القتيل بالدية من بيت المال؛ لئلا يضيع دم المعصوم هدراً.
- حكم من قتل نفسه متعمداً:
يحرم أن يقتل الإنسان نفسه بأي وسيلة، ومَنْ قتل نفسه متعمداً فعقوبته الخلود في النار.
١ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِداً مُخَلَّداً فِيهَا أَبَداً، وَمَنْ تَحَسَّى سُمّاً فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِداً مُخَلَّداً فِيهَا أَبَداً، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِداً مُخَلَّداً فِيهَا أَبَداً». متفق عليه (١).
٢ - عن أبي بكرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ». متفق عليه (٢).
- حكم توبة القاتل عمداً:
القاتل عمداً إذا تاب تاب الله عليه، ولكن لا تعفيه توبته من عقوبة القصاص؛ لأنه حق للمخلوق، فالقتل عمداً يتعلق به ثلاثة حقوق:
حق للهِ .. وحق للمقتول .. وحق للولي.
فإذا سَلَّم القاتل نفسه طوعاً واختياراً إلى الولي، نادماً على ما فعل، وخوفاً من الله، وتوبة نصوحاً، سقط حق الله بالتوبة، وسقط حق الولي بالاستيفاء أو الصلح أو العفو، وبقي حق المقتول.
وشرط التوبة منه استحلاله وهو هنا متعذر، فيبقى تحت مشيئة الله سبحانه، ورحمته وسعت كل شيء.
стр. 912
٢ - قتل شبه العمد
- قتل شبه العمد: هو أن يقصد بجناية لا تقتل غالباً، إنساناً معصوم الدم، ولم يجرحه بها، فيموت بها المجني عليه.
كمن ضربه في غير مقتل بسوط، أو عصاً صغيرة، أو لكزه ونحو ذلك.
فالضرب مقصود، والقتل غير مقصود، فسمي شبه عمد، ولا قصاص فيه.
- حكم قتل شبه العمد:
حكم قتل شبه العمد: محرم؛ لأنه اعتداء على آدمي معصوم.
- ما يجب بقتل شبه العمد:
تجب الدية في قتل شبه العمد والخطأ مع الكفارة، أما قتل العمد العدوان فلا كفارة فيه؛ لأن إثمه لا يرتفع بالكفارة؛ لعظمه وشدته وشناعته.
- يجب في قتل شبه العمد: الدية المغلظة والكفارة كما يلي:
١ - الدية المغلظة: مائة من الإبل، أربعون منها في بطونها أولادها؛ لقوله ﵊: « ... أَلا إنَّ دِيَةَ الخَطَأِ شِبْهِ العَمْدِ، مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالعَصَا مِائَةً مِنَ الإبلِ: مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلادُهَا». أخرجه أبو داود
وابن ماجه (١).
- تتحمل العاقلة هذه الدية أو قيمتها كما سبق، وتكون هذه الدية مؤجلة على ثلاث سنين.
٢ - الكفارة: وهي عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين.
- سر تنوع أحكام القتل:
لم يجب القصاص في شبه العمد؛ لأن الجاني لم يقصد القتل، ووجبت الدية؛
стр. 913
لضمان النفس المتلفة، وجُعلت مغلظة؛ لوجود قصد الاعتداء، وجُعلت الدية على العاقلة؛ لأنهم أهل الرحمة والنصرة، ولزمت الكفارة الجاني خاصة عتقاً أو صياماً؛ لمحو الإثم.
- يستحب لأولياء القتيل العفو عن الدية، فإن عفوا سقطت، أما الكفارة فهي لازمة للجاني.
- حكم تشريح جثة الإنسان:
يجوز تشريح الميت عند الضرورة لكشف الجريمة، ومعرفة سبب الوفاة باعتداء؛ صيانة لحق الميت، وصيانة لحق الجماعة من داء الاعتداء.
كما يجوز عند الضرورة تشريح جثث الموتى من الكفار لكشف المرض، والتعلم والتعليم في مجال الطب.
- حكم قتل الغِيْلة:
قتل الغِيْلة: هو ما كان عمداً وعدواناً على وجه الحيلة والخداع، أو على وجه يأمن معه المقتول من غائلة القاتل، كمن يخدع إنساناً ويأخذه إلى مكان لا يراه فيه أحد ثم يقتله، أو يأخذ ماله قهراً ثم يقتله؛ لئلا يطالبه أو يفضحه ونحو ذلك.
فهذا القتل غيلة من كبائر الذنوب، يُقتل فيه القاتل، مسلماً كان أو كافراً، حَدًّا لا قصاصاً، ولا يقبل ولا يصح فيه العفو من أحد، ولا خِيرة فيه لأولياء الدم.
- مَنْ خَلَّص نفسه من يد ظالم له فتلفت نفس الظالم، أو شيء من أطرافه بذلك فلا دية له.
стр. 914
٣ - قتل الخطأ
- قتل الخطأ: هو أن يفعل ما له فعله، مثل أن يرمي صيداً، أو غرضاً فيصيب آدمياً معصوماً لم يقصده فيقتله، ويُلحق به: عمد الصبي، والمجنون، والقتل بالتسبب.
- أقسام قتل الخطأ:
قتل الخطأ ينقسم إلى قسمين:
١ - قسم فيه الكفارة على القاتل، والدية على العاقلة، وهو قتل المؤمن خطأ في غير صف القتال، أو كان القتيل من قوم بيننا وبينهم ميثاق، فتجب الدية المخففة على العاقلة، والكفارة على الجاني كما يلي:
١ - الدية المخففة: مائة من الإبل، لما روى عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قَضَى أَنَّ مَنْ قَتَلَ خَطَأً فَدِيَتُهُ مِائَةٌ مِنَ الإبلِ ثَلاثُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَثَلاثُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَثَلاثُونَ حِقَّةً، وَعَشْرَةٌ بَنِي لَبُونٍ ذَكرٍ. أخرجه أبو داود
وابن ماجه (١).
- تتحمل العاقلة هذه الدية أو قيمتها حسب كل عصر، والمعمول به الآن في بلاد الحرمين في دية قتل الخطأ (مائة ألف ريال سعودي) ونصفها للأنثى، وتكون هذه الدية مؤجلة على ثلاث سنين.
٢ - الكفارة: وهي عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، وتجب الكفارة في مال الجاني خاصة؛ لمحو الإثم الذي ارتكبه.
стр. 915
- يستحب لأولياء القتيل العفو عن الدية، إن تحقق بذلك مصلحة، ولهم الأجر من الله ، فإن عفوا سقطت، أما الكفارة فهي لازمة للجاني.
٢ - وقسم تجب فيه الكفارة فقط، وهو المسلم الذي يقتله المسلمون بين الكفار في بلادهم يظنونه كافراً، فلا دية على قاتله بل عليه الكفارة: عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ [النساء/٩٢].
