ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ: إمَامٌ عَدْلٌ، وَشَابٌ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ الله، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي الله، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إنِّي أَخَافُ الله، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ». متفق عليه (١).
٥ - وعن عمرو بن العاص ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ». متفق عليه (٢).
стр. 982
٣ - خطر القضاء
١ - القضاء موضوعه الحكم بين الناس في دمائهم وأعراضهم وأموالهم وسائر حقوقهم، فلذلك خطره عظيم جداً؛ لأنه يُخشى حصول ميل من القاضي إلى أحد الخصمين، إما لكونه قريباً له، أو صديقاً له، أو صاحب جاه ترجى منفعته، أو صاحب رئاسة تُخاف سلطته ونحو ذلك، فيجور في الحكم متأثراً بما سبق.
٢ - والقاضي يبذل جهداً كبيراً في معرفة الحكم الشرعي، والبحث في الأدلة، وإجهاد النفس للوصول إلى الصواب، مما يُنهك بدنه ويرهقه ويضعفه، والله مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار وكله إلى نفسه.
- أقسام القضاة وأعمالهم:
١ - قال الله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص/٢٦].
٢ - وعن بريدة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «القُضَاةُ ثَلاثَةٌ، اثْنَانِ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الجَنَّةِ، رَجُلٌ عَلِمَ الحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الجَنَّةِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ جَارَ فِي الحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ». أخرجه أبو داود وابن ماجه (١).
٣ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ جُعِلَ قَاضِياً بَيْنَ النَّاسِ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّيْنٍ». أخرجه أبو داود وابن ماجه (٢).
стр. 983
- حكم طلب القضاء:
لا ينبغي طلب القضاء أو الحرص عليه، لقوله ﵊: «يَا عَبْدَالرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لا تَسْأَلِ الإمَارَةَ فَإنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إلَيْهَا، وَإنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا». متفق عليه (١).
- حكم تولية أهل البدع القضاء:
القضاء بين الناس من أعظم المناصب في الإسلام، فلا يجوز توليته أهل البدع، لانتفاء الشروط اللازمة عنهم.
وأهل البدع قسمان:
الأول: أهل بدع مكفرة، فهؤلاء انتفى عنهم شرط الإسلام.
الثاني: أهل بدع مفسقة، فهؤلاء انتفى عنهم شرط العدالة.
فلا يولى القضاء لا هؤلاء، ولا هؤلاء، ولو على جنسهم.
عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (٢).
стр. 984
٤ - آداب القاضي
- يسن أن يكون القاضي قوياً من غير عنف؛ لئلا يطمع فيه الظالم، لَيِّناً من غير ضعف؛ لئلا يهابه صاحب الحق.
- وينبغي للقاضي أن يكون حليماً؛ لئلا يغضب من كلام الخصم، فتأخذه العجلة والتسرع وعدم التثبت.
وأن يكون ذا أناة؛ لئلا تؤدي عجلته إلى ما لا ينبغي، وأن يكون ذا فطنة؛ لئلا يخدعه بعض الخصوم.
وأن يكون عفيفاً نزيهاً في نفسه وماله عن الحرام.
وأن يكون أميناً مخلصاً عمله للهِ ، يبتغي بذلك الأجر والثواب، ولا يخاف في الله لومة لائم.
وأن يكون بصيراً بأحكام القضاة قبله؛ ليسهل عليه الحكم.
- وينبغي أيضاً للقاضي أن يحضر مجلسه الفقهاء والعلماء، وأن يشاورهم فيما يشكل عليه.
- ويجب على القاضي أن يسوِّي بين الخصمين في الدخول عليه، والجلوس بين يديه، والإقبال عليهما، والاستماع لهما، والحكم بينهما بما أنزل الله.
- يحرم على القاضي أن يقضي وهو غضبان كثيراً، أو حاقن، أو في شدة جوع أو عطش، أو هَمّ، أو ملل، أو كسل، أو نعاس، فإن خالف وأصاب الحق نفذ.
- ويسن للقاضي أن يتخذ كاتباً مسلماً، مكلفاً، عدلاً، يكتب له الوقائع والقضايا ونحو ذلك.
стр. 985
- ما يجتنبه القاضي:
يحرم على القاضي كغيره قبول رشوة، ولا يقبل هدية إلا ممن كان يهاديه قبل ولايته، والأَوْلى عدم قبولها؛ لقوله ﵊: «هَدَايَا العُمَّالِ غُلُولٌ». أخرجه أحمد (١).
- هل يقضي القاضي بعلمه؟:
يجب على القاضي أن يحكم حسب الأمور الحسية الظاهرة، ولا يحكم بعلمه ولو كان متيقناً لئلا يُتهم.
لكن لو تحاكم إليه خصمان يعلم علم اليقين أن الحق مع أحدهما، حوّل القضية إلى قاض آخر، وصار شاهداً.
ولا يقضي القاضي بعلمه؛ لأن ذلك يفضي إلى تهمته، بل يقضي على نحو ما يسمع، ويجوز له أن يقضي بعلمه إذا لم يخف الظنون والتهمة، أو يكون الأمر قد تواتر عنده وتظافرت به الأخبار، بحيث اشترك في العلم به هو وغيره، أو بما علمه في مجلس الحكم.
- فضل الإصلاح بين الناس ورحمتهم:
يستحب للقاضي أن يصلح بين المتخاصمين، ويرغبهم في العفو والتسامح ما لم يتضح الحكم الشرعي فيحكم به.
١ - قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء/١١٤].
стр. 986
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات/١٠].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح/٢٩].
٤ - وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يَرْحَمُ الله مَنْ لا يَرْحَمُ النَّاسَ». متفق عليه (١).
- حكم وعظ الخصوم قبل الحكم:
يستحب للقاضي موعظة الخصوم قبل الحكم.
عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئاً فَلا يَأْخُذْهُ، فَإنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ». متفق عليه (٢).
- لا ينفذ حكم القاضي لنفسه، ولا لمن لا تقبل شهادته له كعمودي نسبه، والزوجية ونحوهما.
- إذا حَكَّم اثنان فأكثر بينهما شخصاً صالحاً للقضاء نفذ حكمه بينهما.
- خطر الحكم بغير ما أنزل الله:
يجب على القاضي أن يحكم بين الناس بما أنزل الله، ولا يجوز لأحد أن يحكم بينهم بغير ما أنزل الله مهما كانت الأحوال فالحكم بغير ما أنزل الله من أعمال أهل الكفر.
