الغنى العالي
والآن يحسن ذكر الغنى العالي الذي سمَت إليه همم أولياء الله.
قال ابن القيم ﵀: فالغني إنما يصير غنياً بحصول ما يسدّ فاقته ويدفع حاجته.
وفي القلب فاقة عظيمة وضرورة تامة وحاجة شديدة لا يسدّها إلا فوْزه بحصول الغني الحميد الذي إن حصل للعبد حصل له كل شيء، وإن فاته فاته كل شيء. إنتهى.
أنظر قوله: (لا يسدّها –يعني فاقته- وضرورته وحاجته إلا فوزه بحصول الغني الحميد) ولأن أفكارنا وهممنا لا تزال هنا فنظن أن فوزنا بالغني الحميد ليعطينا ويغنينا بالأعراض المخلوقة في الدنيا وفي الآخرة، وهذا يريده المؤمن ويطلبه من ربه لئلا نشطح لكن القوم في كلامهم عن الفقر والغِنَى في واد غير وادينا فتعلقهم بذات الإله سبحانه.
ثم قال ﵀: فكما أنه سبحانه الغني على الحقيقة ولا غني سواه، فالغنى به هو الغنى في الحقيقة ولا غنى بغيره البته، فمن لم
стр. 107
يستغن به عما سواه تقطعت نفسه على السّوي حسرات، ومن استغنى به زالت عنه كل حسرة وحضَره كل سرور وفرح.
وحقيقة غنى القلب تعلقه بالله وحده، وحقيقة فقره المذوم تعلقه بغيره. إنتهى.
وكمال المخلوق إنما هو بتحقيقه لهذه المقامات السامية العليّة إذ كماله في تحقيقه عبوديته لله تعالى، وكلما ازداد العبد تحقيقاً للعبودية ازداد كماله وعَلَتْ درجته.
стр. 108
معرفة المعبود الحق بلا جنة ولا نار
قال ابن القيم ﵀: وما يستحقه الرب تعالى لذاته وأنه أهل أن يُعبد أعظم مما يستحقه لإحسانه.
فهو المستحق لنهاية العبادة والخضوع والذل لذاته ولإحسانه وإنعامه.
وفي بعض الآثار: لو لم أخلق جنة ولا ناراً لكنت أهلاً أن أُعْبَد ولهذا يقول أعبد خلقه له يوم القيامة وهم الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك، فمِن كرمه وجوده ورحمته أن رضي من عباده بدون اليسير مما ينبغي أن يُعبد به ويستحقه لذاته وإحسانه، فلا نسبه للواقع منهم إلى ما يستحقه بوجه من الوجوه، فلا يسعهم إلا عفوه وتجاوزه. إنتهى.
إن كون الرب معبوداً لذاته ولو لم يخلق جنة ولا ناراً لاتّصافه بصفات الجلال والكمال والجمال بما لم تُحِطْ به عقول خلقه؛ ومن هنا يظهر جلياً سِرُّ عبادته سبحانه وأنه لا يكون إلا معبوداً لذاته.
стр. 109
ولذلك فلو تجلى الله لخلقه في الدنيا لَذَهِلوا عن كل شيء سواه لما يجدونه في رؤيته سبحانه من لذة يستحيل أن يجدوا مثلها أو ما يقاربها في شيء آخر مهما يكون، ولذلك صارت رؤيته وسماع كلامه في الجنة أعلى نعيمهم وأعظم ما يلتذون به.
غير أن رؤيته في الدنيا مستحيلة لضعف البشر، ولأنها ليست دار جزاء بل امتحان وابتلاء وإيمان بغيب.
ولذلك فإن أصل العبادة المحبة وهي تابعة للشعور بالمحبوب فلما كان الشعور بالمحبوب في الجنة معاينة وسماعاً على الكمال كَمُلَت اللذة، وفي دعاء النبي ﷺ : (واسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك).
стр. 110
أقسام القلوب
ذكر ابن القيم قول المسيح ﵇ للحواريين: إنكم لن تلحوا ملكوت السماء حتى تولدوا مرتين.
وذكر أن أرواح المؤمنين وقلوبهم وُلِدَت بالنبي ﷺ ولادة أخرى غير ولادة الأمهات.
فإنه أخرج أرواجهم وقلوبهم من ظلمات الجهل والضلال والغي إلى نور العلم والإيمان وقضاء المعرفة والتوحيد فشاهدت حقائق أُخر وأموراً لم يكن لها بها شعور قبله قال تعالى: (الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ).
ثم قال: والمقصود أن القلوب في هذه الولادة ثلاثة: قلب لا يولد ولم يأنِ له بل هو جنين في بطن الشهوات والغي والجهل والضلال.
وقلب قد وُلِد وخرج إلى قضاء التوحيد والمعرفة وتخلص من مشيمة الطباع وظلمات النفس والهوى فقرتْ عينه بالله وقرّت عيون به وقلوب، وأنِسَت بقربه الأرواح، وذكّرَتْ رؤيته بالله فاطمأن
стр. 111
بالله وسكن إليه وعكف بهمته عليه، وسافرت هممه وعزائمه إلى الرفيق الأعلى لا يقرّ بشيء غير الله ولا يسكن إلى شيء سواه، ولا يطمئن بغيره.
يجد من كل شيء سوى الله عوضاً ولا يجد من الله عوضاً أبداً.
فذِكره حياة قلبه، ورضاه غاية مطلبه، ومحبته قُوّته، ومعرفته أنيسه، عدوّه من جذب قلبه عن الله وإن كان القريب المصافيا، ووليه من رده إلى الله وجمع قلبه عليه وإن كان البعيد المناويا.
