← Фикх общий

Фикх общий · id 36185

مختصر الفقه الإسلامي في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (1 100 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

- ألفاظ القذف: ١ - القذف الصريح: كأن يقول: يا زاني، يا لوطي، يا عاهر، يا منيوكة ونحوها. ٢ - الكناية: أن يقول ما يحتمل القذف وغيره، كقوله: يا قحبة، يا فاجرة ونحوهما، فإن قصد الرمي بالزنى حُدَّ للقذف، وإن لم يقصده لم يُحَدّ وعُزِّر. - شروط وجوب حد القذف: يشترط لوجوب حد القذف ما يلي: ١ - أن يكون القاذف مكلفاً، مختاراً. ٢ - أن يكون المقذوف مسلماً، مكلفاً، حراً، عفيفاً، يجامع مثله. ٣ - أن يطالب المقذوف بالحد. ٤ - أن يقذفه بالزنى الموجب للحد، ولم يثبت قذفه. - ثبوت حد القذف: يثبت حد القذف إذا أقر القاذف على نفسه، أو شهد عليه رجلان عدلان بالقذف. - عقوبة القذف: تختلف عقوبة القذف باختلاف القاذف، واختلاف المقذوف. والقاذف قسمان: الأول: إذا كان القاذف حراً أو عبداً، والمقذوف محصناً، فحده ثمانون جلدة. الثاني: إذا قذف غير محصن فلا حد عليه، لكنه يعزر بما يردعه. والمحصن هنا: هو المسلم الحر المكلف العفيف الملتزم الذي يجامع مثله.

стр. 947

وحد القذف حق للمقذوف، ويترتب على ذلك ما يلي: أن حد القذف يسقط بعفوه. ولا يقام الحد حتى يطالب به المقذوف .. وأن العبد يحد كاملاً ثمانين جلدة. - سقوط حد القذف: يسقط حد القذف إذا اعترف المقذوف بالزنى، أو قامت عليه البينة بالزنى، أو قذف الرجل زوجته ولاعنها. - ما يترتب على ثبوت حد القذف: إذا ثبت حد القذف ترتب عليه: الجلد .. عدم قبول شهادة القاذف إلا بعد التوبة .. الحكم عليه بالفسق حتى يتوب. - حكم من قذف أحداً بغير الزنى أو عمل قوم لوط: إذا قذف غيره بغير الزنى أو عمل قوم لوط وهو كاذب فقد ارتكب محرماً، ولا يُحدُّ حد القذف، ولكن يعزر بما يراه الحاكم ملائماً لما حصل منه. ومثال القذف بغير الزنى: أن يرميه بالكفر، أو النفاق، أو السكر، أو السرقة، أو الخيانة ونحو ذلك. - صفة توبة القاذف: تحصل توبة القاذف بالاستغفار، والندم، والعزم على ألّا يعود، وأن يكذب نفسه فيما رمى غيره به.

стр. 948

٣ - حد السرقة - السرقة: هي أخذ مال محترم لغيره لا شبهة فيه من موضع مخصوص، بقدر مخصوص، على وجه الخفية. - حكم السرقة: ١ - السرقة محرمة، وهي من كبائر الذنوب. ٢ - أمر الإسلام بحفظ المال، وحرَّم الاعتداء عليه، فنهى عن السرقة والاغتصاب والنهب والاختلاس؛ لأن ذلك أكلٌ لأموال الناس بالباطل. - حكمة مشروعية حد السرقة: صان الله الأموال بإيجاب قطع يد السارق، فإن اليد الخائنة بمثابة عضو مريض يجب بتره ليسلم الجسم، وفي قطع يد السارق عبرة لمن تحدثه نفسه بسرقة أموال الناس، وتطهير للسارق من ذنبه، وإرساء لقواعد الأمن والطمأنينة في المجتمع، وحفظٌ لأموال الأمة. عن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ». متفق عليه (١). - عقوبة السارق: ١ - قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة/٣٨ - ٣٩].

стр. 949

٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَعَنَ الله السَّارِقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ». متفق عليه (١). - شروط قطع يد السارق: يجب القطع في حد السرقة إذا توفرت الشروط الآتية: ١ - أن يكون السارق مكلفاً (وهو البالغ العاقل)، مختاراً، مسلماً كان أو ذمياً. ٢ - أن يكون المسروق مالاً محترماً، فلا قطع بسرقة آلة لهو، أو خمر ونحوهما. ٣ - أن يبلغ المال المسروق نصاباً، وهو ربع دينار من الذهب فصاعداً، أو عَرض قيمته ربع دينار فصاعداً. ٤ - أن يكون أخذ المال على وجه الخفية والاستتار. فإن لم يكن كذلك فلا قطع كالاختلاس، والاغتصاب، والانتهاب ونحوها، ففيها التعزير. ٥ - أن يأخذ المال من حرزه ويخرجه منه. والحرز: ما تُحفظ فيه الأموال، ويختلف بحسب العادة والعرف، وحرز كل مال بحسبه، فحرز الأموال في الدور والبنوك والدكاكين، والمراح للغنم وهكذا. ٦ - انتفاء الشبهة عن السارق، فلا يُقطع بالسرقة من مال والديه وإن علوا، ولا من مال ولده وإن سفل، ولا يُقطع أحد الزوجين بالسرقة من مال الآخر، وكذا مَنْ سرق في مجاعة. ٧ - مطالبة المسروق منه بماله. ٨ - ثبوت السرقة بأحد أمرين: ١ - الإقرار بالسرقة على نفسه مرتين. ٢ - الشهادة، بأن يشهد عليه رجلان عدلان بأنه سرق.

стр. 950

- ما يترتب على ثبوت السرقة: يترتب على ثبوت السرقة ما يلي: ١ - السارق عليه حقان: حق خاص، وهو المسروق إن وجد، أو مثله أو قيمته إن كان تالفاً. وعليه حق عام هو حق الله تعالى، وهو قطع يده إن كملت الشروط، أو تعزيره إن لم تكمل الشروط. ٢ - إذا وجب القطع قُطعت يده اليمنى من مفصل الكف، وحسمت بغمسها بزيت مغلي أو بما يقطع الدم. وعليه رد ما أخذ من مال أو بدله لمالكه، وتحرم الشفاعة في حد السرقة بعد بلوغه الحاكم. ٣ - إذا عاد السارق مرة أخرى قُطعت رجله اليسرى من منتصف ظهر القدم، فإن عاد حُبس وعُزر حتى يتوب ولا يُقطع. - تقطع يد الطَّرَّار وهو الذي يبطُّ الجيب أو غيره، ويأخذ منه المال خفية، إن بلغ ما أخذه نصاباً؛ لأنه سارق من حرز. - مقدار نصاب السرقة: ربع دينار من الذهب فصاعداً، أو عَرض يساويه. عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : «تُقْطَعُ اليَدُ فِي رُبْعِ دِيْنارٍ فَصَاعِداً». متفق عليه (١). - حكم درء الحدود بالشبهات: إذا اعترف السارق بالسرقة ولم توجد معه فيُشرع للقاضي تلقينه الرجوع عن اعترافه، فإن أصر ولم يرجع عن إقراره قُطع، وإذا اعترف السارق بالسرقة ثم