стр. 987
ولما كانت الشريعة الإسلامية كفيلة بإصلاح أحوال البشرية في جميع المجالات، فيجب على القاضي النظر في كل ما يرد إليه من القضايا مهما كانت، والحكم فيها بما أنزل الله، فدين الله كامل كافٍ شافٍ.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة/٤٤].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾ [المائدة/٤٩].
- الفرق بين القاضي والمفتي:
القاضي له ثلاث صفات، فهو من جهة الإثبات شاهد، ومن جهة بيان الحكم مفتٍ، ومن جهة الإلزام بالحكم ذو سلطان، والفرق بين القاضي والمفتي:
أن القاضي يبين الحكم الشرعي ويُلزم به، والمفتي يبينه فقط.
стр. 988
٥ - صفة الحكم
- إذا حضر عند القاضي خصمان قال: أيكما المدعي؟ وله أن يسكت حتى يَبدأ أحدهما، فمَنْ سبق بالدعوى قدَّمه، فإن أقر له خصمه حكم له عليه.
- وإن أنكر الخصم قال القاضي للمدعي: إنْ كان لك بينة فأحضرها، فإن أحضرها سمعها وحكم بها، ولا يحكم بعلمه إلا في حالات خاصة كما سبق.
- وإن قال المدعي ليس لي بينة، أعلمه القاضي أن له اليمين على خصمه، فإن طلب المدعي إحلاف خصمه أحلفه القاضي وخلَّى سبيله.
- وإن نكل المدعى عليه عن اليمين وأبى أن يحلف قضى عليه بالنكول وهو السكوت؛ لأنه قرينة ظاهرة على صدق المدعي.
وللقاضي أن يرد اليمين على المدعي إذا امتنع عنها المدعى عليه لا سيما إذا قوي جانب المدعي، فإذا حلف قضى له.
- وإن حلف المنكِر وخلَّى القاضي سبيله ثم أحضر المدعي بينة حكم بها؛ لأن يمين المنكِر مزيلة للخصومة لا مزيلة للحق.
ولا يُنقض حكم القاضي إلا إذا خالف الكتاب أو السنة، أو إجماعاً قطعياً.
- الأصل في المسلمين العدالة، ما لم تظهر على المسلم الريبة.
فإذا ظهرت عليه الريبة، فلا بد من تحقق العدالة ظاهراً وباطناً؛ لأنه لا يجوز استباحة دماء الناس وأموالهم إلا بمن عُرف بالعدالة ظاهراً وباطناً؛ لئلا يقع القاضي فيما حرم الله.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات/٦].
стр. 989
٦ - الدعاوى والبيِّنات
- الدعوى: هي إضافة الإنسان إلى نفسه استحقاق شيء في يد غيره.
- المدَّعي: هو الطالب للحق، وإذا سكت تُرك.
- المدَّعى عليه: هو المطالَبُ بالحق، وإذا سكت لم يُترك.
- أركان الدعوى:
أركان الدعوى ثلاثة: المدعي، والمدعى عليه، والمدعى فيه، أو المدعى به.
- البينة: هي كل ما يبين الحق من شهود، أو يمين، وقرائن الأحوال ونحوها.
- صفة البينة:
البينة: هي ما أبان الشيء وأظهره.
سواء كانت حجة شرعية يجب قبولها كالشهادة، أم قرينة يباح الأخذ بها.
وسمي الشهود بينة لأنهم يبينون من له الحق، ومن عليه الحق.
- شروط صحة الدعوى:
لا تصح الدعوى إلا محرَّرة مفصَّلة؛ لأن الحكم مرتب عليها، وأن تكون معلومة المدَّعى به، وأن يصرح المدعي بطلبه، وأن يكون المدَّعى به حالًّا إن كان دَيْناً.
- صفة الدعوى:
الدعوى أن يضيف الإنسان لنفسه شيئاً على غيره، سواء كان هذا الشيء عيناً، أو منفعة، أو حقاً، أو دَيناً.
والإضافة ثلاثة أقسام:
الأول: أن يضيف الإنسان لنفسه شيئاً على غيره، وهذه دعوى كأن يقول: لي على فلان كذا.
стр. 990
الثاني: أن يضيف الإنسان شيئاً لغيره على نفسه، وهذا إقرار.
الثالث: أن يضيف الإنسان شيئاً لغيره على غيره، وهذه شهادة.
- أحوال البينة:
١ - البينة تارة تكون بشاهدين، وتارة برجل وامرأتين، وتارة بأربعة شهداء، وتارة بثلاثة شهداء، وتارة بشاهد ويمين المدعي كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
٢ - يشترط في الشهادة عدالة البينة، ويحكم بها القاضي، فإن علم خلاف ما شهدت به لم يجز له الحكم بها، ومن جُهلت عدالته سأل عنه، وإن جَرح الخصم الشهود كُلِّف البينة به، وأُنظر ثلاثاً، فإن لم يأت ببينة حكم عليه.
- الناس في التُّهم ثلاثة أصناف:
١ - صنف معروف عند الناس بالدين والورع، وأنه ليس من أهل التهم، فهذا لا يُحبس ولا يُضرب، ويؤدب من يتهمه.
٢ - أن يكون المتَّهَم مجهول الحال لا يُعرف ببر ولا فجور، فهذا يُحبس حتى يكشف عن حاله؛ حفظاً للحقوق.
٣ - أن يكون المتَّهَم معروفاً بالفجور والإجرام، ومثله يقع في الاتهام، وهذا أشد من القسم الثاني، فهذا يمتحن بالضرب والحبس حتى يقر؛ حفظاً لحقوق العباد.
- إذا علم القاضي عدالة البينة حكم بها ولم يحتج إلى التزكية، وإن علم عدم عدالتها لم يحكم بها، وإن جهل حال البينة طلب من المدعي تزكيتهم بشاهدين عدلين.
- صفة حكم القاضي:
حُكْم القاضي لا يُحل حراماً، ولا يُحرم حلالاً، فإن كانت البينة صادقة حَلَّ للمدعي أخذ الحق، وإن كانت البينة كاذبة كشهادة الزور، وحكم له القاضي، فلا يحل له أخذه.
стр. 991
عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئاً بِقَوْلِهِ، فَإنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ، فَلا يَأْخُذْهُ». متفق عليه (١).
