- أصناف الشهداء في سبيل الله:
١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، وَالمَبْطُونُ، وَالغَرِقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ». متفق عليه (١).
٢ - وعن جابر بن عتيك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: « ... الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى القَتْلِ فِي سَبِيلِ الله : المَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَالمَبْطُونُ شَهِيدٌ، والغَرِيقُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الجَنْبِ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الحَرَقِ شَهِيدٌ، وَالمَرْأَةُ تَمُوْتُ بِجُمْعٍ شَهِيدَةٌ». أخرجه أبو داود والنسائي (٢).
٣ - وعن سعيدِ بنِ زَيْد ﵁ قالَ: سَمعْتُ رسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «مَنْ قُتلَ دُونَ مالِهِ فَهُوَ شَهيدٌ، وَمنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهيدٌ، وَمَن قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهيدٌ، وَمَنْ قُتِل دونَ أهلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ». أخرجه أبو داود والترمذي (٣).
- فضل الشهادة في سبيل الله:
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١)﴾ [آل عمران/١٦٩ - ١٧١].
٢ - وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ إلا الشَّهِيدُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنَ الكَرَامَةِ». متفق عليه (٤).
стр. 1017
- كرامات الشهيد في سبيل الله:
أرواح الشهداء في أجواف طير خضر، لها قناديل معلَّقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، وللشهيد عند الله خصال.
عن المقدام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إنّ لِلشَّهِيدِ عِنْدَ الله خِصَالاً: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دُفْعَةٍ مِنْ دَمِهِ، وَيُرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، ويُحلَّى عليْه حُلَّةَ الإيمان، ويُزوَّج اثنتين وسبعين زوجَة من الحورِ العينِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ،، وَيَأْمَنُ يَوْمَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ، ويُوضَعُ على رأسِهِ تاجُ الوَقار الياقوتةُ منْهُ خيرٌ من الدُّنيا وما فيها، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ إنْسَاناً مِنْ أَقَارِبِهِ». أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي في شعب الإيمان (١).
- من جُرح جرحاً في سبيل الله جاء يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك، عليه طابع الشهداء، والشهادة في سبيل الله تعالى تكفر الذنوب كلها إلا الدَّيْن.
- حكم من حوصر وحده:
من خشي الأسر من المسلمين ولا طاقة له بعدوه، فله أن يسلم نفسه، وله أن يقاتل حتى يُقتل أو يَغلب.
- حكم من هاجم العدو وحده:
من ألقى نفسه في أرض العدو، أو اقتحم في جيوش الكفار المعتدين بقصد التنكيل بالأعداء، وزرع الرعب في قلوبهم خاصة مع اليهود المعتدين، ثم قُتل، فقد نال أجر الشهداء الصابرين، والمجاهدين الصادقين، وهو أقل خسارة، وأكثر نكاية بالأعداء.
стр. 1018
- حكم المقتول في سبيل الله:
المقتول في سبيل الله يسمى شهيداً؛ لأنه أشهد الله والناس على صدق إيمانه، وأثبت باستشهاده أن هذا الدين حق.
والشهيد في الحقيقة حي لا ميت، وقد نهى الله المؤمنين أن يقولوا للشهيد إنه ميت؛ لئلا يظن الإنسان أن الشهيد يموت، فيفر من الجهاد خوفاً من الموت، ولئلا ينكل الناس عن الجهاد، لفرار النفوس من الموت طبعاً.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران/١٦٩].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ [البقرة/١٥٤].
- أقسام الأسرى:
أسرى الحرب قسمان:
١ - النساء والأطفال: يُسترقّون بمجرد السبي.
٢ - الرجال المقاتلون: يُخيَّر الإمام فيهم بين إطلاقهم بلا فداء، أو مفاداتهم، أو قتلهم، أو استرقاقهم حسب المصلحة.
- صفة قسمة الغنيمة:
الغنيمة لمن شهد الوقعة من أهل القتال، فيُخرج الخمس ويُقسم: سهم للهِ ولرسوله يُصرف في مصالح المسلمين، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل.
ثم باقي الغنيمة وهو أربعة أخماس يقسم بين الغانمين، (للراجل) سهم، (وللفارس) ثلاثة أسهم، ويحرم الغلول من الغنيمة، وللإمام تأديب الغال حسب المصلحة بما يناسب، وما أُخذ من مال مشرك بغير قتال كجزية وخراج
стр. 1019
ونحوهما ففيء يصرف في مصالح المسلمين.
والفيء: هو ما أُخِذ من مال الكفار بحق من غير قتال.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾ [الأنفال/٤١].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر/٧].
- حكم تنفيل بعض المجاهدين:
يجوز لأمير الجيش أن يُنَفِّل بعض المجاهدين بشيء من الغنيمة إن رأى فيه مصلحة تنفع المسلمين، وإن لم ير مصلحة لم يُنَفِّل.
- حكم الغنيمة:
١ - يشارك الجيش سراياه فيما غنمت، ويشاركونه فيما غنم، ومن قَتل قتيلاً في حالة الحرب فله سَلَبه.
وسلبه: ما عليه من لباس، وما معه من سلاح، ومركب، ومال.
٢ - لا يُسهم من الغنيمة إلا لمن فيه أربعة شروط: البلوغ، والعقل، والحرية، والذكورية، فإن اختل شرط رضخ له ولم يُسهم.
- حكم وطء المسبيات:
النساء المسبيات ينفسخ نكاحهن بمجرد السبي، ولا يجوز وطؤهن إلا بعد قسمتهن ثم تُستبرأ الحامل بوضع الحمل، وغير ذات الحمل بحيضة.
إذا غنم المسلمون أرضاً من عدوهم عنوة خُيِّر الإمام بين قسمها على
стр. 1020
المسلمين، أو وقفها عليهم، ويضرب عليها خراجاً مستمراً ممن هي في يده.
