← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36176

إحسان سلوك العبد المملوك إلى ملك الملوك

عبد الكريم بن صالح الحميد

Полный текст (252 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وفي صحيح البخاري ﵀ عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قرأت في التوراة صفة النبي ﷺ : محمد رسول الله سمّيته المتوكل. الحديث. وأخبر عن رسله بأن حالهم كان التوكل، وبه انتصروا على قومهم. وأخبر النبي ﷺ عن السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم أهل مقام التوكل. وقد يظن الظان أنالتوكل مقصور على معلوم الرزق وقوة البدن وصحة الجسم ولا ريب أن هذا اتلوكل ناقص بالنسبة إلى التوكل في إقامة الدين والدعوة إلى الله .. ثم ليعلم العبد أنه لا يملك قبل علمه استطاعة فلا يأمن من مكر ولا يَيْأس من معونة ولا يُعوّل على نيّة. قال ابن القيم على هذه الأربع الاستطاعة والمكر والمعونة والنية أي يتحقق أن استطاعته بيد الله لا بيده فهو مالكها دونه، فإنه إن لم يُعطِه الاستطاعة فهو عاجز، فهو لا يتحرك إلا بالله لا بنفسه فكيف يأمن المكر وهو مُحَرَّك لا مُحَرِّك؟.

стр. 212

يحركه من حركته بيده فإن شاء ثبّطه وأقعده مع القاعدين كما قال فيمن مَنَعَهُ هذا التوفيق: (وَلَكِن كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ). فهذا مكر الله بالعبد: أن يقطع عنه مواد توفيقه ويخلي بينه وبين نفسه ولا يبعث دواعيه ولا يحركه إلى مراضيه ومحابّه، وليس هذا حقاً على الله فيكون ظالماً بمنعه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، بل هو مجرد فضله الذي يحمد على بذله لمن بذله له وعلى منعه لمن منعه إياه، فله الحمد وعلى هذا وهذا. ومن فَهِم هذا فَهِم باباً عظيماً من سر القدر وانجلت له إشكالات كثيرة. (١) فهو سبحانه لا يريد من نفسه فعلاً يفعله بعبده يقع منه ما يحبه ويرضاه، فيمنعه فعل نفسه به وهو توفيقه لا أنه يكرهه ويقهره على فعل مساخطه، بل يَكِلْه إلى نفسه وحَوْله وقوته ويتخلى عنه، فهذا هو المكر.

стр. 213

أما أنه لا ييأس من معونة فيعني أنه إذا كان المحرِّك له هو الرب ﷻ وهو أقدر القادرين وهو الذي تفرّد بخلقه رزقه وهو أرحم الراحمين، فكيف ييأس من معونته له؟ أما أنه لا يُعوِّل على نية فمعناه أن لا يعتمد على نيته وعزمه ويثق بها فإن نيته وعزمه بيد الله تعالى لا بيده، وهي إلى الله لا إليه، فلتكن ثقته بمن هي في يده حقاً لا بمن هي جارية عليه حكماً. إنتهى. وحيث أنه يخطر على بال الإنسان الإضلال السابق فهنا يقول ابن القيم: وأما الإضلال السابق الذي ضَلّ به عن قبول الإهتداء فهو إضلال ناشئ عن علم الله السابق في عبده أنه لا يصلح للهدى ولا يليق به وأن محلّه غير قابل له، فالله أعلم حيث يضع هداه وتوفيقه. إنتهى. كلامه ﵀ المتقدم عن المكر وأنه قطع مواد توفيق الله عن عبده وتخْليته بينه وبين نفسه وكون الرب سبحانه لا يبعث دواعيه ولا يحركه إلى مراضيه ومحابّه هو الخذلان. والمعنى أن نفس العبد خلقها الرب متحركة بالإرادة فإذا لم يحركها بتوفيقه وما يرضيه فليس معناه أن لا تتحرك أو تُحرِّك نفسها بل يحرِّكها خالقها وخالق أفعالها لكن يحركها مخذولة ممكور بها

стр. 214

وذلك بأن يَكِلَ العبد إلى نفسه وهو ظلوم جهول لا يمكن أن يصدر منه خيراً قط إلا بتوفيق خالقه وخالق أفعاله، فهذا هو الخذلان، وتقدم بيان أن التوفيق أن لا يكلك الله إلى نفسك، والخذلان أن يكلك الله إلى نفسك. ولا يتأتى التوكل ممن لا يعرف القدر ويشهد حركات العالَم وسكونه صادرة عن الحق تعالى في كل متحرك وساكن. ومما يوضح ما تقدم من الكلام في التوكل الذي هو نصف الدين ويبين القدر أيضاً الذي هو الركن السادس من أركان الإيمان وهو نظام التوحيد كما قال ابن عباس ﵄ مما يوضح ذلك ما قاله ابن القيم ﵀ عن الذين يتعبدون ممن نقص توكلهم يقول عن هؤلاء أن لهم عبادات وأوراد ولكن حظهم ناقص من التوكل والإستعانة، لم تتّسِع قلوبهم لارتباط الأسباب بالقدر وتلاشيها في ضمنه وقيامها به وأنها بدون القدر كالموات الذي لا تأثير له بل كالعدم الذي لا وجود له وأن القدر كالروح المحرّك لها والمعوّل على المحرك الأول. إنتهى. تأمله في نفسك وفي غيرك واعلم أنه لا يتسع القلب لارتباط الأسباب بالقدر وأنها تتلاشى في ضمنه ولا تقوم إلا به إلا أن يوفق

