- حكم بيع العين المؤجرة:
يجوز بيع العين المؤجرة كالدار والسيارة ونحوهما، ويأخذها المشتري بعد استيفاء المستأجر منفعته وانتهاء مدة إجارته.
- حكم ضمان العين المؤجرة:
لا يضمن الأجير ما تلف بيده، ما لم يفرط أو يتعدَّ، ولا يجوز للمرأة تأجير نفسها لعمل أو رضاع إلا بإذن زوجها.
- يجوز أخذ الأجرة على التعليم، وبناء المساجد ونحوها.
- حكم أخذ الرَّزْق على القُرَب:
يجوز أن يأخذ الإمام، أو المؤذن، أو المعلم للقرآن رَزْقاً من بيت المال، ومَنْ عمل منهم للهِ تعالى أثيب، ولو أخذ رَزْقاً، وما يأخذه من بيت المال إعانة على الطاعة لا عوضاً أو أجرة على عمله.
- حكم عمل المسلم عند الكافر:
يجوز للمسلم العمل عند الكافر بثلاثة شروط:
١ - أن يكون عمله يحل للمسلم فعله كبناء، وحرث ونحوهما.
٢ - ألا يُعِيْنهم على ما يعود ضرره على المسلمين.
٣ - ألا يكون في العمل إذلال للمسلم.
- يجوز أن يستأجر المسلم كافراً عند الضرورة كأن لم يجد مسلماً.
- حكم تأجير أهل المحرمات:
لا يجوز تأجير البيوت والمحلات على من يبيع حراماً كآلات اللهو المحرمة، والأفلام الخليعة، والصور الفاتنة، وكذا مَنْ يتعاطى المعاملات المحرمة كالبنوك الربوية، ومَنْ يتخذ البيت معملاً للخمر، أو مأوىً لأهل الملاهي
стр. 737
والزنى ونحو ذلك كمحلات بيع الدخان، وحلق اللحى، وأشرطة الفيديو والغناء؛ لأن في تأجير ذلك إعانة على المحرم الذي نهى الله عنه.
قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة/٢].
- حكم دفع بدل الخلو:
قد يكون السكن أو الدكان في مكان مرغوب مطلوب، وهنا يجوز دفع بدل الخلو للمستأجر أثناء مدة الإجارة مقابل تخلِّيه عن بقية مدة الإجارة ولو زاد عن الأجرة الدورية لا بعد انقضاء المدة.
- حكم الشرط الجزائي:
الشرط الجزائي الذي يجري اشتراطه في العقود بين الناس شرط صحيح معتبر يجب الأخذ به، فهو جائز لإتمام العقد في وقته، وفيه سد لأبواب الفوضى والتلاعب بحقوق العباد ما لم يكن هناك عذر شرعي فيكون العذر مسقطاً لوجوبه، وإن كان الشرط كثيراً عرفاً فيجب الرجوع إلى العدل والإنصاف حسب ما فات من منفعة أو لحق من مضرة عند الحاكم.
ومثاله: كأن يتفق رجل مع آخر على أن يبني له بيتاً خلال سنة بمائة ألف، وإذا تأخر عن السنة فعليه أن يدفع عن كل شهر ألف ريال، فتأخر عن السنة أربعة أشهر بلا عذر، فيلزمه أن يدفع أربعة آلاف ريال لصاحب الدار.
стр. 738
١٥ - السبق
- السَّبْق: بلوغ الغاية قبل غيره، والمسابقة جائزة، وقد تكون مستحبة، حسب النية والقصد، والسَّبَق: هو العوض المبذول لمن سبق.
- حكمة مشروعية المسابقة:
المسابقة والمصارعة من محاسن الإسلام، وهما مشروعتان؛ لما فيهما من المرونة والتدريب على الفنون العسكرية، والكر والفر، وتقوية الأجسام، والصبر والجلد، وتهيئة الأعضاء والأبدان للجهاد في سبيل الله تعالى.
- أنواع المسابقة:
المسابقة: تكون بالعَدْو بين الأشخاص، وتكون بالرمي بالسهام والأسلحة، وتكون بالخيل والإبل.
- شروط صحة المسابقة:
يشترط لصحة المسابقة ما يلي:
١ - أن يكون المركوب أو الآلة التي يرمي بها من نوع واحد.
٢ - تحديد المسافة ومدى الرمي.
٣ - أن يكون العوض معلوماً مباحاً.
٤ - تعيين المركوبين أو الراميين.
- حكم المصارعة والملاكمة:
١ - تباح المصارعة والسباحة، وكل ما يقوي الجسم، ويبعث على الصبر والجلد: إذا لم يُشغل عن واجب، أو عن ما هو أهم منه، أويكون فيه ارتكاب محظور، أو تكثر أخطاره.
٢ - الملاكمة والمصارعة الحرة التي تمارس اليوم في حلبات الرياضة محرمة؛ لما
стр. 739
فيها من الخطر والضرر، وكشف العورات، وتحكيم غير شرع الله.
- لا يجوز التحريش بين البهائم وإغراء بعضها ببعض، ولا يجوز اتخاذها غرضاً للرمي.
- حكم أخذ العوض في المسابقات:
لا تصح المسابقة بعوض إلا في إبل، أو خيل، أو رمي؛ لقوله ﵊: «لا سَبَقَ إلَّا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ». أخرجه أبو داود والترمذي (١).
- أخذ العوض في المسابقات له ثلاث حالات:
١ - يجوز بعوض، وهو المسابقة في الإبل أو الخيل أو الرمي.
٢ - لا يجوز بعوض ولا بغير عوض كالنرد والشطرنج والقمار ونحوها.
٣ - يجوز بلا عوض ولا يجوز بعوض وهذا هو الأصل والأغلب كالمسابقة على الأقدام والسفن والمصارعة ونحوها، لكن يجوز أن يعطى الفائز تشجيعاً له جائزة أو عوضاً غير محدد، ولا مسمى.
- القمار: هو كل معاملة مالية يحصل بها الغُنم أو الغُرم بلا جهد.
- حكم القمار والميسر:
يحرم القمار، والميسر، واللعب بالنَّرْد:
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة/٩٠].
٢ - وَعَنْ بُريدةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ لَعِبَ بالنَّرْدَ شِيرِ فَكَأنَّماَ صَبَغَ يَدَهُ في لَحْمِ خِنْزِيرٍ ودَمِهِ». أخرجه مسلم (٢).
стр. 740
- حكم اللعب بالكرة المعاصرة:
اللعب بالكرة المعاصرة من اللهو الباطل.
واللعب بها عن طريق الأندية والفِرَق والدول لا يجوز.
لما في ذلك من التشبه بالكفار .. والتحاكم إلى الطاغوت والقانون عند الإصابة وغيرها .. وضياع الأوقات في اللهو واللعب .. وإضاعة الأموال .. وكشف العورات والأفخاذ .. والفتنة بالمردان .. والاختلاط بين الرجال والنساء .. والصد عن ذكر الله وعن الصلاة تركاً أو تأخيراً .. وإيقاع الفرقة والعداوة والبغضاء بين اللاعبين والمشجعين خاصة عند المباريات .. وإثارة الفتن والتحزبات .. وحصول السب والشتم من بعضهم لبعض .. والإشغال عن طلب العلم .. والدعوة إلى الله .. ولما تسببه غالباً من التصادم والكسور بين اللاعبين.
فهي من اللهو الباطل الذي شغل الأعداء به الناس عما خلقوا من أجله وهو العبادة والدعوة إلى الله، نسأل الله السلامة والعافية.
فإن خلت من تلك المحاذير أبيحت.