فهذان قلبان متباينان غاية التباين، وقلب ثالث في البرزخ ينتظر الولادة صباحاً ومساءً، قد أصبح على فضاء التجريد، وأنِسَ من خلال الديار أشعّه التوحيد، تأبى غلبات الحب والشوق إلا تقرباً إلى من السعادة كلها بقربه، والحظ كل الحظ في طاعته وحبه، وتأبى غلبات الطباع إلا جَذْبه وإيقافه وتعويقه، فهو بين الداعيين تارة وتارة، قد قطع عقبات وآفات، وبقي عليه مفاوز وفلَوات.
стр. 112
(لم يجعل الله لرجل من قلبين في جوفه)
قال ابن القيم ﵀: والله سبحانه لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه، فبِقَدْر ما يدل القلب من هم وإرادة وحب يخرج منه همّ وإرادة وحب يقابله.
فهو إناء واحد والأشربة متعددة، فأيّ شراب ملأه لم يبق فيه موضع لغيره، وإنما يمتلئ الإناء بأعلى الأشربه إذا صادفه خالياً فأما إذا صادفه ممتلئاً من غيره لم يساكنه حتى يرج ما فيه ثم يسكن موضعه كما قال بعضهم:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلباً خالياً فتمكّنا
ففقر صاحب هذه الدرجة تفريغه إناءه من كل شراب غير شراب المحبة والمعرفة لأن كل شراب فمسكر ولا بد وما أسكر كثيره فقليله حرام.
وأين سكر الهوى والدنيا من سكر الخمر، وكيف يوضع شراب التسنيم الذي هو أعلى أشربة المحبين في إناء ملآن بخمر الدنيا والهوى ولا يفيق من سُكْرِه ولا يستفيق، ولو فارق هذا السُّكْر القلب لطار
стр. 113
بأجنحة الشوق إلى الله والدار الآخرة، ولكن رضي المسكين بالدون وباع حظه من قرب الله ومعرفته وكرامته بأخس الثمن صفقة خاسر مغبون، فسيعلم أي حظ أضاع إذا فاز المحبون وخسر المبطلون.
стр. 114
قِبْلة القلب
قِبْلة كل قلب ما يتعبّده مهما يكن وهو ما يعكف على ذاته أو على صورته وينجذب إليه بكليته، وليس لقلوب المؤمنين وأرواحهم قبلة سوى معبودهم الحق، كما أن بيته قبلة أبدانهم، والرب سبحانه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ومهما خطر ببالك فالرب خلاف ذلك، ومهما تصور العبد ربه بصورة فهي حجاب بينه وبينه لا لأنه سبحانه ليس له صورة وإنما لعدم العلم بها رؤية ومشاهدة، ولا لأن ليس لصورته كيفية وإنما لعدم العلم بكيفيتها، فيبقى المثال العلمي في القلوب على مقتضى الإثبات ونفي المثيل، (وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ) والقلب لم يُفْطَر على صورة لإلهه يتصوّرها ويعكف عليها وإنما تُنقش فيه الصور ليتعلق بها دونه فهو مفطور على المحبة والإرادة والطلب لمعبوده الحق سبحانه، وهذه الفطرة تغذّيها الشّرعة وتفصل لها صفات الإله الحق سبحانه كالحادي المُشَوِّق.
فالفطرة في الأصل فيها المحبة والطلب والإرادة لفاطرها وإنما الصرف يأتي بعد، وهذا معنى قوله ﷺ (كل مولود يولد على
стр. 115
الفطرة الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه والمراد بذكر الأبوين هنا أن الأولاد ينشئون على مقتضى تربية الوالدين غالباً لكن لا يمنع هذا أن يحصل الصرف للأولاد من غير الأبوين، كما أن ذكر التهويد والتنصير ليس لحصر الصرف والإنحراف عن مقتضى الفطرة وخلقتها الأولى لهما فقط بل ويمجسانه ويُرفّضانه ويُجهمانه، وهكذا.
قال ابن القيم ﵀: فإذا تحقق العبد علوّه المطلق على كل شيء بذاته وأنه ليس فوقه شيء ألبتّه وأنه قاهر فوق عباده يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) صار لقلبه أمماً بقصده ورباً يعبده وإلهاً يتوجه إليه إليه بخلاف من لا يدري أين ربه فإنه ضائع مُشتّت القلب ليس لقلبه قبلة يتوجه نحوها ولا معبود يتوجه إليه قصده. إنتهى.
كلام ابن القيم هذا الأخير ينطبق على من يعتقد أن الفضاء لا حدّ له وأنه لا يتناهى فهو لا يدري أين ربه ضائع مشتت القلب ليس لقلبه قبلة يتوجّه نحوها، لأن قلبه إذا طلب ربه في العلو تجلى له اعتقاده الباطل من الفضاء الذي لا ينتهي وملايين المجرات وأنه غير مستقر ولا ثابت والعلو والسفول بتغير مستمر فكيف يكون لقلب هذا قبلة
стр. 116
وأمما؟ وقد شرحت هذا وبينته ولله الحمد في (هداية الحيران في مسألة الدوران).
ثم قال ابن القيم: وصاحب هذه الحال إذا سلك وتألّه وتعبّد طلب قلبه إلهاً يسكن إليه ويتوجه إليه وقد اعتقد أنه ليس فوق العرش شيء إلا العدم وأنه ليس فوق العالم إله يعبد ويصلى له ويُسجد وأنه ليس على العرش من يصعد إليه الكلم الطيب ولا يُرفع إليه العمل الصالح، جال قلبه في الوجود جميعه فوقع في الإتحاد ولا بد وتعلّق قلبه بالوجود المطلق الساري في المعيّنات فاتخذ إلهه من دون الإله الحق وظن أنه وصل إلى عين الحقيقة وإنما تألّه وتعبّد لمخلوق مثله ولِخيال تحته بفكره واتخذه إلهاً من دون الله سبحانه وإليه الرسل وراء ذلك كله: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ). إنتهى.