стр. 215

الله العبد فيلقي بقلبه نوراً يبصر به هذا الأمر حقيقة وحالاً لا علماً فقط فإنه فرق بين العلم والحال المقارنة وبين العلم المجرّد عن الحال. وانظر كيف أن أسبابنا التي هي حركاتنا وسكناتنا روحها هو القدر الفاعل إذ هي بدونه مَوَات وعدم يظهر لك عظم شأن التوكل وكونه نصف الدين. ثم قال ﵀: فلم تنفذ بصائرهم من المتحرك إلى المحرّك ومن السبب إلى المسبِّب ومن الآلة إلى الفاعل، فضعفت عزائمهم وقصرت هممهم فقل نصيبهم من (إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ولم يجدوا ذوْق التعبد بالتوكل والاستعانة وإن وجدوا ذوْقه بالأوراد والوظائف. انتهى. المحرِّك هو القدَر وهو قدرة الله ، والمتحرك هو المخلوق وهو الآلة، والفاعل هو القدر، فشهود هذه الأحوال بالبصيرة يوجب التوكل. ثم قال: فهؤلاء لهم نصيب من التوفيق والنفوذ والتأثير بحسب استعانتهم وتوكلهم، ولهم من الخذلان والضعف والمهانة والعجز بحسب قلّة استعانتهم وتوكلهم.

стр. 216

ولو توكل العبد على الله حق توكله في إزالة جبل عن مكانه وكان مأموراً بإزالته لأزالَه. فإن قلت: فما معنى التوكل والإستعانة؟ قلت: هو حال للقلب ينشأ عن معرفته بالله والإيمان بتفرّده بالخلق والتدبير والضر والنفع والعطاء والمنع وأنه ما شاء كان وإن لم يشأ الناس وما لم يشأ لم يكن وإن شاءه الناس، فيوجب له هذا اعتماداً عليه وتفويضاً إليه وطمأنينة به وثقة به ويقيناً بكفايته لما توكل عليه فيه وأنه مَلِيٌّ به ولا يكون إلا بمشيئته شاء الله أم أبَوْه. إنتهى. هذه الحال التي تكون للقلب ولا تحصل إلا بإحكام معرفة القَدَر وقد كتب فيه ابن القيم ﵀ كتاباً في غاية النفاسة وبيّن مع القدر ومراتبه حكمة الإله العظيم فيما خلق وتعليل أفعاله سبحانه والكتاب هو: (شفاء العليل في مسائل القضار والقدر والحكمة والتعليل) وفيه الرد على من نفى حكمة الإله وإثبات الحكمة في كل ما خلق لا يخرج عن ذلك مثقال ذرة في الكون وفيه الرد على من لا يجعل عِلّة لأفعال الرب سبحانه ومن يشبّه أفعاله بأفعال المخلوقين، وفيه مناظرات بين أهل السنة وبعض طوائف الضلال مثل القدرية

стр. 217

والجبرية ينجلي للناظر فيها حسن وكمال مذهب السُّني في القدَر ولوازمه، وفي الكتاب غير هذا الكنوز مما لا يوجد في غيره فقدّس الله روح هذا الإمام وشيخه ورضي الله عنهما وجميع علماء المسلمين الذين حَمَوا هذا الدين ودافعوا عنه وأظهروا من جماله وكماله وحسنه ما وفقهم الله إليه مما خصّهم به. لقد بين ﵀ في ذلك الكتاب ما قد تحارّ به العقول مثل تقدير الشرور وخلق من فيه شر وعذاب الكفار كل ذلك وغيره بينه أحسن بيان وأنه صادر عن حكيم في كل ما خلق. ثم قال ﵀ يصف حال المتوكل الصادق لا ما نقوله بألسنتا عادة ودعوى: فتُشبه حالته حالة الطفل مع أبويه فيما ينوبه من رغبة ورهبة هما مَلِيَّان بهما. فانظر في تجرّد قلبه عن الإلتفات إلى غير أبَوَيْه وحبْس همّه على إنزال ما يَنوبُه بهما. فهذه حال المتوكل ومن كان هكذا مع الله فالله كافيه ولا بد، قال الله تعالى: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) أي كافيه و (الحسْب) الكافي فإن كان مع هذا من أهل التقوى كانت له العاقبة الحميدة. إنتهى.

стр. 218

تأثير المعاصي والطاعات على العبد قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى). ذكر ابن القيم ﵀ أن المعيشة الضنك في الدنيا وفي البرزخ، قال: فإن من أعرض عن ذكره الذي أنزله فله من ضيق الصدر ونكد العيش وكثرة الخوف وشدة الحرص والتعب على الدنيا والتحسّر على فواتها قبل حصولها وبعد حصولها والآلام التي في خلال ذلك ما لا يُشعر به القلب لسكرته وانغماسه في السكر. انتهى. أنظر كيف كانت هذه الآلام وحصلت والقلب لا يُشعر بها لسكرته وليست هذه سكرة الخمر وإنما هي سكرة حب الدنيا واتباع الهوى والمعاصي والغفلة عن الله والدار الآخرة والجهل بحق الله على عبده، وقد يصحب هذه الآفات سكر الخمر ونحوه. ثم قال: فهو لا يصحو ساعة إلا أحسّ وشعر بهذا الألم فبادر إلى إزالته بسكر ثان، فهو هكذا مدة حياته، وأي عيشة أضيق من هذه لو كان للقلب شعور؟.

стр. 219

فقلوب أهل البدع والمعرضين عن القرآن وأهل الغفلة عن الله وأهل المعاصي في جحيم قبل الجحيم الأكبر، وقلوب الأبرار في نعيم قبل النعيم الأكبر (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) هذا في دورهم الثلاث ليس مختصاً بالدار الآخرة، وإن كان تمامه وظهوره إنما هو في الدار الآخرة وفي البرزخ دون ذلك، وفي هذه الدار دون ما في البرزخ ولكن يمنع من الإحساس به الاستغراق في سكرة الشهوات وطرح ذلك عن القلب وعدم التفكّر فيه. وقد جعل الله سبحانه للحسنات والطاعات آثاراً محبوبة لذيذة طيبة، لذّتها فوق لذة المعصية بأضعاف مضاعفة لا نسبة لها إليها، وجعل للسيئات والمعاصي آلاماً وآثاراً مكروهة وحزازات تُرْبي على لذة تناولها بأضعاف مضاعفة، فما حصل للعبد حال مكروهة قط إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر، فكل نقص وبلاء وشر في الدنيا والآخرة فسببه الذنوب ومخالفة أوامر الرب، فليس في العالم شر قط إلا الذنوب وموجباتها. وآثار الحسنات والسيئات في القلوب والأبدان والأموال أمر مشهود في العالَم لا ينكره ذو عقل سليم بل يعرفه المؤمن والكافر والبر والفاجر.