تجوز مكافأة الكافر على إحسانه للمسلمين بما تيسر؛ وفاءً لجميله.
- حكم نقل الأعضاء من إنسان إلى آخر:
١ - إذا احتاج حي من مجاهد وغيره إلى نقل عضو أو جزء من إنسان حي.
فإن كان النقل يؤدي إلى ضرر بالغ بتفويت أصل الانتفاع أو جُلِّه كقطع يد، أو رجل، أو كِلْية فهذا محرم؛ لأنه تهديد لحياة متيقنة بعملية ظنية موهومة.
وإن كان النقل يؤدي إلى الموت كنزع القلب، أو الرئة فهذا قتل للنفس، وهو من أشد المحرمات.
٢ - نقل عضو أو جزء من إنسان ميت إلى حي، فإن كانت مصلحة الحي ضرورية تتوقف حياته عليها كنقل القلب، أو الرئة، أو الكِلْية فهذا يجوز عند الضرورة إذا أذن الميت قبل وفاته، ورضي المنقول إليه، وانحصر التداوي به، وقام بذلك طبيب ماهر.
стр. 1021
٤ - عقد الذمة
- عقد الذمة: هو إقرار الكفار على كفرهم بشرط بذل الجزية، والتزام أحكام الملة، ويعقده الإمام أو نائبه.
- أهل الذمة: هم: أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، والمجوس يعاملون معاملة أهل الكتاب في شيء، ويبقون على الأصل في شيء آخر، فتؤخذ منهم الجزية، ولا تنكح نساؤهم، ولا تؤكل ذبائحهم.
وأما المشركون فإنه لا ذمة لهم عند الله ولا عند رسوله ولا عند المؤمنين، فالمشرك يُعْرَض عليه الإسلام فإما أن يسلم، وإما أن يُقتل؛ لأن الإسلام لا يقر الشرك ولا الوثنية.
أما أهل الكتاب فيخيرون بين ثلاثة أمور: الإسلام، أو الجزية، أو القتال.
- مقدار الجزية:
يفرضها الإمام أو نائبه، حسب العسر واليسر، من الذهب أوالفضة أو النقود، وغيرها من الأشياء المباحة كالثياب والحديد والمواشي ونحوها، ولا جزية على صبي، ولا امرأة، ولا عبد، ولا فقير، ولا مجنون، ولا أعمى، ولا راهب.
- إذا بذل أهل الذمة ما عليهم من الجزية، أو الخراج، أو الدية، أو الدَّين، أو غير ذلك، من ثمن ما نعتقد تحريمه ولا يعتقدون تحريمه كالخمر والخنزير جاز قبوله منهم.
- أحكام أهل الذمة:
إذا أدى أهل الذمة الجزية لنا وَجب قبولها، وحَرم قتالهم، وإن أسلم منهم أحد سقطت عنه، ونُظهر لهم عند استلام الجزية القوة، ونستلمها من أيديهم وهم صاغرون.
وتجوز عيادتهم وتعزيتهم والإحسان إليهم؛ تأليفاً لقلوبهم، وطمعاً في إسلامهم.
стр. 1022
١ - قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة/٢٩].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة/٨].
- فضل مَنْ أسلم من أهل الكتاب:
عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثَلاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، وَالعَبْدُ المَمْلُوكُ إذَا أَدَّى حَقَّ الله تَعَالَى، وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أمَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ». متفق عليه (١).
- حكم أهل الذمة بالإسلام:
يجب على الإمام أخذ أهل الذمة بحكم الإسلام في النفس، والمال، والعرض، وإقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه كالزنى، لا فيما يعتقدون حله كالخمر والخنزير فلا يعاقبون عليه، لكن يُمنعون من إظهاره.
- حكم تميز أهل الذمة عن المسلمين:
يلزم أهل الذمة التميز عن المسلمين في الحياة وفي الممات؛ لئلا يغتر بهم الناس، فيلبسون ويركبون الأدنى ليتميزوا، ويجوز دخولهم المسجد إن رُجي إسلامهم إلا المسجد الحرام فلا يدخله مشرك.
- صفة معاملة أهل الذمة:
لا يجوز تصدير أهل الذمة في المجالس، ولا القيام لهم، ولا بُداءتهم بالسلام، فإن سلَّموا وجب الرد عليهم بقولنا (وعليكم).
стр. 1023
ولا يجوز تهنئتهم بأعيادهم، ويُمنعون من بناء الكنائس والبِيَع والمعابد، ومن إظهار خمر وخنزير وناقوس، وجهر بكتابهم، ومن تعلية بنيان على مسلم ونحو ذلك.
ويحسن إكرامهم والإحسان إليهم بالقول والفعل رجاء إسلامهم.
قال الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة/ ٨].
- حكم القيام للقادم:
يجوز القيام للمسلم القادم إجلالاً له وإكراماً، أو إعانة.
ويجوز القيام إليه بالمشي خطوات إجلالاً وإكراماً له.
أما القيام على الشخص وهو جالس فلا يجوز إلا إذا كان في ذلك حماية له، وإغاظة للمشركين كما فعل المغيرة بن شعبة ﵁ حين قام على رسول الله ﷺ وقريش تراسله في صلح الحديبية.
- متى ينتقض عهد الذمي:
١ - ينتقض عهد الذمي ويحل دمه وماله إذا أبى دفع الجزية، أو لم يلتزم أحكام الإسلام، أو تعدى على مسلم بقتل، أو زنى، أو قطع طريق، أو تجسس على المسلمين، أو ذكر الله أو ذكر رسوله أو كتابه أو شريعته بسوء.
٢ - إذا انتقض عهد الذمي بما سبق صار حربياً، يُخير فيه الإمام بين القتل، أو الاسترقاق، أو المنّ بدون شيء، أو الفداء حسب المصلحة.