ثم اعلم أن من اعتقد أن أصل الإنسان من الحيوان واعقتد نظريات الغرب في العالم العلوي كما تقدم والعالم السفلي ينطبق عليه كلام ابن القيم هذا حيث يجول قلبه في الوجود جميعه فيقع في الاتحاد وهو أن الوجود واحد؛ وقد بيّنت ذلك ولله الحمد في كتاب
стр. 117
(وحدة الوجود العصرية) حيث ذكرت ما في نظرية (داروين) من الزيغ والضلال المبين.
ثم إنه لا بد من الاعتقاد السليم من علو وسفول صابت للكون ليعرف العبد ربه أين هو، ونظرية الدوران تنفي هذا مطلقاً فلا سفول ولا علو للكون على استقرار إذ الحركة دائبة؛ والرب سبحانه فوق السموات فوق العرش، ومن أسمائه (العلي) (الأعلى) (الظاهر) والظاهر هو الذي ليس فوقه شيء كما فسره بذلك ﷺ .
قال ابن القيم ﵀: فقد تعرف سبحانه إلى عباده بكلامه معرفة لا يجحدها إلا من أنكره سبحانه وإن زعم أنه مُقِرٌّ به والمقصود أن التعبد باسمه (الظاهر) يجمع القلب على المعبود ويجعل له رباً يقصده وصمداً يصمد إليه في حوائجه وملجأ يلجأ إليه، فإذا استقر ذلك في قلبه وعرف ربه باسمه (الظاهر) استقامت عبوديته وصار له معقل ومَوْثل يلجأ إليه ويهرب إليه ويفرّ كل وقت إليه. إنتهى.
من عرف ما تقدم علم أن النظريات الغربية من دوران الأرض وأن أصل الإنسان من الحيوان مبناها على التعطيل ولا يمكن إثبات وجود الرب على مقتضاها ولا معرفة عرشه واستوائه عليه وعلوه
стр. 118
وفوقيته ولا يكون للقلب مع اعتقاد صحتها وجهة صحيحة ثابتة يقصدها ويتوجه نحوها، وهذا عين التضليل عن الرب الجليل.
وليُعلم أن الأرض محصورة محجورة في جوف السماء الدنيا بحيث لو غادرت موضعها لاصطدمت بجُرْمِ السماء المحيطة بها إحاطة الكرة بما في وسطها، فكيف إذاً يتفق إقرار واعتقاد بسموات وكرسي وعرش وجنة وملائكة مع اعتقاد فضاء لا ينتهي ولا حد له؟!! بل كيف تتفق معرفة الإله ووجوده ومكانه سبحانه وتوجه القلب إليه على هذا الإعتقاد التعطيلي؟!!.
стр. 119
العرش
وحيث أنه بلا ريب قد أضلّت علوم المعطلة قلوب كثير من المقلدة الأتباع عن قبلتها التي فطرت متوجهة إليها وهي العلو الثابت في الكون فيحسن هنا الإشارة لبيان هذا الأمر الخطير بوصف المخلوقات الكبيرة العظيمة كما خلقها رب السموات والأرض وحتى لا تتوه القلوب عن فاطرها، ضائعة في فضاء لا ينتهي.
ليعلم أن الأرض هي مركز العالم وأسفله، وضعها رب العالمين للأنام ليستقروا عليها وفوقها السموات السبع، فالسماء الدنيا محيطة بالأرض من كل جانب، والسموات محيط بعضها ببعض والكرسي فوقها وفوق السموات عرش الرحمن العظيم، فالسموات على عظمها واتساعها صغيرة بالنسبة للعرش حيث هو أكبر المخلوقات على الإطلاق وهو فوقها، والرب سبحانه مستو عليه كما يليق بجلاله.
فعلو الكون ثابت دائماً وهو جهة العرش المجيد كما أن السُّفل ثابت وهو الأرض فلا يُطلب الرب سبحانه إلا من فوق.
стр. 120
وبما أن السموات مبنية ولها جرم وسمك وأبواب فكيف يقال: فضاء لا ينتهي، وفضاء لا حدّ له؟ كيف يهتدي قلب مُضيّع عن ربه لا يقدر على إثبات علوه على خلقه لأنه يعتقد أن الأرض كوكب طائر في فضاء لا ينتهي ولا حدّ له وأن هذا الكوكب صغير جداً ونسبته إلى الكون كنسبة حبّة رمل إليه؟ فيا له من ضلال!.
стр. 121
أقسام الناس في العبادة
حيث أنه قد تبين توجّه القلب في هداه وتبين أيضاً تشتّته وضياعه في ضلاله فيحسن هنا ذكر مثل تظهر منه صور للعبادة واختلاف الناس فيها وأن أعلى المقامات في ذلك هو الإحسان وهو أن تعبد الله كأنك تراه كما في الحديث وأنه لا يكون هذا إلا بإحساس وشعور بالمعبود وكيف يحصل مع عدم إثبات علو ثابت وفوقية ثابتة للمعبود الحق سبحانه ومعرفة عرشه واستقرار هذا العلم بالقلب؟.
قال ابن القيم في مدارج السالكين بعد أن ذكر أن أكثر السالكين سلكوا بجدّهم واجتهادهم غير منتبهين إلى المقصود.
وإذا كان عدم الانتباه إلى المقصود والغاية من العبادة يحصل لأكثر الجادّين المجتهدين فكيف إذاً يكون غيرهم؟.
قال: وأضرب لك في هذا مثالاً حسناً جداً، وهو: أن قوماً قدموا من بلاد بعيدة عليهم أثر النعيم والبهجة، والملابس السَّنِية والهيئة العجيبة، فعجب الناس لهم فسألوهم عن حالهم؟.