- حكم أخذ الهدايا من الأسواق التجارية:
الهدايا والجوائز التي تقدم في الأسواق على كمية المبيعات، وفي المسابقات والعروض والمهرجانات الرياضية والتجارية والفنية ومسابقات الرسم والتصوير لذوات الأرواح ومسابقات عرض الأزياء ومسابقات ملكات الجمال ونحو ذلك مما يوقع فيما حرم الله.
كل ذلك من اللعب بعقول الأمة، وأكل أموالها بالباطل، وإضاعة أوقاتها، وإفساد دينها وأخلاقها، واشتغالها بذلك عما خلقت من أجله، فعلى المسلم الحذر من ذلك.
стр. 741
١٦ - العارية
- العارية: هي إباحة نفع عين تبقى بعد استيفائه ثم ردها بلا عوض.
- حكمة مشروعيتها:
قد يحتاج الإنسان إلى الانتفاع بعين من الأعيان وهو لا يستطيع أن يتملكها، ولا يملك مالاً فيدفع أجرتها، وبعض الناس قد لا تقوى نفسه على الصدقة أو الهبة، ومن هنا شرع الإسلام العارية قضاءً لحاجة المستعير، مع حصول الأجر والثواب للمعير ببذل المنفعة لأخيه مع بقاء العين له.
- حكم العارية:
العارية سنة مندوب إليها؛ لما فيها من الإحسان، وقضاء الحاجات، وجلب المودة والمحبة، وتنعقد بكل لفظ أو فعل يدل عليها.
عن أَنَس بن مالك ﵁ قال: كَانَ فَزَعٌ بِالمدِينَةِ فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَساً مِنْ أَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ الْمَنْدُوبُ فَرَكِبَ فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: «مَا رَأَيْنَا مِنْ شَيْءٍ وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْراً». متفق عليه (١).
- شروط صحة العارية:
شروط صحة العارية:
أن تكون العين منتفعاً بها مع بقائها، وأن يكون النفع مباحاً، وأن يكون المعير أهلاً للتبرع، ومالكاً لما يعيره.
- ما تباح إعارته:
يباح إعارة كل ذي نفع مباح كالدار، والدابة، والسيارة، والآلة ونحوها من المباحات.
стр. 742
- ما يحرم إعارته:
يحرم إعارة ما فيه معصية للهِ تعالى كالأواني لشرب الخمر، والدور للبغاء، ونحوها من المحرمات.
- حفظ العارية:
يجب على المستعير المحافظة على العارية وردها سليمة إلى صاحبها، ولا يجوز للمستعير أن يعير العارية لغيره إلا بإذن مالكها.
- ضمان العارية:
تُضمن العارية مطلقاً إن تلفت بيد المستعير سواء فرط أو لم يفرط، فإنَّ على اليد ما أخذت حتى تؤديه، إلا أن يتنازل عنها المعير فيسقط الضمان.
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء/٥٨].
٢ - وعن يعلي ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «إذَا أتتكَ رُسُلي فأعْطِهِم ثلاثينَ دِرْعاً وثلاثينَ بَعيراً» قال: فقلت: يارسول الله، أعاريةٌ مضمونة أو عارية مؤدَّاة؟ قال: «بَلْ مُؤدَّاةٌ». أخرجه أبوداود (١).
- انتهاء عقد العارية:
ينتهي عقد العارية بما يلي:
١ - رد المستعير العارية.
٢ - موت أحد العاقدين أو جنونه.
٣ - الحجر على المعير بسبب الإفلاس.
٤ - الحجر على أحد العاقدين بالسفه.
стр. 743
١٧ - الغصب
- الغصب: هو الاستيلاء على مال غيره قهراً بغير حق، من عقار، ومنقول.
- أقسام الظلم:
الظلم ثلاثة: ظلم لا يتركه الله .. وظلم يُغفر .. وظلم لا يُغفر.
فأما الظلم الذي لا يُغفر فالشرك لا يغفره الله.
وأما الظلم الذي يُغفر فظلم العبد فيما بينه وبين ربه.
وأما الظلم الذي لا يُترك فظلم العباد يقتص الله لبعضهم من بعض.
- حكم الغصب:
الغصب حرام، ولا يحل لأحد أن يأخذ من غيره شيئاً مهما كان إلا بطيبة من نفسه.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ [البقرة/١٨٨].
٢ - وعن سعيد بن زيد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ أَخَذَ شِبْراً مِنَ الأَرْضِ ظُلْماً فَإنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ». متفق عليه (١).
- حكم من أحدث في الأرض المغصوبة:
١ - إذا غَصب أرضاً فغرسها، أو بنى فيها، لزمه القلع، وإزالة البناء، وضمان النقص، والتسوية إن طالبه المالك بذلك، وإن تراضيا على القيمة جاز.
٢ - إذا زرع الغاصب الأرض وردها بعد أخذ الزرع فهو للغاصب وعليه أجرة الأرض لمالكها، وإن كان الزرع قائماً فيها، خُيِّر ربها بين تركه إلى الحصاد بأجرة مثله، وبين أخذه بنفقته.
стр. 744
- حكم رد المغصوب:
يجب على الغاصب رد ما غصبه على صاحبه ولو غرم أضعافه؛ لأنه حق غيره فوجب رده، وإن اتجر في المغصوب فالربح بينهما مناصفة، وإن كانت للمغصوب أجرة فعلى الغاصب رده وأجرة مثله مدة بقائه في يده.
- الحكم إذا غير المغصوب:
إذا نسج الغاصب الغزل، أو قصّر الثوب، أو نجر الخشب ونحو ذلك لزمه رده لمالكه وأرش نقصه، ولا شيء للغاصب.
- حكم خلط المغصوب بغيره:
إذا خلط الغاصب ما أخذه بما لا يتميز كزيت بمثله، أو أرز بمثله ونحوهما، فإن لم تنقص القيمة ولم تزد فهما شريكان بقدر ماليهما، وإن نقصت ضمنها الغاصب، وإن زادت قيمة أحدهما فلصاحبه.
- الحكم إذا تلف المغصوب:
ما تلف أو تعيَّب من مغصوب مثلي غرم مثله، وإلا يكن مثلي فقيمته يوم تعذَّر المثل.
- حكم تصرفات الغاصب:
تصرفات الغاصب من بيع ونكاح وحج ونحو ذلك موقوفة على إجازة المالك، فإن أجازها وإلا بطلت.
- من يُقبل قوله في الغصب:
القول في قيمة التالف أو قدره أو صفته قول الغاصب مع يمينه ما لم تكن بينة للمالك، والقول في رده وعدم عيبه قول المالك ما لم تكن بينة.
стр. 745
- حكم من فوَّت الملك على غيره:
١ - إذا فتح قفصاً، أو باباً، أو حَلّ وكاءً، أو رباطاً، أو قيداً، فذهب ما فيه، أو تلف، ضمنه، سواء كان مكلفاً أو غير مكلف؛ لأنه فَوّته عليه.
٢ - من اقتنى كلباً عقوراً، أو أسداً، أو ذئباً فأطلقه، أو طيراً جارحاً، فأتلف شيئاً ضمنه.
- حكم ما أتلفته البهائم:
إذا أتلفت البهائم شيئاً من الزروع ونحوها ليلاً ضمنه صاحبها؛ لأن عليه حفظها ليلاً، وما أتلفته نهاراً لم يضمنه؛ لأن على أهل المزارع حفظها نهاراً، إلا إن فَرَّط صاحبها فيضمن ما أتلفته.
- أحكام رد المغصوب:
١ - إذا أراد رد المغصوب وجهل صاحبه سلمه الحاكم إن كان عدلاً، أو تصدق به عنه، ويضمنه إن لم يجزه صاحبه فيما بعد.