стр. 951

رجع فلا قطع؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات. - حكم من سرق من بيت المال: مَنْ سرق من بيت المال فإنه يُعزَّر ويُغرَّم غرامة مثليَّة ولا يُقطع، لأن له نصيباً منه، ومثله مَنْ سرق من الغنيمة أو الخمس. - حكم جاحد العارية: يجب القطع على جاحد العارية إذ هو داخل في اسم السرقة. عن عائشة ﵂ قالت: كَانَتِ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ المَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهَا .... أخرجه مسلم (١). - حكم المال المسروق: من تمام توبة السارق ضمان المسروق لربه إذا كان تالفاً، فإن كان موسراً دفعه لصاحبه، وإن كان معسراً فنظرة إلى ميسرة، وإن كانت العين المسروقة موجودة بعينها فَرَدُّها لصاحبها شرط لصحة توبته. - حكم من تاب قبل القدرة عليه: مَنْ وجب عليه حد سرقة أو زنى أو غيرهما فتاب منه قبل ثبوته عند حاكم سقط عنه، ولا يشرع له كشف نفسه بعد أن ستره الله، لكن عليه رد ما أخذ من مال.

стр. 952

٤ - حد قطاع الطريق - قطاع الطريق: هم الذين يعرضون للناس بالسلاح في الصحراء أو البنيان، فيغصبونهم المال قهراً، مجاهرة لا سرقة، ويسمون محاربين. - صفات قطاع الطريق: مَنْ أشهر السلاح وأخاف الطريق وله قوة بنفسه أو بغيره من العصابات المختلفة كعصابة القتل، وعصابة اللصوص للسطو على البيوت والبنوك، وعصابة خطف البنات للفجور بهن، وعصابة خطف الأطفال ونحوهم، فهؤلاء قطاع طريق. - حكم الحرابة: الحرابة هي التعرض للناس بالسلاح في الصحراء، أو البنيان، في البيوت، أو وسائل النقل؛ لسفك دمائهم، وانتهاك أعراضهم، وغصب أموالهم ونحو ذلك. ويدخل في حكم الحرابة كل ما يقع من ذلك في الطرق والمنازل والسيارات والقطارات والسفن والطائرات، سواء كان تهديداً بالسلاح، أو زرعاً لمتفجرات، أو نسفاً لمباني، أو حرقاً بالنار، أو أخذاً لرهائن. والحرابة من أعظم الجرائم، ولذا كانت عقوبتها من أقسى العقوبات. - عقوبة قطاع الطريق: قطاع الطريق لهم أربعة أحوال: ١ - إذا قتلوا وأخذوا المال قُتلوا وصُلبوا. ٢ - إذا قتلوا ولم يأخذوا المال قُتلوا ولم يُصلبوا. ٣ - إذا أخذوا المال ولم يَقتلوا قُطع من كل واحد منهم يده اليمنى ورجله اليسرى. ٤ - إذا لم يَقتلوا ولم يأخذوا المال لكن أخافوا السبيل نُفوا من الأرض، وللإمام أن يجتهد في شأنهم بما يراه رادعاً لهم ولغيرهم؛ قطعاً لدابر الشر والفساد.

стр. 953

١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة/٣٣ - ٣٤]. ٢ - وعَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ نَفَرٌ مِنْ عُكْلٍ، فَأسْلَمُوا، فَاجْتَوَوُا المَدِينَةَ، فَأمَرَهُمْ أنْ يَأْتُوا إبِلَ الصَّدَقَةِ، فَيَشْرَبُوا مِنْ أبْوَالِهَا وَألْبَانِهَا، فَفَعَلُوا فَصَحُّوا، فَارْتَدُّوا وَقَتَلُوا رُعَاتَهَا، وَاسْتَاقُوا الإبِلَ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أيْدِيَهُمْ وَأرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أعْيُنَهُمْ، ثُمَّ لَمْ يَحْسِمْهُمْ حَتَّى مَاتُوا. متفق عليه (١). - شروط وجوب الحد على قطاع الطريق: يشترط لوجوب الحد على قاطع الطريق ما يلي: ١ - أن يكون قاطع الطريق -ويسمى المحارب- مكلفاً، مسلماً أو ذمياً، ذكراً أو أنثى. ٢ - أن يكون المال الذي أخذه محترماً. ٣ - أن يأخذ المال من حرز قليلاً كان أو كثيراً. ٤ - ثبوت قطع الطريق منه بإقرار أو شاهدي عدل. ٥ - انتفاء الشبهة كما ذكر في السرقة. - كيفية النفي من الأرض: قطاع الطريق إذا أخافوا الناس، ولم يقتلوا، ولم يأخذوا مالاً، ينفون من الأرض، فيطردون من الأرض التي قطعوا فيها الطريق، لإزالة شرهم عن الناس، وليرتدعوا.

стр. 954

وقد يحصل النفي بالحبس؛ لأن الحبس سجن الدنيا، والمحبوس كالمنفي من الأرض، وحبسه أقرب إلى السلامة من شره. فإذا أمكن اتقاء شرهم بنفيهم نفيناهم، وإذا لم يمكن إلا بحبسهم حبسناهم؛ لدفع شرهم عن الناس. - حكم توبة المحارب: مَنْ تاب من قُطاع الطريق قبل أن يُقدر عليه سقط عنه ما كان للهِ من نفي، وقطع، وصلب، وتحتُّم قتل، وأُخذ بما للآدميين من نفس، وطرف، ومال إلا أن يُعفى له عنها، وإن قُبض عليه قبل التوبة أُقيم عليه حد الحرابة، لئلا يُتخذ ذلك ذريعة إلى تعطيل حدود الله . - صفة الدفاع عن النفس: مَنْ صال على نفسه أو أهله أو ماله آدمي أو بهيمة دفعه بأسهل ما يغلب على ظنه، فإن لم يندفع إلا بالقتل فله ذلك، ولا ضمان عليه، فإن قُتل المعتدى عليه فهو شهيد. - حكم الزنديق: الزنديق: هو من يظهر الإسلام ويبطن الكفر. والزنديق محارب للهِ ورسوله، ومحاربة الزنديق للإسلام بلسانه أعظم من محاربة قاطع الطريق بيده وسنانه، فإن فتنة هذا في الأموال والأبدان، وفتنة الزنديق في القلوب والإيمان. فإن تاب قبل القدرة عليه فتقبل توبته ويُحقن دمه، وأما بعد القدرة عليه فلا تقبل توبته بل يُقتل حداً من غير استتابة، إلا إن علمنا صدق توبته فلا نقتله.