- حكم قضاء الصيام عن الميت:
من مات وعليه صيام واجب كرمضان أو صوم شهرين متتابعين كفارة أو صوم نذر فلا يخلو من حالين:
١ - إما أن يكون قادراً على الصيام فلم يصم فيصوم عنه وليه، أو أولياؤه، يتقاسمون الأيام بشرط التتابع، يصوم الأول، ثم الثاني وهكذا، حتى تنتهي الأيام.
٢ - وإن كان معذوراً بمرض ونحوه فلا يلزم عنه القضاء ولا الإطعام.
عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ». متفق عليه (١).
стр. 916
- عاقلة الإنسان:
في قتل شبه العمد وقتل الخطأ تكون الدية على العاقلة، والكفارة على القاتل، وعاقلة الإنسان هم: الذكور من عصبته كلهم، قريبهم وبعيدهم، حاضرهم وغائبهم، يبدأ بالأقرب فالأقرب، ويدخل فيهم أصول الرجل دون فروعه، وتحمل العاقلة ما فوق الثلث من الدية.
- ما لا تتحمله العاقلة:
ولا تحمل العاقلة دية العمد، ولا دية العبد جانياً أو مجنياً عليه، ولا ما دون ثلث الدية كدية سن ونحوه، ولا الصلح، ولا الاعتراف.
ولا عقل على غير مكلف، ولا على أنثى، ولا على فقير، ولا على مخالف لدين الجاني.
стр. 917
٢ - الجناية على ما دون النفس
- الجناية على ما دون النفس: هي كل أذى يقع على جسم الإنسان من غيره فلا يودي بحياته.
- التعدي على الأطراف بالجرح أو القطع:
إن كان عمداً ففيه القصاص، وإن لم يكن عمداً كالخطأ وشبه العمد ففيه الدية.
- مَنْ أُقيد بأحد في النفس أقيد به في الطرف والجراح، ومن لا فلا كما سبق، فموجب القصاص في الأطراف والجراح هو موجب القصاص في النفس وهو العمد المحض، فلا قود في الخطأ وشبه العمد، بل فيهما الدية.
- إذا كانت الجناية عمداً، فالقصاص فيما دون النفس نوعان:
الأول: في الأطراف: فتؤخذ العين، والأنف، والأذن، والسن، والجفن، والشفة، واليد، والرجل، والإصبع، والكف، والذكر، والخصية ونحوها، كل واحد من ذلك بمثله.
قال الله تعالى في بيان ذلك: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة/٤٥].
- شروط القصاص في الأطراف:
أن يكون المجني عليه معصوماً .. وأن يكون مكافئاً للجاني في الدين، فلا يقتص من مسلم لكافر .. وأن يكون الجاني مكلفاً .. وكانت الجناية عمداً.
فإذا تحققت هذه الشروط وجب استيفاء القصاص إذا توفرت الشروط الآتية.
- شروط استيفاء القصاص في الأطراف:
١ - الأمن من الحيف: وذلك بأن يكون القطع من مفصل أو له حد ينتهي إليه.
стр. 918
٢ - المماثلة في الاسم والموضع: فتؤخذ العين بالعين مثلاً، ولا تؤخذ يمين بيسار، ولا خنصر ببنصر وهكذا.
٣ - الاستواء في الصحة والكمال: فلا تؤخذ يد أو رجل صحيحة بشلَّاء، ولا عين صحيحة بعين لا تبصر، ويؤخذ عكسه ولا أرش.
- إذا تحققت هذه الشروط جاز استيفاء القصاص، وإن لم تتحقق سقط القصاص وتعينت الدية.
الثاني: في الجروح: فإذا جرحه عمداً فعليه القصاص.
- يشترط لوجوب القصاص في الجروح ما يشترط لوجوب القصاص في النفس، مع إمكان استيفاء القصاص من غير حيف ولا زيادة، وذلك بأن يكون الجرح منتهياً إلى عظم كالموضحة: وهي كل جرح ينتهي إلى عظم في سائر البدن كالرأس، والفخذ، والساق ونحوها.
- إذا لم يمكن استيفاء القصاص من غير حيف ولا زيادة سقط القصاص وتعينت الدية.
- يستحب العفو عن القصاص في الأطراف والجروح إلى الدية، وأفضل من ذلك العفو مجاناً إن حقق مصلحة، ومن عفا وأصلح فأجره على الله، ويستحب طلبه ممن يملكه.
عن أنس بن مالك ﵁ قال: مَا رُفِعَ إلَى رَسُولِ الله ﷺ شَيْءٌ فِيْهِ القِصَاصُ إلا أَمَرَ فِيْهِ بِالعَفْوِ. أخرجه أبو داود وابن ماجه (١).
- حكم سراية الجناية:
١ - سراية الجناية مضمونة بقود أو دية في النفس وما دونها.
فلو قطع أصبعاً فتآكلت حتى سقطت اليد وجب القود في اليد، وإن سرت الجناية إلى النفس فمات المجني عليه وجب القصاص.
стр. 919
٢ - مَنْ مات في حد كالجلد والسرقة ونحوهما، أو في قصاص في الأطراف والجراح فديته من بيت المال.
٣ - لا يقتص من طرف أو عضو أو جرح قبل برئه؛ لاحتمال سراية الجناية في البدن، كما لا يُطلب له دية حتى يبرأ؛ لاحتمال السراية إلى غيره.
٤ - إذا قطع إصبعاً عمداً، فعفى عنها المجني عليه، ثم سرت إلى الكف أو النفس، وكان العفو على غير شيء، فلا قصاص ولا دية.
وإن كان العفو على مال فله تمام الدية.
- حكم العدل في الحقوق:
مَنْ ضرب غيره بيده، أو بعصا، أو سوط، أو لطمه اقتص منه، وفُعل بالجاني عليه كما فُعِل به، فلطمة بلطمة، وضربة بضربة في محلها، بالآلة التي لطمه بها أو مثلها إلا أن يعفو.
- حكم من تكشّف عورات الناس:
من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقؤوا عينه فلا دية له ولا قصاص.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو القاسم ﷺ : «لَوْ أَنَّ امْرَءاً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إذْنٍ فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأتَ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ». متفق عليه (١).
- حكم نقل الدم من إنسان لآخر:
١ - نقل الدم من إنسان إلى آخر يجوز عند الضرورة، وعدم وجود بديل له مباح، إذا قام به طبيب ماهر، وغلب على الظن نفع التغذية به، ورضي المأخوذ منه مع عدم تضرره، فتجوز التغذية به بقدر ما ينقذ المريض من الهلكة.
٢ - يجوز جمع الدم في (بنوك الدم)، تحسُّباً لوجود المضطر، ومفاجأة الأحوال كالحوادث، وحالات الولادة، وغير ذلك من حالات نزيف الدم.
стр. 920
٣ - الديات
١ - دية النفس
- الدية: هي المال المؤدى إلى مجنيٍّ عليه، أو ورثته بسبب جناية.
