الشيخ: ما جاوبت يا أستاذ، هذه حيدة تتسجل عليك، نحن نسألك: أنت لا تقول بقول البوصيري، هو يقول: من علوم الرسول علم اللوح، أنت تقول: علم الرسول هو ما في اللوح، وشتان بينك وبينه، فإن كنت ما تتكلم به لا يزيد عما في نفسك فإذاً: يجب أن تعترف أن هذا الكلام خطأ، لا تكفره ولا تشركه، وهذا ما يهمنا، لأن مصيره إلى الله، لكن هذا الكلام الذي يتبرك به المسلمون ويضعون الماء في الشربة في المجلس الذي يتلى عليه هذا الكلام المخالف للشرع هذا يجب أن تنكره لأنه خلاف رأيك، خلاف عقيدتك، وإلا فعقيدتك مثل عقيدته، أي: أنت تعتقد إن سَلَّمت بكلام البوصيري أنت تعتقد أنه علم الرسول ﵇ بما كان وما سيكون هو جزء ... من كل، ليس هو الكل، وإلا ستقول: أخطأ البوصيري في قوله: ومن علومك علم اللوح والقلم، هذا لو سلمنا لك بقولك أن الرسول ﵇ أحاط بكل ما كان وما سيكون علماً إلى يوم القيامة، لكن هو البوصيري يزيد عليك، فواحدة من ثنتين: يا تقول البوصيري مخطئ لكن هو لا معنا ولا معك، تقول هكذا نقول لك: أنت أنصفت ولو مرة واحدة، أما تقول أنا أدافع عن البوصيري لأنه الله علم الرسول ما كان وما سيكون ليس هذا قول البوصيري: من علوم، فهل تستطيع أن تقنعنا قبل أن نخرج أنك متفق معنا أن هذا الكلام لا هو قرآن ولا هو حديث عن الرسول ﵇، إنما هو كلام رجل، وقد يخطئ وقد يصيب، إن اجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، فهل عندك من الجرأة الأدبية بل الاعتقادية أن تقول: أخطأ في قوله: من علومه ولو كان مأجوراً في ذلك إذا كان هو قاصد مجتهداً، فنرجو هذا الاعتراف.
السائل: أنا ما وصلت في الناحية اللغوية حتى [أخطئه] ولا أنا في مستوى علمه ولا أعلمه، أنا طالب علم.
стр. 1262
الشيخ: نحن نراك أكثر من هذا، لأنك تقول ما لا يقوله أحد.
السائل: فلذلك أنا لا أنصب نفسي حكماً.
مداخلة: شيخنا قبل ننتقل، فيه نقطة بنفس الحديث الذي تفضلت في ذكر أنه في مسلم الذي تفضل به أخونا ... في الحديث نفسه أن الصحابي الراوي قال: حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، إذاً: فيه من الصحابة حفظوا هذا الحديث، والذي نعتقده يقيناً في الصحابة أمناء الشريعة الذين حفظوا لنا الإسلام وما رواه سيد الأنام وكان أحدهم يلتقط لفظ رسول الله ليبثه للناس، هل كانوا يكتمون هذا الذي قاله الرسول من هنا إلى قيام الساعة ما كان وما يكون، إذاً: لابد أنهم قالوا، ولم يقولوا، ها هي الكتب بين أيدينا الصحيحان والكتب الستة والمسند لم يقولوا هذا الذي ذكره من كل هذه التفاصيل، إنما هي عيون الأشياء كما تفضل الشيخ.
الشيخ: أنا أزيد عليك، هات الأحاديث الصحيحة التي تجمع الأحاديث الصحيحة والأحاديث الحسنة والأحاديث الضعيفة والأحاديث الموضوعة المكذوبة على رسول الله، فهي لا تساوي قطرة مما في اللوح المحفوظ، يا جماعة أمر رهيب جداً أن يخرج المسلم في عقيدته عن النقل وعن العقل، العقل لا يتسع أن يقبل أصحاب الرسول طبيعتهم أنهم ينقلوا هذا العلم الذي لا يحيط به البشر كله، البشر كله بما فيهم من أنبياء ورسل وأولياء وصالحين مستحيل أن يحيطوا بما كان وما سيكون إلى يوم القيامة، هذا أمر مستحيل.
مداخلة أخرى: محاضرة الرسول نصف ساعة أو ساعة ما الذي يمكن أن يقال فيها، ربما رؤوس أقلام، أنه في آخر الزمان.
الشيخ: هو هذا، رؤوس أقلام.
стр. 1263
مداخلة أخرى: هل من الجائز أن يحاط علم الله بحديث يوم؟
الشيخ: مستحيل هذا يا جماعة، مستحيل.
مداخلة أخرى: أمتي أمتي، فيقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. معناه أنه لا يدري.
الشيخ: طيب جداً.
السائل: هذا الحديث لابد من تأويله.
الشيخ: الله أكبر، يا شيخ أوِّل بارك الله فيك.
السائل: يا شيخ ما سمعت مني هذا.
الشيخ: سمعت منك كلمة التأويل.
