← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 36181

الرد على اللمع

شحاتة صقر

Полный текст (260 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ثالث عشر: قراءة القرآن على القبر * قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «قراءة القرآن على القبور بدعة ولم ترد عن النبي ﵌ ولا عن أصحابه، وإذا كانت لم ترد عن النبي ﵌ ولا عن أصحابه فإنه لا ينبغي لنا نحن أن نبتدعها من عند أنفسنا؛ لأن النبي ﵌ قال فيما يصح عنه: «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» (١) ... وأما الدعاء للميت عند قبره فلا بأس به فيقف الإنسان عند القبر ويدعو له بما يتيسر مثل أن يقول: «اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم أدخله الجنة، اللهم أفسح له في قبره»، وما أشبه ذلك» (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «من قال: «إن الميت ينتفع بسماع القرآن ويؤجر على ذلك» فقد غلط؛ لأن النبي ﵌ قال: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (٣) فالميت بعد الموت لا يثاب على سماع ولا غيره وإن كان يسمع قرع نعالهم، ويسمع سلام الذي يسلم عليه ويسمع غير ذلك لكن لم يبق له عمل غير ما اسْتُثْني» (٤).

стр. 212

رابع عشر: مسألة التوسل * التوسل المشروع (١): ١ - التوسل إلى الله تعالى باسم من أسمائه الحسنا، أو صفة من صفاته العليا: كأن يقول المسلم في دعائه: «اللهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم اللطيف الخبير أن تعافيني»، أو يقول: «أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن ترحمني وتغفر لي»، ومثله قول القائل: «اللهم إني أسألك بحبك لمحمد»، فإن الحب من صفاته تعالا. ٢ - التوسل إلى الله بعمل صالح قام به الداعي: كأن يقول المسلم: «اللهم بإيماني بك ومحبتي لك واتباعي لرسولك اغفر لي ... »، أو يقول: «اللهم إني أسألك بحبي لمحمد ﵌ وإيماني به أن تفرج عني»، ومنه أن يذكر الداعي عملاً صالحاً ذا بال، فيه خوفه من الله سبحانه وتقواه إياه، ثم يتوسل به إلى ربه في دعائه. ٣ - التوسل إلى الله بدعاء الرجل الصالح الحي الحاضر: كأن يقع المسلم في ضيق شديد، أو تحل به مصيبة كبيرة، ويعلم من نفسه التفريط في جنب الله تبارك وتعالا، فيحب أن يأخذ بسبب قوي إلى الله تعالا، فيذهب إلى رجل يعتقد فيه الصلاح والتقوا، أو الفضل والعلم بالكتاب والسنة، فيطلب منه أن يدعو له ربه ليفرج عنه كربه ويزيل عنه همه. * التوسل غير المشروع (٢) وله ثلاث مراتب: ١ - أن يدعو غير الله ويستغيث به، أو يطلب منه المدد، وهو ميت أو غائب،

стр. 213

سواء كان من الأنبياء، أم الصالحين، أم الملائكة، أم الجن، أم غيرهم كأن يقول: «يا سيدى فلان أغثنى أو اقض حاجتا، أو اشف مريضي» ونحو هذا، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة، وإن سماه صاحبه توسلاً، فهو توسل شركى من جنس توسل المشركين بعبادة غير الله، القائلين ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفا﴾ [الزمر: ٣]. ٢ - أن يقول للميت والغائب: ادْعُ الله لي أو اشفع لي في كذا، فهذا لا خلاف بين السلف أنه غير جائز، وأنه من البدع التي لم يقل بها أحد من علماء الأمة وهو من ذرائع الشرك، فهو من الشرك الأصغر، والفرق بينه وبين الذي قبله أن الأول دعاء غير الله، والثاني مخاطبة الميت بما لم يرد في الكتاب والسنة، ولكنه لم يَدْعُه، ولم يسأله قضاء الحاجات وتفريج الكربات؛ فلم يصرف له العبادة. ٣ - أن يقول في دعائه لله : «أسألك يا رب بفلان»، يقصد بذاته أو بحقه أو بجاهه، ونحو ذلك، وليس هذا مشهوراً عن الصحابة ﵃ بل عدلوا عنه إلى التوسل بدعاء العباس ﵁ وتَرْكهم لهذا النوع، مع وجدود المقتضي له وانتفاء الموانع منه، واستحضارهم له، يدل على أنهم تركوه تعبداً لله ففِعْله بدعة، ولا يصح عن أحد من الصحابة خلافه. وهذا النوع الأخير فيه خلاف بين أهل العلم لكن الصحيح النهي عنه. * قال الشيخ الألباني ﵀: «لا يمكن معرفة الوسيلة التي توصل للأمر الدينى إلا من طريق شرعي، فلو ادعى رجل أن توسله إلى الله تعالى بآية من آياته الكونية العظيمة كالليل والنهار مثلاً سبب لاستجابة الدعاء لرُدَّ ذلك عليه إلا أن يأتي بدليل، ولا يمكن أن يقال حينئذ بإباحة هذا التوسل، لأنه كلام ينقض بعضه بعضاً، إذ إنك تسميه توسلاً، وهذا لم يثبت شرعاً وليس له طريق آخر في إثباته ... فحين يقال: بأن التوسل الذي سلمنا بعدم وروده قد جاء في الشرع ما يغني عنه وهو التوسلات الثلاثة التي سبق ذكرها، فما الذي يحمل المسلم على اختياره هذا التوسل الذي لم يرد، والإعراض عن التوسل الذي ورد؟ وقد اتفق العلماء على أن البدعة إذا صادمت سنة

стр. 214

فهي بدعة ضلالة اتفاقاً، فهذا التوسل من هذا القبيل فلم يجز التوسل به ولو على طريق الإباحة دون الاستحباب» (١). * مناقشة كلام الأستاذ محمد حسين: أولاً: نقل الأستاذ محمد حسين (ص١٣٠) أنه: «لا يوجد ما يمنع شرعاً من السؤال بذات النبي ﵌ أو ذات غيره من الصالحين مما لا يعبد من دون الله تعالى وذلك له دليله الشرعي». * الرد: ١ - اشترط أن يكون المتوَسَّل به مما لا يُعبد من دون الله تعالا، فعلى كلامه يجوز التوسل بأبي بكر الصديق ولا يجوز التوسل بعيسى ﵇؛ لأن عيسى يُعبد من دون الله. ٢ - من الناس من يَدْعُون غير الله من الأنبياء والصالحين وهذا الدعاء عبادة وصرفها لغير الله شرك، قال ﵌: «إن الدعاء هو العبادة» ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] (٢). فعلى ما نقله الأستاذ محمد حسين لا يجوز التوسل بهم لأن الناس عبدوهم وهو قد اشترط أن يكون المتَوَسَّل به مما لم يعبد من دون الله، وما يحدث عند الأضرحة من الاستغاثة بالمقبورين ودعائهم والتمسح بقبورهم دليل على اعتقادهم الضر والنفع بهم، ودعائهم والاستغاثة بهم من الشرك الأكبر فعلى هذا لا يجوز التوسل بهم حسب ما اشترط هو. ٣ - قوله: «وذلك له دليله الشرعي»، سيتبين من الصفحات التالية إن شاء الله أن هذا القول ليس له أي دليل شرعي.

стр. 215

ثانياً: قال الأستاذ محمد حسين (ص١٣٠): «يقول ابن تيمية في قاعدة جليلة: «السؤال بذات الرسول ﵌ يجوِّزه طائفة من الناس ونُقِلَ في ذلك آثار عن السلف وهو موجود في دعاء كثير من الناس لكن ما رُوِيَ عن النبي ﵌ في ذلك ضعيف بل موضوع وليس عنه حديث ثابت قد يُظن أن لهم فيه حجة إلا حديث الأعمى ودعاء عمر في الاستسقاء المشهور بين المهاجرين والأنصار» انتهى كلام ابن تيمية، وأقول: إنه أثبت حجية ذلك بحديث الأعمى واستسقاء الصحابة وبرغم رده على ذلك فهو رد للحديث الصحيح ولأعمال الصحابة ﵃». * الرد: ١ - أطلب من القارئ الكريم أن يراجع النقل السابق ويركز على ما فوق الخط فشيخ الإسلام ابن تيمية يقول: «قد يُظن أن لهم فيه حجة»، والأستاذ محمد حسين يقول إن شيخ الإسلام أثبت حجية ذلك، فها هو منهج الأستاذ محمد حسين في النقل والاستنباط وفهم أقوال العلماء. ٢ - هذا الذي نقله الأستاذ محمد حسين موجود بنصه في مجموع الفتاوى (١/ ١٦٢ - ١٦٣) (وفي الطبعة القديمة التي يحيل عليها الأستاذ محمد حسين (١/ ٢٢٢ - ٢٢٣) وبتر منه الأستاذ محمد حسين كلام شيخ الإسلام ابن تيمية الذي ينفي فيه أن فيما ذكره حجة وهاك نصه: « ... السؤال به فهذا يُجَوِّزه طائفة من الناس، ونُقِلَ في ذلك آثار عن بعض السلف وهو موجود في دعاء كثير من الناس، لكن ما رُوِيَ عن النبي ﵌ في ذلك ضعيف بل موضوع، وليس عنه حديث ثابت قد يظن أن لهم فيه حجة إلا حديث الأعمى الذي علمه أن يقول: «أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة» وحديث الأعمى لا حجة لهم فيه فإنه صريح في أنه توسل بدعاء النبي ﵌ وشفاعته، وهو طلب من النبي ﵌ الدعاء، وقد أمره النبي ﵌ أن يقول: «اللهم شَفِّعْهُ فيَّ» ولهذا رد الله عليه بصره لما دعا له النبي ﵌ ولو توسل غيره من العميان الذين لم يدع لهم النبي ﵌ بالسؤال به لم تكن حالهم كحاله، ودعاء أمير