стр. 955

٥ - حد أهل البغي - البغاة: هم قوم لهم شوكة ومَنَعة يخرجون على الإمام بتأويل سائغ، يريدون خلعه، أو مخالفته، وشق عصا الطاعة له. - صفة البغاة: كل طائفة منعت الحق الذي عليها، أو تميزت عن إمام المسلمين، أو خلعت طاعته، فهم بغاة ظلمة، والبغاة المسلمون ليسوا كفاراً. - كيفية معاملة البغاة: ١ - إذا خرج البغاة على الإمام فعليه أن يراسلهم، ويسألهم ما ينقمون منه، فإن ذكروا مظلمة أزالها، وإن ادعوا شبهة كشفها. فإن رجعوا وإلا وعظهم وخَوَّفهم القتال، فإن أصروا قاتلهم، وعلى رعيته معونته حتى يندفع شرهم وتطفأ فتنتهم. ٢ - إذا قاتلهم الإمام فلا يقتلهم بما يعم كالقذائف المدمرة، ولا يجوز قتل ذريتهم، ومُدْبِرهم، وجريحهم، ومَنْ ترك القتال منهم. ومَنْ أُسر منهم حُبس حتى تخمد الفتنة، ولا تُغنم أموالهم ولا تسبى ذراريهم. ٣ - بعد انقضاء القتال وخمود الفتنة ما تلف من أموالهم حال الحرب فهو هدر، ومَنْ قُتل منهم فهو غير مضمون، وهم لا يضمنون مالاً، ولا أنفساً تلفت حال القتال. - ما يجب فعله عند اقتتال طائفتين: إذا اقتتلت طائفتان لعصبية، أو رئاسة فهما ظالمتان، وتضمن كل واحدة ما أتلفت على الأخرى، ويجب الإصلاح بينهما. ١ - قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ [الحجرات/٩].

стр. 956

٢ - وعن عرفجة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيْعٌ، عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوْهُ». أخرجه مسلم (١). - حكم الخروج على إمام المسلمين: ١ - نصب الإمام من أعظم واجبات الدين، وتحرم معصيته والخروج عليه ولو جار وظلم، ما لم يرتكب كفراً بواحاً عندنا من الله فيه برهان، سواء ثبتت إمامته بإجماع المسلمين، أو بعهد من الإمام الذي قبله، أو باجتهاد أهل الحل والعقد، أو بقهره للناس حتى أذعنوا له ودعوه إماماً، ولا يُعزل بفسقه، ما لم يرتكب كفراً بواحاً عندنا من الله فيه برهان. ٢ - الخارجون عن طاعة الإمام إما أن يكونوا قطاع طريق، أو يكونوا بغاة، أو يكونوا خوارج وهم الذين يُكفِّرون مرتكب الكبيرة، ويستحلون دماء المسلمين وأموالهم، وهؤلاء فسقة يجوز قتالهم ابتداء. فهؤلاء الثلاثة خارجون عن طاعة الإمام، من مات منهم فحكمه حكم عصاة الموحدين. - ما يجب على إمام المسلمين: ١ - إمام المسلمين يجب أن يكون من الرجال لا من النساء، فلن يفلح قوم وَلَّوا أمرهم امرأة. ويلزم الإمام حماية بلاد الإسلام، وحفظ الدين، وتنفيذ أحكام الله، وإقامة الحدود، وتحصين الثغور، وجباية الصدقات، والحكم بالعدل، وجهاد الأعداء، والدعوة إلى الله، ونشر الإسلام. ٢ - يجب على الإمام أن ينصح لرعيته، ولا يشق عليهم، وأن يرفق بهم في سائر أحوالهم، فقد قال النبي ﷺ : «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ الله رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَومَ يَمُوتُ

стр. 957

وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إلَّا حَرَّمَ الله عَلَيْهِ الجَنَّةَ». متفق عليه (١). - يجب على الأمة طاعة الإمام في غير معصية الله : ١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء/٥٩]. ٢ - وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيْمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ إلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَلا سَمْعَ وَلا طَاعَةَ». متفق عليه (٢). - توبة من ارتكب جريمة توجب حداً: إن كانت توبته بعد القدرة عليه فهذه التوبة لا تُسقط الحد. وإن كانت توبة مرتكب الجريمة الحدِّيَّة قبل القدرة عليه فتُقبل توبته، وتُسْقِط عنه الحد، رحمة من رب العالمين برفع العقاب عن المذنبين التائبين. ١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة/٣٣ - ٣٤]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)﴾ [الأعراف/١٥٣].

стр. 958

التعزير - التعزير: هو عقوبة غير مقدرة على معاص لا حد فيها ولا قصاص ولا كفارة. - العقوبة على المعاصي ثلاثة أنواع: ١ - ما فيه حد مقدر كالزنى، والسرقة، والقتل عمداً، فهذا لا كفارة فيه ولا تعزير، ٢ - ما فيه كفارة ولا حد فيه كالجماع حال الإحرام، وفي نهار رمضان، والقتل خطأ، فهذا فيه الكفارة. ٣ - ما ليس فيه حد ولا كفارة كالخمر والمخدرات ونحوها من المعاصي، فهذا فيه التعزير. - حكمة مشروعية التعزير: شرع الله عقوبات مقدرة لا يزاد عليها ولا ينقص منها على الجرائم المخلة بمقومات الأمة من حفظ الدين، والنفس، والمال، والعرض، والعقل، وشرع لذلك حدوداً زاجرة، وهي جواهر لا يمكن للأمة أن تعيش إلا بالمحافظة عليها بإقامة الحدود. ولهذه الحدود شروط وضوابط، قد لا يثبت بعضها، فتتحول العقوبة من عقوبة محددة إلى عقوبة غير محددة يراها الإمام، وهي التعزير. - حكم التعزير: التعزير واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، سواء كانت فعلاً للمحرمات، أو تركاً للواجبات، كاستمتاع لا حد فيه، وسرقة لا قطع فيها، وجناية لا قود فيها، وإتيان المرأة المرأة، والقذف بغير الزنى ونحوها، أو ترك الواجبات مع قدرته كقضاء الديون، وأداء الأمانات والودائع، ورد المغصوب والمظالم ونحو ذلك. ومن ارتكب معصية لا حد فيها ثم جاء تائباً نادماً فإنه لا يعزر.

стр. 959

- أقسام التعزير: ينقسم التعزير إلى قسمين: ١ - تعزير على التأديب والتربية: كتأديب الوالد لولده، والزوج لزوجته، والسيد لخادمه، في غير معصية، فهذا لا يجوز أن يزيد على عشرة أسواط لقول النبي ﷺ : «لا تَجْلِدُوا فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ إلا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ». متفق عليه (١). ٢ - تعزير على المعاصي: فهذا تجوز فيه الزيادة للحاكم بحسب المصلحة والحاجة، وحجم المعصية، وكثرتها وقلتها، وليس لها حد معين، لكن إن كانت المعصية في عقوبتها مقدرة من الشارع كالزنى والسرقة ونحوها، فلا يبلغ بالتعزير الحد المقدر. - أنواع التعزير: التعزير مجموعة من العقوبات تبدأ بالنصح والوعظ، والهجر، والتوبيخ، والتهديد، والإنذار، والعزل عن الولاية، وتنتهي بأشد العقوبات كالحبس والجلد، وقد تصل إلى القتل تعزيراً إذا اقتضت المصلحة العامة كقتل الجاسوس، والمبتدع، وصاحب الجرائم الخطيرة. وقد يكون التعزير بالتشهير، أو الغرامة المالية، أو النفي. - عقوبة التعزير: عقوبة التعزير غير مقدرة، وللحاكم اختيار العقوبة التي تلائم الجاني كما سبق بشرط ألّا تخرج عما أمر الله به، أو نهى الله عنه، وذلك يختلف باختلاف الأماكن، والأزمان، والأشخاص، والمعاصي، والأحوال.