стр. 122
فقالوا: بلادنا من أحسن البلاد وأجمعها لسائر أنواع النعيم وأرخاها، وأكثرها مياهاً، وأصحّها هواء، وأكثرها فاكهة وأعظمها اعتدالاً، وأهلها كذلك أحسن الناس صوراً وأبشاراً.
ومع هذا فمَلِكُها لا يناله الوصف جمالاً وكمالاً، وإحساناً وعلماً وحلماً، وجوداً ورحمة للرعية، وقرباً منهم، وله الهيبة والسطوة على سائر ملوك الأطراف، فلا يطمع أحد منهم في مقاومته ومحاربته، فأهل بلده في أمان من عدوهم، لا يحلّ الخوف بساحتهم.
ومع هذا فله أوقات يبرز فيها لرعيته، ويُسهِّل لهم الدخول عليه ويرفع الحجاب بينه وبينهم، فإذا وقعت أبصارهم عليه تلاشى عندهم كل ما هم فيه من النعيم واضمحل، حتى لا يلتفتون إلى شيء منه.
فإذا أقبل على واحد منهم أقبل عليه سائر أهل المملكة بالتعظيم والإجلال.
ونحن رسله إلى أهل البلاد ندعوهم إلى حضرته، وهذه كتبه إلى الناس، ومعنا من الشهود ما يزيل سوء الظن بنا ويدفع اتهامنا بالكذب عليه.
فلما سمع الناس ذلك، وشاهدوا أحوال الرسل انقسموا أقساماً:
стр. 123
فطائفة قالت: لا نفارق أوطاننا، ولا نخرج من ديارنا، ولا نتحشّم مشقة السفر البعيد، ونترك ما ألِفْناه من عيشنا ومنازلنا ومفارقة آبائنا وأبنائنا وإخواننا لأمر وُعِدْنا به في غير هذه البلاد ونحن لا نقدر على تحصيل ما نحن فيه إلا بعد الجهد والمشقة فكيف ننتقل عنه؟
ورأت هذه الفرقة مفارقتها لأوطانها وبلادها كمفارقة أنفسها لأبدانها فإن النفس لشدة إلْفها للبدن أكره ما إليها مفارقته. ثم قال: فهذه الطائفة غلب عليها داعي الحس والطبع على داعي العقل والرشد.
والطائفة الثانية: لما رأت حال الرسل وما هم فيه من البهجة وحسن الحال وعلموا صدقهم: تأهبوا للسير إلى بلاد الملك، فأخذوا في المسير، فعارضهم أهلوهم وأصحابهم وعشائرهم من القاعدين.
وعارضهم إلْفُهم مساكنهم ودورهم وبساتينهم، فجعلوا يُقدّمون رِجلاً ويؤخرون أخرى، فإذا تذكروا طيب بلاد الملك وما فيها من سَلْوة العيش: تقدموا نحوها وإذا عارضهم ما ألِفوه واعتادوه من ظلال بلادهم وعيشها وصحبة أهلهم وأصحابهم:
стр. 124
تأخروا عن المسير والتفتوا إليهم، فهم دائماً بين الداعيين والجاذبين، إلى أن يغلب أحدهما ويقوى على الآخر فيصيرون إليه.
والطائفة الثالثة: ركبت ظهور عزائمها ورأت أن بلاد الملك أولى بها فوطّنت أنفسها على قصدها ولم يثْنِها لوْم اللوام، لكن في سيرها بطء بحسب ضعف ما كُشِفَ لها من أحوال تلك البلاد وحال الملك.
والطائفة الرابعة جدّت في السير وواصلته فسارت سيراً حثيثاً فهم كما قيل:
وركب سروا والليل مُرْخ سدوله ... على كل مُغبر المطالع قائم ...
حدوا عزمات ضاعت الأرض بينها ... فصار سُراهم في ظهور العزائم ...
تريهم نجوم الليل ما يطلبونه ... على عاتق الشعرى وهام النعائم
فهؤلاء هممهم مصروفة إلى السير وقُواهم موقوفة عليه من غير تثنية (١) منهم إلى المقصود الأعظم والغاية العلياء.
الطائفة الخامسة: أخذوا في الجد في المسير وهمّتهم متعلقة بالغاية، فهم في سيرهم ناظرون إلى المقصود بالمسير، فكأنهم
стр. 125
يشاهدونه من بُعْد، وهو يدعوهم إلى نفسه وإلى بلاده، فهم عاملون على هذا الشاهد الذي قام بقلوبهم.
وعمل كل أحد منهم على قدر شاهده، فمن شاهد المقصود بالعمل في علمه كان ناصحاً فيه وإخلاصه وتحسينه، وبذل الجهد فيه أتم ممن لم يشاهده ولم يلاحظه، ولم يجد مسّ التعب والنصب ما يجده الغائب، والوجود شاهد بذلك، فمن عمل عملاً لملك بحضرته وهو يُشاهده ليس كحال من عمل في غيبته وبُعْده عنه وهو غير متيقن وصوله إليه. انتهى.
أنظر قوله عن الطوائف الثلاث وهي: الثانية والثالثة والرابعة أن هممهم مصروفة إلى السير من غير التفات إلى المقصود الأعظم والغاية العلياء.
وقوله عن الطائفة الخامسة أن همتهم متعلقة بالغاية وأنهم في سيرهم ناظرون إلى المقصود بالمسير فكأنهم يشاهدونه من بُعْد كمن يعمل بحضرة الملك.