السائل: هل تحكم علي قبل أن أتحدث؟
الشيخ: لا، أنا سمعتك تقول: نؤول، نقول لك: لماذا لا تؤول ما استندت إليه من نصوص تأخذها بأدلتها العامة، أنا الآن لما سألتك أخيراً بعض الأسئلة قلت: أنا لست بذاك العالم، وأنا لا أنصب نفسي لأكون حكماً، ولماذا تنصب نفسك للدفاع عن رأي لك أول ما تسمع نصاً وتشعر في أن عندك استعداد للجواب عنه تبرز وتجاوب عنه، وحينما تُسأل سؤالٌ وما عندك جواب قلت: أنا لست عالماً أنا طالب علم، والله أنا وكل إخواننا طلاب علم، فيكم إنسان يقول [أنا عالم؟!] مهما الإنسان طلب من العلم فهو لا يزال طالباً للعلم، فإذا قال: علمت فقد جهل، كلنا طلاب علم، لكن ما نتخلص من الحجة بكلمة: أنا طالب علم، أنا ما أنصب نفسي حكماً، أنا قلت لك مراراً: اسمح لي أكمل كلامي، وهذا كما تعلم من أدب المجلس أيضاً، فالرجل ذكرنا جزاه الله خيراً بحديث، رأساً قلت: هذا الحديث
стр. 1264
نؤوله، أنا أخذت هذه الكلمة وكفاني، لماذا تؤول هذا النص ولم ترض بتأويل النصوص التي قلناها لك، تقول: الصحابي أدرى، نقول لك: ما اختلفنا أن الصحابي أدرى، لكن ما معنى كلام الصحابي؟ تقول: العموم والشمول، على هذه المزلقة نأتي لك بآية من القرآن ما رأيك في هذه الآية، يمكن تقول: والله أنا ما أنا عالم، أنا طالب علم.
الآن في آية وأنت يبدو والحمد لله أنك حافظ للقرآن، ما الآية كلها التي تقول: ما تذر من شيء إلا جعلته كالرميم من يحفظها؟
مداخلة: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ، مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ (الذاريات: ٤١، ٤٢).
الشيخ: أحسنت جزاك الله خير، (ما تذر من شيء) هذا عموم أم خصوص؟
السائل: عموم.
الشيخ: طيب، ما تقول بعمومه أم بِتْخَصِّصُه؟
السائل: لا أعلم.
الشيخ: هذا الذي ظننته، لما تسأله سؤال علمي، يقول لك: لا أعلم، لما تَحتَكُّ القضية برأيك وعقيدتك وأنت فيها على خطر تقول: ندع النص على عمومه، لماذا لا تدع هذا النص على عمومه ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الذاريات: ٤٢) (ما) وبعدها (من شيء) نفي يتبعها الحصر، هذا نص عام، لكن علماء التفسير بارك الله فيك يأتون يقولون لك: «ما تذر من شيء» أراد الله أن يمحوه من وجه الأرض، وإلا من هذه الأشياء أرض الله الواسعة، فهل أهلك الأرض كُلَها وجعلها هباء منثوراً كما سيكون شأن هذه الأرض والكواكب الأخرى يوم القيامة؟ طبعاً
стр. 1265
لا، فالعلماء هم المصابيح، فيجب أن نعتد برأيهم وتفسيرهم، ما نستقل في فهم ونقول: هكذا الصحابي قال؛ آمنا الصحابي قال هكذا، لكن هل أراد العموم أم الشمول، آمنا بأن الله قال: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الذاريات: ٤٢) أنه قال، لكن هل المعنى هو العموم والشمول، الجواب هنا: لا، الجواب هناك: لا، لماذا؟ لأن الأدلة الأخرى إذا جمعناها كلها تدلنا على أن علم الله لا يساويه علم عالم في الدنيا، ولا ينجيك من المخالفة أن تقول: علم هذا العالمَ الله أعطاه إياه، وليس من ذاته، وعلم الله من ذاته، هذا لا يجوز أبداً.
وحسبك ختاماً ولو مللنا إخواننا بطول الكلام أرجوك أن تُفكِّر فيما قلت آنفاً جواباً عن سؤالنا، أن الرسول رؤوف والرسول رحيم، وصدق الله العظيم، لكن لما سألناك: هل رحمة الرسول كرحمة الله؟ قلت: لا، هل علم الرسول ﵇ كعلم الله؟ ما قلت: لا.
السائل: قلت لا ...
الشيخ: اسمح لي، يا أخي الله يرضى عليك، أنا أقرأ الآية ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ (الماعون: ٤) أعوذ بالله، أسمع مني أكمل الكلام، قلت: علم الرسول كعلم الله من حيث الإحاطة والشمول، لكنه حادث، هذا قلته، وكما تقول: كلامك مسجل، أنا أعيد عليك هذا الكلام وأقول: كلامك مسجل، لذلك أرجو أن تفكر في هذا الاعتراف الصريح، رحمة النبي لا تساوي رحمة الله، رأفته لا تساوي رأفة الله، علم الرسول لا يساوي علم الله، ومعنى ذلك أنه لا يعلم بكل شيء كما تحتج بحديث معاذ وغيره، وهذا الدليل المانع من أن تقول: احفظ حديث الخضر ﵇: مثل العلم البشري والعلم الإلهي كقطرة من بحر، والحديث الذي ذكرته حضرتك ما هو.
стр. 1266
مداخلة: لا يعلم الغيب إلا الله، دعي هذا وقولي ...
الشيخ: أي نعم لا يعلم الغيب إلا الله.
السائل: الحديث الذي ساقه [حديث الحوض] وهو قول النبي ﵊، فهو النبي يخبر عنه، هو النبي يخبر عنه، فكيف لا يعلمه، هو يخبر.
الشيخ: الله أكبر.
