَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِّقَّ الْأَيْسَرَ فَقَالَ: «احْلِقْ»، فَحَلَقَهُ فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ فَقَالَ: «اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ» (رواه مسلم) , وكان إِذَا تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﵌ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ (رواه البخاري). وهذه البركة الذاتية خاصة بالأنبياء والرسل - عليهم الصلاة والسلام -. القسم الثاني: بركة معنوية، ومنها: بركة المسلم فكل مسلم مبارك , وهي بركة ما معه من الإسلام والتقوى، ومتابعة رسول الله ﵌، وقد قال ﵌: «إِنَّ مِنْ الشَّجَرِ لَمَا بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ الْمُسْلِمِ» (رواه البخاري). وهذه بركة عمل، وكلما كان المسلم أكثر تمسكًا واتباعًا لرسول الله ﵌ كان أكثر بركةً , فالتبرك بأهل العلم والتقوى هو الأخذ من علمهم والاقتداء بهم في التقوى والعمل الصالح، ولا يجوز أن يُتَمَسَّح بهم أو يُؤْخَذ ريقُهم للتبرك به لأن الصحابة الكرام ﵃ لم يفعلوا ذلك مع خير هذه الأمة بعد نبيها - وهم أبو بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي ﵃.

стр. 861

ومن البركة المعنوية بركة بعض البلاد، كبيت الله الحرام، وحول المسجد الأقصى ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (الإسراء: ١). فهي مباركة بما فيها من الخير الكثير لمن أرادها لعبادة الله وطاعته، وكذلك الحجر الأسود لمن استلمه وقبَّلَه طاعةً لله فيحصل على بركة متابعة رسول الله ﵌، وقد قال عمر ﵁ لمّا قبَّل الحجر: «إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﵌ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ» (رواه البخاري ومسلم). ومنها بركة بعض الأزمنة، كرمضان، والعشر من ذي الحجة، ففيها بركة بمعنى أن من أطاع الله فيها واجتهد في ذلك فإنه يحصل على ثواب عظيم مما لا يحصل عليه في غيرها من الأزمنة. ومنها بركة بعض الأشجار، كالنخلة وقد قال ﵌: «إِنَّ مِنْ الشَّجَرِ لَمَا بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ الْمُسْلِمِ» (رواه البخاري) , فالبركة فيها لما يحصل عليه الناس منها من المنافع، من ثمرها، وعيدانها، وسعفها ونحو ذلك. القرآن كلام الله المبارك: القرآنُ العظيم كثيرُ الخيراتِ، كتابٌ مبارَك محكَم، فصلٌ مهيمِن، أنزله الله رحمة وشفاءً وبيانًا وهُدى، قال سبحانه: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ (الأنبياء: ٥٠). ﴿وَهَذَا﴾ أي: القرآن ﴿ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ فوصفه بوصفين جليلين: كونه ذكرًا يُتَذَكّرُ به جميع المطالب، من معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومن صفات الرسل والأولياء وأحوالهم، ومن أحكام الشرع من العبادات والمعاملات وغيرها، ومن أحكام الجزاء والجنة والنار. وكونه مباركًا يقتضي كثرة خيراته ونمائها وزيادتها، ولا شيء أعظم بركة من هذا القرآن، فإن كل خير ونعمة، وزيادة دينية أو دنيوية، أو أخروية، فإنها بسببه،

стр. 862

وأثر عن العمل به، فإذا كان ذكرًا مباركًا، وجب تلقيه بالقبول والانقياد، والتسليم، وشكر الله على هذه المنحة الجليلة، والقيام بها، واستخراج بركته، بتعلم ألفاظه ومعانيه. وأما مقابلته بضد هذه الحالة، من الإعراض عنه، والإضراب عنه صفحًا وإنكاره، وعدم الإيمان به فهذا من أعظم الكفر وأشد الجهل والظلم، ولهذا أنكر تعالى على من أنكره فقال: ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (الأنعام ٩٢). أي: ﴿وَهَذَا﴾ القرآن الذي ﴿أَنْزَلْنَاهُ أَنْزَلْنَاهُ﴾ إليك ﴿مُبَارَكٌ﴾ أي: وَصْفُه البركة، وذلك لكثرة خيراته، وسعة مبراته. ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: موافق للكتب السابقة، وشاهد لها بالصدق. ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي: وأنزلناه أيضا لتنذر أم القرى، وهي: مكة المكرمة، ومن حولها، من ديار العرب، بل، ومن سائر البلدان. فتحذر الناس عقوبة الله، وأخذه الأمم، وتحذرهم مما يوجب ذلك. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ لأن الخوف إذا كان في القلب عمرت أركانه، وانقاد لمراضي الله. وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأنعام: ١٥٥). ﴿وَهَذَا﴾ القرآن العظيم، والذكر الحكيم. ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ أي: فيه الخير الكثير والعلم الغزير، وهو الذي تستمد منه سائر العلوم، وتستخرج منه البركات، فما من خير إلا وقد دعا إليه ورغب فيه، وذكر الحكم والمصالح التي تحث عليه، وما من شر إلا وقد نهى عنه وحذر منه، وذكر الأسباب المنفرة عن فعله وعواقبها الوخيمة ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ فيما يأمر به وينهى، وابنوا أصول دينكم وفروعه عليه