- صفة الحكم على الغائب:
يجوز الحكم على الغائب إذا ثبت عليه الحق بالبينة، وكان في حقوق الآدميين لا في حق الله، والغائب بعيد مسافة قصر فأكثر، وتعذَّر حضوره، فإن حضر الغائب فهو على حجته.
- أين تقام الدعوى:
تقام الدعوى في بلد المدعى عليه؛ لأن الأصل براءة ذمته، فإن هرب، أو ماطل، أو تأخر عن الحضور من غير عذر لزم تأديبه.
- لا يُقبل في التزكية والجرح والرسالة إلا قول عدلين، ويُقبل في الترجمة قول واحد عدل، والاثنان إن أمكن أولى.
- حكم كتاب القاضي إلى القاضي:
يُقبل كتاب القاضي إلى القاضي في كل حق لآدمي كالبيع، والإجارة، والوصية، والنكاح، والطلاق، والجناية، والقصاص ونحوها، وفي كل حق لله كالحدود والواجبات.
ولا ينبغي أن يكتب القاضي إلى القاضي في حدود الله كالزنى، والسكر ونحوها؛ لأنها مبنية على الستر، والدرء بالشبهات.
وفائدة الكتابة إلى قاض آخر: راحة الخصوم من عناء السفر والتردد، أو يكون القاضي المكتوب إليه أكثر عملاً، فيحررها بشهودها من هو أقل عملاً، ثم يدفعها للقاضي الثاني ليحكم بهاونحو ذلك من المصالح.
стр. 992
- حكم المدعى به:
المدعي والمدعى عليه إذا تداعيا عيناً فلا تخلو من ست حالات:
١ - إن كانت العين في يد أحدهما فهي له مع يمينه إن لم يكن للخصم بينة، فإن أقام كل منهما بينة فهي لمن هي في يده مع يمينه.
٢ - أن تكون العين في يديهما ولا بينة فيتحالفان، وتقسم بينهما.
٣ - أن تكون العين بيد غيرهما ولا بينة فيقترعان عليها، فمن خرجت له القرعة حلف وأخذها.
٤ - ألّا تكون العين بيد أحد ولا بينة لأحدهما، فيتحالفان ويتناصفاها.
٥ - أن يكون لكل واحد بينة وليست في يد واحد منهما، فهي بينهما على السوية.
٦ - إذا تنازعا دابة أو سيارة وأحدهما راكب والآخر آخذ بزمامها فهي للأول بيمينه إن لم تكن بينة.
- خطر اليمين الكاذبة:
يحرم أن يحلف يميناً فاجرة يقتطع بها مال أخيه بغير حق؛ لقوله ﵊: «مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ الله لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الجَنَّةَ» فَقَالَ لَه رَجُلٌ: وَإنْ كَانَ شَيْئاً يَسِيراً يَا رَسُولَ الله قَالَ: «وَإنْ قَضِيباً مِنْ أَرَاكٍ». أخرجه مسلم (١).
- حكم قسمة الأملاك:
لا تجوز قسمة الأملاك التي لا تنقسم إلا بضرر أو رد عوض إلا برضا الشركاء، وما لا ضرر فيه ولا رد عوض في قسمته، فإذا طلب الشريك قسمتها أُجبر الآخر عليها، وللشركاء أن يتقاسموا بأنفسهم، أو بقاسم يختارونه، أو يسألون الحاكم نصبه وأجرته على قدر الأملاك، فإذا اقتسموا أو اقترعوا لزمت القسمة.
стр. 993
كيفية إثبات الدعوى
تثبت الدعوى بواحد مما يلي: الإقرار .. الشهادة .. اليمين.
١ - الإقرار
- الإقرار: هو إظهار مكلف مختار ما وجب عليه.
- من يصح منه الإقرار:
يصح الإقرار من كل بالغ، عاقل، مختار، غير محجور عليه، والإقرار سيد الأدلة.
- حكم الإقرار:
١ - الإقرار واجب إذا كان في ذمة الإنسان حق للهِ كالزكاة ونحوها، أو حق لآدمي كالدين ونحوه.
٢ - يجوز الإقرار إذا كان على المكلف حد من حدود الله تعالى كالزنى، والستر على نفسه والتوبة من ذلك أولى.
٣ - إذا صح الإقرار وثبت، فإن كان متعلقاً بحق من حقوق الآدميين فلا يجوز الرجوع عنه ولا يُقبل.
وإن كان متعلقاً بحق من حقوق الله كحد الزنى، أو الخمر، أو السرقة ونحوها فإنه يجوز الرجوع عنه؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات.
٢ - الشهادة
- الشهادة: هي الإخبار بما علمه بلفظ أشهد، أو رأيت، أو سمعت، أو نحو ذلك، شرعها الله لإثبات الحقوق.
стр. 994
قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق/٢].
- شروط وجوب أداء الشهادة:
أن يُدعى لذلك، وأن يقدر عليه، وألّا يترتب على أدائه لها ضرر يلحقه في بدنه، أو عرضه، أو ماله، أو أهله.
- حكم أداء الشهادة:
١ - تَحمُّل الشهادة فرض كفاية إذا كانت في حقوق الآدميين، وأداؤها فرض عين على مَنْ تَحَمَّلها إن كانت في حقوق الآدميين، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة/٢٨٣].
٢ - أداء الشهادة في حق الله تعالى كمن شهد بحد من حدود الله كالزنى ونحوه فأداؤها مباح، وتركها أولى؛ لوجوب ستر المسلم، إلا إن كان مجاهراً معروفاً بالفساد فأداؤها أفضل؛ لقطع دابر الفساد والمفسدين.
٣ - لا يحل لأحد أن يشهد إلا بعلم، والعلم يحصل بالرؤية، أو السماع، أو الاستفاضة، وهي الشهرة كزواج أحد، أو موته ونحوهما.
- حكم شهادة الزور:
شهادة الزور من أكبر الكبائر، وأعظم الذنوب فهي سبب في أكل أموال الناس بالباطل، وسبب لإضاعة الحقوق، وسبب لإضلال الحكام ليحكموا بغير ما أنزل الله.
عن أبي بكرة ﵁ قال: قال النَّبِيُّ ﷺ : «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ» ثَلَاثاً؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «الْإِشْرَاكُ بِاللهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ -وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَقَالَ:- أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ». قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ. متفق عليه (١).
стр. 995
- شروط من تُقبل شهادته:
١ - أن يكون بالغاً عاقلاً، فلا تقبل شهادة الصبيان إلا فيما بينهم.