السائل: هو يخبر، فهو طالما يخبر يقول: ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، فأقول: هلم هلم.
الشيخ: أنا أسمع لك لكن اسمع لي أنت فيما بعد.
السائل: فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً، الآن النبي ﵇ ألا يحدث، يحدث عن شيء سيكون، فهو يخبر عنه؟
الشيخ: لا.
السائل: لا يخبر عنه.
الشيخ: لا، يخبر عنه إجمالاً كما نقول نحن، ولا يخبر عنه تفصيلاً كما تزعم أنت، وهذه حجة قاصمة الظهر في هذا الموضوع إذا كنت صحيح تريد تكون منصفاً، هو يخبر إجمالاً؛ لأن الله أعلمه بما يكون مجملاً، وهذا من الأحاديث الذي يؤيد تفسيرنا لحديث حذيفة وغيره مما جاء في مسلم، هو يعلم إجمالاً ولا يعلم تفصيلاً، ولذلك يقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأرجو منك قليلاً من الإنصاف يا أبا عبد الرحمن، اليوم دنيا وغداً آخرة، وما تدري نفس بأي أرض تموت، وأنا أراك مثل حكايتي؛ ابيضَّت، وما بيننا وبين القبر إلا شبر،
стр. 1267
ولذلك يجب أن تراجع نفسك، هذه عقيدة تخالف الكتاب والسنة وإجماع المسلمين خلفاً وسلفاً، وربنا يقول في القرآن الكريم: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: ١١٥)، عائذاً بالله أن يكون أحد في هذا المجلس ممن خرج عن سبيل المؤمنين.
مداخلة: أستاذنا على التأويل الذي ذكره الحاج الله يجزيه الخير، أن الرسول ﵇ يحدِّث عن هذا، واستدل من هذا التحديث أنه يعلم، فنحن نقول: هذا الذي حَدّث عنه الرسول ﵊ سيحدث أم لم يحدث؟ سيحدث، فإذا سئل النبي ﵇ وقال: أصحابي أصحابي، ماذا سيقال له؟
السائل: إنك لا تدري ماذا ...
الشيخ: كذبت كذبت كذبت.
مداخلة: لا تدري، هل كذب رسول الله ﵊، إذاً: إذا قلت بواحدة جانبت الصواب في الأخرى، وإن أصبت في الأخرى أخطأت في الأخرى ...
الشيخ: الحقيقة يا إخواننا أن أخانا أبا عبد الرحمن إن شاء الله ربنا يهدينا وإياه إلى سواء الصراط قال كلمة حق: أنه هو طالب علم وليس بعالم، وأنا أعترف أنه مثلي طالب علم، ولكن يجب عليه أن يدرس اللغة العربية وأساليبها، فأنا إذا قلت له الآن: أن في علم اللغة شيء يقال فيه: هذا من إطلاق الكل وإرادة الجزء، يا ترى تعرف أنت هذا الأسلوب في اللغة العربية؟
السائل: لا.
стр. 1268
الشيخ: هذه المشكلة، فلما الرسول ﵇ يقول: (الحج عرفة) الذي لا يعرف اللغة العربية ماذا يقول؟ إذا حجيت [أصعد عرفة] وبس انتهى الموضوع ... لكن الأسلوب العربي يقول: أَطْلَقَ الكل: الحج، وأراد شيئاً من الحج وهو عرفة، لماذا؟ لأهميته هذا الشيء، فمهم جداً أن الله يعلم رسوله ﵇ عن بعض أعلام الغيب ويعلم أصحابه بذلك، أما عن كل كبير وصغير، هذا أمر كما قلنا ولا نؤيد ما قلنا وكفى: مشاركاً لله في الصفة، مع الفارق الذي هو يتمسك به ويدندن حوله، كذلك أيضاً إذا قال الله : ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ (الإسراء: ٧٨) قرآن الفجر يعني: تلاوته، لكن ما هو هذا المقصود، المقصود صلاة الفجر، سبحان الله! ... يقول لي: لماذا أنت تؤول القرآن، القرآن يقول: وقرآن الفجر، أنا أقول: هكذا قرآن الفجر، لا، أنا أقول له: صلاة الفجر، هو يقول لي: هكذا اللغة، لا، أنت ما تعرف اللغة، مع الأسف العرب اليوم كثير منهم نسي لغته العربية، وما نحن فيه الآن يكفي ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ (الإسراء: ٧٨) الصلوات الأربعة ذكرت في أول الآية، وعطف عليها قرآن الفجر، أي: صلاة الفجر، ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ (الإسراء: ٧٨) أي: صلاة الفجر ﴿كَانَ مَشْهُودًا﴾ (الإسراء: ٧٨) هذا بارك الله فيك أسلوب في اللغة العربية كما قال ذلك الصحابي أقول اقتباساً منه: عرفه من عرفه وجهل من جهله، فيطلق العموم ويراد الخصوص، يطلق الكل ويراد الجزء، فهذا أساليب في اللغة العربية نحن إذا جهلناها انحرفنا كثيراً وخطيراً.
مداخلة: الله يجزيك خيراً شيخنا.
"الهدى والنور" (٢٩٢/ ٢١: ٤٧: ٠٠) و (٢٩٣/ ٥٤: ٠١: ٠٠)
стр. 1269
[٢٩٤] باب هل يعلم النبي ﵌ الغيب ؟
[قال الإمام]:
الأمر عندنا معشر المسلمين ... أنه ﵇ مميز على البشر بالوحي، ولذلك أمره الله-﵎-أن يبين هذه الحقيقة للناس فقال في آخر سورة الكهف: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وعلى هذا كان لكلامه ﵌ صفة العصمة من الخطأ لأنه كما وصفه ربه : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.