стр. 960

- عقوبة السكران: جميع الحدود التي رتبها الشارع على الجرائم لا يزاد فيها ولا يُنقص. وعقوبة السكران من باب التعزير الذي لا ينقص عن أقل تقدير وردت به السنة، وهو أربعون جلدة. وللحاكم أن يزيد عليه إذا رأى المصلحة في ذلك. وعقوبة شارب الخمر تعزير لا حد؛ لأنه لم يرد ذكر حده في القرآن ولا في السنة، وكان الصحابة ﵃ إذا جيء بشارب الخمر ضربوه بالجريد والنعال ونحوها، ولو كان له حد لوجب ضبطه كغيره من الحدود. وجُلد شارب الخمر في عهد النبي ﷺ نحو أربعين، وكذلك في عهد أبي بكر ﵁، ولما أكثر الناس من شربه جَلد عمر ﵁ شاربه ثمانين، وألحقه بعد مشاورة الصحابة بأخف الحدود وهو القذف ولو كان للخمر حد ما استطاع عمر ﵁ ولا غيره تجاوزه؛ لأن الحدود لا تغير. فتبين بهذا أن عقوبة شارب الخمر تعزير لا حد. - حكم الخمر: اسم لكل ما خامر العقل وغطاه من أي نوع من الأشربة. - كل شراب أسكر كثيره فقليله حرام. عن عائشة ﵂ قالت: سئل رسول الله ﷺ عن البِتْعِ - وهو شراب العسل- فقال رسول الله ﷺ : «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ». متفق عليه (١).

стр. 961

- حكمة تحريم الخمر: الخمر أم الخبائث، ويحرم تعاطيها بأي صورة كانت، شرباً، أو بيعاً، أو شراء، أو تصنيعاً، أو أيَّ خدمة تؤدي إلى شربها، وهي تغطي عقل شاربها فيتصرف تصرفات تضر البدن والروح، والمال والولد، والعرض والشرف، والفرد والمجتمع، وهي تزيد في ضغط الدم، وتسبب له ولأولاده البله، والجنون، والشلل، والميل إلى الإجرام. والسكر لذة ونشوة يغيب معها العقل الذي يحصل به التمييز، فلا يعلم صاحبه ما يقول، ومن أجل ذلك حرمها الإسلام وشرع عقوبة تعزيرية رادعة لمتعاطيها. ١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ ... [المائدة/٩٠ - ٩١]. ٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ». متفق عليه (١). - ثبوت شرب الخمر: يثبت شرب الخمر بأحد أمرين: ١ - إقرار شاربها بأنه شرب الخمر. ٢ - شهادة شاهدين عدلين. - عقوبة شارب الخمر: ١ - إذا شرب المسلم الخمر مختاراً عالماً أن كثيره يُسكر جُلد أربعين جلدة، وللإمام

стр. 962

أن يبلغ به الثمانين تعزيراً إن رأى انهماك الناس في الشراب. ٢ - مَنْ شرب الخمر في المرة الأولى جُلد أربعين، فإن شرب ثانية جُلد، فإن شرب ثالثة جُلد، فإن شرب رابعة فللإمام حبسه أو قتله تعزيراً؛ صيانة للعباد، وردعاً للفساد. ٣ - مَنْ شرب الخمر في الدنيا ولم يتب لم يشربها في الآخرة وإن أُدخل الجنة، ولا يدخل الجنة مدمن خمر، ومَنْ شربها وسكر لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً، وإن مات دخل النار، فإن تاب تاب الله عليه، ومَنْ كرر شربها سقاه الله يوم القيامة من عصارة أهل النار. ١ - عن جابر ﵁: أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ مِنْ جَيْشَانَ وَجَيْشَانُ مِنْ الْيَمَنِ فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ شَرَابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأَرْضِهِمْ مِنْ الذُّرَةِ يُقَالُ لَهُ الْمِزْرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَوَمُسْكِرٌ هُوَ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، إِنَّ عَلَى اللهِ عَهْدًا لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: «عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ، أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ». رواه مسلم (١). ٢ - عن ابن عمر ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا، حُرِمَهَا فِي الآخِرَةِ». متفق عليه (٢). - يجوز للإمام التعزير بكسر أواني الخمر وتحريق أمكنة الخمارين بحسب المصلحة فيما يراه رادعاً وزاجراً عن شربها. - حكم المخدرات: المخدرات: مواد تفسد الجسم، وتورث الخدر والفتور على الجسم والعقل. والمخدرات داء عضال تسبب الشرور والأمراض. ويحرم تعاطيها، وتهريبها وترويجها، والتجارة فيها، وللإمام عقوبة مَنْ فعل

стр. 963

ذلك بما يحقق المصلحة من قتل، أو جلد، أو سجن، أو غرامة؛ قطعاً لدابر الشر والفساد، وحفظاً للأنفس والأموال والأعراض والعقول. - عقوبة أهل المخدرات: لخطر المخدرات العظيم، وضررها المهلك، أفتى بعض كبار العلماء بما يلي: ١ - مهرب المخدرات عقوبته القتل؛ لعظيم ضرره وشره. ٢ - مُرَوِّج المخدرات بالبيع، والشراء، أو التصنيع، أو الاستيراد، أو الإهداء في المرة الأولى يعزر تعزيراً بليغاً بالحبس، أو الجلد، أو المال، أو بها كلها حسب رأي الحاكم. وإن تكرر منه ذلك فيعزر بما يقطع شره عن الأمة حتى ولو كان ذلك بالقتل؛ لأنه بفعله هذا من المفسدين في الأرض. - حكم المفترات: المفترات: هي كل ما يورث الفتور في البدن، والخدر في الأطراف. والمفترات تسبب الفتور والخدر في البدن كالدخان، والجراك، والقات، ونحوها مما لا يصل إلى حد الإسكار، ولا يغيب العقل، وهي محرمة لا يجوز تعاطيها لضررها الديني والصحي، والبدني، والمالي، والعقلي. - عقوبة تعاطي المفترات عقوبة تعزيرية يقدرها الحاكم حسب ما يحقق المصلحة. - كفارة من قَبَّل امرأة لا تحل له وجاء نادماً: عن ابن مسعود ﵁ أَنَّ رَجُلاً أَصَابَ مِن امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود/١١٤]. قَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ الله أَلِيَ هَذَا؟ قَالَ: «لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ». متفق عليه (١).

