تصحيح الغلط في مسمى الجنة
بعد ذكر شيء عن المحبة يحسن هنا معرفة المراد باسم الجنة وهل هي فقط المواد المخلوقة مما يتلذذ به أم أنها أعم وأشمل من هذا؟
قال ابن القيم: والتحقيق أن الجنة ليست اسماً لمجرد الأشجار والفواكه والطعام والشراب والحور العين والأنهار والقصور وأكثر الناس يغلطون في مسمى الجنة، فإن الجنة اسم لدار النعيم المطلق الكامل.
ومن أعظم نعيم الجنة التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم وسماع كلامه وقرّة العين بالقرب منه ورضوانه.
فلا نسبه لِلذّة ما فيها من المأكول والمشروب والملبوس والصور إلى هذه اللذة أبداً.
فأيسر يسير من رضوانه أكبر من الجنان وما فيها من ذلك كما قال تعالى: (وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ) وأتى به منكراً في سياق الإثبات.
стр. 142
أيْ أيّ شيء كان من رضاه عن عبده فهو أكبر من الجنة .. إنتهى.
ويقال:
قليل منك يُقْنعني ولكن ... قليلك لا يُقال له قليل
فهل من سالك إلى الله تعالى بشوق إليه واستعداد إلى لقائه!!.
فاللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك.
стр. 143
سِرُّ (لا إله إلا الله) وحقيقتها
وقال ابن القيم في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ).
فالمؤمنون أشد حباً لربهم ومعبودهم من كل محب لكل محبوب؛ هذا مقتضى عقد الإيمان الذي لا يتم إلا به وليست هذه المسألة من المسائل التي للعبد عنها غنى أو منها بُدٌّ كدقائق العلم والمسائل التي يختص بها بعض الناس دون بعض، بل هذه أفرض مسألة على العبد، وهي أصل عقد الإيمان الذي لا يدخل فيه الداخل إلا بها ولا فلاح للعبد ولا نجاة له من عذاب الله إلا بها.
فليشتغل بها العبد أو ليُعْرِض عنها، ومن لم يتحقق بها علماً وحالاً وعملاً لم يتحقق بشهادة أن لا إله إلا الله، فإنها سِرّها وحقيقتها ومعناها، وإن أبى ذلك الجاحدون وقصر عن علمه الجاهلون.
فإن الإله هو المحبوب المعبود الذي تألهه القلوب بحبها، وتخضع له، وتذل له، وتخافه وترجوه وتنيب إليه في شدائدها وتدعوه في
стр. 144
مهماتها وتتوكل عليه في مصالحها وتلجأ إليه وتطمئن بذكره وتسكن إلى حبه، وليس ذلك إلا الله وحده.
ولهذا كانت أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه والمنكرون لها أعداؤه وأهل غضبه ونقمته.
فهذه المسألة قطب رحى الدين الذي عليه مداره، وإذا صحّت صحّ بها كل مسألة وحال وذوق.
وإذا لم يُصحّحها العبد فالفساد لازم له في علومه وأعماله وأحواله وأقواله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. إنتهى.
الكلام في المحبة أذكره لبيان التوحيد، ولأن الموانع عنها والقواطع لا تحصى في زماننا هذا، ولا يلزم من الوصف الإنصاف، ولا من العلم الحال وإنما أسأل الله أن يمنّ بذلك، والأجدر بنا الخوف.
وقال ابن القيم: فأصل العبادة محبة الله بل إفراده بالمحبة وأن يكون الحب كله لله فلا يُحب معه سواه، وإنما يُحب لأجله وفيه كما تحب أنبياءه ورسله وملائكته، وأولياءه، فمحبتنا لهم من تمام محبته، وليست محبة معه، كمحبة من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله.
стр. 145
ثم ذكر أن متابعة الرسول ﷺ هي حب الله ورسوله.
وقال ﵀: إعلم أن أشعّة (لا إله إلا الله) تبدّد من ضباب الذنوب وغيومها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه، فلها نور، وتفاوت أهلها في ذلك النور قوة وضعفاً لا يحصيه إلا الله تعالى.
فمن الناس: مَنْ نورُ هذه الكلمة في قلبه (كالشمس) ومنهم من نورُها في قلبه (كالكوكب الدري).
ومنهم من نورها في قلبه (كالمشعل العظيم).
وآخر (كالسراج المضيء).
وآخر (كالسراج الضعيف).
ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بأيمانهم وبين أيديهم على هذا المقدار، بحسب ما في قلوبهم من نور هذه الكلمة علماً وعملاً ومعرفة وحالاً.
وكلما عَظُمَ نور هذه الكلمة واشتد أحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته وشدته، حتى إنه ربما وصل إلى حال لا يصادف معها شبهة ولا شهوة ولا ذنباً إلا أحرقه.
وهذا حال الصادق في توحيده الذي لم يشرك بالله شيئاً؛ فأي ذنب أو شهوة أو شبهة دنَتْ من هذا النور أحرقها، فسماء إيمانه قد
стр. 146
حُرست بالنجوم من كل سارق لحسناته، فلا ينال منها السارق إلا على غِرّة وغفلة لا بد منها للبشر، فإذا استيقظ وعلم ما سُرق منه استنقذه من سارقه أو حصّل أضعافه بكسبه، فهو هكذا أبداً مع لصوص الجن والإنس ليس كمن فتح خزنته وولّى الباب ظهره.