وليس هذا الوحي محصوراً بالأحكام الشرعية فقط، بل يشمل نواحي َ أخرى من الشريعة منها الأمور الغيبية، فهو ﵌ وإن كان لا يعلم الغيب كما قال فيما حكاه الله عنه: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: ١٨٧) فإن الله تعالى يُطلعه على بعض المغيبَات وهذا صريح في قول الله ﵎: ﴿عَالِمُ الغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ وقال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا
بِمَا شَاءَ﴾.
فالذي يجب اعتقاده أن النبي ﵌ لا يعلم الغيب بنفسه، ولكن الله تعالى يُعلمه ببعض الأمور المغيبَّة عنا، ثم هو صلى الله تعالى عليه وسلم يظهرنا على ذلك بطريق الكتاب والسنة، وما نعلمه من تفصيلات أمور الآخرة من الحشر والجنة والنار ومن عالم الملائكة والجن وغير ذلك مما وراء المادة، وما كان وما سيكون، ليس هو إلا من الأمور الغيبية التي أظهر الله تعالى نبيه عليها، ثم بلَّغنا إياها، فكيف يصح بعد هذا أن يرتاب مسلم في حديثه لأنه يخبر عن الغيب؟! ولو جاز هذا للزم منه رد أحاديث كثيرة جداً قد تبلغ المائة حديثاً أو تزيد، هي كلها
стр. 1270
من أعلام نبوته ﵌ وصدق رسالته، وردُّ مثل هذا ظاهر البطلان، ومن المعلوم
أن ما لزم منه باطل فهو باطل، وقد استقصى هذه الأحاديث المشار إليها الحافظ ابن كثير في تاريخه وعقد لها باباً خاصاً فقال: «باب ما أخبر به ﵌ من الكائنات المستقبلة وفي حياته وبعدها فوقعت طبق ما أخبر به سواء بسواء» ثم ذكرها
في فصول كثيرة (فلتراجع) ... في «البداية والنهاية» (٦/ ١٨٢ - ٢٥٦) يجد في ذلك هدى ونوراً بإذن الله تعالى, وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ
إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ
عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾. وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ
بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ، وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي
مَا الكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللهِ الَّذِي لَهُ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الأَرْضِ أَلَا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾.
فليقرأ المسلمون كتاب ربهم وليتدبروه بقلوبهم يكن عصمة لهم من الزيغ والضلال، قال ﵌:
«إن هذا القرآن طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبداً» (١).
" مقالات الألباني" (ص ١٥٩ - ١٦١)
стр. 1271
[٢٩٥] باب هل يعلم الرسول ﵌ الغيب؟
وما حكم الصلاة خلف من يعتقد ذلك ؟
سؤال: إمام مسجد يدعي بأن رسول الله ﵌ يعلم الغيب فهل يجوز
الصلاة خلفه؟
الجواب:
النصوص القرآنية الواردة صريحة بأن الرسول ﵇ لا يعلم الغيب كما في قوله تعالى: ﴿ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء﴾ والأحاديث الواردة أيضاً مؤكِّدةً لهذا المعنى كمثل الحديث الذي في صحيح البخاري أن النبي ﵌ مر بجاريةٍ صغيرةٍ وهي تُغنِّي وتقول: «وفينا نبي يعلم ما في غد» فقال ﵊: «دعي هذا؛ لا يعلم الغيب إلا الله وقولي مثل ما كنت تقولين»، يعني: من الكلام المباح، فإذا بُلِّغَ ذلك ثم أصر على ضلاله فحينئذٍ لا يجوز الصلاة خلفه، نعم.
"الهدى والنور" (١٩/ ٢٦: ٥٠: ٠٠)
[٢٩٦] باب لا يصح
إطلاق القول بأن النبي ﵌ عَلِمَ جميع الكائنات
عن عبد الرحمن بن عائش قال: قال رسول الله ﵌:
" رأيت ربي في أحسن صورة قال: فبم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: أنت أعلم قال: فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي فعلمت ما في السماوات والأرض وتلا: ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين﴾.
стр. 1272
[قال الإمام معلقًا على قوله ﵌: "فعلمت ما في السموات والأرض"]:
يعني ما أعلمه الله تعالى مما فيهما من الملائكة والأشجار وغيرهما، وهو عبارة عن سعة علمه الذي فتح الله عليه، ولابد من هذا التقييد الذي ذكرناه؛ إذ لا يصح إطلاق القول بأنه علم جميع الكائنات التي في السماوات والأرض، كما قال العلامة الشيخ علي القاري (١/ ٤٦٣) وهو الظاهر.
"تحقيق مشكاة المصابيح" (١/ ٢٢٥).
[٢٩٧] باب لا كيف في المغيبات
سؤال: في حديث المعراج عندما فرضت الصلاة على الرسول ﵌ وراجعه سيدنا موسى .. كيف كانت المسألة هذه؟
الشيخ: لا كيف بارك الله فيك! الأمور غيبية خذوها قاعدة واستريحوا .. لا كيف في المغيبات، وحسبك أن تقصر فتقول كيف، غيرك يلف ويدور ويحكي كلاماً طويلاً لكن ينتهي إلى هذه الكلمة التي أنت قلت عنها: كيف؟ لا كيف في المغيبات، الإيمان المطلق وفقط بدون تكييف؛ لأنه عالم ما وراء المادة
كما يقولون اليوم .. ما وراء العقل ما يقاس عليه حياتنا هذه المادية والعكس بالعكس أيضاً.
