← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 36181

الرد على اللمع

شحاتة صقر

Полный текст (260 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

مواطن الشر، حذِراً من دسائس الأعداء ومكائدهم. وكذلك يجوز السفر أو يجب إلى بلادهم إذا كان لأجل الدعوة إلى الله ونشر الإسلام. ٤ - لا يجوز أن يُوَلّى الكافر ولاية فيها سلطان على المسلمين أو إطلاع علا أسرارهم كاتخاذهم وزراء ومستشارين (١)، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً (٢) وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨]. قال الإمام ابن القيم: «ولما كانت التولية شقيقة الولاية كانت توليتهم نوعاًَ من

стр. 177

توليهم وقد حكم تعالى بأن من تولاهم فإنه منهم، ولا يتم الإيمان إلا بالبراءة منهم، والولاية تنافي البراءة، فلا تجتمع الولاية والبراءة أبداً، والولاية إعزاز فلا تجتمع ومعاداة الكافر أبداً» (١). ٥ - الإقامة في بلادهم وعدم الانتقال منها إلى بلد المسلمين لأجل الفرار بالدين، لأن الهجرة بهذا المعنا ولهذا الغرض واجبة على المسلم، لأن إقامته في بلاد الكفر تدل على موالاة الكافرين، ومن هنا حرم الله إقامة المسلم بين الكفار إذا كان يقدر على الهجرة. ٦ - التأريخ بتاريخهم، خصوصاً التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم كالتاريخ الميلادي. ٧ - مدحهم والإشادة بما هم عليه من المدنية والحضارة أو الإعجاب بمهاراتهم وأخلاقهم دون نظر إلى عقائدهم الباطلة ودينهم الفاسد، قال تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَا﴾ [طه: ١٣١]، وليس معنى ذلك أن المسلمين لا يتخذون أسباب القوة من تعلم الصناعات، والأساليب العسكرية، بل ذلك مطلوب. ٨ - مشاركتهم في أعيادهم أو مساعدتهم في إقامتها أو تهنئتهم بمناسبتها أو حضور إقامتها (٢).

стр. 178

٩ - التسمى بأسمائهم. ١٠ - الاستغفار لهم والترحم عليهم. ١١ - الرضا بكفر الكافرين، وعدم تكفيرهم أو الشك في كفرهم أو تصحيح أي مذهب من مذاهبهم الباطلة، فالذي يحب الكافر لأجل كفره، فهو كافر بإجماع الأمة، فالمحبة والرضا أمران جازمان لا يخرجان عن كونهما كفراً إذا كانا للكفار، أو إيماناً إذا كانا للمؤمنين. ١٢ - مداهنتهم ومداراتهم ومجاملتهم على حساب الدين: إن المداهنة والمجاملة قد تبدأ بأمر صغير ثم تكبر وتنمو حتى تؤدى إلى الخروج من الملة. ١٣ - تعظيم وإطلاق الألقاب عليهم مثل السادة والحكماء. ١٤ - مبادأتهم بالسلام، قال ﵌: «لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام» (١). ١٥ - مودتهم ومحبتهم قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]. ١٦ - مصاحبتهم واتخاذهم أصدقاء قال ﵌: «الرجل على دين خليله فَلْينظر أحدكم من يخالل» (٢). * معاملات جائزة لا تدخل ضمن الموالاة (٣): لا محبة، ولا أخوة، ولا صداقة، ولا مودة، ولا موالاة بين المسلمين والكفار، وهذا لا يمنع جواز المعاملات الآتية:

стр. 179

١ - البيع والشراء والإجارة مع الكفار، فيما يحل مثله بين المسلمين من غير مهانة للمسلم. ٢ - قبول الهدية منهم وإهداؤهم في غير أعيادهم تأليفًا لهم أو دفعاً لمفسدتهم أو لمصلحة أخرى راجحة. ٣ - عيادة مريضهم لدعوته إلى الإسلام. ٤ - الزواج من الكتابية العفيفة ـ يهودية أو نصرانية ـ ولكن بشرط بغضها على دينها، ولا يحل للمؤمنات الزواج بالكافر مطلقاً، ولا البقاء تحته إذا أسلمت ولم يسلم هو. ٥ - البر والإقساط وصلة الرحم والأقارب منهم في غير مودة ومحبة. ٦ - الانتفاع بما عندهم من علوم الدنيا حين تنعدم الاستفادة من هذه العلوم من مسلم تقي. ٧ - عدم أذيته في ماله، أو دمه، أو عرضه إذا كان غير محارب. ٨ - تشميته إذا عطس وحمد الله بأن يقول له: يهديكم الله ويصلح بالكم. ٩ - يرحمه بالرحمة العامة كإطعامه إذا جاع، وسقيه إن عطش، ومداواته إن مرض، وكإنقاذه من تهلكة. ١٠ - رد السلام عليهم لقوله ﵌: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم» (١). * تنبيه: هناك فرق بين البر والصلة والعدل معهم بشرع الله، وبين المحبة والموالاة التي هي من أعمال القلب أصلاً (٢)، قال الحافظ ابن حجر: «البر والصلة والإحسان لا يستلزم التحابب والتوادد المنهى عنه في قوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] فإنها عامة في

стр. 180

حق من قاتل ومن لم يقاتل» (١). يقول الأستاذ سيد قطب ﵀: «إن سماحة الإسلام مع أهل الكتاب شيء واتخاذهم أولياء شيء أخر، ولكنهما يختلطان على بعض المسلمين ... فيخلطون بين دعوة الإسلام إلى السماحة في معاملة أهل الكتاب والبر بهم في المجتمع المسلم الذي يعيشون فيه مكفولي الحقوق، وبين الولاء الذي لا يكون إلا لله ورسوله وللجماعة المسلمة، ناسين ما يقرره القرآن الكريم من أن أهل الكتاب بعضهم أولياء بعض في حرب الجماعة المسلمة، وأن هذا شأن ثابت لهم، وأنهم ينقمون من المسلم إسلامه، وأنهم لن يرضوا عن المسلم إلا أن يترك دينه ويتبع دينهم، وأنهم مصرون على الحرب للإسلام وللجماعة المسلمة، وأنهم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر» (٢). * موقف المسلم من أعياد الكفار (٣): أولاً: اجتناب حضورها: اتفق أهل العلم على تحريم حضور أعياد الكفار والتشبه بهم فيها. ثانياً: اجتناب موافقتهم في أفعالهم: قد لا يتسنى لبعض المسلمين حضور أعياد الكفار لكن يفعل مثل ما يفعلون فيها، وهذا من التشبه المذموم المحرم، قال شيخ الإسلام: «لا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بهم في شيء مما يختص بأعيادهم لا من طعام

стр. 181

ولا لباس ولا اغتسال، ولا إيقاد نيران ولا تبطيل عادة من معيشة أو عبادة أو غير ذلك، ولا يحل فعل وليمة ولا الإهداء ولا البيع بما يستعان به على ذلك لأجل ذلك، ولا تمكين الصبيان ونحوهم من اللعب الذي في الأعياد ولا إظهار زينة، وبالجملة: ليس لهم أن يخصوا أعيادهم بشيء من شعائرهم، بل يكون عيدهم عند المسلمين كسائر الأيام» (١). ثالثاً: اجتناب المراكب التي يركبونها لحضور أعيادهم: قال مالك: «يكره الركوب معهم في السفن التي يركبونها لأجل أعيادهم لنزول السخطة واللعنة عليهم» (٢). رابعاً: عدم الإهداء لهم أو إعانتهم على عيدهم ببيع أو شراء، قال أبو الحفص الحنفي: «من أهدى فيه بيضة إلى مشرك تعظيماً لليوم فقد كفر بالله تعالا» (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: « ... لا يحل للمسلمين أن يبيعوا من النصارى شيئاً من مصلحة عيدهم، لا لحماً ولا إداماً ولا ثوباً ولا يعارون دابة ولا يعاونون على شيء من عيدهم، لأن ذلك من تعظيم شركهم ومن عونهم على كفرهم. وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك وهو قول مالك وغيره لم أعلمه اختلف فيه» (٤). خامساً: عدم إعانة المسلم المتشبه بهم في عيدهم على تشبهه: قال شيخ الإسلام: «وكما لا نتشبه بهم في الأعياد، فلا يعان المسلم المتشبه بهم في ذلك، بل ينهى عن ذلك، فمن صنع دعوة مخالفة للعادة في أعيادهم لم تُجَب دعوته، ومن أهدى من المسلمين هدية في هذه الأعياد مخالفة للعادة في سائر الأوقات غير هذا العيد لم تُقبل