стр. 964

الردة - المرتد: هو مَنْ كفر بعد إسلامه طوعاً. - حكم المرتد: المرتد أغلظ كفراً من الكافر الأصلي، والردة كفر مخرج من الملة، وموجب للخلود في النار إن لم يتب قبل الموت، وإذا قُتل المرتد أو مات ولم يتب فهو كافر لا يُغسَّل ولا يُصلَّى عليه ولا يُدفن في مقابر المسلمين. ١ - قال الله تعالى: ... ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة/٢١٧]. ٢ - وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ بَدَّلَ دِيْنَهُ فَاقْتُلُوهُ». أخرجه البخاري (١). - حكمة مشروعية قتل المرتد: الإسلام منهج كامل للحياة، ونظام شامل لكل ما يحتاجه البشر، موافق للفطرة والعقل، قائم على الدليل والبرهان، وهو من أكبر النعم، وبه تتحقق سعادة الدنيا والآخرة. ومن دخل فيه ثم ارتد عنه فقد انحط إلى أسفل الدركات، ورد ما رضيه الله لنا من الدين، وخان الله ورسوله، فيجب قتله؛ لأنه أنكر الحق الذي لا تستقيم الدنيا والآخرة إلا به. - أقسام الردة: تنقسم الردة إلى ثلاثة أقسام: ١ - الردة بالاعتقاد: كأن يعتقد الإنسان وجود شريك مع الله في ربوبيته، أو ألوهيته،

стр. 965

أو جحد ربوبيته، أو وحدانيته، أو صفة من صفاته، أو يعتقد تكذيب الرسل عليهم الصلاة والسلام، أو جحد الكتب المنزلة، أو ينكر البعث، أو الجنة، أو النار، أو يبغض شيئاً من الدين ولو عمل به. أو يعتقد أن الزنى أو الخمر ونحوهما من محرمات الدين الظاهرة حلال، أو جحد وجوب الصلاة، أو الزكاة، أو نحوهما من واجبات الدين الظاهرة ومثله لا يجهله، فإن جهله لم يكفر، فإن عرف حكمه وأصر على اعتقاده كفر، أو شك في شيء من واجبات الدين ومثله لا يجهله كالصلاة. ٢ - الردة بالقول: كأن يسب الله، أو رسله، أو ملائكته، أو كتبه المنزلة، أو ادعى النبوة، أو دعا مع الله غيره، أو قال إن للهِ ولداً أو زوجة، أو أنكر تحريم شيء من المحرمات الظاهرة كالزنى والربا والخمر ونحوها، أو استهزأ بالدين أو شيء منه كوعد الله، أو وعيده، أو سب الصحابة أو أحداً منهم ونحو ذلك. ٣ - الردة بالفعل: كأن يذبح لغير الله، أو يسجد لغير الله، أو يترك الصلاة. أو بترك الحكم بما أنزل الله رغبة عنه، أو يعرض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به، أو يظاهر المشركين ويعاونهم على المسلمين ونحو ذلك. - ما يفعل بالمرتد: مَنْ ارتد عن الإسلام وهو بالغ عاقل مختار دُعي إليه وَرُغِّبَ فيه، وعُرضت عليه التوبة لعله يتوب، فإن تاب فهو مسلم، وإن لم يتب وأصر على ردته قُتل بالسيف كفراً لا حداً. عَنْ أبِي مُوسَى ﵁ أنَّ رَجُلاً أسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، فَأتَى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَهُوَ عِنْدَ أبِي مُوسَى، فَقَالَ: مَا لِهَذَا؟ قَالَ: أسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، قَالَ: لا أجْلِسُ حَتَّى أقْتُلَهُ، قَضَاءُ الله وَرَسُولِهِ؟. متفق عليه (١). - مَنْ كانت ردته بجحد شيء من الدين فتوبته مع الشهادتين إقراره بالمجحود به.

стр. 966

- حكم ردة الزوج: إذا ارتد الزوج فلا تحل له زوجته، وله مراجعتها بعد التوبة ما دامت في العدة، فإن خرجت من العدة ولم يراجعها ملكت نفسها، فلم تحل إلا برضاها بعقد ومهر جديدين. - السحر: عُقَد ورُقَى تؤثر في بدن المسحور وعقله. - حكم السحر: السحر يحرم تعلمه، وتعليمه، وفعله، والدلالة عليه. وحكمه: ١ - إن كان السحر بواسطة الشياطين فإنه يكفر الساحر، ويُقتل إن لم يتب قَتْل ردة. ٢ - وإن كان السحر بالأدوية والعقاقير فقط فليس هذا كفراً، بل معصية من الكبائر، يُقتل قتل الصائل إن لم يتب حسب اجتهاد الحاكم. ١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة/١٠٢]. ٢ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ» قَالُوا يَا رَسُولَ الله وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِالله وَالسِّحْرُ ... » متفق عليه (١).

стр. 967

الأيْمان - اليمين: هي توكيد الأمر المحلوف عليه بذكر الله، أو اسم من أسمائه، أو صفة من صفاته على وجه مخصوص، وتسمى الحلف أو القسم. - اليمين المنعقدة: اليمين التي تنعقد وتجب بها الكفارة إذا حنث هي اليمين بالله، أو اسم من أسمائه، أو صفة من صفاته، كأن يقول: والله، وبالله، وتالله، والرحمن، وعظمة الله، وجلاله وعزته، ورحمته ونحو ذلك. - حكم الحلف بغير الله: ١ - الحلف بغير الله محرم وهو شرك أصغر؛ لأن الحلف تعظيم للمحلوف به، والتعظيم لا يكون إلا للهِ . عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ الله فَقَدْ أَشْرَكَ». أخرجه أبو داود والترمذي (١). ٢ - يحرم الحلف بغير الله كأن يقول: (والنبي، وحياتك، والأمانة، والكعبة، والآباء ونحو ذلك). قال ﵊: «أَلا إنَّ الله يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوْا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفاً فَلْيَحْلِفْ بِالله أَوْ لِيَصْمُتْ». متفق عليه (٢). - يجب حفظ الأيمان وعدم الاستهانة بها، وشأنها عظيم، فلا يجوز التساهل باليمين ولا الاحتيال للتخلص من حكمه، ويجوز القسم على الأمر المهم شرعاً.

стр. 968

- أقسام اليمين: أقسام اليمين من حيث الانعقاد ثلاثة: الأول: اليمين المنعقدة: وهي كما سبق تنعقد، وفيها الكفارة إن حنث. الثاني: اليمين الغموس: وهي محرمة، وصفتها أن يحلف على أمر ماض كاذباً عالماً، وهي التي تُهضم بها الحقوق، أو يُقصد بها الفسق والخيانة، وهي من أكبر الكبائر، وسميت غموساً؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم، ثم في النار، ولا كفارة فيها، ولا تنعقد، وتجب المبادرة بالتوبة منها. الثالث: اليمين اللغو: وهي الحلف من غير قصد اليمين مما يجري على اللسان كقوله: لا والله، وبلى والله، أو والله لتأكلن، أو لتشربن ونحو ذلك، أو حلف على أمر ماضٍ يظن صدق نفسه فبان بخلافه. وهذه اليمين لا تنعقد، ولا كفارة فيها، ولا يؤاخَذ بها الحالف؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة/ ٨٩]. - إذا استثنى في يمينه فقال: والله لأفعلن كذا إن شاء الله، لم يحنث إذا لم يفعله. - كفارة الحلف بغير الله: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: وَاللَّاتِ وَالعُزَّى فَلْيَقُلْ: لا إلَهَ إلا الله، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ». متفق عليه (١). ٢ - وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه حلف باللات والعزى، فقال له النبي ﷺ : «قُلْ لا إلَهَ إلَّا الله وَحْدَهُ ثَلاثاً، وَاتْفُلْ عَنْ شِمَالِكَ ثَلاثاً، وَتَعَوَّذ بِالله مِنَ الشَّيْطَانِ، وَلا تَعُدْ». اخرجه أحمد وابن ماجه (٢).