"الهدى والنور" (٢٨/ ٥٤: ٥٩: ٠٠)
[٢٩٨] باب لا يُطَّلع على الغيب بطريق الكشف
[قال الإمام]:
مع كون هذه الطريقة [أي طريقة الكشف] غير مشروعة، فهي من المستحيل
стр. 1273
أن توصل إلى الإطلاع على المغيبات بعد ختم رسالة بالنبي ﵌ ونزول قوله تعالى: ﴿عالم الغيب فلا يطهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول﴾، نعم هي في الحقيقة إنما توصل إلى أوهام وخيالات يتوهمونها كشوفًا ومغيبات.
"التعليق على التنكيل" (٢/ ١٩٤).
[٢٩٩] باب هل معرفة جنس الجنين في البطن يتنافى
مع تفرد الله سبحانه بمعرفة الغيب، وإذا قلنا بجواز معرفة ذلك فلماذا يُمنع الذهاب للكهان ؟
سؤال: يقول السائل: توجد طريقة علمية لاكتشاف الولد من البنت وهو في بطن أمه أثناء الحمل، فهل هذا صحيح؟
الشيخ: أما هل هذا صحيح أو ليس بصحيح فهذا ليس من اختصاصي؛ لأن هذا له علاقة بعلم الطب، ولكن في حدود ما قرأنا أن القضية لا تزال في حدود البحث والتحقق، وأشعر بأن الدافع على مثل هذا السؤال أن السائل أو غيره يخشى من أن يُصبح ذلك حقيقةً علميةً، فيختلف ذلك أو يتضاد مع النصوص الشرعية التي تُصرِّح بأنه لا يعلم ما في الأرحام إلا الله ﵎، هذا التوهم هو الذي يجعل بعض المسلمين يخشون أن يكون هذا النبأ صحيحًا ... حين ذلك العلم التجريبي مع العلم الديني، والواقع أنه لا خوف على العقيدة الإسلامية بهذه القضية كما هو الشأن في كل قضايا الإسلام فيما لو ثبت علميًا إمكان معرفة كون الجنين ذكرًا أو أنثى بواسطة من الوسائط أو بوسيلة من الوسائل العلمية التي يسخرها الله ﵎ لمن يشاء من عباده، لا خوف من ذلك؛ لأن المقصود من تفرد الله بعلمه بما في الأرحام أمران اثنان:
стр. 1274
الأمر الأول: أنه يعلم ذلك علمًا ذاتيًا، أما هذا العلم التجريبي فهو يُعلم بوسيلة من هذه الوسائل التي يخلقها الله ﵎ لمن يشاء من عباده كما ذكرنا، ففرق بين العلم الإلهي حيث أنه علم ذاتي: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ (الملك:١٤) فهو ليس بحاجة إلى وسيلة، بينما العباد هم بحاجة إلى أن يتعاطوا كل وسيلة من الوسائل التي يسخرها الله لهم فيطلعون بها على ما يكون عادًة خافيًا على سائر الناس الذين لا يتعاطون هذه الوسائل، فالتفريق بين العلم الذاتي بالغيب أمر ضروري جدًا ينبغي أن نستحضره دائمًا في مثل هذه المسائل التي تشكل على بعض الناس.
فإنكم تعلمون حقيقة علمية لا ريب فيها ولا شك وهي أن كثيرًا من الفلكيين يتنبئون على الكسوف والخسوف قبل أن يقع ليس بشهور ولا بسنة ولا بسنين وإنما هي عمليات حسابية دقيقة جدًا لما سخر الله كما ذكرنا للناس بها يتمكنون من أن يتنبئوا وأن يخبروا الناس بالكسوف والخسوف إلى ما بعد سنين طويلة، ثم إن نبئهم يحتوي عادًة على تفاصيل دقيقة بحيث يقولون: أن الخسوف في المنطقة الفلانية يكون خسوفًا كليًا .. في منطقة ثانية يكون نصفيًا .. في منطقة ثالثة يكون جزئيًا، وهكذا يُرى الخسوف في مكان كذا ولا يرى في مكان كذا إلى آخره، هل هذا الذي أصبح أمرًا ملموسًا لا شك فيه ولا ريب وليس هو كالمسألة التي وُجِّه السؤالُ حولها، الكسوف والخسوف هذا دائمًا نقرؤه في الجرائد ويقع ذلك، فهل هذا من العلم الغيب الذي تفرد الله ﵎ به كما في آيات كثيرة منها: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (النمل: ٦٥)؟ الجواب: لا؛
لأن المقصود بالغيب هنا هو ما يتخيله كثيرًا ممن ينتمون إلى التصوف أو إلى الطرق حيث يذكرون في كتب هؤلاء بأن الولي الفلاني كان ينظر هكذا فيطلع
стр. 1275
على اللوح المحفوظ ويقول: فلان يموت وفلان يسعد وفلان يشقى إلى آخره، هذا العلم الذاتي ليس إلا لله وحده لا شريك له في كل شيء، ومن ذلك لا شريك له في علم الغيب.