ولا بد في قول (لا إله إلا الله) من قول القلب وقول اللسان وقول القلب يتضمن من معرفتها والتصديق بها، ومعرفة حقيقة ما تضمنته من النفي والإثبات، ومعرفة حقيقة الإلهية المنفيّة عن غير الله المختصة به التي يستحيل ثبوتها لغيره، وقيام هذا المعنى بالقلب علماً ومعرفة ويقيناً وحالاً ما يوجب تحريم قائلها على النار، فقد ورد في الحديث الصحيح (إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) وحديث (لا يدخل النار من قال: لا إله إلا الله) ونحو ذلك من الأحاديث التي لم يجعل الشارع صلوات الله وسلامه عليه ذلك حاصلاً بمجرد قول اللسان فقط فإن المنافقين يقولونها بألسنتهم وهم تحت الجاحدين لها في الدرك الأسفل من النار، فكل قول رتّب الشارع ما رتّب عليه من الثواب فإنما هو القول التام كقوله ﷺ : (من قال في يوم: سبحان الله وبحمده مائة مرة حُطّت عنه خطاياه أو غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زَبَدِ البحر).
стр. 147
وليس هذا مرتباً على مجرد قول اللسان، فإن الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب، فتكون صورة العملين واحدة وبينهما في التفاضل كما بين السماء والأرض، والرجلان يكون مقامهما في الصف واحداً وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض.
وتأمل حديث البطاقة التي توضع في كفّة ويقابلها تسعة وتسعون سجلاً كل سجل منها مدّ البصر فتثقل البطاقة وتطيش السجلات فلا يُعذب.
وإذا أردت زيادة الإيضاح لهذا المعنى فانظر إلى ذِكر مَن قلبه ملآن بمحبتك وذكر من هو معرض عنك ساه مشغول بغيرك قد انجذبت دواعي قلبه إلى محبة غيرك وإيثاره عليك، هل يكون ذكرهما واحداً؟
أم هل يكون ولداك اللذان هما بهذه المثابة أو عَبْداك أو زوجتاك عندك سواء؟.
فهكذا الأعمال والعُمال عند الله والغافل في غفلة عن هذا إنتهى.
стр. 148
فينبغي تأمُّل هذا والتفطن له؛ ففي وقتنا كثُر إيراد أحاديث الفضائل، كـ (من قال كذا فله كذا) (ومن عمل كذا فله كذا) وقلّ من تنفذ بصيرته إلى الحقائق؛ فأعِدِ النظر في قوله ﵀: (فكل قول رتّب الشارع ما رتّب عليه من الثواب فإنما هو القول التام).
ثم أعِد النظر في شرحه وبيانه للقول التام وخلافه.
وهذا لا يعني عدم العمل بهذه الفضائل، بل من البديهي المعلوم أن من يقولها باللسان دون مُواطأة القلب أفضل ممن لا يقولها، ولكن المقصود هنا التنبيه بالجملة على أن ما رُتب عليها من الثواب فإنما هو القول التام كما هو موضَّحٌ شأنه.
стр. 149
معرفة النفس
ذكر ابن القيم ﵀ اتفاق السالكين إلى الله على أن النفس قاطعة بين القلب وبين الوصول إلى الرب وأنه لا يُدْخَل عليه سبحانه ولا يوصل إليه إلا بعد إماتتها وتركها بمخالفتها والظّفر بها.
وذكر أن الناس على قسمين:
- قسم ظفرت به نفسه فملكته وأهلكته وصار طوعاً لها تحت أوامرها.
- وقسم ظفروا بنفوسهم فقهروها فصارت طوعاً لهم منقادة لأوامرهم.
قال بعض العارفين: إنتهى سفر الطالبين إلى الظفر بأنفسهم، فمن ظفر بنفسه أفلح وأنجح، ومن ظفرت به نفسه خسر وهلك قال تعالى: (فَأَمَّا مَن طَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى، وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى).
стр. 150
قال: فالنفس تدعو إلى الطغيان وإيثار الحياة الدنيا، والرب يدعو عبده إلى خوفه ونَهْي النفس عن الهوى، والقلب بين الداعيين يميل إلى هذا تارة وإلى هذا تارة، وهذا موضع المحنة والابتلاء.
وقد وصف سبحانه النفس في القرآن بثلاث صفات: (المطمئنة) و (الأمارة بالسوء) و (اللوامة).
ثم ذكر أن هذه صفات للنفس وإلا فهي واحدة، وأن النفس قد تكون تارة أمارة وتارة لوامة وتارة مطمئنة بل في اليوم الواحد والساعة الواحدة يحصل منها هذا وهذا، والحكم للغالب عليها من أحوالها.
فكونها مطمئنة وصف مدح لها، وكونها أمارة بالسوء وصف ذم لها، وكونها لوامة ينقسم إلى المدح والذم بحسب ما تلوم عليه. انتهى.
يريد ﵀ أنها قد تلوم على فوات الطاعة وهي نفس المؤمن، وقد تلوم على فوات حظها من المعصية والفجور وهي نفس الفاجر.
стр. 151
النفس المطمئنة
ذكر ابن القيم ﵀: أن النفس إذا سكنت إلى الله واطمأنت بذكره وأنابت إليه واشتاقت إلى لقائه وأنِسَتْ بقربه فهي مطمئنة، وهي التي يقال لها عند الوفاة: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً).
وهي في كلام السلف: المصدِّقة، المطمئنة إلى ما وعد الله المنيبة المخبتة الموقنة بلقاء الله.
قال ﵀: وحقيقة الطمأنينة: السكون والإستقرار، فهي التي قد سكنت إلى ربها وطاعته وأمره وذكره، ولم تسكن إلى سواه فقد اطمأنت إلى محبته وعبوديته وذكره، واطمأنت إلى أمره ونهيه وخبره واطمأنت إلى لقائه ووعده، واطمأنت إلى التصديق بحقائق أسمائه وصفاته، واطمأنت إلى الرضى به ربا وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولا.