стр. 182

هديته، خصوصاً إن كانت الهدية مما يستعان بها على التشبه بهم كما ذكرناه، ولا يبيع المسلم ما يستعين به المسلمون على مشابهتهم في العيد من الطعام واللباس ونحو ذلك؛ لأن في ذلك إعانة على المنكر» (١). سادساً: عدم تهنئتهم بعيدهم: وسيأتي كلام الإمام ابن القيم في الرد على قول الأستاذ محمد حسين: «ويهنيها في عيدها». * مسألة: لو أراد المسلم أن يحتفل مثل احتفالهم لكنه قدم ذلك أو أخره عن أيام عيدهم فراراً من المشابهة؟ الجواب: هذا نوع من التشبه وهو حرام؛ لأن المحرك له على إحداث احتفاله وجود عيدهم، ولأن حريم الشيء يدخل فيه، وحريم العيد ما قبله وما بعده من الأيام التي يحدثون فيها أشياء لأجله، أو ما حوله من الأمكنة التي يحدث فيها أشياء لأجله أو ما يحدث بسبب أعماله من الأعمال، فهذه حكمها حكمه فلا يُفعل شيء من ذلك؛ فإن بعض الناس قد يمتنع من إحداث أشياء في أيام عيدهم كيوم الخميس والميلاد، ويقول لعياله: إنما أصنع لكم هذا في الأسبوع أو الشهر الآخر، وإنما المحرك على إحداث ذلك وجود عيدهم، ولولا هو لم يقتضوا ذلك، فهذا أيضاً من مقتضيات المشابهة (٢). سابعاً: اجتناب استعمال تسمياتهم ومصطلحاتهم التعبدية: إذا كانت الرطانة لغير حاجة مما يُنهى عنه لعلة التشبه بهم فاستخدام تسميات أعيادهم أو مصطلحات شعائرهم مما هو أولى في النهي عنه وذلك مثل استخدام لفظ المهرجان على كل تجمع كبير وهو اسم لعيد ديني عند الفرس.

стр. 183

* مناقشة كلام الأستاذ محمد حسين: أولاً: قال الأستاذ محمد حسين (ص٩٣ - ٩٤): « ... عن معاوية بن حيدة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «حق الجار: إن مرض عدته وإن مات شيعته، وإن استقرضك أقرضته، وإن أعوز سترته، وإن أصابه خير هنأته، وإن أصابته مصيبة عزّيته، ولا تؤذه بريح قدرك إلا أن تغرف له منها» رواه الطبراني، وعن جابر بن عبد الله ﵄ عن رسول الله ﵌ أنه قال: «الجيران ثلاثة جار له حق، وهو الجار الكافر، وجار له حقان هو الجار المسلم ... » الحديث، فجعل للكافر حقاً هو حق الجوار، فيكون له كل حقوق الجار. * الرد: الحديثان ضعيفان (١) ورغم ذلك بنى عليهما المؤلف هذا الحكم رغم تقريره أن الحديث الضعيف لا يجوز العمل به في الأحكام والعقائد (اللمع) ص٣٢. وإنما صح عن رسول الله ﵌ قوله: «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس» (٢)، وقوله ﵌: «حق المسلم على المسلم ست» قيل: «ما هن، يا رسول الله؟»، قال: «إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمّته، وإذا مرض فعُدْه، وإذا مات فاتّبِعه» (٣). * الإحسان إلى الجار الكافر يدخل في باب البر والإقساط إليه في غير مودة ومحبة، قال رسول الله ﵌: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» (٤). قال الحافظ ابن حجر: «واسم الجار يشمل المسلم والكافر، والعابد

стр. 184

والفاسق، والصديق والعدو، والغريب والبلدي، والنافع والضار، والقريب والأجنبي، والأقرب داراً والأبعد، وله مراتب بعضها أعلى من بعض، فأعلاها من اجتمعت فيه الصفات الأُوَل كلها ثم أكثرها وهلم جرا إلى الواحد، وعكسه من اجتمعت فيه الصفات الأخرى كذلك، فيُعطى كلٌ حقه بحسب حاله وقد تتعارض صفتان فأكثر فيرجح أو يساوي، وقد حمله عبد الله بن عمرو أحد من روى الحديث على العموم فأمر لما ذبحت له شاة يهدى منها لجاره اليهودي أخرجه في الأدب المفرد، والترمذي (١) وحسّنه» (٢) ا. هـ. فإهداء الجار الكافر تأليفاً له يدخل في باب البر والإقساط إليه وسيأتي ـ إن شاء الله ـ الكلام على تشيع جنازتهم وتهنئتهم بأعيادهم. ثانياً: ذكر (ص٩٤): «عن شقيق بن وائل قال: ماتت أمي نصرانية فأتيت عمر بن الخطاب فذكرت ذلك له، فقال: «اركب دابة وسِرْ أمام جنازتها» ... ففيه تشييع جنازة أهل الذمة». * الرد: ١ - قال الأستاذ محمد حسين نفسه (ص٩٦ - ٩٧): «سئل ابن تيمية ﵀: «هل يجوز للمسلم إذا مرض النصراني أن يعوده؟ وإذا مات أن يتبع جنازته؟»، فقال في الفتاوى الكبرى (٣) الجزء الرابع والعشرين: «لا يتبع جنازته، وأما عيادته فلا بأس بها فإنه قد يكون في ذلك مصلحة لتأليفه على الإسلام». ٢ - يوضح هذا الأثَرَ ـ الذي ذكره الأستاذ محمد حسين ـ ما قاله الإمام ابن القيم بعد أن ذكره: «وقال حنبل: سألت أبا عبد الله عن المسلم تموت له أم نصرانية أو أبوه أو أخوه أو ذو قرابته، ترى أن يَلِيَ شيئاً من أمره حتى يواريه؟ قال: إن كان أبا أو أما

стр. 185

أو أخا أو قرابة قريبة وحضره فلا بأس، قد أمر النبي ﵌ عليّ بن أبي طالب ﵁ أن يواري أبا طالب (١)، قلت: فترى أن يفعل هو ذلك؟ قال: أهل دينه يلونه وهو حاضر يكون معهم، حتى إذا ذهبوا به تركه معهم وهم يلونه» (٢). ٣ - جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: س: ما حكم الله في حضور جنائز الكفار، الذي أصبح تقليداً سياسياً وعرفاً متبعاً؟ ج: إذا وجد من الكفار من يقوم بدفن موتاهم فليس للمسلمين أن يتولوا دفنهم، ولا أن يشاركوا الكفار ويعاونوهم في دفنهم أو يجاملوهم في تشييع جنائزهم، عملاً بالتقاليد السياسية، فإن ذلك لم يعرف عن رسول الله ﵌ ولا عن الخلفاء الراشدين، بل نهى الله رسوله ﵌ أن يقوم على قبر عبد الله بن أُبَيّ ابن سلول، وعلل ذلك بكفره، قال تعالى: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَاَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤]، وأما إذا لم يوجد من يدفنه دفنه المسلمون كما فعل النبي ﵌ بقتلى بدر، وبعمه أبي طالب لما توفي قال لعليّ: «اذهب فَوَارِه» (٣). ٤ - عن علي قال: قلت للنبي ﵌: «إن عمك الشيخ الضال قد مات»، قال: «اذهب فَوَارِ أباكَ، ثم لا تُحْدِثَنَّ شيئاً حتى تأتيَني» فذهبت فواريتُه، وجئتُه، فأمرني فاغتسلتُ ودعا لي (٤). فهذا رسول الله ﵌ لم يحضر جنازة عمه، رغم أنه كان يحميه ويدافع عنه، وأمر ابنه علياً أن يواريه ولما جاء أمره بالاغتسال.