كنت ذكرت لكم في جلسة مضت قول الله ﵎: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (الجن: ٢٦ - ٢٧) انظروا كيف يقول ويُفرِّق بين علمه ﵎ بالغيب فيذكر أنه يعلم الغيب بذاته، أما الرسل المصطفين الأخيار الذين يأتوننا أحيانًا ببعض المغيبات فعلمهم بها ليس من باب العلم بالغيب ذاتية منهم وإنما بإطلاع الله لهم عليه، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ﴾ (الجن:٢٦) فلا يطلع .. فلا يُعلِم أحدًا على ذلك الغيب ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (الجن: ٢٧) فإذًا: هذه الأحاديث الكثيرة والكثيرة جدًا التي جاءت في كتب الحديث والتي تدخل بصورة خاصة في علامات الساعة سواًء ما كان منها من العلامات الكبرى أو الصغرى، هذا ليس من علم الرسول بالغيب؛ لأن هذا كما ذكرنا تفرد الله به ، وإنما هذا من إطلاع الله لنبيه على ما شاء من الغيب، إذا عرفنا هذه الحقيقة سَهُلَ علينا أن نفهم أن تنبؤ الفلكيين بخسوف الشمس والقمر هذا ليس من باب الاطلاع على الغيب وليس من باب العلم بالغيب وإنما هو استعمال منهم للوسائل التي سخرها الله لهم فيصلِون بها إلى معرفة ما غاب عن سائر الناس، وهؤلاء الناس هم في الحقيقة لو سلكوا نفس السبيل من التعلم للوسائل التي هم تعلموها فتمكنوا بها معرفة متى يقع الخسوف على التفصيل السابق ذكره لكانوا أيضًا عارفين معرفتهم بالكسوف والخسوف.
فإذًا: العلم بشيء غاب عن الناس بوسيلة من الوسائل التي خلقها الله هذا ليس من باب معرفة الغيب فلا إشكال، هناك مثلًا أمر كنت قرأته قديمًا في بعض
стр. 1276
الكتب يمكن أن يكون صحيحًا وهو الغالب: أن الفلاح يمكنه أن يعرف عمر الشجرة بعد قطع جذعها من الدوائر التي يراها في نفس الجذع، فيقولون: بأن كل دائرة تعني سنة، فإذا كان هناك في هذا الجذع دائرتان فهو يقول: عمر هذه الشجرة سنتان، ثلاثة ثلاثة وهكذا، بل كنت قرأت ما هو أدق وأغرب من ذلك: بأنه يمكن معرفة عمر الإنسان بالنظر إلى الخطوط التي تُرى بشيء من الدقة في أظافر الإنسان فكل خط أيضًا يعني سنة، فهذا ما يهمني هل صح أم لم يصح، كمسألة الجنين والاكتشاف أنه ذكر أو أنثى، لكن إن صح ذلك فلا إشكال وليس هو من باب مشاركة الله في علم الغيب وإنما هو من طريق استغلال هذه الوسائل التي خلقها الله وتعرَّف بها على ما يَخفى على الناس.
إذا عرفنا هذا فلا يهمنا أبدًا صح طبيًا اكتشاف هوية الجنين أذكر هو أم أنثى أو لم يصح؛ لأنه إن صح فليس ذلك من باب العلم بالغيب وإنما هو من باب استغلال الوسائل التي سخرها الله للإنسان لاستكشاف ما ورائها من الأمور التي تغيب عادًة على سائر الناس.
قلت: أن هذا لا يعني مشاركة الله في الغيب من ناحيتين هذه إحداهما، والأخرى: أن الله ﵎ حينما قال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا في الأَرْحَامِ﴾ (لقمان: ٣٤) أي: هو وحده فقط يعلم تفصيليًا، فإن استطاع العلم مثلًا أن يكتشف هوية الجنين هل هو ذكر أو أنثى ولكن هو لا يستطيع أن يحيط علمًا بهذا الجنين مثلًا هل هو سيكون كاملًا أم يكون ناقصًا؟ يعني: خلقه يكون تامًا أم ناقصًا، ثم يعلم ما في الأرحام قبل أن تعلق العلقة هناك أو البويضة كما يقولون بمني الرجل، فمجرد أن يقذف الرجل بمائه في رحم المرأة فالله يعرف أن هذا الماء سينعقد أو لا، وإذا انعقد سيكون ذكرًا أو أنثى، وإذا كان ذكرًا أو أنثى هل سيكون خلقه تامًا أم لا، هل سيكون سعيدًا أم شقيًا أم أم إلى آخره، هذه التفاصيل مستحيل على العلم
стр. 1277
مهما علا وسما أن يحيط بها علمًا، كذلك هو مما تفرد الله به وهو المعنى بقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا في الأَرْحَامِ﴾ (لقمان: ٣٤).
مداخلة: تقريبًا بالسؤال، أحد الإخوة يقول: فلماذا حُرِّم إتيان الكهان وهم أيضًا يستعملون بعض الوسائل لمعرفة بعض الغيب عن سائر الناس؟.
الشيخ: ثمة فرق كبير بين المسألتين، الكهان يتصلون بالجان، وكما ثبت في الأحاديث الصحيحة ولعلكم تذكرون ذلك جميعًا أن الجن يسترقون السمع، ثم ينزل أحدهم إلى قرينه من الإنس فيلقي في أذنه ما يكون قد سمعه من السماء مما تتحدث به الملائكة، ثم يضيفون إلى ذلك أكاذيب كثيرة وكثيرة جدًا، فيختلط الحق الذي سمعه الجني من حديث الملائكة بالباطل الذي أضافوه إليه، وألقوا ذلك جميعًا في أذن قرينهم من الإنس، ولذلك فكانوا يستغلون ولا يزالون يستغلون هذا إلى اليوم ليوهموا الناس أنهم يعرفون ما يجهله الناس من العلم بالغيب، ولذلك ولأنهم أضلوا بذلك وضلوا نهى الرسول ﵇ عن
إتيان الكهان وقال: «من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل
على محمد».