واطمأنت إلى قضائه وقدره، واطمأنت إلى كفايته وحسْبه وضمانه، فاطمأنت بأنه وحده ربها وإلهها ومعبودها ومليكها ومالك
стр. 152
أمرها كله وأن مرجعها إليه، وأنها لا غنى لها عنه طرفة عين، وإذا كانت بضد ذلك فهي الأمارة بالسوء.
وذكر ابن القيم سراً لطيفاً حيث قال عنه: يجب التنبيه عليه والتنبه له والتوفيق له بيد من أزمّة التوفيق بيده.
-يريد ﵀ أن يبين سر طمأنينة القلب ببيان وظيفته وعمله الذي خلق له وأنه بوجوده وقيامه به تحصل له الطمأنينة وبفقده تستحيل مهما كان البديل والعِوَض-.
قال: وهو أن الله سبحانه جعل لكل عضو من أعضاء الإنسان كمالاً إن لم يحصل له فهو في قلق واضطراب وانزعاج بسبب فقد كماله الذي جُعِل له.
مثاله: كمال العين بالإبصار، وكمال الأذن بالسمع، وكمال اللسان بالنطق.
فإذا عدمت هذه الأعضاء القُوى التي بها كمالها حصل الألم والنقص بحسب فوات ذلك.
وجُعِل كمال القلب ونعيمه وسروره ولذته وابتهاجه في معرفته سبحانه، وإرادته، ومحبته، والإنابة إليه، والإقبال عليه، والشوق إليه، والأنس به.
стр. 153
فإذا عدم القلب ذلك كان أشد عذاباً واضطراباً من العين التي فقدت النور الباصر، ومن اللسان الذي فقد قوّة الكلام والذوق.
ولا سبيل له إلى الطمأنينة بوجه من الوجوه ولو نال من الدنيا وأسبابها ومن العلوم ما نال إلا بأن يكون الله وحده هو محبوبه وإلهه ومعبوده، وغاية مطلوبه وأن يكون هو وحده مستعان على تحصيل ذلك.
فحقيقة الأمر أنه لا طمأنينة له بدون التحقيق بإياك نعبد وإياك نستعين، وأقوال المفسرين في الطمأنينة ترجع إلى ذلك.
стр. 154
النفس الأمارة بالسوء
قال ابن القيم –﵀ عن النفس الأمارة بالسوء:
تأمر صاحبها بما تهواه من شهوات الغي واتباع الباطل، فهي مأوى كل سوء، وإن أطاعها قادته إلى كل قبيح وكل مكروه.
وقد أبر سبحانه أنها أمارة بالسوء ولم يقل: (آمرة) لكثرة ذلك منها، وأنه عادتها ودأبها إلا إذا رحمها الله وجعلها زاكية تأمر صاحبها بالخير فذلك من رحمة الله لا منها، فإنها بذاتها أمارة بالسوء لأنها خُلقت في الأصل جاهلة ظالمة. انتهى.
إذا كانت صفات النفس الأصلية أنها جاهلة وذلك يعني عدم العلم، وظالمة وذلك يعني عدم العدل؛ فما كان فيها من علم يخرجها من جهلها وعدل يخرجها من ظلمها فمِنْ فاطرها، وفهْم هذا يقطع عروق الإعجاب بالنفس فما لها من ذاتها خير تُعْجب به وتدّعيه، قال تعالى: (إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً).
ثم قال: والعدل والعلم طارئ عليها بإلهام ربها وفاطرها لها ذلك، فإذا لم يلهمها رشدها بقيت على ظلمها وجهلها.
стр. 155
فلم تكن أمارة إلا بموجب الجهل والظلم، فلولا فضل الله ورحمته على المؤمنين ما زكت منهم نفس واحدة.
إن من نظر إلى محل الجناية ومصدرها وهو النفس الأمارة بالسوء أفاده نظره إليها أموراً منها:
أن يعرف أنها جاهلة ظالمة وأن الجهل والظلم يصدر عنهما كل قول وعمل قبيح.
ومَن وَصْفُه الجهل والظلم لا مطمع في استقامته واعتداله البتة فيوجب له ذلك بذل الجهد في العلم النافع الذي يخرجها به عن وصف الجهل والعمل الصالح الذي يخرجها به عن وصف الظلم ومع هذا فجهلها أكثر من علمها وظلمها أعظم من عدلها.
فحقيق بمن هذا شأنه أن يرغب إلى خالقها وفاطرها أن يقيه شرها وأن يؤتيها تقواها ويزكيها فهو خير من زكاها فإنه ربها ومولاها وأن لا يَكِلَه إليها طرفة عين فإنه إن وَكَلَهُ إليها هلك، فما هلك من هلك إلا حيث وُكِلَ إلى نفسه.
قال تعالى: (إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ)، وقال النبي ﷺ لحصين بن المنذر: (قل اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي).
стр. 156
فمن عرف حقيقة نفسه وما طُبعت عليه علم أنها منبع كل شر ومأوى كل سوء، وأن كل خير فيها ففضل من الله مَنَّ به عليها لم يكن منها كما قال تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً) وقال تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ).
فهذا الحب وهذه الكراهة لم يكونا بالنفس ولا بها ولكن هو الله الذي منّ بهما فجعل العبد بسببهما من الراشدين (فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (عليم) بمن يصلح لهذا الفضل ويزكو عليها وبه يثمر عنده، (حكيم) فلا يضعه عند غير أهله فيضيعه بوضعه في غير موضعه.