- عقد الأمان:
يجوز تأمين الكافر لمدة محدودة حتى يبيع تجارته، أو يسمع كلام الله ويرجع ونحو ذلك من كل مسلم، بالغ، عاقل، مختار، ما لم يُخش ضرره، ويصح من الإمام لجميع المشركين.
стр. 1024
فإذا أُعطي الكافر العهد حَرُم قتله، وأسره، وأذيته.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾ [التوبة/٦].
- حكم بقاء الكفار في جزيرة العرب:
لا يجوز إقرار اليهود والنصارى وسائر الكفار في جزيرة العرب للسكنى، أما على وجه العمل فيجوز للضرورة بشرط أن نأمن شرهم، ولا يوجد غيرهم.
١ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ». متفق عليه (١).
٢ - وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا.».
أخرجه مسلم (٢).
- حكم دخول الكافر المسجد:
١ - لا يجوز للكفار دخول حرم مكة؛ لقول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)﴾ [التوبة/٢٨].
٢ - لا يجوز للكفار دخول مساجد الحل إلا بإذن مسلم لحاجة، أو مصلحة.
стр. 1025
- إثم من قتل معاهداً بغير جرم:
عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَداً لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإنَّ رِيحَهَا يُوْجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامَاً».
أخرجه البخاري (١).
- حكم بناء الكنائس والبِيَع:
المساجد بيوت الإيمان، والكنائس والبِيَع بيوت الشرك والكفر، والأرض للهِ .
وقد أمر الله ببناء المساجد وإقامة العبادة فيها للهِ، ونهى عن كل ما يُعبد فيه غير الله.
لهذا يحرم بناء معابد الكفر والشرك؛ لما في بنائها من إقرار الباطل، واظهار شعائر الكفر، والتعاون على الإثم والعدوان، وغش الخلق.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة/٢].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران/٨٥].
стр. 1026
٥ - عقد الهدنة
- الهدنة: عقد الإمام أو نائبه على ترك قتال العدو مدة معلومة ولو طالت بقدر الحاجة.
وهي لازمة، ويجوز عقدها للمصلحة، حيث جاز تأخير الجهاد لعذر كضعف المسلمين ولو بمال منا، ويجوز عقدها بعوض وبغير عوض.
- يؤخذ المعاهدون بجنايتهم على مسلم من مال، وقود، وجلد.
- حكم الوفاء بالعهد:
يجب الوفاء بالعهد، ولا يجوز نقضه إلا إذا نقض العدو العهد، أو لم يستقيموا لنا، أو خفنا منهم خيانة، فهنا انتقض العهد، ولا يلزمنا البقاء عليه.
ولنا إذا خفنا منهم خيانة أن نقاتلهم بعد إعلامهم بنبذ العهد.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء/٣٤].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾ [الأنفال/٥٨].
- الأحوال التي يجب فيها عقد الهدنة:
يجب عقد الهدنة في حالتين:
الأولى: إذا طلب العدو عقد الهدنة أجبناه؛ حقناً للدماء، ورغبة في السلم كما صالح النبي ﷺ مشركي قريش على ترك الحرب عشر سنين في الحديبية.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [الأنفال/٦١ - ٦٢].
الثانية: عدم البدء بالقتال في الأشهر الحرم وهي: (ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب).
стр. 1027
فنعاهد العدو على ترك القتال في هذه الأشهر، فإن قاتَلَنا فيها قاتلناه، دفاعاً عن ديننا وأنفسنا وديارنا.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾ [التوبة/٣٦].
стр. 1028
٦ - الخلافة والإمارة
أحكام الخليفة
- حكم نصب الخليفة:
نصب الإمام للمسلمين واجب؛ لحماية بيضة الإسلام، وتدبير أحوال المسلمين، وإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، والحكم بما أنزل الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله.
قال الله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ ... [ص/٢٦].
- أولو الأمر:
أولو الأمر: هم الأمراء والعلماء.
فالعلماء ولاة أمورنا في بيان شريعة الله .. والأمراء ولاة أمورنا في تنفيذ شريعة الله، والحكم بما أنزل الله.
ولا يستقيم الأمراء إلا بالعلماء، ولا يستقيم العلماء إلا بالأمراء.
فالأمراء عليهم أن يرجعوا إلى العلماء لمعرفة شريعة الله، والعلماء عليهم أن ينصحوا الأمراء، ويعظوهم؛ ليطبقوا شريعة الله في عباد الله، وعلى الأمراء أن يطيعوهم.
وعلينا طاعة الأمراء والعلماء في غير معصية الله.
١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ
стр. 1029
تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء/٥٩].
٢ - وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى المرْءِ المسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ». متفق عليه (١).
- صفة ثبوت ولاية الإمام:
تثبت ولاية الإمام بواحد مما يلي:
١ - أن يُختار بإجماع المسلمين، ويتم نصبه بمبايعة أهل العقد له من العلماء، والصالحين، ووجوه الناس، وأعيانهم.
٢ - أن تكون ولايته بنص الإمام الذي قبله.
٣ - أن يُجعل الأمر شورى في عدد معين محصور من الأتقياء، ثم يتفقون على أحدهم.
٤ - أن يتولى على الناس قهراً بقوته حتى يذعنوا له، ويَدْعُوه إماماً، فيلزم الرعية طاعته في غير معصية الله.
ويبقى خليفة كما بقي الخلفاء الراشدون ﵃ في الخلافة إلى أن ماتوا.
ويبقى إمام المسلمين في الحكم مدة صلاحيته للإمامة حتى ينتهي أجله، أو يفقد قدرته وطاقته، ليأمن المِلَق والنفاق.
- الخلافة في الأرض تُنال بالإيمان والأعمال الصالحة:
قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي
стр. 1030
الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾ [النور/٥٥].
