بعضهم ولا ينتبه أن هذا الغلو قد يترتب من ورائه شيء مخالف للشريعة، كذاك الذي قال لبعض الحكام:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار ... فاحكم فأنت الواحد القهار
ماذا يعني بهذا؟ أنه الملك الأعلى في الدنيا، لكن وصفه بصفات الله :
ما شئت لا ما شاءت الأقدار ... فاحكم فأنت الواحد القهار
يصف الرسول فيقول:
فإن من جودك الدنيا وضرتها
يا جماعة قلنا: من جوده الدنيا، نقطة ونقطة حديثية كما أقول أنا أحياناً، كيف تكون النقطة الحديثية؟
علماء الحديث كانوا إذا كتبوا جملة كاملة أداروا دائرة في آخرها، وتركوا جوفها فارغاً، هذا شيء جميل جداً ما نعرفه اليوم، فإذا ما أعيد مقابلة هذه الجملة بالأصل، يعني: من قبيل تصحيح التجارب اليوم التي تطبع وضعت النقطة في الدائرة، أي: كل من يرى هذه الجملة في آخرها دائرة ما فيها نقطة هذه غير مقابلة، غير صحيحة، ممكن يكون فيه خطأ، أما إذا كانت الدائرة فيها نقطة هذه مقابلة وهذه صحيحة.
نحن نقول الآن: فإن من جودك الدنيا؛ دائرة ووسطها نقطة، آمنا وسلمنا، لكن وضرتها هذا ما يجوز إطلاقاً أن نقول عن الرسول أنه جاد بالآخرة كما جاد بالدنيا، لأن معناها أنه لا يفكر أبداً أن يرى الله في الآخرة، وكيف يصح أن يوصف الرسول ﵇ بمثل هذه الصفة، حاشاه من ذلك، لكن هل وقف الشاعر عند
стр. 1227
هذا البُطل حيث عطف الآخرة على الدنيا؟ لا، قال:
ومن علومك علم اللوح والقلم
الله أكبر، ما قال: فإن من علمك لأن وزن الشعر يضطرب، لازم الشعر يكون موزوناً، فلازم يقول: من علومك، لكن هذا خطير جداً، معليش، يغتفر في الشعر يقولون الذين يكتبون الشعر يرتكب فيه أشياء لا يجوز حتى في اللغة العربية، هذا لضرورة يقولون الشعر، لكن ما وقفوا عند هذا؛ حتى في المناهي.
ومن علومك إذاً: الرسول ﵇ له علوم غير علم اللوح والقلم، ما هو علم اللوح والقلم؟ كل شيء، وكل شيء, في القرآن الكريم ماذا؟ ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ (القمر: ٥٣) يعني: مسطر، كل شيء، والرسول ﵇ بين هذه الحقيقة، أن كل شيء مستطر في اللوح المحفوظ، قال في الحديث الصحيح المشهور الذي رواه أبو داود في سننه والإمام أحمد في مسنده بالسند الصحيح: «أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة» إذاً: كيف يوصف الرسول ﵇ بأنه علم ما هو مسطور إلى يوم القيامة، وليس هذا فحسب، بل ذلك بعض علومه.
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
هذا غلو لا يرضاه الرسول ﵇ الذي قال في الحديث السابق: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله».
الرسول ﵇ لما ذكر في القرآن نادراً ما يذكر باسمه، لكنه لما أثنى عليه بتلك المعجزة التي اصطفاه الله بها على كل الأنبياء ألا وهي معجزة
стр. 1228
المعراج أو الإسراء والمعراج ماذا قال عنه؟ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ (الإسراء:١)؛ لأن هذه الكلمة فيها تشريف ما بعده تشريف لمحمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، ولجهل الناس بهذا المعنى ما يكتفون به، ولا يقفون عنده، بل يضيفون إليه أشياء وأشياء من باب التعظيم، فهنا أنا أقول بكل صراحة: القصد حسن لكن اللفظ سيء، فليكُن المسلم على الخط المستقيم يجب أن يكون لفظه وفعله كقصده حسن، فلا يكفي الإنسان أن يقول كلمه وتكون خطأ ويقول بعد ذلك: والله أنا ما قصدت هذا أنا قصدت كذا وكذا، أنا قصدت تعظيم رسول الله ﵌، فنحن نقول في هؤلاء الناس الذين يتناشدون بعض الأبيات والشعر، ومن ذلك هذا الشعر نقول: إنهم يريدون مدح الرسول ﵇ والثناء عليه، ولكننا نقول:
أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا يا سعد تورد الإبل
تريدون [أن] تمدحوا الرسول ﵇ تمدحوه في الحد الذي وضع لكم إياه: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما إنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» لو كنا نهتم بقراءة السنة التي قال الرسول ﵇ عنها: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض» لو أن المسلمين تمسكوا بسنة سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم لما تفرقوا مذاهب شتى وطرائق قدداً، بل لكانوا على هذا الخط المستقيم، لو درسوا السنة.
ماذا نجد في السنة؟ الذي يوجد في السنة ما ذكرته آنفاً وزيادة على ذلك يجد في مسند الإمام أحمد الحديث التالي: جاء ناس إلى النبي ﵌ فقالوا له: «أنت
стр. 1229
سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا، فقال ﵇: قولوا بقولكم أو ببعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان» لا يأتي لكم بهذا الدهليز، دهليز بسيط، أنت سيدنا، هو بلا شك ﵇ سيدنا بلا شك، لماذا؟ لأنه قال في الحديث الصحيح: «أنا سيد الناس يوم القيامة أتدرون مم ذاك؟ -ذكر الحديث السابق تبع الشفاعة- أتدرون مم ذاك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: يجتمع الناس في صعيد واحد ... » إلخ، فهو سيد الناس بحق، وفي الحديث الآخر: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر، آدم فمن دونه تحت لوائي يوم القيامة» فهو بلا شك سيد البشر جميعاً كما في هذين الحديثين وفي غيرهما، لكن مع ذلك ماذا قال لهم: «قولوا بقولكم أو ببعض قولكم» وهم قالوا له: أنت سيدنا، كلام صحيح، ولكن قال: «ولا يستجرينكم الشيطان» يعني: يتسلسل بكم من كلمة إلى أخرى ويوصلكم إلى تلك الكلمة:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
وفي حديث آخر في مسند الإمام أحمد أيضاً أن رجلاً قال للرسول ﵇: «أنت سيدنا، قال: السيد الله» لماذا أنكر عليه وهو كما قلنا آنفاً هو سيدنا بحق؟ خشي أن يؤدي بهذا الإنسان في مدحه للرسول ﵇ بكلمة نحن ندين الله بأنه سيدنا أن يرتقي به إلى ما لا يجوز أن يُمتدح ﵇ به، فقطع عليه الطريق وقال: «السيد الحق» هو الله ﵎.
لذلك فنحن ننصح المسلمين، طبعاً ليس لنا كلام مع الزنادقة والملحدين، إنما كلامنا مع المسلمين الصالحين الذين يخافون الله ويرجون يوم الآخرة، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، ننصحهم أن لا يُضيِّعوا جهودهم في هذه الحياة الدنيا وراء أفكار وعقائد وعبادات لم تأت في السنة، فقد سمعتم
стр. 1230
آنفاً قوله ﵇ في قصة الرهط: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» هذه نصيحة نوجهها لكل إخواننا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، لعل الله ﵎ ينفع بها.
"الهدى والنور" (٢٩٢/ ٣٦: ١٧: ٠٠)
[٢٩٠] باب منه
[قال الإمام]:
الأمر عندنا معشر المسلمين ... أنه ﵇ مميز على البشر بالوحي، ولذلك أمره الله-﵎-أن يبين هذه الحقيقة للناس فقال في آخر سورة الكهف: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وعلى هذا كان لكلامه ﵌ صفة العصمة من الخطأ لأنه كما وصفه ربه : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ وليس هذا الوحي محصوراً بالأحكام الشرعية فقط، بل يشمل نواحي َ أخرى من الشريعة منها الأمور الغيبية، فهو ﵌ وإن كان لا يعلم الغيب كما قال فيما حكاه الله عنه: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: ١٨٧) فإن الله تعالى يطلعه على بعض المغيبات وهذا صريح في قول الله ﵎: ﴿عَالِمُ الغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ وقال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾.