стр. 216

المؤمنين عمر بن الخطاب في الاستسقاء المشهور بين المهاجرين والأنصار، وقوله: «اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا»، يدل على أن التوسل المشروع عندهم هو التوسل بدعائه وشفاعته لا السؤال بذاته؛ إذ لو كان هذا مشروعاً لم يعدل عمر والمهاجرون والأنصار عن السؤال بالرسول إلى السؤال بالعباس». ٣ - اتهم الأستاذ محمد حسين شيخ الإسلام ابن تيمية بهتاناً وزوراً بأنه يرد الحديث الصحيح وأعمال الصحابة ﵃، وشيخ الإسلام ابن تيمية بريء من ذلك، بل كان ﵀ من منهجه أن يسير وراء الدليل وسيتضح ـ إن شاء الله ـ من الرد على حديث الأعمى واستسقاء الصحابة بالعباس أنهما ليس فيهما دليل على ما ذهب إليه الأستاذ محمد حسين لأن غاية ما فيهما هو التوسل إلى الله بدعاء النبي ﵌ وبدعاء العباس. ٤ - العجيب أن يتهم الأستاذ محمد حسين شيخ الإسلام بذلك ـ وهو منه بريء ـ رغم أن كتابه (اللمع) مليء بشبهات واهية يرد بها أحاديث رسول الله ﵌ الصحيحة كما مر بك سابقاً، بل غالباً ما يترك الحديث الصحيح ويأخذ بقول يخالفه لأحد العلماء. ثالثاً: حديث استسقاء الصحابة بالعباس ﵃: عن أنس بن مالك ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قَحِطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: «اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﵌ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا،» قال: «فيُسقون» (١). التوضيح: ١ - معنى قول عمر ﵁: «إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﵌ فتسقيَنا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا»: أننا كنا نقصد نبينا ﵌ ونطلب منه أن يدعو لنا، ونتقرب إلى الله

стр. 217

بدعائه، والآن وقد انتقل ﵌ إلى الرفيق الأعلا، ولم يعد من الممكن أن يدعو لنا، فإننا نتوجه إلى عم نبينا العباس ونطلب منه أن يدعو لنا، وليس معناه أنهم كانوا يقولون في دعائهم: «اللهم بجاه نبينا اسقنا» ثم أصبحوا يقولون بعد وفاته ﵌: «اللهم بجاه العباس اسقنا»؛ لأن مثل هذا دعاء مبتدع ليس له أصل في الكتاب ولا في السنة ولم يفعله أحد من السلف الصالح (١). ٢ - لو كلف الأستاذ محمد حسين نفسه النظر في شرح الحديث في فتح الباري للحافظ ابن حجر لفهم معنى الحديث حيث قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وقد بيّن الزبير بن بكار في (الأنساب) صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة ... فأخرج بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر قال: «اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث»» (٢). ٣ - لماذا لم يتوسلوا مباشرة بالنبي ﵌ وهو في قبره وتوسلوا بعمه؟ يجيب الأستاذ محمد حسين (ص١٣٢): «صلاة الاستسقاء عبادة مشروعة تكون من حي مكلف وهو العباس». * الرد: عاد الأستاذ محمد حسين وناقض نفسه فإذا كانت صلاة الاستسقاء عبادة مشروعة تكون من حي مكلف وهو العباس، فما الذي قام به العباس ﵁؟ هل قال: «اللهم بحق جاهي عندك» أم ماذا قال؟! وإذا كان هو يستدل بهذا الحديث على أن الصحابة توسلوا بذات العباس فكيف نصدق ذلك وهو يقول إن العباس هو الذي قام بهذه العبادة المشروعة وهو حي مكلف وليس الصحابة، يعني ـ بفهمه هو ـ أن العباس هو الذي توسل، فبمن توسل

стр. 218

العباس؟ هل قال العباس اللهم بحق جاهي عندك اسقنا؟! * إن ما فعله العباس ﵁ هو أنه دعا لهم كما نقل ذلك الحافظ ابن حجر كما سبق. ٤ - مرة أخرى لماذا لم يتوسلوا مباشرة بالنبي ﵌ وهو في قبره وتوسلوا بعمه؟ * يجيب عن ذلك الشيخ الألباني ﵀ فيقول: لأن التوسل بالنبي ﵌ غير ممكن بعد وفاته، فأنى لهم أن يذهبوا إليه ﵌ ويشرحوا له حالهم، ويطلبوا منه أن يدعو لهم، ويؤمّنوا على دعائه، وهو قد انتقل إلى الرفيق الأعلا. ولذلك لجأ عمر ﵁ وهو العربي الأصيل الذي صحب النبي ﵌ ولازمه في أكثر أحواله، وعرفه حق المعرفة، وفهم دينه حق الفهم، ووافقه القرآن في مواطن عدة، لجأ إلى توسل ممكن فاختار العباس ﵁ لقرابته من النبي ﵌ من ناحية، ولصلاحه وتقواه من ناحية أخرا، وطلب منه أن يدعو لهم بالغيث والسقيا، وما كان لعمر ولا لغير عمر أن يدع التوسل بالنبي ﵌ ويلجأ إلى التوسل بالعباس أو غيره لو كان التوسل بالنبي ﵌ ممكناً، وما كان من المعقول أن يقر الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ عمر على ذلك أبداً» (١). ٥ - قال الشيخ الألباني ﵀: «نلاحظ في حديث استسقاء عمر بالعباس ﵄ أمراً جديراً بالانتباه، وهو قوله: «إن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا، استسقى بالعباس بن عبد المطلب»، ففي هذا إشارة إلى تكرر استسقاء عمر بدعاء العباس ﵄ ففيه حجة بالغة على الذين يتأولون فعل عمر ذلك أنه إنما ترك التوسل به ﵌ إلى التوسل بعمه ﵁، لبيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل، فإننا نقول: لو كان الأمر كذلك لفعل عمر ذلك مرة واحدة، ولما استمر عليه كلما استسقا». رابعاً: حديث الأعمى:

стр. 219

عن عثمان بن حنيف ﵁ أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي ﵌، فقال: «ادع الله أن يعافينا»، قال: «إن شئتَ دعوتُ لك، وإن شئت أخرتُ ذاك فهو خير»، وفي رواية: «وإن شئتَ صبرتَ فهو خير لك»، فقال: «ادْعُه»، فأمره أن يتوضأ، فيحسن وضوءه، فيصلى ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ﵌ نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه، فتُقضَى لي، اللهم فشفعه فيَّ، وشفعني فيه»، قال: ففعل فبرأ (١). * قال الشيخ الألباني ﵀: «هذا الحديث لا حجة فيه على التوسل بالذات بل هو دليل على النوع الثالث من أنواع التوسل المشروع الذي أسلفناه؛ لأن توسل الأعمى إنما كان بدعائه والأدلة على ما نقول من الحديث نفسه كثيرة، وأهمها: ١ - أن الأعمى إنما جاء إلى النبي ﵌ ليدعو له، وذلك قوله: «ادع الله أن يعافيني» فهو قد توسل إلى الله بدعائه ﵌، ولو كان قصد الأعمى التوسل بذات النبي ﵌ أو جاهه أو حقه لما كان ثمة حاجة به إلى أن يأتي النبيَ ﵌ ويطلب منه الدعاء له، بل كان يقعد في بيته، ويدعو ربه بأن يقول مثلاً «اللهم إني أسألك بجاه نبيك ومنزلته عندك أن تشفيني وتجعلني بصيراً» ولكنه لم يفعل، لماذا؟ لأنه عربي يفهم معنى التوسل في لغة العرب حق الفهم، ويعرف أنه ليس كلمة يقولها صاحب الحاجة، يذْكر فيها اسم المتوسَّل به، بل لابد أن يشتمل على المجيء إلى من يعتقد فيه الصلاح والعلم بالكتاب والسنة، وطلب الدعاء منه له. ٢ - أن النبي ﵌ وعده بالدعاء مع نصحه له ببيان ما هو الأفضل له، وهو قوله ﵌: «إن شئتَ دعوتُ، وإن شئتَ صبرتَ فهو خيرٌ لك». ٣ - إصرار الأعمى على الدعاء وهو قوله: «فادْعُ» فهذا يقتضي أن الرسول ﵌ دعا له؛ لأنه خير من وفي بما وعد، وقد وعده بالدعاء له إن شاء كما سبق، فقد