стр. 220

وشهود العبد هذا في نفسه وفي غيره وتأمله ومطالعته مما يقوي إيمانه بما جاءت به الرسل وبالثواب والعقاب فإن هذا عدل مشهود محسوس في هذا العالَم ومثوبات وعقوبات عاجلة دالة على ما هو أعظم منها لمن كانت له بصيرة. فالذنوب مثل السموم مضرة بالذات، فإن تداركها من سَقْي بالأدوية المقاومة لها وإلا قَهَرَتْ القوة الإيمانية وكان الهلاك كما قال بعض السلف: (المعاصي يريد الكفر كما أن الحُمّى يريد الموت) فشهود العبد نقص حاله إذا عصى ربه وتقير القلوب عليه وجُفُولها منه واسنداد الأبواب في وجهه وتوعّر المسالك عليه وهوانه على أهل بيته وأولاده وزوجته وإخوانه وتطلّبه ذلك حتى يعلم من أين أُتي، ووقوعه على السبب الموجب لذلك مما يُقوي إيمانه. فإن أقلع وباشر الأسباب التي تفضي به إلى ضد هذه الحال رأى العز بعد الذل والغنى بعد الفقر والسرور بعد الحزن والأمن بعد الخوف والقوة في قلبه بعد ضعفه ووهنه ازداد إيماناُ مع إيمانه فتقوة شواهد الإيمان في قلبه وبراهينه وأدلته في حال معصيته وطاعته، فهذا من الذين قال الله فيهم: (لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ). إنتهى.

стр. 221

وإليك هذا المثل الذي يوضح كلام ابن القيم السابق: بينما المسيح ﵇ في رهط من الحواريين بين نهر جار وحيّة منتنة إذ أقبل طائر حسن اللون يتلون كأنما هو الذهب فوقع قريباً فانتفض فسلخ عنه مسكه فإذا هو أقبح شيء منظراً، أُقَيْرع أُحَيْمر كأقبح ما يكون، فأتى بِرْكة فتلوّث في حمأتها فخرج أسوداً قبيحاً. فاستقبل جرية الماء فاغتسل ثم عاد إلى مسلاخه فلبسه، فعاد إليه حسنه وجماله حين رجع إلى مسكه فتدرّعه كما كان أول مرة. فكذلك عامل الخطيئة حين يخرج من دينه ويكون في الخطايا وكذلك مثل التوبة كمثل اغتساله من النِّتْن في النهر ثم راجع دينه حتى تدرّع مسكه. فقال عيسى ﵇: إن هذا بُعث لكم آية، إن مثل هذا كمثل المؤمن إذا تلوّث في الذنوب والخطايا نُزع منه حسنه وجماله وإذا تاب إلى الله عاد إليه حسنه وجماله، وقد كتبت ما يوضح هذا في نسخة (دش ودين كيف يجتمعان؟!) والمراد هنا تأثير المعاصي والطاعات على العبد باطناً وظاهراً لا أن ذلك مخصوص فقط بالثواب والعقاب الأخروي.

стр. 222

مدح الناس لا يزين وذمهم لا يشين قال ابن القيم: إذا تمكن العبد من عبوديته لربه ارتفعت همّته وعلت نفسه عن خطفات المدح والذم، فلا يفرح بمدح الناس ولا يحزن لذمّهم. هذا وصف من خرج عن حظ نفسه وتأهّل للفناء في عبودية ربه، وصار قلبه مَطْرحاً لأشعة أنوار الأسماء والصفات، وباشر حلاوة الإيمان واليقين قلبه. والوقوف عند مدح الناس وذمّهم علامة انقطاع القلب وخُلُوِّه من الله، وأنه لم تباشره روح محبته ومعرفته، ولم يذق حلاوة التعلق به والطمأنينة إليه. لا يجتمع (الإخلاص) في القلب و (محبة المدح والثناء) و (الطمع فيما عند الناس) إلا كما يجتمع الماء والنار، والضب والحوت.

стр. 223

فإذا حدّثتك نفسك بطلب الإخلاص فأقبل على (الطمع) أولاً فاذبحه بسكين اليأس وأقبل على (المدح والثناء) فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة. فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سَهُل عليك الإخلاص. فإن قلت: وما الذي يُسهل علي ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح؟ قلت: أما ذبح الطمع فيسهله عليك علمك يقيناً أنه ليس من شيء يُطمع فيه إلا وبيد الله وحده خزائنه لا يملكها غيره، ولا يؤتي العبد منها شيئاً سواه. وأما الزهد في الثناء والمدح فيسهله عليك علمك أنه ليس أحد ينفع مدحه ويزين ويضر ذمّه ويشين، إلا الله وحده كما قال ذلك الأعرابي للنبي ﷺ إن مدحي زين وذمي شين، فقال: ذلك الله ، فازهد في مدح من لا يزينك مدحه، وفي ذم من لا يشينك ذمه، وارغب في مدح من كل الزين في مدحه وكل الشين في ذمه، ولن تقدر على ذلك إلا بالصبر واليقين، فمتى فقدت الصبر واليقين كنت كمن أراد السفر في البحر في غير مركب، قال تعالى:

стр. 224

(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ) وقال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ).