والنفس الأمارة جُعل الشيطان قرينها وصاحبها الذي يليها فهو يَعِدُها ويُمنيها ويقذف فيها الباطل ويأمرها بالسوء ويزيّنه لها ويطيل في الأمل، ويريها الباطل في صورة تقبلها وتستحسنها ويُمدّها بأنواع الإمداد الباطل من الأماني الكاذبة والشهوات المهلكة.
ويستعين عليها بهواها وإرادتها، فمنه يُدْخل عليها كل مكروه فما استعان على النفوس بشيء هو أبلغ من هواها وإرادتها، وقد
стр. 157
علّم ذلك إخوانه من شياطين الإنس، فإذا فتحت لهم النفس باب الهوى دخلوا منه فجاسوا خلال الديار فعاثوا وأفسدوا وفتكوا وسبَوْا وفعلوا ما يفعله العدو ببلاد عدوه إذا تحكم فيها.
ثم قال: وبهذا يُعلم أن ضرورة العبد إلى ربه فوق كل ضرورة ولا تشبهها ضرورة تقاس بها، فإنه إن أمسك عنه رحمته وتوفيقه وهدايته طرفة عين خسر وهلك.
стр. 158
النفس اللوامة
قال الحسن: إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه على كل حالاته، يستقصرها في كل ما يفعل فيندم ويلوم نفسه، وإن الفاجر ليمضي قُدْماً لا يُعاتب نفسه. انتهى.
فهذا المؤمن؛ أما الفاجر فيلوم نفسه على فوات الشر الذي تهواه وهذا معنى كلام ابن القيم المتقدم: (وكوْنها لوامة ينقسم إلى المدح والذم بحسب ما تلوم عليه).
وجملة القول في النفس أنه قد أجمع العارفون بالله على أن الخذلان أن يَكِلَك الله إلى نفسك ويخلي بينك وبينها، والتوفيق أن لا يكلك الله إلى نفسك.
стр. 159
علامات مرض القلب
ذكر ابن القيم –﵀ أن كل عضو من أعضاء البدن خُلق لفعل خاص به، كما له في حصول ذلك الفعل منه.
ومرضه أن يتعذر عليه الفعل الذي خلق له حتى لا يصدر منه أو يصدر مع نوع من الاضطراب.
فمرض اليد: أن يتعذر عليها البطش، ومرض العين: أن يتعذر عليها النظر والرؤية، ومرض اللسان أن يتعذر عليه النطق، ومرض البدن: أن تتعذر عليه حركته الطبيعية أو يضعف عنها.
ومرض (القلب) أن يتعذر عليه ما خلق له من معرفة الله ومحبته والشوق إلى لقائه والإنابة إليه وإيثار ذلك على كل شهوة.
فلو عرف العبد كل شيء ولم يعرف ربه فكأنه لم يعرف شيئاً ولو نال كل حظ من حظوظ الدنيا ولذاتها وشهواتها ولم يظفر بمحبة الله والشوق إليه والأنس به فكأنه لم يظفر بلذة ولا نعيم ولا قرة عين.
بل إذا كان القلب خالياً من ذلك عادت تلك الحظوظ واللذات عذاباً له ولا بد، فيصير مُعذّباً بنفس ما كان منعماً به من جهتين:
стр. 160
من جهة حسرة فوْته وأنه حيل بينه وبينه مع شدة تعلق روحه به ومن جهة فوْت ما هو خير له وأنفع وأدْوَم حيث لم يحصل له.
فالمحبوب الحاصل فات والمحبوب الأعظم لم يظفر به، وكل من عرف الله أحبه وأخلص العبادة له ولا بد ولم يؤثر عليه شيئاً من المحبوبات، فمن آثر عليه شيئاً من المحبوبات فقلبه مريض كما أن المعدة إذا اعتادت أكل الخبيث وآثرته على الطيب سقطت عنها شهوة الطيب وتعوّضت بمحبة غيره.
وقد يمرض القلب ويشتد مرضه ولا يعرف به صاحبه لاشتغاله وانصرافه عن معرفة صحته وأسبابها، بل قد يموت وصاحبه لا يشعر بموته.
وعلامة ذلك أنه لا تؤلمه جراحات القبائح، ولا يُوجعه جهله بالحق وعقائده الباطلة، فإن القلب إذا كان فيه حياة تألّم بورود القبيح عليه، وتألّم بجهله بالحق بحسب حياته، وما لجرح بميت إيلام.
ومن علامات موت القلب نسيان ذكر الله، كما قيل:
فنسيان ذكر الله موت قلوبهم ... وأجسامهم فهي القبور الدوارسُ ...
وأزواجهم في وحشة من حبيبهم ... ولكنها عند الخبيث أوانس
стр. 161
قال شيخ الإسلام: ولذة القلب وألمه أعظم من لذة الجسم وألمه، فلذلك كان مرض القلب وشفاؤه أعظم من مرض الجسم وشفائه، فكما أن الإنسان إذا صار لا يسمع بأذنه ولا يبصر بعينه ولا ينطق بلسانه كان ذلك مرضاً مؤلماً له يفوّته من المصالح ويحصل له من المضار.