- أجناس الدية:
أجناس الدية ستة وهي:
(١٠٠) من الإبل .. (٢٠٠) من البقر .. (٢٠٠٠) شاة .. (١٠٠٠) مثقال من الذهب .. (١٢٠٠٠) درهم من الفضة .. (٢٠٠) حلة من الثياب.
- أصل دية المسلم:
الأصل في الدية الإبل، والأجناس الأخرى أبدال عنها إذا غلت أو تعذرت.
فأصل دية الرجل المسلم مائة من الإبل، فإن غلت الإبل أخذ بدلها، فإذا أحضر ما سواها فلا بد من موافقة مَنْ هي له.
ولوَلي الأمر أن يختار من أجناس الديات ما فيه المصلحة واليسر على الناس.
عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قام خطيباً فقال: .. أَلا إنَّ الإبِلَ قَدْ غَلَتْ، قَالَ: فَفَرَضَهَا عُمَرُ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الوَرِقِ اثْنَي عَشَرَ ألفاً، وَعَلَى أَهْلِ البَقَرِ مِائَتَي بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ أَلْفَي شَاةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الحُلَلِ مِائَتَي حُلَّةٍ قَالَ: وَتَرَكَ دِيةَ أَهلِ الذِّمَّة لَمْ يَرْفَعْها فيمَا رَفَعَ مِنَ الدِّيةِ. أخرجه أبو داود والبيهقي (١).
- ألف دينار من الذهب = ٤٢٥٠ جراماً.
стр. 921
- مقدار دية المرأة:
دية المرأة إذا قُتلت خطأ نصف دية الرجل، وكذلك دية أطرافها وجراحاتها على النصف من دية الرجل وجراحاته.
عن شريح قال: أَتَانِي عُرْوَةُ البَارِقِيُّ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ أَنَّ جِرَاحَاتِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ تَسْتَوِي فِي السِّنِّ وَالمُوْضِحَةِ، وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ فَدِيَةُ المَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ. أخرجه ابن أبي شيبة (١).
- أقسام الدية:
الدية من حيث جنسها ثلاثة أقسام:
دية النفس .. ودية الأعضاء .. ودية المنافع.
وكل من أتلف إنساناً بمباشرة أو سبب لزمته ديته.
١ - فإذا اجتمع مباشران فعليهما الدية.
٢ - وإذا اجتمع متسببان فعليهما الدية.
٣ - وإذا اجتمع مباشر ومتسبب فالضمان على المباشر إلا في ثلاث مسائل:
١ - إذا لم يمكن تضمين المباشر، كما لو ألقى أحد شخصاً مكتوفاً في حظيرة أسد فأكله.
٢ - إذا كان المباشر لا يمكن تضمينه لعدم تكليفه كصغير ومجنون، فالضمان على من أمرهما بالجناية.
٣ - إذا كانت المباشرة مبنية على سبب يسوغ العمل به شرعاً كما لو شهد جماعة على شخص بما يوجب قتله فقتل، ثم رجعوا عن الشهادة وقالوا عمدنا قتله،
стр. 922
فالضمان على الشهود.
- حكم الدية:
تجب الدية على كل مَنْ أتلف إنساناً، بمباشرة أو سبب، سواء كان الجاني صغيراً أو كبيراً، عاقلاً أو مجنوناً، متعمداً أو مخطئاً، وسواء كان التالف مسلماً، أو ذمياً مستأمناً أو معاهداً.
فإن كانت الجناية عمداً وجبت الدية حالَّة من مال الجاني.
وإن كانت الجناية شبه عمد أو خطأ وجبت الدية على عاقلة الجاني مؤجلة ثلاث سنين.
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : « ... وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا أَنْ يُفْدَى وَإِمَّا أَنْ يُقْتَلَ». متفق عليه (١).
٢ - وعن أبي هريرة ﵁: أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهَا بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ. متفق عليه (٢).
- أحوال وجوب الدية:
تتعين الدية فيما يلي:
إذا اختار ولي الدم الدية .. إذا عفا عن القصاص .. إذا هلك الجاني.
فلو قتل الجاني أربعة أشخاص تعلق به أربع رقاب.
فإذا اختار أحدهم القصاص قُتل الجاني، وللثلاثة ثلاث ديات؛ لأن لكل واحد منهم حقاً، لكن نبدأ بالأول فالأول.
стр. 923
- مقدار دية الكفار:
الكافر سواء كان من أهل الكتاب، أو المجوس، أو عبدة الأوثان أو غيرهم من الكفار، الرجل منهم ديته نصف دية المسلم، والمرأة منهم نصف دية المرأة المسلمة، سواء كانت دية النفس، أو الأطراف، أو الجراح، وسواء كان القتل عمداً أو خطأ.
فالجميع كفار؛ لأن أهل الكتاب كفروا بالإسلام بعد بعثة النبي ﷺ ، فهم في الكفر سواء مع الكفار، وفي العذاب سواء، وفي دخول النار سواء، وفي الدية سواء، إلا ما خصه الدليل من جواز نكاح نساء أهل الكتاب، وأكل ذبائحهم دون سائر الكفار.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران/٨٥].
٢ - وعن أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ». وبهذا الإسناد عن النبي ﷺ قال: «دِيَةُ عَقْلِ الْكَافِرِ نِصْفُ دِيَةِ عَقْلِ الْمُؤْمِنِ». أخرجه أبوداود والترمذي (١).
- مقدار دية الجنين:
دية الجنين إذا سقط ميتاً بجناية على أمه غُرَّة عبد أو أمة، قيمتها خمس من الإبل، عُشر دية أمه، ودية الرقيق قيمته، قَلّت أو كثرت.
стр. 924
- من تلزمه الدية في الحوادث:
إذا انقلبت سيارة، أو اصطدمت مع غيرها، وكان ذلك ناتجاً عن تعد أو تفريط من السائق فإنه يضمن كل ما نتج عن ذلك، وإن مات أحد لزمته الدية والكفارة.
وإن وقع الحادث بغير تعد منه ولا تفريط، كما لو كانت عجلة السيارة سليمة ثم انفجرت فلا دية عليه ولا كفارة.
- من يتحمل الدية:
الدية يتحملها أحد ثلاثة وهم:
١ - القاتل: وتجب في ماله خاصة في قتل العمد، إذا تنازل أولياء المقتول عن القصاص.
٢ - العاقلة: وتجب عليهم الدية في قتل شبه العمد، وقتل الخطأ.
٣ - بيت المال:
ويتحمل بيت المال الديون والديات في الأحوال الآتية:
١ - إذا مات أحد المسلمين وعليه دين ولم يخلِّف وفاء، فعلى ولي الأمر قضاؤه من بيت المال.
٢ - إذا قتل أحد خطأ أو شبه عمد، ولم تكن له عاقلة موسرة، فالدية تؤخذ من الجاني، فإن كان معسراً أُخذت من بيت المال.