стр. 225

النفس جبل عظيم شاق في طريق العبودية وقال ابن القيم: النفس حجاب بين العبد وبين الله لا يصل إلى الله حتى يقطع هذا الحجاب، وهي جبل عظيم شاق في طريق السير إلى الله ، وكل سائر لا طريق له إلا على ذلك الجبل، فلا بد أن ينتهي إليه، ولكن منهم من هو شاق عليه ومنهم من هو سهل عليه وإنه ليسير على من يسره الله عليه. وفي ذلك الجبل أودية وشعوب وعقبات ووهود وشوك وعوسج وعُليق وشبرق، ولصوص يقطعون الطريق على السائرين ولا سيما أهل الليل المدلجين، فإذا لم يكن معهم عُدد الإيمان ومصابيح اليقين تَنْقِد بزيت الإخبات وإلا تعلقت بهم تلك الموانع وتشبّثت بهم تلك القواطع وحالت بينهم وبين السير. فإن أكثر السائرين فيه رجعوا على أعقابهم لما عجزوا عن قطعه واقتحام عقباته. والشيطان على قلّة ذلك الجبل يُحذّر الناس من صعوده وارتفاعه ويخوفهم منه، فيتّفق مشقة الصعود وقعود ذلك المُخوِّف على قُلَّته

стр. 226

وضعف عزيمة السائر ونيته، فيتولّد من ذلك: الإنقطاع والرجوع والمعصوم من عصمه الله. وكلما رقى السائر في ذلك الجبل اشتد به صياح القاطع وتحذيره وتخويفه. فإذا قطعه وبلغ قٌلّته: انقلبت تلك المخاوف كلهن أماناً، وحينئذ يسهل السير، وتزول عنه عوارض الطريق ومشقة عقباتها ويرى طريقاً واسعاً آمناً يُفضي به إلى المنازل والمناهل، وعليه الأعلام، وفيه الإقامات قد أُعدّت لركب الرحمن. فبين العبد وبين السعادة والفلاح قوة عزيمة وصبر ساعة وشجاعة نفس وثبات قلب، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

стр. 227

شواهد السائر إلى الله والدار الآخرة قال ابن القيم ﵀: فأول شواهد السائر إلى الله والدار الآخرة أن يقوم به شاهد من (الدنيا وحقارتها) وقلة وفائها وكثرة جفائها وخِسّة شركائها وسرعة انقضائها. [وما هي إلا ساعة ثم تنقضي ... ويذهب هذا كله ويزول] ويرى أهلها وعشاقها صرعى حولها قد بدّعَتْ وعذبتهم بأنواع العذاب وأذاقتهم أمرّ الشراب. أضحكتهم قليلاً وأبكتهم طويلا، سقَتْهم كؤوس سمّها بعد كؤوس خمرها، فسكروا بحبها وماتوا بهجرها. فإذا قام بالعبد هذا الشاهد منها ترحّل قلبه عنها وسافر في طلب الدار الآخرة، وحينئذ يقوم بقلبه شاهد من (الآخرة ودوامها) وأنها هي الحيوان حقاً، فأهلها لا يرتحلون منها ولا يظعنون عنها بل هي دار القرار ومحط الرّحال ومنتهى السير، وأن الدنيا بالنسبة إليها كما قال النبي ﷺ : (ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم ترجع).

стр. 228

وقال بعض التابعين: ما الدنيا في الآخرة إلا أقلّ من ذرة واحدة في جبال الدنيا. ثم يقوم بقلبه شاهد من [النار] وتوقدها واضطرامها، وبُعْد قعرها وشدة حرّها وعظيم عذاب أهلها، فيشاهدهم وقد سبقوا إليها سود الوجود زُرْق العيون، والسلاسل والأغلال في أعناقهم. فلما انتهوا إليها فُتحت في وجوههم أبوابها فشاهدوا ذلك المنظر الفظيع، وقد تقطعت قلوبهم حسرة وأسفاً، (وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً) فيشاهدهم بقلبه وهم إليها يُدفعون. وأتى النداء من قِبَل رب العالمين: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ) ثم قيل لهم: (هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ، اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاء عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ). ويراهم وهم في الحميم على وجوههم يسحبون، وفي النار كالحطب يُسْجَرون (لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ) فبئس اللحاف، وبئس الفراش، وإن استغاثوا من شدة العطش (يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ).

стр. 229

فإذا شربوه قطّع أمعاءهم في أجوافهم، وصهر ما في بطونهم، وشرابهم الحميم وطعامهم الزقوم: (لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ، وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ). فإذا قام بقلب العبد هذا الشاهد انخلع من الذنوب والمعاصي واتباع الشهوات ولَبِسَ ثياب الخوف والحذر، وأخْصَبَ قلبه من مطر أجفانه وهان عليه كل مصيبة تصيبه في غير دينه وقلبه. وعلى حسب قوة هذا الشاهد يكون بُعده من المعاصي والمخالفات، فَيُذيب هذا الشاهد من قلبه الفضلات والمواد المهلكة ويُنضجها ثم يُخرجها، فيجد القلب لذة العافية وسرورها. فيقوم بعد ذلك شاهد من [الجنة] وما أعدّ الله فيها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فضلاً عما وصفه الله لعباده على لسان رسوله من النعيم المفصّل الكفيل بأعلى أنواع اللذة من المطاعم والمشارب والملابس والصور، والبهجة والسرور.