والمراد أنه لا بد للقلب من توجّه وأمم هو قبلته التي يصمد إليها بخلاف القلب المضيّع المشتت بضلالات نظريات الدوران وأن أصل الإنسان من الحيوان، وبخلاف أيضاً من بذل جهده وجدّ في السير
стр. 126
لكن من غير شعور بالمقصود والغاية، فكأن هذا يتعبد العبادة نفسها أو أن شعوره وإحساسه وإرادته لم تُفْض إلى ما وراء المخلوقات التي يُلْتّذ ويُتنعّم بها في الدنيا والآخرة.
إن علو الإله سبحانه بل ووجوده لا يثبت مع هذه النظريات لأن مبناها على التعطيل.
قال ذو النون المصري لما سُئل: لماذا خلق الله العرش؟ قال: لئلا تتوه قلوب العارفين. إنتهى.
ألا فقد تاهت قلوب مقلّدة المعطلة عن المعبود الحق.
قال ابن القيم ﵀: فمن شهد مشهد علو الله على خلقه وفوقيته لعباده واستوائه على عرشه كما أخبر به أعرف الخلق وأعلمهم به الصادق المصدوق وتعبّد بمقتضى هذه الصفة بحيث يصير لقلبه صمد يعرج القلب إليه مناجياً له مطرقاً واقفاً بين يديه وقوف العبد الذليل بين يدي الملك العزيز فيُشعر بأن كَلِمَهُ وعمله صاعد إليه معروض عليه مع أوفى خاصته وأوليائه فيستحي أن يصعد إليه من كلمه ما يزيه ويفضحه هناك.
ويشهد نزول الأمر والمراسيم الإلهية إلى أقطار العوالم كل وقت بأنواع التدبير والتصرف من الإماتة والإحياء، والتولية والعزل
стр. 127
والخفض والرفع والعطاء والمنع، وكشف البلاء وإرساله، وتقلّب الدول ومداولة الأيام بين الناس إلى غير ذلك من التصرفات في المملكة التي لا يتصرف فيها سواه.
فمراسمه نافذة فيها كما يشاء (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ) فمن أعطى هذا المشهد حقه معرفة وعبودية استغنى به.
стр. 128
محبة الإله
يظن كثير من الناس أن محبة الله مقام من مقامات العبودية لا أنها أصل لها وقد يؤدي الأركان والواجبات لكنه لا يعتني بشأن المحبة ولا يتفقدها في قلبه ولا يبالي بتوجّهها للأغيار سواء كانت أموالاً أو رئاسة أو صوراً، ويظن أنه ما دام يؤدي شعائر الإسلام الظاهرة لم يبق عليه من شيء، وهذا من الجهل بحقيقة العبودية التي أصلها ولبّها المحبة وهي أعظم معاني التألّه.
ولقد كثر الكلام في وقتنا عن أمم الكفر وما يعانونه مما يسمى (بالخواء الروحي) ويعلّلون ذلك بطغيان الماديات حتى سرى هذا الوباء على غيرهم ممن ينتسب إلى الإسلام انتساباً دون تحقيق، وما زلنا نسمع بين حين وآر عما يعانيه كثيرون حتى من أرباب الأموال والرئاسات من الأمراض النفسية والهموم المتواترة والهواجس والتوقعات المخيفة ونحو ذلك مما يكدّر صفاء عيشهم وينغّص حياتهم.
стр. 129
كما أصبح ما يُلهي ويشغل القلب والروح من الضروريات لأكثر الخلق يداوون به همومهم بزعمهم مِنْ نظر إلى ملهي أو سماع لمطرب أو شراب لمسكر إذ لا بد من هذه البدائل لدفع الهم والغم حينما يفقد القلب أنسه وسروره الذي فُطر عليه لكن البدائل مهما تكن فهي تواري الهموم والغموم وعذاب القلب والروح وقت مباشرتها والإنغمار فيها كالمخدر تماماً، فإذا ارتفع مفعولها وزال عاد العذاب أشد منه قبل حتماً لزيادة إعراض القلب وصدوده عما خلق له وزيادة بعده عن ربه وقربه من عدوه الشيطان وتمكّنه منه وهذا محسوس وإنما المصاب به قد لا يعرف سرّه ويظن أنه لا بد من هذا العذاب القلبي ولا دواء له إلا ما تقدم ذكره مما يزيد علّته وعاه فيتداوى المصاب بدائه.
والمراد هنا أن ما يعانيه الكفار وصل إلينا وظهرت أعراضه جليّة بكثرة ولا يحيط بخطر وضرر ذلك إلا الله.
والسبب سلوك مسالكهم واتباع سننهم وهديهم، وأثر هذا بليغ على القلوب، كيف إذا انضاف إلى ذلك إيثار الدنيا على الآخرة وظهور الضلالات والمنكرات وإلْف القلوب لها بل واستئناسها بمباشرتها، وتأبى سنة الله أن يكون للكفار المُرّة ولنا الحلوة إذا سلكنا طريقهم كما صرّح بذلك بعض الصحابة ﵃.
стр. 130
وهل يقال: إن السموم تضر بعض الأجسام دون بعض! كذلك الذنوب والمعاصي والإعراض عن الآخرة والإقبال بالقلب والقالب على الدنيا هي سموم القلوب والأرواح، وليس لذلك كله دواء شاف إلا التوبة النصوح بالرجوع إلى هدي النبي ﷺ وأصحابه الدّال على الإله الذي بقربه نزول كل وحشة، ويذهب كل هم، ويحل النعيم والسرور.
ونرجع الآن إلى الكلام على المحبة وتقرير أنها أصل الدين.
قال ابن القيم ﵀: والمقصود من الخلق والأمر إنما هو هذه المحبة، وهي أول دعوة الرسل، وآخر كلام العبد المؤمن الذي إذا مات عليه دل الجنة اعترافه وإقراره بهذه المحبة وإفراد الرب بها. انتهى.