٢ - إذا كانت بيد الغاصب أموال مغصوبة، وسرقات، وأمانات، وودائع للناس، ورهون ونحوها، ولم يعرف أصحابها، فله الصدقة بها، وله صرفها في مصالح المسلمين ويبرأ من عهدتها، وله تسليمها للحاكم الأمين.
- حكم المال الحرام:
من كسب مالاً حراماً كثمن خمر ثم تاب، فإن كان لم يعلم بالتحريم ثم علم جاز له أكله، وإن كان يعلم بالتحريم ثم تاب فإنه يتخلص منه فينفقه في وجوه البر ولا يأكله.
- حكم إتلاف الأشياء المحرمة:
لا ضمان في إتلاف آلات اللهو، والصلبان، وأواني الخمر، وكتب الضلال والمجون، وآلات السحر ونحوها؛ لأنها محرمة لا يجوز بيعها، لكن يكون
стр. 746
إتلافها بأمر الحاكم ورقابته؛ ضماناً للمصلحة، ودفعاً للمفسدة.
- حكم ما أكلته النار:
مَنْ أَجَّج ناراً بملكه فتعدت إلى ملك غيره بتفريطه فأتلفت شيئاً ضمنه، لا إن طرأت ريح فلا ضمان عليه؛ لأنه ليس من فعله، ولا بتفريطه.
- حكم هلاك البهائم على الطرق:
البهائم إذا اعترضت الطرق العامة المعبدة بالإسفلت ونحوه، فضربتها سيارة فهلكت، فهي هدر لا ضمان على مَنْ أتلفها إن لم يفرط أو يتعدَّ، وصاحبها آثم بتركها وإهمالها، واعتراضها في طرق السيارات.
- حكم المال المغصوب:
يحرم على الغاصب الانتفاع بالمغصوب، ويجب عليه رده، وكذا سائر المظالم.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ قَبْلَ أَنْ لا يَكُونَ دِيْنَارٌ وَلا دِرْهَمٌ، إنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ». أخرجه البخاري (١).
- يحق للإنسان الدفاع عن نفسه وماله إذا قصده آخر لقتله، أو أَخْذ ماله.
عن أبي هريرة ﵁ قال: جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُوْلَ الله أَرَأَيْتَ إنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: «فَلا تُعْطِهِ مَالَكَ» قَالَ أَرَأَيْتَ إنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: «قَاتِلْهُ» قَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: «فَأَنْتَ شَهِيْدٌ» قَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: «هُوَ فِي النَّارِ». أخرجه مسلم (٢).
стр. 747
١٨ - الشفعة والشفاعة
- الشفعة: هي استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه من يد مشتريها بالثمن الذي استقر عليه العقد مع المشتري.
- حكمة مشروعية الشفعة:
الشفعة من محاسن الإسلام، شرعت لدفع الضرر عن الشريك؛ لأنه ربما يشتري نصيب شريكه عدو له، أو ذو أخلاق سيئة فيحدث بسبب ذلك التباغض، ويتأذى الجار، وفي ثبوت الشفعة دفع للأذى والضرر.
- حكم الشفعة:
الشفعة جائزة للشفيع، وتثبت الشفعة في كل شيء لم يقسم من أرض، أو دار، أو حائط، ويحرم التحيُّل لإسقاطها؛ لأنها شُرعت لإزالة الضرر عن الشريك.
عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قَضَىَ النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلا شُفْعَةَ. متفق عليه (١).
- وقت الشفعة:
١ - الشفعة حق للشريك متى علم بالبيع، فإن أخرها بطلت شفعته إلا أن يكون غائباً، أو معذوراً فيكون على شفعته متى قدر عليها، وإن أمكنه الإشهاد على المطالبة بها ولم يشهد بطلت شفعته.
٢ - إذا مات الشفيع ثبتت الشفعة لورثته، ويأخذ الشفيع المبيع بكل الثمن، فإن عجز عن بعضه سقطت.
- ثبوت الشفعة:
لا يجوز للشريك أن يبيع نصيبه حتى يؤذِن شريكه، فإن باع ولم يؤذِنه فهو أحق به، وإن أذن له وقال لا غرض لي فيه لم يكن له المطالبة به بعد البيع.
стр. 748
- حكم شفعة الجار:
الجار أحق بشفعة جاره، فإذا كان بين الجارين حق مشترك من طريق أو ماء ثبتت الشفعة لكل منهما لقوله ﵊: «الجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ يُنْتَظَرُ بِهَا وَإنْ كَانَ غَائِباً إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِداً». أخرجه أبو داود
وابن ماجه (١).
- الشفاعة: هي طلب العون للغير.
- أقسام الشفاعة:
الشفاعة قسمان: حسنة وسيئة.
١ - الشفاعة الحسنة: هي ما كانت فيما استحسنه الشرع، كأن يشفع لإزالة ضرر، أو جَرّ منفعة إلى مُسْتَحِق، أو رفع مظلمة عن مظلوم، فهذه محمودة، وصاحبها مأجور.
٢ - الشفاعة السيئة: هي ما كانت فيما حرَّمه الشرع، كأن يشفع في إسقاط حد، أو هضم حق، أو إعطائه لغير مستحقه، فهذه مذمومة، وصاحبها مأزور غير مأجور.
قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾ [النساء/٨٥].
стр. 749
١٩ - الوديعة
- الوديعة: هي المال المدفوع إلى من يحفظه بلا عوض.
- حكمة مشروعيتها:
قد تطرأ على الإنسان أحوال يكون فيها غير قادر على حفظ ماله، إما لفقد المكان، أو لعدم الإمكان، ويكون عند غيره من إخوانه القدرة على حفظ ماله.
ومن هنا أباح الإسلام الوديعة لحفظ المال من جهة، وكسب الأجر من جهة المودَع، وفي حفظها ثواب جزيل، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
- حكم الوديعة:
الوديعة عقد جائز، إن طلبها صاحبها وجب ردها إليه، وإن ردها المستودَع لزم صاحبها قبولها.
والوديعة مباحة للمودِع، سنة للمودَع عنده؛ لأنها من الإحسان الذي يحبه الله، وفيها قضاء حاجة المسلم.
- حكم قبول الوديعة:
يستحب قبول الوديعة لمن علم أنه قادر على حفظها؛ لأنه من التعاون على البر والتقوى، وفيها ثواب جزيل، وتكون من جائز التصرف لمثله.
- ضمان الوديعة:
١ - إذا تلفت الوديعة من بين ماله ولم يتعد ولم يفرط لم يضمن، ويلزم حفظها في حرز مثلها، فإن أذن للمودَع أن يتصرف فيها صارت قرضاً مضموناً.
٢ - إذا حصل خوف وأراد المودَع أن يسافر فإنه يجب عليه رد الوديعة إلى صاحبها أو وكيله، فإن لم يمكن دَفَعها إلى الحاكم إن كان عدلاً، فإن لم يمكن أودعها عند ثقة ليردها إلى صاحبها.
стр. 750
٣ - من أودع دابة فركبها لغير نفعها، أو دراهم فأخرجها من حرزها أو خلطها بغير متميز فضاع الكل أو تلف ضمن.
٤ - المودَع أمين لا يضمن إلا إن تعدى أو فرط، ويُقبل قول المودَع مع يمينه في رد الوديعة، وتلفها، وعدم التفريط، ما لم تكن بينة.
- حكم رد الوديعة:
١ - الوديعة مالاً كانت أو غيره أمانة عند المودَع، يجب ردها عندما يطلبها صاحبها، فإن لم يَردها بعد طلب صاحبها من غير عذر فتلفت ضمنها.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء/٥٨].