فكذلك إذا لم يسمع ولم يبصر ولم يعلم بقلبه الحق من الباطل ولم يميز بين الخير والشر والغيّ والرشاد كان ذلك من أعظم أمراض قلبه وألمه، فكذلك إذا بُلِيَ بحب من لا ينفعه العشق ونحوه سواء كان لصورة أو لرئاسة أو لمال ونحو ذلك فإن لم يحصل محبوبه ومطلوبه فهو متألم ومريض سقيم، وإن حصل محبوبه فهو أشد مرضاً وألماً وسقماً، ولذلك كما أن المريض إذا كان يبغض ما يحتاج إليه من الطعام والشراب كان ذلك الألم حاصلاً وكان دوامه على ذلك يوجب من الألم أكثر من ذلك حتى يقتله حتى يزول ما يوجب بغضه لما ينفعه ويحتاج إليه فهو متألم في الحال وتألّمه فيما بعد إن لم يُعافه الله أعظم وأكبر، فبغض الحاسد لنعمة الله على المحسود كبُغض المريض لأكل الأصحاء لأطعمتهم وأشربتهم حتى لا يقدر أن يراهم يأكلون، وعمى القلب وبَكَمُهُ أن يبصر الحقائق ويميّز ما ينفعه ويضرّه كعمى
стр. 162
الجسم وخرسه عن أن يبصر الأمور المرئية ويتكلم بها ويميّز بين ما ينفعه ويضرّه، وكما أن الضرير (١) إذا أبْصر وجد من الراحة والعافية والسرور أمراً عظيماً فبصر القلب ورؤيته الحقائق بينه وبين بصر الرأس من التفاوت ما لا يحصيه إلا الله، وإنما الغرض تشبيه أحد المرضَيْن بالآخر، فطب الأديان يحتذي حذو طب الأبدان.
стр. 163
دواء مرض القلب
قد تبين أن مرض القلب يتعين ويتشخّص كما تتشخص أمراض الأعضاء وتتعيّن، وذلك بأن يتعذر عليه ما خلق له من معرفة الله ومحبته، ومرضه ليس كمرض الأعضاء في الأهمية والخطر.
وقد ذكر ابن القيم أن الإنسان قد يشعر بمرض قلبه ولكن يشتد عليه تحمّل مرارة الدواء والصبر عليها، فهو يُؤْثر بقاء ألمه على مشقه الدواء، فإن دواءه في مخالفة الهوى، وذلك أصعب شيء على النفس وليس لها أنفع منه.
وتارة يُوَطّن نفسه على الصبر ثم ينفسخ عزمه ولا يستمر معه لضعف علمه وبصيرته وصبره، كمن دخل في طريق مَخُوف مُقْضٍ إلى غاية الأمن، وهو يعلم أنه إن صبر عليه انقضى الخوف وأعقبه الأمن.
فهو محتاج إلى قوة صبر وقوة يقين بما يصير إليه، ومتى ضعف صبره ويقينه رجع من الطريق ولم يتحمل مشقتها ولا سيّما إن عَدِمَ
стр. 164
الرفيق واستوحش من الوحدة وجعل يقول: أين يذهب الناس؟ فلي بهم أسوة، وهذه حال أكثر الخلق وهي التي أهلكتهم ..
فالبصير الصادق لا يستوحش من قلة الرفيق ولا من فقده إذا استشعر قلبة مرافقة الرعيل الأول الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
فتفرّد العبد في طريق طلبه دليل على صدق الطلب.
ثم ذكر ابن القيم مثالاً يبين ما تقدم وذك أن إسحق بن راهويه سُئل عن مسألة فأجاب فقيل له: إن أخاك أحمد بن حنبل يقول فيها بمثل ذلك، فقال: ما ظننت أن أحداً يوافقني عليها.
ثم قال ابن القيم بعد هذا: ولم يستوحش بعد ظهور الصواب له من عدم الموافقة فإن الحق إذا لاح وتبين لم يحتج إلى شاهد يشهد به.
والقلب يبصر الحق كما تبصر العين الشمس، فإذا رأى الرائي الشمس لم يحتج في علمه بها واعتقاده أنها طالعة إلى من يشهد بذلك ويوافقه عليه. إنتهى.
стр. 165
علامات صحة القلب
ذكر ابن القيم من علامات صحة القلب أن يرتحل عن الدنيا حتى ينزل بالآخرة ويحل فيها حتى يبقى كأنه من أهلها وأبنائها جاء إلى هذه الدار غريباً يأخذ منها حاجته ويعود إلى وطنه كما قال ﵇ لعبد الله بن عمر: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعُدَّ نفسك من أهل القبور).
وكلما صحّ القلب من مرضه ترحّل إلى الآخرة وقَرُب منها حتى يصير من أهلها.
وكلما مرض القلب واعتلّ آثر الدنيا واستوطنها حتى يصير من أهلها.
ومن علامات صحة القلب أنه لا يزال يضرب على صاحبه حتى ينيب إلى الله ويُخبت إليه ويتعلق به تعلق المحب المضطر إلى محبوبه الذي لا حياة له ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا برضاه وقربه والأنس به.
стр. 166
فبه يطمئن وإليه يسكن وإليه يأوي وبه يفرح وعليه يتوكل وبه يثق وإياه يرجو وله يخاف.
فذِكْرُه قُوته وغذاؤه، ومحبته والشوق إليه حياته ونعيمه ولذته وسروره، والإلتفات إلى غيره والتعلق بسواه داؤه، والرجوع إليه دواؤه، فإذا حصل له ربه سكن إليه واطمأن به وزال ذلك الإضطراب والقلب وانسدّت تلك الفاقة، فإن في القلب فاقة لا يسدها شيء سوى الله تعالى أبداً، وفيه شَعث لا يلمّه غير الإقبال عليه، وفيه مرض لا يشفيه غير الإخلاص له وعبادته وحده.
فهو دائماً يضرب على صاحبه حتى يسكن ويطمئن إلى إلهه ومعبوده، فحينئذ يباشر روح الحياة ويذوق طعمها، ويصير له حياة أخرى غير حياة الغافلين المعرضين عن هذا الأمر الذي له خُلق الخلق ولأجله خلقت الجنة والنار، وله أرسلت الرسل وأنزلت الكتب، ولو لم يكن جزاء إلا نفس وجوده لكفى به جزاء وكفى بفوْته حسرة وعقوبة. انتهى.