٢ - الكلام، فلا تقبل شهادة الأخرس إلا إذا أداها بخطه.
٣ - الإسلام: فلا تجوز شهادة الكافر على المسلم إلا في الوصية أثناء السفر إن لم يوجد مسلم، وتجوز شهادة الكفار بعضهم على بعض.
٤ - الحفظ: فلا تقبل من مغفل.
٥ - العدالة: وهي في كل زمان ومكان بحسبها، ويعتبر لها شيئان:
١ - الصلاح في الدين: وهو أداء الفرائض، واجتناب المحرمات.
٢ - استعمال المروءة: وهي فعل ما يجمِّله كالكرم، وحسن الخلق ونحوهما، واجتناب ما يُدَنِّسه كالقمار، والشعوذة، والشهرة بالرذائل ونحو ذلك.
٦ - نفي التهمة.
- تُقبل الشهادة على الشهادة في كل شيء إلا في الحدود، فإذا تعذَّرت شهادة الأصل بموت، أو مرض، أو غَيْبة قَبِل الحاكم شهادة الفرع إذا أنابه كقوله: اشهد على شهادتي ونحوه.
стр. 996
موانع الشهادة
- موانع الشهادة ثمانية، وهي:
١ - قرابة الولادة: وهم الآباء وإن علوا، والأولاد وإن سفلوا، فلا تقبل شهادة بعضهم لبعض؛ للتهمة بقوة القرابة، وتقبل عليهم، وأما بقية القرابة كالإخوة والأعمام ونحوهما، فتقبل لهم وعليهم.
٢ - الزوجية: فلا تقبل شهادة الزوج لزوجته، ولا الزوجة لزوجها، وتقبل عليهم.
٣ - مَنْ يجر إلى نفسه نفعاً كشهادته لشريكه أو رقيقه.
٤ - مَنْ يدفع عن نفسه ضرراً بتلك الشهادة.
٥ - العداوة الدنيوية، فمن سره مساءة شخص، أو غمه فرحه فهو عدوه.
٦ - مَنْ شهد عند حاكم ثم رُدَّت شهادته لخيانة ونحوها.
٧ - العصبية، فلا شهادة لمن عُرف بالتعصب.
٨ - إذا كان المشهود له مالكاً للشاهد أو خادماً عنده.
أقسام المشهود به وعدد الشهود
- ينقسم ذلك إلى سبعة أقسام:
١ - الزنى وعمل قوم لوط، لا بد فيه من شهادة أربعة رجال عدول، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور/٤].
стр. 997
٢ - إذا ادعى مَنْ عُرف بالغنى أنه فقير ليأخذ من الزكاة فلا بد من شهادة ثلاثة رجال عدول.
٣ - ما أوجب قصاصاً أو حداً غير الزنى أو تعزيراً فلا بد فيه من شهادة رجلين عدلين.
٤ - قضايا الأموال كالبيع، والقرض، والإجارة ونحوها، والحقوق كالنكاح، والطلاق، والرجعة ونحوها، وكل ما سوى الحدود والقصاص فيُقبل فيه شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، ويُقبل في الأموال خاصة رجل ويمين المدعي إن تعذر إتمام الشهود.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة/٢٨٢].
٢ - وعن ابن عباس ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ.
أخرجه مسلم (١).
٥ - ما لا يطَّلع عليه الرجال غالباً كالرضاع، والولادة، والحيض ونحو ذلك مما لا يحضره الرجال فيُقبل فيه رجلان، أو رجل وامرأتان، أو أربع نسوة، ويجوز من امرأة عدل، والأحوط اثنتان، أو رجل عدل، والأكمل كما سبق.
٦ - ما يُقبل فيه قول واحد عدل، وهو رؤية هلال رمضان أو غيره.
٧ - داء دابة، وموضحة، وهاشمة ونحوها يُقبل فيه قول طبيب، وبيطار واحد لعدم غيره، فإن لم يتعذر فاثنان.
стр. 998
- يجوز للقاضي الحكم بشهادة الرجل الواحد مع يمين المدعي في غير الحدود والقصاص إذا ظهر صدقه.
- إذا حكم القاضي بشاهد ويمين ثم رجع الشاهد غَرِمَ الشاهد المال كله.
- الحكم إذا رجع الشهود عن الشهادة:
إذا رجع شهود المال بعد الحكم لم يُنقض، ويلزمهم الضمان دون من زكاهم، وإن رجع الشهود عن الشهادة قبل الحكم أُلغي، لا حكم ولا ضمان.
٣ - اليمين
- اليمين: هي الحلف بالله، أو باسم من أسمائه، أو بصفة من صفاته.
- مشروعية اليمين:
تُشرع اليمين في دعوى حقوق الآدميين خاصة، فهي التي يُستحلف فيها، أما حقوق الله كالعبادات والحدود فلا يُستحلف فيها، فلا يُستحلف إذا قال دفعت زكاة مالي، ولا يُستحلف منكر لحد من حدود الله كالزنى والسرقة؛ لأنه يستحب سترها، والتعريض بالرجوع عنها.
- حكم اليمين في الدعوى:
إذا عجز المدعي بحق على آخر عن البينة وأنكر المدعى عليه فليس له إلا يمين المدعى عليه، وهذا خاص بالأموال ونحوها، ولا يجوز في دعوى القصاص والحدود.
اليمين تقطع الخصومة ولا تُسقط الحق، والبينة على المدعي، واليمين على من أنكر، هذا هو الأصل، فإذا أحضر المدعى البينة حكم القاضي بموجبها.
стр. 999
وإذا لم يحضرها طُلب من المدعي عليه الذي أنكر أن يحلف، فإذا لم يحلف رد اليمين على المدعي؛ لأنه لما نكل المدعى عليه قوي جانب المدعي، فيرد عليه اليمين ليتأكد.
وللقاضي أن يقضي على المدعى عليه بالنكول، ولا يحلِّف المدعي.
ويجوز للقاضي أن يُحلِّف المدعي، أو يحلِّف المدعى عليه حسب ما يراه، وهي مشروعة في أقوى الجانبين؛ لأن الأصل براءة الذمة إلا ببينة، فإذا لم تكن اكتفى منه باليمين.
١ - عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لو يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ». متفق عليه (١).
٢ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي، وَاليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ». أخرجه الترمذي (٢).