стр. 220

شاء الدعاء وأصر عليه فإذن لابد أنه ﵌ دعا له، فثبت المراد، وقد وجّه النبي ﵌ الأعمى بدافع من رحمته، وبحرص منه على أن يستجيب الله تعالى دعاءه فيه، وجّهه إلى النوع الثانى من التوسل المشروع، وهو التوسل بالعمل الصالح، ليجمع له الخير من أطرافه فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين ثم يدعو لنفسه، وهذه الأعمال طاعة لله يقدمها بين يدي دعاء النبي ﵌ له، وهي تدخل في قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]. ٤ - أن الدعاء الذي علمه رسول الله ﵌ إياه أن يقول: «اللهم فشفعه في» وهذا يستحيل حمله على التوسل بذاته ﵌ أو جاهه أو حقه إذ إن المعنى: «اللهم اقبل شفاعته ﵌ فيّ»، أي اقبل دعاءه في أن ترد علي بصري، والشفاعة لغةً: الدعاء، وهو المراد بالشفاعة الثابتة له ﵌ ولغيره من الأنبياء والصالحين يوم القيامة. ٥ - أن مما علمّ النبي ﵌ الأعمى أن يقوله: «وشفعنى فيه» أي: اقبل شفاعتي، أي دعائي في أن تقبل شفاعته ﵌ أي دعاءه في أن ترد على بصري، هذا الذي لا يمكن أن يفهم من هذه الجملة سواه، ولهذا ترى المخالفين يتجاهلونها ولا يتعرضون لها من قريب أو من بعيد؛ لأنها تنسف بيانهم من القواعد وتجتثه من الجذور (١)، وإذا سمعوها رأيتهم ينظرون إليك نظر المغشي عليه، ذلك أن شفاعة الرسول ﵌ في الأعمى مفهومة، ولكن شفاعة الأعمى في الرسول ﵌ كيف تكون؟ لا جواب لذلك عندهم البتة. ٦ - أن هذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي ﵌ ودعائه المستجاب وما أظهر الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات، فإنه بدعائه ﵌ لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره. يتبين مما سبق أن حديث الأعمى إنما يدور حول التوسل بدعائه ﵌، وأنه لا

стр. 221

علاقة له بالتوسل بالذات، وأن قول الأعمى في دعائه: «اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد ﵌» إنما المراد به: «أتوسل إليك بدعاء نبيك»، أي على حذف المضاف، وهذا أمر معروف في اللغة كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢] أي: أهل القرية وأصحاب العير» (١). * تنبيه: قال الأستاذ محمد حسين (ص١٣٣): «روى الطبراني بطرق صحيحة عن عثمان بن حنيف: أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان أمير المؤمنين في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي عثمان بن حنيف فشكا إليه ذلك، فقال له عثمان: ائت الميضأة فتوضأ، ثم ائت المسجد فصلِّ فيه ركعتين، ثم قل: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد ﵌ نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي لي حاجتي»، وتَذْكُر حاجتك فانطلق الرجل فصنع ما قال له، ثم أتى باب أمير المؤمنين عثمان فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة، وقال: «ما حاجتك؟» فذكر حاجته فقضاها له ثم قال له: «ما ذَكَرْتُ حاجتك حتى كانت هذه الساعة»، وقال: «ما كانت لك حاجة فائتنا»، ثم إن الرجل خرج من عنده فلقِيَ عثمان بن حنيف فقال له: «جزاك الله خيراً ما كان ينظر في حاجتى ولا يلتفتُ إليّ حتى كلمتَه فيّ»، فقال عثمان بن حنيف: «والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله ﵌ وأتاه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره ... » (وذكر حديث الأعما)». * الرد: قال الشيخ الألباني ﵀: «قصة الرجل مع عثمان بن عفان وتوسله به ﵌ حتى قضى حاجته أخرجها الطبراني في المعجم الصغير (ص١٠ - ١٠٤) وفي الكبير (٣/ ٢/١/ ٢٠١) من طريق عبد الله بن وهب عن شبيب بن سعيد المكى عن روح بن

стр. 222

القاسم عن أبي جعفر الخطمي المدني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عثمان بن حنيف». وذكر الشيخ الألباني أن القصة ضعيفة منكرة لأمور ثلاثة: ١ - ضعف حفظ المتفرد بها وهو شبيب بن سعد. ٢ - الاختلاف عليه فيها فقد أخرج الحديث ابن السنى في عمل اليوم والليلة (ص٢٠٢) والحاكم (١/ ٥٢٦) من ثلاثة طرق عن أحمد بن شبيب بدون القصة. ٣ - مخالفته للثقات الذين لم يذكروها في الحديث (حديث الأعما). وأمر واحد من هذه الأمور كاف لإسقاط هذه القصة فكيف بها مجتمعة؟ (١) * تنبيه آخر: قد يتعلق بعضهم بقول الطبراني بعد أن أخرج القصة والحديث: «وقد روى هذا الحديث شعبة ... والحديث صحيح». قال الشيخ الألباني: «الطبراني إنما صحح الحديث فقط دون القصة بدليل قوله: «قد روى شعبة الحديث ... والحديث صحيح»، فهذا نص على أنه أراد حديث شعبة، وشعبة لم يرو القصة، فلم يصححها إذن الطبراني فلا حجة لهم في كلامه» (٢). * تنبيه أخير: قال الشيخ الألباني ﵀ وفي القصة جملة إذا تأمل فيها العاقل العارف بفضائل الصحابة وجدها من الأدلة الكبرى على نكارتها وضعفها، وهي أن الخليفة الراشد عثمان ﵁ كان لا ينظر في حاجة ذلك الرجل، ولا يلتفت إليه! فكيف يتفق هذا مع ما صح عن النبي ﵌ أن الملائكة تستحي من عثمان، ومع ما عرف به ﵁ من رفقه بالناس وبره بهم ولينه معهم؟ هذا كله يجعلنا نستبعد وقوع ذلك منه لأنه ظلم يتنافى مع شمائله ﵁ وأرضاه ـ» (٣).

стр. 223

خامساً: قال الأستاذ محمد حسين (ص١٣١): «وأخرج ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار وكان خازن عمر بن الخطاب قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر فجاء رجل إلى قبر النبي ﵌ فقال: «يا رسول الله استسق لأمتك، فإنهم قد هلكوا»، فأتى الرجل في المنام فقال له: «ائت عمر فقال له: إنكم مستسقون فعليك الكفين»، قال: فبكى عمر وقال: «يا رب ما آلوا إلا ما عجزتُ عنه»، ذكره وأقره أيضاً ابن حجر العسقلاني في فتح الباري الجزء الثالث». * الرد: قال الشيخ الألباني: «والجواب من وجوه: ١ - عدم التسليم بصحة هذه القصة لأن مالك الدار غير معروف العدالة والضبط، وهذان شرطان أساسيان في كل سند صحيح، ولا ينافي هذا قول الحافظ ابن حجر: «بإسناد صحيح من رواية أبى صالح السمان ... » لأننا نقول: إنه ليس نصاً في تصحيح جميع السَّنَد بل إلى أبي صالح فقط، ولولا ذلك لما ابتدأ هو الإسناد من عند أبي صالح، ولقال رأساً: «عن مالك الدار ... وإسناده صحيح» ولكن تعمد ذلك ليلفت النظر إلى أن ها هنا شيئاً ينبغي النظر فيه، والعلماء إنما يفعلون ذلك لأسباب منها: أنهم قد لا يحضرهم ترجمة بعض الرواة فلا يستجيزون لأنفسهم حذف السند كله، لما فيه من إيهام صحته لا سيما عند الاستدلال به، بل يوردون منه ما فيه موضع للنظر فيه، وهذا هو الذي صنعه الحافظ هنا، وكأنه يشير إلى تفرد أبى صالح السمان عن مالك الدار كما سبق نقله عن ابن أبى حاتم، وهو يحيل بذلك إلى وجوب التثبت من حال مالك هذا أو يشير إلى جهالته. ٢ - أنها مخالفة لما ثبت في الشرع من استحباب إقامة صلاة الاستسقاء لاستنزال الغيث من السماء، كما ورد ذلك في أحاديث كثيرة وأخذ به جماهير الأئمة وهذا ما فعله عمر بن الخطاب حين استسقى وتوسل بدعاء العباس كما سبق بيانه، وهكذا كانت عادة السلف الصالح كلما أصابهم قحط أن يصلوا ويدعوا ولم ينقل عن أحد منهم مطلقاً أنه التجأ إلى قبر النبي ﵌ وطلب منه الدعاء للسقيا، ولو كان ذلك مشروعاً

стр. 224

لفعلوه ولو مرة واحدة، فإذا لم يفعلوه دل ذلك على عدم مشروعية ما جاء في القصة. ٣ - هَبْ أن القصة صحيحة فلا حجة فيها لأن مدارها على رجل لم يسم فهو مجهول أيضاً «جاء رجل إلى قبر النبي ... » وتسميته بلالاً في رواية سيف (١) لا يساوي شيئاً؛ لأن سيفاً هذا ـ وهو ابن عمر التميمى ـ متفق على ضعفه عند المحدثين، بل قال ابن حبان فيه: «يروى الموضوعات عن الأثبات»، وقال أنه كان يضع الحديث، فمن كان هذا شأنه لا تُقبل روايته ولا كرامة، ولا سيما عند المخالفة. * تنبيه: سيف هذا يرد ذكره كثيراً في تاريخ ابن جرير وابن كثير وغيرهما، فينبغي على المشتغلين بعلم التاريخ ألا يغفلوا عن حقيقة أمره حتى لا يعطوا الروايات ما لا تستحق من المنزلة» (٢). * تنبيه آخر: على فرض صحة القصة (وقد عُلِمَ أنها ليست صحيحة) فإن مدارها على رؤيا، والرؤى ليست مصدراً من مصادر التشريع. وعلى فرض صحة القصة فإن قوله: «إنكم مستسقون، فعليك الكفين» إرشاد إلى عمل مشروع وهو الاستسقاء، أي: اذهبوا فاستسقوا أنتم، فإنه ليس في (الرؤيا) أن النبي ﵌ رفع يديه إلى السماء أو قال: «اللهم اسقِ أمتي». سادساً: قال الأستاذ محمد حسين (ص١٣٢): «روى الدارمي أن أهل المدينة لما قحطوا أشارت عليهم عائشة ﵂ بأن يجعلوا من قبر النبي ﵌ كوى (٣) ـ أي فتحة ـ إلى السماء حتى لا يكون بينه وبينها سقف ففعلوا فمطروا حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت فسمى عام التفتق». * الرد:

стр. 225

١ - بيّن الشيخ الألباني ﵀ ضعف سند هذا الحديث في كتابه القيم (التوسل أنواعه وأحكامه) (ص١٤٠ - ١٤١) فراجعه إن شئت. ٢ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (الرد على البكري: ص٨٦ - ٧٤): «وما رُوِيَ عن عائشة ﵂ من فتح الكوة من قبره ﵌ إلى السماء، لينزل المطر فليس بصحيح ولا يثبت إسناده، ومما يبين كذب هذا أنه في مدة حياة عائشة لم يكن للبيت كوة، بل كان باقياً كما كان على عهد النبي ﵌، بعضه مسقوف وبعضه مكشوف، وكانت الشمس تنزل فيه كما ثبت في الصحيحين عن عائشة أن النبي ﵌ كان يصلى العصر والشمس في حجرتها، لم يظهر الفيء بعد، ولم تزل الحجرة كذلك في مسجد الرسول ﵌ ... ومن حينئذ دخلت الحجرة النبوية في المسجد، ثم إنه بُني حول حجرة عائشة التي فيها القبر جدار عال، وبعد ذلك جُعلت الكوة لينزل منها من ينزل إذا احتيج إلى ذلك لأجل كنس أو تنظيف، وأما وجود الكوة في حياة عائشة فكذب بيّن» (١). سابعاً: قال الأستاذ محمد حسين (ص١٣٢): «القول بعدم التوسل بمخلوق يناقض عقيدة ابن تيمية ﵀ حيث يجيز التوسل بالعمل الصالح، ومن عقيدة أهل السنة أن الأعمال مخلوقة، فلا فرق بين العمل الصالح المخلوق لله وبين العبد الصالح المخلوق لله». * الرد: ١ - ثبتت مشروعية أن يتوسل الداعي بعملٍ صالح قام به، مع أن عمله مخلوق، ولم يثبت جواز التوسل بذات أو جاه مخلوق، سواء كان الداعي أو غيره، والأصل في العبادات التوقيف. ٢ - قال الشيخ الألباني ﵀: «والجواب من وجهين:

стр. 226

الوجه الأول: أن هذا قياس والقياس في العبادات باطل. الوجه الثاني: أن هذه مغالطة مكشوفة؛ لأننا لم نقل ـ كما لم يقل أحد من السلف قبلنا ـ إنه يجوز أن يتوسل بعمل غيره الصالح (١)، وإنما التوسل المشار إليه إنما هو التوسل بعمل المتوسل الصالح نفسه، فإذا تبين هذا قلبنا عليهم كلامهم فقلنا: إذا كان لا يجوز التوسل بالعمل الصالح الذي صدر من غير الداعي فأولى ثم أولى ألا يجوز التوسل بذاته» (٢). ثامناً: اعتمد الأستاذ محمد حسين (ص١٣٤) على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية: «أن السؤال بذات الرسول يجوزه طائفة من الناس ونقل في ذلك آثاراً عن بعض السلف» واعتمد الأستاذ محمد حسين على ذلك في جعل المسألة خلافية. * الرد: ليس معنى أن المسألة خلافية أن القولين صواب، بل إن شيخ الإسلام ابن تيمية قد أبطل القول الآخر فقال: «وإن كان في العلماء من سوغه فقد ثبت عن غير واحد من العلماء أن نهى عنه فتكون مسألة نزاع ... فيرد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله ويبدي كل واحد حجته كما في سائر مسائل النزاع ... وقد ثبت أنه لا يجوز القَسَم بغير الله لا بالأنبياء ولا بغيرهم ... وقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز لأحد أن ينذر لغير الله لا لنبي ولا لغير نبي، وأن هذا النذر شرك لا يوفي به، وكذلك الحلف بالمخلوقات لا تنعقد به اليمين ولا كفارة فيه، حتى لو حلف بالنبي لم تنعقد يمينه ولم يجب عليه كفارة عند جمهور العلماء ... فإذا لم يجز أن يحلف بها الرجل ولا يقسم بها على مخلوق فكيف يقسم بها على الله ﷻ ؟ وأما السؤال به من غير إقسام فهذا أيضاً مما منع منه غير واحد من العلماء، والسنة الصحيحة عن النبي ﵌ وخلفائه الراشدين تدل على ذلك، فإن هذا إنما يفعله على أنه قربة وطاعة، وأنه مما يستجاب به الدعاء وما كان من هذا النوع فإما أن يكون واجباً وإما أن يكون مستحباً، وكل ما كان واجباً

стр. 227

أو مستحباً في العبادات والأدعية فلابد أن يشرعه النبي ﵌ لأمته، فإذا لم يشرع هذا لأمته لم يكن واجباً ولا مستحباً ولا يكون قربة وطاعة ولا سبباً لإجابة الدعاء ... فمن اعتقد ذلك في هذا أو في هذا فهو ضال وكانت بدعته من البدع السيئة، وقد تبين بالأحاديث الصحيحة، وما استُقريء من أحوال النبي ﵌ وخلفائه الراشدين أن هذا لم يكن مشروعاً عندهم. وأيضاً فقد تبين أنه سؤال لله تعالى بسبب لا يناسب إجابة الدعاء، وأنه كالسؤال بالكعبة والطُور والكرسي والمساجد وغير ذلك من المخلوقات، ومعلوم أن سؤال الله بالمخلوقات ليس مشروعاً كما أن الإقسام بها ليس مشروعاً بل هو منهي عنه، فكما أنه لا يسوغ لأحد أن يحلف بمخلوق فلا يحلف على الله بمخلوق، ولا يسأله بنفس مخلوق، وإنما يسأل بالأسباب التي تناسب إجابة الدعاء» (١). تاسعاً: ما نسب إلى الإمام أحمد من جواز التوسل بالنبي ﵌. * الرد: جاء في فتاوى اللجنة الدائمة (١/ ٥٣٠ - ٥٣١): «ما نقل عن الإمام أحمد في التوسل بالنبي ﵌ بصيغة التمريض (٢) فلا نعلم له طريقاً صحيحاً عن الإمام أحمد ﵀، ولو صح عنه لم يكن حجة، بل الصواب ما قال غيره في ذلك وهم جمهور أهل السنة، لأن الأدلة الشرعية في ذلك معهم». عاشراً: قال الأستاذ محمد حسين (ص١٣٥): «لم يأمر الإمام حسن البنا باتباع رأي من آراء المختلفين في المسألة». ونقول له: فلماذا يأمر الأستاذ محمد حسين باتباع الرأي المرجوح الذي ترده الأدلة؟ وما المصلحة التي تعود على المسلمين في اتباعهم لهذا الرأي المرجوح؟ وهل يعمل كل المسلمين بأنواع التوسل المشروع الثلاثة حتى نحثهم على العمل بهذا التوسل البدعي؟

стр. 228

خامس عشر: مسألة إخراج القيمة في زكاة الفطر (١) *قال الشيخ محمد إسماعيل المقدم: «لقد شاع القول بإخراج القيمة مطلقاً وذاع فشب عليه الصغير، وهرم عليه الكبير، واستفاض في الناس، وجرى عليه عامتهم وخاصتهم حتى كاد الفرع ـ الذي هو إخراج القيمة ـ يعود على الأصل ـ والذي هو إخراج الأعيان المنصوصة ـ بالبطلان والنسيان، الأمر الذي أدى ببعض الناس إلى أن ينكروا على من يخرج الأعيان المنصوصة في الأحاديث الشريفة، رغم اتفاق العلماء على أن الأعيان تجزيء، وإنما كان الذي اختلفوا عليه هو (القيمة) هل تصلح بدلاً عن الأعيان المنصوصة أم أنها لا تجزئ؟ وقد نشأ اختلافهم هذا عن اختلافهم في النظر إلى حقيقة الزكاة هل هي عبادة وقربة إلى الله تعالا؟ أم هي حق مرتب في مال الأغنياء للفقراء أي: (ضريبة مالية) مفروضة على من وجبت عليه الزكاة؟ (٢) * جاء في فتاوى اللجنة الدائمة (٩/ ٣٨٠): «لا يجوز توزيع زكاة الفطر نقداً على الصحيح فيما نعلم، وهو قول جمهور العلماء» اهـ. * قال الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم: «لعل أقرب الأقوال إلى الأدلة، وأنسبها لواقعنا وأبعدها عن إيرادات المخالفين ـ فيما يتعلق بزكاة الفطر خاصة ـ: إخراج الزكاة من غالب قوت البلد مما يُكال ويُدخر بناء على توسع بعض الأئمة