стр. 186

ثالثاً: قال الأستاذ محمد حسين (ص٩٨): «هل يعقل أن يبيح الإسلام أن يتزوج المسلم بالكتابية ولا يعاملها بالحسنى كسائر الزوجات؟ هل تكون له زوجة وأم أولاده ولا يحبها ويواسيها ويهنيها في أعيادها؟ إن فقه الإسلام يأمر الزوج أن يحترم مشاعرها؟ بل لها أن تذهب إلى الكنيسة وتتعبد على دينها ولا يمنعها من ذلك». * الرد: ١ - قوله: «هل يعقل ... ؟» نقول: العقل ليس مصدراً من مصادر التشريع، وإنما يجب علينا اتباع الله ورسوله ﵌ فعن عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: «لو كان الدين بالرَأْي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيتُ رسول الله ﵌ يمسح على ظاهر خُفَيْهِ» (١). ٢ - قال الشيخ السيد سابق: «يحل للمسلم أن يتزوج الحرة من نساء أهل الكتاب ... والزواج بهن، وإن كان جائزاً، إلا أنه مكروه لأنه لا يؤمن أن يميل إليها، فتفتنه عن الدين، أو يتولى أهل دينها، فإن كانت حربية (٢) فالكراهية أشد لأنه يكثّر سواد أهل الحرب، ويرى بعض العلماء حرمة الزواج من الحربية، فقد سئل ابن عباس عن ذلك فقال: «لا تحل»، وتلا قول الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] (٣). * ومما يدل على كراهة التزوج منهن ما ثبت أن حذيفة تزوج يهودية فكتب إليه عمر: «طلِّقها»، فكتب إليه: «لمَ؟ أحرام هي؟»، فكتب إليه: «لا، ولكنى

стр. 187

خفت أن تعاطوا المومسات منهن» (١). * اشترط الجمهور وهم الذين يقولون بحل زواج الكتابيات عدة شروط ينبغي توافرها في الكتابية قبل الزواج بها: أ- أن تكون عفيفة. ب- أن تكون متمسكة بدينها (٢). جـ- وأن تكون ذمية عند بعض العلماء بمعنى أنّها خاضعة لسيطرة المسلمين. ومع ذلك فقد اتفقوا على أن الأوْلى ترك التزوج بالكتابية مخافة أن تؤَثّر على ولدها، وأن تلتبس البغي بالعفيفة كما قال عمر بن الخطاب لحذيفة بن اليمان (٣) ﵄، وإذا كان الرسول ﵌ قد حث على الزواج بذات الدين من المسلمات فكيف بغير المسلمات أصلاً. * تنبيه: هذا الزواج لابد أن يظل معه بغض هذه المرأة على دينها، ولا مانع من استمرار النكاح مع وجود البغضاء، فكم من بيوت تقوم على غير الحب من مصالح ومنافع أخرى (٤). ٣ - قال الإمام ابن القيم: «وأما الخروج إلى الكنيسة والبيعة، فله أن يمنعها منه، نص عليه ـ أي نص عليه الإمام أحمد ـ وفي رواية يعقوب بن بختان في الرجل تكون له المرأة النصرانية: لا يأذن لها في الخروج إلى عيد النصارى أو البيعة، وقال في رواية محمد بن يحيى الكحال وأبي الحارث في الرجل تكون له الجارية النصرانية تسأله الخروج إلى أعيادهم وكنائسهم وجموعهم: لا يأذن لها في ذلك». قال الإمام ابن القيم: «وإنما وجه ذلك أنه لا يعينها على أسباب الكفر وشعائره

стр. 188

ولا يأذن لها فيه» (١). ٤ - قول الأستاذ محمد حسين: «ويهنيها في أعيادها»: قال الإمام ابن القيم ﵀: «وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك أو تهنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثما عند الله، وأشد مقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه، وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل، فمن هنأ عبداً بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه» (٢). * ولا يخفى أن من الحكم الظاهرة لإباحة الزواج بالكتابية أن يكون ذلك سبباً في إسلامها، لا أن يكون سبباً وعوناً لها على التمسك بدينها. وبنفس منطق الأستاذ محمد حسين: هل يُعقل أن يكون المسلم مطالَباً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبذل النصيحة لكل أحد، ثم هو لا يبذل قصارى جهده في دعوة زوجته وأم ولده إلى الإسلام. ثم هل يُعقل أن يخاف المسلم على أبنائه من معاشرة الكفار والفجار حتى لا يتأثر بهم، ثم هو يأتي لهم بأم كافرة يسمح لها بالذهاب إلى الكنيسة ويهنئها في عيدها، رغم تمسكها بكفرها. * سؤال: نقل الأستاذ محمد حسين (ص٩٨) عن الإمام أحمد المنع من الدخول على الكفار بِيَعهم في أعيادهم، فما رأيه فيما يفعله الإخوان المسلمون من الدخول على النصارى الكنائس لتهنئتهم بعيدهم؟ راجع كلام الإمام ابن القيم السابق قبل أسطر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «روى البيهقي بإسناد صحيح، في باب: كراهة الدخول على أهل الذمة في كنائسهم، والتشبه بهم يوم نيروزهم ومهرجانهم: عن

стр. 189

عطاء بن دينار، قال: قال عمر: لا تعلموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم، فإن السخطة تنزل عليهم» (١). تنبيه: قال الأستاذ محمد حسين (ص٩٨): «جاء في كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم) للإمام ابن تيمية ﵀: قيل للإمام أحمد بن حنبل: هذه الأعياد التي تكون عندنا بالشام مثل طور يابور ودير أيوب وأشباهه يشهده المسلمون ويشهدون الأسواق، ويجلبون الغنم فيه والبقر والرقيق والبر والشعير وغير ذلك، إلا أنهم إنما يدخلون في الأسواق يشترون ولا يدخلون عليهم بِيَعَهم؟ قال: إذا لم يدخلوا عليهم بِيَعَهم وإنما يشهدون السوق فلا بأس».اهـ. توضيح: قال شيخ الإسلام ابن تيمية (في نفس الكتاب ١/ ٢٢٨): «فما أجاب به أحمد من جواز شهود السوق فقط للشراء منها، من غير دخول الكنيسة ليس فيه شهود منكر، ولا إعانة على معصية، لأن نفس الابتياع منهم جائز، ولا إعانة فيه على المعصية، بل فيه صرف لما لعلهم يبتاعونه لعيدهم عنهم، فيكون فيه تقليل الشر، وقد كانت أسواق في الجاهلية، كان المسلمون يشهدونها، وشهد بعضها النبي ﵌، ومن هذه الأسواق ما كان يكون في مواسم الحج، ومنها ما كان يكون لأعياد باطلة وأيضاً، فإن أكثر ما في السوق، أن يباع فيها ما يستعان به على المعصية، فهو كما لو حضر الرجل سوقاً يباع فيها السلاح لمن يقتل به معصوماً أو العصير لمن يخمره، فحضرها الرجل ليشتري منها، بل هذا أجود؛ لأن البائع في هذه السوق ذمي، وقد أقروا على هذه المبايعة. ثم إن الرجل لو سافر إلى دار الحرب ليشتري منها، جاز عندنا، كما دل عليه حديث تجارة أبي بكر ﵁، في حياة رسول الله ﵌ إلى أرض الشام، وهي دار حرب، مع أنه لا بد أن تشتمل أسواقهم على بيع ما يستعان به على المعصية.

стр. 190

فأما بيع المسلم لهم في أعيادهم ما يستعينون به على عيدهم من الطعام واللباس والريحان ونحو ذلك، أو إهداء ذلك لهم، فهذا فيه نوع إعانة على إقامة عيدهم المحرم وهو مبني على أصل وهو أنه لا يجوز أن يبيع الكفار عنبًا أو عصيرًا يتخذونه خمرًا وكذلك لا يجوز بيعهم سلاحًا يقاتلون به مسلمًا». رابعاً: قال الأستاذ محمد حسين (ص٩٩): «يقول الله : ﴿وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، فقد نُهينا عن سب الكفار والمشركين وعذرهم الله بجهلهم، ونبينا ﵌ عذر قومه المخالفين له في العقيدة فقال: «اللهم اهْدِ قومي فإنهم لا يعلمون»». الرد: ١ - الجهل نوعان: أ- جهل يُعذر صاحبه وهو الجهل الناشيء عن عدم البلاغ، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥]. ب- جهل لا يُعذر صاحبه وهو الجهل الناشيء عن الإعراض عن قبول الحجة، فكل المشركين جهلة من هذا الباب، وقد وصفهم الله بالجهل وعدم العلم في مواضع كثيرة من كتابه الكريم قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦]، وقال سبحانه في شأن آل فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤]. والمقصود بعدم العلم في الآية والحديث: اعتقاد الأمر على غير ما هو عليه، وهذا ليس عذراً لهم لأن الحجة أقيمت عليهم بإرسال الرسول ﵌ وبلوغهم الدعوة. ٢ - أخطأ الأستاذ محمد حسين في تفسير الآية، ولو كلف نفسه الرجوع إلى أحد التفاسير ما قال ذلك.