فالذي يجب اعتقاده أن النبي ﵌ لا يعلم الغيب بنفسه ولكن الله تعالى يُعْلِمُهُ ببعض الأمور المغيبة عنا، ثم هو ﵌ يُظهرنا على ذلك بطريق الكتاب والسنة، وما نعلمه من تفصيلات أمور الآخرة من الحشر والجنة والنار ومن عالم الملائكة والجن وغير ذلك مما وراء المادة، وما كان وما سيكون، ليس هو إلا من
стр. 1231
الأمور الغيبية التي أظهر الله تعالى نبيه عليها، ثم بلَّغنا إياها، فكيف يصح بعد هذا أن يرتاب مسلم في حديثه لأنه يخبر عن الغيب؟! ولو جاز هذا للزم منه رد أحاديث كثيرة جداً قد تبلغ المائة حديثاً أو تزيد، هي كلها من أعلام نبوته ﵌ وصدق رسالته، وردُّ مثل هذا ظاهر البطلان، ومن المعلوم أن ما لزم منه باطل فهو باطل، وقد استقصى هذه الأحاديث المشار إليها الحافظ ابن كثير في تاريخه وعقد لها باباً خاصاً فقال: " باب ما أخبر به ﵌ من الكائنات المستقبلة وفي حياته وبعدها فوقعت طبق ما أخبر به سواء بسواء " ثم ذكرها في فصول كثيرة فليراجعها [من] .. شاء في "البداية والنهاية" (٦/ ١٨٢ - ٢٥٦) يجد في ذلك هدى ونوراً بإذن الله تعالى, وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾. وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ، وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللهِ الَّذِي لَهُ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الأَرْضِ أَلَا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾.
فليقرأ المسلمون كتاب ربهم وليتدبروه بقلوبهم يكن عصمة لهم من الزيغ والضلال، قال ﵌:
«إن هذا القرآن طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبداً» (١).
" مقالات الألباني" (ص ١٥٩ - ١٦١)
стр. 1232
[٢٩١] باب لا يصح
إطلاق القول بأن النبي ﵌ عَلِمَ جميع الكائنات
عن عبد الرحمن بن عائش قال: قال رسول الله ﵌:
" رأيت ربي في أحسن صورة قال: فبم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: أنت أعلم قال: فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي فعلمت ما في السماوات والأرض وتلا: ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين﴾.
[قال الإمام معلقًا على قوله ﵌: «فعلمت ما في السموات والأرض»]:
يعني ما أعلمه الله تعالى مما فيهما من الملائكة والأشجار وغيرهما، وهو عبارة عن سعة علمه الذي فتح الله عليه، ولابد من هذا التقييد الذي ذكرناه؛ إذ لا يصح إطلاق القول بأنه علم جميع الكائنات التي في السماوات والأرض، كما قال العلامة الشيخ علي القاري (١/ ٤٦٣) وهو الظاهر.
"تحقيق مشكاة المصابيح" (١/ ٢٢٥).
стр. 1233
جماع أبواب الكلام حول اختصاص الرب تعالى بمعرفة الغيب المطلق، وذكر صور من الخَلل العقدي في هذا الباب، والكلام على حكم الخط في الرمل وقراءة الكف، وغير ذلك
стр. 1234
[٢٩٢] باب ما هو علم الغيب الذي اختص به الله تعالى ؟
سؤال: ما معنى علم الغيب الذي اختص الله به، ثم لو أن رجلاً علم أمراً مغيب بواسطة فنجان أو نحو ذلك من هذه الطرق الذي يستعملونها، فما المحظور أن يقال علم الغيب أو علم المغيب؟
الشيخ: الغيب كما لا يخفى على جميع الحاضرين إذا أُطلق فالمقصود به الغيب الذاتي، أي الذي يعرفه الإنسان بذاته، يعني بعلمه الذاتي دون أن يتخذ وسيلة من الوسائل التي خلقها الله ليصل بها إلى معرفة ما غاب عن بعض الناس، هذا الغيب هو الذي اختص الله به دون الناس، نحن مثلاً نعلم أن النبي ﵌ أخبرنا بكثير من المغيبات، ولكن هذا العلم الذي حدثنا به الرسول ﵇ لم يكن علماً ذاتياً به، وإنما أخبره الله بواسطة الوحي، كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (الجن:٢٧)، فالله إذا ارتضى رسولاً فينبئه ببعض المغيبات، هذا الرسول المنبأ لا يوصف بأنه عالم بالغيب، وإنما هو مُنبأ بالغيب كما جاء في صحيح البخاري: «أن النبي ﵌ مر ذات يوم بجارية من الأنصار، وهي تغني تضرب على دف وتقول: وفينا نبي يعلم ما في غد. فقال ﵇: لا يعلم الغيب إلا الله، دعي هذا وقولي ما كنت تقولين».
دعي قولك: وفينا نبي يعلم ما في غد؛ لأنه هو لا يعلم الغيب بواسطة ذاته، وإنما بواسطة إعلام ربه إياه على بعض المغيبات، إذا عرفنا هذه الحقيقة وخلاصة ذلك أن العلم بالغيب إما أن يكون ذاتياً، وإما أن يكون بالواسطة، فالذي اختص الله به هو القسم الأول، أما القسم الآخر فقد يتحقق به بعض الناس، وهؤلاء الناس
стр. 1235
قسمان: قسم وهم الأقلون بالنسبة لعموم الناس، هم الرسل الذين يصطفيهم الله برسالاته وبكلماته، ويوحي إليهم ما يشاء من وحيه.
والقسم الآخر من الناس الذين يتخذون المعرفة والعلم الكسبي وسيلة لاكتشاف بعض الأمور التي تغيب عادة عن عامة الناس، فهذا لا يقال علم بالغيب، هذا كأي علم، أنا مثلاً أقول لكم: قال رسول الله، وأنت ما سمعت بهذا الحديث إطلاقاً، فهذا بالنسبة لك غيب، لكن أنا ما قلت هذا في غيب من الله؛ لأنه لا واحد بعد رسول الله، لكن أنا بحثت ودرست وفتشت، فوجدت هذا الحديث فأعلمتك به، فهذا علمي بالنسبة إليك كان غيباً، لكن لما أنبأتك به صار شهوداً، وخرج عن كونه غيباً.
على هذا المثال البسيط تماماً قس كل الوسائل العلمية الحديثة، والقديمة منها، الفطرية والتي أخذت جهداً جهيداً من العلماء حتى وصلوا إلى اكتشاف أمور دقيقة جداً بعض عامة الناس، أنا كسائر الناس كنت لا أعلم أن الفلاح في مزرعته يعلم ما لا يعلمه الطبيب المطلع الآن بواسطة الجهاز التلفزيوني هذا على الجنين في بطن الأم، هذا الطبيب الذي وصل بهذا الاكتشاف أن يعرف هوية الجنين هو ذكر أم أنثى، لا يعرف ما يعرفه الفلاح في حقله ومزرعته، مثلاً هو يستطيع أنه إذا قطع الشجر أن يقول لك كم عمرها، لكن اسأل الطبيب الخريت في مهنته لا يعرف، فهذه هي المسألة بسيطة، بالتجربة قرأتها قديماً من أربعين سنة أو أكثر، أن هناك دوائر في جذع الشجرة كل دائرة تدل على سنة، هذا ليس علم بالغيب، هذا علم تجربي، لكن هو بالنسبة لعامة الناس غيب، لكن ليس هو الغيب الذي اختص الله به.
من هذا القبيل أيضاً مما كنت قرأته وهذا أدق، ويمكن الآن تحاولوا تجربوا
стр. 1236
أنتم بأنفسكم، لكن ما أظن ستنجحوا بهذه اللحظة السريعة، قال ممكن معرفة عمر الإنسان من عدد الخطوط الموجودة في أظافره، هناك خطوط لا بد رأيتموها، كل خط يعطي سنة، الآن ترقى هذا العلم، قبل هذا الرقي الذي ربما يلمح السائل إليه، نعرف من قديم الزمان أن علماء الفلك يحكمون قبل سنين، ويضعون لك مخططاً ومنهجاً وروزنامة أنه في السنة الفلانية في شهر كذا، في يوم كذا، في ساعة كذا سيكسف الشمس أو القمر، ويعطيك تفاصيل دقيقة كسوف أو خسوف كلي أو نصفي أو جزئي .. إلى آخره، هذا غيب بالنسبة لعامة الناس، لكن هذا ليس غيباً إنما هو علم إذا درسه أي إنسان ممكن أن يصبح مثل هؤلاء الفلكيين، أخيراً الآن وصلوا إلى اكتشاف كما قد يظن أن هذا من خصوصيات الله ، أن ربنا يعلم ما في الأرحام، صاروا الآن بعض الأطباء أو كلهم؛ لأنها وسيلة صارت مبذولة، حتى النساء أصبحوا يعرفون إن كان ذكراً أو أنثى، هذا بواسطة العلم الذي يسره الله للناس، وعلى مدى هذا الزمان الطويل.
إذاً: هو كعلم الفلك، كمعرفة الخسوف والكسوف، فهذا من هذا القبيل تماماً، فهذا ليس علماً بالغيب، الغيب هو العلم الذاتي، وهذا من صفة الله ، ولا يشاركه أحد من عباده.
من هنا نستطيع أن نتوصل إلى أن العقيدة الإسلامية وسط بين غلاة الصوفية الذين يزعمون بأن بعض مشائخهم يطلعون على ما في الصدور، وهذا مع الأسف نعرفه من كثير من المريدين المزعومين، وبين بعض المشائخ الجامدين والعلماء المتفقهين الذين ينكرون حقائق علمية لا مجال لإنكارها بسبب توهمهم أن هذا ينافي اعتقادنا أن العلم بالغيب هو مما اختص الله به ، فنحن نقول نعم، العلم بالغيب بدون وسيلة خلقها الله، هذا من خصوصيات الله لا يشاركه
стр. 1237
فيه أحد، أما العلم ببعض المغيبات الخافية على عامة الناس باستعمال الوسائل التي ذكرها الله وذللها الله، فهذا ممكن، وهذا لا ينافي استقلال الله وانفراد الله بعلمه بالغيب.