٣ - كل مقتول لم يُعلم قاتله كمن مات في زحام، أو طواف، أو نحوهما، فديته من بيت المال.
٤ - إذا حكم القاضي بالقسامة ونكل الورثة عن حلف الأيمان ولم يرضوا بيمين
стр. 925
المدعى عليه فداه الإمام من بيت المال.
٥ - إذا وجبت الدية في خطأ ولي الأمر فيما هو من اختصاص وظيفته.
- إذا أدب السلطان رعيته، أو أدب الرجل ولده، أو معلم صبيه، ولم يسرف، لم يضمن ما تلف به.
- مَنْ استأجر شخصاً مكلفاً ليحفر له بئراً، أو يصعد شجرة ونحوها، ففعل فهلك بسبب ذلك لم يضمنه الآمر.
- حكم قتل الذمي:
يحرم قتل الذمي مستأمناً أو معاهداً، ومَنْ قتله فقد ارتكب إثماً عظيماً، لقوله ﵊: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَداً لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإنَّ رِيحَهَا يُوْجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَاماً». أخرجه البخاري (١).
- حكم الدية إذا مات الجاني:
من قتل شخصاً عمداً، ثم مات الجاني، فيسقط القصاص، ويبقى حق أولياء المقتول في الدية.
стр. 926
٢ - الدية فيما دون النفس
- إذا كانت الجناية فيما دون النفس عمداً ففيها القصاص.
وإن كانت الجناية ليست عمداً فلا قصاص، وتجب الدية.
- أقسام الدية فيما دون النفس:
الدية فيما دون النفس من الأطراف والجراح تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: دية الأعضاء ومنافعها:
١ - ما كان في الإنسان منه شيء واحد: ففيه دية النفس كالأنف، واللسان، والذكر، واللحية، ومثلها ذهاب السمع، والبصر، والكلام، والعقل، والجلد، والصُّلب ونحوها.
٢ - ما كان في الإنسان منه شيئان: كالعينين، والأذنين، والشفتين، والبيضتين واليدين، والرجلين، واللحيين، والإليتين، وأسكتي المرأة، والثديين ونحوها ففي كل واحد منهما نصف الدية، وفيهما معاً الدية كاملة.
فإن ذهبت منفعة أحدهما ففيه نصف الدية، وإن ذهبت منفعتهما معاً فالدية كاملة، وفي عين الأعور الصحيحة إذا ذهبت الدية كاملة.
٣ - ما كان في الإنسان منه أربعة أشياء: كأجفان العينين الأربعة، ففي كل واحد ربع الدية، وفي جميعها الدية كاملة.
стр. 927
٤ - ما كان في الإنسان منه عشرة: كأصابع اليدين والرجلين، ففي كل أصبع عُشر الدية، وفي العشرة جميعاً الدية، وفي أنملة كل أصبع ثلث دية الأصبع، وفي أنملة الإبهام نصف ديته، وإن ذهبت منفعة أصبع ففيه عُشر الدية، وإن ذهبت منافع الأصابع ففيها الدية كاملة.
٥ - الأسنان: أسنان الإنسان اثنان وثلاثون، أربع ثنايا، وأربع رباعيات، وأربعة أنياب وعشرون ضرساً في كل جانب عشرة، ويجب في كل واحد من الأسنان خمس من الإبل، ودية جميع الأسنان (١٦٠) بعيراً.
- دية الشعر:
تجب الدية كاملة في كل واحد من الشعور الأربعة إذا ذهبت، وهي: شعر الرأس، وشعر اللحية، وشعر الحاجبين، وأهداب العينين، وفي الحاجب الواحد نصف الدية، وفي الهدب الواحد ربع الدية.
- دية العضو المشلول:
يجب في اليد الشلاء، والعين التي لا تبصر، والسن السوداء، في كل واحدة إذا ذهبت ثلث ديتها.
القسم الثاني: دية الشجاج والجروح:
- الشجة: اسم لجرح الرأس والوجه خاصة، والشجاج عشر: خمس فيها حكومة، وخمس فيها مقدر شرعي من الدية.
стр. 928
فالخمس التي فيها حكومة هي:
١ - الحارصة: وهي تحرص الجلد وتشقه ولا يظهر منه دم.
٢ - البازلة: وهي التي يسيل منها الدم القليل.
٣ - الباضعة: وهي التي تشق اللحم.
٤ - المتلاحمة: وهي الغائصة في اللحم.
٥ - السمحاق: وهي التي بينها وبين العظم قشرة رقيقة تسمى السمحاق.
- هذه الشجاج الخمس المتقدمة ليس فيها دية مقدرة بل فيها حكومة.
والحكومة: أن يقوّم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به، ثم يقوّم وهي به قد برئت، فما نقص من القيمة فله مثل نسبته من الدية، ويجتهد الحاكم في تقديرها، ويراعى في الحكومة حصول الشَّين، وحصول الضرر، وحصول الألم.
وأما الخمس التي فيها مقدر شرعي فهي:
١ - الموضحة: وهي التي وصلت إلى العظم وأوضحته، وديتها المقدرة شرعاً: خمس من الإبل.
٢ - الهاشمة: وهي التي توضح العظم وتهشمه، وفيها عشر من الإبل.
٣ - المُنَقِّلَة: وهي التي توضح العظم وتهشمه وتنقله، وفيها خمس عشرة من الإبل.
٤ - المأمومة: وهي التي تصل إلى جلدة الدماغ، وفيها ثلث الدية.
стр. 929
٥ - الدامغة: وهي التي تخرق جلدة الدماغ، وفيها ثلث الدية أيضاً.
- إذا كان الجرح في سائر البدن، فإن بلغ الجوف ففيه ثلث الدية.
وإن لم يبلغ الجوف ففيه حكومة.
- الجائفة: هي الجرح الذي يصل إلى باطن الجوف، أو الظهر، أو الصدر، أو الحلق ونحوها، وفيها ثلث الدية.
القسم الثالث: دية العظام:
تجب الدية في كسر العظام كما يلي:
١ - الضلع إذا كُسر ثم جُبر مستقيماً ففيه بعير.
٢ - الترقوة إذا كسرت ثم جبرت مستقيمة ففيها بعير، وفي الترقوتين بعيران.
٣ - وفي كسر الذراع، أو العضد، أو الفخذ، أو الساق إذا جبر مستقيماً بعيران.
٤ - إذا لم تجبر العظام السابقة مستقيمة ففيها حكومة.
والصُّلب إذا كُسر فلم ينجبر ففيه الدية.
- بقية العظام ليس فيها شيء مقدر بل فيها حكومة.
- لو طلب المجني عليه من الجاني تكاليف العلاج بدلاً من الدية فليس من حقه ذلك، بل يعطيه المقدر شرعاً من الدية، قليلاً كان أو كثيراً، وعليه أن يرضى بحكم الله ورسوله.