стр. 191

قال الحافظ ابن كثير: «يقول الله تعالى ناهيا لرسوله ﵌ عن سبّ آلهة المشركين وإن كان فيه مصلحة إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها وهي مقابلة المشركين بسَبّ إله المؤمنين» (١). ويجوز سب آلهتهم عند أمن الفتنة كما فعل أبو بكر ﵁ في صلح الحديبية (٢). ٣ - قال الأستاذ محمد حسين: «وعذرهم الله بجهلهم»: الرد: عذر من؟! المشركين الذين يسبون الله ويعبدون الأصنام؟! فلماذا يدخلهم النار؟! وإذا كان الله قد عذر الكافر المشرك أبا لهب بجهله فلِمَ قال: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣]؟! ولماذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]؟! بل لماذا قال الله تعالى في حق النصارى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً * إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٣] وقال : ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [سورة المائدة: ٧٢] وقال : ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة المائدة: ١٧]. وإذا كان الله قد عذرهم بجهلهم وإذا كان نبينا ﵌ قد عذرهم، فلماذا حاربهم

стр. 192

- ﵌ ولماذا قتلهم؟! وقول الأستاذ محمد حسين: «إن الله عذرهم بجهلهم» ـ وهم مشركون ـ هل معناه أنهم سيدخلون الجنة؟ ولو فتح الأستاذ محمد حسين (في ظلال القرآن) أو أي كتاب تفسير؛ ما وقع فيما وقع فيه، يقول الأستاذ سيد قطب ﵀ في تفسير الآية: « ... لقد أُمروا ألا يسبوا آلهة المشركين مخافة أن يحمل هذا أولئك المشركين على سب الله ـ سبحانه ـ وهم لا يعلمون جلال قدره وعظيم مقامه، فيكون سب المؤمنين لآلهتهم المهينة الحقيرة ذريعة لسب الجليل العظيم» (١). ولو أكمل الأستاذ محمد حسين الآية ما قال ذلك، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٨]. يقول الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير الآية: «وكما زينا لهؤلاء القوم حب أصنامهم والمحاماة لها والانتصار، ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾، أي: من الأمم الخالية على الضلال ﴿عَمَلَهُمْ﴾ الذي كانوا فيه، ولله الحكمة البالغة والحكمة التامة فيما يشاؤه ويختاره، ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ﴾ أي معادهم ومصيرهم، ﴿فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي يجازيهم بأعمالهم، إن خيراً فخير وإن شراً فشر» (٢)، فإذا كان الله قد عذرهم فَلِمَ توعّدهم على شركهم بمجازاتهم بأعمالهم؟ ويقول الأستاذ سيد قطب ﵀ في تفسير هذه الآية: «إن الطبيعة التي خلق الله الناس بها، أن كل من عمل عملاً، فإنه يستحسنه ويدافع عنه ... وهؤلاء يدعون من دون الله شركاء مع علمهم وتسليمهم بأن الله هو الخالق الرازق» (٣)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر هذه الآية ونظائرها: «فأصل ما يوقع الناس في السيئات الجهل وعدم العلم بكونها تضرهم ضرراً راجحاً أو ظن أنها تنفعهم نفعاً

стр. 193

راجحاً» (١). * يتضح مما سبق أن قول الأستاذ محمد حسين أن الله عذر الكفار والمشركين بجهلهم ـ قول خطير لأنه ينافي قوله ﵌: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بى أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار» (٢). قال الإمام النووي في شرح الحديث: «فيه نسْخ الملل كلها برسالة نبينا ﵌، وفي مفهومه دلالة على أن من لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور ... وإنما ذكر اليهود والنصارى تنبيهاً على من سواهما وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتاباً فغيرهم ممن لا كتاب له أوْلا» (٣). وانظر أيضاً البداية والنهاية للحافظ ابن كثير، (٢/ ٧٣ - ٧٩) باب مجادلة المشركين رسول الله ﵌ واعترافهم في أنفسهم بالحق وإن أظهروا المخالفة عناداً وحسداً وبغياً وجحوداً. ٤ - قول الأستاذ محمد حسين: ونبينا ﵌ عذر قومه المخالفين له في العقيدة، فقال: «اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون». توضيح: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كأني أنظر إلى النبي ﵌ يحكي نبياً من الأنبياء ضَربَه قومه فأَدْمَوْهُ، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» (٤). قال الحافظ ابن حجر: «يحتمل أن ذلك لما وقع للنبي ﵌ ذكر لأصحابه أنه وقع لنبي آخر قبله، وذلك فيما وقع له يوم أحد لما شُج وجهه وجرى الدم منه،

стр. 194

فاستحضر في تلك الحالة قصة ذلك النبي الذي كان قبله فذكر قصته لأصحابه تطييباً لقلوبهم ... وفي صحيح ابن حبان من حديث سهل بن سعد أن النبي ﵌ قال: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»، قال ابن حبان: «معنى هذا الدعاء الذي قال يوم أحد لما شج وجهه: أي اغفر لهم ذنبهم في شج وجهي، لا أنه أراد الدعاء لهم بالمغفرة مطلقاً»» (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: « ... وكذلك ينفع دعاؤه (أي دعاء الرسول) لهم (أي للكفار) بألا يعجل عليهم العذاب في الدنيا كما كان ﵌ يحكى نبِيّاً من الأنبياء ضربه قومه وهو يقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»، ورُوي أنه دعا بذلك أن اغفر لهم فلا تعجل عليهم العذاب في الدنيا، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّا﴾ [فاطر: ٥]» (٢). خامساً: قال الأستاذ محمد حسين (ص١٠٠): «إن الله أثبت أخوّة بين المخالفين في العقيدة هي أخوة القومية والوطنية والمصالح المشتركة بين المتخالفين في العقيدة، فقال : ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [هود: ٥٠]، ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [هود: ٦١]، ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [هود: ٨٤]، ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٠٦]، ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٦١]، فهذه أخوة خلاف أخوة العقيدة في قوله تعالى: ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] فلا مشاحة في أن نقول: إخواننا النصارا، أو نقول: إخواننا وأبناء وطننا من النصارا، ولا عيب أن نتناصح ونتشارك في المصالح الوطنية المشتركة». * الرد:

стр. 195

١ - من أصول الإيمان أن الأخوّة لا تكون إلا للمسلمين يقول الله تعالا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، فحصرالإخوة في المؤمنين دون غيرهم من الكافرين (١). قال الإمام القرطبي: «إنما المؤمنون إخوة أي في الدين والحرمة لا في النسب، ولهذا قيل: أخوَّة الدين أَثْبَتُ من أخوَّة النسب فإن أخوة النسب تنقطع بمخالفة الدين، وأخوة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب» (٢). وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا برءاؤاْ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]. قال الأستاذ سيد قطب ﵀: «فهي البراءة من القوم ومعبوداتهم وعباداتهم، وهو الكفر بهم والإيمان بالله وهي العداوة والبغضاء لا تنقطع حتى يؤمن القوم بالله وحده وهي المفاصلة الحاسمة التي لا تستبقي شيئاً من الوشائج والأواصر بعد انقطاع وشيجة العقيدة وآصرة الإيمان» (٣). وقال الشيخ ابن باز ﵀: «الكافر ليس أخاً للمسلم والله يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] فليس الكافر يهوديا أو نصرانيا أو غيرهم أخاً للمسلم، ولا يجوز اتخاذه صاحباً وصديقاً» (٤). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «أما قول: «يا أخي» لغير المسلم فهذا حرام

стр. 196

ولا يجوز، إلا أن يكون أخاً له من النسب أو الرضاع، وذلك لأنه إذا انتفت أخوة النسب والرضاع لم يبق إلا أخوة الدين والكافر ليس أخاً للمؤمن في الدين» (١). ورغم ذلك يقول الأستاذ محمد حسين: «لا مشاحة أن نقول: «إخواننا»، أو نقول: «إخواننا وأبناء وطننا من النصارا»»!! ٢ - معنى الأخوة في الآيات التي ذكرها الأستاذ محمد حسين أن الله قد أخبر بأنه قد بعث هؤلاء الأنبياء إلى أقوامهم، وأن بينهم نسباً فليسوا هم غرباء عنهم، وإنما ذوو قرابة، فلا حرج أن يسمى المسلم الكافر أخاً إذا كان أخاً له في النسب أو الرضاعة، وهؤلاء الأنبياء المذكورون ذوو نسب مع قومهم، فبينهم أخوة نسب لا أخوة دين. قال الإمام الألوسي: «معنى كونه ﵇ أخاهم أنه منهم نسباً، وهو قول الكثير من النسابين» (٢). وقال الإمام القرطبي: «قيل له أخوهم لأنه منهم وكانت القبيلة تجمعهم كما تقول: يا أخا تميم» (٣). ٣ - ما ذكر في الآيات حكاية عن أنهم من قومهم، ولم يذكر القرآن أنهم قالوا لهم: يا إخوتنا، أو أنتم إخواننا، ولم يثبت عن رسول الله ﵌ ذلك، بل ثبت العكس عن إبراهيم ﵇ حيث قال هو والذين آمنوا معه: ﴿إِنَّا برءاؤاْ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ﴾. ٤ - بنى الأستاذ محمد حسين على فهمه من هذه الآيات أن الله أثبت أخوة بين المتخالفين في العقيدة هي أخوة القومية والوطنية والمصالح المشتركة بين المتخالفين في العقيدة، ونقول ما المصالح المشتركة التي كانت بين إبراهيم ﵇ وقومه والتي