"الهدى والنور" (٤٢٦/ ٥٢: ٠٤: ٠٠)
[٢٩٣] باب هل يعلم النبي ﵌ الغيب؟ ونقاش مطول حول ذلك
سؤال: شيخنا في سؤال إذا تفضلت لي، الوارد أنه ﵊ صلى صلاة الفجر يوماً ثم صعد المنبر فخطب الناس إلى صلاة الظهر، ثم صلى وصعد، ثم عاد وهكذا، فأخبرهم بما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، يقول الصحابي: حفظه منا من حفظه، ونسيه من نسيه، وإنه لتمر علي الحاجة فأتذكرها كما يتذكر الرجل وجه الرجل؛ فالإمام البوصيري عندما قال: ومن علومك علم اللوح والقلم، فهو قال: حدثنا بما كان وبما هو كائن إلى يوم القيامة، وهذا يطابق: قال له: اكتب، قال: وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة؟
الشيخ: أولاً: والحمد لله هذا الحديث صحيح وفي صحيح مسلم، ثانياً: كلمة: حدثنا بما هو كائن إلى يوم القيامة يحتمل يا أخي أن يكون تحديثه ﵇ تحديث بالأمور الهامة، وليس بالأمور التفصيلية التي لا يستطيع أي بشر أن يعيها وأن يدركها مهما أوتي علماً وقوة من الله ﵎، بمعنى: أنا أقول معك فرضاً وجدلاً: من الممكن أن الله يصطفي نبيه ﵊ بما يشاء فيحفظه فعلاً ظاهر هذا الحديث الصحيح، أي: ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، لكن كيف ذلك وهو يحدث ناساً غير أنبياء وغير رسل وطاقتهم محدودة، وليس لهم تلك الصفة التي اصطفاها ربنا نبينا ﵊.
стр. 1238
ولذلك بارك الله فيك لا يجوز أن نفهم الحديث، وأنا أقول: يمكن جاءت مناسبة آنفاً، يمكن ونحن على الطعام، وأنا أذكر هذا المثال لأن الحقيقة سيساعدنا على فهم هذا الحديث الصحيح، لا يجوز أن نفسر حديثاً من أحاديث الرسول ﵇ وقوفاً عنده فقط، وإنما نوسع دائرة النظر وننظر في الأحاديث الأخرى، وهل تساعدنا على أن نقف في فهمنا لهذا الحديث الصحيح بالمعنى الواسع الشامل العام، كما قال تعالى: ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ (الكهف: ٤٩)، أم المعنى يكون أضيق من ذلك؟
آنفاً تحدثنا على الطعام سأل سائل عن حديث فيه أن النبي ﵌ قال: «من ادان ديناً وفي نيته الوفاء به، ثم لم يف به، وفَّى الله عنه يوم القيامة» قلنا: هذا حديث صحيح، وبهذا الحديث يفسر حديث آخر وهنا الشاهد، قال ﵇: «يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين» فهل نفسر هذا الحديث: «إلا الدين» مات الشهيد وعليه دين فلا يغفر هذا الذنب منه ولو كان ناوياً الوفاء؟ نقول: لا، لأن الحديث الأول يفسر ويخصص الحديث الثاني.
حديثك هذا يشبه حديثنا الثاني، إذا نظرنا إليه وحده: «يغفر للشهيد كل ذنب إلى الدين» والله هذا شيء خطير وخطير جداً، جاهد في سبيل الله ومات في سبيل الله ولا يغفر له ذنبه حيث مات مديناً لبعض المسلمين؟ لا، هذا ليس على إطلاقه وشموله، وإنما هو مخصص فيما إذا كان ليس في نيته أن يفي الحق لصاحبه، هنا هذا مثاله تماماً، هذا الحديث الذي تفضلت به لا شك أنه نفهم منه أن الرسول ﵇ علمه الله كل كبير وصغير، وأنه كما قال تعالى: ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ (الكهف: ٤٩) لكن لا، هذا غير صحيح، وإنما معنى الحديث:
стр. 1239
أنه علمه أشياء جوهرية أساسية مثل أشراط الساعة الكبرى ونحو ذلك من الصغرى التي يهم المسلمين أن يتعرفوا عليها، كما قال تعالى في القرآن الكريم: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (الجن: ٢٦، ٢٧).
هنا نحن نقول: كلمة «غيب» هنا كحديثنا السابق تماماً، هل ربنا يُطْلِع الأنبياء على غيبه كله؟ لا، قال علماء التفسير: على ما يراه رَبُّنَا أن يُعلم من شاء من الرسل يطلعه على بعض المغيبات، وليس على كل المغيبَات، ذلك لأن النبي ﵌ كل نبي إذا علمه الله علماً وجب عليه أن يُبلِّغه المسلمين، تماماً كما قالت السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها في حديث طويل ولسنا الآن في صدده، تقول فيه: «ومن حدثكم بأن محمداً ﵌ كتم شيئاً أُمر بتبليغه ... » ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة: ٦٧)، قالت: «من حدثكم أن محمد ﵌ كتم شيئاً أُمر بتبليغه فقد أعظم على الله الفرية».
فإذاً: ربنا كما قال: ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ﴾ (الجن: ٢٦) أي: على بعض غيبه، تقدير مضاف محذوف، لأن النبي ولو كان مصطفى كما قلنا ليس ممكن يكون إلها ثانياً في علمه في إحاطته بكل شيء سيكون، حينئذٍ صار شريكاً، وهنا نتذكر شيئاً مهماً جداً يتعلق بعلم التوحيد، الله ﵎ واحد في ذاته، فليس هناك ما قال الكفار من النصارى أن الله ثالث ثلاثة، لا، إنما هو إله واحد، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤) فالله واحد في ذاته، خلاف قول النصارى، وهو واحد في عبادته، فهو إله واحد، أي: وليس كما يقول المشركون العرب ويقولون حتى الآن، ليس الأمر كما قالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فالله واحد أيضاً في عبادته، فمن اعتقد أن الله
стр. 1240
واحد في ذاته لكنه عبد معه غيره فما وحده، والتوحيد الأخير أن نقول بعد أن قلنا: واحد في ذاته، وواحد في عبادته، وواحد في صفاته، فلا يجوز للمسلم أن يعتقد بأن الله أطلع نبيه على علم الغيب كله، لأنه صار شريكاً معه في صفة الغيب، ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (النمل: ٦٥) هكذا الآية إن شاء الله؟
مداخلة: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ (الأنعام: ٥٩).
الشيخ: لا، نحن ما يناسبنا الآية هذه، لأن هذه مفاتيح، رءوس، مجامع، لكن نحن نريد الآن التفصيل، أنا أقول: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ﴾ (النمل: ٦٥) أي: كل الغيب ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ (النمل: ٦٥) ﵎، انظروا يا إخواننا وتعلموا، واعلموا بأن العلم ليس أن الإنسان يسلط عقله في آية يقول: هاه، ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (النمل: ٦٥) إذاً: رسول الله لا يعلم شيئاً من الغيب، هذا خطأ، لماذا؟ لأن الله قال في الآية السابقة: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (الجن:٢٦، ٢٧) تمام، لا تقفوا عند قوله: فلا يظهر على غيبه كل الغيب، لا، لأنه واحد في صفاته كما هو واحد في عبادته، كما هو واحد في ذاته، فلا يجوز للمسلم أن يعتقد أن الله أعلم نبيه ﵇ بكل ما هو كائن إلى يوم القيامة، لأن هذه صفة الله .
بقي شيءٌ آخر أشرت إليه أنفاً، لكن أريد أن أدندن حوله قليلاً، وأرجو ألا يكون كثيراً، وهو: إذا كان الله اصطفى نبيه ﵇ بأن أعلمه بكل الغيب، من هذا الإنسان الذي يحيط بعلم الرسول ﵇، ويدعي أنه حفظه؟ نحن نقول الآن: أستاذ ماهر في أي فن قلته، وله تلميذ من أذكى الناس وأكيس الناس وأحفظ
стр. 1241
الناس، ماذا يحفظ من علمه؟ الشيء القليل، إذاً: هذا الأستاذ العاقل هل سيصب العلم كله في صدر هذا الطالب؟ سيكلفه رهقاً وسيكلفه شططاً، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، فمن هذه الحيثية التي تنافي الطبيعة البشرية ليس معقولاً أن الرسول ﵇ لو أن الله أعلمه بكل شيء وجعله شريكاً معه في العلم بالغيب ليس معقولاً أنه يحدث الناس بما لا يتحملونه ولا يطيقونه.
