← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36176

إحسان سلوك العبد المملوك إلى ملك الملوك

عبد الكريم بن صالح الحميد

Полный текст (252 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وهنا أمر مهم لتفقد الإخلاص من غفل عنه أهلكه العجب وإلا فما زال أهل الصدق والإخلاص في عناء شديد مع نفوسهم دون أن يَمَشُّوا الحال على ما حَسُنَ أو ساء من الأعمال. وهذا الأمر هو قول بعض السلف: من شهد في إخلاصه الإخلاص احتاج إخلاصه إلى إخلاص. قال ابن القيم ﵀ على هذا الكلام: فنقصان كل مخلص في إخلاصه بقدر رؤية إخلاصه، فإذا سقط عن نفسه رؤية الإخلاص صار مخلِصاً مخلَصاً. وقيل في الإخلاص أنه استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن، والرياء أن يكون ظاهره خيراً من باطنه، والصدق في الإخلاص أن يكون باطنه أعمر من ظاهره. وقيل: الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق، ومن تزيّن للناس بما ليس فيه سقط من عين الله. وقال الجنيد: الإخلاص سِرّ بين الله وبين العبد لا يعلمه ملَك فيكتبه ولا شيطان فيفسده ولا هوى فيميله. وقال أبو سليمان الداراني: إذا أخلص العبد انقطعت عنه كثرة الوساوس والرياء.

стр. 177

ومما يُخيف ما قاله يوسف بن الحسين: أعزّ شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي فكأنه ينبت على لون آخر. فانظر كيف ينظرون في أعمالهم وكيف يتهمون نفوسهم لعلمهم بظلمها وجهلها. قال الهروي: الإخلاص تصفية العمل من كل شَوْب. قال ابن القيم على هذا الكلام: أي لا يُمازج عمله ما يشوبه من شوائب إرادات النفس إما طلب التزيّن في قلوب الخلق، وإما طلب مدحهم والهرب من ذمّهم، أو طلب تعظيمهم، أو طلب أموالهم أو خدمتهم ومحبتهم وقضاء حوائجه، أو غير ذلك من العلل والشوائب التي عَقْدُ متفرقاتها: هو إرادة ما سوى الله بعمله كائناً ما كان. إنتهى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: والشرك غالب على النفوس كما في الحديث أخفى من دبيب النمل. وكثير ما يخالط النفوس من الشهوات ما يفسد عليها تحقيق ذلك كما قال شداد بن أوس: (أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفيّة) قال أبو داود: هي حب الرياسة. وفي الحديث: (ما ذِئبان جائعان أُرسلا في

стр. 178

غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه) وفي الصحيح: (تعس عبد الدينار) الحديث؛ وهذا في المال والجاه والصُّور. ولقد ذكر ابن القيم –﵀ أن العبد كلما قوي إخلاصه لله وعَظُم كلما ابتعد عن الشهوات والشبهات، وكلما ضعُف إخلاصه وقلّ كلما توغّل فيها، والعياذ بالله. وذكر ابن القيم –أيضاً-: أن العبد يقوى إخلاصه لله وصدقه ومعاملته حتى لا يُحب أن يطلع أحد من الخلق على حاله مع الله ومقامه معه فهو يخفي أحواله غيْرة عليها من أن تشوبها شائبة الأغيار. وكان بعضهم إذا غلبه البكاء وعجز عن دفعه قال: لا إله إلا الله ما أمرّ الزكام. فالصادق إذا غلب عليه الوجْد والحال وهاج من قلبه لواعج الشوق أخلد إلى السكون ما أمكنه فإن غُلِبَ أظهر ألماً ووجعاً يستر به حاله مع الله. فالصادقون يعملون على كتمان المعاني واجتناب الدعاوي، فظواهرهم ظواهر الناس وقلوبهم مع الحق تعالى، لا نلتفت عنه يَمْنة ولا يَسْرة، فهم في واد والناس في واد. إنتهى.

стр. 179

ويُذكر أن الإنسان يعمل العمل سراً بينه وبين الله فيُكتب بديوان السرّ فما يزال يذكره حتى يُكتب بديوان العلانية؛ ففي هذا التنبيه على الإخلاص وكتمان المعاني إلا لمصلحة كالإقتداء بالعامل ونحو ذلك مما يحسن فيه ذكر العمل.

стр. 180

عاقبة الإخلاص لله قال عمر بن الخطاب ﵁: (فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس ومن تزيّن بما ليس فيه شانه الله). قال ابن القيم ﵀ على كلام عمر: هذا شقيق كلام النبوة، وهو جدير بأن يخرج من مِشْكاة المحدَّث المُلْهَم، وهاتان الكلمتان من كنوز العلم ومَن أحسن الإنفاق منهما نفع غيره وانتفع غاية الانتفاع. فأما الكلمة الأولى فهي منبع الخير وأصله. والثاية أصل الشر وفصله. فإن العبد إذا خلصت نيته لله تعالى وكان قصده وهمّه عمله لوجهه سبحانه كان الله معه فإنه سبحانه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. ورأس التقوى والإحسان خلوص النية لله في إقامة الحق، والله سبحانه لا غالب له فمن كان معه فمن ذا الذي يغلبه أو يناله بسوء؟