стр. 230

فيقوم بقلبه شاهد دار قد جعل الله النعيم المقيم الدائم بحذافيره فيها، تربتها المسك، وحصاؤها الدُّر، وبناؤها لَبِن الذهب والفضة وقصب اللؤلؤ، وشرابها أحلى من العسل، وأطيب رائحة من المسك، ونساؤها لو بَرَز وجه إحداهن في هذه الدنيا لَغَلَب على ضوء الشمس، ولباسهم الحرير من السندس والإستبرق، وخدمهم ولدان كاللؤلؤ المنثور، وفاكهتهم دائمة لا مقطوعة ولا ممنوعة، وفرش مرفوعة، وغذاؤهم لحم طير مما يشتهون، وشرابهم عليه حمرة لا فيها غَوْل ولا هم عنها يُنْزَفون، وخضرتهم فاكهة مما يتخيرون، وشاهدهم حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون، فهم على الأرائك متكئون، وفي تلك الرياض يُحبَرون، وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وهم فيها خالدون. فإذا انضمّ إلى هذا الشاهد شاهد (يوم المزيد) والنظر إلى وجه الرب ﷻ وسماع كلامه منه بلا واسطة كما قال ﷺ : (بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤسهم فإذا الرب تعالى قد أشرف عليهم من فوقهم وقال: يا أهل الجنة سلام عليكم، ثم قرأ قوله تعالى: (سَلَامٌ قَوْلاً مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ) ثم يتوارى عنهم وتبقى رحمته وبركته عليهم في ديارهم.

стр. 231

فإذا انضم هذا الشاهد إلى الشواهد التي قبله فهناك يسير القلب إلى ربه أسرع من سير الرياح في مهابّها، فلا يلتفت في طريقه يميناً ولا شمالاً. هذا وفوق ذلك شاهد آخر تضمحل فيه هذه الشواهد ويغيب به العبد عنها كلها وهو شاهد [جلال الرب تعالى وجماله وكماله] وعزه وسلطانه وقيوميته وعلوه فوق عرشه وتكلمه بكتبه وكلمات تكوينه وخطابه لملائكته وأنبيائه. فإذا شاهده شاهد بقلبه قيوماً قاهراً فوق عباده مستوياً على عرشه منفرداً بتدبير مملكته آمراً ناهياً مُرْسلاً رسله ومنزلاً كتبه، يرضى ويغضب ويُثيب ويعاقب ويعطي ويمنع ويعز ويُذل ويحب ويبغض ويرحم إذا استرحم ويغفر إذا استُغْفِر ويعطي إذا سُئل ويجيب إذا دُعي ويُقيل إذا استُقيل. أكبر من كل شيء وأعظم من كل شيء وأعز من كل شيء وأقدر من كل شيء وأعلم من كل شيء وأحكم من كل شيء. ثم ذكر حمه الله قوة الرب وجماله وصفاته ثم قال: فإذا قام بقلب العبد هذا الشاهد اضمحلت فيه الشواهد المتقدمة من غير أن

стр. 232

تعدم بل تصير الغلبة والقهر لهذا الشاهد، وتندرج فيه الشواهد كلها. ومَنْ هذا شاهده فله سلوك وسير خاص ليس لغيره ممن هو عن هذا في غفلة أو معرفة مجملة. فصاحب هذ الشاهد سائر إلى الله في يقظته ومنامه وحركته وسكونه وفطره وصيامه، له شأن وللناس شأن هو في واد والناس في واد. خليلَيَّ لا والله ما أنا منكما ... إذا عَلَمٌ من آل ليلى بدا ليا والمقصود أن العيان والكشف والمشاهدة في هذه الدار إنما تقع على الشواهد والأمثلة العلمية، وهو المثل الأعلى الذي ذكره سبحانه في ثلاثة مواضع من كتابه.

стр. 233

وطن القلب قال ابن القيم –﵀: أنقل قلبك من وطن الدنيا وأسكنه في وطن الآخرة ثم أقْبِل به كله على معاني القرآن واستجلائها وتدبرها وفهم ما يراد منه وما نزل لأجله، وخذ نصيبك وحظك من كل آية من آياته ونزّلها على داء قلبك. فهذه طريق مختصرة قريبة سهلة موصلة إلى الرفيق الأعلى، آمنة لا يلحق سالكها خوف ولا عطب ولا جوع ولا عطش، ولا فيها آفة من آفاق سائر الطرق البتة، وعليها من الله حارس وحافظ يكلأ السالكين فيها ويحميهم ويدفع عنهم. ولا يعرف قدر هذه الطريق إلا من عرف طرق الناس وغوائلها وآفاتها وقطاعها، والله المستعان. أجمع العارفون: أن الزهد سفر القلب من وطن الدنيا وأخذِه في منازل الآخرة، ولا يحصل سفر القلب إلا باليقظة وهي انزعاج القلب لروعة الإنتباه من رقدة الغافلين، ولله ما أنفع هذه الروعة وما أعظم قدرها وخطرها وما أشد إعانتها على السلوك.

стр. 234

فمن أحسّ بها فقد أحس والله بالفلاح وإلا فهو في سكرات الغفلة، فإذا انتبه شمّر لله بهمته إلى السفر إلى منازله الأولى وأوطانه التي سُبي منها. فحيّ على جنات عدن فإنها ... منازلنا الأولى وفيها المخيّم ... ولكننا سبي العدو فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا ونُسَلّم فأخذ في أهبة السفر، فانتقل إلى منزلة (العزم) وهو العقد الجازم على المسير، ومفارقة كل قاطع ومُعوّق ومرافقة كل معين وموصل، وبحسب كمال انتباهه ويقظته يكون عزمه، وبحسب قوة عزمه يكون استعداده. فإذا استيقظ أوجبت له اليقظة (الفكرة) وهي تحديق القلب نحو المطلوب الذي قد استعدّ لها مجملاً ولمّا يهتد إلى تفصيله وطريق الوصول إليه. فإذا صحّت فكرته أوْجبت له (البصيرة) فهي نور في القلب يبصر به الوعد والوعيد والجنة والنار، وما أعدّ الله في هذا لأوليائه وفي هذا لأعدائه. فأبصر الناس وقد خرجوا من قبورهم مهطعين لدعوة الحق، وقد نزلت ملائكة السموات فأحاطت بهم، وقد جاء الله، وقد نُصِب