فخلاصة القول بارك الله فيك: أن مثل هذا الحديث يجب أن يُفسَّر على ضوء عقيدة المسلمين المستقاة من كتاب الله كله، ومن سنة رسول الله ﵌ وحديثه كله، ولا نقف على حديث واحد، ولذلك أنا أقول لك الآن كلمة الختام في هذه المسألة: نحن ندعي بأننا أولاً مسلمون جميعاً والحمد لله.
لكن فيه شيء آخر ندعيه وهو أننا نحترم سلفنا الصالح من صحابة وتابعين وأئمة مجتهدين، تلقينا من طريقهم علم الكتاب والسنة والفقه والعقيدة، فَمَنْ من علماء المسلمين يقول بأن النبي ﵌ علمه الله كل شيء كما قال في الحديث القلم: «اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة» بناء على حديث مسلم، لا أعلم مسلماً عالماً سبقنا إلى مثل هذا، ولذلك لا يجوز لإنسان أن يقول خلاف ما قال علماؤنا من قبل على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم.
سؤال: المعروف عند فضيلتك سيدنا الشيخ أن الصحابة كانوا أصدق الناس وأدق الناس في الرواية عن النبي ﵊، حتى أن أحدهم كان لا يتحدث حرجاً مخافة أن يقع في شيء من النسيان، فنحن وصلت لنا الرواية على لسان الصحابي بدقة، «حدثنا بما كان وبما هو كائن»، والصحابي يستطيع أن يقول: حدثنا بمفاتيح الأشياء، أو حدثنا بمجملها، أو حدثنا بعظائمها، إنما قوله
стр. 1242
رضي الله عنه: «بما كان وما هو كائن» تعني الشمول، هذا واحد.
الشيء الثاني: أن الصحابي يقول: «حتى ما سرية إلا وعلمنا عنها وعلمنا عن قائدها»، والسرية معروف أنها: المجموعة.
أما قولك أن الله إذا أطلعه على علمه أصبح له شريكاً فهذا لا يقال به لسبب واحد، طالما أنا أسندنا الأمر إلى الله ، وقلنا: أطلعه فأصبح مخلوقاً، هذا واحد.
الشيء الثاني معروف عند حضرتك أن الله شق له من أسمائه الحسنى ما هو موجود في القرآن الكريم، قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رؤوف رَحِيمٌ﴾ (التوبة: ١٢٨) وهذه من الأسماء الحسنى، إنما نقول كالتالي: قال في حق سيدنا إسحاق: ﴿بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ (الحجر: ٥٣) وهذا من الأسماء الحسنى أيضاً، لكن إذا أسند العلم إلى الله فهو قديم ولا يشاركه فيه أحد، فإذا خرج عن الله فهو حادث بالنسبة للمعلوم للنبي ﵊، فلو أطلعه على الغيب وقول الصحابي الصريح بأنه أطلعه بما كان وبما هو كائن فهو علم حادث بالنسبة للنبي ﵊؛ لأن النبي ﵇ محدَّث، فلا تعني فيه المشاركة بحال، ولا تعني أن رأفة النبي ﵌ هي عين الرأفة الإلهية، ولا الرحمة النبوية هي عين الرحمة الإلهية، لأن الرحمة الأولية أزلية ورحمة النبي ﵇ حادثة مخلوقة فيه، كذلك علم سيدنا إسحاق علم حادث، بينما علم الحق ﷻ أزلي.
فإذاً: الإمام البوصيري له وجه عندما قال: ومن علومك علم اللوح والقلم، يعني: أن هذا الحديث مر عليه، والرجل ليس بجاهل ولا مشرك، بل كان في قرن
стр. 1243
فيه علماء، وفيه أهل توحيد، ويعلمون الغث من السمين، فلو كان مشركاً لردوا عليه، ثم المعروف أنه إذا كان لنا تسعة وتسعين باباً نكفر بها مسلماً ثم باب لم نكفره به؛ نأخذ بالأحوط طالما أن هناك وجهاً.
الشيخ: عفواً أنت الآن تشرد علن الموضوع ولا مؤأخذة.
السائل: ما شردت أبداً.
الشيخ: أُثْبِتُ لك أنك شردت.
السائل: إذا شردت أنا أسترجع كلامي.
الشيخ: معليش، لأنه الآن أنت تقول أولاً وثانياً وثالثاً ورابعاً وخامساً، والله أنا أعترف لك أنه أنا حافظتي كليلة، لن أقول لك الجواب عن رقم واحد كذا ورقم اثنين كذا .. إلخ، لكن شعرت أنك أخيراً خرجت عن الموضوع لما قلت أن البوصيري مشرك وما أحد كفره .. إلخ، نحن لم نكن في هذا الوادي.
مداخلة: السائد عند مجموعة الناس .. المجلس هذا مبرأ ونظيف ..
الشيخ: معليش، لكن أنت الآن ما قلت قضية الشرك وما شرك, أنه
ليس بمشرك.
السائل: لأنه في قصة ...
الشيخ: معليش يا أستاذ، قلت أنه ليس بمشرك أم لا؟
السائل: طبعاً، ...
الشيخ: هذا ما أذكر أيضاً ففي هذا المجلس حتى يكون نظيفاً، ما دام ما أحد قال أنه مشرك فأنت لا تقل: ليس بمشرك لأنه هنا تبدأ الوساخة في المجلس ولا
стр. 1244
مؤآخذة، لأني أضطر أقول لك الآن أنا في هذا المجلس على العكس من ذلك، قلنا: إنه ذلك الشاعر يغلو في القول ما قلنا أنه مشرك حتى تقول أنت: هو ليس بمشرك وما أحد كفره وما أحد شركه .. إلخ، فهذا اسمه خروج عما كنا نحن في صدده، نحن معك في الحديث الذي رواه الإمام مسلم، وقلت من باب كذا وكذا وكذا .. إلخ، والصحابي كان كذا وكذا، بعضه مُسلَّم وبعضه غير مُسَلَّم، لكن مع ذلك فأنت أنا شاعر تماماً أنك حدت وأقول لك كما قلت بالنسبة للبوصيري وغيره بدون قصد، لكن الحيدة موجودة، والغلو هناك موجود، لكن نحن لا نطلع على ما في القلوب، لأنه لا يعلم ذلك إلا علام الغيوب.
أنت الآن حدت لما قلت لك: نحن مسلمون والحمد لله، ثم نحن نتبع السلف والأئمة وو .. إلخ، ولم يقل أحد منهم بأن النبي ﵌ كما تقول أنت الآن: هو مساوٍ لله في العلم، لكنك أنت تفرق أن علم الرسول حادث، لأن الله علَّمه، وهذه حقيقة أيضاً لا يختلف فيها اثنان، ولا ينتطح فيها عنزان، لكن أنا سألتك: مَنْ مِن العلماء الذين نحن ننتمي إليهم سواء كان في الأصول في العقائد كمذهب أهل الحديث ومذهب الماتريدية ومذهب الأشاعرة مَنْ مِنْ هؤلاء العلماء ساوى بين الله وبين رسوله في علم الغيب مع هذا الفارق الذي لابد أن يقوله المسلم كما قلت أنت آنفاً: أن هذا بخلق الله وبتعليم الله للنبي، من الذي قال أن النبي ﵌ مشارك لله في الاطلاع على المغيبات التي كانت وستكون إلى يوم القيامة، هذا الذي حدت عنه ولا مؤاخذة فأنا أرجو الجواب منكم بصراحة هل تعلم ذلك؟
السائل: الجواب بصراحة، أنا لا أستشهد على حديث الصحابي بآخر.
الشيخ: هذا ما هو جواب.
стр. 1245
السائل: أنا أعدل موقف الصحابي بموقف تابعي.
الشيخ: هذا ليس جواباً بارك الله فيك.
السائل: كلام الصحابي يُحَدِّثُ، وهو أعدل الناس بعد النبي ﵇.
الشيخ: عفواً أبو أنت يدعوك أنت.
مداخلة: أبو عبد الرحمن.
الشيخ: أبو عبد الرحمن، التقينا أنا وأبو عبد الرحمن أيضاً، يا أبا عبد الرحمن لو سمحت! أنت تقول: لا أقدم على حديث رسول الله شيئاً، ترى أن عبد الرحمن هذا الذي هو سميك وعبد الرحمن ذاك يخالفونك في هذا القول؟ طبعاً لا، أليس كذلك؟ شايفها ضعيفة منك، لازم تكون بنبرة قوية، لأن ما فيها خلاف هذه،
صح أم لا.
لكن إذاً الخلاف أين هو؟ الخلاف في أن هذا الحديث هل أحد من علماء المسلمين فهمه بهذا الشمول حيث صار مشاركاً لله في هذه الصفة مع الفارق الذي تفضلت به؟ ما أجبتنا عن هذا، أجبت جواب السياسيين ولا مؤآخذة، أعني: كلام السياسي يكون إذا جاءت مناسبة يمد معه ويقول: أنا هكذا أقصد، وإذا اقتضت السياسة ... يقصره يضيقه يقول: أنا هذا الذي قصدته، أما جواب المسلم الصريح في عقيدته يقول شيئاً واضحاً بيناً، بحيث أن أهل المجلس يخرجوا على فهم واحد، أنه الشيخ أبو عبد الرحمن الذي هو أنا يقول كذا، والشيخ أبو عبد الرحمن الذي هو أنت.