- وفي أحكام ما سبق روى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده
٢ - كتاب الحدود
ويشتمل على ما يلي:
١ - حد الزنى
٢ - حد القذف
٣ - حد السرقة
٤ - حد قطاع الطريق
٥ - حد أهل البغي
(التعزير، الردة، الأيمان، النذر)
стр. 932
قال الله تعالى:
كتاب الحدود
أحكام الحدود
- الحد: هو عقوبة مقدرة شرعاً في معصية لأجل حق الله تعالى.
- أقسام الحدود:
الحدود في الإسلام خمسة، وهي:
حد الزنى .. والقذف .. والسرقة .. وقطاع الطريق .. وأهل البغي.
ولكل جريمة من هذه الجرائم عقوبة محددة شرعاً.
- حكمة مشروعية الحدود:
أمر الله بعبادته وطاعته، وفعل ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، وحَدَّ حدوداً لمصالح عباده، ووعد على الالتزام بشرعه الجنة، وعلى مخالفته النار، فإذا جمحت نفس الإنسان وقارفت الذنب فتح الله لها باب التوبة والاستغفار.
لكنها إذا أصرت على معصية الله وأبت إلا أن تغشى حماه، وتتجاوز حدوده كالتعدي على أموال الناس وأعراضهم فلا بد من كبح جماحها بإقامة حدود الله تعالى؛ ليتحقق للأمة الأمن والطمأنينة، والحدود كلها رحمة من الله تعالى، ونعمة على الجميع.
- حفظ الضرورات الخمس:
حياة الإنسان قوامها حفظ الضرورات الخمس، وإقامة الحدود تحمي تلك الضرورات، وتحافظ عليها.
فبالقصاص تُصان الأنفس.
وبإقامة حد السرقة تُصان الأموال.
стр. 933
وبإقامة حد الزنى والقذف تُصان الأعراض.
وبإقامة حد الحرابة يُصان الأمن والمال والأنفس والأعراض.
وبجلد السكران تُصان العقول.
وبإقامة الحدود والتعزيرات يُصان الدين كله، والحياة كلها.
- فقه الحدود:
الحدود الشرعية: عقوبات مقدرة شرعاً على معصية، وليس هناك عقوبة في الشرع على غير معصية، فلا عقوبة على ترك واجب، أو مباح.
وترك الواجب يتضمن فعل المحرم، لكن ليس فيه عقوبة إلا إذا كانت ردة ففيه القتل، والقتل بالردة، والقصاص بقتل العمد، ليسا من الحدود؛ لأن الحد حق لله لا بد من تنفيذه، ولا يمكن أن يسقط حتى لو تاب صاحبه.
وأما القصاص فيسقط بالعفو؛ لأنه حق آدمي، فله أن يسقطه.
والردة يسقط القتل فيها بالتوبة، والرجوع إلى الإسلام.
- فقه إقامة الحدود:
الحدود زواجر عن المعاصي، وجوابر لمن أقيمت عليه، تطهره من دنس الجريمة وإثمها، وتردع غيره عن الوقوع فيما وقع فيه.
- حدود الله الشرعية:
هي محارمه التي منع من ارتكابها وانتهاكها كالزنى، والسرقة ونحوهما، ومن حدوده ما حدَّه وقدَّره كالمواريث.
والحدود المقدرة الرادعة عن محارم الله كحد الزنى والقذف ونحوهما مما حده الشرع لا تجوز فيه الزيادة ولا النقصان.
стр. 934
- الفرق بين القصاص والحدود:
جرائم القصاص الحق فيها لأولياء القتيل، والمجني عليه نفسه إن كان حياً من حيث استيفاء القصاص، أو العفو، والإمام منفذ لطلبهم.
أما الحدود: فأمرها إلى الحاكم، فلا يجوز إسقاطها بعد أن تصل إليه.
وكذلك جرائم القصاص قد يُعفى عنها ببدل كالدية، أو يُعفى عنها بلا مقابل.
أما الحدود فلا يجوز العفو عنها ولا الشفاعة فيها مطلقاً بعوض أو بدون عوض.
- من يقام عليه الحد:
لا يُقام الحد إلا على بالغ، عاقل، متعمد، ذاكر، عالم بالتحريم، ملتزم لأحكام الإسلام من مسلم وذمي.
١ - عن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ المَجْنُوْنِ حَتَّى يَعْقِلَ». أخرجه أحمد وأبو داود (١).
٢ - ولما نزلت: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة/٢٨٦]، قال الله: «قَدْ فَعَلْتُ». أخرجه مسلم (٢).
- حكم تأخير إقامة الحد:
يجب إقامة الحد فوراً إذا ثبت.
ويجوز تأخير إقامة الحد لعارض يترتب عليه مصلحة للإسلام كما في الغزو، أو يترتب عليه مصلحة للمحدود ذاته كما في تأخيره عنه لحر أو بردٍ، أو مرض، أو لمصلحة مَنْ تعلق به كالحمل والرضيع ونحوهما.
стр. 935
- من يتولى إقامة الحدود:
يتولى إقامة الحد إمام المسلمين، أو من ينيبه، بحضرة طائفة من المؤمنين، في مجامع الناس، ولا تقام الحدود في المساجد.
- حكم إقامة الحدود في مكة:
يجوز إقامة الحدود والقصاص في مكة، فالحرم لا يعيذ جانياً، فمن وجب عليه حد من حدود الله تعالى سواء كان جلداً، أو حبساً، أو قتلاً أقيم عليه الحد في الحرم وغيره.
- صفة الجلد في الحدود:
يكون الجلد بسوط لا جديد ولا خَلِق، ولا يُجرَّد المضروب من ملابسه، ويُفرَّق الضرب على بدنه، ويَتقي الوجه، والرأس، والفرج، والمقاتل، وتُشد على المرأة ثيابها.
- الحكم إذا اجتمعت عليه حدود:
إذا اجتمعت حدود للهِ تعالى من جنس واحد بأن زنى مراراً، أو سرق مراراً تداخلت، فلا يُحد إلا مرة واحدة.
وإن كانت من أجناس كبكر زنى وسرق فلا تتداخل.
ويُبدأ بالأخف، فيُجلد للزنى، ثم يُقطع.
- أنواع الجلد في الحدود:
أشد الجلد في الحدود جلد الزنى، ثم جلد القذف.
- حكم من أقر بالحد عند الإمام:
من أقر بحد عند الإمام ولم يبينه فالسنة أن يستر عليه ولا يسأله عنه.
عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فقَالَ: يَا
стр. 936
رَسُولَ الله، إِنِّي أصَبْتُ حَدّاً، فَأقِمْهُ عَلَيَّ، قَالَ: وَلَمْ يَسْألْهُ عَنْهُ، قَالَ: وَحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ الصَّلاةَ، قَامَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي أصَبْتُ حَدّاً، فَأقِمْ فِيَّ كتاب الله.