стр. 863

﴿وَاتَّقُوا﴾ الله تعالى أن تخالفوا له أمرا ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ إن اتبعتموه ﴿تُرْحَمُونَ﴾ فأكبر سبب لنيل رحمة الله اتباع هذا الكتاب، علما وعملًا. ومِن بركة القرآن: ١ - أنَّ مَن أخذ به حصل له الفتح، فأنقذ الله بذلك أممًا كثيرةً مِن الشرك. ٢ - أنَّ الحرف الواحد بعشر حسنات قال رسول الله ﵌: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لَا أَقُولُ (الم) حَرْفٌ وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ». (رواه الترمذي وصححه الألباني). ٣ - أنَّه يقدَّم صاحبُه على الناس في الإمامة، قال ﵌: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ» (رواه البخاري ومسلم). ٤ - أنَّه يقدَّم حافظهُ على غيره في اللحد، كما فعل ﵌ (رواه البخاري). ٥ - أنَّ الله تعالى يرفع صاحبه درجةً بكل آيةٍ كان يحفظها في الدنيا، قال ﵌: «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ، وَارْتَقِ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا» (رواه الترمذي، وصححه الألباني). ٦ - من بركات القرآن أنه رُقْيَة وجعل الله تعالى في قراءته شفاءً للمؤمنين، سواءً مِن الأمراض الحسيَّةِ، أو المعنويةِ، قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِي سدد خطاكم قَالَ: انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﵌ فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ، فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الحَيِّ، فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: «لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلاَءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ»، فَأَتَوْهُمْ، فَقَالُوا: «يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ، وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟».

стр. 864

فَقَالَ بَعْضُهُمْ: «نَعَمْ، وَاللهِ إِنِّي لَأَرْقِي، وَلَكِنْ وَاللهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا»، فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الغَنَمِ، فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ، وَيَقْرَأُ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ. قَالَ: فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: «اقْسِمُوا»، فَقَالَ الَّذِي رَقَى: «لاَ تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ ﵌ فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ، فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا»، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ فَذَكَرُوا لَهُ، فَقَالَ: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ»، ثُمَّ قَالَ: «قَدْ أَصَبْتُمْ، اقْسِمُوا، وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا» فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﵌ (رواه البخاري). (فَاسْتَضَافُوهُمْ): طلبوا منهم الضيافة. (فَلُدِغَ): ضربته حية أو عقرب. (الرَّهْطَ): ما دون العشرة من الرجال. (لَأرْقِي): من الرُّقْية وهي كل كلام استشفي به من وجع أو غيره. (جُعْلا): أجرة. (فصَالَحُوهم): اتفقوا معهم. (قَطِيع): طائفة من الغنم. (يَتْفِل): من التفل وهو النفخ مع قليل من البصاق. (نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ) فك من حبل كان مشدودًا به. (قلَبة) عِلّة. (وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ) ما الذي أعلمك أنها يرقى بها. (وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا) اجعلوا لي منه نصيبًا. يقول ابن القيم عن نفسه: «مكثتُ بمكة مدة يعتريني أدواء ولا أجد طبيبًا ولا دواءً فكنت أعالج نفسي بالفاتحة، فأرى لها تأثيرًا عجيبًا، فكنت أصف ذلك لمن يشتكي ألمًا فكان كثيرٌ منهم يبرأ سريعًا». ثم يقول ﵀: «ولكن هاهنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن الآيات والأدعية التي يستشفى بها ويرقى بها هي في نفسها نافعة شافية، ولكن تستدعى قبول المحل وقوة همة الفاعل وتأثيره. فمتى تخلف الشفاء كان لضعف تأثير الفاعل أو لعدم قبول المنفعل».

стр. 865

سورة مباركة: وسورةُ البقرة سورة مبارَكة، مأمورٌ بتعلّمها، قال ﵌: «اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ؛ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ» (رواه مسلم). (فَإِنَّ أَخْذَهَا) يعني المواظبة على تلاوتها والعمل بها (بَرَكَةٌ): أي زيادة ونماء (وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ) أي تأسف على ما فات من الثواب (وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ) بفتح الباء والطاء: أي السحرة: تسمية لهم باسم فعلهم لأن ما يأتون به باطل، وإنما لم يقدروا على قراءتها لزيغهم عن الحق وانهماكهم في الباطل. أو المراد سَحَرة البيان: أي أنهم لا يستطيعونها من حيث التحدي، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٢٣ - ٢٤). وقيل البطلة: أهل البطالة الذين لم يؤهلوا لذلك ولم يوفقوا له أي لا يستطيعون قراءة ألفاظها وتدبر معانيها لبطالتهم وكسلهم. الأنبياء ﵈ مباركون: والرسُل والدعاةُ مبارَكون بأعمالهم الصّالحةِ ودعوتهم إلى الخيرِ والهدى، قال عيسَى ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ (مريم: ٣١). ونوحٌ ﵇ أُغدِق ببركاتٍ من الله: قال الله : ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ (المؤمنون: ٢٩). أي: وبقيت عليكم نعمة أخرى، فادعوا الله فيها، وهي أن ييسر الله لكم منزلًا مباركًا، فاستجاب الله دعاءه، قال الله: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ

стр. 866

عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ إلى أن قال: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ (هود: ٤٨). وألقَى الله البركةَ على إبراهيمَ وآله، قال تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ (الصافات: ١١٢، ١١٣)، ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ أي: أنزلنا عليهما البركة، التي هي النمو والزيادة في علمهما وعملهما وذريتهما. وبارَك الله في إبراهيم وفي أهل بيته، قال : ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ (هود: ٧٣). ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ أي: لا تزال رحمته وإحسانه وبركاته، وهي: الزيادة من خيره وإحسانه، وحلول الخير الإلهي على العبد ﴿عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ أي: حميد الصفات، لأن صفاته صفات كمال، حميد الأفعال لأن أفعاله إحسان، وجود، وبر، وحكمة، وعدل، وقسط. ﴿مَجِيدٌ﴾ المجد: هو عظمة الصفات وسعتها، فله صفات الكمال، وله من كل صفة كمال أكملها وأتمها وأعمها. قال ابن القيم ﵀: “ هذا البيتُ المبارَك المطهَّر أشرفُ بيوت العالم على الإطلاق، فلم يأتِ بعدَ إبراهيمَ نبيٌّ إلاَّ من أهل بيتِه، وكلُّ من دخل الجنّةَ من أولياء الله بعدَهم فإنما دخل من طريقهم وبدعوَتهم “. حبيبنا ونبينا المبارك ﵌: وفي مقدمة الأنبياء وعلى رأسهم أفضل الأنبياء وسيد الأولين والآخرين نبينا محمد؛ فإنه سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع، وله ﵌ فضائل عظيمة ومزايا كريمة أنعم الله تعالى عليه بها، فزادَتْه شرفًا وفضلًا وبركة.

стр. 867

ومن أعظم بركاته ﵌ هذا الدين الذي بعث به، فمَن قَبِلَها سعد في الدنيا والآخرة، ومَن ردّها خسر الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: ١٠٧) وما هذا النكد وهذا الشقاء الذي تعيشه البشرية إلا لبعدها عن هذه الرسالة العظيمة. أضف إلى ذلك صورًا من بركاته الحسية: من تكثيره الطعام، ونبع الماء من بين أصابعه الشريفة. عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَالنَّبِىُّ ﵌ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ فَتَوَضَّأَ فَجَهَشَ النَّاسُ نَحْوَهُ، فَقَالَ «مَا لَكُمْ؟». قَالُوا: «لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءٌ نَتَوَضَّأُ وَلاَ نَشْرَبُ إِلاَّ مَا بَيْنَ يَدَيْكَ»، فَوَضَعَ يَدَهُ فِى الرَّكْوَةِ فَجَعَلَ الْمَاءُ يَثُورُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ كَأَمْثَالِ الْعُيُونِ، فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأْنَا. قُلْتُ: «كَمْ كُنْتُمْ؟». قَالَ: «لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا، كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً» (رواه البخاري ومسلم). (الرَّكْوة) إناءٌ صغير من جِلْدٍ يُشْرَب فيه الماءُ والجمع رَكَوات بالتحريك ورِكاءٌ. (جَهَشَ النَّاسُ نَحْوَهُ) أَيْ أَسْرَعُوا لِأَخْذِ الْمَاء. وعَنْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: لَمَّا حُفِرَ الْخَنْدَقُ رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللهِ ﵌ خَمَصًا فَانْكَفَأْتُ إِلَى امْرَأَتِي فَقُلْتُ لَهَا: «هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؛ فَإِنِّي رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللهِ ﵌ خَمَصًا شَدِيدًا»، فَأَخْرَجَتْ لِي جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَلَنَا بُهَيْمَةٌ دَاجِنٌ. فَذَبَحْتُهَا وَطَحَنَتْ، فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغِي فَقَطَّعْتُهَا فِي بُرْمَتِهَا ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌، فَقَالَتْ: «لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللهِ ﵌ وَمَنْ مَعَهُ». فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا قَدْ ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا وَطَحَنَتْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا؛ فَتَعَالَ أَنْتَ فِي نَفَرٍ مَعَكَ»، فَصَاحَ رَسُولُ اللهِ ﵌ وَقَالَ: «يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ لَكُمْ سُورًا فَحَيَّ هَلًا بِكُمْ».

стр. 868

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «لَا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ وَلَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَتَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ»، فَجِئْتُ وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَقْدَمُ النَّاسَ حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي، فَقَالَتْ: «بِكَ وَبِكَ». فَقُلْتُ: «قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ لِي»، فَأَخْرَجْتُ لَهُ عَجِينَتَنَا فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ، ثُمَّ قَالَ: «ادْعِي خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ وَلَا تُنْزِلُوهَا»، وَهُمْ أَلْفٌ، فَأُقْسِمُ بِاللهِ لَأَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ، وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ» (رواه البخاري ومسلم). (خَمَصًا): أَيْ ضَامِر الْبَطْن مِنْ الْجُوع. (فَانْكَفَأْت إِلَى اِمْرَأَتِي): أَيْ اِنْقَلَبْت وَرَجَعْت. (فَأَخْرَجَتْ لِي جِرَابًا) وِعَاء مِنْ جِلْد. (وَلَنَا بُهَيْمَة دَاجِن) هِيَ بِضَمِّ الْبَاء تَصْغِير (بَهِيمَة) وَهِيَ الصَّغِيرَة مِنْ أَوْلَاد الضَّأْن، والدَّاجِن: مَا أَلِف الْبُيُوت. (فَجِئْته فَسَارَرْته فَقُلْت: يَا رَسُول اللهِ): فِيهِ: جَوَاز الْمُسَارَرَة بِالْحَاجَةِ بِحَضْرَةِ الْجَمَاعَة، وَإِنَّمَا نَهَى أَنْ يَتَنَاجَى اِثْنَانِ دُون الثَّالِث. (السُّور): هُوَ الطَّعَام الَّذِي يُدْعَى إِلَيْهِ، وَقِيلَ: الطَّعَام مُطْلَقًا. (فَحَيَّ هَلًا) بِتَنْوِينِ (هَلًا) وَقِيلَ: بِلَا تَنْوِين عَلَى وَزْن عَلَا وَيُقَال: (حَيّ هَلْ) فَمَعْنَاهُ: عَلَيْك بِكَذَا أَوْ اُدْعُ بِكَذَا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: أَعْجِلْ بِهِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: هَاتِ وَعَجِّلْ بِهِ. (حَتَّى جِئْت اِمْرَأَتِي فَقَالَتْ: بِك وَبِك) أَيْ ذَمَّتْهُ وَدَعَتْ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: بِك تَلْحَق الْفَضِيحَة، وَبِك يَتَعَلَّق الذَّمّ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: جَرَى هَذَا بِرَأْيِك وَسُوء نَظَرَك وَتَسَبُّبك. (قَدْ فَعَلْت الَّذِي قُلْت لِي) مَعْنَاهُ: أَنَّى أَخْبَرْت النَّبِيّ ﵌ بِمَا عِنْدنَا فَهُوَ أَعْلَم بِالْمَصْلَحَةِ. (وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتكُمْ) أَيْ اِغْرِفِي، وَالْقَدَح: الْمِغْرَفَة. (تَرْكُوه وَانْحَرَفُوا) أَيْ شَبِعُوا وَانْصَرَفُوا. (تَغِطّ) أَيْ تَغْلِي، وَيُسْمَع غَلَيَانهَا. وَقَدْ تَضَمَّنَ هَذَا الْحَدِيث عَلَمَيْنِ مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة: أَحَدهمَا: تَكْثِير الطَّعَام الْقَلِيل، وَالثَّانِي: عِلْمه ﵌ بِأَنَّ هَذَا الطَّعَام الْقَلِيل الَّذِي يَكْفِي فِي الْعَادَة خَمْسَة أَنْفُس أَوْ نَحْوهمْ سَيَكْثُرُ فَيَكْفِي أَلْفًا وَزِيَادَة، فَدَعَا لَهُ أَلْفًا قَبْل أَنْ يَصِل إِلَيْهِ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ صَاع شَعِير وَبُهَيْمَة.