стр. 235

كرسيه لفصل القضاء، وقد أشرقت الأرض بنوره، ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء، وقد نُصب الميزان وتطايرت الصحف واجتمعت الخصوم وتعلق كل غريم بغريمه، ولاح الحوض وأكوابه عن كثَب، وكثر العطاش وقلّ الوارد، ونُصب الجسر للعبور ولُزّ الناس إليه، وقُسمت الأنوار دون ظلمته للعبور عليه، والنار يحطم بعضها بعضاً تحته، والمتساقطون فيها أضعاف أضعاف الناجين. فيُفتح في قلبه عين يرى بها ذلك، ويقوم بقلبه شاهد من شواهد الآخرة يُريه الآخرة ودوامها والدنيا وسرعة انقضائها. فالبصير نور يقذفه الله في القلب يرى به حقيقة ما أخبرت به الرسل كأنه يشاهده رأي عين فيتحقق مع ذلك انتفاعه بما دعت إليه الرسل وتضرّره بمخالفته.

стр. 236

اليقظة أول مفاتيح الخير ذكر ابن القيم –﵀: أن النفس إذا اطمأنت من الشك إلى اليقين ومن الجهل إلى العلم ومن الغفلة إلى الذكر ومن الخيانة إلى التوبة ومن الرياء إلى الإخلاص ومن الكذب إلى الصدق ومن العجز إلى الكَيْس ومن صولة العجب إلى ذِلّة الإخبات ومن التيه إلى التواضع ومن الفتور إلى العمل فقد باشرت روح الطمأنينة. وأصل ذلك ومنشؤه من اليقظة فهل أول مفاتيح الخير، فإن الغافل عن الاستعداد للقاء ربه والتزوّد لمعاده بمنزلة النائم بل أسوأ حالاً منه، فإن الغافل يعلم وعد الله ووعيده وما تتقاضاه أوامر الرب تعالى ونواهيه وأحكامه من الحقوق لكن يحجبه عن حقيقة الإدراك ويُقْعده عن الاستدراك سِنَة القلب وهي غفلته التي رقد فيها فطال رقوده وركَدَ وأخلد إلى نوازع الشهوات فاشتد إخلاده وركوده، وانغمس في غمار الشهوات واستولت عليه العادات ومخالطة أهل البطالات ورضي بالتشبه بأهل إضاعة الأوقات.

стр. 237

فهو في رقاده مع النائمين، وفي سكرته مع المخمورين، فمتى انكشف عن قلبه سِنَة هذه الغفلة بزجرة من زواجر الحق في قلبه استجاب فيها لواعظ الله في قلب عبده المؤمن أو هِمّة علِيَّة أثارها مِعْوَل الفكر في المحل القابل فضرب بمعول فكره وكبّر تكبيرة أضاءت له منها قصور الجنة فقال: ألا يا نفس ويحك ساعديني ... يسعى منك في ظلم الليالي ... لعلك في القيامة أن تفوزي ... بطيب العيش في تلك العلالي فأثارت تلك الفكرة نوراً رأى في ضوئه ما خُلق له وما سيلقاه بين يديه من حين الموت إلى دخول دار القرار، ورأى سرعة انقضاء الدنيا وعدم وفائها لبنيها وقَتْلها لعشاقها، وفعلها بهم أنواع المثلات فنهض في ذلك الصوء على ساق عزمه قائلاً: (يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ) فاستقبل بقية عمره التي لا قيمة لها مستدركاً بها ما فات، ومحيياً بها ما أمات، مستقلاً بها ما تقدم من العثرات، منتهزاً فرصة الإمكان التي إن فاتت فاتته جميع الخيرات. ثم يلحظ في نور تلك اليقظة وُفُور نعمة ربه عليه من حين استقر في الرّحم إلى وقته وهو ينقلب فيها ظاهراً وباطناً ليلاً ونهاراً ويقظة ومناماً سراً وعلانية.

стр. 238

فلو اجتهد في إحصاء أنواعها لما قَدِر، ويكفي أن أدناها نعمة النفس فما ظنك بغيرها؟ ثم يرى في ضوء ذلك النور أنه آيس من حصرها وإحصائها عاجز عن أداء حقها، وأن المنعِم بها إن طالبه بحقوقها استوعب جميع أعماله حق نعمة واحدة منها. فيتيقن حينئذ أنه لا مطمع له في النجاة إلا بعفو الله ورحمته وفضله. ثم يرى في ضوء تلك اليقظة أنه لو عمل أعمال الثقلين من البرّ لاحتقرها بالنسبة إلى جنب عظمة الرب تعالى وما يستحقه لجلال وجهه وعظيم سلطانه. هذا لو كانت أعماله منه فكيف وهي مجرد فضل الله ومنته وإحسانه حيث يسّرها له وأعانه عليها وهيّأه لها وشاءها منه وكوّنها ولو لم يفعل ذلك لم يكن له سبيل إليها، فحينئذ لا يرى أعماله منه وأن الله سبحانه لن يقبل عملاً يراه صاحبه من نفسه حتى يرى عين توفيق الله وفضله عليه ومنته، وأنه من الله لا من نفسه، وأنه ليس له من نفسه إلا الشر وأسبابه، وما به من نعمة فمن الله وحده فضلاً ساقه إليه من غير أن يستحقه بسبب ويستأهله بوسيلة، فيرى ربه