٢ - إذا طلب أحد المودعين نصيبه من مكيل، أو موزون، أو معدود ينقسم، أعطي إياه.
- حكم الأموال المودعة في البنك:
الأموال المودعة في البنك قرض لا وديعة؛ لأن البنك يتصرف فيها بالتجارة، والوديعة تُحفظ ولا يُتصرف فيها.
فعلى هذا إذا احترق البنك بأمواله بدون تعد ولا تفريط،، ضمن البنك القروض، ولا يضمن الودائع؛ لأن المودَع أمين قَبَض المال بإذن صاحبه، ولمصلحة مالكه، فلا يضمن إلا إن تعدى أو فرط.
والمستقرض استقرض لمصلحة نفسه بإذن مالكه، فيضمن القرض لصاحبه.
стр. 751
٢٠ - إحياء الموات
الموات: الأرض التي لا مالك لها، وهي الأرض المنفكة عن لاختصاصات، وملك معصوم.
والاختصاصات كمجاري السيول، ومواضع الحطب، ومناطق الرعي، المصالح العامة كالحدائق والمقابر.
ومُلك المعصوم هو ما مَلَكه الإنسان، والمعصوم من بني آدم أربعة:
المسلم .. والمعاهد .. والذمي .. والمستأمن.
فهؤلاء لا يجوز لأحد الاعتداء على ما يملكون.
- حكمة مشروعية إحياء الموات:
إحياء الموات فيه اتساع دائرة الرزق، وانتفاع المسلمين بما يخرج منها من طعام وغيره، ومن زكاة تُفَرَّق على المستحقين.
- فضل إحياء الموات لمن حسنت نيته:
عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ».متفق عليه (١).
- حكم إحياء الموات:
١ - من أحيا أرضاً ميتة ليست لأحد فهي له، من مسلم وذمي، بإذن الإمام وعدمه، في دار الإسلام وغيرها، ما لم تتعلق بمصالح المسلمين كالمقبرة، ومحل الاحتطاب، وموات الحرم، وعرفات فلا يملك بالإحياء.
عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَعْمَرَ أَرْضاً لَيْسَتْ لأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ». أخرجه البخاري (٢).
стр. 752
٢ - وإذا رأى الإمام ضبط الأمور، وتحقيق العدل، وقطع النزاع، فأمر الناس أن يستأذنوا عند الإحياء فتجب طاعته؛ لأن طاعة ولي الأمر واجبة في غيرمعصية الله.
- كيفية إحياء الأرض الموات:
يحصل إحياء الأرض بما يلي:
إما بحائط منيع مما جرت به العادة، أو بإجراء الماء، أو حفر بئر فيها، أو غرس شجر، ويُرجع في ذلك إلى العرف، فما عده الناس إحياءً فإنه تملك به الأرض الموات.
فَمَنْ أحياها إحياءً شرعياً ملكها بجميع ما فيها، كبيرة كانت أو صغيرة، وإن عجز فللإمام أخذها وإعطاؤها لمن يقدر على إحيائها.
- حكم تملُّك الأرض القريبة:
الأرض الواقعة في البلد، أو القريبة منه لا تُملك إلا بإذن الإمام.
فقد يحتاجها المسلمون لمقبرة، أو بناء مسجد، أو مدرسة أو نحوها، وامتلاكها يفوِّت هذه المصالح العامة.
الأرض الموات التي ينحدر سيلها إلى أرض مملوكة فهي تبع لها على وجه الاختصاص، لا يسوغ إحياؤها، ولا إقطاعها لغير أهل الأرض المملوكة إلا بإذنهم، دفعاً للضرر عنهم.
- ما يجوز للإمام إقطاعه:
يجوز للإمام إقطاع موات لمن يحييه، وإقطاع الجلوس في الأسواق الواسعة للبيع والشراء ما لم يُضيق على الناس، ومن غير إقطاع يجوز الجلوس فيها لمن سبق، فإن سبقا معاً اقترعا، وإذا اختلف الناس في الطريق جُعل سبعة أذرع، وللحاكم تنفيذ ما تتحقق به المصلحة العامة.
стр. 753
- حكم الحجر على الأرض:
التحجر لا يفيد التملك، وإنما يفيد الاختصاص، والأحقية من غيره كأن يحيط الأرض بجدار ليس بمنيع، أو بشبك، أو خندق، أو حاجز ترابي، أو يحفر بئراً ولا يصل إلى الماء، فيضرب له ولي الأمر مدة لإحيائها، فإن أحياها إحياءً شرعياً وإلا نزعها من يده، وسلَّمها لمتشوِّف لإحيائها.
يجوز لمن في أعلى الماء المباح كماء النهر، والوادي، السقي، وحبس الماء إلى الكعبين، ثم يرسله إلى مَنْ تحته.
- حكم اتخاذ الحِمى:
يجوز للإمام دون غيره حمى مرعىً للدواب والخيل التي تتبع بيت مال المسلمين كخيل الجهاد، وإبل الصدقة ونحوهما ما لم يضر بالمسلمين.
- مَنْ سبق إلى مباح وحازه فهو له كصيد، وعنبر، وحطب ونحو ذلك.
- المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء، والكلأ، والنار، ولا يجوز الحمى إلا لمصالح المسلمين العامة.
- حكم التعدي على حق الغير:
يحرم على المسلم الاعتداء على حق غيره من مال، أو عقار وغيرهما.
١ - عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ ظَلَمَ قِيْدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ». متفق عليه (١).
٢ - وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : «مَنْ أَخَذَ مِنَ الأَرْضِ شَيْئاً بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَومَ القِيَامَةِ إلَى سَبْعِ أَرَضِينَ». أخرجه البخاري (٢).
стр. 754
٢١ - الجعالة
- الجعالة: هي جعل مال معلوم لمن يعمل له عملاً مباحاً معلوماً أو مجهولاً كبناء حائط، أَوْ رَدِّ شارد ونحوهما.
- حكم الجعالة: جائزة؛ لحاجة الناس إليها، ولكلٍ من الطرفين فسخها إلا إذا تضمنت ضرراً على الآخر، فلا يجوز فسخها.
قال الله تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾ [يوسف/٧٢].
- صفة الجعالة:
أن يقول الإنسان مثلاً: مَنْ بنى لي هذا الجدار، أو خاط هذا الثوب، أو رَدَّ هذا الفرس فله كذا مالاً، فمن فعله استحق الجُعْل.
والفرق بين الإجارة والجعالة: أن الإجارة مع شخص معين بنفسه، والجعالة مع كل أحد، فلمن شاء قام بالعمل وأخذها.
- حكم فسخ الجعالة:
يجوز فسخ الجعالة، فإن كان الفسخ من العامل لم يستحق شيئاً.
وإن كان الفسخ من الجاعل:
فإن كان قبل الشروع في العمل لم يستحق العامل شيئاً.
وإن كان بعده فللعامل أجرة عمله.
- حكم من بذل منفعة:
١ - من رد لقطة أو ضالة أو نحوهما من غير جعل لم يستحق عوضاً، ويستحب إعطاؤه ما تيسر.
٢ - من استنقذ مال غيره من الهلكة ورده إلى صاحبه استحق أجرة المثل ولو بغير شرط.
стр. 755
٢٢ - اللقطة واللقيط
- اللقطة: هي مال أو مختص ضل عنه ربه والتقطه غيره.
- حكم اللقطة:
جواز أخذ اللقطة وتعريفها من محاسن الإسلام؛ لما فيها من حفظ مال الغير، وحصول الأجر لمن التقطها وعرَّفها.