стр. 181

فإن كان الله مع العبد فمن يخاف؟ وإن لم يكن معه فمن يرجو؟ وبمن يتق؟ ومن ينصره من بعده؟ فإذا قام العبد بالحق على غيره وعلى نفسه أولاً وكان قيامه بالله ولله لم يقم له شيء ولو كادته السموات والأرض والجبال لكفاه الله مؤنتها وجعل له فرجاً ومخرجاً. وإنما يُؤتى العبد من تفريطه وتقصيره في هذه الأمور الثلاثة أو في اثنين منها أو في واحد. فمن كان قيامه في باطل لم يُنصر، وإن نُصر نصراً عارضاً فلا عاقبة له وهو مذموم مخذول. وإن قام في حق لكن لم يقم فيه لله وإنما قام لطلب المحمدة والشكور والجزاء من الخلق أو التوصل إلى غرض دنيوي كان هو المقصود أولاً والقيام في الحق وسيلة إليه، فهذا لم تُضمن له النصرة فإن الله إنما ضمن النصرة لمن جاهد في سبيله وقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، لا لِمن كان قيامه لنفسه وهواه فإنه ليس من المتقين ولا من المحسنين، وإن نُصر فبحسب ما معه من الحق فإن الله لا ينصر إلا الحق، وإن كانت الدولة لأهل الباطل فبحسب ما معهم من الصبر،

стр. 182

والصبر منصور أبداً فإن كان صاحبه مُحِقاً كان منصوراً له العاقبة، وإن كان مبطلاً لم يكن له عاقبة. وإذا قام العبد في الحق لله ولكن قام بنفسه وقوته ولم يقم بالله مستعيناً به متوكلاً عليه مفوضاً إليه بَرِياً من الحول والقوة إلا به فله من الخذلان وضعف النصرة بحسب ما قام به من ذلك ونُكتة المسألة أن تجريد التوحيد في أمر الله لا يقوم له شيء البتة وصاحبه منصور ولو توالت عليه زمر الأعداء. وعن عائشة ﵂: (من أسخط الناس برضى الله كفاه الله الناس ومن أرضى الناس بسخط الله وَكَلَه إلى الناس) إنتهى. قال ابن تيمية ﵀: وإذا أخلص العبد اجتباه ربه فأحيا قلبه، وجذبه إليه، بخلاف القلب الذي لم يخلص، فإن فيه طلباً وإرادة: تارة إلى الرئاسة فترضيه الكلمة ولو كانت باطلاً، وتغيظه ولو كانت حقاً، وتارة إلى الدرهم والدينار وأمثال ذلك فيتخذ إلهه هواه. ومَن لم يكن مخلصاً لله بحيث يكون أحب إليه مما سواه وإلا استعبدته الكائنات واستولت على قلبه الشياطين، وهذا أمر ضروري

стр. 183

لا حيلة فيه، فالقلب إن لم يكن حنيفاً وإلا كان مشركاً (فأقم وجهك للدين حنيفاً). وقال: وإذا أذاق طعم الإخلاص انقهر له هواه بلا علاج.

стр. 184

آفات الأعمال كم ممن يسير وقد يكون جاداً في سَيْره لكنه لا يبالي بمعالم الطريق وإنما هِمته منصرفة إلى أن يسير لا كيف يسير، وهذا الصنف عُرْضة لكل آفة حيث أن الطريق محفوف بالأخطار والقُطّاع. قال ابن القيم ﵀: وأما الاستقصاء في رؤية علل الأعمال فهو التفتيش عما يشوبها من حظوظ النفس وتمييز حق الرب منها من حظ النفس ولعل أكثرها أو كلها أن تكون حظاً لنفسك وأنت لا تشعر. فلا إله إلا الله، كم في النفوس من عِلل وأغراض وحظوظ تمنع الأعمال أن تكون لله خالصة وأن تصل إليه. وإن العبد ليعمل العمل حيث لا يراه بشر البتة وهو غير خالص لله، ويعمل العمل والعيون قد استدارت عليه نطاقاً وهو خالص لوجه الله، ولا يميز هذا إلا أهل البصائر وأطبّاء القلوب العالمون بأدوائها وعِللها.

стр. 185

فبين العمل وبين القلب مسافة وفي تلك المسافة قُطّاع تمنع وصول العمل إلى القلب، فيكون الرجل كثير العمل وما وصل منه إلى قلبه محبة ولا خوف ولا رجاء ولا زهد في الدنيا ولا رغبة في الآخرة، ولا نور يفرق به بين أولياء الله وأعدائه وبين الحق والباطل، فلو وصل أثر الأعمال إلى قلبه لاستنار وأشرق، ورأى الحق والباطل، وميّز بين أولياء الله وأعدائه، وأوجب له ذلك المزيد من الأحوال. ثم بين القلب وبين الرب مسافة وعليها قُطّاع تمنع وصول العمل إليه من كبر وإعجاب وإدْلال ورؤية عمل ونسيان المنّة وغير ذلك. إنتهى. تأمل هذا الكلام النفيس وقوله فيه: (ولا نور يفرق به بين أولياء الله وأعدائه وبين الحق والباطل) وانظر أحوالنا وضعف الفرقان أو عدمه بين أولياء الله وأعدائه والتباس الحق بالباطل تعرف أن الفرقان الديني كاد أن يتلاشى ويضمحل من قلوب أكثر الخلق فيُخشى علينا من الأمرين جميعاً، ما بين العمل وبين القلب، وما بين القلب وبين الرب، وأين من يفقه قبل أن يقال: أين من يتفقد؟ إن الفقه في دين الله يوجب حالاً للعبد خاصة لا يرضاها أكثر الناس بل وينكرونها.

стр. 186

قال بعض السلف: لن تفقه كل الفقه حتى تمقت الناس في ذات الله ثم ترجع إلى نفسك فتكون لها أشد مقتاً (١) قال ابن القيم في شرح هذه العبارة: وهذا الكلام لا يفقه معناه إلا الفقيه في دين الله فإن من شهد حقيقة الخلق وعجزهم وضعفهم وتقصيرهم بل تفريطهم وإضاعتهم لِحق الله وإقبالهم على غيره، وبيعهم حظهم من الله بأبخس الثمن من هذا العاجل الفاني لم يجد بداً من مقتهم، ولا يمكنه غير ذلك ألبتة. ولكن إذا رجع إلى نفسه وحاله وتقصيره وكان على بصيرة من ذلك كان لنفسه أشد مقتاً واستهانة، فهذا هو الفقيه.