стр. 969

- أحكام اليمين: لليمين خمسة أحكام: ١ - يمين واجبة: وهي التي يُنقذ بها إنساناً معصوماً من هلكة. ٢ - مندوبة: كالحلف عند الإصلاح بين الناس، وإذا توقف عليها فعل مستحب. ٣ - مباحة: كالحلف على فعل مباح، أو تركه، أو توكيد أمر ونحو ذلك. ٤ - مكروهة: كالحلف على فعل مكروه، أو ترك مندوب، والحلف في البيع والشراء. ٥ - محرمة: كمن حلف كاذباً متعمداً، أو حلف على فعل معصية، أو ترك واجب. - حكم الحنث في اليمين: يسن الحنث في اليمين إذا كان خيراً، كمن حلف على فعل مكروه، أو ترك مندوب، فيفعل الذي هو خير ويكفِّر عن يمينه؛ لقوله ﵊: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، فَلْيَأْتِهَا، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ». أخرجه مسلم (١). - يجب نقض اليمين إذا حلف على ترك واجب كمن حلف لا يصل رحمه، أو حلف على فعل محرم كمن حلف ليشربن الخمر، فيجب نقض اليمين، ويكفر عنها. - ويباح نقض اليمين كما إذا حلف على فعل مباح، أو حلف على تركه، ويكفر عن يمينه. - شروط وجوب كفارة اليمين: يشترط لوجوب كفارة اليمين ما يلي: ١ - أن تكون اليمين منعقدة من مكلف على أمر مستقبل ممكن، كمن حلف لا يدخل دار فلان.

стр. 970

٢ - أن يحلف مختاراً، فإن حلف مكرهاً لم تنعقد يمينه. ٣ - أن يكون قاصداً لليمين، فلا تنعقد بلا قصد، كمن يجري على لسانه (لا والله، وبلى والله) في حديثه. ٤ - الحنث في يمينه، بأن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله مختاراً ذاكراً. - صفة كفارة اليمين: يخير من لزمته كفارة يمين بين: ١ - إطعام عشرة مساكين نصف صاع من قوت البلد لكل واحد من بر، أو تمر، أو أرز ونحوها، وإن غدَّى المساكين العشرة أو عشَّاهم جاز. ٢ - كسوة عشرة مساكين ما يُجزئ في الصلاة. ٣ - عتق رقبة مؤمنة. وهو مخير في هذه الثلاثة السابقة، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام، ولا يجوز الصيام إلا عند العجز عن الثلاثة السابقة. - حكم تقديم كفارة اليمين: يجوز تقديم الكفارة على الحنث، ويجوز تأخيرها عنه، فإن قدمها كانت محللة لليمين، وإن أخرها كانت مكفرة له. قال الله تعالى في بيان كفارة اليمين: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة/٨٩]. - من حق المسلم على أخيه إبرار قسمه إذا أقسم عليه إذا لم يكن في معصية، ولم تلحقه مشقة.

стр. 971

- إذا حلف لا يفعل هذا الشيء ففعله ناسياً، أو مكرهاً، أو جاهلاً أنه المحلوف عليه لم يحنث، ولا كفارة عليه، ويمينه باقية. - إذا حلف على إنسان قاصداً إكرامه لا يحنث مطلقاً، فإن كان قاصداً إلزامه ولم يفعل فإنه يحنث. - الأعمال بالنيات، فمن حلف على شيء وَوَرَّى بغيره فالعبرة بنيته لا بلفظه. - حقيقة اليمين: اليمين تكون على نية المستحلف، فإذا حلَّفه القاضي في الدعوى أو غيرها، فيجب أن تكون على نية المحلِّف لا على نية الحالف، وإذا حلف بدون استحلاف فعلى نية الحالف. - حكم من حرم على نفسه حلالاً غير زوجته: من حرَّم على نفسه حلالاً سوى زوجته من طعام أو غيره لم يحرم عليه، وعليه إن فعله كفارة يمين؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [التحريم/١ - ٢]. - حكم من حلف على معصية: مَنْ حلف لا يفعل الخير فلا يجوز له الإصرار على يمينه، بل يكفِّر عن يمينه ويفعل الخير؛ لقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤)﴾ [البقرة/٢٢٤].

стр. 972

النذر - النذر: هو إلزام مكلف مختار نفْسَه للهِ تعالى شيئاً غير لازم بأصل الشرع، بكل قول يدل عليه. - حكم النذر: النذر مكروه؛ لأن النبي ﷺ نهى عنه، وبين أنه لا يأتي بخير، وليس فيه فائدة، فهو لا يأت بخير، ولا يرد قدراً؛ لأن الله يفعل ما يشاء، سواء نذرت أو لم تنذر. والله لم يُثن على الناذرين، وإنما أثنى على الموفين بالنذر إذا نذروا. فالنذر لا تحمد عقباه، وقد يتعذر الوفاء به فيلحقه الإثم، والناذر يشارط الله تعالى ويعاوضه على أنه إن حصل مطلوبه قام بما نذر، وإلا لم يقم، والله غني عن العباد وطاعاتهم. ١ - قال الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ [الإنسان/٧]. ٢ - وعن ابن عمر ﵄ قال: نهى النبي ﷺ عن النذر وقال: «إنَّهُ ... لا يَرُدُّ شَيْئاً وَلَكِنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ». متفق عليه (١). - حكم النذر لغير الله: النذر نوع من العبادة، لا يجوز صرفه لغير الله تعالى؛ لأنه يتضمن تعظيم المنذور له، والتقرب إليه بذلك، فمن نذر لغير الله تعالى من قبر، أو ملك، أو نبي، أو ولي فقد أشرك بالله الشرك الأكبر، وهو باطل يحرم الوفاء به. - من يصح منه النذر: لا يصح النذر إلا من بالغ، عاقل، مختار، مسلماً كان أو كافراً.