قَالَ: «ألَيْسَ قَدْ صَلَّيْتَ مَعَنَا؟». قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَإِنَّ الله قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ، أوْ قَالَ: حَدَّكَ». متفق عليه (١).
- فضل الستر على النفس والغير:
يستحب لمن أتى ذنباً أن يستر نفسه ويتوب إلى الله، ويستحب لمن علم به أن يستر عليه ما لم يعلن بفجوره حتى لا تشيع الفاحشة في الأمة.
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافَى إلَّا المُجَاهِرِينَ، وَإنَّ مِنَ المُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلاً، ثُمَّ يُصْبِحُ وَقَدْ سَتَرَهُ الله فَيَقُولُ: يَا فُلانُ عَمِلْتُ البَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ الله عَنْهُ». متفق عليه (٢).
٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ الله فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَالله فِي عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ». أخرجه مسلم (٣).
- حكم الشفاعة في الحدود:
يجب إقامة الحد على القريب والبعيد، والشريف والوضيع.
وإذا بلغت الحدود الحاكم حَرُم أن يشفع في إسقاطها أحد، أو يعمل على تعطيلها.
стр. 937
ويحرم على الحاكم قبول الشفاعة، ويجب عليه إقامة الحد إذا بلغه، ولا يجوز أخذ المال من الجاني ليسقط عنه الحد.
ومن أخذ المال من الزاني أو السارق ونحوهم ليعطل حدود الله فقد جمع بين فسادين عظيمين: تعطيل الحد، وأكل السحت، وترك الواجب، وفعل المحرم.
عن عائشة ﵂ أن قريشاً أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ الله ﷺ ، وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إلا أُسَامَةُ حِبُّ رَسُولِ الله ﷺ ، فَكَلَّمَ رَسُولَ الله ﷺ فَقَالَ: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُوْدِ الله؟» ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا ضَلَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإذَا سَرَقَ الضَعِيفُ فِيهِمْ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ الله لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا». متفق عليه (١).
- حكم الصلاة على المقتول:
المقتول قصاصاً أو حداً أو تعزيراً إن كان مسلماً يُغسَّل ويُصَلَّى عليه، ويُدفن في مقابر المسلمين.
والمقتول مرتداً كافر لا يُغسل ولا يُصَلَّى عليه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين، فيحفر له حفرة ويوارى فيها كالكافر.
- وجوب إقامة الحدود:
الجرائم لا يحسمها ويقي المجتمع من شرها إلا إقامة الحدود الشرعية على مرتكبيها.
أما أخذ الغرامة المالية، أو سجنهم ونحو ذلك من العقوبات الوضعية فهو حكم بغير ما أنزل الله، وضياع، وزيادة شر.
стр. 938
- الأنفس المعصومة:
الأنفس المعصومة أربع:
المسلم .. والذمي .. والمستأمن .. والمعاهد.
أما الملتزمون لأحكام الإسلام فصنفان:
المسلم .. والذمي.
فالذمي ملتزم لأحكام الإسلام، لكنه لا يطالب بالعبادات، ولا يقام عليه الحد إلا فيما يعتقد تحريمه كالزنى.
فالزنى محرم في كل شريعة، فإذا زنى بامرأة مثله أقمنا عليه الحد؛ لأن الزنى فيه علتان: المنع من الوقوع في مثلها، وتكفير الذنب، فإذا كان ليس أهلاً للتكفير لأنه كافر، أقمنا عليه الحد للعلة الثانية, وهي المنع من الوقوع في مثلها.
عن ابن عمر ﵄ أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ عِنْدَ الْمَسْجِدِ. متفق عليه (١).
стр. 939
أقسام الحدود
١ - حد الزنى
- الزنى: هو فعل الفاحشة في قُبل امرأة لا تحل له.
- حكم الزنى:
الزنى محرم، وهو من أعظم الجرائم، وأكبر الكبائر بعد الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق.
وهو يتفاوت في الشناعة والقبح، فالزنى بذات زوج، والزنى بذات المحرم، والزنى بحليلة الجار من أعظم أنواعه.
- أضرار الزنى:
مفسدة الزنى من أعظم المفاسد، وهي منافية لمصلحة نظام العالم في حفظ الأنساب، وحماية الفروج، وحفظ الحرمات، والزنى يجمع خلال الشر كلها، ويفتح على العبد أبواباً من المعاصي، ويولِّد الأمراض النفسية والقلبية، ويورث الفقر والمسكنة، ونفور العباد من الزناة، وسقوطهم من أعينهم، ويولد سيماء الفساد في وجه فاعله، ووحشته من الناس.
وللزنى عقوبة شديدة، فعقوبته في الدنيا: الحد الصارم بالرجم للمحصن، والجلد والتغريب لغير المحصن، وعقوبته في الآخرة إن لم يتب: الوعيد الشديد، حيث يجمع الزناة والزواني عراة في تنور في نار جهنم.
١ - قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور/٢].
٢ - وعَنْ جَابِرِ بْنِ عبد الله الْأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمْ أَتَى رَسُولَ الله ﷺ فَحَدَّثَهُ أَنَّهُ قَدْ زَنَى فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ فَأَمَرَ بِهِ
стр. 940
رَسُولُ الله ﷺ فَرُجِمَ وَكَانَ قَدْ أُحْصِنَ. متفق عليه (١).
- المحصن: هو الثيّب، وهو من وطئ زوجته في قُبلها بنكاح صحيح، وهما حران مكلفان، والبكر من ليس كذلك.
- سبل الوقاية من الزنى:
نظم الإسلام بالنكاح الشرعي أسلم طريقة لتصريف الغريزة الجنسية وحِفْظ النسل، وَمَنَعَ أي تصرف في غير هذا الطريق المشروع فأمر بالحجاب، وغض البصر، ونهى عن ضرب النساء بالأرجل، والتبرج، والاختلاط، وإبداء الزينة، وخلو الرجل بالأجنبية، أو مصافحتها، كما نهى عن سفر المرأة بغير محرم، وذلك كله لئلا يقع كل من الرجل والمرأة في فاحشة الزنى.
- زنى الجوارح:
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كُتِبَ عَلَى ابنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَى، مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَالعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الكَلامُ، وَاليَدُ زِنَاهَا البَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الخُطَا، وَالقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ». متفق عليه (٢).
- عقوبة الزاني:
١ - عقوبة الزاني المحصن: هي أن يُرجم بالحجارة حتى يموت، رجلاً كان أو امرأة، مسلماً أو كافراً.
٢ - عقوبة الزاني غير المحصن: هي أن يجلد مائة جلدة، ويغرَّب سنة، رجلاً كان أو امرأة، والرقيق يُجلد خمسين جلدة، ولا يغرَّب، رجلاً كان أو امرأة.