стр. 187

التخلص من رؤية العمل قال ابن القيم: يَعْرض للعامل في عمله ثلاث آفات رؤيته وملاحظته وطلب العوض عليه، ورضاه به وسكونه إليه. فالذي يخلّصه من رؤية عمله: مشاهدته لمنّة الله عليه وفضله وتوفيقه له، وأنه بالله لا بنفسه، وأنه إنما أوجب عمله مشيئة الله لا مشيئته هو كما قال تعالى: (وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ). فهذا ينفعه شهود الجبر وأنه آلة محضه وأن فعله كحركات الأشجار، وهبوب الرياح، وأن المحرك له غيره، والفاعل فيه سواه، وأنه ميت والميت لا يفعل شيئاً، وأنه لو خُلّي ونفسه لم يكن من فعله الصالح شيء البتّة، فإن النفس جاهلة ظالمة، طبعها الكسل وإيثار الشهوات والبطالة، وهي منبع كل شر ومأوى كل سوء، وما كان هكذا لم يصدر منه خير ولا هو من شأنه.

стр. 188

فالخير الذي يصدر منها إنما هو من الله وبه، لا من العبد ولا به، كما قال تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ). (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ). فكل خير في العبد فهو مجرد فضل الله ومنته، وإحسانه ونعمته وهو المحمود عليه. فرؤية العبد لأعماله في الحقيقة كرؤيته لصفاته الخَلْقِيّة من سمعه وبصره وإدراكه وقوته، بل من صحته وسلامة أعضائه، ونحو ذلك، فالكل مجرد عطاء الله ونعمته وفضله. فالذي يخلص العبد من هذه الآفة معرفة ربة ومعرفة نفسه. إنتهى. تأمله فإن نفعه عظيم لإسقاط الإعجاب بالعمل ورؤيته بتوفيق الله. ورؤية العمل واستكثاره ذنب كما أن استقلال المعصية ذنب. قال ابن القيم ﵀: والعارف من صغرت حسناته في عينه وعظمت ذنوبه عنده، وكلما صغرت الحسنات في عينك كبرت عند الله، وكلما كبرت وعظمت في قلبك قلّت وصغرت عند الله، وسيئاتك بالعكس.

стр. 189

ومن عرف الله وحقه وما ينبغي لعظمته من العبودية تلاشت حسناته عنده وصغرت جداً في عينه، وعَلِم أنها ليست مما ينجو بها من عذابه وأن الذي يليق بعزته ويصلح له من العبودية أمر آخر وكلما استكثر منها استقلها واستصغرها، لأنه كلما استكثر منها فُتحت له أبواب المعرفة بالله والقرب منه فشاهد قلبه من عظمته سبحانه وجلاله ما يستصغر معه جميع أعماله ولو كانت أعمال الثقلين، وإذا كثرت في عينه وعظمت دلّ على أنه محجوب عن الله غير عارف به وبما ينبغي له. وبحسب هذه المعرفة ومعرفته بنفسه يستكثر ذنوبه وتعظم في عينه لمشاهدته الحق ومستحقه وتقصيره في القيام به وإيقاعه على الوجه اللائق الموافق لما يحبه الرب ويرضاه من كل وجه. إذا عُرف هذا فاستقلال العبد المعصية عين الجرأة على الله وجهل بقدر من عصاه وبقدر حقه، وإنما كان مبارزة لأنه إذا استصغر المعصية واستقلها هان عليه أمرها وخفّت على قلبه، وذلك نوع مبارزة. إنتهى. من هنا تعلم أنه قد يكون السير إلى وراء باستصغار المعصية واستكثار الطاعة، وهذا لا يصدر إلا من جهل بالنفس والرب.

стр. 190

التخلص من طلب العوض على العمل قد تقدم الفرق بين ما سماه الله ثواباً وأجراً وبين معاوضات المخلوقين بعضهم مع بعض وأن العبد مملوك لله من كل وجه فما الذي يخرج عمله من ملك سيده؟ كيف وعمل العبد الصالح أعظم مِنّة ونعمة منّ بها وأنعم بها عليه. وهنا قال ابن القيم: والذي يخلصه من طلب العِوَض على العمل: علمه بأنه عبد محض، والعبد لا يستحق على خدمته لسيده عوضاً ولا أجرة، إذ هو يخدمه بمقتضى عبوديته، فما يناله من سيده من الأجر والثواب تفضل منه، وإحسان إليه، وإنعام عليه لا معاوضة إذ الأجرة إنما يستحقها الحر، أو عبد الغير، فأما عبد السيد نفسه فلا.

стр. 191

التخلص من الرضى بالعمل والسكون إليه الرضى بالعمل والسكون إليه يجعل أرض القلب تربة خصيبة لننمو نبات الإعجاب والكبر والدعاوي، والموفق يستعمل هذه الأدوية التي يصفها أطباء القلوب ليزكو عمله ويتخفف من الذنوب، فقد يكون بالإنسان الذي يرى نفسه تقياً نقياً من الكبائر الباطنة ما هو أشد من الكبائر الظاهرة، نسأل الله أن يتوب علينا. قال ابن القيم في هذه الآفة: والذي يخلّصه من رضاه بعمله وسكونه إليه أمران: أحدهما: مطالعة عيوبه وآفاته وتقصيره فيه وما فيه من حظ النفس ونصيب الشيطان. فقلّ عمل من الأعمال إلا وللشيطان فيه نصيب وإن قلّ وللنفس فيه حظ، سُئل النبي ﷺ عن التفات الرجل في صلاته؟ فقال: (هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد).