يريد ﵀ بآخر كلام العبد المؤمن كلمة (لا إله إلا الله) لأن هذه الكلمة العظئمة من قالها صادقاً عالماً بما تعنيه انجذبت روحه إلى ربه بالمحبة والتعظيم والإجلال.
قال شيخ الإسلام ﵀ في معنى كلمة (لا إله إلا الله) التي هي كلمة التوحيد، قال: فإن حقية التوحيد انجذاب الروح إلى الله تعالى جملة فمن شهد أن لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة لأن
стр. 131
الإخلاص هو انجذاب القلب إلى الله تعالى بأن يتوب من الذنوب توبة نصوحاً. إنتهى.
وإذا كان تحقيق هذه الكلمة العظيمة انجذاب الروح والقلب إلى الله تعالى فلا بد إذاً من التخلص من الجواذب المانعة.
ومن عجيب ما يُرى شدّة الإعتناء بالوصفات الطبية للأبدان مع أنها قد لا تنفع وقد تضاعف الألم، وعدم الإعتناء بما وصفه الله ورسوله دواء وشفاء مضموناً لقلوبنا وأرواحنا، مع أنه ليس مرض الجسم كمرض القلب.
ثم قال ابن القيم ﵀: فهو أول ما يدخل به في الإسلام وآخر ما يخرج به من الدنيا إلى الله.
وجميع الأعمال كالأدوات والآلات لها، وجميع المقامات وسائل إليها وأسباب لتحصيلها وتكميلها، وتحصينها من الشوائب والعلل.
فهي قُطْب رحى السعادة وروح الإيمان وساق شجرة الإسلام، ولأجلها أنزل الله الكتاب والحديد، فالكتاب هادٍ إليها ودال عليها ومفصل لها، والحديد لمن خرج عنها وأشرك فيها مع الله غيره ولأجلها خلقت الجنة والنار، فالجنة دار أهلها الذين أخلصوها لله وحده فأخلصهم لها، والنار دار من أشرك فيها مع الله غيره وسوّى
стр. 132
بينه وبين الله فيها كما أخبر تعالى عن أهلها أنهم يقولون في النار لآلهتهم: (تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ، إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) وهذه التسوية لم تكن منهم في الأفعال والصفات بحيث اعتقدوا أنها مساوية لله سبحانه في أفعاله وصفاته، وإنما كانت تسوية منهم بين الله وبينها في المحبة والعبودية مع إقرارهم بالفرق بين الله وبينها.
فتصحيح هذه [يعني المحبة] هو تصحيح شهادة أن لا إله إلا الله.
فحقيق لمن نصح نفسه وأحب سعادتها ونجاتها أن يتيقّظ لهذه المسألة علماً وعملاً وحالاً، وتكون هي أهم الأشياء عنده وأجلّ علومه وأعماله.
فإن الشأن كله فيها والمدار عليها والسؤال يوم القيامة عنها قال تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) قال غير واحد من السلف: هو عن قول لا إله إلا الله.
والمحبة هي الغاية التي شمّر إليها السالكون، وأمّها القاصدون ولحظ إليها العاملون وهذا مشهد العبودية لله والشوق إلى لقائه والابتهاج به والفرح والسرور به، فنقرّ به عينه ويسكن إليه قلبه
стр. 133
وتطمئن إليه جوارحه، ويستولي ذكره على لسان مُحِبّه وقلبه، فتصير خطرات المحبة مكان خطرات المعصية، وإرادات التقرب إليه وإلى مرضاته مكان إرادة معاصيه ومساخطه وحركات اللسان والجوارح بالطاعات مكان حركتها بالمعاصي.
قد امتلأ قلبه من محبته ولهج لسانه بذكره وانقادت الجوارح لطاعته.
قال شيخ الإسلام: وفي التوراة والإنجيل مِنْ ذكر محبة الله ما هم متفقون عليه، حتى أن عندهم أن ذلك أعظم وصايا الناموس.
ففي الإنجيل أن المسيح قال: أعظم وصايا المسيح أن تحب الله بكل قلبك وعقلك ونفسك.
стр. 134
محبة يقارنها إجلال وتعظيم ومهابه
قال ابن القيم: لا ريب أن الحب والأنس المجرد عن التعظيم والإجلال يبسط النفس ويحملها على بعض الدعاوي والرعونات والأماني الباطلة وإساءة الأدب والجناية على حق المحبة.
فإذا قارن المحبة مهابة المحبوب وإجلاله وتعظيمه وشهود عِز جلاله وعظيم سلطانه انكسرت نفسه له وذلّت لعظمته واستكانت لعزته وتصاغرت لجلاله، وصفت من رعونات النفس وحماقاتها ودعاويها الباطلة وأمانيها الكاذبة، ولهذا في الحديث يقول الله : (أين المتحابون بجلالي) فهو حب بجلاله وتعظيمه ومهابته ليس حباً لمجرد جماله فإنه سبحانه الجليل الجميل، والحب الناشئ عن شهود هذين الوصفين هو الحب النافع الموجب لكونهم في ظل عرشه يوم القيامة.
فشهود الجلال وحده يوجب خوفاً وخشية وانكساراً.
وشهود الجمال وحده يوجب حباً بانبساط وإذلال ورعونة.
стр. 135
وشهود الوصفين معاً يوجب حباً مقروناً بتعظيم وإجلال ومهابة وهذا هو غاية كمال العبد والله أعلم. انتهى.
إنما صار غاية كمال العبد لكمال متعلّقه، ولأن ذلك هو الغاية التي ُخُلق لها؛ ولقد تزخرفت الدنيا في زماننا بأنواع المحبوبات وجواذب الروح وصوارفها بما لم يسبق لمثله نظير وهو ابتلاء من الله وإيذاناً بالنهاية وتوْطئة للدجال، بل ومن أجْل أن تستحكم الغفلة ويعْظم الإعراض عما خُلق له الخلق.