- إذا حملت امرأة لا زوج لها ولا سيد فإنها تحد إن لم تَدَّع شبهة أو إكراهاً، ومن
стр. 941
استكره امرأة على الزنى فعليه الحد دونها؛ لأنها معذورة، ولها المهر.
- شروط حد الزنى:
يشترط لوجوب الحد في الزنى ثلاثة شروط:
١ - تغييب حشفة أصلية كلها في قُبل امرأة حية.
٢ - انتفاء الشبهة، فلا حد على من وَطئ امرأة ظنها زوجته ونحوه.
٣ - ثبوت الزنى:
١ - إما بالإقرار: بأن يُقر به من عُرف بالعقل مرة واحدة، ويُقر به أربع مرات من كان متهماً في ضعف عقله، وفي كليهما يصرح بحقيقة الوطء، ويستمر على إقراره إلى إقامة الحد عليه.
٢ - وإما بالشهادة: بأن يشهد عليه بالزنى أربعة رجال عدول مسلمين.
- من يقام عليه حد الزنى:
١ - يقام حد الزنى على الزاني مسلماً كان أو كافراً؛ لأنه حد ترتب على الزنى فوجب على الكافر كوجوب القود في القتل والقطع في السرقة.
٢ - إذا زنى المحصن بغير المحصنة، فلكلٍّ حده من رجم، أو جلد وتغريب.
٣ - إذا زنى الحر بأمة وعكسه بأن زنت حرة بعبد فلكل واحد حكمه في الحد.
٤ - يقام الحد على الزاني إذا كان مكلفاً، مختاراً، عالماً بالتحريم، بعد ثبوته عند الحاكم بإقرار أو شهادة، مع انتفاء الشبهة.
- لا يُحفر للمرجوم في الزنى رجلاً كان أو امرأة، لكن المرأة تُشدُّ عليها ثيابها؛ لئلا تنكشف.
- أيما امرأة حبلت من الزنى، أو اعترفت به فالإمام أول من يرجم، ثم الناس، فإن ثبت حد الزنى بشهادة أربعة شهود فهم أول من يرجم، ثم الإمام، ثم الناس.
стр. 942
- الجهل الذي يمنع من إقامة الحد:
الجهل بما يترتب على الفعل المحرم ليس بعذر، أما الجهل بالفعل هل هو حرام أو ليس بحرام فهذا عذر، فمن يعلم أن الزنى حرام ولا يعلم أن حده الرجم أو الجلد فهذا لا يعذر بجهله، بل يقام عليه الحد وهكذا.
- حكم الزوجية بعد الزنى:
إذا زنى رجل وهو متزوج فلا تحرم عليه زوجته، وكذا لو زنت المرأة لا تحرم على زوجها، لكنهما ارتكبا إثماً عظيماً، فعليهما التوبة والاستغفار.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء/ ٣٢].
٢ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدّاً وَهُوَ خَلَقَكَ» قَالَ: قُلْتُ لَهُ إنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قَالَ قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ». متفق عليه (١).
- حكم من زنى بذات محرم:
من زنى بذات محرم كأخته وبنته وامرأة أبيه ونحوهن وهو عالم بتحريم ذلك وجب قتله؛ لشناعة جرمه.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾ [النساء/ ٢٢].
٢ - وعن البراء ﵁ قالَ: أَصَبْتُ عَمِّي وَمَعَهُ رَايةٌ فَقُلتُ أينَ تُريدُ؟ فقالَ: بَعثني رسُولُ اللهِ ﷺ إلَى رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةَ أَبِيهِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ وآخُذَ مَالَهُ. أخرجه الترمذي والنسائي (٢).
стр. 943
- عمل قوم لوط:
هو فعل الفاحشة في الدبر، والاستغناء بالرجال عن النساء.
- شناعة عمل قوم لوط:
هو من أكبر الجرائم المفسدة للخُلق والفطرة، وعقوبته أغلظ من عقوبة الزنى؛ لغلظ حرمته، لأن الزنى فعل فاحشة في فرج يباح بالنكاح، أما عمل قوم لوط فهو فعل فاحشة في دبر لايباح أبداً.
وعمل قوم لوط شذوذ جنسي خطير يسبب الأمراض النفسية والبدنية الخطيرة، وقد خسف الله بمن فعله، وأمطر عليهم حجارة من سجيل، ولهم النار يوم القيامة.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)﴾ [الأعراف/ ٨٠ - ٨١].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾ [هود/ ٨٢ - ٨٣].
- حكم عمل قوم لوط:
عمل قوم لوط محرم.
وعقوبته: أن يُقتل الفاعل والمفعول به محصناً أو غير محصن بما يراه الإمام من قَتْل بالسيف، أو رَجْم بالحجارة ونحوهما؛ لقوله ﵊: «مَنْ وَجَدْتُمُوْهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الفَاعِلَ وَالمَفْعُولَ بِهِ». أخرجه أبو داود والترمذي (١).
стр. 944
- حكم السحاق:
السحاق هو إتيان المرأة المرأة، وهو محرم، وفيه التعزير.
- حكم الاستمناء:
الاستمناء باليد أو نحوها حرام، وفي الصوم وقاية منه.
١ - قال الله تعالى مبيناً ما يباح للإنسان: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون/٥ - ٧].
٢ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قَالَ لَنَا رَسُولُ الله ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». متفق عليه (١).
- مَنْ وقع على بهيمة عُزِّر بما يراه الإمام، وتُذبح البهيمة.
стр. 945
٢ - حد القذف
- القذف: هو الرمي بزنى أو لواط، أو نفي نسب موجب للحد فيهما.
- حكمة مشروعية حد القذف:
حث الإسلام على حفظ الأعراض عما يدنسها ويشينها، وأمر بالكف عن أعراض الأبرياء، وحرم الوقوع في أعراضهم بغير حق؛ صيانة للأعراض وحماية لها من التلوث.
وبعض النفوس تُقْدِمُ على ماحَرَّم الله من قذف، وتدنيس أعراض المسلمين لنوايا مختلفة، ولمَّا كانت النوايا من الأمور الخفية كُلِّف القاذف أن يأتي بما يثبت قوله بأربعة شهداء، فإن لم يفعل أقيم عليه حد القذف ثمانين جلدة.
- حكم القذف:
القذف محرم، وهو من الكبائر، وقد أوجب الله على القاذف عقوبات غليظة في الدنيا والآخرة.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ ... [النور/٤].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النور/٢٣].
٣ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوْبِقَاتِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِالله، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ الله إلا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَومَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاتِ». متفق عليه (١).
- حد القذف: ثمانون جلدة للحر، وأربعون جلدة للعبد.
стр. 946
- ألفاظ القذف:
١ - القذف الصريح: كأن يقول: يا زاني، يا لوطي، يا عاهر، يا منيوكة ونحوها.
٢ - الكناية: أن يقول ما يحتمل القذف وغيره، كقوله: يا قحبة، يا فاجرة ونحوهما، فإن قصد الرمي بالزنى حُدَّ للقذف، وإن لم يقصده لم يُحَدّ وعُزِّر.