стр. 197

ضحى بها بقوله هو والذين آمنوا معه لقومهم: ﴿إِنَّا برءاؤاْ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]؟ وما المصالح المشتركة التي كانت بين نوح ﵇ وقومه التي ضحى بها بقوله: ﴿رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] وما المصالح المشتركة التي كانت بين لوط ﵇ وقومه والتي ضحوا بها بقولهم: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦]. هل كان بين الأنبياء ﵈ وأقوامهم إلا العداوة والصدّ عن سبيل الله ومحاربة دين الله ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨] فهل بعد ذلك يقول الأستاذ محمد حسين: «أخوة القومية والوطنية والمصالح المشتركة»؟!! وأين كانت أخوة القومية والوطنية والمصالح المشتركة عندما كانت قريش ـ قوم رسول الله ﵌ ـ يعذبون رسول الله ﵌ وأصحابه وهم قرشيون مثلهم من بني قومهم؟ ٥ - اتضح مما سبق أن أنبياء الله ﵈ كانوا محارَبين من أقوامهم ورغم ذلك قال الله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [هود: ٥٠] وغيرها من الآيات، واتضح مما سبق أنها أخوة النسب ومثلها أخوة القومية والوطنية، وهذه الأخوة التي ذكرها الله اقتضت مزيد النصح والشفقة عليهم من الخلود في النار وإقامة الحجة وليس المودة والموالاة، أما التي تقتضي المودة والموالاة فهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، ونسأل الأستاذ محمد حسين: هل يقول إخواننا الفلسطينيون عن اليهود العرب الذين يحاربونهم: «إخواننا اليهود»؟ وهل يقول إخواننا المسلمون المقيمون في أمريكا عن الأمريكان: إخواننا الأمريكان (أخوة المصالح المشتركة)؟ وإذا قال بجواز ذلك، هل يجوز له أن يقول: الأخ شارون والأخ بوش والأخت كونداليزا؟

стр. 198

٦ - أما قول الأستاذ محمد حسين: «ولا عيب أن نتناصح ونتشارك في المصالح الوطنية المشتركة»، فنترك الرد للأستاذ سيد قطب ﵀ حيث يقول: «إن المسلم مطالب بالسماحة مع أهل الكتاب، ولكنه مَنْهِاّ عن الولاء لهم بمعنى التناصر والتحالف معهم، وإن طريقه لتمكين دينه وتحقيق نظامه المتفرد لا يمكن أن يلتقى مع طريق أهل الكتاب، (١) ومهما أبدى لهم من السماحة والمودة فإن هذا لن يبلغ أن يرضوا له البقاء على دينه وتحقيق نظامه (٢) ولن يكُفَّهم عن موالاة بعضهم لبعض في حربه والكيد له ... وسذاجة أي سذاجة وغفلة أي غفلة، أن نظن أن لنا وإياهم طريقاً واحداً نسلكه للتمكين للدين! أمام الكفار والملحدين! فهم مع الكفار والملحدين، إذا كانت المعركة مع المسلمين!!! وهذه الحقائق الواعية يغفل عنها السذج منا في هذا الزمان وفي كل زمان ... ناسين تعاليم القرآن كله، وناسين تعليم التاريخ كله ... إن هؤلاء لا يقرؤون القرآن وإذا قرؤوه اختلطت عليهم دعوة السماحة التي هي طابع الإسلام، فظنوها دعوة الولاء التي يحذِّر منه القرآن» (٣). ٧ - وبينما نسمع من الأستاذ محمد حسين هذا القول فيما يتعلق بالنصارى نجده في كتابه (سلوكيات وأحكام المرأة في المجتمع المسلم) (ص٣٤) يصف علماء المسلمين ـ المخالفين له في مسألة شرعية ـ بأنهم قَليلوا الصلة بالقرآن والعلم، مع أن رأيهم هو الراجح، فهل هذا نصيب إخوانك المسلمين من التناصح؟ فهلا قلت عنهم مثل ما قلت عن النصارا.

стр. 199

ولنا سؤال: أليس بينكم وبين إخوانكم المسلمين من العاملين للإسلام مصالح مشتركة وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا نجد منكم الحرص على هذه المصالح؟ بل نجد من البعض التحذير والتنفير منهم بحجة أنهم متشددون؟ أليس هؤلاء الإخوة أقرب إليكم من النصارا؟ سادساً: قال الأستاذ محمد حسين (ص١٠٠): «إن العقيدة والعبادة لا إكراه فيها، والقاعدة التي سنّها الصحابة رضوان الله عليهم هي (اتركوهم وما يدينون)» تعليق: قاعدة ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ليس معناها تصحيح مذهب الكافرين، أو السكوت عن ما هم عليه من باطل أو إقرارهم عليه، أو التهاون في جهادهم ودعوتهم إلى الإسلام، ولو أن الصحابة فعلوا ذلك لما فتحوا البلاد ولا نشروا الإسلام، ولا وصل الإسلام إلينا في مصر، قال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية (٢٥٦) من سورة البقرة: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَاَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، يقول تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ أي لا تكرهوا أحدا على الدخول في دين الإسلام فإنه بيّن واضح جليّ دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يُكرَه أحدٌ على الدخول فيه، بل مَن هداه الله للإسلام وشرَح صدره ونوّر بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فانه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسوراً، وقد ذهب طائفة كثيرة من العلماء أن هذه محمولة على أهل الكتاب ومن دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل إذا بذلوا الجزية، وقال آخرون: بل هي منسوخة بآية القتال وأنه يجب أن يدعى جميع الأمم إلى الدخول في الدين الحنيف دين الإسلام فإن أبَى أحد منهم الدخول فيه ولم ينْقَدْ له أو يبذل الجزية قوتل حتى يقتل، وهذا معنى الإكراه قال الله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]، وقال تعالا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم: ٩]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً

стр. 200

وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣]. ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن أمير المؤمنين، عمر في الصحابة ﵃، ثم عامة الأئمة بعده، وسائر الفقهاء ـ جعلوا في الشروط المشروطة على أهل الذمة من النصارى وغيرهم، فيما شرطوه على أنفسهم: «أن نوقر المسلمين، ونقوم لهم من مجالسنا، إذا أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء، من لباسهم: قلنسوة، أو عمامة أو نعلين، أو فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكناهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئاً من السلاح، ولا نحمله، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقادم رؤوسنا، وأن نلزم زينا حيثما كان، وأن نشد الزنانير (١)، وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا، ولا نظهر صليباً، ولا كتباً (٢)، في شيء من طرق المسلمين، ولا أسواقهم، ولا نضرب بنواقيسنا في كنائسنا إلا ضرباً خفياً، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين» رواه حرب بإسناد جيد. وفي رواية أخرى رواها الخلال: «وأن لا نضرب بنواقيسنا إلا ضرباً خفيّاً، في جوف كنائسنا، ولا نُظهر عليها صليباً، ولا نرفع أصواتنا في الصلاة، ولا القراءة في كنائسنا، فيما يحضره المسلمون، وأن لا نخرج صليباً، ولا كتاباً في سوق المسلمين، وأن لا نخرج باعوثا ًـ والباعوث: يخرجون يجتمعون كما يخرج يوم الأضحى والفطر ـ ولا شعانينا، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في أسواق المسلمين، وأن لا نجاورهم بالخنازير، ولا نبيع الخمور»، إلى أن قال: «وأن نلزم زينا حيثما كنا، وأن لا نتشبه بالمسلمين، في لبس قلنسوة ولا عمامة، ولا نعلين، ولا فرق شعر، ولا في مراكبهم، ولا نتكلم بكلامهم ولا نكتني بكناهم، وأن نجز مقادم رؤوسنا، ولا نفرق نواصينا، ونشد الزنانير على أوساطنا».