أما هؤلاء الأطباء فهم مع أنهم في ضلال مبين بسبب أنهم كفروا برب العالمين ولم يؤمنوا بشريعته التي أنزلها على قلب نبينا ﵇ فهم مع هذا الضلال لا يدعون أنهم يعرفون الغيب، بل هم يصرحون بأنهم كلما ازدادوا علمًا ازدادوا معرفة بجهلهم فشتان بين هؤلاء الذين يتعاطون الوسائل العلمية لمنفعة الناس والكشف عما يضرهم وعما ينفعهم ولا يدَّعون شيئًا من الصلة بعالم السماء شتان بين هؤلاء وبين العرَّافين والكهان الذين حذرنا نبينا ﵊ من الإتيان إليهم وتصديقهم.
"فتاوى الإمارات" (٦/ ٠٠٤٠: ٣٨: ٠٠)
стр. 1278
[٣٠٠] باب الإخبار بما في نفس الغير من خصوصياته تعالى
وبيان الفرق بين ذلك وبين الإلهام والفراسة
[قال الإمام]:
الإخبار عما في نفس الغير ليس من الجزئيات القريبة, بل هو من خصوصيات الله ﵎: ﴿تعلم ما في نفسي ... ﴾ فيستحيل أن يصل إلى هذه المرتبة من يتعاطى الرياضة من مؤمن أو كافر, ونحوه الإخبار بموت الغائب, أو بقدومه, نعم هذا الأمران, الأخيران ونحوهما قد يكون من وحي الشيطان الجني الذي يسترق السمع إلى الشيطان الإنسي، أو يمكنه بحكم جبلته أن يطلع على موت فلان، قبل أن يطلع عليه البعيد عنه من بني الإنسان، فيخبر به من يريد أن يضله من الإنس ... ومثله قدوم الغائب، ومكان الضالة ونحو ذلك، فهذه أمور ميسورة للجن، فيطلِعون بعض الأنس بها لإضلالهم ﴿وأنه كان رجال من الأنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً﴾، وأما الاطلاع على ما في الصدور والإخبار به فليس في طوق أحد منهم إلا بإخبار الله من شاء من عباده الذين ارتضاهم للرسالة كما قال: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول ... ﴾، نعم ليس من هذا القبيل ما يُلِهَمُه الرجل الصالح، ثم يقع كما ألهم، لأنه لو سئل عنه قبل ذاك لم يستطيع الجزم به، فلأنه (١) لا يدري أمن إلهام الرحمن هو، أم من وحي الشيطان؟ بخلاف النبي ﴿قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير﴾.
وليس منه أيضاً ما يتنبأ به الإنسان بفراسته وملاحظته الدقيقة التي لا يتنبه لها غيره، وقد وقع لي شخصياً من هذا النوع حوادث كثيرة لولا أنني كنت أبادر إلى
стр. 1279
الكشف عن أسبابها الطبيعية لظنها الناس كشفاً صوفياً! فمن ذلك أنني كنت يوماً في حلقة الدرس أنتظر أن يكتمل الجمع، إذ قلت لمن عن يميني ـ وهو حي يرزق ـ بعد قليل يدخل فلان ـ لشاب سميته، فلم يمض سوى لحظات حتى دخل! فنظر إلى جليسي دهشاً كأنه يقول: أَكَشْفٌ؟ فقلت: لا بل هي الفراسة. ثم شرحت له سر المسألة، وذلك أن الشاب المشار إليه أعرف أن له دراجة عادية يأتي عليها إلى الدرس. وأعرف أيضاً أن الراكب لها إذ أرد النزول عنها أوقف تحريك رجليه إذا اقترب من المكان الذي يريد النزول عنده، وأنه عند ذاك يسمع منها صوت بعض مسنناتها، وكانت دراجة الشاب من النوع المعروف بـ «السباقية»، والصوت الذي يسمع منها عند النزول أنعم من الأخريات، وكان هو الوحيد الذي يركبها من بين الذين يحضرون الدرس عادة، فلما أراد النزول، وأوقف رجليه طرق سمعي ذلك الصوت، فعرفت أنه هو، وأخبرت جليسي به، فكان كذلك!
وقد اتفق لي مراراً ـ ويتفق مثله لغيري ـ أنني وأنا في صدد تقرير مسألة يقوم بعض الحاضرين يريد أن يسال، فأشير إليه بأن تمهل، فإذا فرغت منها قلت له: الآن فسل. فيقول: ما أردت السؤال عنه قد حصل! فأقول: أهذا هو الكشف؟! فمثل هذه الإجابة قد تقع تارة عفواً، وتارة بقصد من المدرس الذي بحكم مركزه قد ينتبه لما لا ينتبه له الحاضرون فيعرف من علامات خاصة تبدو له مِن الذي يريد السؤال ما هو سؤاله فيجيبه قبل أن يسأل! فيظن كثير من الناس أنه كشف أو إخبار عما يضمر في نفسه، وإنما هو الظن والفراسة، ويستغل ذلك بعض الدجالين فيلقون في نفوس مريديهم أنهم يطلعون على الضمائر، وأنهم يعلمون الغيب، فيتقبلون ذلك منهم ببساطة وسلامة قلب، حتى أن الكثير منهم لا يسافرون، ولا يأتون عملا يهمهم، إلا بعد موافقة شيخهم عليه، فكأنه عندهم (بكل شيء عليم). والله المستعان.