стр. 136
طريق المحبة
الرب سبحانه يعلم ما في نفوس عباده من الدعاوي والخيالات والأماني ولذلك أنزل على نبيه ﷺ من العلم ما يُبطل كل دعوى زائفة.
قال تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ) قال الحسن ﵀: قال قوم على عهد النبي ﷺ : إنا نحب ربنا فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال الجنيد إدّعى قوم محبة الله فأنزل الله آية المحبة: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ).
وقال مالك: من أحب طاعة الله أحبه الله وحبّبه إلى خلقه.
قال ابن القيم في الآية: يعني أن متابعة الرسول هي موافقة حبيبكم فإنه المبلغ عنه ما يحبه وما يكرهه.
وقال: وإنما كانت موافقة المحبوب دليلاً على محبته لأن من أحب حبيباً فلا بدأن يحب ما يحبه ويبغض ما يبغضه وإلا لم يكن محباً له محبة صادقة. إنتهى.
стр. 137
ولا بد من العلم هنا بأن محبته سبحانه ومحبة ما يحبه لا تحصل إلا ببغض ما يبغضه، ولما كان بغض ما يبغضه من الأعمال والأشخاص في زماننا يخالف الهوى ثَقُل على النفوس وثقل من يعمل ولو بقليل منه لأن الصدق متخلف والفتن مشتركة أيضاً، ومهما كانت الحال فملّة إبراهيم ليست تنظر بعين واحدة ولا تمشي بساق واحدة أيضاً؛ فالحب والبغض إذاً متلازمان، وهما أوثق عُرى الإيمان.
ومما يزيد المحبة وينميها تهذيب القصد وتصفيته وتجريده بأن يكون قصده وعبوديته –كما قال ابن القيم- محبة لله بلا عِلّة؛ وأن لايحب الله لما يعطيه ويحميه منه فتكون محبته لله محبة الوسائل، ومحبته بالقصد الأول لما يناله من الثواب المخلوق فهو المحبوب له بالذات بحيث إذا حصل له محبوبه [يعني الثواب المخلوق] تسلّى به عن محبة من أعطاه إياه، فإن من أحبك لأمر والاك عند حصوله ومَلْكَ عند انقضائه.
والمحب الصادق يخاف أن تكون محبته لغرض من الأغراض فتنقضي محبته عند انقضاء ذلك الغرض، وإنما مراده أن محبته تدوم لا تنقضي أبداً، وأن لا يجعل محبوبه وسيلة له إلى غيره، بل يجعل ما سواه وسيلة له إلى محبوبه.
стр. 138
وهذا القَدْر هو الذي حام عليه القوم وداروا حوله وتكلموا فيه وشمروا إليه. انتهى.
قال الحسن ﵀: لو علم العابدون أنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابت أنفسهم في الدنيا.
قال ابن القيم ﵀: ولو شهد بقلبه صفة واحدة من أوصاف كماله لاستدعت منه المحبة التامة عليها.
وهل مع المحبين محبة إلا من آثار صفات كماله؟ فإنهم لم يروه في هذه الدار وإنما وصل إليهم العلم بآثار صفاته وآثار صنعه فاستدلوا بما علموه على ما غاب عنهم.
فلو شاهدوه ورأوا جلاله وجماله وكماله لكان لهم في حبه شأن آخر، وإنما تفاوت منازلهم ومراتبهم في محبته على حسب تفاوت مراتبهم في معرفته والعلم به، فأعرفهم بالله أشدهم حباً له، ولهذا كانت رسله أعظم الناس حباً له، والخليلان من أعظمهم حباً، وأعرف الأمة أشدهم له حباً.
ثم قال: وهل هُيِّئ الإنسان إلا لها؟ كما قيل:
قد هيؤوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
стр. 139
وهل في الوجود محبة حق غير باطلة إلا محبته سبحانه؟ فإن كل محبة متعلقة بغيره فباطله زائلة ببطلان متعلّقها.
وأما محبته سبحانه فهي الحق الذي لا يزول ولا يبطل كما لا يزول متعلقها ولا يفنى، وكل ما سوى الله باطل ومحبة الباطل باطل.
فسبحان الله كيف تُنْكَر المحبة الحق التي لا محبة أحق منها ويُعترف بوجود المحبة الباطلة المتلاشية؟.
وهل تعلقت المحبة بوجود مُحْدَث إلا لكمال في وجوده بالنسبة إلى غيره؟ وهل ذلك الكمال إلا من آثار صنع الله الذي أتقن كل شيء؟
وهل الكمال كله إلا له؟ فكل من أحب شيئاً لكمال يدعوه إلى محبته فهو دليل وعبرة على محبة الله، وأنه أولى بكمال الحب من كل شيء، ولكن إذا كانت النفوس صغاراً كانت محبوباتها على قدْرها، وأما النفوس الكبار الشريفة فإنها تبذل حبها لأجلّ الأشياء وأشرفها. إنتهى.
يريد ﵀ أن من أحب شيئاً من هذا العالم السفلي وصوره المخلوقة فإنما أحبه وانجذب قلبه إليه لما رآه فيه من جمال وكمال وما حصل ذلك منه إلا لجهله بالمحبوب الحق أو غلبة هواه مع علمه
стр. 140
بذلك، وهذا فعل النفوس الصغار تصيدها صُوَر المخلوقات فتوثقها وتقطها عما فُطرت عليه من السمو إلى مطلوبها الذي هو في العلو.