- شروط وجوب حد القذف:
يشترط لوجوب حد القذف ما يلي:
١ - أن يكون القاذف مكلفاً، مختاراً.
٢ - أن يكون المقذوف مسلماً، مكلفاً، حراً، عفيفاً، يجامع مثله.
٣ - أن يطالب المقذوف بالحد.
٤ - أن يقذفه بالزنى الموجب للحد، ولم يثبت قذفه.
- ثبوت حد القذف:
يثبت حد القذف إذا أقر القاذف على نفسه، أو شهد عليه رجلان عدلان بالقذف.
- عقوبة القذف:
تختلف عقوبة القذف باختلاف القاذف، واختلاف المقذوف.
والقاذف قسمان:
الأول: إذا كان القاذف حراً أو عبداً، والمقذوف محصناً، فحده ثمانون جلدة.
الثاني: إذا قذف غير محصن فلا حد عليه، لكنه يعزر بما يردعه.
والمحصن هنا: هو المسلم الحر المكلف العفيف الملتزم الذي يجامع مثله.
стр. 947
وحد القذف حق للمقذوف، ويترتب على ذلك ما يلي:
أن حد القذف يسقط بعفوه. ولا يقام الحد حتى يطالب به المقذوف .. وأن العبد يحد كاملاً ثمانين جلدة.
- سقوط حد القذف:
يسقط حد القذف إذا اعترف المقذوف بالزنى، أو قامت عليه البينة بالزنى، أو قذف الرجل زوجته ولاعنها.
- ما يترتب على ثبوت حد القذف:
إذا ثبت حد القذف ترتب عليه:
الجلد .. عدم قبول شهادة القاذف إلا بعد التوبة .. الحكم عليه بالفسق حتى يتوب.
- حكم من قذف أحداً بغير الزنى أو عمل قوم لوط:
إذا قذف غيره بغير الزنى أو عمل قوم لوط وهو كاذب فقد ارتكب محرماً، ولا يُحدُّ حد القذف، ولكن يعزر بما يراه الحاكم ملائماً لما حصل منه.
ومثال القذف بغير الزنى: أن يرميه بالكفر، أو النفاق، أو السكر، أو السرقة، أو الخيانة ونحو ذلك.
- صفة توبة القاذف:
تحصل توبة القاذف بالاستغفار، والندم، والعزم على ألّا يعود، وأن يكذب نفسه فيما رمى غيره به.
стр. 948
٣ - حد السرقة
- السرقة: هي أخذ مال محترم لغيره لا شبهة فيه من موضع مخصوص، بقدر مخصوص، على وجه الخفية.
- حكم السرقة:
١ - السرقة محرمة، وهي من كبائر الذنوب.
٢ - أمر الإسلام بحفظ المال، وحرَّم الاعتداء عليه، فنهى عن السرقة والاغتصاب والنهب والاختلاس؛ لأن ذلك أكلٌ لأموال الناس بالباطل.
- حكمة مشروعية حد السرقة:
صان الله الأموال بإيجاب قطع يد السارق، فإن اليد الخائنة بمثابة عضو مريض يجب بتره ليسلم الجسم، وفي قطع يد السارق عبرة لمن تحدثه نفسه بسرقة أموال الناس، وتطهير للسارق من ذنبه، وإرساء لقواعد الأمن والطمأنينة في المجتمع، وحفظٌ لأموال الأمة.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ». متفق عليه (١).
- عقوبة السارق:
١ - قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة/٣٨ - ٣٩].
стр. 949
٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَعَنَ الله السَّارِقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ». متفق عليه (١).
- شروط قطع يد السارق:
يجب القطع في حد السرقة إذا توفرت الشروط الآتية:
١ - أن يكون السارق مكلفاً (وهو البالغ العاقل)، مختاراً، مسلماً كان أو ذمياً.
٢ - أن يكون المسروق مالاً محترماً، فلا قطع بسرقة آلة لهو، أو خمر ونحوهما.
٣ - أن يبلغ المال المسروق نصاباً، وهو ربع دينار من الذهب فصاعداً، أو عَرض قيمته ربع دينار فصاعداً.
٤ - أن يكون أخذ المال على وجه الخفية والاستتار.
فإن لم يكن كذلك فلا قطع كالاختلاس، والاغتصاب، والانتهاب ونحوها، ففيها التعزير.
٥ - أن يأخذ المال من حرزه ويخرجه منه.
والحرز: ما تُحفظ فيه الأموال، ويختلف بحسب العادة والعرف، وحرز كل مال بحسبه، فحرز الأموال في الدور والبنوك والدكاكين، والمراح للغنم وهكذا.
٦ - انتفاء الشبهة عن السارق، فلا يُقطع بالسرقة من مال والديه وإن علوا، ولا من مال ولده وإن سفل، ولا يُقطع أحد الزوجين بالسرقة من مال الآخر، وكذا مَنْ سرق في مجاعة.
٧ - مطالبة المسروق منه بماله.
٨ - ثبوت السرقة بأحد أمرين:
١ - الإقرار بالسرقة على نفسه مرتين.
٢ - الشهادة، بأن يشهد عليه رجلان عدلان بأنه سرق.
стр. 950
- ما يترتب على ثبوت السرقة:
يترتب على ثبوت السرقة ما يلي:
١ - السارق عليه حقان:
حق خاص، وهو المسروق إن وجد، أو مثله أو قيمته إن كان تالفاً.
وعليه حق عام هو حق الله تعالى، وهو قطع يده إن كملت الشروط، أو تعزيره إن لم تكمل الشروط.
٢ - إذا وجب القطع قُطعت يده اليمنى من مفصل الكف، وحسمت بغمسها بزيت مغلي أو بما يقطع الدم.
وعليه رد ما أخذ من مال أو بدله لمالكه، وتحرم الشفاعة في حد السرقة بعد بلوغه الحاكم.
٣ - إذا عاد السارق مرة أخرى قُطعت رجله اليسرى من منتصف ظهر القدم، فإن عاد حُبس وعُزر حتى يتوب ولا يُقطع.
- تقطع يد الطَّرَّار وهو الذي يبطُّ الجيب أو غيره، ويأخذ منه المال خفية، إن بلغ ما أخذه نصاباً؛ لأنه سارق من حرز.
- مقدار نصاب السرقة:
ربع دينار من الذهب فصاعداً، أو عَرض يساويه.
عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : «تُقْطَعُ اليَدُ فِي رُبْعِ دِيْنارٍ فَصَاعِداً». متفق عليه (١).
- حكم درء الحدود بالشبهات:
إذا اعترف السارق بالسرقة ولم توجد معه فيُشرع للقاضي تلقينه الرجوع عن اعترافه، فإن أصر ولم يرجع عن إقراره قُطع، وإذا اعترف السارق بالسرقة ثم