- حكم تغليظ اليمين:
يجوز للقاضي تغليظ اليمين فيما له خطر كجناية لا توجب قوداً، ومالٍ كثير ونحوهما إذا طلبها من توجهت له اليمين.
والتغليظ في الزمان بعد العصر، وفي المكان في المسجد عند المنبر، وإن رأى القاضي ترك التغليظ كان مصيباً، ومن أبى التغليظ لم يكن ناكلاً عن اليمين، ومن حُلف له بالله فليرض.
стр. 1000
- تُشرع اليمين في حق كل مدعى عليه، سواء كان مسلماً، أو من أهل الكتاب، فيحلف بالله إن لم تكن للمدعي بينة، ويَستحلف أهل الكتاب.
فيقول لليهود مثلاً: «أُذَكِّرُكُمْ بِالله الَّذِي نَجَّاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَونَ، وَأَقْطَعَكُمُ البَحْرَ، وَظلَّلَ عَلَيْكُمُ الغَمَامَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْكُمُ الَمَنَّ وَالسَّلْوَى، وَأَنْزَلَ عَلَيْكُمُ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى ... ». أخرجه أبو داود (١).
- شر الناس:
١ - عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلاءِ بِوَجْهٍ». متفق عليه (٢).
٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «أَبْغَضُ الرِّجَالِ إلَى الله الأَلَدُّ الخَصِمُ». متفق عليه (٣).
стр. 1001
الباب التاسع
الجهاد في سبيل الله
ويشتمل على ما يلي:
١ - معنى الجهاد وحكمه وفضله
٢ - أقسام الجهاد
٣ - آداب الجهاد في الإسلام
٤ - عقد الذمة
٥ - عقد الهدنة
٦ - الخلافة والإمارة
стр. 1002
١ - معنى الجهاد وحكمه وفضله
- الجهاد في سبيل الله: هو بذل الطاقة والوسع في قتال الكفار ابتغاء وجه الله
- وهو المراد هنا -.
- المجاهد في سبيل الله:
عن أبي موسى ﵁ قال: جاء إلى النبي ﷺ رجل فقال: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ الله؟ قَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ الله هِيَ العُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ». متفق عليه (١).
- حكمة مشروعية الجهاد:
١ - شرع الله الجهاد في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله للهِ، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ونشر الإسلام، وإقامة العدل، ومنع الظلم والفساد، وحماية المسلمين، ورد كيد الأعداء وقمعهم.
٢ - شرع الله الجهاد ابتلاءً واختباراً لعباده؛ ليتبين الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق، وليُعلم المجاهد والصابر، وليس قتال الكفار لإلزامهم بالإسلام، ولكن لإلزامهم بالخضوع لأحكام الإسلام حتى يكون الدين كله للهِ.
٣ - والجهاد في سبيل الله باب من أبواب الجنة، يُذهب الله به الهم والغم، وتُنال به الدرجات العلى في الجنة.
стр. 1003
- أهداف الجهاد في سبيل الله:
الهدف من القتال في الإسلام إزالة الكفر والشرك، وإخراج الناس من ظلمات الكفر والشرك والجهل إلى نور الإيمان والعلم، وقمع المعتدين، وإزالة الفتن، وإعلاء كلمة الله، وإبلاغ دين الله، وإزاحة من يقوم في وجه تبليغه ونشره، فإذا حصل ذلك بدون قتال لم يُحتج إلى القتال.
ولا يكون قتال من لم تبلغه الدعوة إلا بعد الدعوة إلى الإسلام، فإن أبوا أمرهم الإمام بدفع الجزية، فإن أبوا استعان بالله وقاتلهم.
فإن كانوا قد بلغتهم الدعوة جاز قتالهم ابتداءً.
فالله خلق بني آدم لعبادته، فلا يجوز قتل أحد منهم إلا من عاند وأصر على الكفر، أو ارتد، أو ظلم، أو اعتدى، أو منع الناس من الدخول في الإسلام، أو آذى المسلمين، وما قاتل رسول الله ﷺ قوماً قط إلا دعاهم إلى الإسلام.
- حكم الجهاد في سبيل الله:
الجهاد في سبيل الله فرض كفاية، إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين.
ويجب الجهاد على كل مستطيع في الحالات الآتية:
١ - إذا حضر صف القتال.
٢ - إذا استنفر الإمام الناس استنفاراً عاماً.
٣ - إذا حَصَر بلده عدو.
٤ - إذا احتيج إليه نفسه في القتال كطبيب وطيار ونحوهما.
стр. 1004
١ - قال الله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [التوبة/٤١].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾ [التوبة/٣٦].
- أحكام المجاهدين في سبيل الله:
الجهاد في سبيل الله: تارة يكون واجباً بالنفس والمال في حال القادر مالياً وبدنياً.
وتارة يكون واجباً بالنفس دون المال في حال من لا مال له.
وتارة يكون واجباً بالمال دون النفس في حال من لا يقدر على الجهاد ببدنه.
١ - قال الله تعالى: ... ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة/١٩٣].
٢ - وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «جَاهِدُوا المُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ». أخرجه أبو داود والنسائي (١).
- فضل الجهاد في سبيل الله:
١ - قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾ [التوبة/٢٠ - ٢٢].
стр. 1005
٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ الله -وَالله أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ- كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ، وَتَوَكَّلَ الله لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ سَالِماً مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ». متفق عليه (١).
٣ - وعن أبي هريرة ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ». متفق عليه (٢).
- فضل من جهز غازياً أو خَلَفَهُ بخير:
عن زيد بن خالد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ جَهَّزَ غَازِياً فِي سَبِيلِ الله فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِياً فِي سَبِيلِ الله بِخَيرٍ فَقَدْ غَزَا». متفق عليه (٣).
- عقوبة من ترك الجهاد في سبيل الله:
عن أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ لَمْ يَغْزُ، أَوْ يُجَهِّزْ غَازِياً، أَوْ يَخْلُفْ غَازِياً فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ، أَصَابَهُ الله بِقَارِعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ». أخرجه أبو داود وابن ماجه (٤).
стр. 1006
- كيفية التهلكة:
الالقاء بالأيدي إلى التهلكة هو: الإقامة في البلاد، وإصلاح الأموال، وترك الجهاد في سبيل الله.
فجمْع المال وإمساكه، والبخل عن إنفاقه في سبيل الله، والاشتغال به عن نصرة الحق، هو التهلكة التي هي ترْك ما أمر الله به، أو فِعْل ما نهى الله عنه، وهذا الدين لمن ذبّ عنه، لا لمن اشتغل عنه.