стр. 869

٥٣ - من صور البركة بركة مكة والمدينة والشام واليمن: ومما جاء الشرع أيضًا ببركته مكة، وبيتُ الله الحرام مبارك ليس في بيوتِ العالمَ أبرك منه ولا أكثرَ خيرًا ولا أدوم ولا أنفعَ للخلائق، قال جلّ وعلا: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: ٩٦). ووجه البركة، أن الطواف بالبيت فيه مغفرة للذنوب فهذه بركة، فقد قال ﵌: «مَنْ طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ أُسْبُوعًا فَأَحْصَاهُ كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ وَلَا يَضَعُ قَدَمًا وَلَا يَرْفَعُ أُخْرَى إِلَّا حَطَّ اللهُ عَنْهُ خَطِيئَةً وَكَتَبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةً» (رواه الترمذي، وصححه الألباني). طَافَ أُسْبُوعًا: أَيْ سَبْعَ مَرَّاتٍ. والصلاة فيه بمائة ألف صلاة، وأي بركة أعظم من هذا، فعَنْ جَابِرٍ سدد خطاكم أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ» (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني). وأيضًا مدينة رسول الله ﵌ مدينة مباركة الصلاة في مسجدها بألف صلاة، فعَنْ جَابِرٍ سدد خطاكم أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» (رواه ابن ماجه وصححه الألباني). وصلاة ركعتين في مسجد قباء كأجر عمرة. فعن سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ سدد خطاكم أن رَسُولُ اللهِ ﵌ قَالَ: «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءَ فَصَلَّى فِيهِ صَلَاةً كَانَ لَهُ كَأَجْرِ عُمْرَةٍ» (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني). وقد دعا رسول الله ﵌ للمدينة بالبركة فعَنْ أَنَسٍ سدد خطاكم عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنْ الْبَرَكَةِ» (رواه البخاري

стр. 870

ومسلم). قَوْله: «اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْت بِمَكَّة مِنْ الْبَرَكَة» أَيْ مِنْ بَرَكَة الدُّنْيَا. وأيضًا مما ورد في الشرع بركته أرض الشام، فأرض الشام أرض مباركة؛ قال في شأن انتقال بني إسرائيل إلى الشام: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ (الأعراف: ١٣٧)، وقال تعالى مخبرًاعن هجرة إبراهيم ولوط سدد خطاكم إلى الشام ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: ٧١).وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء: ١). فأرض الشام أرض مباركة، ولقد دعا النبي ﵌ للشام واليمن بالبركة فعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أن النبي ﵌ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا» (رواه البخاري). وكون الرجل من غير هذه البلاد لا يستلزم أنه مذموم إذا كان صالحًا في نفسه، والعكس بالعكس. فكم في مكة والمدينة والشام من فاسق وفاجر، والفضيلة الدائمةُ في كلِّ زمانٍ ومكان بالإيمانِ والعمل الصّالح، وأيّ مكانٍ وعمل كان أعونَ للشّخص كان أفضلَ في حقِّه، فإن الْأَرْضَ لا تُقَدِّسُ أَحَدًا، وَإِنَّمَا يُقَدِّسُ الْمَرْءَ عَمَلُهُ. بركة بعض الأزمنة: لقد اصطَفى الله من الدهرِ أزمنةً، خصّها بالتشريف والبركة. بركة البكور: النبيّ ﵌ دعا لأمته بالبركةِ في البكور، فَعَنْ صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ سدد خطاكم عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا»، قَالَ: وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلًا تَاجِرًا، وَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ فَأَثْرَى