стр. 201

وهذه الشروط أشهر شيء في كتب الفقه والعلم، وهي مجمع عليها في الجملة، بين العلماء من الأئمة المتبوعين، وأصحابهم، وسائر الأئمة، ولولا شهرتها عند الفقهاء لذكرنا ألفاظ كل طائفة فيها (١). تنبيه هام: قال الشيخ الألباني في (السلسلة الصحيحة رقم ٣٠٣) عند قوله ﵌: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، ويأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلوا صلاتنا فإذا فعلوا ذلك (فقد) حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين»: «صحيح، وفيه دليل على بطلان الحديث الشائع على ألسنة الخطباء والكتاب أن النبي ﵌ قال في أهل الذمة: «لهم ما لنا وعليهم ما علينا». وهذا مما لا أصل له عنه ﵌»، انظر الضعيفة رقم (١١٠٣)، وللحديث شاهد بلفظ آخر وهو التالي رقم (٣٠٤): «من أسلم من أهل الكتاب فله أجره مرتين، وله مثل الذي لنا وعليه مثل الذي علينا، ومن أسلم من المشركين فله أجره وله مثل الذي لنا وعليه مثل الذي علينا»: (حسن) ا. هـ. سابعًا: مسألة الصلاة في الكنيسة: إذا تيسر وجود غير الكنائس ليصلي فيها لم تجز الصلاة في الكنائس ونحوها، لأنها معبد للكافرين يعبدون فيه غير الله، ولما فيها من التماثيل والصور وإلا جاز للضرورة، قال عمر ﵁: «إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها والصور» وكان ابن عباس ﵄ يصلى في البيعة إلا بيعة فيها التماثيل والصور (٢). * تنبيه: الصلاة في الكنيسة تختلف عن دخولها لتهنئة الكفار بأعيادهم، وقد سبق بيان أن هذا لا يجوز.

стр. 202

ثامنًا: تعزية أهل الكتاب والكفار: * قال ابن قدامة في المغنى (٢/ ٢١٢): «وتوقف أحمد ﵀ عن تعزية أهل الذمة وهي تُخَرَّج على عيادتهم وفيها روايتان: إحداهما: لا نعودهم، فكذلك لا نعزيهم؛ لقول النبي ﵌: «لا تبدؤوهم بالسلام» وهذا في معناه. والثانية: نعودهم؛ لأن النبي ﵌ أتى غلاماً من اليهود كان مرض يعوده فقعد عند رأسه، فقال له: «أَسْلِم»، فنظر إلى أبيه وهو عند رأسه، فقال له: «أَطِعْ أبا القاسم»؛ فأسلم، فقام النبي ﵌ وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه بي من النار» رواه الإمام البخاري» ا. هـ. * سئل الشيخ ابن عثيمين: ما حكم تعزية أهل الكتاب أو غيرهم من الكفار إذا مات لهم ميت؟ وما حكم حضور دفنه والمشي في جنازته؟ فأجاب: «لا يجوز تعزيته بذلك، ولا يجوز أيضاً شهود جنائزهم وتشييعهم، لأن كل كافر عدو للمسلمين، ومعلوم أن العدو لا ينبغي أن يواسَى ولا يُشَجَّع للمشي معه، كما أن تشييعنا لجنائزهم لا ينفعهم، ومن المعلوم أيضاً أنه لا يجوز لنا ندعو لهم لقول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (١) [التوبة: ١١٣]» (٢).

стр. 203

قال الشيخ الألباني في حاشية (ص١٦٩) من (أحكام الجنائز) تعليقاً على حديث موت أبي طالب: «ومن الملاحظ في هذا الحديث أن النبي ﵌ لم يُعَزِّ علياً بوفاة أبيه المشرك، فلعله يصلح دليلاً لعدم شرعية تعزية المسلم بوفاة قريبه الكافر، فهو من باب أولى دليل على عدم جواز تعزية الكفار بأمواتهم أصلاً» اهـ.

стр. 204

حادي عشر: تلقين الميت بعد دفنه * الصحيح من قولي العلماء في التلقين بعد الموت أنه غير مشروع، بل بدعة وكل بدعة ضلالة، وليس مذهب إمام من الأئمة الأربعة حجة في إثبات حكم شرعي، بل الحجة في كتاب الله وما صح من سنة النبي ﵌ وفي إجماع سلف الأمة ولم يثبت في التلقين بعد الموت شيء من ذلك فكان مردوداً. أما تلقين من حضرته الوفاة كلمة «لا إله إلا الله» ليقولها وراء من لقنه إياها فمشروع، ليكون آخر قوله في حياته كلمة التوحيد، وقد فعل ذلك النبي ﵌ مع عمه أبي طالب، لكنه لم يستجب له، بل كان آخر ما قال: «إنه على دين عبد المطلب» (١). * المستحب بعد الدفن هو الدعاء للميت بالمغفرة والتثبيت عند السؤال؛ فقد كان النبي ﵌ إذا فرغ من دفن الميت، وقف عليه فقال: «استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل» (٢). * مناقشة كلام الأستاذ محمد حسين: أولاً: استدل (ص٣٦، ٤٩) بحديث أبى أمامة قال: قال رسول الله ﵌: «إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب فلْيَقُم أحدكم على رأس قبره ثم يقول: يا فلان ابن فلانة ... اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأنك رضيت بالله رباً ... » إلخ. * الرد:

стр. 205

١ - الحديث ليس حجة لأنه ضعيف كما نقل الأستاذ محمد حسين عن ابن القيم (ص٣٦، ٤٩) ونقل (ص٤٩) عن ابن تيمية قوله فيه: «لا يحكم بصحته»، وقد نصّ على ضعفه الحافظ ابن حجر العسقلاني وابن الصلاح والنووي (١). ٢ - قال الإمام ابن القيم في زاد المعاد: «ولم يكن ـ يعني الرسول ﵌ ـ يجلس يقرأ عند القبر ولا يلقن الميت كما يفعله الناس اليوم» (٢) وخير الهدي هدي محمد ﵌. ٣ - طالما أن الحديث ضعيف فإنه لا يعمل به في الأحكام ولا يبنى عليه حكم بالاستحباب، فقد ذكر الأستاذ محمد حسين (ص٣٢) أن الحديث الضعيف لا يعمل به في الأحكام والعقائد. ٤ - التلقين بعد الدفن ورد فيه أثر رواه سعيد بن منصور في سننه عن راشد بن سعد وحمزة بن حبيب وحكيم بن عمير من التابعين وهذا الأثر جزم ابن حزم بضعف راشد وهو أحد رواته، ومن هذا نعلم أن التلقين بعد الدفن ليس فيه حديث أو أثر خال من القدح في سنده (٣). ثانياً: استدل بأقوال بعض العلماء وبعمل الناس لهذه البدعة حيث نقل (ص٤٩) أن تلقين الميت في قبره جرى عليه عمل الناس، وقال به بعض العلماء. * الرد: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «عادة بعض البلاد أو أكثرها، وقول كثير من العلماء أو العبّاد، أو أكثرهم ونحو ذلك، ليس مما يصلح أن يكون معارضاً لكلام الرسول ﵌، ومن اعتقد أن أكثر هذه العادات المخالفة للسنن مجمع عليها بناءً على أن الأمة أقرتها ولم تنكرها، فهو مخطئ في هذا الاعتقاد، فإنه لم يزل ولا يزال في كل

стр. 206

وقت من ينهى عن عامة العبادات المحدثة المخالفة للسنة، ولا يجوز دعوى إجماع بعمل بلد أو بلاد من بلدان المسلمين، فكيف بعمل طوائف منهم؟ وإذا كان أكثر أهل العلم لم يعتمدوا على عمل علماء أهل المدينة وإجماعهم في عصر مالك، بل رأوا السنة حجة عليهم كما هي حجة على غيرهم، ومع ما أُوتوه من العلم والإيمان، فكيف يعتمد المؤمن على عادات أكثر من اعتادها عامة ... أو قوم مترئسون بالجهالة، لم يرسخوا في العلم ... أو قد دخل معهم فيها بحكم العادة قوم من أهل الفضل من غير رويّة، أو لشبهة أحسن أحوالهم فيها أن يكونوا فيها بمنزلة المجتهدين من الأئمة والصديقين» (١). ثالثاً: نقل (ص٤٩) أنه: قيل: إن التلقين ينفعه كما ثبت في الصحيح عن النبي ﵌ أن قال: «إنه ليسمع قرع نعالهم». *الرد: ١ - قال الشيخ ابن باز ﵀: «الأمور ليست بالقياس وإنما العبادة توقيفية، وسماع قرع النعال لا ينفعه ولا يضره، والميت إذا مات انتقل من الدنيا دار العمل وختم على عمله وانتقل إلى دار الجزاء» (٢). ٢ - قال النبي ﵌: «استغفروا لأخيكم وسَلُوا له التثبْيت فإنه الآن يُسْأَل» (٣)، ولم يقل: «لقنوا أخاكم»، ولو كان التلقين مشروعاً ما تركه النبي ﵌ السنين الطوال مع عدم المانع من فعله ووجود المقتضي له وهو التقرب إلى الله تعالا، والوقت وقت تشريع وبيان للأحكام، فلو كان ديناً وعبادة يُتقرب بها إلى الله تعالى ما تركه السنين الطويلة مع أمره بالتبليغ وعصمته من الكتمان. رابعاً: قال الأستاذ محمد حسين (ص٥٠): «وأقول: وعلى هذا القول فإن ترك