فترْك الجهاد في سبيل الله يولِّد مصيبتين:
فهو يوجب الذلة في الدنيا، بتسلط العدو، واستيلائه على بلاد المسلمين، ثم صدهم عن دينهم، كما أنه يوجب العذاب الأليم في الآخرة.
وليس من انغمس في صفوف العدو ملقياً بيده إلى التهلكة، بل هو ممن شرى نفسه ابتغاء مرضاة الله، وجاهد في سبيل الله.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة/١٩٥].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ [البقرة/٢٠٧].
٣ - وعَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ: غَزَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ نُرِيدُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ وَعَلَى الْجَمَاعَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَالرُّومُ مُلْصِقُو ظُهُورِهِمْ بِحَائِطِ الْمَدِينَةِ فَحَمَلَ رَجُلٌ عَلَى الْعَدُوِّ فَقَالَ النَّاسُ: مَهْ مَهْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله يُلْقِي بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ لَمَّا نَصَرَ الله نَبِيَّهُ وَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ قُلْنَا
стр. 1007
هَلُمَّ نُقِيمُ فِي أَمْوَالِنَا وَنُصْلِحُهَا فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ الله وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) فَالْإِلْقَاءُ بِالْأَيْدِي إِلَى التَّهْلُكَةِ أَنْ نُقِيمَ فِي أَمْوَالِنَا وَنُصْلِحَهَا وَنَدَعَ الْجِهَادَ، قَالَ أَبُو عِمْرَانَ: فَلَمْ يَزَلْ أَبُو أَيُّوبَ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ الله حَتَّى دُفِنَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ. أخرجه أبو داود والترمذي (١).
- شروط وجوب الجهاد في سبيل الله:
الإسلام، والعقل، والبلوغ، والذكورية، والسلامة من الضرر كالمرض الشديد، ووجود النفقة.
- حكم استئذان الوالدين في الجهاد:
١ - لا يجاهد المسلم تطوعاً إلا بإذن والديه المسلمين؛ لأن الجهاد فرض كفاية إلا في حالات، وبر الوالدين فرض عين في كل حال، أما إذا وجب الجهاد فيجاهد بلا إذنهما.
٢ - كل تطوع فيه منفعة للإنسان ولا ضرر على والديه فيه فلا يحتاج إلى إذنهما فيه كقيام الليل، وصيام التطوع ونحوهما، فإن كان فيه ضرر على الوالدين، أو أحدهما كجهاد التطوع فلهما منعه، وعليه أن يمتنع؛ لأن طاعة الوالدين واجبة، والتطوع ليس بواجب.
- الرباط: هو لزوم الثغر بين المسلمين والكفار.
- حكم حفظ حدود البلاد:
يجب على المسلمين أن يحفظوا حدودهم من الكفار، إما بعهد وأمان، وإما بسلاح ورجال، حسب ما تقتضيه الحال.
стр. 1008
- فضل الرباط في سبيل الله:
عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا ... ». أخرجه البخاري (١).
- فضل الإنفاق في سبيل الله:
١ - قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة/٢٦١].
٢ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ الله دَعَاهُ خَزَنَةُ الجَنَّةِ كُلُّ خَزَنَةِ بَابٍ: أَيْ فُلُ هَلُمَّ .. ». متفق عليه (٢).
- فضل الغبار والصيام في سبيل الله:
١ - عن أبي عبس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ الله حَرَّمَهُ الله عَلَى النَّارِ». أخرجه البخاري (٣).
٢ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «مَنْ صَامَ يَوْماً فِي سَبِيلِ الله بَعَّدَ الله وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيْفاً». متفق عليه (٤).
стр. 1009
- فضل من احتبس فرساً في سبيل الله:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «مَنْ احْتَبَسَ فَرَساً فِي سَبِيلِ الله إيمَاناً بِالله، وَتَصْدِيقاً بِوَعْدِهِ، فَإنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ، وَرَوْثَهُ، وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ». أخرجه البخاري (١).
- فضل الغدوة والروحة في سبيل الله:
عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ الله أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا». متفق عليه (٢).
стр. 1010
٢ - أقسام الجهاد
- أقسام الجهاد أربعة:
١ - جهاد النفس: وهو جهاد النفس على تعلم الدين، والعمل به، والدعوة إليه، والصبر على الأذى فيه.
٢ - جهاد الشيطان: وهو جهاده على دفع ما يلقي إلى العبد من الشبهات والشهوات.
٣ - جهاد أصحاب الظلم والبدع والمنكرات: ويكون باليد إذا قدر، فإن عجز فباللسان، فإن عجز فبالقلب، حسب الحال والمصلحة.
٤ - جهاد الكفار والمنافقين: ويكون بالقلب، واللسان، والمال، والنفس -وهو المقصود هنا-.
- درجات المجاهدين في سبيل الله في الجنة:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : « ... إنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا الله لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ الله، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ، فَإذَا سَأَلْتُمُ الله فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ فَإنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ، وَأَعْلَى الجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ». أخرجه البخاري (١).
- أحوال الجهاد في سبيل الله:
للجهاد في سبيل الله أربع حالات:
стр. 1011
١ - جهاد ضد الكفار والمشركين: وهو أمر لازم لحفظ المسلمين من شرهم، ولنشر الإسلام بينهم، ويُخيرون فيه على الترتيب بين الإسلام، أو دفع الجزية، أو القتال.
٢ - جهاد ضد المرتدين عن الإسلام: ويُخيرون على الترتيب بين العودة إلى الإسلام، أو القتال.
٣ - جهاد ضد البغاة: وهم الذين يخرجون على إمام المسلمين ويثيرون الفتنة، فإن رجعوا وإلا قُتلوا.
٤ - جهاد ضد قطاع الطريق: ويخير الإمام فيهم بين قتلهم، أو صلبهم، أو تقطيع أيديهم وأرجلهم من خِلاف، أو نفيهم من الأرض، وعقوبتهم حسب جريمتهم، حسب ما يراه الإمام.
- حكم جهاد النساء:
يجوز عند الحاجة غزو النساء مع الرجال للخدمة.
عن أنس بن مالك ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْزُوْ بِأُمِّ سُلَيْمٍ وَنِسْوَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ مَعَهُ إذَا غَزَا، فَيَسْقِينَ المَاءَ، وَيُدَاوِينَ الجَرْحَى. متفق عليه (١).