стр. 239

ووليه ومعبوده أهلاً لكل خير ويرى نفسه أهلاً لكل شر، وهذا أساس جميع الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة، وهو الذي يرفعها ويجعلها في ديوان أصحاب اليمين. ثم يبرق له في نور اليقظة بارقة أخرى يرى في ضوئها عيوب نفسه وآفات عمله وما تقدم له من الجنايات والإساءات وهتك الحرمات والتقاعد عن كثير من الحقوق والواجبات، فإذا انضمّ ذلك إلى شهود نعم الله عليه وأياديه لديه رأى أن حق المنعِم عليه في نعمه وأوامره لم يُبْقِ له حسنة واحدة يرفع بها رأسه، وقد اطمئن قلبه وانكسرت نفسه وخشعت جوارحه وسار إلى الله ناكس الرأس بين مشاهدة نعمه ومطالعة جناياته وعيوب نفسه وآفات عمله قائلاً: أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. فلا يرى لنفسه حسنة ولا يراها أهلاً لخير فيُوجب له أمرين عظيمين: أحدهما: إستكثار ما مِن الله عليه. والثاني: إستقلال ما منه من الطاعة كائنة ما كانت، ثم تبرق له بارقة أخرى يرى في ضوئها عزّة وقته وخطره وشرفه وأنه رأس مال

стр. 240

سعادته فيبخل به أن يضيعه فيما لا يقربه إلى ربه، فإن في إضاعته الخسران والحسرة والندامة، وفي حفظه وعمارته الربح والسعادة فيشِحّ بأنفاسه أن يضيعها فيما لا ينفعه يوم معاده. ثم يلحظ في ضوء تلك البارقة ما تقتضيه يقظته من سِنة غفلته من التوبة والمحاسبة والمراقبة والغَيْرة لربه أن يُؤثِر عليه غيره، وعلى حظه من رضاه وقربه وكرامته أن يبيعه بثمن بخس في دار سريعة الزوال، وعلى نفسه أن يُمَلِّك رقّها لمعشوق لو فكّر في منتهى حُسْنه ورأى آخره بعين بصيرته لأنِفَ لها من محبته. فهذا كله من آثار اليقظة وموجباتها، وهي أولى منازل النفس المطمئنة التي نشأ منها سفرها إلى الله والدار الآخرة.

стр. 241

الخاتمة وأخيراً أريد أن أشير إلى أنه من الخطأ أن يُظن أني متصف بما وصفت فقد يحمّل الإنسان مالا يحتمل ولكني أكتب وأتعلم وأرجو توفيق الله وهدايته لي وللمسلمين. ثم إن هذا الذي كتبته من أراد التوسّع فيه فلينظر في مؤلفات ابن القيم وشيخه خاصة ومؤلفات أئمة السلف عموماً. أما من تأخر فلا مطمع فيه لمثل هذا، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. كتبه عبد الكريم بن صالح الحميد القصيم- بريدة ١٤٢١هـ

стр. 242

فهرس الموضوعات . الموضوع ... رقم الصفحة المقدمة .. وفيها:- ... ٣ - حال ذوي هذا الزمان مع السلوك، مع ذكر مصدر جمع هذا الكتاب. ... ٣ - تعريف السلوك. ... ٣ - وقفة حول ما يُسمى بـ[علم النفس]. ... ٤ - إيراد سؤال على ألسنة لملاحدة عن عذاب القبر ونعيمه وسِعته وضيقه ونحو ذلك مع إيراد الإجابة عليه بإجابة عجيبة مما يُبين فضل علم السلف على مَنْ سواهم. ... ٤ - قاعدة مهمة حول ظهور الأبدان والأرواح وخفائها في الدور الثلاث. ... ٦ و ٧ -[٢١] ثمرة من دقائق ثمرات العمل بمقتضى علم السلوك. ... ١١ فوائد عن الروح والموت والقبر. ... ١٤ تعارف الأرواح وتناكرها. ... ١٥ ما هو الموت؟ ... ١٦ صورة الروح. ... ١٧ صفة الروح. ... ١٨ رائحة الروح ... ١٩

стр. 243

الحياة في القبر. ... ٢٠ الأنواع الخمسة لتعلّق الروح بالبدن. ... ٢٠ وجه الشبه بين النائم والميت. ... ٢٢ تقارب الأرواح وتباعدها. ... ٢٣ هل يشارك البدن النفس في النعيم والعذاب أم لا؟ ... ٢٤ الميت في البرزخ ولم لم يقبر. ... ٢٥ هل تخبر الرسل بالمستحيل؟ ... ٢٦ خلط الحق بالباطل. ... ٢٧ مواعظ القبور. ... ٢٩ قصيدة تبيّن حال أهل الوقت مع الجنائز والقبور. ... ٣٠ عذاب القبر نوعان: دائم ومنقطع. ... ٣٢ الروح ذات مستقلة. ... ٣٣ هل النفس والروح شيء واحد أم شيئان متغايران؟ ... ٣٤ الروح تُخلق من نفخة الملك. ... ٣٥ الروح ليست من أمر الغيب. ... ٣٧ روح الله. ... ٣٨ (العقلانيون/ الجاهليون). ... ٤٠

стр. 244

لا يتم الإسلام إلا على ظهر التسليم. ... ٤٢ الثواب والأجر، والفروق بين أجر الخالق وأجر المخلوق. ... ٤٤ الفرق الأول. ... ٤٥ الفرق الثاني. ... ٤٦ الفرق الثالث. ... ٥١ الفرق الرابع. ... ٥٢ العمل لله ليس كالعمل لغيره من المخلوقين. ... ٥٣ نعمة النفس تستوعب الأعمال الصالحة كلها. ... ٥٤ نعمة البصر تأخذ عبادة خمسمائة سنة. ... ٥٥ الدواوين الثلاثة. ... ٥٩ حق الله على عبده. ... ٦٠ أعمال العبد مستحقّة عليه بموجب العبودية. ... ٦٢ النظر في حق الله على العبد. ... ٦٤ الفرق بين نظر أهل المعرفة ونظر الجهال. ... ٦٦ من فوائد نظر العبد في حق الله عليه. ... ٧٠ فوائد محاسبة النفس. ... ٧١ التوبة. ... ٧٦