стр. 207

التلقين هذا يعتبر بدعة تَرْكِيّة». * الرد: ١ - يجب أن نُثْبِتْ أولاً أنه سُنّة ثم نقول هذا القول، وأنّى لنا ذلك ولم يَثْبُتْ فيه حديث عن النبي ﵌، ولا أثر عن الصحابة، ولا التابعين وقد سبق نقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على من يستدل بعمل الناس فالتلقين بدعة وليس تركه بدعة. ٢ - الآن فقط تذكر الأستاذ محمد حسين تَرْك السنن رغم أن كتابه (اللمع) فيه هدم لكثير من السنن والتحايل لتركها اعتماداً على أقوال بعض العلماء. والعجيب جداً أن الأستاذ محمد حسين لم يقل إن ترك ما صَحَّ عن النبي ﵌ (من الاستغفار للميت وسؤال التثبيت له) لم يقل إن تركه بدعة تركية، بل تعلق بالحديث الضعيف في التلقين وبعمل بعض الناس به وقال إن ترك العمل بالتلقين يُعَدّ بدعة تركية!!! وما هذا إلا ثمرة لترك المحكَم والتعلق بالمتشابه. * توضيح: البدعة التَّرْكِية: ترك المطلوبات الشرعية وجوباً أو ندباً إن كان الترك تديناً؛ لأنه تدين بضد ما شرع الله، أما تركها كسلاً أو تضييعاً أو ما أشبه ذلك فهو راجع إلى المخالفة للأمر فإن كان في واجب فمعصية، وإلا فلا (١).وعلى فرض أن التلقين سنة، فإنا لا نعلم أن أحداً من الذين يتركون التلقين يتركونه تديناً، فكيف يوصف ذلك بكونه بدعة تركية؟

стр. 208

ثاني عشر: إقامة السرادقات لأخذ العزاء * قال الشيخ السيد سابق ﵀: «السنة أن يُعزَّى أهلُ الميت وأقاربه، ثم ينصرف كلٌ في حوائجه، دون أن يجلس أحد، سواء أكان معزَّى أو معزِّياً، وهذا هو هدي السلف الصالح؛ قال الشافعي في (الأم): أكره المآتم، وهي الجماعة وإن لم يكن لهم بكاء؛ فإن ذلك يجدد الحزن ويكلف المؤنة مع ما مضى فيه من الأثر (١)، قال النووي: قال الشافعي وأصحابه ﵏: يكره الجلوس للتعزية، قالوا: ويعنى بالجلوس أن يجلس أهل الميت في بيت ليقصدهم من أراد التعزية، بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم ولا فرق بين الرجال والنساء في كراهية الجلوس لها» (٢). * قال الشيخ ابن باز: «الاجتماع في بيت الميت للأكل والشرب وقراءة القرآن بدعة، وإنما يؤتى أهل الميت للتعزية والدعاء لهم والترحم على ميتهم، أما أن يجتمعوا لإقامة مأتم بقراءة خاصة أو أدعية خاصة أو غير ذلك فذلك بدعة، ولو كان هذا خيراً لسبقنا إليه سلفنا الصالح» (٣). وقال أيضاً: «يشرع لكل مسلم أن يُعَزّي أخاه بعد خروج الروح في البيت أو في الطريق أو في المسجد أو في المقبرة» (٤). * مناقشة كلام الأستاذ محمد حسين: قال الأستاذ محمد حسين (ص٥٢، ٥٣): «إقامة السرادقات لأخذ العزاء من

стр. 209

العادات وليست من العبادات والحكم عليها من قِبَل المصالح أي النفع والضر، والحسن والقبح، فإن احتيج إليها للإيواء من الشمس والبرد وللجلوس لعدم وجود مكان يتسع لمن يجئ للعزاء فهي من المصالح المرسلة يفعلها الناس عادة ولا يتقربون بها إلى الله ... وقد ثبت في البخاري أن النبي ﵌ جلس لأخذ العزاء في قتلى مؤتة». الرد: أولاً: قال الأستاذ محمد حسين (ص٤٦): «أما عمل سنوية أو عمل أربعين أو عمل خميس أول للميت، فإنها من موروثات الوثنية الفرعونية، فهي لا تُعمَل إلا في مصر أيضاً، وهذه تُعمل وتُؤَدَّى باعتبارها دِيناً وواجباً دينياً، ويُلامُ مَنْ يتركه، لذلك فهي بدع مذمومة يجب القضاء عليها بنشر تعاليم الدين الحنيف» انتهى كلامه. ونحن نتفق معه في أنها بدع مذمومة يجب القضاء عليها بنشر تعاليم الدين الحنيف، ولكن الواقع أن الناس يتعاملون مع الخميس والأربعين والسنوية بنفس الطريقة التي يتعاملون بها مع إقامة السرادقات لأخذ العزاء، فإما أن يكون ذلك كله من قبيل العادات وإما أن يكون من قبيل العبادات. ثانياً: كلام الأستاذ محمد حسين عن سرادقات يجلس فيها الناس يحتاجها الناس للإيواء من الشمس والبرد وللجلوس، هل هذا هو الواقع؟ أم أن الواقع (كما يحدث في مصر مثلاً) شيء آخر؟ قال الشيخ السيد سابق: «ما يفعله بعض الناس اليوم من الاجتماع للتعزية، وإقامة السرادقات وفرش البسط، وصرف الأموال الطائلة من أجل المباهاة والمفاخرة، من الأمور المحدثة والبدع المنكرة التي يجب على المسلمين اجتنابها، ويحرم عليهم فعلها، لاسيما وأنه يقع فيها كثير مما يخالف هدي الكتاب ويناقض تعاليم السنة، ويسير وفق عادات الجاهلية، كالتغني بالقرآن، وعدم التزام آداب التلاوة،

стр. 210

وترك الإنصات، والتشاغل عنه بشرب الدخان وغيره» (١). ثالثاً: استدلاله بالحديث على جواز السرادقات ليس في محله وذلك لما يلي: ١ - نص الحديث: عن عائشة ﵂ قالت: «لما جاء النبي ﵌ قَتْلُ ابن حارثة وجعفر وابن رواحة جلس يعرف فيه الحزن» (٢). ٢ - قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري عند شرح الحديث: «جلس»: زاد أبو داود من طريق سليمان بن كثير عن يحيى «في المسجد»، وفي الحديث جواز الجلوس للعزاء بسكينة ووقار. ٣ - ليس في الحديث اجتماع على التعزية وليس فيه سرادقات ولا قراءة قرآن ولا غير ذلك من البدع التي تحدث في المآتم، فلا علاقة للحديث بهذه السرادقات. قال الشيخ ابن باز ﵀: «فقد قتل جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة ﵃ في معركة مؤتة فجاءه الخبر ﵊ من الوحي بذلك فنعاهم للصحابة وأخبرهم بموتهم وترضّى عنهم ودعا لهم ولم يتخذ لهم مأتماً» (٣).

стр. 211

ثالث عشر: قراءة القرآن على القبر * قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «قراءة القرآن على القبور بدعة ولم ترد عن النبي ﵌ ولا عن أصحابه، وإذا كانت لم ترد عن النبي ﵌ ولا عن أصحابه فإنه لا ينبغي لنا نحن أن نبتدعها من عند أنفسنا؛ لأن النبي ﵌ قال فيما يصح عنه: «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» (١) ... وأما الدعاء للميت عند قبره فلا بأس به فيقف الإنسان عند القبر ويدعو له بما يتيسر مثل أن يقول: «اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم أدخله الجنة، اللهم أفسح له في قبره»، وما أشبه ذلك» (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «من قال: «إن الميت ينتفع بسماع القرآن ويؤجر على ذلك» فقد غلط؛ لأن النبي ﵌ قال: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (٣) فالميت بعد الموت لا يثاب على سماع ولا غيره وإن كان يسمع قرع نعالهم، ويسمع سلام الذي يسلم عليه ويسمع غير ذلك لكن لم يبق له عمل غير ما اسْتُثْني» (٤).