стр. 871

وَكَثُرَ مَالُهُ. (رواه أصحاب السنن، وصححه الألباني). (فِي بُكُورهَا): أَيْ صَبَاحهَا وَأَوَّل نَهَارهَا. (قَالَ: وَكَانَ) أَيْ رَسُولُ اللهِ ﵌. (إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا) السَّرِيَّةُ طَائِفَةٌ مِنْ الْجَيْشِ يَبْلُغُ أَقْصَاهَا أَرْبَعَمِائَةٍ تُبْعَثُ إِلَى الْعَدُوِّ جَمْعُهَا السَّرَايَا. (وَكَانَ يَبْعَث تِجَارَته): أَيْ مَالهَا. (فَأَثْرَى): أَيْ صَارَ ذَا ثَرْوَة أَيْ مَال كَثِير. (وَكَثُرَ مَاله): عَطْف تَفْسِير. من الأزمنة المباركة شهر رمضان: قال ﵌: «أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ للهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ» (رواه النسائي وحسنه الألباني). ومن بركات هذا الشهر: أنه سبب لمغفرة الذنوب؛ قال ﵌: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، ومَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه ِ، ومَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». (رواه البخاري ومسلم). ليلةُ القدر ليلةٌ مباركة: وشهر رمضان فيه ليلة القدر وهي ليلةٌ مباركة رفيعةُ القدر عظيمةُ المكانة، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (الدخان: ٣). يقول في مطلع سورة الدخان: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧)﴾ (الدخان:١ - ٧). وتلك الليلة المباركة هي ليلة القدر، نعلم ذلك من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾ (القدر:١ - ٥).

стр. 872

البركة في السحور: عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﵌: «تَسَحَّرُوا؛ فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً» (رواه البخاري ومسلم). والْبَرَكَةَ فِي السُّحُورِ تَحْصُلُ بِجِهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَهِيَ اِتِّبَاعُ السُّنَّةِ، وَمُخَالَفَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَالتَّقَوِّي بِهِ عَلَى الْعِبَادَة، وَالزِّيَادَةُ فِي النَّشَاطِ، وَمُدَافَعَةُ سُوءِ الْخُلُقِ الَّذِي يُثِيرُهُ الْجُوعُ، وَالتَّسَبُّبُ بِالصَّدَقَةِ عَلَى مَنْ يَسْأَلُ إِذْ ذَاكَ أَوْ يَجْتَمِعُ مَعَهُ عَلَى الْأَكْلِ، وَالتَّسَبُّبُ لِلذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَقْتَ مَظِنَّةِ الْإِجَابَةِ، وَتَدَارُكُ نِيَّةِ الصَّوْمِ لِمَنْ أَغْفَلَهَا قَبْلَ أَنْ يَنَامَ. بركة شجرة الزيتون: قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (النور: ٣٥). عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ سدد خطاكم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ» (رواه الترمذي، وصححه الألباني). قَوْلُهُ: (كُلُوا الزَّيْتَ) أَيْ مَعَ الْخُبْزِ وَاجْعَلُوهُ إِدَامًا. (وَادَّهِنُوا بِهِ) أَمْرٌ مِنْ الِادِّهَانِ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ، وَهُوَ اِسْتِعْمَالُ الدُّهْنِ. يقال ادَّهَنَ رأسَه: أي طلاه بالدهن وتولى ذلك بنفسه، ولا يخفى أنه لا يختص بالرأس ولا يشترط التولي بالنفس. (فَإِنَّهُ) أَيْ الزَّيْتَ يَحْصُلُ. (مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ) يَعْنِي زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ، ثُمَّ وَصَفَهَا بِالْبَرَكَةِ لِكَثْرَةِ مَنَافِعِهَا وَانْتِفَاعِ أَهْلِ الشَّامِ بِهَا كَذَا قِيلَ. وَالْأَظْهَرُ لِكَوْنِهَا تَنْبُتُ فِي الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكَ اللهُ فِيهَا لِلْعَالَمِينَ. وَيَلْزَمُ مِنْ بَرَكَةِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ بَرَكَةُ ثَمَرَتِهَا وَهِيَ الزَّيْتُونُ وَبَرَكَةُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَهُوَ الزَّيْتُ.

стр. 873

بركة الخيل: وهذه البركة لارتباطها بالجهاد في سبيل الله، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: ٦٠). وعن عُرْوَةُ الْبَارِقِيُّ سدد خطاكم أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَالَ: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: الْأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ» (رواه البخاري). وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «الْبَرَكَةُ فِي نَوَاصِي الْخَيْلِ» (رواه البخاري). (اَلْبَرَكَة فِي نَوَاصِي اَلْخَيْلِ) اَلْخَيْل اَلْمُرَادُ بِهَا مَا يُتَّخَذُ لِلْغَزْوِ بِأَنْ يُقَاتَلَ عَلَيْهِ أَوْ يُرْتَبَط لِأَجْلِ ذَلِكَ لِقَوْلِه ِ ﵌: «الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ: لِرَجُلٍ أَجْرٌ وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ. فَأَمَّا الَّذِي لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَطَالَ لَهَا فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ، وَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا مِنْ الْمَرْجِ أَوْ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٍ، وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ أَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ، وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَهَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ حَسَنَاتٍ. وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَسِتْرًا وَتَعَفُّفًا وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَظُهُورِهَا فَهِيَ لَهُ كَذَلِكَ سِتْرٌ. وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَنِوَاءً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ وِزْرٌ» (رواه البخاري). (اَلْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ) وَجْه اَلْحَصْرِ فِي اَلثَّلَاثَةِ أَنَّ اَلَّذِي يَقْتَنِي اَلْخَيْل إِمَّا أَنْ يَقْتَنِيَهَا لِلرُّكُوبِ أَوْ لِلتِّجَارَةِ وَكُلّ مِنْهُمَا إِمَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ فِعْلُ طَاعَة اَللهِ، وَهُوَ اَلْأَوَّلُ وَمَعْصِيَتُهُ وَهُوَ اَلْأَخِيرُ أَوْ يَتَجَرَّدُ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ اَلثَّانِي. (فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ) شَكٌّ مِنْ اَلرَّاوِي، وَالْمَرْج مَوْضِع اَلْكَلَأ، وَأَكْثَر مَا يُطْلَقُ عَلَى اَلْمَوْضِعِ اَلْمُطَمَئِنِّ وَالرَّوْضَةُ أَكْثَر مَا يُطْلَقُ فِي اَلْمَوْضِعِ اَلْمُرْتَفِعِ. (فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا) هُوَ اَلْحَبَل اَلَّذِي تُرْبَطُ بِهِ وَيُطَوَّلُ لَهَا لِتَرْعَى. وَيُقَالُ لَهُ طُوَلٌ بِالْوَاو اَلْمَفْتُوحَةِ أَيْضًا. وَقَوْله: «وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَهَا» فِيهِ أَنَّ اَلْإِنْسَانَ يُؤَجَرُ عَلَى اَلتَّفَاصِيلِ اَلَّتِي تَقَعُ فِي فِعْل اَلطَّاعَة إِذَا قَصَدَ أَصْلهَا وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ تِلْكَ اَلتَّفَاصِيل.