- الخلافة في قريش، والناس تبع لقريش:
١ - عن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ هَذَا الأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ، لا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إلا كَبَّهُ الله فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ مَا أَقَامُوا الدِّينَ».
أخرجه البخاري (١).
٢ - وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «لايَزَالُ هَذَا الأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنْهُمُ اثْنَانِ». متفق عليه (٢).
٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ، وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ». متفق عليه (٣).
- النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها:
١ - عن عبد الرحمن بن سمُرة ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ : «يَا عَبْدَالرَّحْمَنِ بِن سَمُرَةَ لا تَسْأَلِ الإمَارَةَ، فَإنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلتَ إلَيْهَا، وَإنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا .. ». متفق عليه (٤).
٢ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى
стр. 1031
الإمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ القِيَامَةِ، فَنِعْمَ المُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الفَاطِمَةُ».
أخرجه البخاري (١).
٣ - وعن أبي موسى ﵁ قال: دخلت على النبي ﷺ أَنَا وَرَجُلانِ مِنْ قَومِي فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَينِ: أمِّرْنَا يَا رَسُولَ الله، وَقَالَ الآخَرُ مِثْلَهُ، فَقَالَ: «إنَّا لا نُوَلِّي هَذَا مَنْ سَأَلَهُ وَلا مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ». متفق عليه (٢).
- اجتناب الولايات، خاصة لمن كان فيه ضعف عن القيام بحقوقها:
عن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: «يَا أَبَا ذَرٍّ إنَّك ضَعِيفٌ، وَإنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإنَّهَا يَومَ القِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إلا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيهِ فِيهَا». أخرجه مسلم (٣).
- فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر:
١ - قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ [الحجرات/٩].
٢ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ إمَامٌ عَدْلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللهِ .. » متفق عليه (٤).
٣ - وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ المُقْسِطِينَ عِنْدَ الله عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ
стр. 1032
يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا». أخرجه مسلم (١).
٤ - وعن معقل بن يسار ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتهِ إلا حَرَّمَ الله عَلَيهِ الجَنَّةَ». متفق عليه (٢).
- الخلافة والإمامة للرجال دون النساء:
عن أبي بكرة ﵁ قال: لَقَدْ نَفَعَنِي الله بِكَلِمَةٍ أَيَّامَ الجَمَلِ لَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّ فَارِساً مَلَّكُوا ابْنَةَ كِسْرَى قَالَ: «لَنْ يُفْلِحَ قَومٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً».
أخرجه البخاري (٣).
- وظيفة الخليفة:
١ - قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾ [المائدة/٤٩].
٢ - وقال الله تعالى لنبيه داود ﷺ : ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص/٢٦].
стр. 1033
- كيف يبايع الناسُ الإمامَ:
١ - عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: بَايَعْنَا رَسُولَ الله ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي العُسْرِ وَاليُسْرِ، وَالمَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا، لا نَخَافُ فِي الله لَومَةَ لائِمٍ -وفي رواية بعد - أَنْ لا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ- قَالَ: «إلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً عِنْدَكُم مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ». متفق عليه (١).
٢ - وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَلَقَّنَنِي فِيمَا اسْتَطَعْتُ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. متفق عليه (٢).
- حكم من فَرَّق أمر المسلمين وهو مجتمع:
عن عرفجة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيْدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ». أخرجه مسلم (٣).
- الحكم إذا بويع لخليفتين:
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَينِ، فَاقْتُلُوا الآخَرَ مِنْهُمَا». أخرجه مسلم (٤).
стр. 1034
- خيار الأئمة وشرارهم:
عن عوف بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ» قِيلَ: يَا رَسُولَ الله أَفَلا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ؟ فَقَالَ: «لا. مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، وَإذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلاتِكُمْ شَيْئاً تَكْرَهُونَهُ فَاكْرَهُوا عَمَلُه، وَلا تَنْزِعُوا يَداً مِنْ طَاعَةٍ». أخرجه مسلم (١).
- بطانة الإمام وأهل مشورته:
عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَا بَعَثَ الله مِنْ نَبِيٍّ وَلا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيْفَةٍ إلا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالمَعْرُوفِ، وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، فَالمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ الله تَعَالَى». أخرجه البخاري (٢).
стр. 1035
واجبات الخليفة
يجب على خليفة المسلمين ما يلي:
١ - إقامة الدين: وذلك بحفظه، والدعوة إليه، ودفع الشبه عنه، وتنفيذ أحكامه وحدوده بالحكم بما أنزل الله بين الناس، والجهاد في سبيل الله.
١ - قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل/١٢٥].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص/٢٦].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء/٥٨].
٢ - اختيار الأكْفاء للمناصب والولايات:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ [القصص/٢٦].
٣ - محاسبة الإمام عماله:
عن أبي حُميدٍ الساعدي ﵁ قال: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً مِنَ الأزْدِ يُقَالُ لَهُ ابنُ اللتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي قَالَ: «فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ، أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لا؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ
стр. 1036
لا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ شَيْئاً إلَّا جَاءَ بِهِ يَومَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ إنْ كَانَ بَعِيراً لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ» ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إبْطَيْهِ: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» ثَلاثاً. متفق عليه (١).
٤ - تفقد أحوال الرعية وتدبير أمورها:
عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «أَلا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ... ». متفق عليه (٢).
٥ - الرفق بالرعية والنصح لهم وعدم تتبع عوراتهم:
١ - عن تميم الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الدِّيْنُ النَّصِيحَةُ» قلنا: لمن؟ قال: «للهِ وَلِكَتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ». أخرجه مسلم (٣).
٢ - وعن معقل بن يسار ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَا مِنْ أَمِيْرٍ يَلِي أَمْرَ المُسْلِمِين، ثُمَّ لا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ، إلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الجَنَّةَ». متفق عليه (٤).
٦ - مشاورة أهل الشورى في الأمور:
قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران/١٥٩].