стр. 192

فإذا كان هذا التفات طَرْفه أو لحظِه فكيف التفات قلبه إلى ما سوى الله؟ هذا أعظم نصيب الشيطان من العبودية. وأما حظ النفس من العمل فلا يعرفه إلا أهل البصائر الصادقون. الثاني: علمه بما يستحقه الرب ﷻ من حقوق العبودية وآدابها الظاهرة والباطنة وشروطها، وأن العبد أضعف وأعجز وأقلّ من أن يوفيها حقها وأن يرضى بها لربه. فالعارف لا يرضى بشيء من عمله لربه ولا يرضى نفسه لله طرفة عين، ويستحيي من مقابلة الله بعمله. فَسوء ظنه بنفسه وعمله وبغضه لها وكراهته لإنفاسه وصعودها إلى الله يحول بينه وبين الرضى بعمله والرضى عن نفسه. وكان بعض السلف يصلي في اليوم والليلة أربعمائة ركعة ثم يقبض على لحيته ويهزها ويقول لنفسه: يا مأوى كل سوء وهل رضيتك لله طرفة عين؟ وقال بعضهم: آفة العبد رضاه عن نفسه، ومن نظر إلى نفسه باستحسان شيء منها فقد أهلكها، ومن لم يتّهم نفسه على دوام الأوقات فهو مغرور. إنتهى.

стр. 193

تدبره فما أنفعه لشفاء القلب فإن رؤية العمل وطلب العوض عليه والرضى به آفات ما زال أرباب السلوك الصادقين يعرفونها بنفوسهم وفي غيرهم ولذلك وصفوا هذه الوصفات التي تزيلها أو تخفف منها بإذن الله. ولاحظ هنا قوله ﵀: (وأما حظ النفس من العمل فلا يعرفه إلا أهل البصائر الصادقون) مثل طلب حمد الناس ومدحهم والهرب من ذمهم وطلب الرئاسة وتسمى: الشهوة الخفية حيث قد تخفى على من اشتمل بها، وقد ذكر أهل العلم أن الإنسان قد يزهد بالذهب والفضة ولا يزهد بالرئاسة. وما زال أرباب البصائر أهل المعرفة بالله وبنفوسهم يخافون هذا الداء الخفي، لأن التعلق بالخلق طلباً لتعظيمهم للعبد ومدحهم له يقطع عن الله حيث أن القلب تعلّق بغير مُتَعلّقه الحق وانحرف عن مسيره وصار يُثامن الخلق بطاعاته لحظّ نفسه، فهو يتطلب العِوَض عليها منهم ويستشرف قلبه لذلك، ويتفرع من هذا البلاء فروع خبيثة، منها الميل إلى من يعظمه وإن كان من أهل المعاصي الظاهرة وإن كان من لا يعظمه أطْوَع لله منه فيفضل ذاك عليه ومنها التغاضي

стр. 194

عن منكرات من يعظمه وتهوينها، وغير ذلك من الآفات المفسدة لإخلاص العبد. وبعض الناس قد يظن أن دواء ما يخافه على نفسه من الغلو والتعظيم للمعظمين إساءة الأدب وعدم الإحترام، يُصور له الشيطان هذه الأدواء التي يوقِعه فيها بأنها علامة الإخلاص ومراده أن يجعله في حالة مُزْرية يُمْقت عليها ويثقل على الثقلاء فضلاً عمن روحه لطيفة لا تحتمل. ففرق بين الغلو المذموم والتعظيم الزائد وبين الأدب وإنزال الناس منازلهم.

стр. 195

الخوف من الأمور التي لا تخفى أن الخوف في عصرنا كاد أن يذهب من القلوب وما ذاك إلا لتراكم الخطايا والذنوب، والجهل بنفوسنا وبربنا وحقه، وما كان على هذا سلف الأمة ففي المسند والترمذي عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، قول الله: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق؟ قال: (لا يا ابنة الصّدّيق ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يُقبل منه). قال الحسن: عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم، إن المؤمن جَمَع إحساناً وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمناً. هذه الآية وبيان النبي ﷺ لمعناها وكلام الحسن يدل على أن الخوف فقارن للإيمان والأمن مقارن للإساءة، وإن من يتفقد الخوف اليوم في نفسه وفي غيره ليخاف إن كان مؤمناً من عدم الخوف، حتى الآيات العامة التي يُخوِّف الله بها العباد مثل الزلازل والكسوف

стр. 196

والأوبئة المخيفة، كل هذا يُحال إلى أسباب طبيعية مفصولة عن مسببها المكوّن لها ولأسبابها، وهذا نذير شر؛ ثم إنه لا يتغير شيء في أحوال الناس سواء من رأى الآيات بعينه ومن سمع بها فكل شيء على حاله وقد قال تعالى: (وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً) وإذا لم تكن ثمرة التخويف تغيّر الأحوال مما يسخط الله إلى ما يرضيه وإلا يكون لنا نصيب من قوله تعالى: (وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ) (وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ). قال ابن القيم ﵀: الخوف من أجلّ منازل الطريق وأنفعها للقلب، وهو فرض على كل أحد. قال الله تعالى: (فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ) وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ) الآيات. قال الجنيد: الخوف توقع العقوبة على مجاري الأنفاس. وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية كما قال النبي ﷺ : (إني أعلمكم بالله وأشدكم له خشية) وفي رواية (خوفاً). قال أبو حفص: الخوف سَوْط الله يقوِّم به الشاردين عن بابه.