стр. 229

في مدلول كلمة (طعام) التي وردت في حديث أبى سعيد الخدري ﵁: «كنا نخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام ... » (١) الحديث. فإنه لا يوجد أحد يستغنى عن القوت الغالب، وإذا كثر عنده فإنه يصلح لادخاره، وبالتالي لا يضطر لبيعه بثمن بخس، وربما إذا أعطى الفقير مالاً قد ينفقه في منفعة شخصية أو كمالية، فضلاً عن أمور محظورة شرعاً كالتدخين، فدفع الطعام أولى وأجدى له ولأولاده» (٢). * قال الشيخ ابن باز ﵀: « ... زكاة الفطر عبادة بإجماع المسلمين والعبادات الأصل فيها التوقيف، فلا يجوز لأحد أن يتعبد بأي عبادة إلا بما ثبت عن المشرع الحكيم عليه صلوات الله وسلامه الذي قال عنه ربه ﵎: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَا﴾ [النجم: ٣ - ٤] وقال هو في ذلك: «من أحْدَثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٣)، وقال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (٤)، وقد بيّن هو صلوات الله وسلامه عليه زكاة الفطر بما ثبت عنه في الأحاديث الصحيحة: «صاعاً من طعام، أو صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير أو صاعاً من أقط» (٥) ... فهذه سنة محمد ﵌ في زكاة الفطر. ومعلوم أن وقت هذا التشريع وهذا الإخراج يوجد بيد المسلمين ـ وخاصة مجتمع المدينة ـ الدينار والدرهم اللذان هما العملة السائدة آنذاك ولم يذكرهما صلوات الله وسلامه عليه؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولو فعل ذلك لنقله أصحابه ﵃ ... ولا نعلم أن أحداً من أصحاب النبي ﵌ أخرج النقود في زكاة الفطر، وهم أعلم الناس بسنته ﵌، وأحرص الناس على العمل بها، ولو وقع منهم

стр. 230

شيء من ذلك لنُقل كما نُقل غيره من أقوالهم وأفعالهم المتعلقة بالأمور الشرعية، ... ومما ذكرنا يتضح لصاحب الحق أن إخراج النقود في زكاة الفطر لا يجوز ولا يجزئ عمن أخرجه؛ لكونه مخالفاً لما ذُكر من الأدلة الشرعية» (١).

стр. 231

سادس عشر: مسألة الأسماء والصفات * العقيدة الصحيحة عقيدة السلف: من الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه وبما وصفه به رسوله محمد ﵌ من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل. * أنواع التحريف: ١ - التحريف اللفظي: كقول بعض المعتزلة: «وكلم اللهَ موسى تكليماً» لينفي صفة الكلام عن الله ويجعله من فعل موسى ﵇ وإن كان يعجز عن ذلك في قوله تعالا: ﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. ٢ - التحريف المعنوي: أي تحريف المعنى مع بقاء صورة النظر كقول من قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَا﴾ [طه: ٥] أي: استولا، ومن قال: «اليد: القدرة». * التعطيل: إنكار ما أثبت الله لنفسه من الأسماء والصفات كقولهم: «لم يستو على العرش، ولم يكلم موسى تكليماً». * التكييف: اعتقاد كيفية معينة لصفات الله وقد قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] والمنفي هنا إدراك الكيفية فالكيف مجهول، أي هناك كيفية وحقيقة لصفات الله لكن نحن لا نعلمها، مثلاً نعلم أنه استوى على العرش ولكن لا نعلم كيف استوا، نعلم أنه يسمع ولا نعلم كيف يسمع. * التمثيل: أن يعتقد أن الله يشبه خلقه في صفاته، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. انظر: (العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية وشرحها للشيخ ابن عثيمين، القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى له أيضاً، أسماء الله وصفاته في

стр. 232

معتقد أهل السنة والجماعة للدكتور عمر الأشقر، منة الرحمن للشيخ ياسر برهاما). * نقل الأستاذ محمد حسين (ص٩٠ - ٩١) عن الإمام أبي حامد الغزالي قوله: «سمعت الثقات من أئمة الحنابلة ببغداد يقولون: إن أحمد بن حنبل صرح بتأويل ثلاثة أحاديث فقط ... » إلخ. * الرد: قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٣/ ٢٣٨) الطبعة القديمة (٥/ ٣٩٨): «وأما ما حكاه أبو حامد الغزالي عن بعض الحنبلية أن أحمد لم يتأول إلا ثلاثة أشياء: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض» (١) و «قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن» (٢) و «إني لأجد نَفَس الرحمن من قِبَل اليمن» (٣): فهذه الحكاية كذب على أحمد لم ينقلها أحد عنه بإسناد، ولا يُعرف أحد من أصحابه نقل ذلك عنه، وهذا الحنبلي الذي ذكر عنه أبو حامد مجهول لا يعرف، لا علمه بما قال ولا صدقه فيما قال» اهـ. * توضيح: قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «اعلم أن بعض أهل التأويل أورد على أهل السنة شبهة في نصوص الكتاب والسنة في الصفات أدعى أن أهل السنة صرفوها عن ظاهرها ليلزم أهل السنة بالموافقة على التأويل أو المداهنة فيه، وقال كيف تنكرون علينا تأويل ما أولنا مع ارتكابكم لمثله فيما أوّلتموه؟ ونحن نجيب ـ بعون الله تعالى ـ عن هذه الشبهة بجوابين: مجمل ومفصل، أما المجمل فيتلخص في شيئين: أحدهما: أننا لا نُسَلِّم أن تفسير السلف لها صرْف عن ظاهرها فإن ظاهر الكلام ما يتبادر منه من المعنى وهو يختلف بحسب السياق وما يضاف إليه من الكلام، فإن

стр. 233

الكلمات يختلف معناها بحسب تركيب الكلام، والكلام مركب من كلمات وجمل يظهر معناها ويتعين بضم بعضها إلى بعض. ثانيهما: أننا لو سلمنا أن تفسيرهم صرف عن ظاهرها فإن لهم في ذلك دليلاً من الكتاب والسنة إما متصلاً وإما منفصلاً وليس شبهات يزعمها الصارف براهين وقطعيات يتوصل بها على نفي ما أثبته الله لنفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﵌. وأما المفصل: فعلى كل نص ادُّعى أن السلف صرفوه عن ظاهره ... »، ثم نقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية السابق ذكره وردّ على هذه الأحاديث كالآتي: «الحديث الأول: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض» الجواب عنه أنه حديث باطل لا يثبت عن النبي ﵌ قال ابن الجوزي: «هذا حديث لا يصح»، وقال ابن العربي: «حديث باطل فلا يُلتفت إليه»، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «رُوِيَ عن النبي ﵌ بإسناد لا يثبت». الحديث الثاني: «قلوبُ العبادِ بين إصبَعَيْنِ من أصابع الرحمن» والجواب أن هذا الحديث صحيح رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي ﵌ يقول: «إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يُصَرِّفُه حيث يشاء» ثم قال رسول الله ﵌: «اللهم مُصَرِّفَ القلوب صَرِّف قلوبنا على طاعتك» وقد أخذ السلف أهل السنة بظاهر الحديث وقالوا إن لله تعالى أصابع حقيقية نثبتها له كما أثبتها له رسول الله ﵌ ولا يلزم من كون قلوب بني آدم بين إصبعين منها أن تكون مماسة لها حتى يقال: إن الحديث موهم للحلول فيجب صرفها عن ظاهره، فهذا السحاب مسخر بين السماء والأرض وهو لا يمس السماء ولا يمس الأرض، ويقال: بدر بين مكة والمدينة مع تباعد ما بينهما، فقلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن حقيقة ولا يلزم من ذلك مماسة ولا حلول. الحديث الثالث: «إني أجد نَفَس الرحمن مِنْ قِبَل اليمن» والجواب: أن هذا الحديث رواه الإمام أحمد في المسند من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﵌:

стр. 234

«ألا إن الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية وأجد نَفَسَ ربكم من قِبَل اليمن». قال في مجمع الزوائد: «رجاله رجال الصحيح غير شبيب وهو ثقة»، وهذا الحديث على ظاهره، والنَفَس فيه اسم مصدر نفّس تنفيساً مثل فرّج يُفرّج تفريجاً وفرجاً، قال في مقاييس اللغة: «النَفَس كل شيء يفرج به عن مكروب» فيكون معنى الحديث أن تنفيس الله تعالى عن المؤمنين يكون من أهل اليمن، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وهؤلاء هم الذين قاتلوا أهل الردة وفتحوا الأمصار فبهم نَفّس الرحمن عن المؤمنين الكربات» اهـ. (ص ٣٩٨ جـ ٦) مجموع فتاوى شيخ الإسلام لابن قاسم» (١).