стр. 1037
٧ - رعاية مصالح الأمة الداخلية والخارجية:
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة/١٢٨].
٨ - أن يكون قدوة حسنة لرعيته:
١ - قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم/٤].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان/٧٤].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة/٢٤].
стр. 1038
واجبات الأمة
يجب على الأمة نحو إمام المسلمين ما يلي:
١ - طاعته في غير معصية الله:
١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء/٥٩].
٢ - وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيْمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إلا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ». متفق عليه (١).
٢ - المناصحة:
عن تميم الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الدِّيْنُ النَّصِيحَةُ» قلنا: لمن؟ قال: «للهِ وَلِكَتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ». أخرجه مسلم (٢).
٣ - نصرته ومؤازرته في الحق:
قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة/٢].
٤ - عدم الغش والخيانة لولاة الأمر وغيرهم:
١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ ... ] الأنفال/٢٧ - ٢٨ [.
٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا». أخرجه مسلم (٣).
стр. 1039
٥ - لزوم الصبر عند ظلم الولاة واستئثارهم:
١ - عن أُسيد بن حُضير ﵁ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ خَلا بِرَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ: أَلا تَسْتَعْمِلُنِي كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلاناً؟ فَقَالَ: «إنَّكُمْ سَتَلْقَونَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ». متفق عليه (١).
٢ - وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئاً فَلْيَصْبِرْ، فَإنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْراً مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً». متفق عليه (٢).
٦ - طاعة الأمراء وإن منعوا الحقوق:
سأل سلمة بن يزيد الجعفي ﵁ رسول الله ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ الله أَرَأَيْتَ إنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَ حَقَّهُمْ، وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثَمَّ سَأَلَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثَمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ فَجَذَبَهُ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، فَإنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا، وَعَلَيكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ». أخرجه مسلم (٣).
٧ - لزوم جماعة المسلمين وإمامهم عند ظهور الفتن وفي كل حال:
١ - عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ الله ﷺ عَنِ الخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا الله بِهَذَا الخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ» فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟.
قَالَ: «نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ» قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: «قَومٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيرِ سُنَّتِي وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ» فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟.
قَالَ: «نَعَمْ دُعَاةٌ على أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا»، فَقُلْتُ: يا
стр. 1040
رَسُولَ الله صِفْهُمْ لَنَا، فَقَالَ: «نَعَمَ قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا» قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله فَمَا تَرَى إنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟.
قَالَ: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإمَامَهُمْ» فَقُلْتُ: فَإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلا إمَامٌ؟ قَالَ: «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَو أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ المَوتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ». متفق عليه (١).
٢ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الجَمَاعَةَ، فَمَاتَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ يَغضبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ.
وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي، يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرهَا، وَلا يَتَحَاشَ مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ». أخرجه مسلم (٢).
٣ - وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئاً يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ شِبْراً فَمَاتَ إلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً». متفق عليه (٣).
٨ - الإنكار بالحكمة على الأمراء فيما يخالف الشرع، وترك قتالهم ما صلَّوا:
عن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «إنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ، فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ» قَالُوا: يَا رَسُولَ الله أَلا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: «لا. مَا صَلَّوا». أخرجه مسلم (٤).
стр. 1041
الباب العاشر
الدعوة إلى الله
وتشتمل على ما يلي:
١ - كمال دين الإسلام
٢ - حكمة خلق الإنسان
٣ - عموم دين الإسلام
٤ - الدعوة إلى الله
٥ - وجوب الدعوة إلى الله
٦ - أصول من دعوة الأنبياء والرسل
стр. 1042
١ - كمال دين الإسلام
- فقه السنن الكونية:
الإسلام هو الدين الكامل الذي أكرم الله به البشرية، وبالإسلام تتحقق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، فالله خلق هذا الكون العظيم ليدل على عظمته وقدرته وكمال علمه، وجعل لكل مخلوق فيه سنة يسير عليها، وبها يتحقق مراد الله منه.
فلكل شيء سنة لا تتبدل إلا بأمر الله وحده: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ [الفتح/٢٣].
فالشمسُ لها سنة، والقمرُ له سنة، والليلُ له سنة، والنهار له سنة، والنبات له سنة، والحيوان له سنة، والرياح لها سنة، والمياه لها سنة، والكواكب لها سنة، والبحار لها سنة، والجبال لها سنة، وهكذا: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس/٤٠].
- فقه السنن الشرعية:
والإنسان أيضاً مخلوق من مخلوقات الله، محتاج إلى سنة يسير عليها في جميع أحواله؛ ليسعد في الدنيا والآخرة، وهذه السنة هي الدين الذي أكرمه الله به ورضيه له، ولا يقبل منه غيره، وسعادته وشقاوته مرتبطة بمدى تمسكه به، أو إعراضه عنه، وهو مختار في قبوله أو رده.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف/٢٩].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة/٣٨ - ٣٩].
стр. 1043
- فضل الله على البشرية:
ولما خلق الله الإنسان سَخَّر له ما في السماوات وما في الأرض، وأنزل عليه الكتب، وأرسل إليه الرسل، وزوَّده بآلات العلم والمعرفة كالسمع والبصر والعقل، وشرفه بعبادة الله وحده لا شريك له.
١ - قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان/٢٠].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل/٧٨].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل/٣٦].
- أعظم النعم:
امتن الله على عباده بنعم كثيرة لا تُحصى أهمها.
نعمة الإيجاد .. ونعمة الإمداد .. ونعمة الهداية.
وأعظم هذه النعم وأجلها نعمة الإسلام الذي أرسل الله به محمداً ﷺ إلى الناس كافة.