стр. 874

(تَغَنِّيًا) أَيْ اِسْتِغْنَاء عَنْ اَلنَّاسِ. (تَعَفُّفًا) أَيْ عَنْ اَلسُّؤَالِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَطْلُبُ بِنِتَاجِهَا أَوْ بِمَا يَحْصُلُ مِنْ أُجْرَتِهَا مِمَّنْ يَرْكَبُهَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ اَلْغِنَى عَنْ اَلنَّاسِ وَالتَّعَفُّف عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ. (وَلَمْ يَنْسَ حَقّ اَللهِ فِي رِقَابِهَا) قِيلَ اَلْمُرَاد حُسْنُ مِلْكِهَا وَتَعَهُّد شِبَعِهَا وَرِيِّهَا وَالشَّفَقَةُ عَلَيْهَا فِي اَلرُّكُوبِ. (فَخْرًا) أَيْ تَعَاظُمًا. (وَرِيَاءً) أَيَّ إِظْهَارًا لِلطَّاعَة وَالْبَاطِن بِخِلَافٍ ذَلِكَ. (وَنِوَاءً لِأَهْلِ اَلْإِسْلَامِ) نَاوَأَتُ اَلرَّجُلَ نَاهَضْتُهُ بِالْعَدَاوَةِ. وَفِي هَذَا اَلْحَدِيثِ بَيَان أَنَّ اَلْخَيْلَ إِنَّمَا تَكُونُ فِي نَوَاصِيهَا اَلْخَيْر وَالْبَرَكَة إِذَا كَانَ اِتِّخَاذُهَا فِي اَلطَّاعَةِ أَوْ فِي اَلْأُمُورِ اَلْمُبَاحَةِ وَإِلَّا فَهِيَ مَذْمُومَة. بركة النخلة: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﵌ جُلُوسٌ إِذَا أُتِيَ بِجُمَّارِ نَخْلَةٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: «إِنَّ مِنْ الشَّجَرِ لَمَا بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ الْمُسْلِمِ؟». فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَعْنِي النَّخْلَةَ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ الْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا عَاشِرُ عَشَرَةٍ أَنَا أَحْدَثُهُمْ؛ فَسَكَتُّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: «هِيَ النَّخْلَةُ» (رواه البخاري). وَبَرَكَة النَّخْلَة مَوْجُودَة فِي جَمِيع أَجْزَائِهَا، مُسْتَمِرَّة فِي جَمِيع أَحْوَالهَا، فَمِنْ حِين تَطْلُع إِلَى أَنْ تَيْبَس تُؤْكَل أَنْوَاعًا، ثُمَّ بَعْد ذَلِكَ يُنْتَفَع بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا، حَتَّى النَّوَى فِي عَلْف الدَّوَابّ وَاللِّيف فِي الْحِبَال وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْفَى، وَكَذَلِكَ بَرَكَة الْمُسْلِم عَامَّة فِي جَمِيع الْأَحْوَال، وَنَفْعه مُسْتَمِرّ لَهُ وَلِغَيْرِهِ حَتَّى بَعْد مَوْته. الغنم بركة: فقد سُئِلَ النبي ﵌ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، فَقَالَ: «صَلُّوا فِيهَا، فَإِنَّهَا بَرَكَةٌ» (رواه الإمام أحمد في المسند، وأبو داود، وصححه الألباني والأرنؤوط). ومن وجوه البركة في الغنم: ما فيها من اللباس والطعام والشراب وكثرة الأولاد؛ فإنها تلد في العام ثلاث مرات، إلى ما يتبعها من السكينة، وتحمل صاحبها عليه من خفض الجناح، ولين الجانب.