السائل: الفقير أبو عبد الرحمن، أنا فقير، ما صرت شيخ الفقير.
стр. 1246
الشيخ: أنا الغني بإيماني بالله. ما لنا يا أستاذ بهذه الألقاب بارك الله فيك، المهم إذا خرج المجلس وانفض يخرج على بينة وبصيرة، يقولون: أن أبو
عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني يقول: أنه لا يجوز لمسلم أن يعتقد
بأن محمداً ﵌ يشارك الله في صفة من صفاته ولو كان ذلك بخلق من ربه، هكذا أنا أقول.
السائل: لا يمكن الحادث يكون مثل القديم.
الشيخ: اسمح لي يا أبا عبد الرحمن! أنا أتكلم خطأ الآن.
السائل: .... هو محدث فكيف يكون مثل الله .
الشيخ: ما تجاوبني ... معليش، لكن ما علاقته بالجواب هو، المهم يا أبا عبد الرحمن فيه خلاف فيه؟ الذي قلته أنا، ليس أنت تعتقد اعتقادي، أنا أقول عن نفسي: الآن أنا أقول أن رب العالمين هو السميع البصير، فلا يشاركه أحد في هذه الصفة، هنا في بعض العلماء يقولون: يمكن أن يكون هناك مشاركة، لكن مشاركة بصورة لا يمكن أن تذكر، بمعنى: كما- الآن استحضرت شيئاً، الله أكبر الله أكبر الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.، تعرف قصة الخضر ﵇، تعرفها طبعاً؟
السائل: نعم.
الشيخ: الحمد لله، قصة الخضر مذكورة في القرآن الكريم بصورة موجزة ومختصرة جاء الحديث الصحيح فوضَّح أشياء كثيرة وكثيرة جداً، وتذكرت الآن ما له علاقة ببحثنا، وهو يؤكد وجهة نظري أنا على الأقل، وأنا لا أنسى أنه أنا طلبي منك أن يفهم الناس رأيك في الموضوع كجواب عن سؤال وجه إليك.
стр. 1247
السائل: أنا أتحدث ...
الشيخ: معليش، فأنا قلت: لا يجوز لمسلم يؤمن بالله ورسوله حقاً، وكما جاء في الكتاب والسنة أن يعتقد بأن الله أعطى لنبيه ﵇ علمه الغيبي كله لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها عِلمُه، أي: علم الرسول، لأن الله علمه ذلك، هذا لا يجوز لمسلم أن يقول ذلك، بمعنى: لا فرق عندي بين من يقول: إن الله عالم الغيب كما في القرآن الكريم وهذا حق، وبين من يقول: إن الله علمني ... علم الغيب وهذا اكتساب من النبي من الله، أن الله علمه، فعلم الرسول حادث وعلم الله قديم واجب الوجود، لا يكفي هذا التفريق، فلا يجوز أن نقول: إن النبي ﵌ تَعلَّم كل شيء مما كان ومما سيكون إلى يوم القيامة بتعليم الله له، لا يجوز أن يقال هذا، لماذا؟ لأن هذه مشاركة أو تشريك للرسول في صفة من صفات الله لا يسوغ هذا التشريك ولا يبرره أنه والله هكذا الله علمه، أنا هذا رأيي، أنت قلت: لا يجوز، لأن هذا بتعليم من الله لرسوله، فخطر ببالي قبل أن أعيد عليك السؤال السابق حديث الخضر ﵇، وجرى ما جرى بينهما قصة السفينة وقصة، وقصة الجدار وقصة الغلام، بعد أن انتهت القصة صعد السفينة فأرسل الله طيراً وقف على حرف السفينة فنقر بمنقاره من الماء قطر قطرات فقال الخضر ﵇ لموسى: ما علمي وعلمك بالنسبة لعلم الله إلا كهذه القطرة التي التقطها الطير من البحر. فالعلم الإلهي في المثال هنا هو البحر وعلم الأنبياء والرسل هو قطرة من القطرات، فلا يجوز بارك الله فيك أن يقول مسلم: أنه لا، أنا أعتقد بظاهر حديث مسلم أنه الله علَّم الرسول ﵇ كل ما هو كائن إلى يوم القيامة بدون تقييد بالنصوص الأخرى.
стр. 1248
فأنا سألتك ولا أزال أسألك: هل تعلم أحدا ًمن علماء المسلمين الذين نقلدهم سواء في العقيدة، أهل الحديث، الأشاعرة، الماتريدية، أو فقهاء .. إلخ، قد قال بهذا القول الواسع الشامل، مع الاستثناء الذي قلته وهو أن الله علمه، فعلم الرسول حادث، هل تعلم من قال ذلك من المسلمين؟
السائل: الصحابي راوي الحديث.
الشيخ: هذا ليس جواباً بارك الله فيك.
السائل: ولا أحتج بتابعي على صحابي، لقول الصحابي، قال: ما من سرية وهو المجموعة الصغيرة إلا وأخبرنا عنها وعن قائدها، ثم كانت تمر بي الحادثة ...
الشيخ: إذا سمحت يا أبا عبد الرحمن نحن سمعناه منك، لكن الذي نريده منك ونرجو أن نحظى به ما سمعناه، أنت تفهم من الحديث هذا الفهم.
السائل: أنا أفهم ما قاله الصحابي.
الشيخ: هذا تكرار يا أخي بارك الله فيك، هذا تكرار لثالث مرة أو رابع مرة، هذا أنت تفهمه من الحديث، أنا أفهم من الحديث أن المقصود به أصول ورؤوس الأمور الغيبية وليس كل التفاصيل التي جرى بها الخلق، ما هو كائن وما سيكون إلى يوم القيامة، فأنا الآن مختلف معك في الفهم، معليش أنا أختلف معك وأنت تختلف معي في الفهم، ولكن نريد ما يدعم فهمك أو فهمي، ما هو الدعم؟ قال الصحابي، قال التابعي، قال الإمام المجتهد: أبو حنيفة .. مالك .. الإمام الشافعي .. الإمام أحمد .. إلخ، لا أرجوك ولا أطلب منك أبداً أن تكرر على مسامعي رأيك، فإني فهمته كما أرى هذا النور.
стр. 1249
السائل: أنا أرد عليك؛ يبقى الحديث على ما هو عليه، إلا إذا احتاج شيء يخرجه عما هو عليه، فالحديث يفيد الشمول ويفيد الكلية، فأنا أطالبك بما طالبتني به.
الشيخ: هذه رابع مرة.
السائل: أنا أطالبك بما طالبتني به، هات لي أيضاً صحابي أو تابعي أو إمام أو مجتهد قال بأن الحديث يعني مجملات الأمور ورءوس الأشياء.
الشيخ: أنا قلت آنفاً.
مداخلة: اتق الله يا أخي.
السائل: الشيخ ليس قاصراً عن الإجابة.
الشيخ: إن شاء الله، أنا أجبت عن هذا السؤال.
السائل: أنت طالبتني وأنا أطالبك.
الشيخ: يا أبا عبد الرحمن الله يرضى عليك.
السائل: الحديث على شموليته يحتاج إلى تخصيص، المُطالَب
بالتخصيص أنت.
الشيخ: يا أبا عبد الرحمن! القضية ليست مبارزة، ولا هي مصارعة، نحن لا نعرف ما في قلبك، نسمع من لفظك، بس أنت لما قلت لك: أنا أجبتك عن هذا، تقابلني أنت: وأنا أجبتك، لا، أنا أريد أن ألفت نظرك إلى ما سبق في تضاعيف كلامي لما قلت لك: قال الله : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (الجن:٢٦، ٢٧) قلت: الغيب هنا لا يعني كل الغيب وإنما بعض الغيب.
стр. 1250
السائل: ما الدليل على ذلك؟
الشيخ: اللغة العربية التي نفهمها، أنت الآن تقول لي هنا: ما هو الدليل؟ الدليل هو تفسير القرآن الذي تلقيناه خلفاً عن سلف، أنت هل تعتقد وهذا يأخذنا إلى موضوع الحقيقة لعله هذا الشيء الذي نحن مختلفون فيه الآن هو فرع من ذاك الموضوع، وأرجو أن أكون متوهماً أنه نحن وإياك الآن مختلفون في شيء هو أصل من أصول الشريعة، وأرجو أن أكون واهماً، لأن هذا من مصلحتنا، أنه إذا كنت واهماً في ذلك الشيء الذي سأدلي به أننا سنتفق أخيراً أنه لا يجوز نحن نفسر حديث مسلم بهذا التفسير الشامل الواسع، ذلك هو: هل يجوز لمسلم بعد خمسة عشر قرناً أن يأتي إلى نص في القرآن أو في السنة ويفسره منخلعاً عن كل هذه الجهود العلمية التي ورثناها عن سلفنا وخلفنا ويأتي برأي من عنده ويقول:
هذا رأيي يفسر به كتاباً أو آية أو حديثاً نبوياً ولاَّ الأمر كما قلنا في تضاعيف
كلامنا السابق:
وكل خير في اتباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خلف
وكما قال بعضهم ولم نذكره آنفاً، والآن جاءت المناسبة:
العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس بالتمويه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين الرسول وبين رأي فقيه
كلا ولا جحد الصفات ونفيها ... حذراً من التعطيل والتشبيه
فالآن ألست مؤمناً مَعَنا أن كل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع
من خلف؟
السائل: [هذا الذي] عليه المسلمون.