стр. 235

مناقشة بعض آراء الأستاذ محمد حسين في كتابه (سلوكيات وأحكام المرأة في المجتمع المسلم) خرج علينا الأستاذ محمد حسين صاحب كتاب (اللمع) في كتابه (سلوكيات وأحكام المرأة في المجتمع المسلم) بآراء غريبة ما كنا نتوقع أن تصدر من مثله، فإن بعض ما قاله الأستاذ محمد حسين في كتابه المذكور تكرار لما سبق أن نادى به قاسم أمين ـ عدو المرأة المسلمة ـ في كتابه (تحرير المرأة) وتعرض وقتها لهجوم شديد من علماء المسلمين، بل إنه قال أقوالاً لم يجرؤ قاسم أمين أن يقولها في كتابه المذكور. منهج الأستاذ محمد حسين في كتابه (سلوكيات وأحكام المرأة في المجتمع المسلم) سار الأستاذ محمد حسين في هذا الكتاب على نفس المنهج الذي سار عليه في كتابه (اللمع) حيث انتقاء الآراء التي تؤيد آراءه ـ تماماً مثلما كان يفعل قاسم أمين ـ وبَتْر بعض ما ينقله عن علماء المسلمين والاعتماد على بعض الأحاديث التي تؤيد آراءه دون تمييز بين صحيح وضعيف، ويتضح ذلك من الأمثلة الآتية: ١ - قال (ص٢٨) إن شيخ الإسلام ابن تيمية يرى أن تغطية وجه المرأة عادة وأنه مباح ليس من الدين. وننقل هنا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوا) (١١/ ٤٢٥، والطبعة القديمة التي يحيل عليها الأستاذ محمد حسين ٢٢/ ١١١): « ... فإذا كُنّ مأمورات بالجلباب لئلا يُعْرَفْنَ، وهو ستر الوجه، أو ستر الوجه بالنقاب كان الوجه

стр. 236

واليدان من الزينة التي أُمِرَتْ ألا تظهرها للأجانب» ا. هـ. وقال شيخ الإسلام في تفسير الجلباب: « ... وهو الإزار الكبير الذي يغطي رأسها وسائر بدنها» (١). وقال شيخ الإسلام أيضاً: «الوجه واليدان والقدمان، ليس لها أن تبدي ذلك للأجانب على أصح القولين، بخلاف ما كان قبل النسخ، بل لا تبدي إلا الثياب» (٢).وقال أيضاً: «المرأة كلها عورة» (٣). ٢ - قال (ص٧٩): «عن ابن عمر ﵄ قال: «كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله ﵌ جميعاً» رواه البخاري ... » ثم قال الأستاذ محمد حسين: «وظل الأمر حتى أتى زمن عمر بن الخطاب فجعل حياضاً للرجال وحياضاً للنساء أمام المسجد ... » واستدل على ذلك بأثر رواه الإمام عبد الرزاق ولم يبين درجة صحة الأثر (٤)، وجعله دليلاً على اختلاط الرجال بالنساء، والعجيب قوله بعد ذكر الأثر المنسوب إلى عمر ﵁: «وذلك منه ﵁ دفعاً للتزاحم ومفسدته وليس لتواجد النساء مع الرجال». ونقول له: حديث ابن عمر ﵄ رواه البخاري في كتاب الوضوء، باب وضوء

стр. 237

الرجل مع امرأته (حديث ١٩٣) وعلى فرض أن المقصود من الحديث اجتماع الرجال والنساء الأجانب فليس هذا دليلاً على اختلاط الرجال بالنساء؛ لأن هذا كان قبل نزول آية الحجاب. قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: «لا مانع من الاجتماع قبل نزول الحجاب وأما بعده فيختص بالزوجات والمحارم» (١) ا. هـ. ونقول للأستاذ محمد حسين: طالما جعلت هذا الحديث دليلاً على جواز اختلاط الرجال بالنساء ـ مع أنه ليس فيه دليل ـ فهل يرضى مسلم حريص على دينه وعرضه أن تتوضأ ابنته أو زوجته أمام الرجال الأجانب؟ وقل لي ـ بالله عليك ـ: كيف تتوضأ المرأة المسلمة أمام الرجال الأجانب؟ كيف تغسل قدميها وذراعيها وجزءاً من ساقيها وتمسح شعرها؟ لقد قلت شيئاً لم يجرؤ قاسم أمين أن يقوله، فالواجب علينا أن نتقي الله في نساء المسلمين. ٤ - استدل (ص١٠٨) على حق المرأة في انتخاب الخليفة بقصة ذكرها الحافظ ابن كثير في كتاب (البداية والنهاية) وهو كتاب تاريخ، وقد أشار الحافظ ابن كثير إلى ضعفها بتصديرها بصيغة التمريض «يُروا» وبالطبع لم يذكر الأستاذ محمد حسين ذلك، بل بنى على تلك القصة أن هذا يكاد يكون إجماعاً من الصحابة. ٥ - استدل أيضاً على حق المرأة في انتخاب الخليفة بحديث «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم» وهو حديث ضعيف (٢)، وإن صح فليس فيه حجة لما ذهب إليه. ٦ - قال (ص١٠٣): «فقد رُوي أن عمر بن الخطاب ﵁ ولى امرأة الحسبة في السوق، وهي نظام يشبه نظام النيابة العامة، فلم يمنع الصحابة ﵃ المرأة من تولى

стр. 238

الوظائف العامة منذ زمن عمر بن الخطاب ولم يعرف له مخالف من بينهم» اهـ. ومرة أخرى بنى إجماع الصحابة على أثر ذكره هو نفسه بصيغة التمريض التي تدل على ضعفه، ولم يذكر من أخرجه من علماء الحديث. ٧ - قال ص (٧٤) تحت عنوان: «النبي ﵌ يحضر الأفراح وغناء النساء»: عن خالد بن ذكوان: قال قالت الربيع بنت معوذ بن عفراء: جاء النبي ﵌ فدخل حين بُنِيَ علاّ فجلس على فراشي كمجلسك مني فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من أبائي يوم بدر إذ قالت إحداهن: «وفينا نبي يعلم ما في غد»، فقال: «دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين» (١). ثم نقل أجزاء من شرح الحافظ ابن حجر للحديث، ومعنى ذلك أنه قرأ شرح الحديث، ورغم ذلك قال (ص٧٥): «ففي هذا الحديث والذي قبله يحضر النبي ﵌ عرس إحدى النساء الأجنبيات من غير محارمه ويجلس مع العروس على فراشها» اهـ. ورغم قراءته لشرح الحديث ونقله أجزاء منه لم ينقل قول الحافظ ابن حجر: «قوله: «كمجلِسك» بكسر اللام أي: مكانك، قال الكرماني: «هو محمول على أن ذلك كان من وراء حجاب، أو كان قبل نزول آية الحجاب، أو جاز النظر للحاجة أو عند الأمن من الفتنة» اهـ. ثم قال الحافظ ابن حجر: «والأخير هو المعتمد، والذي وضح لنا بالأدلة القوية أن من خصائص النبي ﵌ جواز الخلوة بالأجنبية والنظر إليها، وهو الجواب الصحيح عن قصة أم حرام بنت ملحان في دخوله عليها ونومه عندها وتفليتها رأسه ولم يكن بينهما محرمية ولا زوجية» (٢). ٨ - قال (ص٧٥): «عن عامر بن سعد قال: دخلت على قرظة بن كعب وأبي

стр. 239

مسعود الأنصاري في عُرْس وإذا جواري يُغَنِّين، فقلت: «أنتما صاحبا رسول الله ﵌ ومن أهل بدر، يفعل هذا عندكم؟» فقالا: «اجلس إن شئت فاسمع معنا وإن شئت اذهب، قد رُخِّصَ لنا في اللهو عند العرس» رواه الإمام النسائي، وقال الشيخ الألباني: إسناده صحيح، فالأمر استمر فيه الرخصة والحضور والاجتماع الرجال والنساء في العرس حتى بعد عصر النبوة» اهـ. ونقول للقارئ الكريم: أين النساء في الأثر الذي ذكره؟ إنهن جوارٍ صغار، فالجارية هي البنت الصغيرة، وهي غير مأمورة بالحجاب. * تنبيه: ما ثبت في هذا الحديث وغيره من غناء الجواري الصغار لا يدل على جواز الغناء الذي تصحبه المعازف (آلات الموسيقا)؛ لنهي النبي ﵌ عن المعازف (١). ٩ - خلط بين عورة المرأة في الصلاة وعورة النظر إليها حيث نقل (ص٢٠ - ٢١) أقوال بعض العلماء في عورة المرأة في الصلاة واستدل بها على جواز كشف المرأة لوجهها ويديها خارج الصلاة. بين الأستاذ محمد حسين والشيخ حسن البنا. . مقارنة ننقل هنا بعض الكلمات للشيخ حسن البنا تخص المرأة المسلمة، ننقلها هنا حتى يتبين الفرق بينه وبين الأستاذ محمد حسين: قال الشيخ حسن البنا ﵀ (٢): * «يرى الإسلام في الاختلاط بين المرأة والرجل خطراً محققاً فهو يباعد بينهما

стр. 240

إلا بالزواج، ولهذا فإن المجتمع الإسلامي مجتمع انفرادي لا مجتمع مشترك». * «يقول دعاة الاختلاط أن في ذلك حرماناً للجنسين من لذة الاجتماع وحلاوة الأنس التي يجدها كل منهما في سكونه للآخر، والتي توجِد شعوراً يستتبع كثيراً من الآداب الاجتماعية، من الرقة وحسن المعاشرة ولطف الحديث ودماثة الطبع ... ونحن نقول لهؤلاء: مع أننا لا نسلّم بما ذكرتم ... نقول لكم: إن ما يعقب لذة الاجتماع وحلاوة الأنس من ضياع الأعراض وخبث الطوايا وفساد النفوس، وتهدم البيوت، وشقاء الأسر، وبلاء الجريمة، وما يستلزم هذا من طراوة الأخلاق ولين في الرجولة لا يقف عند حد الرقة، بل هو يتجاوز ذلك إلى حد الخنوثة والرخاوة، وكل ذلك ملموس لا يماري فيه إلا مكابر. كل هذه الآثار السيئة التي تترتب على الاختلاط تربو ألف مرة على ما ينتظر منه من فوائد، وإذا تعارضت المصلحة والمفسدة فدرء المفسدة أولا، ولا سيما إذا كانت المصلحة لا تعد شيئاً بجانب هذا الفساد». * «يزيد الاختلاط قوة الميل، وقديماً قيل: إن الطعام يقوى شهوة النهم ... والمرأة التي تخالط الرجال تتفنن في إبداء ضروب زينتها، ولا يرضيها إلا أن تثير في نفوسهم الإعجاب بها». * « ... ولهذا نحن نصرح بأن المجتمع الإسلامى مجتمع فردي لا زوجي، وأن للرجال مجتمعاتهم وللنساء مجتمعاتهن، ولقد أباح الإسلام للمرأة شهود العيد وحضور الجماعة، والخروج في القتال عند الضرورة الماسة، ولكنه وقف عند هذا الحد، واشترط لها شروطاً شديدة: من البعد عن كل مظاهر الزينة، ومن ستر الجسم، ومن إحاطة الثياب به، فلا تصف ولا تشف، ومن عدم الخلوة بأجنبي مهما تكن الظروف وهكذا». * «عن معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «لأن يُطْعَن في رأس أحدِكم بِمِخْيَطٍ مِن حديد خيرٌ له مِن أن يَمَسَّ امرَأَةً لا تحلُّ لَه» رواه الطبراني والبيهقي