стр. 973

- أقسام النذر: ينقسم النذر إلى ستة أقسام: ١ - النذر المطلق: كقوله: للهِ عليّ نذر إن فعلت كذا وَفَعَله فيلزمه كفارة يمين. ٢ - نذر اللجاج أو الغضب: وهو تعليق نذره بشرطٍ يقصد المنع منه، أو الحمل عليه، أو التصديق، أو التكذيب، كقوله: إن كلمتك فعليَّ الحج مثلاً، فيخير بين فعل ما نذره، وبين كفارة يمين. ٣ - نذر فعل مباح: مثل أن ينذر أن يلبس ثوبه، أو يركب دابته ونحوهما، فيخير بين فعله، وكفارة يمين. ٤ - النذر المكروه: كنذر الطلاق ونحوه فيسن أن يكفر عن يمينه ولا يفعله. ٥ - نذر المعصية: مثل أن ينذر أن يقتل أحداً، أو يشرب الخمر، أو يزني، أو أن يصوم يوم العيد. وهذا النذر لا يصح، ويحرم الوفاء به، وعليه كفارة يمين، لقوله ﵊: «لا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ». أخرجه أبو داود والترمذي (١). ٦ - نذر الطاعة: سواء كان مطلقاً كفعل الصلاة، والصوم، والحج، والعمرة، والاعتكاف ونحوها بقصد التقرب إلى الله تعالى فيجب الوفاء به. أو كان معلقاً كقوله: إن شفى الله مرضي أو ربح مالي فلله عليَّ كذا من صدقة، أو صوم ونحوها، فإذا وُجِد الشرط لزمه الوفاء به، فالوفاء بالنذر عبادة يجب أداؤها، وقد مدح الله المؤمنين بأنهم يوفون بالنذر. ١ - قال الله تعالى في صفة الأبرار: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ [الإنسان/٧]. ٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة/٢٧٠].

стр. 974

٣ - وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ الله فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ». أخرجه البخاري (١). - مَنْ نذر فعل طاعة ومات قبل فِعْلها فَعَلها عنه وليه كصيام، وصدقة ونحوهما مما تدخله النيابة. - حكم من عجز عن النذر: من نذر فعل طاعة ثم عجز عن الوفاء بما نذر فعليه كفارة يمين. ويكره له النذر، لقول ابن عمر ﵄: نهى النبي ﷺ عن النذر وقال: «إنَّهُ لا يَرُدُّ شَيْئاً وَلَكِنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ». متفق عليه (٢). - حكم النذر فيما يشق على الإنسان: يكره النذر في كل ما يشق على العبد من الأعمال والطاعات. فمن نذر نذراً لا يطيقه ويلحقه به مشقة كبيرة كمن نذر أن يقوم الليل كله، أو يصوم الدهر كله، أو يتصدق بماله كله، أو يحج أو يعتمر ماشياً لم يجب الوفاء بهذا النذر، وعليه كفارة يمين. - مصرف النذر: مصرف نذر الطاعة على ما نواه به صاحبه في حدود الشريعة المطهرة، فإن نوى بالمنذور من لحم أو غيره الفقراء فلا يجوز أن يأكل منه. وإن نوى بنذره أهل بيته، أو رفقته، أو أصحابه جاز له أن يأكل كواحد منهم.

стр. 975

- حكم من خلط في نذره طاعة بمعصية: مَنْ خلط في نذره طاعة بمعصية لزمه فعل الطاعة، وترك المعصية. عن ابن عباس ﵄ قال: بينا النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم. فقال النبي ﷺ : «مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ». أخرجه البخاري (١). - حكم من نذر أن يصوم أياماً فوافق النحر أو الفطر: لا يجوز لأحد أن يصوم يومي العيد، ومن نذر ذلك كفر عن نذره. عن زياد بن جبير قال: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ، فَسَألَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: نَذَرْتُ أنْ أصُومَ كُلَّ يَوْمِ ثُلاثَاءَ أوْ أرْبِعَاءَ مَا عِشْتُ، فَوَافَقْتُ هَذَا اليَوْمَ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَالَ: أمَرَ الله بِوَفَاءِ النَّذْرِ، وَنُهِينَا أنْ نَصُومَ يَوْمَ النَّحْرِ، فَأعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ مِثْلَهُ، لا يَزِيدُ عَلَيْهِ. متفق عليه (٢).

стр. 976

الباب الثامن كتاب القضاء ويشتمل على ما يلي: ١ - معنى القضاء وحكمه ٢ - فضل القضاء ٣ - خطر القضاء ٤ - آداب القاضي ٥ - صفة الحكم ٦ - الدعاوى والبينات

стр. 977

كتاب القضاء ١ - معنى القضاء وحكمه - القضاء: هو تبيين الحكم الشرعي، والإلزام به، وفصل الخصومات. - حكمة مشروعية القضاء: شرع الله القضاء لحفظ الحقوق، وإقامة العدل، وصيانة الأنفس والأموال والأعراض، والله خلق الناس وجعل بعضهم محتاجاً لبعض في القيام بالأعمال كالبيع والشراء، وسائر الحرف، والنكاح، والطلاق، والإجارة، والنفقات ونحوها من ضروريات الحياة، ووضع الشرع لذلك قواعد وشروطاً تحكم التعامل بين الناس فيسود العدل والأمن. ولكن قد تحدث بعض المخالفات لتلك الشروط والقواعد إما عمداً، أو جهلاً، فتحدث المشاكل، ويحصل النزاع والشقاق، والعداوة والبغضاء، وقد تصل الحال إلى نهب الأموال، وإزهاق الأرواح، وتخريب الديار، فشرع الله العليم بمصالح عباده القضاء بشرع الله لإزالة تلك الخصومات، وحل المشكلات، والقضاء بين العباد بالحق والعدل. قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ... ﴾ [المائدة/٤٨]. - حكم القضاء: القضاء فرض كفاية، ويجب على الإمام أن ينصب للناس قاضياً أو أكثر في كل إقليم أو بلد حسب الحاجة؛ لفصل الخصومات، وإقامة الحدود، والحكم بالحق والعدل، ورد الحقوق، وإنصاف المظلوم، والنظر في مصالح المسلمين ونحو ذلك.

стр. 978

والحكم بين الناس بالعدل فرض كفاية؛ لأن المقصود الفعل دون الفاعل، وإن كان المقصود الفعل والفاعل فهو فرض عين كالصلاة، وصوم رمضان ونحوهما. قال الله تعالى ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص/٢٦]. - شروط القاضي: يشترط فيمن يتولى القضاء ما يلي: ١ - أن يكون القاضي قوياً أميناً، فالقاضي لا بد أن يكون قوياً في علمه، أميناً على القيام بعمله. ٢ - أن يكون مسلماً؛ لأن القاضي يجب أن يحكم بما أنزل الله. ٣ - أن يكون بالغاً عاقلاً؛ لأن الصغير والمجنون قاصر التصرف. ٤ - أن يكون عدلاً؛ لأن الفاسق لا يؤمن أن يحيف لفسقه. ٥ - أن يكون سميعاً؛ لأن الأصم لا يستطيع سماع كلام الخصوم. ٦ - أن يكون متكلماً؛ ليستطيع الكلام مع الخصوم. ٧ - أن يكون مجتهداً عارفاً بالأحكام؛ لأن المقلد والعامي لا يصلح أن يتولى القضاء. ٨ - أن يكون ذكراً؛ لأن المرأة ناقصة العقل، سريعة العاطفة، ولهذا تُخدع كثيراً. وهذه الشروط تعتبر حسب الإمكان، ويفضل البصير على الأعمى، وتجب ولاية الأمثل فالأمثل.