والإسلام دين الحق والعدل والإحسان وهو دين كامل شامل دائم:
يُنظم علاقة الإنسان مع ربه بعبادته وتوحيده وشكره، والتوجه إليه في جميع أموره، والخوف منه، والتوكل عليه، والذل له، والمحبة له، والتقرب إليه، والاستعانة به، وطلب مرضاته، وسبل الوصول إلى جنته، وكيفية النجاة من غضبه وعقابه.
- وينظم علاقة الإنسان مع رسول الله ﷺ بطاعته، ومحبته، واتباع سنته، وتصديق ما جاء به، والاقتداء به، وألّا يُعبد الله إلا بما شرع.
- وينظم علاقة الإنسان مع غيره، كالأم والأب، والزوجة والأولاد، والأقارب
стр. 1044
والجيران، والعالم والجاهل، والمسلم والكافر، والحاكم والمحكوم وغيرهم.
- وينظم معاملات الإنسان المالية بكسب الحلال، وتجنب الغش، والسماحة في البيع والشراء، والإنفاق في وجوه الخير، وتحري الصدق، وتجنب الربا والكذب، وكيفية توزيع الصدقات، وتقسيم المواريث ونحوها.
- وينظم الإسلام حياة الإنسان الزوجية، وتربية الأولاد، وصيانة الأسرة من الفساد، وينظم حياة الرجل والمرأة، في حال السراء والضراء، والغنى والفقر، والصحة والمرض، والأمن والخوف، والحضر والسفر.
- وينظم الإسلام سائر العلاقات على جسور متينة من الحب في الله، والبغض في الله، ويدعو إلى مكارم الأخلاق وجميل الصفات كالكرم والجود، والحياء والعفة، والصدق والبر، والعدل والإحسان، والرحمة والشفقة ونحوها.
- وينهى الإسلام عن كل شر وفساد، وظلم وطغيان، كالشرك بالله، والقتل بغير حق، والزنى، والكذب، والكبر، والنفاق، والسرقة، والغيبة، وأكل أموال الناس بالباطل، والربا، والخمر، والسحر، والرياء ونحو ذلك.
- وينظم بعد ذلك كله حياة الإنسان في الآخرة، وأنها مبنية على حياته في الدنيا، فمن جاء بالإيمان والأعمال الصالحة دخل الجنة، وسعد برؤية ربه سبحانه، وتمتع بما فيها مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، خالدين فيها أبداً، ومن جاء بالكفر والمعاصي دخل النار، يخلد فيها الكافر، ويعذب فيها العاصي بقدر ذنوبه، أو يغفر الله له.
١ - قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة/٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران/١٦٤].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)
стр. 1045
يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة/١٥ - ١٦].
٤ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء/١٣ - ١٤].
- وسيبلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، ثم يعود غريباً كما بدأ.
١ - عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ الله زَوَى لِي الأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا ... ».
أخرجه مسلم (١).
٢ - وعن تميم الداري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَيَبْلُغَنَّ هَذا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلا يَتْرُكُ الله بَيْتَ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ إلا أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ، بعِزِّ عَزِيزٍ، أَوْ بذلِّ ذلِيلٍ، عِزّاً يُعِزُّ اللهُ بهِ الإسْلامَ، وَذلًّا يُذِلُّ اللهُ بهِ الكُفْرَ». أخرجه أحمد والحاكم (٢).
٣ - وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «إنَّ الإسْلامَ بَدَأَ غَرِيباً، وَسَيَعُودُ غَرِيباً كَمَا بَدَأَ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ المَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا». أخرجه مسلم وأحمد (٣).
وفي لفظ لأحمد بعد «كَمَا بَدَأَ»: «فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ» قيل: ومَنْ الغرباء؟ قال: «النُّزَّاعُ مِنَ القَبَائِلِ».
стр. 1046
- سبيل الفوز والنجاة:
أكمل الله لنا الدين، وأتم به النعمة، ورضي الإسلام لنا ديناً.
فمن قَبِلَهُ سعد في الدنيا، ودخل الجنة يوم القيامة، ومن أعرض عنه شقي في الدنيا، ودخل النار يوم القيامة، ولن يقبل الله من أحد ديناً غير الإسلام.
١ - قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة/٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران/٨٥].
٣ - وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أنَّهُ قال: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لا يَسْمَعُ بِي أحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأَمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بالَّذِي أُرْسِلْتُ بهِ، إلا كَانَ مِنْ أصْحَابِ النَّارِ». أخرجه مسلم (١).
- فقه حركات الإنسان:
كل ما في الدنيا عَرَض قليل عاجل، ولا قيمة للدنيا بالنسبة لما في الآخرة، وكل ما يفعله الإنسان في الدنيا فأثره راجع إلى نفسه.
فإن كان شراَ فهو يجني شراً على نفسه، وإن كان خيراً فهو يجلب الخير لنفسه كما قال سبحانه: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾ [الإسراء/٧].
стр. 1047
وجميع حركات الإنسان في الدنيا إنما يبني بها مسكنه الذي سيصل إليه يوم القيامة، ويخلد فيه.
فالإنسان مقبلاً ومدبراً، قائماً وقاعداً، متكلماً وسامعاً، معطياً ومانعاً، داعياً ومعلماً، مقيماً أو مسافراً، إنما يبني بهذه الحركات المختلفة منزله ومقره النهائي في الآخرة.
فالمؤمن يبني به قصراً من قصور الجنة يخلد فيه، والكافر يبني به سجناً من سجون جهنم يخلد فيه.
فليس للإنسان في الآخرة إلا ما جناه في الدنيا، ولا حصاد له إلا مِنْ زَرْعِه الذي زَرَعه كما قال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت/٤٦].
стр. 1048
٢ - حكمة خلق الإنسان
١ - خلق الله هذا الكون للدلالة على كمال قدرته وعلمه، وكل شيء فيه يسبح بحمده ، وإذا عرف الإنسان ذلك أقبل على عبادة ربه، وحقق مراد الله منه، وشارك باقي المخلوقات في عبادة الله.