стр. 197

وقال: الخوف سراج في القلب به يبصر ما فيه من الخير والشر وكل أحد إذا خِفته هربت منه إلا الله فإنك إذا خفته هربت إليه، فالخائف هارب من ربه إلى ربه. قال أبو سليمان الداراني: ما فارق الخوف قلباً إلا خَرَب. وقال إبراهيم بن سفيان: إذا سكن الخوف القلوب أحرق مواضع الشهوات منها وطرد الدنيا عنها. وقال ذو النون: الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف، فإذا زال عنهم الخوف ضلوا الطريق. والخوف ليس مقصوداً لذاته بل هو مقصود لغيره قصد الوسائل ولهذا يزول بزوال المخوف، فإن أهل الجنة لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والخوف المحمود الصادق: ما حال بين صاحبه وبين محارم الله فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط. ثم قال ابن القيم: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: الخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله. وقال ابن القيم: فكم من مغبوط بحاله انعكس عليه الحال، ورجع من حسن المعاملة إلى قبيح الأعمال، فأصبج يُقلّب كفّيه

стр. 198

ويضرب باليمين على الشمال، بينما بَدْرُ أحواله مستنيراً في ليالي التمام، إذ أصابه الكسوف فدخل في الظلام. فَبُدِّل بالأنس وحشة، وبالحضور غَيْبَة، وبالإقبال إعراضاً، وبالتقريب إبعاداً وبالجمع تَفْرقة كما قيل: أحسنت ظنّك بالأيام إذ حسنت ... ولم تَخَفْ سوء ما يأتي به القدر ... وسالمتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر إن القلب في سيره إلى الله بمنزلة الطائر. فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سَلِم الرأس والجناحان فالطائر جيّد الطيران ومتى قُطع الرأس مات الطائر ومتى فُقِد الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر، ولكن السلف استحبوا أن يقوى في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء وعند الخروج من الدنيا يقوى جناح الرجاء على جناح الخوف. فالمحبة هي المركب، والرجاء حاد، والخوف سائق، والله الموصل بمنه وكرمه.

стр. 199

الرجاء تعلق الرجاء بالله من حيث اسمه (المحسن البر) فذلك التعلق والتعبد بهذا الاسم والمعرفة بالله: هو الذي أوجب للعبد الرجاء من حيث يدري ومن حيث لا يدري. فقوة الرجاء على حسب قوة المعرفة بالله وأسمائه وصفاته، وغلبت رحمتُه غضبَه. ولولا روح الرجاء لتعطلت عبودية القلب والجوارح وهدّمت مساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً، بل لولا روح الرجاء لما تحركت الجوارح بالطاعة، ولولا ريحه الطيبة لما جرَتْ سفن الأعمال في بحر الإرادات. لولا التعلق بالرجاء تقطعت ... نفس المحب تحسّراً وتمزقا ... وكذاك لولا بَرْدُهُ بحرارة الـ ... أكباد ذابت بالحجاب تحرّقا ... أيكون قطّ حليف حب لا يُرى ... برجائه لحبيبه متعلقا ... أم كلما قَوِيَت محبته له ... قوي الرجاء فزاد فيه تشوقا ... لولا الرجا يحدو المطيّ لما سرت ... بحُمولها لديارهم ترجو اللقا

стр. 200

وعلى حسب المحبة وقوتها يكون الرجاء، فكل محب راج خائف بالضرورة، فهو أرجى ما يكون لحبيبه أحب ما يكون إليه وكذلك خوفه، فإنه يخاف سقوطه من عينه، وطرد محبوبه له وإبعاده، واحتجابه عنه، فخوفه أشد خوف، ورجاؤه ذاتي للمحبة فإنه يرجوه قبل لقائه والوصول إليه، فإذا لقيه ووصل إليه اشتد الرجاء له لما يحصل له به من حياة روحه ونعيم قلبه من ألطاف محبوبه وبره وإقباله عليه ونظره إليه بعين الرضى وتأهيله في محبته، وغير ذلك مما لا حياة للمحب ولا نعيم ولا فوز إلا بوصوله إليه من محبوبه، فرجاؤه أعظم رجاء وأجلّه وأتمه. فتأمل هذا الموضع حق التأمل يُطْلعك على أسرار عظيمة من أسرار العبودية والمحبة، فكل محبة فهي مصحوبة بالخوف والرجاء وعلى قدر تمكنها من قلب المحب يشتد خوفه ورجاؤه لكن خوف المحب لا يصحبه وحْشة، بخلاف خوف المسيء، ورجاء المحب لا يصحبه عِلّة بخلاف رجاء الأجير، وأين رجاء المحب من رجاء الأجير؟ وبينهما كما بين حالهما. وبالجملة فالرجاء ضروري للمريد السالك، والعارف لو فارقه لحظة لتلِف أو كاد، فإنه دائر بين ذنب يرجو غفرانه، وعيب يرجو

стр. 201

إصلاحه، وعمل صالح يرجو قبوله، واستقامة يرجو حصولها ودوامها، وقرب من الله ومنزلة عنده يرجو وصوله إليها، ولا ينفك أحد من السالكين عن هذه الأمور أو بعضها.