стр. 1251
الشيخ: الحمد لله، أعود إلى السؤال الأول: هل تعتقد بأنه يجوز للمسلم أن يفسر نصاً من كتاب أو سنة تفسير من عنده؟
السائل: طبعاً لابد من تفسيره إما بالكتاب وإما بالسنة.
الشيخ: لا لا، هذا غلط، جواب خطأ، لأنك تقول: تفسير بالكتاب، أنا أسألك: هل يجوز أن تفسر الكتاب بفهمك الخاص أن تستند كما قلنا إلى السلف الصالح الذين فسروه.
السائل: الذي مثلي قاصر لا يستطيع أن يفسر الكتاب برأيه، لأنه ما فيش صفات الاجتهاد، ولا لغة عربية شاملة.
الشيخ: جميل جداً، إذاً: لا يجوز لإنسان أن يفسر آية أو حديث إلا وقد دعم رأيه وتفسيره بشيء منقول عن السلف، وإلا وقعنا في الانحراف الذي أشرنا إليه آنفاً في التصوير النبوي الجميل: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام: ١٥٣).
أنت تعلم أن هناك كتب في العقائد على اختلاف المذاهب كما أشرنا آنفاً، لن تجد من يقول بأن علم النبي مساوي لعلم الله مع التفريق الذي ذكرته.
السائل: الغيب بعض من علوم الله، وليس علم الله ...
الشيخ: أرجوك ما تعيد علينا، نريد شيئاً جديداً.
السائل: الغيب هو بعض علوم الله، هو ليست كل علوم الله محصورة بالغيب.
الشيخ: كيف؟
стр. 1252
السائل: يعني: علم الله .
الشيخ: علم الله يتعلق بالمعدوم أم بالموجود؟
السائل: الله ...
الشيخ: أرجوك يا سيد جاوب عن سؤالي: علم الله يتعلق بالموجود
أم بالمفقود؟
السائل: بالموجود.
الشيخ: ما معنى كلامك إذاً؟ الموجود هو الذي جرى به القلم.
السائل: يعني: كل ما نراه هو بس علم الله ، بس هذا هو علم الله
؟
الشيخ: كل شيء جرى سبق في علم الله أنه سيكون فهو يعلمه، أما الذي لم يجر في علم الله أنه.
السائل: إذا كان علمه هو ما جرى به القلم بس فقط فهذا أطلع الحق ﷻ الصحابي يقول: بما كان وما يكون.
الشيخ: رجعت حليمة إلى عادتها القيمة.
السائل: نفس الشيء، وبعدين الشطرة .. التي سيقت عن الإمام البوصيري: ومن علومك علم اللوح والقلم، القلم كتب بما كان وما هو كائن، والصحابي يقول: حدثنا بما كان وبما هو كائن، فإذاً: البوصيري له سند في هذا.
الشيخ: على كل حال نحن الآن ندعك لتفكر وتدعنا لنفكر، ندعك لتفكر
стр. 1253
فيما طرحت من رأي، وتدعنا نفكر فيما سمعنا من رأي لعل الله يهدي الضال منا، وأنا ما أقول كما قلت أنت آنفاً غمزاً ولمزاً: أنه ما أحد كفره ولا أحد شركه، لكني أقول بلسان القرآن الكريم: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (سبأ: ٢٤)، لذلك اسمح لي، أنا أقول عن نفسي أنا بارك الله فيك.
السائل: هذه قيلت في حق الكافر.
الشيخ: أنا أقول عن نفسي.
السائل: فلذلك غفر الله لنا جميعاً.
الشيخ: أنا أسألك الآن خاصة على منهجك: الضلال محدود أم
غير محدود؟
السائل: نحن ما وصلنا إلى علم المنطق ولا إلى غيره.
الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله.
السائل: أقول: نحن وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين، أنا أترفع عن
هذا القول.
الشيخ: أنا أقول القرآن، يا شيخ الله يهديك، أتعرف شيء عند العلماء
اسمه اقتباس.
السائل: هذه قيلت في حق المشركين.
الشيخ: في شيء عند العلماء اسمه اقتباس تعرفه؟
مداخلة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
الشيخ: ولذلك أسأله: الضلال عندك ..
стр. 1254
السائل: يا شيخ هذه الآية وردت في حق الكافر.
مداخلة: اتفاق العلماء كلهم: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
السائل: ما يصير تقيس مؤمن تستشهد عليه بهذه الآية.
الشيخ: نحن لا نقيس يا شيخ الله يهديك، أنا لو ..
السائل: ....
الشيخ: معليش معليش، اسمح لي قليلاً، نريد نضع النقطة على طريقة المحدثين، دائرة ووسطها نقطة إن شاء الله.
ما أرجو الحقيقة أنا في الواقع وأنا رجل صريح كما يعلم إخواني هنا أني سمعت من سميي أبو عبد الرحمن ما كنت لا أراه في المنام مسموعاً، وأقول ولا حول ولا قوة إلا بالله، لكن بجانب هذا أقول: أن الجلسة كانت ممتازة من حيث طريقة الأخذ والرد، لأنا نحن اجتمعنا مع كثير من أمثاله ولا مؤآخذة ممن يغالون في الأنبياء بل وفي غير الأنبياء، لكن مع الأسف الشديد كان لا يمكن أبداً نمشي دقائق معدودات، فأنا أشكره من هذه الحيثية حيث مكننا من أن نفهم منه وأن يفهم منا، ونخرج من المجلس كل على بصيرة فيما قال فلان وقال فلان، هذه مزية يجب ألا تهدر، ويجب أن تحفظ؛ لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: ٨) وأنا أرجو منه ألا يأخذ من الآية الشطر الأول، لأنه قصدي أنا الشطر الثاني، وهو (اعدلوا هو أقرب للتقوى) ما يقول أنت تطبق علي الآية، (لا يجرمنكم شنآن قوم) أي بغض قوم فيقول: أنت بغضتني.
стр. 1255
السائل: لا لا.
الشيخ: إنما أنا قصدي من الآية: اعدلوا هو أقرب للتقوى.
السائل: ... العلم دائماً متزن بالحلم وهذا نعهده فيك ...
الشيخ: جزاك الله خيراً، تفضل يا أخي.
مداخلة: .... للتذكير بس حديث النبي ﵊ عندما سمع الجارية التي كانت تنشد وتغني، وتقول:
وفينا رسول يعلم ما في غد
فقال رسول الله ﵊: دعي هذا، وقولي الذي كنت تقولين: فإنه لا يعلم الغيب إلا الله، فهل الرسول متناقض.
الشيخ: حاشا لله.
المداخل نفسه: لا يمكن إلا بالفهم الذي ذكره شيخنا حفظه الله.
الشيخ: لكن بارك الله فيك، نحن ما سمعنا رأيه في حديث الخضر، ذلك صريح بأن الله يتفرد بعلم الغيب، وأرجو أن تتذكروا ما قال الرجل، عمم علم الله حتى في الأشياء التي لم تخلق، من أجل يكون علمه غير علم الرسول الذي علمه إياه افترض شيئاً معلوماً عند الله، ما هو هذا الشيء، هو الشيء الذي لم يجر به القلم، ولم يكن إلى يوم القيامة.
مداخلة: استذكر في هذا الموضع من الحديث أنه جاء للنبي ﵌ ومعه صحيفتان بأهل الجنة وأهل النار، يمكن هذا يوضح على أنه إحدى صور ... علم الغيب، يمكن إذا ذكرت الحديث ..
стр. 1256
الشيخ: هذا صحيح فعلاً.
مداخلة: آيات يسألونك يسألونك قل يسألونك قل، وعلم آدم الأسماء كلها، علم آدم كل الأسماء هذا من أجزاء الغيب.
مداخلة: بس الفكرة أن هذا الحديث كان عن الفتن، عندما صعد النبي ﵌ فتحدث عن الفتن أليس كذلك؟
الشيخ: هو كذلك طبعاً.
المداخل: إذاً معنى ذلك هو محصور حسب فهمي وإذا أنا غلطان يصحح، أن الحديث منسوب إلى ما كان وسيكون من الفتن، ما علم .. ما قال له على الكمبيوتر ماذا يصير فيه.
السائل (أبو عبد الرحمن): ... النبي ﵊ عندما في الصبحيات تأخر عنهم في صلاة الفجر، ثم قام وأردوا أن يقوموا عن الصلاة بعدما صلوا وخلصوا قال: علام ... الحديث يرويه الشيخ بلفظه أنا لا أذكر لفظه.