- المال الضائع على ثلاثة أقسام:
١ - ما لا تتبعه همة أوساط الناس كالسوط، والعصا، والرغيف، والثمرة ونحوها، فهذا يُملك بأخذه إن لم يجد صاحبه، ولا يجب تعريفه، والأفضل أن يتصدق به.
٢ - الضوال التي تمتنع من صغار السباع كالإبل، والبقر، والخيل، والضبا، والطيور ونحوها فهذه لا تُلتقط، وَمَنْ أخذها لزمه ضمانها وتعريفها أبداً.
٣ - سائر الأموال كالنقود والأمتعة والحقائب والحيوانات التي لا تمتنع بنفسها من السباع كالغنم والفصلان ونحوها، فهذه يجوز أخذها إن أمن نفسه عليها، وقوي على تعريفها، فَيُشهد عليها عدلين، ويحفظ عفاصها ووكاءها، ثم يعرِّفها سنة كاملة في المجتمعات العامة كالأسواق، وأبواب المساجد ونحوها من وسائل الإعلام المباحة.
- حكم اللقطة بعد التعريف:
١ - إذا عَرَّف اللقطة سنة كاملة، فإن وجد صاحبها سلمها إليه بلا بينة ولا يمين، وإن لم يجده عَرَف صفاتها وقدرها ثم تصرف فيها وَتَمَلَّكها، ومتى جاء صاحبها فوصفها دفعها إليه أو مثلها إن كانت قد تلفت.
٢ - إن هلكت اللقطة أو تلفت في حول التعريف بغير تعدٍّ منه ولا تفريط فلا ضمان عليه.
стр. 756
- ما يفعل باللقطة:
إن كانت اللقطة شاة، أو فصيلاً، أو نحوهما، أو ما يُخشى فساده، فللملتقط أن يفعل الأحظ لمالكه من أكله وعليه قيمته، أو بيعه وحِفْظ ثمنه، أو حفظه مدة التعريف، ويرجع بما أنفق عليه على مالكه.
عن زيد بن خالد ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن اللقطة، الذهب، أو الوَرِق؟ فقال: «اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً فَإنْ لَمْ تَعْرِفْ فَاسْتَنْفِقْهَا وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ فَإنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْماً مِنَ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إلَيْهِ».
وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الإبلِ فَقَالَ: «مَا لَكَ وَلَهَا دَعْهَا فَإنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا تَرِدُ المَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَها رَبُّهَا».
وَسَأَلَهُ عَنِ الشَّاةِ فَقَالَ: «خُذْهَا فَإنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ».
متفق عليه (١).
- السفيه والصغير يُعرِّف لقطتهما وليهما.
- حكم لقطة الحرم:
لقطة الحرم لا يجوز أخذها إلا إذا خاف عليها التلف أو الضياع، ويجب على آخذها تعريفها ما دام في مكة.
وإذا أراد الخروج سلّمها لجهات الاختصاص من حاكم أو نائبه، أو من ينوب عنه، ولا يجوز تَمَلُّك لقطة مكة بحال، ولا يجوز أخذها إلا لمن يُعرِّفها أبداً، أما لقطة الحاج فيحرم التقاطها سواء كانت في الحل أو الحرم.
عن ابن عباس ﵄، عن النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «حَرَّمَ اللَّهُ مَكَّةَ فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا لِأَحَدٍ بَعْدِي، أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ» فَقَالَ الْعَبَّاسُ
стр. 757
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: إِلَّا الْإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا؟ فَقَالَ: «إِلَّا الْإِذْخِرَ» متفق عليه (١).
- حكم إنشاد الضالة في المسجد:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ سَمِعَ رَجُلاً يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي المَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: «لا رَدَّهَا الله عَلَيْكَ فَإنَّ المَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا». أخرجه مسلم (٢).
- اللقيط: هو طفل لا يُعرف نسبه ولا رِقّه، نُبِذ في مكان، أو ضل الطريق.
- حكم التقاطه: فرض كفاية، ولمن أخذه وربَّاه أجر عظيم.
- حكم اللقيط:
اللقيط إذا وُجِدَ في دار الإسلام حُكِمَ بإسلامه، ويُحْكَمُ بحرِّيَّته أينما وجد؛ لأنها الأصل ما لم يتبين خلاف ذلك.
- حضانة اللقيط:
حضانة اللقيط لواجده إن كان مكلفاً، أميناً، عدلاً، ونفقته على بيت مال المسلمين، وإن وُجِدَ معه شيء أُنْفِقَ عليه منه.
- حكم ميراث اللقيط وديته:
ميراث اللقيط وديته لبيت المال إن لم يخلِّف وارثاً، ووليّه في قتل العمد الإمام، يخيَّر فيه بين القصاص والدية لبيت المال.
- من يُرَدّ إليه اللقيط:
إن أقر رجل أو امرأة ذات زوج مسلم أو كافر أنه ولده لحق به، وإن ادعاه جماعة قُدِّم ذو البينة، فإن لم تكن بينة فَمَنْ ألحقته القافة به لحقه.
стр. 758
٢٣ - الوقف
- الوقف: هو تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة؛ طلباً للثواب من الله .
- حكمة مشروعية الوقف:
يَرْغب مَنْ وَسَّع الله عليهم من ذوي الغنى واليسار أن يتزودوا من الطاعات، ويكثروا من القربات، فيجعلوا شيئاً من أموالهم العينية مما يبقى أصله وتستمر منفعته وقفاً؛ خشية أن يؤول بعد الموت إلى من لا يحفظه ولا يصونه، لذا شرع الله الوقف.
- حكم الوقف:
الوقف مستحب، وهو من أفضل الصدقات التي حث الله تعالى عليها، وأجلّ أعمال القُرَب والبر والإحسان وأعمّها وأكثرها فائدة، وهو من الأعمال التي لا تنقطع بعد الموت، ويصح بكل قول أو فعل يدل عليه.
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلاثَةٍ إلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ». أخرجه مسلم (١).
- شروط صحة الوقف:
يشترط لصحة الوقف ما يلي:
١ - أن يكون في عين معلومة يُنتَفع بها مع بقاء عينها.
٢ - أن يكون على بر كالمساجد، والقناطر، والأقارب، والفقراء.
٣ - أن يقف على معين من جهة كمسجد كذا، أو شخص كزيد مثلا، أو صنف كالفقراء.
٤ - أن يكون الوقف مؤبداً، مُنَجَّزاً غير مؤقت ولا معلَّق إلا إذا علَّقه بموته.
стр. 759
٥ - أن يكون الواقف ممن يصح تصرفه.
- ما ينعقد به الوقف:
ينعقد الوقف بالقول كأن يقول: وَقَّفت، وحَبَّست، وسَبَّلت ونحوها.
ويصح بالفعل كمن بنى مسجداً وأَذِنَ للناس بالصلاة فيه، أو مقبرة وأَذِنَ للناس بالدفن فيها.
- صفة التصرف في الوقف:
يجب العمل بشرط الواقف في جمع، وتقديم، وترتيب ونحوها ما لم يخالف الشرع، فإن أطلق ولم يشترط عُمِل بالعادة والعرف ما لم يخالف الشرع، وإلا فهم سواء في الاستحقاق.
- ما يشترط في العين الموقوفة:
يشترط في العين الموقوفة المنفعة دائماً من عقار، وحيوان، وبستان، وسلاح، وأثاث ونحوها، وأن تكون مباحة النفع.
ويستحب أن يكون الوقف من أطيب المال وأحسنه.