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق/١٢].
٢ - خلق الله الجن والإنس لعبادته وحده لا شريك له.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ [الذاريات/٥٦ - ٥٧].
- المراحل والدور التي يمرّ بها الإنسان:
خلق الله الإنسان وجعله يمر بمراحل، وأزمنة، وأمكنة، وأحوال، وينتهي بالخلود، إما في الجنة أو النار.
وهذه المراحل هي:
١ - بطن الأم: وهي أول مرحلة يمر بها الإنسان، وأول دار يسكنها، وإقامته فيها تسعة أشهر، تزيد أو تنقص، هيأ الله له في هذه الظلمات بقدرته وعلمه وحكمته ما يحتاجه من الطعام والشراب، وما يناسبه من السكن والمأوى، وهو في هذه المرحلة غير مكلف، والحكمة من وجوده هنا أمران:
تكميل الأعضاء والجوارح، ثم يخرج إلى الدنيا بعد كمال خلقه ظاهراً وباطناً.
٢ - دار الدنيا: وهي أوسع داراً من بطن الأم، والإقامة فيها أكثر مدة من بطن الأم، هيأ الله له في هذه الدار كل ما يحتاجه، وزوده بالعقل والسمع والبصر، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وأمره بطاعته، ونهاه عن معصيته، ووعده على الطاعة الجنة، وعلى المعصية النار، والحكمة من وجوده هنا أمران:
تكميل الإيمان بالله، وتكميل الأعمال الصالحة التي جعلها الله سبباً لدخول
стр. 1049
الجنة، ثم يخرج مع عمله إلى الدار التي تليها.
٣ - دار البرزخ في القبر، وهو أول منازل الآخرة، يبقى فيه الإنسان حتى يكتمل موت الخلائق وتقوم الساعة، وإقامته فيه غالباً أكثر من إقامته في دار الدنيا، والأنس أو البؤس فيه أوسع وأكمل من دار الدنيا، وهو بحسب العمل:
إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار، يبدأ فيه الجزاء، ثم ينتقل منه إلى دار الخلود إما في الجنة أو النار.
٤ - الدار الآخرة: وفيها الإقامة المطلقة، والنعيم المطلق للمؤمنين، وتكميل شهواتهم، فمن أكمل في الدنيا ما يُحب الله من الإيمان، والأخلاق، والأعمال، أكمل الله له يوم القيامة ما يحب، مما لم تره عين، ولم تسمعه أذن، ولم يخطر على قلب بشر.
وإن لم يأت بالإيمان والأعمال الصالحة فجزاؤه جهنم خالداً فيها، وكلما خرج المؤمن من دار زَهد فيما كان عليه أولا، حتى يستقر المؤمن في الجنة.
- حكمة خلق المخلوقات:
خلق الله جميع المخلوقات لحكم عظيمة أهمها:
١ - عبادة الله ﷻ كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات/٥٦ - ٥٨].
٢ - إعلام الخلق بكمال قدرته، وإحاطة علمه بكل شيء، ليطيعوه ويعبدوه كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق/١٢].
٣ - إقامة البراهين العظيمة على أن الله وحده هو المستحق للعبادة وحده دون سواه
стр. 1050
كما قال سبحانه: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق/٦ - ٨].
٤ - ابتلاء الخلق بالأمر والنهي؛ ليختبرهم من يطيعه ومن يعصيه، وليبلوهم أيهم أحسن عملاً كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾ [هود/٧].
٥ - جزاء العباد في الآخرة بحسب أعمالهم في الدنيا كما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ [النجم/٣١].
٦ - بيان عظمة رحمة الله وفضله وإحسانه بخلق أرزاق الخلق، ليسهل على العباد عبادة ربهم إذا رأوا فضله وإحسانه كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)﴾ [الروم/٤٠].
٧ - دخول الجنة، والقرب من الله يوم القيامة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر/٥٤ - ٥٥].
- كمال نعيم القلب:
خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وكرمه على سائر المخلوقات، وجعل لكل عضو من أعضاء الإنسان كمالاً إن لم يحصل له فهو في قلق واضطراب وألم، فجعل كمال العين بالإبصار، وكمال الأذن بالسمع، وكمال اللسان بالنطق، وإذا
стр. 1051
عدمت هذه الأعضاء القوى التي بها كمالها حصل الألم والنقص.
وكذلك جعل الله كمال القلب، ونعيمه، وسروره، ولذته، وطمأنينته في معرفة ربه، ومحبته، والأنس به، والشوق إليه، والعمل بما يرضيه.
فإذا عدم القلب ذلك كان أشد عذاباً واضطراباً من العين التي فقدت النور، والأذن التي فقدت السمع، والقلب السليم يبصر الحق كما تبصر العين الشمس.
- فقه الدنيا والآخرة:
جعل الله لكل شيء زينة ومقصداً، فالنباتات لها زينة، وهي الأغصان والأوراق والأزهار، ولكن المقصد الحبوب والثمار، والثياب لها زينة، والمقصد ستر العورة، وكذلك الدنيا زينة، وكل ما عليها زينة، والمقصد الإيمان والأعمال الصالحة.
والدنيا زينة، والمقصد الآخرة، وكل من نسي المقصد تعلق بالزينة، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم يشتغلون بالمقاصد، وأهل الدنيا يشتغلون بالزينات واللهو واللعب.
والله أمرنا أن نأخذ من الدنيا بقدر الحاجة، ونعمل للآخرة بقدر الطاقة.
وإذا تعارضت في حياتنا الأشياء والزينات مع المقصد وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، قَدَّمنا ما يحب الله، وهو عبادته وطاعته، وطاعة رسوله ﷺ ، والجهاد في سبيله، ونشر دينه.
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف/٧].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)
стр. 1052
سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد/٢٠ - ٢١].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة/٢٤].