- يستحب تشييع الغزاة والدعاء لهم، والخروج لاستقبالهم عند العودة من الغزو.
стр. 1012
٣ - آداب الجهاد في الإسلام
- من آداب الجهاد في الإسلام:
عدم الغدر، عدم قتل النساء والأطفال والشيوخ الكبار والرهبان إذا لم يقاتلوا، فإن قاتلوا أو حَرَّضوا أو كان لهم رأي وتدبير قُتلوا.
ومنها البُعد عن العُجب والبطر والرياء، وعدم تمني لقاء العدو، وعدم تحريق الآدمي والحيوان بالنار.
ومنها عرض الإسلام على العدو، فإن أبوا فالجزية، فإن أبوا حَلَّ قتالهم.
ومنها الصبر والإخلاص، واجتناب المعاصي، والدعاء وطلب النصر والتأييد من الله ، ومنه: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ». متفق عليه (١).
- ما يقوله المسلم إذا خاف العدو:
١ - «اللَّهُمَّ اكفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ». أخرجه مسلم (٢).
٢ - «اللَّهُمَّ إنَّا نَجْعَلُكَ فِي نُحُورِهِمْ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ». أخرجه أحمد
وأبو داود (٣).
- واجبات الإمام في الجهاد:
يجب على الإمام أو من ينوب عنه أن يتفقد جيشه وأسلحته عند المسير إلى العدو، ويمنع المخذِّل والمرجف، وكل من لا يصلح للجهاد، ولا يستعين بكافر إلا لضرورة، ويُعد الزاد، ويسير بالجيش برفق، ويطلب لهم أحسن المنازل، ويمنع الجيش من الفساد والمعاصي، ويحدثهم بما يقوي نفوسهم ويرغبهم في الشهادة.
стр. 1013
ويأمرهم بالصبر والاحتساب، ويقسم الجيش، ويُعيِّن عليهم العرفاء والحراس، ويبث العيون على العدو، ويُنفِّل من يرى من الجيش أو السرية كالربع بعد الخمس في الذهاب، والثلث بعد الخمس في الرجوع، ويشاور في أمر الجهاد أهل الدين والرأي.
- ما يجب على المجاهدين في سبيل الله:
يلزم الجيش طاعة الإمام أو نائبه في غير معصية الله، والصبر معه، ولا يجوز الغزو إلا بإذنه إلا أن يفاجئهم عدو يخافون شرَّه وأذاه فلهم أن يدافعوا عن أنفسهم، وإن دعا كافر إلى البِراز استحب لمن يعلم من نفسه القوة والشجاعة مبارزته بإذن الأمير.
ومن خرج مجاهداً في سبيل الله فمات بسلاحه فله أجره مرتين.
- حكم الخدعة في الجهاد:
إذا أراد الإمام غزو بلدة أو قبيلة في الشمال مثلاً أظهر أنه يريد جهة الجنوب مثلاً، فالحرب خدعة.
وفي هذا الفعل فائدتان:
الأولى: أن خسائر الأرواح والأموال تقل بين الطرفين فتحل الرحمة محل القسوة.
الثانية: توفير طاقة جيش المسلمين من رجال وعتاد لمعركة لا تجدي فيها الخدعة.
عن كعب ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ قَلَّمَا يُرِيدُ غَزْوَةً يَغْزُوهَا إلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا. متفق عليه (١).
стр. 1014
- وقت القتال:
عن النعمان بن مقرِّن ﵁ قال: شَهِدْتُ رَسُولَ الله ﷺ إذَا لَمْ يُقَاتِلْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَخَّرَ القِتَالَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَتهُبَّ الرِّيَاحُ، وَيَنْزِلَ النَّصَرُ. أخرجه أبو داود والترمذي (١).
- إذا فاجأ العدو المسلمين وأغار عليهم فيجب رده وصده في أي وقت أغار فيه.
- متى ينزل نصر الله؟
كتب الله على نفسه النصر لأوليائه، ولكنه ربط هذا النصر بأمور:
١ - كمال حقيقة الإيمان في قلوب المجاهدين في سبيل الله:
قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [الروم/٤٧].
٢ - استيفاء مقتضيات الإيمان، وهي الأعمال الصالحة في حياتهم:
قال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج/٤٠ - ٤١].
٣ - استكمال العدة التي في طاقتهم:
قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال/٦٠].
٤ - بذل الجهد الذي في وسعهم:
١ - قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ ... [العنكبوت/٦٩].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا
стр. 1015
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ [الأنفال/٤٥ - ٤٦].
وبذلك تكون معهم معية الله، وينزل عليهم نصر الله كما نزل على الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وكما حصل للنبي ﷺ وأصحابه ﵃ في غزواتهم.
- أثر اليقين والصبر في العمل:
إذا قام المسلم بالحق، وكان قيامه بالله ولله، لم يقم له شيء، ولو كادته السماوات والأرض ومن فيهن لكفاه الله مؤنتها، وإنما يؤتى العبد من تفريطه أو تقصيره في هذه الأمور الثلاثة أو في بعضها.
فمن قام في باطل لم يُنصر، وإن نُصر فلا عاقبة له، وهو مذموم مخذول.
وإن قام في حق لكن لم يقم للهِ، وإنما قام لطلب الحمد والشكر من الناس فهذا لا ينصر؛ لأن النصر لمن جاهد لتكون كلمة الله هي العليا، وإن نُصر فبحسب ما معه من الصبر والحق، وإن قام بالحق مستعيناً بغير الله فهو مخذول.
فالصبر منصور أبداً، فإن كان الصابر محقاً كانت له العاقبة، وإن كان مبطلاً لم تكن له عاقبة.
قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة/ ٢٤].
- حكم الفرار من الزحف:
إذا التقى الجيشان فيحرم الفرار من الزحف إلا في حالتين:
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ [الأنفال/١٥ - ١٦].
стр. 1016
- أصناف الشهداء في سبيل الله:
١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، وَالمَبْطُونُ، وَالغَرِقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ». متفق عليه (١).
٢ - وعن جابر بن عتيك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: « ... الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى القَتْلِ فِي سَبِيلِ الله : المَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَالمَبْطُونُ شَهِيدٌ، والغَرِيقُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الجَنْبِ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الحَرَقِ شَهِيدٌ، وَالمَرْأَةُ تَمُوْتُ بِجُمْعٍ شَهِيدَةٌ». أخرجه أبو داود والنسائي (٢).