стр. 245

من أسرار التوبة. ... ٨٤ فقر العبد إلى ربه. ... ٩٣ الغنى السافل. ... ١٠٢ الغني العالي. ... ١٠٧ معرفة المعبود الحق بلا جنة ولا نار. ... ١٠٩ أقسام القلوب. ... ١١١ (لم يجعل الله لرجل من قلبين في جوفه). ... ١١٣ قِبْلَة القلب. ... ١١٥ العرش. ... ١٢٠ أقسام الناس في العبادة. ... ١٢٢ محبة الإله. ... ١٢٩ - وقفة حول ما يُسمّى بـ[الخواء الروحي]. ... ١٢٩ محبة يقارنها إجلال وتعظيم ومهابة. ... ١٣٥ طريق المحبة. ... ١٣٧ تصحيح الغلط في مسمى الجنة. ... ١٤٢ سِرّ (لا إله إلا الله) وحقيقتها. ... ١٤٤ معرفة النفس. ... ١٥٠

стр. 246

النفس المطمئنة. ... ١٥٢ النفس الإمارة بالسوء. ... ١٥٥ النفس اللوامة. ... ١٥٩ علامات مرض القلب. ... ١٦٠ دواء مرض القلب. ... ١٦٤ علامات صحة القلب. ... ١٦٦ - تبيان شيخ الإسلام للأثر البليغ على صحة القلب من الإدمان من قول (يا حي يا قيوم، لا إله إلا أنت). ... ١٦٨ كسرة التائب وصولة المَدِل. ... ١٦٩ الإخلاص. ... ١٧٦ عاقبة الإخلاص لله. ... ١٨١ آفات الأعمال. ... ١٨٥ التخلص من رؤية العمل. ... ١٨٨ التخلص من طلب العوض على العمل. ... ١٩١ التخلص من الرضى بالعمل والسكون إليه. ... ١٩٢ الخوف. ... ١٩٦ الرجاء. ... ٢٠٠

стр. 247

الكرامة والإستقامة. ... ٢٠٣ التوكل. ... ٢٠٧ تأثير المعاصي والطاعات على العبد. ... ٢١٩ مدح الناس لا يزين وذمّهم لا يشين. ... ٢٢٣ النفس جبل عظيم شاق في طريق العبودية. ... ٢٢٦ شواهد السائر إلى الله والدار الآخرة. ... ٢٢٨ وطن القلب. ... ٢٣٤ اليقظة أول مفاتيح الخير. ... ٢٣٧ الخاتمة. ... ٢٤٢ فهرس الموضوعات. ... ٢٤٣ - ٢٤٨

стр. 248

من مؤلفات فضيلة الشيخ/ عبد الكريم بن صالح الحميد إبطال دعوى الخروج ليأجوج ومأجوج (رد على من تأول أوربا والصين وغيرهم بأنهم يأجوج ومأجوج). الإتحاف بعقيدة الإسلاف والتحذير من جهمية السقاف. أحداث صحبة الأحداث. إحسان سلوك العبد المملوك إلى ملك الملوك، واقتنائه مهم جدا لناشدي سعادة الدارين). الأدب بين زخارف الأقوال وعبودية ذي الجلال. إشعار الحريص على عدم جواز التقصيص من اللحية لمخالفته للتنصيص. أضواء المسارج لبيان جور التعليقات على المدارج (رد على تعليقات جريئة للفقي على مدارج السالكين لابن القيم). إعانة المتعالي لرد كيد الغزالي إقامة الحجة والبرهان على من زعم أن الله في كل مكان. (رد على محمد متولي الشعراوي). إلجام الأقلام عن التعرض للأئمة الأعلام. إنارة الدرب لما في تفسير سيد قطب من آثار الغرب. الإنكار على من لم يعتقد خلود وتأبيد الكفر في النار. تبيان الأخطاء والزلات في مسألة ذكر الحسنات. [في الردود على الزائغين والمفتونين وغيرهم]. تحذير العبد من شقاء الفؤاد. تحف من ذخائر السلف.

стр. 249

تصحيح الأفهام لمراد شيخ الإسلام. [رد على عبد الرحمن بن عبد الخالق]. التوسل بالقبور ضلال وغرور. التوطئة للدجال. ثمار يانعة وتعليفات نافعة. جالب السرور لربات الخدور. الحب في الله. الحضارة الغربية. الحق الدامغ للدعاوي في دحض مزاعم القرضاوي. دش ودين كيف يجتمعان!!. دعوى الإصلاح. دعوى وصول القمر. دواء العشاق. ذم التفريط للباطل والإفراط العاطل. السراج لكشف ظلمات الشرك في مدخل ابن الحاج. الشناعة على من رد أحاديث الشفاعة. [رد على مصطفى محمود]. الشهب المحرقة لضلالات كتاب [الشمس المشرقة .. ] علاء السلف وأهل الوقت. العلم الذي يستحق أن يسمى علماً.

стр. 250

عوائق في طريق العبودية. عيوب تشييد البناء في دار الفناء. القرآن والعلم الحديث. القول المختار. الكافي في التحذير من مضلات القوافي [تعقيبات مهمة جدا على ديوان أحمد شوقي-الشوقيات-]. الكسوف والخسوف. المخاطر الأربعة. مختصر تفسير المفصل. مطالب الطالب ومثالب الناكب. مقدمات الدجال. معاول الحق تهدم بنيان الباطل [رد على عبيد ربه التجاني المالكي]. معرفة الكبير المتعال بالعظمة والجلال والجمال. ملامح جهمية [رد على حسن فرحان المالكي وأتباعه]. من جهز غازيا فقد غزا!!. نظرات في مؤلفات الغزالي. نور البصيرة والبصر في مسائل القضاء والقدر. هداية الحيران في مسألة الدوران.
следующие страницы →