- كيف يُكتَب الوقف:
عن ابن عمر ﵄ قال: أصاب عمر بخيبر أرضاً، فأتى النبي ﷺ فقال: أَصَبْتُ أَرْضاً لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطُّ أَنْفَسَ مِنْهُ فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَالَ: «إنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا» فَتَصَدَّقَ عُمَرُ أَنَّهُ لا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلا يُوْهَبُ وَلا يُوْرَثُ، فِي الفُقَرَاءِ وَالقُرْبَى وَالرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ الله وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ، لا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالمَعْرُوفِ أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقاً غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ. متفق عليه (١).
стр. 760
- أحكام الوقف:
١ - إذا وقف على جماعة يمكن حصرهم وجب تعميمهم، والتساوي بينهم، فإن لم يمكن جاز التفضيل والاقتصار على بعضهم.
٢ - إذا وقف على أولاده، ثم على المساكين، فهو لأولاده الذكور والإناث وأولادهم وإن نزلوا للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن كان لبعضهم عيال، أو به حاجة، أو عاجزاً عن الكسب، أو خص ذا الدين والصلاح بالوقف فلا بأس.
٣ - إذا قال: هذا الوقف وقف على أبنائي أو بني فلان اختص بالذكور دون الإناث إلا أن يكون الموقوف عليهم قبيلة كبني هاشم ونحوها فيدخل النساء مع الرجال.
- الحكم إذا تعطلت منافع الوقف:
الوقف عقد لازم لا يجوز فسخه، ولا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، ولا يرهن، فإن تَعَطَّلت منافعه بخراب أو غيره، وجب بيعه، ويصرف ثمنه في مثله كالمسجد تتعطل منافعه يباع وينقل لمسجد آخر؛ حفظاً لمصلحة الوقف، ما لم يترتب على ذلك مفسدة، أو مضرة لأحد.
- حكم تغيير صورة الوقف:
يستحب تغيير صورة الوقف إذا تعطلت بعض منافعه للمصلحة كجعل الدور حوانيت، والبساتين دوراً، ونفقة الوقف من غلته ما لم يشترط من غيرها، وتجوز مخالفة نص الواقف إلى ما هو أصلح وأنفع وأحب إلى الله تعالى.
- ناظر الوقف:
إذا لم يعين الواقف ناظراً للوقف، فالنظر يكون للموقوف عليه إن كان معيناً، وإن كان على جهة كالمساجد، أو مَنْ لا يمكن حصرهم كالمساكين، فالنظر على الوقف للحاكم.
стр. 761
- أفضل أبواب الوقف:
أفضل أبواب الوقف ما عمَّت منفعته المسلمين في كل زمان ومكان.
كالوقف على المساجد .. ودور العلم الشرعي .. وطلبة العلم .. والمجاهدين في سبيل الله .. والأقارب .. وفقراء المسلمين وضعفائهم .. والأيتام والأرامل .. والعيون وآبار الماء .. والمزارع والبساتين ونحو ذلك.
- الوقف أصل ثابت يجوز دفعه إلى آخر يقوم بتعميره من ماله بنسبة معينة من الرَّيع.
- حكم زكاة الوقف:
الوقف له حالتان:
الأولى: أن يكون الوقف على جهة تستحق الزكاة كالفقراء، والمساكين، فهذا لا زكاة فيه.
الثانية: أن يكون الوقف على جهة لا تستحق الزكاة، فهذا بمجرد صرف الأموال لكل واحد من الموقوف عليهم يستقبل به الحول، ثم يزكيه إذا حال عليه الحول، وبلغ النصاب.
- حكم وقف الكافر:
الوقف قربة يتقرب بها العبد إلى الله .
ويصح الوقف المشروع من الكافر، لكن يثاب على صدقاته في الدنيا، ولا حظ له من الثواب في الآخرة؛ لكفره المانع من قبول عمله.
عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا.»
أخرجه مسلم (١).
стр. 762
٢٤ - الهبة والصدقة
- المواساة بالمال على ثلاث مراتب:
الأولى: أن تُنزِّل المحتاج منزلة عبدك، فتعطيه ابتداءً، ولا تحوجه إلى السؤال، وهي أدناها.
الثانية: أن تُنزِّله منزلة نفسك، وترضى بمشاركته إياك في مالك.
الثالثة: وهي أعلاها أن تُؤثره على نفسك، وهذه مرتبة الصِّدِّيقين.
- الهبة: هي تمليك المال في الحياة لغيره بغير عوض، وفي معناها الهدية والعطية.
- الصدقة: هي ما يُعطى للفقراء والمحتاجين من مال؛ طلباً للثواب من الله تعالى.
- حكم الهبة والصدقة:
الهبة والصدقة كلاهما مستحب، وقد حث الإسلام على الهبة والهدية والعطية والصدقة؛ لما فيها من تأليف القلوب، وتوثيق عرى المحبة بين الناس، وتطهير النفوس من رذيلة البخل والشح والطمع، وجَعَلَ لمن فعل ذلك ابتغاء وجه الله تعالى الأجر الجزيل، والثواب العظيم.
- هدي النبي ﷺ في الإنفاق:
الله جواد كريم، يحب الجود والسخاء، وكان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، وكان يقبل الهدية، ويثيب عليها، ويدعو إلى قبولها، ويُرَغِّبُ فيها، وكان أعظم الناس صدقة بما ملكت يده، لا يسأله أحد شيئاً إلا أعطاه، قليلاً كان أو كثيراً، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وكان العطاء والصدقة أحب شيء إليه.
وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظم من سرور الآخذ بما يأخذه منه، إذا عرض له محتاج آثره على نفسه.
стр. 763
وكان ينوِّع في أصناف عطائه وصدقته، تارة بالهبة، وتارة بالصدقة، وتارة بالهدية، وتارة يشتري الشيء فيعطي أكثر من ثمنه، وتارة يقترض الشيء فيرد أكثر منه، وتارة يشتري الشيء ثم يعطي البائع الثمن والسلعة جميعاً، ولذلك كان أشرح الناس صدراً، وأطيبهم نفساً، وأنعمهم قلباً فصلوات الله وسلامه عليه.
- فضل الجود والإحسان:
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)﴾ [البقرة/ ٢٧٢].
٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلا يَقْبَلُ الله إلَّا الطَّيِّبَ وَإنَّ الله يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ». متفق عليه (١).
- حكم أخذ العطاء:
مَنْ جاءه مال، أو شيء، من غير إشراف، ولا مسألة فليقبله ولا يرده، فإنما هو رزق ساقه الله إليه، فإن شاء تموَّله، وإن شاء تصدق به.
عن ابن عمر ﵄ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يُعْطِي عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ العَطَاءَ فَيَقُولُ لَهُ عُمَرُ: أعْطِهِ يَا رَسُولَ الله أفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : «خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ أوْ تَصَدَّقْ بِهِ، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا المَالِ وَأنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لا فَلا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ». متفق عليه (٢).
- تجوز الصدقة على المسلم وغيره من أهل الأديان.
- ما تنعقد به الهبة:
تنعقد الهبة بأي صيغة تفيد تمليك المال بلا عوض كوهبتك، أو أهديتك، أو
стр. 764
أعطيتك، وبكل معاطاة دالة عليها، وتجوز هبة كل عين يصح بيعها، ويكره ردها وإن قَلَّت.
- كيف يعطي الإنسان أولاده:
١ - يجوز للإنسان أن يُعطي أولاده حال حياته، ويجب عليه التسوية بينهم على حسب ميراثهم، فإن فَضَّل بعضهم على بعض سُوِّي برجوع أو زيادة.
٢ - إذا أعطى الإنسان أحد أولاده لمعنى فيه من حاجة، أو زَمانة، أو كثرة أولاد، أو مرض، أو لاشتغاله بالعلم ونحوه جاز التخصيص من أجل ذلك، ويحرم ذلك على سبيل الأثرة.