قال ابن القيم: ولما كانت المحبة التامة مَيْل القلب بكليته إلى المحبوب كان ذلك الميل حاملاً على طاعته وتعظيمه، وكلما كان الميل أقوى كانت الطاعة أتم والتعظيم أوفر.
وهذا الميل يُلازم الإيمان بل هو روح الإيمان ولبّه، فأي شيء يكون أعلى من أمر يتضمن أن يكون الله سبحانه أحب الأشياء إلى العبد وأولى الأشياء بالتعظيم وأحق الأشياء بالطاعة؟
وبهذا يجد العبد حلاوة الإيمان كما في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار).
فعلّق وجود حلاوته بما هو موقوف عليه ولا يتم إلا به وهو كونه أحب الأشياء إلى العبد هو ورسوله ﷺ . انتهى.
стр. 141
تصحيح الغلط في مسمى الجنة
بعد ذكر شيء عن المحبة يحسن هنا معرفة المراد باسم الجنة وهل هي فقط المواد المخلوقة مما يتلذذ به أم أنها أعم وأشمل من هذا؟
قال ابن القيم: والتحقيق أن الجنة ليست اسماً لمجرد الأشجار والفواكه والطعام والشراب والحور العين والأنهار والقصور وأكثر الناس يغلطون في مسمى الجنة، فإن الجنة اسم لدار النعيم المطلق الكامل.
ومن أعظم نعيم الجنة التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم وسماع كلامه وقرّة العين بالقرب منه ورضوانه.
فلا نسبه لِلذّة ما فيها من المأكول والمشروب والملبوس والصور إلى هذه اللذة أبداً.
فأيسر يسير من رضوانه أكبر من الجنان وما فيها من ذلك كما قال تعالى: (وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ) وأتى به منكراً في سياق الإثبات.
стр. 142
أيْ أيّ شيء كان من رضاه عن عبده فهو أكبر من الجنة .. إنتهى.
ويقال:
قليل منك يُقْنعني ولكن ... قليلك لا يُقال له قليل
فهل من سالك إلى الله تعالى بشوق إليه واستعداد إلى لقائه!!.
فاللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك.
стр. 143
سِرُّ (لا إله إلا الله) وحقيقتها
وقال ابن القيم في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ).
فالمؤمنون أشد حباً لربهم ومعبودهم من كل محب لكل محبوب؛ هذا مقتضى عقد الإيمان الذي لا يتم إلا به وليست هذه المسألة من المسائل التي للعبد عنها غنى أو منها بُدٌّ كدقائق العلم والمسائل التي يختص بها بعض الناس دون بعض، بل هذه أفرض مسألة على العبد، وهي أصل عقد الإيمان الذي لا يدخل فيه الداخل إلا بها ولا فلاح للعبد ولا نجاة له من عذاب الله إلا بها.
فليشتغل بها العبد أو ليُعْرِض عنها، ومن لم يتحقق بها علماً وحالاً وعملاً لم يتحقق بشهادة أن لا إله إلا الله، فإنها سِرّها وحقيقتها ومعناها، وإن أبى ذلك الجاحدون وقصر عن علمه الجاهلون.
فإن الإله هو المحبوب المعبود الذي تألهه القلوب بحبها، وتخضع له، وتذل له، وتخافه وترجوه وتنيب إليه في شدائدها وتدعوه في
стр. 144
مهماتها وتتوكل عليه في مصالحها وتلجأ إليه وتطمئن بذكره وتسكن إلى حبه، وليس ذلك إلا الله وحده.
ولهذا كانت أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه والمنكرون لها أعداؤه وأهل غضبه ونقمته.
فهذه المسألة قطب رحى الدين الذي عليه مداره، وإذا صحّت صحّ بها كل مسألة وحال وذوق.
وإذا لم يُصحّحها العبد فالفساد لازم له في علومه وأعماله وأحواله وأقواله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. إنتهى.
الكلام في المحبة أذكره لبيان التوحيد، ولأن الموانع عنها والقواطع لا تحصى في زماننا هذا، ولا يلزم من الوصف الإنصاف، ولا من العلم الحال وإنما أسأل الله أن يمنّ بذلك، والأجدر بنا الخوف.
وقال ابن القيم: فأصل العبادة محبة الله بل إفراده بالمحبة وأن يكون الحب كله لله فلا يُحب معه سواه، وإنما يُحب لأجله وفيه كما تحب أنبياءه ورسله وملائكته، وأولياءه، فمحبتنا لهم من تمام محبته، وليست محبة معه، كمحبة من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله.
стр. 145
ثم ذكر أن متابعة الرسول ﷺ هي حب الله ورسوله.
وقال ﵀: إعلم أن أشعّة (لا إله إلا الله) تبدّد من ضباب الذنوب وغيومها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه، فلها نور، وتفاوت أهلها في ذلك النور قوة وضعفاً لا يحصيه إلا الله تعالى.
فمن الناس: مَنْ نورُ هذه الكلمة في قلبه (كالشمس) ومنهم من نورُها في قلبه (كالكوكب الدري).
ومنهم من نورها في قلبه (كالمشعل العظيم).
وآخر (كالسراج المضيء).
وآخر (كالسراج الضعيف).
ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بأيمانهم وبين أيديهم على هذا المقدار، بحسب ما في قلوبهم من نور هذه الكلمة علماً وعملاً ومعرفة وحالاً.
وكلما عَظُمَ نور هذه الكلمة واشتد أحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته وشدته، حتى إنه ربما وصل إلى حال لا يصادف معها شبهة ولا شهوة ولا ذنباً إلا أحرقه.
وهذا حال الصادق في توحيده الذي لم يشرك بالله شيئاً؛ فأي ذنب أو شهوة أو شبهة دنَتْ من هذا النور أحرقها، فسماء إيمانه قد