стр. 241

ورجال الطبراني ثقات من رجال الصحيح، كذا قال الحافظ المنذري» (١). * «ما نحن عليه ليس من الإسلام في شيء، فهذا الاختلاط بيننا في المدارس والمعاهد والمجامع والمحافل العامة، وهذا الخروج إلى الملاهي والمطاعم والحدائق، وهذا التبذل والتبرج الذي وصل إلى حد التهتك والخلاعة، كل هذه بضاعة أجنبية لا تمت إلى الإسلام بأدنى صلة، ولقد كان لها في حياتنا الاجتماعية أسوأ الآثار». * «يقول كثير من الناس: إن الإسلام لم يحرّم على المرأة مزاولة الأعمال العامة وليس هناك من النصوص ما يفيد هذا، فأْتوني بنص يحرّم ذلك. ومثلُ هؤلاء من يقول: إن ضرب الوالدين جائز؛ لأن المنهي عنه في الآية أن يقال لها: «أُفّ» ولا نص على الضرب. إن الإسلام يحرّم على المرأة أن تكشف عن بدنها، وأن تخلو بغيرها وأن تخالط سواها، ويحبب إليها الصلاة في بيتها، أفيقال بعد هذا: إن الإسلام لا ينص على حرمة مزاولة المرأة للأعمال العامة؟ إن الإسلام يرى أن للمرأة مهمة طبيعية أساسية هي المنزل والطفل، فهي كفتاة يجب أن تتهيأ لمستقبلها الأسرا، وهي كزوجة يجب أن تخلص لبيتها وزوجها، وهي كأم يجب أن تكون لهذا الزوج ولهؤلاء الأبناء، وأن تتفرغ لهذا البيت، فهي ربته ومدبرته وملكته. ومتى فرغت المرأة من شئون بيتها لتقوم على سواه ... ؟ وإذا كان من الضرورات الاجتماعية ما يُلْجِئُ المرأة إلى مزاولة عمل آخر غير هذه المهمة الطبيعية لها، فإن من واجبها حينئذ أن تراعي هذه الشرائط التي وضعها الإسلام لإبعاد فتنة المرأة عن الرجل وفتنة الرجل عن المرأة، ومن واجبها أن يكون عملها بقدر ضرورتها، لا أن يكون هذا نظاماً عاماً، من حق كل امرأة أن تعمل على

стр. 242

أساسه» انتهى كلام الشيخ حسن البنا ﵀. * ولْيُقارن القارئ الكريم بين هذا الكلام وبين دعوة الأستاذ محمد حسين إلى: ١ - أن تستقبل الزوجة الضيوف في غيبة زوجها (ص٦٣). ٢ - مشاركة المرأة الطعام مع زوجها والضيف (ص٦٦). ٣ - مخالطة النساء مع الرجال مع المؤانسة (ص٦٨) (١). ٤ - دخول المسلم بيت أخيه في غيبته إذا أمنت الفتنة (ص٧٠). ٥ - اعتياد الدخول (أي دخول الرجال الأجانب) على النساء (ص٧١). ٦ - وضوء النساء مع الرجال (ص٧٩ - ٨٠). ٧ - حق المرأة في تولي الوظائف العامة (ص١٠٢). ٨ - حق المرأة في انتخاب الخليفة (ص١٠٨). ٩ - حق المرأة في انتخاب أهل الحل والعقد أو أن تكون من أهل الحل والعقد (حق المرأة في الترشيح بمجالس الشورا) (ص١١٠ - ١١١) (٢).

стр. 243

رد مجمل على بعض الأخطاء الواردة في كتابه (١) * الرد على قوله في الحجاب ودعوته إلى الاختلاط بين الرجال والنساء: ١ - تمسك الأستاذ محمد حسين بالمتشابه وترك المحكم فاستدل بأقوال أو أفعال للرسول ﵌ والصحابة كانت قبل الأمر باحتجاب النساء عن الرجال، فمثله كمثل من يستدل على جواز شرب الخمر بقوله تعالى: ﴿لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَا﴾ [النساء: ٤٣] مع أن ذلك كان قبل تحريم الخمر. ٢ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب يرى الرجل وجهها ويديها، وكان إذ ذاك يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين، وكان ـ حينئذ ـ يجوز النظر إليها؛ لأنه يجوز لها إظهاره، ثم لما أنزل الله آية الحجاب بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] فحجب النساء عن الرجال، وكان ذلك لما تزوج زينب بنت جحش، فأرخى الستر، ومنع النساء أن ينظرن، ولما اصطفى صفية بنت حُيَيّ بعد ذلك ـ عام خيبر ـ قالوا: «إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين، وإلا فهي مما ملكت يمينه»، فحجبها، فلما أمر الله ألا يسألن إلا من وراء حجاب وأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن، والجلباب هو الملاءة، وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره: الرداء، وتسميه العامة: الإزار، وهو الإزار الكبير الذي يغطي رأسها وسائر بدنها (٢) وقد حكى أبو عبيد وغيره: أنها تُدْنِيه من فوق رأسها

стр. 244

فلا تظهر إلا عينها، ومن جنسه النقاب فكن النساء ينتقبن، وفي الصحيح أن المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين (١)، فإذا كن مأمورات بالجلباب لئلا يعرفن، وهوستر الوجه، أو ستر الوجه بالنقاب، كان الوجه واليدان من الزينة التي أمرت ألا تظهرها للأجانب (٢) اهـ. وجوب ستر الوجه والكفين: قال الشيخ بكر أبوزيد: «معلوم أن العمل المتوارث المستمر من عصر الصحابة ﵃ فمَن بعدَهُم حجة شرعية يجب اتباعها، وتلقيها بالقبول، وقد جرى الإجماع العملي بالعمل المستمر المتوارث بين نساء المؤمنين على لزومهن البيوت فلا يخرجن إلا لضرورة أو حاجة، وعلى عدم خروجهن أمام الرجال إلا متحجبات غير سافرات الوجوه ولا حاسرات عن شيء من الأبدان، ولا متبرجات بزينة، واتفق المسلمون على هذا العمل، المتلاقي مع مقاصدهم في بناء صرح العفة والطهارة والاحتشام والحياء والغيرة، فمنعوا النساء من الخروج، سافرات الوجوه، حاسرات عن شيء من أبدانهن أو زينتهن. فهذان إجماعان متوارثان معلومان من صدر الإسلام وعصور الصحابة والتابعين لهم بإحسان، حكى ذلك جمع من الأئمة، منهم الحافظ ابن عبد البر، والإمام النووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم يرحمهم الله تعالا، واستمر العمل به إلى نحو منتصف القرن الرابع عشر الهجري، وقت انحلال الدولة الإسلامية إلى دول. قال الحافظ ابن حجر ﵀ في (الفتح) (٩/ ٢٢٤): «لم تزل عادة النساء قديماً وحديثاً أن يسترن وجوههن عن الأجانب» انتهى (٣).

стр. 245

قال الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم بعد أن نقل أقوالاً لكثير من علماء المذاهب الأربعة (١): تنبيهات: الأول: نستطيع أن نخلص مما تقدم بأن علماء المذاهب الأربعة متفقون على وجوب تغطية المرأة جميع بدنها عن الأجانب، سواء من يرى أن الوجه والكفين عورة، ومن يرى أنهما غير عورة لكنه يوجب تغطيتهما في هذا الزمان لفساد أكثر الناس ورِقّة دينهم، وعدم تورعهم عن النظر المحرم إلى وجه المرأة الذي هو مجمع المحاسن، ومعيار الجمال، ومصباح البدن (٢). الثاني: أجمع العلماء على مشروعية احتجاب النساء عن الرجال الأجانب فقد نقل الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): «عن ابن المنذر أنه قال: «أجمعوا على أن المرأة المحرمة تلبس المخيط كله، والخفاف، وأن تغطى رأسها، وتستر شعرها إلا وجهها، فتسدل عليه الثوب سدلاًخفيفاً تستتر به عن نظر الأجانب» ا. هـ. وهذا يقتضى أن غير المحرمة مثل المحرمة فيما ذكر، بل أوْلا» ا. هـ (٣) وفيه دليل واضح، وكشف فاضح لجهل من ادعى أن النقاب بدعة لا أصل لها في الإسلام. الثالث: أنه رغم الخلاف القديم بين الفقهاء في هذه المسألة إلا أنه بَقِيَ خلافاً نظرياً إلى حد بعيد، حيث ظل احتجاب النساء هو الأصل في الهيئة الاجتماعية خلال مراحل التاريخ الإسلامي، وفيما يلي نُقُول عن بعض الأئمة تؤكد أن التزام الحجاب كان أحد معالم سبيل المؤمنين في شتى العصور: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «كانت سنة المؤمنين في زمن النبي ﵌ أن الحرة تحتجب، والأمة تبرز» (٤) ونقل