стр. 202

الكرامة والاستقامة قد تتطلّع بعض النفوس الجاهلة إلى حصول كرامة من الكرامات بما يخرق العادة المطّردة في السنن الكونية، فهذا للنفوس فيه تعلّق كبير. وإنما ينبني هذا التطلع على أمرين: أحدهما: جهل العبد بربه وبنفسه، ولو عرف ربه ونفسه كما ينبغي لم يخطر بباله مثل هذا فضلاً عن أن يطلبه أو يتعرض له، وفي هذا الكتاب بعض التعريفات بهذين الأصلين العظيمين مما يجعل العبد الموفق يستحيي من ربه بل ويخاف أن يخطر بباله مثل هذا لِعلمه بعظم حق الله عليه وأنه لا يقدر على تأديته ولعلمه بنفسه الظلومة الجهولة كيف واللفظ نفسه يُفْهم معنى التكريم بالخارق ومن رأى أنه يستحق التكريم من ربه فهو جاهل بربه وبنفسه، قد لبس من الإعجاب إزاراً ورداءاً. الثاني: تعظيم شأن الكرامة ومن تحصل له أو تجري على يديه وهذا جهل أيضاً لأنها قد تحصل لمن هو أضعف إيماناُ ممن لم تحصل له

стр. 203

ويشبه هذا من بعض الوجوه إعطاء النبي ﷺ المال الكثير لقوم إيمانهم ضعيف يتألّف قلوبهم مع أن من لم يعطهم أو يعطيهم عطاء أقلّ من أولئك أحب إليه لقوة إيمانهم. والمراد هنا أن الكمال انصراف القلب عن التطلّع لمثل التصرف في الكوْنيات على ما يخالف العادات. وقد يحصل لمن يُبتلى بذلك من الإعجاب بنفسه وظنه أنه أهل لذلك لِخير في نفسه يستحق به ذلك ما يفسد عمله، وقد يحطّه كثيراً عن مقام الإستقامة فحسبك بالإعجاب ورؤية النفس شراً. ولذلك فإن العارفين بالله لا يطمئنون لمثل ذلك لو حصل لهم فضلاً عن أن يطلبوه، وبعضهم يدعو الله بزوال ذلك خشية فساد قلبه ومعاملته مع ربه. وقد بقي شيء واحد؛ وهو أن تطلّع النفس لخرق عادة في الهداية الخاصة والعامة فاعلم أن هذا مقام الأنبياء ﵈ وأتباعهم على الحقيقة ومفتاح هذا التوكل الصادق مع الإستقامة، فإن القلوب ليس يتصرف فيها غير خالقها فهو مقلبها من ضلال إلى هدى ومن هدى إلى ضلال.

стр. 204

قال شيخ الإسلام ﵀: أعظم الكرامة لزوم الاستقامة. انتهى. فتأمل حسن التطلّع والتشوّق وكمال الإرادة، فالكرامة لزوم الإستقامة حتى الموت وهي أعظم منّة الله على عبده وأجلّ نعمه عليه. قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ). قال عمر ﵁: الإستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ رَوَغان الثعالب. قال ابن القيم: فالإستقامة كلمة جامعة آخذه بمجامع الدين وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق والوفاء بالعهد، والإستقامة تتعلق بالأقوال والأفعال والأحوال والنيات، فالإستقامة فيها وقوعها لله وبالله وعلى أمر الله. يريد بوقوعها لله: الإخلاص، وبالله الإستعانة وعلى أمر الله لزوم الشريعة.

стр. 205

قال بعض العارفين: كن صاحب الإستقامة لا طالب الكرامة فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة وربك يطالبك بالإستقامة. إنتهى. والموصل للإستقامة شيئان ذكرهما شيخ الإسلام، وهما: أحدهما: حراسة الخواطر وحفظها من الأفكار والإرادات الضارة حياء من الله وإجلالاً له وخوفاً من سقوطه من عينه وحذراً من تولّد الخواطر بالشرور. والثاني: إشغال القلب بخواطر الإيمان التي هي أصل الخير ومادته من المحبة والإنابة والتوكل ومحبة الخير للمسلمين ونحوها. ومن أبلغ ما تحصل به الإستقامة صدق التأهّب للقاء الله ... إنتهى. ومن أعظم ما يعين بإذن الله على حراسة الخواطر وحفظها من الأفكار والإرادات الضارة غض البصر عن الصور الفاتنة ففي ذلك من النفع ما لا يُقدّر كما أن في إطلاق النظر من الضرر ما لا يُقدّر فالحذر الحذر من مكامن الخطر.

стр. 206

التوكل شأن التوكل عظيم وأمره كبير ويكفيك أنه نصف الدين. قال ابن القيم ﵀: التوكل نصف الدين والنصف الثاني: الإنابة، فإن الدين استعانة وعبادة، فالتوكل هو الإستعانة، والإنابة هي العبادة. وأولياء الله وخاصته يتوكلون عليه في الإيمان ونصرة دينه وإعلاء كلمته وجهاد أعدائه وفي محابّه وتنفيذ أوامره، وهذا أوسع التوكل وأنفعه وهو توكل الأنبياء في إقامة دين الله ودفع فساد المفسدين في الأرض، وهذا توكل ورثتهم. إنتهى. الإيمان بالقدر عن علم ومعرفة هو مفتاح باب التوكل إذ لا يُتصوَّر التوكل ممن يظن أنه يخلق أفعال نفسه كحال القدرية. والقدر أربع مراتب: (العلم) و (الإرادة) و (الكتابة) وهذه المراتب الثلاث سابقة لمرتبة (الإيجاد والخلق) والتي تحصل في وقتها، يعني في وقت خلق المخلوق نفسه.

стр. 207

فالله سبحانه عالم بما يريد إيجاده من العدم وهو كل شيء مريد لذلك باختياره وقد كتبه في اللوح المحفوط، أما المخلوق فيخلقه في حينه كما يخلق سبحانه الآن كتابتي هذه الأحرف، وأنت أيها القارئ لها يخلق قراءتك وأنت تقرأ وهذا متأخر عن كتابتي وإنما وُجد في حينه. وعلى هذا قياس خلق المخلوقات كلها لكن المراد هنا المرتبة الرابعة وهي: خلق أفعال العباد، ليسهل التوكل وعمل القلب على مقتضاه لأنه عمل قلبي، وهو نتيجة اعتقاد العبد أن كل ما سوى الله سبحانه مخلوق له، وليس المراد فقط أنه خلق ذات المخلوقات حتى يتوهم الجاهل أنه يخلق فعل نفسه أو يشارك ربه في ذلك بل إنه سبحانه لم يزل يخلق المخلوقات وأفعالها يحرك المتحرك، ويسكن الساكن سواء العالم العلوي أو السفلي. وقد قيل في التوكل: هو ترك تدبير النفس والإنخلاع من الحول والقوة؛ وإنما يقوى العبد على التوكل إذا علم أن الحق سبحانه يعلم ويرى ما هو فيه. وقيل فيه: التوكل أن ترِدَ عليك موارد الفاقات فلا تسمو إلا إلى من إليه الكفايات.