يريد ﵀ بهذا الكلام الأخير أن صحة القلب وحياته التي وصف بتقدير أن لا جزاء عليها فكفى بها جزاء، يوضح ذلك ما ذكر عن بعض من حصل لهم هذا النعيم العاجل.
стр. 167
قال بعض العارفين: مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال محبة الله والأنس به والشوق إلى لقائه والتنعم بذكره وطاعته.
وقال آخر: إنه ليمرّ بي أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب.
وذكر من علامات صحة القلب أن لا يفتر عن ذكر ربه ولا يسأم من خدمته ولا يأنس بغيره إلا بمن يدله عليه ويذكّره به ويذاكره بهذا الأمر. إنتهى.
قال ابن القيم: ومن تجريبات السالكين التي جربوها فألقوها صحيحة أن من أدْمَن (يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت) أورثه ذلك حياة القلب والعقل.
ثم قال ﵀: وكان شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه شديد اللهج بها جداً، وقال لي يوماً: لهذين الإسمين وهما (الحي القيوم) تأثير عظيم في حياة القلب، وكان يشير إلى أنهما الإسم الأعظم.
стр. 168
كسرة التائب وصَوْلة المُدِل (١)
حديث (من عيّر أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله) فسّره الإمام أحمد ﵀ أنه من ذنب قد تاب منه والمراد هنا النظر في تنوّع السلوك والحذر مما يوقع في المهالك.
ذكر ابن القيم ﵀ في معاني الحديث أن تعبيرك لأخيك بذنبه أعظم إثماً من ذنبه وأشد من معصيته لما فيه من صولة الطاعة وتزكية النفس وشكرها، والمناداة عليها بالبراءة من الذنب، وأن أخاك باء به.
ولعل كسْرته بذنبه وما أحدث له من الذلة والخضوع والإزراء على نفسه والتخلص من مرض الدعوى والكبر والعجب، ووقوفه بين يدي الله ناكس الرأس خاشع الطرف منكسر القلب أنفع له وخير من صَوْلة طاعتك وتكثُّرك بها والإعتداد بها والمنّة على الله وخلْقه بها.
стр. 169
فما أقرب هذا العاصي من رحمة الله، وما أقرب هذا المُدِلّ من مقْت الله.
فذنب تَذِلّ به لديه أحب إليه من طاعة تُدِلُّ بها عليه، وإنك أن تبيت نائماً وتصبح نادماً خير من أن تبيت قائماً وتصبح معجَباً، فإن المعجَب لا يصعد له عمل، وإنك أن تضحك وأنت معترف خير من أن تبكي وأنت مُدِلّ.
وأنين المذنبين أحبّ إلى الله من زجَلَ المسبّحين والمدلّين ولعل الله أسقاه بهذا الذنب دواء استخرج به داء قاتلاً هو فيك وأنت لا تشعر، فلله في أهل طاعته ومعصيته أسرار لا يعلمها إلا هو، ولا يُطالعها إلا أهل البصائر فيعرفون منها بقدر ما تناله معارف البشر ووراء ذلك مالا يطّلع عليه الكرام الكاتبون. إنتهى.
ولذلك يقال: أوحش الوحشة العُجْب.
وقال ابن القيم –أيضاً-: وأكثر الناس من المتنزهين عن الكبائر الحسية والقاذورات في كبائر مثلها أو أعظم منها أو دونها ولا يخطر بقلوبهم أنها ذنوب ليتوبوا منها، فعندهم من الإزراء على أهل الكبائر واحتقارهم وصوْلة طاعاتهم ومنّتهم على الخلق بلسان الحال واقتضاء بواطنهم لتعظيم الخلق لهم على طاعاتهم اقتضاء لا يخفى على
стр. 170
أحد غيرهم وتوابع ذلك ما هو أبغض إلى الله وأبعدُ لهم عن بابه من كبائر أولئك؛ فإن تدارك الله أحدهم بقاذورة أو كبيرة يوقعه فيها ليكسر بها نفسه ويُعرّفه قدره، ويذلّه بها ويُخرج بها صوْلة الطاعة من قلبه فهي رحمة في حقه.
كما أنه إذا تدارك أصحاب الكبائر بتوبة نصوح وإقبال بقلوبهم إليه فهو رحمة في حقهم وإلا فكلاهما على خطر.
قال مالك بن دينار ﵀: خرجت إلى مكة حاجاً، فبينما أنا سائر إذ رأيت شاباً ساكتاً لا يذكر الله تعالى، فلما جن الليل رفع وجهه نحو السماء وقال: يا من لا تنفعه الطاعات ولا تضره المعاصي إغفر لي ما لا يضرك.
ثم رأيته بذي الحليفة وقد لبس إحرامه والناس يلبّون وهو لا يلبي فقلت: هذا جاهل فدنوْت منه فقلت له: يا فتى، قال: لبيك، قلت له: لِمَ لا تلبي؟ فقال: يا شيخ وما تعني التلبية وقد بارزته بذنوب سالفات وجرائم مكتوبات؟
والله إني لأخشى أن أقول: لبيك، فيقول: لا لبيك ولا سعديك لا أسمع كلامك ولا أنظر إليك، فقلت له: لا تقل ذلك فإنه حليم، إذا غضب رضي وإذا رضي لم يغضب، وإذا وَعد وفى
стр. 171
ومتى توعّد عفا. فقال يا شيخ أتشير عليّ بالتلبية؟ قلت: نعم، فبادر إلى الأرض واضطجع ووضع خده على التراب وأخذ حجراً فوضعه على خده وأسبل دموعه وقال: لبيك اللهم لبيك قد خضعت لك وهذا مصرعي بين يديك، فأقام كذلك ساعة ثم مضى فما رأيته إلا بمنى وهو يقول: اللهم إن الناس ذبحوا ونحروا وتقربوا إليك وليس لي شيء أتقرب به سوى نفسي فتقبلها مني ثم شهق شهقة وخرّ ميتاً رحمة الله تعالى عليه.