الشيخ: ما عليك، يكفينا المعنى تابع.
السائل: ... فيم يختصم الملأ الأعلى، فقلت: ... لا أعلم، قال: فوضع كفيه بين كتفي بلا كيف ولا تشبيه حتى وجدت بردها بين ثديي، فعلمت كل شيء، فسألني، فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: في الكفارات وكذا وكذا ...... علم كل شيء، وبعدين: أوتيت علم الأولين والآخرين، فنحن مختلفين في الواقع ليس مختلفين، احنا عندنا الفهم في الحديث، هذا الذي كنا مختلفين فيه، أن الصحابي يقول كذا، ويقول: تمر علي الحادثة فأتذكرها كما يتذكر النائم
стр. 1257
شيئاً يراه في المنام أو شيئاً مثله، معناه حوادث بسيطة وحوادث كبيرة لا يحتاج إلى تذكير، ثم حدثنا بكل سرية ومن هو قائدها، فهذا احنا نقول إذا كان الولي يقول فيه الله في الحديث القدسي: حتى أكون سمعه وبصره الذي يسمع به ويبصر به، ويده التي يبطش بها، فهذا لا يعني أنا لما نُكْسِبُ العبد شيئاً من الله أن نجعله إله أو شريك، والمعروف أن صفة رؤوف فعول ورحيم فعيل، والثنتين للمبالغة، وهي تعني المبالغة في الحدوث لا بالمبالغة في المشاركة، فالنبي ﵇ رؤوف وهو رحمة وعين الرحمة.
الشيخ: لا، ما تقول عين الرحمة، قل: رحمة وكفى، الله ما قال: عين الرحمة.
السائل: فهو عليه الصلاة .. رحمة فهو عين الرحمة، يقول: أنا رحمة مهداة، فهذا لا يخرج النبي ﵇ من كونه رسول، بينما رؤوف فعول فهو كثير الرأفة، كثير وإلى الأعلى، ثم رحيم كثير وإلى الأعلى، ومنها رحمن رحيم، منها نقول: أن النبي ﵌ رحيم والحق رحيم إذاً يشتركان في المعنى، يشتركان في اللفظ، ولكن كل له مدلوله، انحصرت المشاركة في اللفظ لا تعني المشاركة
في المعنى.
الشيخ: هذا رد عليك، الجملة الأخيرة يا أبو عبد الرحمن لو تأملت فيها لوجدت رداً عليك، مشاركة في الاسم صدقت، لكن ليس مشاركة في الصفة، الآن أنت قف عند صفة الرحيم والرأفة التي وصف ربنا نبيه بهما: هل تستطيع أن تقول أن رحمة النبي في كيفيتها في شمولها كرحمة رب العالمين الرحمن الرحيم، أم تقول؟
السائل: طبعاً لا.
стр. 1258
الشيخ: والغيب كذلك.
السائل: الرحمة حادثة مخلوقة.
الشيخ: والغيب كذلك، لا حول ولا قوة إلا بالله، أرجوك ما دام أنت تقول: نحن نريد أن نعرف الحق، لماذا تدير الموضوع حول القضية لا خلاف فيها، نحن ما فيه خلاف أن هذا مخلوق، لكن الخلاف هذا المخلوق يساوي ذاك الذي ليس بمخلوق، أنت قلت الآن في الرحمة طبعاً لا، لماذا لا تقول في العلم طبعاً لا؟
السائل: أنا قلت أنه علم أزلي علم الله ؟ طبعاً لا.
الشيخ: وتقول رحمة الرسول أزلية؟
السائل: طبعاً لا، حادثة، وعلمه حادث.
الشيخ: لكن ليس هذا البحث الله يرضى عليك، ليس هذا البحث، البحث صفة الرحمة في عمومها وشمولها كصفة رحمة الرحمن، تقول: لا.
السائل: طبعاً لا.
الشيخ: وهذا نحن معك، لكن تخالف وتقول: العلم الإلهي الذي هو صفة من صفات الله أن الرسول يشارك الله في هذه الصفة.
السائل: لا لا، ...
الشيخ: اسمح لي يا أخي، أنا أكمل كلامك، أنا أعيد عليك بضاعتك، أنت تقول: أن علم الرسول بالغيب يساوي علم الله، والفرق أن هذا مخلوق وذاك غير مخلوق، هذا قولك.
مداخلة: يعني ... يساوي علم الله بالغيب إلا الله ...
стр. 1259
الشيخ: الآن نريد نرجع للقاعدة التي اتفقنا عليها بارك الله فيك، وهي: أنا ما يجوز لنا نفسر بآرائنا وأفكارنا، أنت الآن تفهم من كلمة حديث معاذ بن جبل الذي ذكرته أخيراً عندما وضع رب العالمين كفه بين يديه .. إلخ، فعلم كل شيء، هذه الكلية هل هي كلية علم الله من حيث الكلية والشمول، أم دون ذلك؟ أرجو جواب يكون واضح.
السائل: يجيبك الحديث الذي ساقه الصحابي.
الشيخ: ما يجاوب.
السائل: بما كتب القلم إلى يوم القيامة.
الشيخ: نقف عند هذا، أنت تجعل هذا الكلام الذي أنت تعتقد [أن] فيه تفسيراً لكلام البوصيري، هذا التفسير يصح فيما لو كان كما قلنا: فإن من علمك علم اللوح، هو يقول: من علومك، وأنت آنفاً جعلت علم الله علمين: علم موجود وعلم ما نعرفه نحن، فهو جعل هذا العلم الموجود من علم الرسول وهناك علم آخر، فأنت الآن تدافع عن كلام البوصيري، أنت دافع عن البوصيري ما شئت، نحن ما عندنا خلاف، وما فيه عندنا عداء أبداً بيننا وبين مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، لكن لا تدافع عن خطئه، من أجل ماذا؟ هو خطاء، وخير الخطائين التوابون، هو يقول: ومن علومك، أنت الآن تجعل كلامه: ومن علمك علم اللوح والقلم، أي: الفرق بينك وبين البوصيري واضح جداً، أنت تجعل
من علم الرسول علم اللوح والقلم، أي: علمه، وليس من أيضاً، لأنه من في العلم
هي تبعيضية.
السائل: وقد تكون بيانية.
стр. 1260
الشيخ: اسمح لي، أنت تجعل، فيه فرق بينك وبين البوصيري، أنت تدافع عنه أنت تدافع عن كلامه، أنت تقول: العلم المسطور الذي سطر بالقلم عَلِمَهُ الرسول ﵇.
[نقول ذلك] جدلاً ولا نبارك لك فيه طبعاً، لأن هذا خلاف عقيدة المسلمين جميعاً، لكن أنت تدافع عن البوصيري الذي يقول: من علومك علم اللوح والقلم، وأنت لا تؤمن بهذا، هل تؤمن بكلام البوصيري على ظاهره.
السائل: أنا أقول.
الشيخ: أسألك بارك الله فيك.
السائل: وقد تكون من للتبعيض يا شيخ.
الشيخ: لا لا، علوم لفظة العلوم.
السائل: من قد تكون بيانية.
الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله، يا أخي قد تكون بيانية والعلوم جمع
أم مفرد؟
السائل: طالما فيه وجه يا شيخ طالما فيه وجه أن لا نحرج الرجل في كلامه ...
الشيخ: رجعت إلى ما نفيناه، لا تتكلم عن الرجل، نحن لا نتكلم عن الرجل، نتكلم عن كلامه.
السائل: يا شيخ! البوصيري يقول: دع ما ادعته النصارى في نبيهم، هذا موافق لحديث النبي ﵇: لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم.
стр. 1261
الشيخ: ما جاوبت يا أستاذ، هذه حيدة تتسجل عليك، نحن نسألك: أنت لا تقول بقول البوصيري، هو يقول: من علوم الرسول علم اللوح، أنت تقول: علم الرسول هو ما في اللوح، وشتان بينك وبينه، فإن كنت ما تتكلم به لا يزيد عما في نفسك فإذاً: يجب أن تعترف أن هذا الكلام خطأ، لا تكفره ولا تشركه، وهذا ما يهمنا، لأن مصيره إلى الله، لكن هذا الكلام الذي يتبرك به المسلمون ويضعون الماء في الشربة في المجلس الذي يتلى عليه هذا الكلام المخالف للشرع هذا يجب أن تنكره لأنه خلاف رأيك، خلاف عقيدتك، وإلا فعقيدتك مثل عقيدته، أي: أنت تعتقد إن سَلَّمت بكلام البوصيري أنت تعتقد أنه علم الرسول ﵇ بما كان وما سيكون هو جزء ... من كل، ليس هو الكل، وإلا ستقول: أخطأ البوصيري في قوله: ومن علومك علم اللوح والقلم، هذا لو سلمنا لك بقولك أن الرسول ﵇ أحاط بكل ما كان وما سيكون علماً إلى يوم القيامة، لكن هو البوصيري يزيد عليك، فواحدة من ثنتين: يا تقول البوصيري مخطئ لكن هو لا معنا ولا معك، تقول هكذا نقول لك: أنت أنصفت ولو مرة واحدة، أما تقول أنا أدافع عن البوصيري لأنه الله علم الرسول ما كان وما سيكون ليس هذا قول البوصيري: من علوم، فهل تستطيع أن تقنعنا قبل أن نخرج أنك متفق معنا أن هذا الكلام لا هو قرآن ولا هو حديث عن الرسول ﵇، إنما هو كلام رجل، وقد يخطئ وقد يصيب، إن اجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، فهل عندك من الجرأة الأدبية بل الاعتقادية أن تقول: أخطأ في قوله: من علومه ولو كان مأجوراً في ذلك إذا كان هو قاصد مجتهداً، فنرجو هذا الاعتراف.