стр. 875

بركة الرزق: وإذا أراد الله بالعبد خيرًا بارك له في رزقه، وكتب له الخير فيما أوْلاه من النعم: البركة في الأموال، والبركة في العيال، والبركة في الشؤون والأحوال، فإذا أراد الله بالعبد خيرًا بارك له في رزقه وقوته، إنها البركة التي يصير بها القليل كثيرًا، ويصير حال العبد إلى فضل ونعمة وزيادة وخير، فالعبرة كل العبرة بالبركة , فكم من قليل كثَّره الله، وكم من صغير كبَّره الله , وإذا أراد الله أن يبارك للعبد في ماله هيأ له الأسباب وفتح في وجهه الأبواب. والمالُ المبارَك ما كثُر خيرُه وتعدّدَت منافعه وبُذِل في طُرقِ البرّ والإحسان ابتغاءَ مرضاته، ومن قنِع بربحٍ حلال قليل وتحرّى الصدقَ في معاملاته ظهرتِ البركة في ماله وفي أولاده. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ سدد خطاكم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «إِنَّ هَذَا الْمَالَ حُلْوَةٌ، مَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ» (رواه البخاري). “ فَنِعْمَ الْمَعُونَة “ فِيهِ حَذْف تَقْدِيره إِنْ عَمِلَ فِيهِ بِالْحَقِّ. وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى عَكْسه، وَهُوَ بِئْسَ الرَّفِيق هُوَ لِمَنْ عَمِلَ فِيهِ بِغَيْرِ الْحَقّ. وَقَوْله: «كَاَلَّذِي يَأْكُل وَلَا يَشْبَع» ذُكِرَ فِي مُقَابَلَة: «فَنِعْمَ الْمَعُونَة هُوَ». وَفِي هَذَا الْحَدِيث تَشْبِيه الْمَال بِالصَّاحِبِ الَّذِي لَا يُؤْمَن أَنْ يَنْقَلِب عَدُوًّا، فَإِنَّ الْمَال مِنْ شَأْنه أَنْ يُحْرَز وَيُشَدّ وَثَاقه حُبًّا لَهُ وَذَلِكَ يَقْتَضِي مَنْعه مِنْ مُسْتَحِقّه فَيَكُون سَبَبًا لِعِقَابِ مُقْتَنِيه. وفيه تَشْبِيه آخِذه بِغَيْرِ حَقّ بِاَلَّذِي يَأْكُل وَلَا يَشْبَع. وَمَثَل الْمَال مَثَل الْحَيَّة الَّتِي فِيهَا تِرْيَاق نَافِع وَسُمّ نَاقِع، فَإِنْ أَصَابَهَا الْعَارِف الَّذِي يَحْتَرِز عَنْ شَرّهَا وَيَعْرِف اِسْتِخْرَاج تِرْيَاقهَا كَانَ نِعْمَة، وَإِنْ أَصَابَهَا الْغَبِيّ فَقَدْ لَقِيَ الْبَلَاء الْمُهْلِك. وَفِي الْحَدِيث أَنَّ الْمُكْتَسِب لِلْمَالِ مِنْ غَيْر حِلّه لَا يُبَارَك لَهُ فِيهِ لِتَشْبِيهِهِ بِاَلَّذِي يَأْكُل وَلَا يَشْبَع.

стр. 876

الرجل المبارك: الرجلُ المبارَك هو الذي يُنْتَفَع به حيثُما حلّ، وإذا قرُب العبد من ربّه بورِك في وقته وعمِل أعمالًا كثيرةً في زمنٍ يسير. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سدد خطاكم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ صَائِمًا؟». قَالَ أَبُو بَكْرٍ: «أَنَا». قَالَ: «فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟». قَالَ أَبُو بَكْرٍ: «أَنَا». قَالَ: «فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟».قَالَ أَبُو بَكْرٍ: «أَنَا». قَالَ: «فَمَنْ عَادَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟». قَالَ أَبُو بَكْرٍ: «أَنَا». فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (رواه مسلم). الصحبة المباركة: وخير الصُّحبةِ صُحبةُ الصالحين، وأزكى المجالس مجالسُ الذّكر، تحضرُها الملائكة، ويُغفَر لجليسها وهذا من بركَتهم على نفوسهم وعلى جليسهم. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سدد خطاكم قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﵌: «إِنَّ لِلهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللهَ تَنَادَوْا هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ، فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ - وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ -: «مَا يَقُولُ عِبَادِي؟». قَالُوا: «يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ». فَيَقُولُ: «هَلْ رَأَوْنِي؟». فَيَقُولُونَ: «لَا وَاللهِ مَا رَأَوْكَ». فَيَقُولُ: «وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟». يَقُولُونَ: «لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا». يَقُولُ: «فَمَا يَسْأَلُونِي». قَالُوا: «يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ». قَالَ: «وَهَلْ رَأَوْهَا؟». قَالُوا: «لَا وَاللهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا». قَالَ: «فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟». قَالُوا: «لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً». قَالَ: «فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟». قَالُوا: «مِنْ النَّارِ». قَالَ: «وَهَلْ رَأَوْهَا؟». قَالُوا: «لَا وَاللهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا». قَالَ: «فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟». قَالُوا: «لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً». فَيَقُولُ: «فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ؛ فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا

стр. 877

وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا». فَيَقُولُونَ: «رَبِّ فِيهِمْ فُلَانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ، إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ». فَيَقُولُ: «وَلَهُ غَفَرْتُ؛ هُمْ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ». (رواه البخاري ومسلم). (فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) أَيْ يَدْنُونَ بِأَجْنِحَتِهِمْ حَوْل الذَّاكِرِينَ. (هُمْ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ) فِي هَذِهِ الْعِبَارَة مُبَالَغَة فِي نَفْي الشَّقَاء عَنْ جَلِيس الذَّاكِرِينَ، فَلَوْ قِيلَ: «لَسَعِدَ بِهِمْ جَلِيسهمْ» لَكَانَ ذَلِكَ فِي غَايَة الْفَضْل، لَكِنَّ التَّصْرِيح بِنَفْيِ الشَّقَاء أَبْلَغ فِي حُصُول الْمَقْصُود. وَفِي الْحَدِيث فَضْل مَجَالِس الذِّكْر وَالذَّاكِرِينَ، وَفَضْل الِاجْتِمَاع عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّ جَلِيسهمْ يَنْدَرِج مَعَهُمْ فِي جَمِيع مَا يَتَفَضَّل الله تَعَالَى بِهِ عَلَيْهِمْ إِكْرَامًا لَهُمْ وَلَوْ لَمْ يُشَارِكهُمْ فِي أَصْل الذِّكْر. وَفِيهِ مَحَبَّة الْمَلَائِكَة بَنِي آدَم وَاعْتِنَاؤُهُمْ بِهِمْ، وَفِيهِ أَنَّ السُّؤَال قَدْ يَصْدُر مِنْ السَّائِل وَهُوَ أَعْلَم بِالْمَسْئُولِ عَنْهُ مِنْ الْمَسْئُول لِإِظْهَارِ الْعِنَايَة بِالْمَسْئُولِ عَنْهُ وَالتَّنْوِيَة بِقَدْرِهِ وَالْإِعْلَان بِشَرَفِ مَنْزِلَته. وَفِيهِ بَيَان كَذِب مَنْ اِدَّعَى مِنْ الزَّنَادِقَة أَنَّهُ يَرَى الله تَعَالَى جَهْرًا فِي دَار الدُّنْيَا، وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم أن رسول الله ﵌ قال: «تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ». تنبيه: ليس في هذا الحديث ولا في غيره أن مجالس الذكر هذه فيها أحد الأشخاص يذكر الله وبقية المجلس يرددون وراءه، وليس فيه أنهم يرددون بصوت جماعي. فهذه الحديث لا يدل على الذكر الجماعي واستحبابه، وإنما يدل على استحباب الاجتماع على ذكر الله، وهناك فرق كبير بين هذا وذاك فالاجتماع على ذكر الله مستحب مندوب إليه بمقتضى الأحاديث الواردة في فضله، ولكن على الوجه المشروع.

стр. 878

والذكر الجماعي: هو ما يفعله بعض الناس من الاجتماع في أدبار الصلوات المكتوبة أو في غيرها من الأوقات والأحوال ليرددوا بصوت جماعي أذكارًا وأدعية وأورادًا وراء شخص معين، أو دون قائد، لكنهم يأتون بهذه الأذكار في صيغة جماعية وبصوت واحد. وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ سدد خطاكم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «لَأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللهَ تَعَالَى مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتِقَ أَرْبَعَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَلَأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللهَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مَنْ أَنْ أَعْتِقَ أَرْبَعَةً». (رواه أبو داود، وحسنه الألباني). قد يفهم البعض من هذا الحديث استحباب الذكر الجماعي، وليس هذا بصحيح، وإنما فيه استحباب الاجتماع على الذكر، بمعنى أن يُعِينَ بعضُنا بعضًا عليه بالتواجد في مكان واحد، ويوضح ذلك أن النبي ﵌ لما طبّق ذلك عمليًا لم يكن يذْكُر الله مع أصحابه ذكرًا جماعيًّا، فعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ سدد خطاكم أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ كَانَ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسَنًا (رواه مسلم). ورواه أبو داود بلفظ: «كَانَ النَّبِيُّ ﵌ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ تَرَبَّعَ فِي مَجْلِسِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسْنَاءَ»، وفي رواية لمسلم عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ سدد خطاكم: «أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللهِ ﵌؟ قَالَ: «نَعَمْ، كَثِيرًا. كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَإِذَا طَلَعَتْ قَامَ. وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ ﵌. فكان ﵌ يذكر الله ولم يكن الصحابة ﵃ يرددون خلفه أومعه ﵌. ويكون فائدة الاجتماع عندئذ أنه أنشط للنفس لكونها مجبولة على التأسي، كما قالت الخنساء: وَلَولا كَثرَةُ الباكينَ حَولي ... عَلى إِخوانِهِم لَقَتَلتُ نَفسي

стр. 879

وقد ذكر ذكر الإمام الشاطبي المالكي أن البدعة مضادة للطريقة الشرعية من عدة أوجه، وذكر منها: «التزام الكيفيات والهيئات المعينة كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد» (الاعتصام (١/ ٤٤).

стр. 880

٥٤ - البركة في المجتمع المسلم البركة في تحية المسلمين: تحيّة المسلمين بينهم عند اللّقاء طلبُ السّلام والرحمة والبركة. قال الله : ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (النور: ٦١) ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾ نكرة في سياق الشرط، يشمل بيت الإنسان وبيت غيره، سواء كان في البيت ساكن أم لا فإذا دخلها الإنسان ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: فليسلم بعضكم على بعض، لأن المسلمين كأنهم شخص واحد، من تواددهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، فالسلام مشروع لدخول سائر البيوت، من غير فرق بين بيت وبيت. ثم مدح هذا السلام فقال: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ أي: سلامكم بقولكم: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) أو (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) (١) إذ تدخلون البيوت. ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: قد شرعها لكم، وجعلها تحيتكم، ﴿مُبَارَكَةً﴾ لاشتمالها على السلامة من النقص، وحصول الرحمة والبركة والنماء والزيادة، ولأن فيها الدعاء واستجلاب مودة المسلم عليه ﴿طَيِّبَةً﴾ لأنها من الكلم الطيب المحبوب عند الله، الذي فيه طيب نفس للمُحَيَّا فإن سامعها يستطيبها، وفيها محبة وجلب مودة.
следующие страницы →