وذكر ابن القيم في التوبة الصادقة شهود الذل والإنكسار بين يدي الله وأن هذا أحب إلى الله من طاعات أمثال الجبال من المُدِلّين المعجبين.
قال: وهو مشهد الذل والإنكسار والخضوع والإفتقار للرب ﷻ ، فيشهد في كل ذرة من ذراته الباطنة والظاهرة ضرورة تامة وافتقاراً تاماً إلى ربه وَوَليه ومَن بيده صلاحه وفلاحه وهداه وسعادته، وهذه الحال التي تحصل لقلبه لا تنال العبارة حقيقتها وإنما تُدرَك بالحصول، فيحصل لقلبه كسرة خاصة لا يشبهها شيء بحيث يرى نفسه كالإناء المرضوض تحت الأرجل الذي لا شيء فيه ولا به
стр. 172
ولا منه، ولا فيه منفعة ولا يُرغب في مثله وأنه لا يصلح للإنتفاع إلا بجبر جديد من صانعه وقيَمه.
فحينئذ يستكثر في هذا المشهد ما من ربه إليه من الخير ويرى أنه لا يستحق قليلاً منه ولا كثيراً فأيّ خير ناله من الله استكثره على نفسه.
وعَلِمَ أن قدره دونه وأن رحمة ربه هي التي اقتضت ذكره به وسياقته إليه، واستقل ما من نفسه من الطاعات لربه ورآها ولو ساوَتْ طاعات الثقلين من أقل ما ينبغي لربه عليه، واستكثر قليل معاصيه وذنوبه.
فإن الكَسْرة التي حصلت لقلبه أوجبت به هذا كله.
فما أقرب الجبر من هذا القلب المكسور وما أدنى النصر والرحمة والرزق منه، وما أنفع هذا المشهد له وأجْداه عليه، وذرّة من هذا ونَفَس منه أحب إلى الله من طاعات أمثال الجبال من المُدِلّين المعجبين بأعمالهم وعلومهم وأحوالهم.
وأحب القلوب إلى الله سبحانه قلب قد تمكّنت منه هذه الكسرة وملكتْه هذه الذلة.
стр. 173
فهو ناكس الرأس بين يدي ربه لا يرفع رأسه إليه حياء وخجلاً من الله.
قيل لبعض العارفين: أيسجد القلب؟ قال: نعم يسجد سجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم اللقاء، فهذا سجود القلب.
فقلب لا تباشره هذه الكسرة فهو غير ساجد السجود المراد منه وإذا سجد القلب لله هذه السجدة العظمى سجدت معه جميع الجوارح وعَنا الوجه حينئذ للحي القيوم وخشع الصوت والجوارح كلها، وذَل العبد وخضع واسْتكان ووضع خده على عتبة العبودية ناظراً بقلبه إلى ربه ووليّه نظر الذليل إلى العزيز الرحيم، فلا يُرَى إلا متملقاً لربه خاضعاً له ذليلاً مستعطفاً له يسأله عطفه ورحمته.
فهو يترضى ربه كما يترضى المحب الكامل المحبة محبوبه المالك له الذي لا غِنى له عنه ولا بُدّ له منه، فليس له همّ إلا استرضائه واستعطافه، لأنه لا حياة له ولا فلاح إلا في قربه ورضاه عنه ومحبته له.
يقول: كيف أُغضب مَن حياتي في رضاه؟ وكيف أعدل عمن سعادتي وفلاحي وفوزي في قربه وحبه وذكره؟!
стр. 174
والقصد أن هذه الذلّة والكسْرة الخاصة تُدخله على الله وترميه على طريق المحبة فيفتح له منها باب لا يفتح له من غير هذه الطريق وإن كانت طرق سائر الأعمال والطاعات تفتح للعبد أبواباً من المحبة لكن الذي يُفتح منها من طريق الذل والإنكسار والإفتقار وازدراء النفس ورؤيتها بعين الضعف والعجز والعيب والنقص والذم بحيث يشاهدها ضَيْعة وعجزاً وتفريطاً وذَنْباً وخطيئة نوع آخر وفتح آخر.
والسالك بهذه الطريق غريب في الناس، هم في واد وهو في واد، وهي تسمى: طريق الطير، يسْبق النائم فيها على فراشه السُّعاة فيصبح وقد قطع الطريق وسبق الركب، بينما هو يحدثك إذا به قد سبق الطرْف وفات السُّعاة، فالله المستعان وهو خير الغافرين.
وهذا الذي حصل له من آثار محبة الله له وفرحه بتوبة عبده فإنه سبحانه يحب التوابين ويفرح بتوبتهم أعظم فرح وأكمله. انتهى.
وبهذا يتبيّن أن كسرة التائب أحب إلى الله تعالى من صولة المُدِلّ إذ الإدْلال (أي المَنُّ والإعجاب) بالعمل بغيضٌ لدى الله .. مُفْسِد للعمل نفسه كما قال سبحانه –كما في الحديث القدسي- (وإن من عبادي من يريد باباً من العبادة فأكفُّه عنه لئلا يدخله عُجْبٌ فيفسده ذلك .. ) فالله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا به سبحانه.
стр. 175
الإخلاص
إنه فرق بين أن نعمل العمل وبين أن ننظر فيه، وأكثر الخلق من العالمين منصرفة همته كلها على إيقاع العمل وحصوله وقلّ أن ينظر فيه، وكأنه على ثقة من صحته وقبوله.