- قيمة الدنيا بالنسبة للآخرة:
بَيَّن الله ورسوله قيمة الدنيا بالنسبة للآخرة بياناً شافياً كافياً كما يلي:
١ - قيمة الدنيا الذاتية: بيّنها الله سبحانه بقوله: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت/ ٦٤].
٢ - قيمة الدنيا الزمنية: بيّنها الله سبحانه بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)﴾ [التوبة/ ٣٨].
٣ - قيمة الدنيا بالوزن: بيّنها النبي ﷺ بقوله: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ الله جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةَ ماءٍ». أخرجه الترمذي (١).
٤ - قيمة الدنيا بالكيل: بيّنها النبي ﷺ بقوله: «وَالله ما الدُّنْيا فِي الآخِرَةِ إلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إصْبَعَهُ هَذِهِ (وأشارَ يَحْيَى بالسَّبَّابَةِ) فِي اليَمِّ فَلْيَنْظُرْ بمَ تَرْجِعْ؟». أخرجه مسلم (٢).
٥ - قيمة الدنيا بالمساحة: بيّنها النبي ﷺ بقوله: «مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا». أخرجه البخاري (٣).
стр. 1053
٦ - قيمة الدنيا بالدراهم: مَرَّ النبي ﷺ بِجَدْيٍ أسَكَّ مَيِّتٍ، فَتَنَاوَلَهُ فَأخَذَ بِأذُنِهِ، ثُمَّ قَالَ: «أيُّكُمْ يُحِبُّ أنَّ هَذا لَهُ بدِرْهَمٍ؟».فَقَالُوا: مَا نُحِبُّ أنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ، وَمَا نَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: «أتُحِبُّونَ أنهُ لَكُمْ؟».
قَالُوا: وَالله لَوْ كَانَ حَيّاً كَانَ عَيْبًا فِيهِ؛ لأنَّهُ أسَكُّ، فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ؟ فَقَالَ: «فَوَالله! لَلدُّنيَا أهْوَنُ عَلَى الله مِنْ هَذا عَلَيْكُمْ». أخرجه مسلم (١).
- أصل السعادة والشقاوة:
جعل الله سعادة الإنسان وشقاءه بحسب ما يصدر منه من الإيمان والأعمال الصالحة، أو ضدها من الكفر والأعمال السيئة.
فمن آمن وقام بما أمره الله ورسوله به من الأعمال الصالحة، سعد في الدنيا، ثم زادت سعادته عند الموت بملائكة تبشره بما يسرُّه، ثم تزداد سعادته إذا أُدخل القبر، ثم تزداد في الحشر، ثم تزيد وتبلغ كمالها إذا أُدخل الجنة.
وهكذا إذا كفر الإنسان، وساءت أعماله، شقي وساءت أحواله في الدنيا، ثم تزداد عند الموت، ثم تزداد في القبر، ثم تزداد عند الحشر، ثم تزيد وتبلغ كمالها في النار.
ومن تنوعت أعماله المرضية للهِ المحبوبة له في الدنيا تنوعت الأقسام التي يتلذذ بها في الجنة، وكثرت بحسب كثرة أعماله.
ومن تنوعت أعماله المسخوطة للهِ المبغوضة له في هذه الدار تنوعت الأقسام التي يتألم بها في النار، وكثرت بحسب كثرة أعماله.
١ - قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل/٩٧].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ
стр. 1054
آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)﴾ [طه/١٢٤ - ١٢٧].
- من ترك ما ينفعه ابتلي بما يضرّه:
سنة الله جارية على أن كل من ترك ما ينفعه مع الإمكان ابتلي بالاشتغال بما يضره وحُرِم الأول.
فالمشركون لما زهدوا في عبادة الرحمن .. ابتلوا بعبادة الأوثان، ولما استكبروا عن الانقياد للرسل .. ابتلوا بالانقياد لكل مارج العقل والدين، ولما تركوا اتباع الكتب المنزلة لهداية الناس .. ابتلوا باتباع أرذل الكتب وأخسها وأضرها للعقول، ولما تركوا إنفاق أموالهم في طاعة الرحمن .. ابتلوا بإنفاقها في طاعة النفس والشيطان.
ومن أطاع الله ورسوله، وترك ما تهواه نفسه من الشهوات للهِ تعالى، عوَّضه الله من محبته، وعبادته، والأنس به، والإنابة إليه ما يفوق لذات الدنيا كلها.
стр. 1055
٣ - عموم دين الإسلام
الإسلام هدىً ورحمة للعالمين، امتن الله به على خلقه أجمعين، وأرسل به سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وشرَّف أمته بالدعوة إلىه إلى يوم الدين.
١ - فالله رب الناس، ليس لهم رب سواه، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ [الناس/١].
٢ - والله ملك الناس، ليس لهم ملك سواه، كما قال سبحانه: ﴿مَلِكِ النَّاسِ (٢)﴾ [الناس/٢].
٣ - والله إله الناس، ليس لهم إله سواه، كما قال سبحانه: ﴿إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ [الناس/٣].
٤ - وأنزل الله القرآن هدىً للناس، كما قال سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة/١٨٥].
٥ - وأرسل الله رسوله محمداً ﷺ كافةً للناس، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [سبأ/ ٢٨].
٦ - وأمرنا الله بالتوجه إلى الكعبة وهي أول بيت وضع للناس، يصلّون إليه، ويحجون إليه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران ٩٦ - ٩٧].
٧ - وذَكَر الله أن هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس.
١ - قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران/١١٠].
٢ - وعن بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: سَمِعْتُ نَّبِيَّ الله ﷺ يقول: «أَلَا إنَّكُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أنْتُمْ خَيْرُهَا وَأكْرَمُهَا عَلَى الله ».
أخرجه أحمد والترمذي (١).