السائل: أنا ما وصلت في الناحية اللغوية حتى [أخطئه] ولا أنا في مستوى علمه ولا أعلمه، أنا طالب علم.
стр. 1262
الشيخ: نحن نراك أكثر من هذا، لأنك تقول ما لا يقوله أحد.
السائل: فلذلك أنا لا أنصب نفسي حكماً.
مداخلة: شيخنا قبل ننتقل، فيه نقطة بنفس الحديث الذي تفضلت في ذكر أنه في مسلم الذي تفضل به أخونا ... في الحديث نفسه أن الصحابي الراوي قال: حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، إذاً: فيه من الصحابة حفظوا هذا الحديث، والذي نعتقده يقيناً في الصحابة أمناء الشريعة الذين حفظوا لنا الإسلام وما رواه سيد الأنام وكان أحدهم يلتقط لفظ رسول الله ليبثه للناس، هل كانوا يكتمون هذا الذي قاله الرسول من هنا إلى قيام الساعة ما كان وما يكون، إذاً: لابد أنهم قالوا، ولم يقولوا، ها هي الكتب بين أيدينا الصحيحان والكتب الستة والمسند لم يقولوا هذا الذي ذكره من كل هذه التفاصيل، إنما هي عيون الأشياء كما تفضل الشيخ.
الشيخ: أنا أزيد عليك، هات الأحاديث الصحيحة التي تجمع الأحاديث الصحيحة والأحاديث الحسنة والأحاديث الضعيفة والأحاديث الموضوعة المكذوبة على رسول الله، فهي لا تساوي قطرة مما في اللوح المحفوظ، يا جماعة أمر رهيب جداً أن يخرج المسلم في عقيدته عن النقل وعن العقل، العقل لا يتسع أن يقبل أصحاب الرسول طبيعتهم أنهم ينقلوا هذا العلم الذي لا يحيط به البشر كله، البشر كله بما فيهم من أنبياء ورسل وأولياء وصالحين مستحيل أن يحيطوا بما كان وما سيكون إلى يوم القيامة، هذا أمر مستحيل.
مداخلة أخرى: محاضرة الرسول نصف ساعة أو ساعة ما الذي يمكن أن يقال فيها، ربما رؤوس أقلام، أنه في آخر الزمان.
الشيخ: هو هذا، رؤوس أقلام.
стр. 1263
مداخلة أخرى: هل من الجائز أن يحاط علم الله بحديث يوم؟
الشيخ: مستحيل هذا يا جماعة، مستحيل.
مداخلة أخرى: أمتي أمتي، فيقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. معناه أنه لا يدري.
الشيخ: طيب جداً.
السائل: هذا الحديث لابد من تأويله.
الشيخ: الله أكبر، يا شيخ أوِّل بارك الله فيك.
السائل: يا شيخ ما سمعت مني هذا.
الشيخ: سمعت منك كلمة التأويل.
السائل: هل تحكم علي قبل أن أتحدث؟
الشيخ: لا، أنا سمعتك تقول: نؤول، نقول لك: لماذا لا تؤول ما استندت إليه من نصوص تأخذها بأدلتها العامة، أنا الآن لما سألتك أخيراً بعض الأسئلة قلت: أنا لست بذاك العالم، وأنا لا أنصب نفسي لأكون حكماً، ولماذا تنصب نفسك للدفاع عن رأي لك أول ما تسمع نصاً وتشعر في أن عندك استعداد للجواب عنه تبرز وتجاوب عنه، وحينما تُسأل سؤالٌ وما عندك جواب قلت: أنا لست عالماً أنا طالب علم، والله أنا وكل إخواننا طلاب علم، فيكم إنسان يقول [أنا عالم؟!] مهما الإنسان طلب من العلم فهو لا يزال طالباً للعلم، فإذا قال: علمت فقد جهل، كلنا طلاب علم، لكن ما نتخلص من الحجة بكلمة: أنا طالب علم، أنا ما أنصب نفسي حكماً، أنا قلت لك مراراً: اسمح لي أكمل كلامي، وهذا كما تعلم من أدب المجلس أيضاً، فالرجل ذكرنا جزاه الله خيراً بحديث، رأساً قلت: هذا الحديث
стр. 1264
نؤوله، أنا أخذت هذه الكلمة وكفاني، لماذا تؤول هذا النص ولم ترض بتأويل النصوص التي قلناها لك، تقول: الصحابي أدرى، نقول لك: ما اختلفنا أن الصحابي أدرى، لكن ما معنى كلام الصحابي؟ تقول: العموم والشمول، على هذه المزلقة نأتي لك بآية من القرآن ما رأيك في هذه الآية، يمكن تقول: والله أنا ما أنا عالم، أنا طالب علم.
الآن في آية وأنت يبدو والحمد لله أنك حافظ للقرآن، ما الآية كلها التي تقول: ما تذر من شيء إلا جعلته كالرميم من يحفظها؟
مداخلة: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ، مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ (الذاريات: ٤١، ٤٢).
الشيخ: أحسنت جزاك الله خير، (ما تذر من شيء) هذا عموم أم خصوص؟
السائل: عموم.
الشيخ: طيب، ما تقول بعمومه أم بِتْخَصِّصُه؟
السائل: لا أعلم.
الشيخ: هذا الذي ظننته، لما تسأله سؤال علمي، يقول لك: لا أعلم، لما تَحتَكُّ القضية برأيك وعقيدتك وأنت فيها على خطر تقول: ندع النص على عمومه، لماذا لا تدع هذا النص على عمومه ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الذاريات: ٤٢) (ما) وبعدها (من شيء) نفي يتبعها الحصر، هذا نص عام، لكن علماء التفسير بارك الله فيك يأتون يقولون لك: «ما تذر من شيء» أراد الله أن يمحوه من وجه الأرض، وإلا من هذه الأشياء أرض الله الواسعة، فهل أهلك الأرض كُلَها وجعلها هباء منثوراً كما سيكون شأن هذه الأرض والكواكب الأخرى يوم القيامة؟ طبعاً
стр. 1265
لا، فالعلماء هم المصابيح، فيجب أن نعتد برأيهم وتفسيرهم، ما نستقل في فهم ونقول: هكذا الصحابي قال؛ آمنا الصحابي قال هكذا، لكن هل أراد العموم أم الشمول، آمنا بأن الله قال: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الذاريات: ٤٢) أنه قال، لكن هل المعنى هو العموم والشمول، الجواب هنا: لا، الجواب هناك: لا، لماذا؟ لأن الأدلة الأخرى إذا جمعناها كلها تدلنا على أن علم الله لا يساويه علم عالم في الدنيا، ولا ينجيك من المخالفة أن تقول: علم هذا العالمَ الله أعطاه إياه، وليس من ذاته، وعلم الله من ذاته، هذا لا يجوز أبداً.
وحسبك ختاماً ولو مللنا إخواننا بطول الكلام أرجوك أن تُفكِّر فيما قلت آنفاً جواباً عن سؤالنا، أن الرسول رؤوف والرسول رحيم، وصدق الله العظيم، لكن لما سألناك: هل رحمة الرسول كرحمة الله؟ قلت: لا، هل علم الرسول ﵇ كعلم الله؟ ما قلت: لا.
السائل: قلت لا ...
الشيخ: اسمح لي، يا أخي الله يرضى عليك، أنا أقرأ الآية ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ (الماعون: ٤) أعوذ بالله، أسمع مني أكمل الكلام، قلت: علم الرسول كعلم الله من حيث الإحاطة والشمول، لكنه حادث، هذا قلته، وكما تقول: كلامك مسجل، أنا أعيد عليك هذا الكلام وأقول: كلامك مسجل، لذلك أرجو أن تفكر في هذا الاعتراف الصريح، رحمة النبي لا تساوي رحمة الله، رأفته لا تساوي رأفة الله، علم الرسول لا يساوي علم الله، ومعنى ذلك أنه لا يعلم بكل شيء كما تحتج بحديث معاذ وغيره، وهذا الدليل المانع من أن تقول: احفظ حديث الخضر ﵇: مثل العلم البشري والعلم الإلهي كقطرة من بحر، والحديث الذي ذكرته حضرتك ما هو.