والإخلاص شأنه عظيم، وهو والصدق قرينان في معاملة الله ، وقد خاف سادات الأولياء من حبوط الأعمال وردّها لتخلف الإخلاص.
قال تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً) وهي الأعمال التي كانت على غير السنة أو أُريد بها غير وجه الله.
وفي أثر إلهي: (الإخلاص سِرٌّ من سرّي استودعته قلب مَنْ أحببته من عبادي).
وقيل في الإخلاص أنه: (تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين).
стр. 176
وهنا أمر مهم لتفقد الإخلاص من غفل عنه أهلكه العجب وإلا فما زال أهل الصدق والإخلاص في عناء شديد مع نفوسهم دون أن يَمَشُّوا الحال على ما حَسُنَ أو ساء من الأعمال.
وهذا الأمر هو قول بعض السلف: من شهد في إخلاصه الإخلاص احتاج إخلاصه إلى إخلاص.
قال ابن القيم ﵀ على هذا الكلام:
فنقصان كل مخلص في إخلاصه بقدر رؤية إخلاصه، فإذا سقط عن نفسه رؤية الإخلاص صار مخلِصاً مخلَصاً.
وقيل في الإخلاص أنه استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن، والرياء أن يكون ظاهره خيراً من باطنه، والصدق في الإخلاص أن يكون باطنه أعمر من ظاهره.
وقيل: الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق، ومن تزيّن للناس بما ليس فيه سقط من عين الله.
وقال الجنيد: الإخلاص سِرّ بين الله وبين العبد لا يعلمه ملَك فيكتبه ولا شيطان فيفسده ولا هوى فيميله.
وقال أبو سليمان الداراني: إذا أخلص العبد انقطعت عنه كثرة الوساوس والرياء.
стр. 177
ومما يُخيف ما قاله يوسف بن الحسين: أعزّ شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي فكأنه ينبت على لون آخر.
فانظر كيف ينظرون في أعمالهم وكيف يتهمون نفوسهم لعلمهم بظلمها وجهلها.
قال الهروي: الإخلاص تصفية العمل من كل شَوْب.
قال ابن القيم على هذا الكلام:
أي لا يُمازج عمله ما يشوبه من شوائب إرادات النفس إما طلب التزيّن في قلوب الخلق، وإما طلب مدحهم والهرب من ذمّهم، أو طلب تعظيمهم، أو طلب أموالهم أو خدمتهم ومحبتهم وقضاء حوائجه، أو غير ذلك من العلل والشوائب التي عَقْدُ متفرقاتها: هو إرادة ما سوى الله بعمله كائناً ما كان. إنتهى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: والشرك غالب على النفوس كما في الحديث أخفى من دبيب النمل. وكثير ما يخالط النفوس من الشهوات ما يفسد عليها تحقيق ذلك كما قال شداد بن أوس: (أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفيّة) قال أبو داود: هي حب الرياسة. وفي الحديث: (ما ذِئبان جائعان أُرسلا في
стр. 178
غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه) وفي الصحيح: (تعس عبد الدينار) الحديث؛ وهذا في المال والجاه والصُّور.
ولقد ذكر ابن القيم –﵀ أن العبد كلما قوي إخلاصه لله وعَظُم كلما ابتعد عن الشهوات والشبهات، وكلما ضعُف إخلاصه وقلّ كلما توغّل فيها، والعياذ بالله.
وذكر ابن القيم –أيضاً-: أن العبد يقوى إخلاصه لله وصدقه ومعاملته حتى لا يُحب أن يطلع أحد من الخلق على حاله مع الله ومقامه معه فهو يخفي أحواله غيْرة عليها من أن تشوبها شائبة الأغيار.
وكان بعضهم إذا غلبه البكاء وعجز عن دفعه قال: لا إله إلا الله ما أمرّ الزكام.
فالصادق إذا غلب عليه الوجْد والحال وهاج من قلبه لواعج الشوق أخلد إلى السكون ما أمكنه فإن غُلِبَ أظهر ألماً ووجعاً يستر به حاله مع الله.
فالصادقون يعملون على كتمان المعاني واجتناب الدعاوي، فظواهرهم ظواهر الناس وقلوبهم مع الحق تعالى، لا نلتفت عنه يَمْنة ولا يَسْرة، فهم في واد والناس في واد. إنتهى.
стр. 179
ويُذكر أن الإنسان يعمل العمل سراً بينه وبين الله فيُكتب بديوان السرّ فما يزال يذكره حتى يُكتب بديوان العلانية؛ ففي هذا التنبيه على الإخلاص وكتمان المعاني إلا لمصلحة كالإقتداء بالعامل ونحو ذلك مما يحسن فيه ذكر العمل.
стр. 180
عاقبة الإخلاص لله
قال عمر بن الخطاب ﵁: (فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس ومن تزيّن بما ليس فيه شانه الله).
قال ابن القيم ﵀ على كلام عمر: هذا شقيق كلام النبوة، وهو جدير بأن يخرج من مِشْكاة المحدَّث المُلْهَم، وهاتان الكلمتان من كنوز العلم ومَن أحسن الإنفاق منهما نفع غيره وانتفع غاية الانتفاع.
فأما الكلمة الأولى فهي منبع الخير وأصله.
والثاية أصل الشر وفصله.
فإن العبد إذا خلصت نيته لله تعالى وكان قصده وهمّه عمله لوجهه سبحانه كان الله معه فإنه سبحانه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.
ورأس التقوى والإحسان خلوص النية لله في إقامة الحق، والله سبحانه لا غالب له فمن كان معه فمن ذا الذي يغلبه أو يناله بسوء؟