стр. 979

- اختيار القاضي: الذي يعين القضاة إمام المسلمين. ويجب على إمام المسلمين أن يختار للقضاء بين الناس أفضلهم علماً وورعاً، وأحسنهم ذكاء وفراسة؛ لأن الناس منهم المحق والمبطل، ولئلا يضيع الحق ويخدعه الفاجر. ويختار أشدهم ورعاً؛ لأن الوَرِع لا يأكل الحرام، ولا يحابي أحداً. ويختار الأتقى؛ لأن في التقوى تسهيل الأمور، وتيسير كل عسير، ومعرفة الحق، ومحبته، والحكم به. ويختار القوي في علمه، الأمين في عمله، الصادق الفقيه. قال الله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ [القصص/٢٦].

стр. 980

٢ - فضل القضاء - للقضاء بين الناس فضل عظيم لمن قوي عليه وأَمِنَ على نفسه من الظلم والحيف، وهو من أفضل القربات؛ لما فيه من الإصلاح بين الناس، وإنصاف المظلوم، ورد الظالم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، وأداء الحقوق إلى أهلها، وهو وظيفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فلهذه الأمور العظيمة جعل الله فيه أجراً مع الخطأ، وأسقط عن القاضي حكم الخطأ إذا وقع باجتهاد، فإن أصاب فله أجران: أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد وهو أجر الاجتهاد ولا إثم عليه. ١ - قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء/١١٤]. ٢ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ الله مَالاً فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتاهُ الله حِكْمَةً، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا». متفق عليه (١). ٣ - وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ المُقْسِطِينَ عِنْدَ الله عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا». أخرجه مسلم (٢). ٤ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله تَعَالَى فِي

стр. 981

ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ: إمَامٌ عَدْلٌ، وَشَابٌ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ الله، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي الله، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إنِّي أَخَافُ الله، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ». متفق عليه (١). ٥ - وعن عمرو بن العاص ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ». متفق عليه (٢).

стр. 982

٣ - خطر القضاء ١ - القضاء موضوعه الحكم بين الناس في دمائهم وأعراضهم وأموالهم وسائر حقوقهم، فلذلك خطره عظيم جداً؛ لأنه يُخشى حصول ميل من القاضي إلى أحد الخصمين، إما لكونه قريباً له، أو صديقاً له، أو صاحب جاه ترجى منفعته، أو صاحب رئاسة تُخاف سلطته ونحو ذلك، فيجور في الحكم متأثراً بما سبق. ٢ - والقاضي يبذل جهداً كبيراً في معرفة الحكم الشرعي، والبحث في الأدلة، وإجهاد النفس للوصول إلى الصواب، مما يُنهك بدنه ويرهقه ويضعفه، والله مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار وكله إلى نفسه. - أقسام القضاة وأعمالهم: ١ - قال الله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص/٢٦]. ٢ - وعن بريدة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «القُضَاةُ ثَلاثَةٌ، اثْنَانِ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الجَنَّةِ، رَجُلٌ عَلِمَ الحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الجَنَّةِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ جَارَ فِي الحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ». أخرجه أبو داود وابن ماجه (١). ٣ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ جُعِلَ قَاضِياً بَيْنَ النَّاسِ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّيْنٍ». أخرجه أبو داود وابن ماجه (٢).

стр. 983

- حكم طلب القضاء: لا ينبغي طلب القضاء أو الحرص عليه، لقوله ﵊: «يَا عَبْدَالرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لا تَسْأَلِ الإمَارَةَ فَإنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إلَيْهَا، وَإنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا». متفق عليه (١). - حكم تولية أهل البدع القضاء: القضاء بين الناس من أعظم المناصب في الإسلام، فلا يجوز توليته أهل البدع، لانتفاء الشروط اللازمة عنهم. وأهل البدع قسمان: الأول: أهل بدع مكفرة، فهؤلاء انتفى عنهم شرط الإسلام. الثاني: أهل بدع مفسقة، فهؤلاء انتفى عنهم شرط العدالة. فلا يولى القضاء لا هؤلاء، ولا هؤلاء، ولو على جنسهم. عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (٢).

стр. 984

٤ - آداب القاضي - يسن أن يكون القاضي قوياً من غير عنف؛ لئلا يطمع فيه الظالم، لَيِّناً من غير ضعف؛ لئلا يهابه صاحب الحق. - وينبغي للقاضي أن يكون حليماً؛ لئلا يغضب من كلام الخصم، فتأخذه العجلة والتسرع وعدم التثبت. وأن يكون ذا أناة؛ لئلا تؤدي عجلته إلى ما لا ينبغي، وأن يكون ذا فطنة؛ لئلا يخدعه بعض الخصوم. وأن يكون عفيفاً نزيهاً في نفسه وماله عن الحرام. وأن يكون أميناً مخلصاً عمله للهِ ، يبتغي بذلك الأجر والثواب، ولا يخاف في الله لومة لائم. وأن يكون بصيراً بأحكام القضاة قبله؛ ليسهل عليه الحكم. - وينبغي أيضاً للقاضي أن يحضر مجلسه الفقهاء والعلماء، وأن يشاورهم فيما يشكل عليه. - ويجب على القاضي أن يسوِّي بين الخصمين في الدخول عليه، والجلوس بين يديه، والإقبال عليهما، والاستماع لهما، والحكم بينهما بما أنزل الله. - يحرم على القاضي أن يقضي وهو غضبان كثيراً، أو حاقن، أو في شدة جوع أو عطش، أو هَمّ، أو ملل، أو كسل، أو نعاس، فإن خالف وأصاب الحق نفذ. - ويسن للقاضي أن يتخذ كاتباً مسلماً، مكلفاً، عدلاً، يكتب له الوقائع والقضايا ونحو ذلك.

стр. 985

- ما يجتنبه القاضي: يحرم على القاضي كغيره قبول رشوة، ولا يقبل هدية إلا ممن كان يهاديه قبل ولايته، والأَوْلى عدم قبولها؛ لقوله ﵊: «هَدَايَا العُمَّالِ غُلُولٌ». أخرجه أحمد (١). - هل يقضي القاضي بعلمه؟: يجب على القاضي أن يحكم حسب الأمور الحسية الظاهرة، ولا يحكم بعلمه ولو كان متيقناً لئلا يُتهم. لكن لو تحاكم إليه خصمان يعلم علم اليقين أن الحق مع أحدهما، حوّل القضية إلى قاض آخر، وصار شاهداً. ولا يقضي القاضي بعلمه؛ لأن ذلك يفضي إلى تهمته، بل يقضي على نحو ما يسمع، ويجوز له أن يقضي بعلمه إذا لم يخف الظنون والتهمة، أو يكون الأمر قد تواتر عنده وتظافرت به الأخبار، بحيث اشترك في العلم به هو وغيره، أو بما علمه في مجلس الحكم. - فضل الإصلاح بين الناس ورحمتهم: يستحب للقاضي أن يصلح بين المتخاصمين، ويرغبهم في العفو والتسامح ما لم يتضح الحكم الشرعي فيحكم به. ١ - قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء/١١٤].
следующие страницы →