стр. 246

الإمام ابن رسلان ﵀ اتفاق المسلمين على منع خروج النساء سافرات (١) اهـ. وقال الإمام أبو حامد الغزالي ﵀: «لم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات» (٢). وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: «إن العمل استمر على جواز خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقبات لئلا يراهن الرجال» (٣). بعض أدلة وجوب تغطية المرأة وجهها وكفيها: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، قال الدكتور عبد الله ناصح علوان: «وإذا كانت هذه الآية نزلت في أمهات المؤمنين ... فالعبرة ـ كما يقول الأصوليون ـ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإذا كانت أمهات المؤمنين المقطوع بعفتهن وطهارتهن مأمورات بالحجاب، وعدم الظهور أمام الأجانب فالنساء المسلمات بشكل عام مأمورات بالستر وعدم الظهور من باب أولا، وهذا يسمى بالمفهوم الأولوي عند الفقهاء وعلماء الأصول (٤). قال الشيخ بكر أبو زيد: «في قوله ـ تعالى ـ في آية الحجاب هذه: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ علة لفرض الحجاب في قوله ـ سبحانه ـ: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ﴾ بمسلك الإيماء والتنبيه وحكم العلة عام لمعلولها هنا؛ لأن طهارة قلوب الرجال والنساء وسلامتها من الريبة، مطلوبة من جميع المسلمين، فصار فرض الحجاب على نساء المؤمنين من باب الأولى من فرضه على أمهات المؤمنين، وهن الطاهرات المُبَرَأَىت من كل عيب ونقيصة ﵅.

стр. 247

فاتضح أن فرض الحجاب حكم عام على جميع النساء لا خاص بأزواج النبي ﵌ لأن علة الحكم دليل على عموم الحكم فيه، وهل يقول مسلم: إن هذه العلة: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ غير مرادة من أحد من المؤمنين» (١). قال الدكتور عبد الله ناصح علوان (وهو أحد رموز الإخوان المسلمين في العالم): «وإذا كانت هذه الآية نزلت في أمهات المؤمنين فالعبرة ـ كما يقول الأصوليون ـ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإذا كانت أمهات المؤمنين المقطوع بعفتهن وطهارتهن مأمورات بالحجاب، وعدم الظهور أمام الأجانب فالنساء المسلمات بشكل عام مأمورات بالستر وعدم الظهور من باب أولا». (٢) الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٩]، قال الإمام السيوطي ﵀: «هذه آية الحجاب في حق سائر النساء، ففيها وجوب ستر الرأس والوجه عليهن» (٣)، قال الشيخ بكر أبو زيد: «وهذه الآية صريحة على أنه يجب على جميع نساء المؤمنين أن يغطين ويسترن وجوههن وجميع أبدانهن وزينتهن، وفي هذا تميز لهن عن اللائى يكشفن من نساء الجاهلية حتى لا يتعرضن للأذى ولا يطمع فيهن طامع، ومعنى الجلباب في الآية هو معناه في لسان العرب، وهو اللباس الواسع الذي يغطى جميع البدن، وهو بمعنى الملاءة والعباءة، فتلبسه المرأة فوق ثيابها من أعلى رأسها مُدْنية ومُرخية له على وجهها وسائر جسدها، وما على جسدها من زينة مكتسبة، ممتداً إلى ستر قدميها» (٤). قال الدكتور عبد الله ناصح علوان: «المرأة المسلمة مأمورة بمقتضى آية ﴿يُدْنِينَ

стр. 248

عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ بارتداء الجلباب وستر وجهها عن الأجانب». (تربية الأولاد في الإسلام ١/ ١٩٩) الدليل الثالث: قال الله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣٠ - ٣١]، قال الشيخ بكر أبو زيد: «تعددت الدلالة في هاتين الآيتين الكريمتين على فرض الحجاب وتغطية الوجه من وجوه أربعة مترابطة، هي: الوجه الأول: الأمر بغض البصر وحفظ الفرج من الرجال والنساء على حد سواء في الآية الأولى وصدر الآية الثانية وما ذاك إلا لعظم فاحشة الزنا، وأن غض البصر وحفظ الفرج أزكى للمؤمنين في الدنيا والآخرة، وأبعد عن الوقوع في هذه الفاحشة، وإن حفظ الفرج لا يتم إلا ببذل أسباب السلامة والوقاية ومن أعظمها غض البصر، وغض البصر لا يتم إلا بالحجاب التام لجميع البدن، ولا يرتاب عاقل أن كشف الوجه سبب للنظر إليه والتلذذ به، والعينان تزنيان وزناهما النظر، والوسائل لها أحكام المقاصد، ولهذا جاء الأمر بالحجاب صريحاً في الوجه بعده: الوجه الثاني: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ منها: أي لا يظهرن شيئاً من الزينة للأجانب عن عمد وقصد، إلا ما ظهر منها اضطراراً لا اختياراً، مما لا يمكن اخفاؤه كظاهر الجلباب ـ العباءة ويقال: الملاءة ـ الذي تلبسه المرأة فوق القميص والخمار، وهي مالا يستلزم النظر إليه رؤية شيء من بدن المرأة الأجنبية؛ فإن ذلك معفو عنه، وتأمل سراً من أسرار التنزيل في قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾

стр. 249

كيف أسند الفعل إلى النساء في عدم إبداء الزينة متعدياً وهو فعل مضارع: ﴿يُبْدِينَ﴾ ومعلوم أن النهي إذا وقع بصفة المضارع، يكون آكد في التحريم، وهذا دليل صريح على وجوب الحجاب لجميع البدن وما عليه من زينة مكتسبة، وستر الوجه والكفين من باب أولا. وفي الاستثناء ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ لم يسند الفعل إلى النساء؛ إذ لم يجاء متعدياً، بل جاء لازماً، ومقتضى هذا أن المرأة مأمورة بإخفاء الزينة مطلقاً غير مخيرة في إبداء شيء منها وأنه لا يجوز لها أن تتعمد إبداء شيء إلا ما ظهر اضطراراً بدون قصد فلا إثم عليها، مثل انكشاف شيء من الزينة من أجل الرياح أو لحاجة علاج لها ونحوه من أحوال الاضطرار، فيكون معنى الاستثناء رفع الحرج، كما في قوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. الوجه الثالث: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ والخُمُر جمع خمار، مأخوذ من الخَمْر، وهو الستر والتغطية، ومنه قيل للخَمْر: خَمْراً؛ لأنها تستر العقل وتغطيه، قال الحافظ ابن حجر ﵀ في (فتح الباري: ٨/ ٤٨٩): «ومنه خمار المرأة؛ لأنه يستر وجهها» انتها. فيكون معنى ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾: أمر من الله لنساء المؤمنين، أن يلقين بالخمار إلقاءً محكماً على المواضع المكشوفة وهي الرأس والوجه، والعنق، والنحر، والصدر، وذلك بلفّ الخمار الذي تضعه المرأة على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر، وهذا هو التقنع؛ وهذا خلافاً لما كان عليه أهل الجاهلية من سدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما هو قدامها، فأُمِرْن بالاستتار، ويدل لهذا التفسير المتسق مع ما قبله، الملاقي للسان العرب كما ترا، أن هذا هو الذي فهمه نساء الصحابة ـ رضي الله عن الجميع ـ فعملن به، وعليها ترجم الإمام البخاري في صحيحه فقال: «باب: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾» وساق بسنده حديث عائشة ﵂ قالت: «يرحم الله نساء المهاجرين الأُوَل، لما أنزل

стр. 250

الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاختمرن بها». قال ابن حجر في (الفتح: ٨/ ٤٨٩) في شرح هذا الحديث: «قوله: «فاختمرن»: أي غطين وجوههن وذكر صفته كما تقدم» انتها. ومن نازع فقال بكشف الوجه؛ لأن الله لم يصرح بذكره هنا، فإنا نقول له: إن الله ـ سبحانه ـ لم يذكر هنا الرأس، والعنق، والنحر، والصدر، والعضدين، والذراعين والكفين، فهل يجوز الكشف عن هذه المواضع؟ فإن قال: لا، قلنا: والوجه كذلك لا يجوز كشفه من باب أولا؛ لأنه موضع الجمال والفتنة، وكيف تأمر الشريعة بستر الرأس والعنق والنحر والصدر، والذراعين والقدمين، ولا تأمر بستر الوجه وتغطيته، وهو أشد فتنة وأكثر تأثيراً على الناظر والمنظور إليه؟ وأيضاً ما جوابكم عن فهم نساء الصحابة ـ رضي الله عن الجميع ـ في مبادرتهن إلى ستر وجوههن حين نزلت هذه الآية؟ الوجه الرابع: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ وفي هذا الوجه ثلاث دلالات: الأولى: يحرم على نساء المؤمنين ضرب أرجلهن ليعلم ما عليهن من زينة. الثانية: يجب على نساء المؤمنين ستر أرجلهن وما عليهن من الزينة، فلا يجوز لهن كشفها. الثالثة: حرّم الله على نساء المؤمنين كل ما يدعو إلى الفتنة، وإنه من باب الأولى والأقوى يحرم سفور المرأة وكشفها عن وجهها أمام الأجانب عنها من الرجال؛ لأن كشفه أشد داعية لإثارة الفتنة وتحريكها، فهو أحق بالستر والتغطية وعدم إبدائه أمام الأجانب، ولا يستريب في هذا عاقل» (١). الدليل الرابع على وجوب تغطية وجه المرأة وكفيها: عن أم سلمة ـ رضي الله
следующие страницы →