٣ - وعن سعيدِ بنِ زَيْد ﵁ قالَ: سَمعْتُ رسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «مَنْ قُتلَ دُونَ مالِهِ فَهُوَ شَهيدٌ، وَمنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهيدٌ، وَمَن قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهيدٌ، وَمَنْ قُتِل دونَ أهلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ». أخرجه أبو داود والترمذي (٣).
- فضل الشهادة في سبيل الله:
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١)﴾ [آل عمران/١٦٩ - ١٧١].
٢ - وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ إلا الشَّهِيدُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنَ الكَرَامَةِ». متفق عليه (٤).
стр. 1017
- كرامات الشهيد في سبيل الله:
أرواح الشهداء في أجواف طير خضر، لها قناديل معلَّقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، وللشهيد عند الله خصال.
عن المقدام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إنّ لِلشَّهِيدِ عِنْدَ الله خِصَالاً: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دُفْعَةٍ مِنْ دَمِهِ، وَيُرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، ويُحلَّى عليْه حُلَّةَ الإيمان، ويُزوَّج اثنتين وسبعين زوجَة من الحورِ العينِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ،، وَيَأْمَنُ يَوْمَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ، ويُوضَعُ على رأسِهِ تاجُ الوَقار الياقوتةُ منْهُ خيرٌ من الدُّنيا وما فيها، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ إنْسَاناً مِنْ أَقَارِبِهِ». أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي في شعب الإيمان (١).
- من جُرح جرحاً في سبيل الله جاء يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك، عليه طابع الشهداء، والشهادة في سبيل الله تعالى تكفر الذنوب كلها إلا الدَّيْن.
- حكم من حوصر وحده:
من خشي الأسر من المسلمين ولا طاقة له بعدوه، فله أن يسلم نفسه، وله أن يقاتل حتى يُقتل أو يَغلب.
- حكم من هاجم العدو وحده:
من ألقى نفسه في أرض العدو، أو اقتحم في جيوش الكفار المعتدين بقصد التنكيل بالأعداء، وزرع الرعب في قلوبهم خاصة مع اليهود المعتدين، ثم قُتل، فقد نال أجر الشهداء الصابرين، والمجاهدين الصادقين، وهو أقل خسارة، وأكثر نكاية بالأعداء.
стр. 1018
- حكم المقتول في سبيل الله:
المقتول في سبيل الله يسمى شهيداً؛ لأنه أشهد الله والناس على صدق إيمانه، وأثبت باستشهاده أن هذا الدين حق.
والشهيد في الحقيقة حي لا ميت، وقد نهى الله المؤمنين أن يقولوا للشهيد إنه ميت؛ لئلا يظن الإنسان أن الشهيد يموت، فيفر من الجهاد خوفاً من الموت، ولئلا ينكل الناس عن الجهاد، لفرار النفوس من الموت طبعاً.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران/١٦٩].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ [البقرة/١٥٤].
- أقسام الأسرى:
أسرى الحرب قسمان:
١ - النساء والأطفال: يُسترقّون بمجرد السبي.
٢ - الرجال المقاتلون: يُخيَّر الإمام فيهم بين إطلاقهم بلا فداء، أو مفاداتهم، أو قتلهم، أو استرقاقهم حسب المصلحة.
- صفة قسمة الغنيمة:
الغنيمة لمن شهد الوقعة من أهل القتال، فيُخرج الخمس ويُقسم: سهم للهِ ولرسوله يُصرف في مصالح المسلمين، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل.
ثم باقي الغنيمة وهو أربعة أخماس يقسم بين الغانمين، (للراجل) سهم، (وللفارس) ثلاثة أسهم، ويحرم الغلول من الغنيمة، وللإمام تأديب الغال حسب المصلحة بما يناسب، وما أُخذ من مال مشرك بغير قتال كجزية وخراج
стр. 1019
ونحوهما ففيء يصرف في مصالح المسلمين.
والفيء: هو ما أُخِذ من مال الكفار بحق من غير قتال.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾ [الأنفال/٤١].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر/٧].
- حكم تنفيل بعض المجاهدين:
يجوز لأمير الجيش أن يُنَفِّل بعض المجاهدين بشيء من الغنيمة إن رأى فيه مصلحة تنفع المسلمين، وإن لم ير مصلحة لم يُنَفِّل.
- حكم الغنيمة:
١ - يشارك الجيش سراياه فيما غنمت، ويشاركونه فيما غنم، ومن قَتل قتيلاً في حالة الحرب فله سَلَبه.
وسلبه: ما عليه من لباس، وما معه من سلاح، ومركب، ومال.
٢ - لا يُسهم من الغنيمة إلا لمن فيه أربعة شروط: البلوغ، والعقل، والحرية، والذكورية، فإن اختل شرط رضخ له ولم يُسهم.
- حكم وطء المسبيات:
النساء المسبيات ينفسخ نكاحهن بمجرد السبي، ولا يجوز وطؤهن إلا بعد قسمتهن ثم تُستبرأ الحامل بوضع الحمل، وغير ذات الحمل بحيضة.
إذا غنم المسلمون أرضاً من عدوهم عنوة خُيِّر الإمام بين قسمها على
стр. 1020
المسلمين، أو وقفها عليهم، ويضرب عليها خراجاً مستمراً ممن هي في يده.
تجوز مكافأة الكافر على إحسانه للمسلمين بما تيسر؛ وفاءً لجميله.
- حكم نقل الأعضاء من إنسان إلى آخر:
١ - إذا احتاج حي من مجاهد وغيره إلى نقل عضو أو جزء من إنسان حي.
فإن كان النقل يؤدي إلى ضرر بالغ بتفويت أصل الانتفاع أو جُلِّه كقطع يد، أو رجل، أو كِلْية فهذا محرم؛ لأنه تهديد لحياة متيقنة بعملية ظنية موهومة.
وإن كان النقل يؤدي إلى الموت كنزع القلب، أو الرئة فهذا قتل للنفس، وهو من أشد المحرمات.
٢ - نقل عضو أو جزء من إنسان ميت إلى حي، فإن كانت مصلحة الحي ضرورية تتوقف حياته عليها كنقل القلب، أو الرئة، أو الكِلْية فهذا يجوز عند الضرورة إذا أذن الميت قبل وفاته، ورضي المنقول إليه، وانحصر التداوي به، وقام بذلك طبيب ماهر.