стр. 208

وقالوا: التوكل على الله بكمال الحقيقة كما وقع لإبراهيم الخليل ﵇ في الوقت الذي قال لجبريل: (أما إليك فلا) لأنه غائب عن نفسه بالله فلم ير مع الله غيره. والتوكل لا ينافي القيام بالأسباب، فلا يصح التوكل إلا مع القيام بها وإلا فهو بطالة وتوكل فاسد. والتوكل إلقاء النفس في العبودية وإخراجها من الربوبية، يعني استرسالها مع الأمر وقيامها بالطاعة وبراءتها من حولها وقوتها وشهود حصول المدعو به فلا تعطل الأسباب من أجله كما أن الأكل سبب بحصول الشِّيَع والشرب بحصول الرّي. وحال المتوكل كالطفل الرضيع في اعتماده وسكونه وطمأنينته بثدي أمه لا يعرف غيره وليس في قلبه التفات إلى غيره. قال ابن القيم: وكثير من المتوكلين يكون مغبوناً في توكله وقد توكل حقيقة التوكل وهو مغبون، كمن صرف توكله إلى حاجة جزئية استفرغ فيها قوة توكله، ويمكنه نيْلها بأيْسر شيء، وتفريغ قلبه للتوكل في زيادة الإيمان والعلم ونصرة الدين والتأثير في العالم خيراً.

стр. 209

فهذا توكل العاجز القاصر الهمة كما يصرف بعضهم همته وتوكله ودعاءه إلى وجع يمكن مداواته بأدنى شيء أو جوع يمكن زواله بنصف رغيف أو نصف درهم ويدع صرفه إلى نصرة الدين وقمع المبتدعين وزيادة الإيمان ومصالح المسلمين. والله أعلم. وحقيقة التوكل هو صدق اعتماد القلب على الله في استجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة. قال سعيد بن جبير: التوكل جماع الإيمان. وقال وهب بن منبه: الغاية القصوى التوكل. وتأمل الآن هذا الكلام في معرفة خلق أفعال العباد والتوكل. قال ابن القيم ﵀: والرب تعالى يريد من عبده أن يفعل ولا يقع الفعل حتى يريد سبحانه من نفسه أن يعينه كما قال تعالى: (وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ). فهو سبحانه أراد منا الإستقامة دائماً واتخذ السبيل إليه وأخبرنا أن هذا المراد لا يقع حتى يريد من نفسه إعانتنا عليه ومشيئتها لنا. فهما إرادتان: إرادة من عبده أن يفعل وإرادته من نفسه أن يعينه ولا سبيل له إلى الفعل إلا بهذه الإرادة ولا يملك منها شيئاً.

стр. 210

فإن كان مع العبد روح أخرى نسبتها إلى روحه كنسبة روحه إلى بدنه تستدعي بها إرادة الله من نفسه أن يفعل به ما يكون به العبد فاعلاً وإلا فمحله غير قابل للعطاء وليس معه إناء يوضع فيه العطاء، فمن جاء بغير إناء رجع بالحرمان ولا يلومن إلا نفسه. وتوكيل العبد ربه تفويضه إليه وعزل نفسه عن التصرف وإثباته لأهله ووليّه. ولهذا قيل في التوكل: إنه عزل النفس عن الربوبية وقيامها بالعبودية، وهذا معنى كون الرب وكيل عبده أي كافيه والقائم بأموره ومصالحه لأنه نائبه في التصرف. وعِلم العبد بتفرد الحق تعالى وحده بملك الأشياء كلها وأنه ليس له مشارك في ذرّة من ذرات الكون من أقوى أسباب توكله وأعظم دواعيه. فإذا تحقق ذلك علماً ومعرفة وباشر قلبه حالاً لم يجد أبداً من اعتماد قلبه على الحق وحده وثقته به وسكونه إليه وحده وطمأنينته به وحده لعلمه أن حاجاته وفاقاته وضروراته وجميع مصالحه كلها بيده وحده لا بيد غيره، فأين يجد قلبه مناصاً من التوكل بعد هذا؟

стр. 211

وفي صحيح البخاري ﵀ عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قرأت في التوراة صفة النبي ﷺ : محمد رسول الله سمّيته المتوكل. الحديث. وأخبر عن رسله بأن حالهم كان التوكل، وبه انتصروا على قومهم. وأخبر النبي ﷺ عن السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم أهل مقام التوكل. وقد يظن الظان أنالتوكل مقصور على معلوم الرزق وقوة البدن وصحة الجسم ولا ريب أن هذا اتلوكل ناقص بالنسبة إلى التوكل في إقامة الدين والدعوة إلى الله .. ثم ليعلم العبد أنه لا يملك قبل علمه استطاعة فلا يأمن من مكر ولا يَيْأس من معونة ولا يُعوّل على نيّة. قال ابن القيم على هذه الأربع الاستطاعة والمكر والمعونة والنية أي يتحقق أن استطاعته بيد الله لا بيده فهو مالكها دونه، فإنه إن لم يُعطِه الاستطاعة فهو عاجز، فهو لا يتحرك إلا بالله لا بنفسه فكيف يأمن المكر وهو مُحَرَّك لا مُحَرِّك؟.