стр. 212

رابع عشر: مسألة التوسل * التوسل المشروع (١): ١ - التوسل إلى الله تعالى باسم من أسمائه الحسنا، أو صفة من صفاته العليا: كأن يقول المسلم في دعائه: «اللهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم اللطيف الخبير أن تعافيني»، أو يقول: «أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن ترحمني وتغفر لي»، ومثله قول القائل: «اللهم إني أسألك بحبك لمحمد»، فإن الحب من صفاته تعالا. ٢ - التوسل إلى الله بعمل صالح قام به الداعي: كأن يقول المسلم: «اللهم بإيماني بك ومحبتي لك واتباعي لرسولك اغفر لي ... »، أو يقول: «اللهم إني أسألك بحبي لمحمد ﵌ وإيماني به أن تفرج عني»، ومنه أن يذكر الداعي عملاً صالحاً ذا بال، فيه خوفه من الله سبحانه وتقواه إياه، ثم يتوسل به إلى ربه في دعائه. ٣ - التوسل إلى الله بدعاء الرجل الصالح الحي الحاضر: كأن يقع المسلم في ضيق شديد، أو تحل به مصيبة كبيرة، ويعلم من نفسه التفريط في جنب الله تبارك وتعالا، فيحب أن يأخذ بسبب قوي إلى الله تعالا، فيذهب إلى رجل يعتقد فيه الصلاح والتقوا، أو الفضل والعلم بالكتاب والسنة، فيطلب منه أن يدعو له ربه ليفرج عنه كربه ويزيل عنه همه. * التوسل غير المشروع (٢) وله ثلاث مراتب: ١ - أن يدعو غير الله ويستغيث به، أو يطلب منه المدد، وهو ميت أو غائب،

стр. 213

سواء كان من الأنبياء، أم الصالحين، أم الملائكة، أم الجن، أم غيرهم كأن يقول: «يا سيدى فلان أغثنى أو اقض حاجتا، أو اشف مريضي» ونحو هذا، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة، وإن سماه صاحبه توسلاً، فهو توسل شركى من جنس توسل المشركين بعبادة غير الله، القائلين ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفا﴾ [الزمر: ٣]. ٢ - أن يقول للميت والغائب: ادْعُ الله لي أو اشفع لي في كذا، فهذا لا خلاف بين السلف أنه غير جائز، وأنه من البدع التي لم يقل بها أحد من علماء الأمة وهو من ذرائع الشرك، فهو من الشرك الأصغر، والفرق بينه وبين الذي قبله أن الأول دعاء غير الله، والثاني مخاطبة الميت بما لم يرد في الكتاب والسنة، ولكنه لم يَدْعُه، ولم يسأله قضاء الحاجات وتفريج الكربات؛ فلم يصرف له العبادة. ٣ - أن يقول في دعائه لله : «أسألك يا رب بفلان»، يقصد بذاته أو بحقه أو بجاهه، ونحو ذلك، وليس هذا مشهوراً عن الصحابة ﵃ بل عدلوا عنه إلى التوسل بدعاء العباس ﵁ وتَرْكهم لهذا النوع، مع وجدود المقتضي له وانتفاء الموانع منه، واستحضارهم له، يدل على أنهم تركوه تعبداً لله ففِعْله بدعة، ولا يصح عن أحد من الصحابة خلافه. وهذا النوع الأخير فيه خلاف بين أهل العلم لكن الصحيح النهي عنه. * قال الشيخ الألباني ﵀: «لا يمكن معرفة الوسيلة التي توصل للأمر الدينى إلا من طريق شرعي، فلو ادعى رجل أن توسله إلى الله تعالى بآية من آياته الكونية العظيمة كالليل والنهار مثلاً سبب لاستجابة الدعاء لرُدَّ ذلك عليه إلا أن يأتي بدليل، ولا يمكن أن يقال حينئذ بإباحة هذا التوسل، لأنه كلام ينقض بعضه بعضاً، إذ إنك تسميه توسلاً، وهذا لم يثبت شرعاً وليس له طريق آخر في إثباته ... فحين يقال: بأن التوسل الذي سلمنا بعدم وروده قد جاء في الشرع ما يغني عنه وهو التوسلات الثلاثة التي سبق ذكرها، فما الذي يحمل المسلم على اختياره هذا التوسل الذي لم يرد، والإعراض عن التوسل الذي ورد؟ وقد اتفق العلماء على أن البدعة إذا صادمت سنة

стр. 214

فهي بدعة ضلالة اتفاقاً، فهذا التوسل من هذا القبيل فلم يجز التوسل به ولو على طريق الإباحة دون الاستحباب» (١). * مناقشة كلام الأستاذ محمد حسين: أولاً: نقل الأستاذ محمد حسين (ص١٣٠) أنه: «لا يوجد ما يمنع شرعاً من السؤال بذات النبي ﵌ أو ذات غيره من الصالحين مما لا يعبد من دون الله تعالى وذلك له دليله الشرعي». * الرد: ١ - اشترط أن يكون المتوَسَّل به مما لا يُعبد من دون الله تعالا، فعلى كلامه يجوز التوسل بأبي بكر الصديق ولا يجوز التوسل بعيسى ﵇؛ لأن عيسى يُعبد من دون الله. ٢ - من الناس من يَدْعُون غير الله من الأنبياء والصالحين وهذا الدعاء عبادة وصرفها لغير الله شرك، قال ﵌: «إن الدعاء هو العبادة» ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] (٢). فعلى ما نقله الأستاذ محمد حسين لا يجوز التوسل بهم لأن الناس عبدوهم وهو قد اشترط أن يكون المتَوَسَّل به مما لم يعبد من دون الله، وما يحدث عند الأضرحة من الاستغاثة بالمقبورين ودعائهم والتمسح بقبورهم دليل على اعتقادهم الضر والنفع بهم، ودعائهم والاستغاثة بهم من الشرك الأكبر فعلى هذا لا يجوز التوسل بهم حسب ما اشترط هو. ٣ - قوله: «وذلك له دليله الشرعي»، سيتبين من الصفحات التالية إن شاء الله أن هذا القول ليس له أي دليل شرعي.

стр. 215

ثانياً: قال الأستاذ محمد حسين (ص١٣٠): «يقول ابن تيمية في قاعدة جليلة: «السؤال بذات الرسول ﵌ يجوِّزه طائفة من الناس ونُقِلَ في ذلك آثار عن السلف وهو موجود في دعاء كثير من الناس لكن ما رُوِيَ عن النبي ﵌ في ذلك ضعيف بل موضوع وليس عنه حديث ثابت قد يُظن أن لهم فيه حجة إلا حديث الأعمى ودعاء عمر في الاستسقاء المشهور بين المهاجرين والأنصار» انتهى كلام ابن تيمية، وأقول: إنه أثبت حجية ذلك بحديث الأعمى واستسقاء الصحابة وبرغم رده على ذلك فهو رد للحديث الصحيح ولأعمال الصحابة ﵃». * الرد: ١ - أطلب من القارئ الكريم أن يراجع النقل السابق ويركز على ما فوق الخط فشيخ الإسلام ابن تيمية يقول: «قد يُظن أن لهم فيه حجة»، والأستاذ محمد حسين يقول إن شيخ الإسلام أثبت حجية ذلك، فها هو منهج الأستاذ محمد حسين في النقل والاستنباط وفهم أقوال العلماء. ٢ - هذا الذي نقله الأستاذ محمد حسين موجود بنصه في مجموع الفتاوى (١/ ١٦٢ - ١٦٣) (وفي الطبعة القديمة التي يحيل عليها الأستاذ محمد حسين (١/ ٢٢٢ - ٢٢٣) وبتر منه الأستاذ محمد حسين كلام شيخ الإسلام ابن تيمية الذي ينفي فيه أن فيما ذكره حجة وهاك نصه: « ... السؤال به فهذا يُجَوِّزه طائفة من الناس، ونُقِلَ في ذلك آثار عن بعض السلف وهو موجود في دعاء كثير من الناس، لكن ما رُوِيَ عن النبي ﵌ في ذلك ضعيف بل موضوع، وليس عنه حديث ثابت قد يظن أن لهم فيه حجة إلا حديث الأعمى الذي علمه أن يقول: «أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة» وحديث الأعمى لا حجة لهم فيه فإنه صريح في أنه توسل بدعاء النبي ﵌ وشفاعته، وهو طلب من النبي ﵌ الدعاء، وقد أمره النبي ﵌ أن يقول: «اللهم شَفِّعْهُ فيَّ» ولهذا رد الله عليه بصره لما دعا له النبي ﵌ ولو توسل غيره من العميان الذين لم يدع لهم النبي ﵌ بالسؤال به لم تكن حالهم كحاله، ودعاء أمير
следующие страницы →