عن النعمان بن بشير ﵄ أنه قال: إن أباه أتى به رسول الله ﷺ فقال: إني نَحَلْت ابني هذا غلاماً كان لي، فقال رسول الله ﷺ : «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا؟» فقال: لا، فقال رسول الله ﷺ : «فَارْجِعْهُ». متفق عليه (١).
- حكم الرجوع في الهبة:
لا يجوز لواهب أن يرجع في هبته المقبوضة إلا الأب، ويجوز للأب أن يأخذ من مال ولده ما لا يضره ولا يحتاجه، وليس للولد مطالبة أبيه بدين ونحوه إلا بنفقته الواجبة عليه.
عن ابن عباس ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ». متفق عليه (٢).
- ما يسن للمهدي والمهدى له:
الهدية عبادة، تجلب المحبة والمودة.
ويستحب الإهداء للأقارب، والأصدقاء، والوجهاء، والكبار وسائر الناس.
ويستحب قبول الهدية، والإثابة عليها؛ مقابلة للجميل بمثله، أو أفضل منه؛ لئلا
стр. 765
يكون لأحد عليه منَّة، فإن لم يجد دعا له.
١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا. أخرجه البخاري (١).
٢ - وعن أسامة بن زيد ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ صُنِعَ إلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ الله خَيْراً فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ». أخرجه الترمذي (٢).
- أفضل الصدقة:
عن أبي هريرة ﵁ قال: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﵊ فَقَالَ: يَارَسُولَ الله أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْراً؟ قَالَ: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الفَقْرَ وَتَأْمُلُ الغِنَى وَلا تُمْهِلُ حَتَّى إذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلانٍ كَذَا وَلِفُلانٍ كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلانٍ». متفق عليه (٣).
- حكم العطاء عند الموت:
مَنْ مرضه مَخوف كالطاعون، وذات الجَنْب ونحوهما فلا يلزم ولا يصح تبرعه لوارث بشيء إلا بإجازة الورثة بعد الموت، كما لا يلزم ولا يصح تبرعه بما فوق الثلث لغير وارث إلا بإجازة الورثة لها بعد الموت.
- مَنْ شفع لأخيه بشفاعة فأهدى له هدية عليها فَقَبِلها فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا.
- حكم رد الهدية:
يجوز رد الهدية لسبب كأن يعلم أن المُهْدي صاحب مِنَّة، أو يُعيِّرك بها، أو يتحدث بها ونحو ذلك، ويجب رد الهدية إذا كانت مسروقة أو مغصوبة.
стр. 766
- حكم الهدية للمشرك وقبولها منه:
تجوز الهدية للمشرك وقبولها منه؛ تأليفاً لقلبه، وطمعاً في إسلامه.
١ - قال الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ ... ] الممتحنة/٨ [.
٢ - وعن أنس ﵁ قال: أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ جُبَّةُ سُنْدُسٍ وَكَانَ يَنْهَى عَنِ الْحَرِيرِ فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا». متفق عليه (١).
٣ - وعن أسماء ﵂ قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ إِذْ عَاهَدَهُمْ فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: «نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ». متفق عليه (٢).
- حكم الهدية لمصلحة:
مَنْ أهدى هدية لولي أمر ليفعل معه ما لا يجوز، كان حراماً على المهدي والمهدى إليه، وهي من الرشوة الملعون آخذها ومعطيها، وإن أهداه هدية ليكف ظلمه عنه، أو ليعطيه حقه الواجب كانت هذه الهدية حراماً على الآخذ، وجاز للدافع أن يدفعها إليه؛ اتّقاء لشره، وحفظاً لحق الدافع.
- خير الصدقة:
خير الصدقة وأفضلها ما كان عن ظهر غنى، وأن يبدأ بمن يعول، لقوله ﵊: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلأَهْلِكَ، فَإنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذَا
стр. 767
وَهَكَذَا». يَقُولُ: فَبَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ. أخرجه مسلم (١).
- فضل النفقة في وجوه البر:
النفقة في سبيل الله وفي مصالح المسلمين من أعظم القُرَب.
وثوابها الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والنفقة في سبيل الله بسبعمائة حسنة، والله يضاعف لمن يشاء.
ويتفاوت الإنفاق بحسب حال المنفق ونيته، وإيمانه، وإخلاصه، وإحسانه، وانشراح صدره، وسروره بذلك، وبحسب قدر النفقة، ونفعها، ووقوعها موقعها، وبحسب طيب المنفَق منه، وسلامته، وطهارته، وكيفية إنفاقه.
١ - قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾
[البقرة/ ٢٦١].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾
[البقرة/ ٢٧٤].
٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إسْلامَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ».
متفق عليه (٢).
стр. 768
٢٥ - الوصية
- الوصية: هي الأمر بالتصرف بعد الموت، أو التبرع بالمال بعد الموت.
- حكمة مشروعية الوصية:
شرع الله على لسان رسوله ﷺ الوصية لطفاً بعباده، ورحمة بهم، حينما جعل للمسلم نصيباً من ماله يفرضه قبل وفاته في أعمال البر التي تعود على الفقراء، والمحتاجين بالخير والفضل، ويعود على الموصي بالثواب والأجر في وقتٍ حيل بينه وبين العمل.
قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة/١٨٠].
- حكم الوصية:
١ - الوصية مستحبة لمن له مال كثير، ووارثه غير محتاج، فيوصي بشيء من ماله لا يتجاوز الثلث، يُصرف في وجوه البر والإحسان؛ ليصل إليه ثوابه بعد موته.
٢ - وتجب الوصية على من في ذمته دين للهِ تعالى، أو لآدمي، أو عنده أمانة لغيره فيكتبها ويبينها؛ لئلا تضيع الحقوق، أو ترك مالاً كثيراً فيلزمه أن يوصي لأقاربه غير الوارثين بما لا يزيد على الثلث.
٣ - الوصية المحرمة كأن يوصي لأحد الورثة كابنه الأكبر، أو زوجته، بمال من بين سائر الورثة.
- مقدار المال الموصى به:
تسن الوصية لمن له وارث بالخمس، أو الربع، إن ترك خيراً -وهو المال الكثير عرفاً-، والخمس أفضل.
وتجوز الوصية بالثلث لغير وارث، وتكره وصية فقير ورثته محتاجون، وتجوز الوصية بالكل لمن لا وارث له.
стр. 769
ولا تجوز الوصية لأجنبي لمن له وارث بأكثر من الثلث، ولا تجوز الوصية لوارث.
وإن أوصى لأمه وأبيه وأخيه ونحوهم بحجة أو أضحية وهم أحياء جاز؛ لأن هذا من باب البر والإحسان إليهم بالثواب لا من باب الوصية التي يقصد بها التمليك.
- شروط الوصي في التصرف:
يشترط في الموصَى إليه بالتصرف أن يكون مسلماً، عاقلاً، مميزاً، حسن التصرف فيما أوصي إليه فيه، رجلاً كان أو امرأة.
- من تصح وصيته:
تصح الوصية من البالغ الرشيد، ومن الصبي العاقل، والسفيه بالمال ونحوهم، ذكراً كان أو أنثى.
- الفرق بين الوصية والهبة:
الوصية: تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع.
والهبة: تمليك المال لغيره في الحال، وكلاهما يصح من مسلم وكافر.
والأفضل تعجيل الوصية لجهات البر في الحياة؛ لأن الصدقة والهبة في حال الحياة أفضل من الوصية.
- صفة الوصية:
تصح الوصية بلفظ مسموع من الموصِي، أو خطه، ويستحب أن يكتب وصيته، وَيُشهد عليها؛ قطعاً للنزاع.
عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوْصِي فِيه ِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ». متفق عليه (١).
стр. 770
- يجوز الرجوع في الوصية ونقصها وزيادتها، فإذا مات استقرت.
- من تصح له الوصية:
تصح الوصية لمن يصح تملكه من مسلم، وكافر معيَّن، بكل شيء فيه نفع مباح، وتصح للمساجد، والقناطر، ودور العلم ونحو ذلك.
- وجوه الوصية:
١ - الوصية تكون بالتصرف المعلوم بعد الموت كأن يزوج بناته وينظر لصغاره، أو يفرق ثلثه، وهي مندوب إليها، وقربة يثاب عليها من قدر عليها.
٢ - وتكون الوصية بالتبرع بالمال كأن يوصي بخُمُس ماله للفقراء، أو أهل العلم أو المجاهدين في سبيل الله، أو لبناء مسجد، أو حفر بئر ماء للشرب ونحو ذلك من وجوه البر والخير.
- تستحب الوصية للوالدين اللذين لا يرثان، وللأقارب الفقراء الذين لا يرثون؛ لأنها عليهم صدقة وصلة.
- حكم تبديل الوصية:
يجب أن تكون الوصية بالمعروف، فإن قصد الموصِي مضارَّة الوارث حَرُمَ عليه ذلك وهو آثم.
ويحرم على الموصَى إليه وغيره تبديل الوصية العادلة، ويسن لمن علم أن في الوصية جنفاً أو إثماً أن ينصح الموصِي بالأحسن والأعدل، وينهاه عن الجور والظلم، فإن لم يستجب أصلح بين الموصى إليهم؛ ليحصل العدل والتراضي، وبراءة ذمة الميت.
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾ [البقرة/١٨١ - ١٨٢].
стр. 771
- حكم الوصية لجهات المعاصي:
لا تصح الوصية ولا تجوز على جهة معصية، كالوصية لبناء الكنائس، وأماكن اللهو واللعب، ومحلات البغاء والغناء، وعمارة الأضرحة، سواء كان الموصِي مسلماً أو كافراً، ومن أوصى بذلك فهو آثم، وعليه إثم من ضل أو فسد بسببه.
- وقت اعتبار الوصية:
الاعتبار بصحة الوصية وعدم صحتها بحال الموت.
فلو أوصى لوارث فصار عند الموت غير وارث، كأخ حُجب بابن تجدد صحَّت الوصية، ولو أوصى لغير وارث فصار عند الموت وارثاً، كما لو أوصى لأخيه مع وجود ابنه حال الوصية ثم مات ابنه فإنها تبطل الوصية إن لم تجزها الورثة.
- إذا مات الإنسان يُخرج من تركته الدين، ثم الوصية، ثم الميراث.
- حكم تصرف الأوصياء:
يجوز أن يكون الموصَى إليه واحداً أو أكثر، فإذا تعدد الأوصياء، وحُدد لكل واحد اختصاصه صح فيما خصه به، وإن أوصى إلى وصيين في شيء واحد كالنظر في أمر أولاده، أو أمواله فليس لأحدهما التصرف منفرداً.
- وقت قبول الوصية:
يصح قبول الموصَى إليه الوصية في حياة الموصي، وبعد موته، فإن امتنع عنها قبل الموت أو بعده سقط حقه؛ لعدم قبوله.
- إذا أوصى الموصي بأن قال: أوصيت لفلان بمثل نصيب ابني، أو أيَّ وارث، فله مثل نصيبه مضموماً إلى المسألة، وإن أوصى بجزءٍ، أو حظ، أعطاه الورثة ما شاؤا.
- إذا مات الإنسان بموضع لا حاكم فيه، ولا وصي كالمفاوز والقفار، جاز لمن حوله من المسلمين حَوْز تركته، والتصرف فيها بما يحقق المصلحة.
стр. 772
- نص الوصية:
يكتب في صدر الوصية - إن شاء - ما ثبت عن أنس بن مالك ﵁ قال: كانوا يكتبون في صدور وصاياهم:
هذا ما أوصى به فلان ابن فلان، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث مَنْ في القبور، وأوصَى مَنْ ترك بعده من أهله أن يتقوا الله حق تقاته، وأن يصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما وصى به إبراهيم بنيه ويعقوب: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾. أخرجه البيهقي والدارقطني (١).
ثم يذكر ما يريد أن يوصي به.
- مبطلات الوصية:
تبطل الوصية بما يلي:
١ - إذا جُنَّ الموصَى له بالتصرف.
٢ - إذا تلف الموصَى به.
٣ - إذا رجع الموصِي عن الوصية.
٤ - إذا ردها الموصَى له.
٥ - إذا مات الموصَى له قبل موت الموصِي.
٦ - إذا قتل الموصَى له الموصِي.
٧ - إذا انتهت مدة الوصية، أو انتهى العمل الذي عُهد إلى الوصي القيام به.
стр. 773
٢٦ - العتق
- العتق: هو تحرير رقبة آدمي وتخليصها من الرق.
- الحرية والرق في الإسلام:
الناس في الإسلام كلهم أحرار لا يطرأ عليهم الرق إلا بسبب واحد، وهو أن يؤسروا وهم كفار مقاتلون.
وجعل لتحريرهم عدة أسباب لتخليصهم من ذل الرق، فجعل العتق الكفارة الأولى في الوطء في نهار رمضان، وفي الظهار، وفي قتل الخطأ، كما جعله من مكفرات اليمين وغير ذلك.
- حكمة مشروعية العتق:
العتق من أعظم القرب المندوب إليها؛ لأن الله تعالى جعله كفارة للقتل وغيره من الذنوب، ولما فيه من تخليص الآدمي المعصوم من ضرر الرق، وتمكينه من التصرف في نفسه وماله حسب اختياره.
وأفضل الرقاب أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها.
وقد جاء الإسلام والرق موجود، ففتح الأبواب للتخلص منه.
- أفضل الرقاب:
عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال: «إِيمَانٌ بالله وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ» قال قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: «أَغلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا». متفق عليه (١).
стр. 774
- حكم التدبير:
التدبير: هو تعليق العتق بالموت.
كأن يقول لرقيقه: إذا مت فأنت حر بعد موتي، فإذا مات عَتُق إن لم يزد على ثلث المال، ويجوز بيع المدبَّر وهبته.
عن جابر ﵁ قال: بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ فَبَاعَهُ بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ أَرْسَلَ بِثَمَنِهِ إِلَيْهِ. متفق عليه (١).
- ما يقع به العتق:
يقع العتق من الجاد والهازل بكل لفظ يدل عليه كأنت حر، أو عتيق ونحوهما، ومن ملك ذا رَحِم محرَّم عَتُق عليه بالملك كأمه وأبيه ونحوهما، وأيما أمة ولدت من سيدها فهي حرة بعد موته.
- فضل العتق:
١ - قال الله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢)﴾ [البلد/١١ - ١٣].
٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَءاً مُسْلِماً اسْتَنْقَذَ الله بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْواً مِنَ النَّارِ». متفق عليه (٢).
стр. 775
- المكاتبة: بيع السيد رقيقه نفسه بمال في ذمته.
- حكم المكاتبة:
١ - تجب إذا دعا العبد الذي فيه خير سيده إليها، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ ... [النور/٣٣].
٢ - يجب على السيد أن يُعِين المكاتب بشيء من ماله كالربع، أو يضع عنه قدره ونحوه، ويجوز بيع المكاتب، ومشتريه يقوم مقام مكاتبه، فإن أدّى ما عليه عتق، وإن عجز عاد رقيقاً.
اللهم أعتق رقابنا جميعاً من النار، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.