стр. 212

يحركه من حركته بيده فإن شاء ثبّطه وأقعده مع القاعدين كما قال فيمن مَنَعَهُ هذا التوفيق: (وَلَكِن كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ). فهذا مكر الله بالعبد: أن يقطع عنه مواد توفيقه ويخلي بينه وبين نفسه ولا يبعث دواعيه ولا يحركه إلى مراضيه ومحابّه، وليس هذا حقاً على الله فيكون ظالماً بمنعه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، بل هو مجرد فضله الذي يحمد على بذله لمن بذله له وعلى منعه لمن منعه إياه، فله الحمد وعلى هذا وهذا. ومن فَهِم هذا فَهِم باباً عظيماً من سر القدر وانجلت له إشكالات كثيرة. (١) فهو سبحانه لا يريد من نفسه فعلاً يفعله بعبده يقع منه ما يحبه ويرضاه، فيمنعه فعل نفسه به وهو توفيقه لا أنه يكرهه ويقهره على فعل مساخطه، بل يَكِلْه إلى نفسه وحَوْله وقوته ويتخلى عنه، فهذا هو المكر.

стр. 213

أما أنه لا ييأس من معونة فيعني أنه إذا كان المحرِّك له هو الرب ﷻ وهو أقدر القادرين وهو الذي تفرّد بخلقه رزقه وهو أرحم الراحمين، فكيف ييأس من معونته له؟ أما أنه لا يُعوِّل على نية فمعناه أن لا يعتمد على نيته وعزمه ويثق بها فإن نيته وعزمه بيد الله تعالى لا بيده، وهي إلى الله لا إليه، فلتكن ثقته بمن هي في يده حقاً لا بمن هي جارية عليه حكماً. إنتهى. وحيث أنه يخطر على بال الإنسان الإضلال السابق فهنا يقول ابن القيم: وأما الإضلال السابق الذي ضَلّ به عن قبول الإهتداء فهو إضلال ناشئ عن علم الله السابق في عبده أنه لا يصلح للهدى ولا يليق به وأن محلّه غير قابل له، فالله أعلم حيث يضع هداه وتوفيقه. إنتهى. كلامه ﵀ المتقدم عن المكر وأنه قطع مواد توفيق الله عن عبده وتخْليته بينه وبين نفسه وكون الرب سبحانه لا يبعث دواعيه ولا يحركه إلى مراضيه ومحابّه هو الخذلان. والمعنى أن نفس العبد خلقها الرب متحركة بالإرادة فإذا لم يحركها بتوفيقه وما يرضيه فليس معناه أن لا تتحرك أو تُحرِّك نفسها بل يحرِّكها خالقها وخالق أفعالها لكن يحركها مخذولة ممكور بها

стр. 214

وذلك بأن يَكِلَ العبد إلى نفسه وهو ظلوم جهول لا يمكن أن يصدر منه خيراً قط إلا بتوفيق خالقه وخالق أفعاله، فهذا هو الخذلان، وتقدم بيان أن التوفيق أن لا يكلك الله إلى نفسك، والخذلان أن يكلك الله إلى نفسك. ولا يتأتى التوكل ممن لا يعرف القدر ويشهد حركات العالَم وسكونه صادرة عن الحق تعالى في كل متحرك وساكن. ومما يوضح ما تقدم من الكلام في التوكل الذي هو نصف الدين ويبين القدر أيضاً الذي هو الركن السادس من أركان الإيمان وهو نظام التوحيد كما قال ابن عباس ﵄ مما يوضح ذلك ما قاله ابن القيم ﵀ عن الذين يتعبدون ممن نقص توكلهم يقول عن هؤلاء أن لهم عبادات وأوراد ولكن حظهم ناقص من التوكل والإستعانة، لم تتّسِع قلوبهم لارتباط الأسباب بالقدر وتلاشيها في ضمنه وقيامها به وأنها بدون القدر كالموات الذي لا تأثير له بل كالعدم الذي لا وجود له وأن القدر كالروح المحرّك لها والمعوّل على المحرك الأول. إنتهى. تأمله في نفسك وفي غيرك واعلم أنه لا يتسع القلب لارتباط الأسباب بالقدر وأنها تتلاشى في ضمنه ولا تقوم إلا به إلا أن يوفق

стр. 215

الله العبد فيلقي بقلبه نوراً يبصر به هذا الأمر حقيقة وحالاً لا علماً فقط فإنه فرق بين العلم والحال المقارنة وبين العلم المجرّد عن الحال. وانظر كيف أن أسبابنا التي هي حركاتنا وسكناتنا روحها هو القدر الفاعل إذ هي بدونه مَوَات وعدم يظهر لك عظم شأن التوكل وكونه نصف الدين. ثم قال ﵀: فلم تنفذ بصائرهم من المتحرك إلى المحرّك ومن السبب إلى المسبِّب ومن الآلة إلى الفاعل، فضعفت عزائمهم وقصرت هممهم فقل نصيبهم من (إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ولم يجدوا ذوْق التعبد بالتوكل والاستعانة وإن وجدوا ذوْقه بالأوراد والوظائف. انتهى. المحرِّك هو القدَر وهو قدرة الله ، والمتحرك هو المخلوق وهو الآلة، والفاعل هو القدر، فشهود هذه الأحوال بالبصيرة يوجب التوكل. ثم قال: فهؤلاء لهم نصيب من التوفيق والنفوذ والتأثير بحسب استعانتهم وتوكلهم، ولهم من الخذلان والضعف والمهانة والعجز بحسب قلّة استعانتهم وتوكلهم.
следующие страницы →