"التعليق على التنكيل" (٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩)
стр. 1280
[٣٠١] باب لا يعلم الغيب إلا الله
وبيان الفرق بين الوحي والإلهام
عن جابر قال: «لما حَضر أُحُد دعاني أبي من الليل فقال: ما أراني إلا مقتولاً في أول من يقتل من أصحاب النبي ﵌، وإني لا أترك بعدي أعز علي منك، غير نفس رسول الله ﵌ فإن علي ديناً فاقض، واستوص بأخواتك خيراً، فأصبحنا فكان أول قتيل ودفنته مع آخر في قبر». رواه البخاري.
[قال الإمام]:
ينبغي أن يُعلم أن هذا ليس من قبيل العلم بالغيب، فإنه لا يعلم الغيب إلا الله، ولا من باب إطلاع الله عباده على الغيب، كما يظن كثير من الجهال، فإن الله تعالى يقول: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾، وإنما هو من قبيل الإلهام الصادق، والفرق بينه وبين الوحي، أن الإلهام غير معصوم من الخطأ والتخلف، بخلاف الوحي فإنه معصوم دائماً، فاحفظ هذا فإنه به تزول مشكلات كثير من الكرامات التي يظن أولئك الجهال أنها من الاطلاع على الغيب، والجزم به كفر، لأنه خلاف القرآن، ولذلك يبادر المتمسكون به إلى إنكار مثل هذه الكرامات بزعم أنها مخالفة للقرآن، فهؤلاء في واد وأولئك في واد والحق ما ذكرنا، والتوفيق من الله تعالى، فعض على هذا التحقيق بالنواجذ، فإنك قد لا تراه في غير هذا المكان.
" تحقيق مشكاة المصابيح" (٣/ ١٦٧٤).
стр. 1281
[٣٠٢] باب هل تأويل الرؤى من معرفة الغيب؟
والفرق بين الوحي والإلهام
السائل: هل الرؤية هي من الغيب أم ليست من الغيب؟
الشيخ: الرؤى غيب وقال ﵊: الرؤى جزء من ستة وثلاثين جزءاً من النبوة (١) أو كما قال ﵊.
مداخلة: نعم.
الشيخ: نعم؟
مداخلة: الرؤية الصالحة.
الشيخ: الصالحة نعم.
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب، فهي غيب ..
مداخلة: طيب هل .. هل هناك أحد يعلم بالغيب إلا من علمه الله من الأنبياء؟ كما قلت: أن العلماء يعلمون هذه الرؤى هبة.
الشيخ: أنا ما قلت: نعم يعلمون كإلهام من الله .
مداخلة: يلهمهم غيباً, يعني: .. يلهمهم بعض الغيب؟
الشيخ: لا. هذا ليس غيباً بارك الله فيك.
стр. 1282
مداخلة: تفضل ..
الشيخ: الغيب الآن هذا السؤال الحقيقة مهم جداً .. لنعرف ما هو الفرق بين العلم بالغيب والفراسة التي يصيب بها أحياناً ويتحدث بها بعض كتب السنة الصحيحة من جهة ويغالي فيها الذين ينتمون إلى التصوف من جهة أخرى، أظنكم جميعاً تعلمون قوله ﵊: «لقد كان في أمتي محدَّثون لقد كان فيمن قبلكم محدَّثون، فإن يكن في أمتي محدَّث فعمر» (١)، ومعنى محدَّثون: أي: ملهمون الإلهام ليس هو الوحي لكنه يلتقي مع الوحي أحياناً من حيث اكتشاف ما سيقع ظناً وليس يقيناً يعني: الذي ألهم بشيء لا يستطيع أن يقول: إن هذا سيكون حتماً إلا ما ندر جداً .. جداً وهو يعترف بأنه ليس معصوماً، أما الوحي فهو يقطع بها كما هو حي تماماً يقطع بأن هذا الذي أوحاه الله إليه هو من وحي السماء لا يدخله شك ولا لبس ولا ريب، فالآن لقد كان فيمن قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي فعمر ما هو معنى مُحدَّثون؟ أي: ملهمون، فما هو الإلهام؟ أنتم تعرفون أن عمر بن الخطاب تحدث بأمور نزل القرآن على وفق ما تحدث به كقوله مثلاً: لو حجبت نساءك فأنزل الله آية الحجاب (٢)، وقوله مثلاً: لو اتخذنا .. لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى إلى آخره، من هذا القبيل ما رواه الإمام مالك في "الموطأ" بالسند الصحيح أنه عن أبي بكر الصديق أنه قال: لابنته عائشة في أرض تتعلق بإرث أولاد أبي بكر ﵁، قال فيما أذكر الآن: أنه هذه لأختك والأخت هي كانت لا تزال جنيناً في بطن زوج أبي بكر الصديق، قالت: وأين أختي؟ قالت: هي التي في بطن فلانة،
стр. 1283
وفعلاً رزقت بنتاً فكانت ترث مع أختها تلك الأرض بوصية من أبي بكر الصديق .. في هذا الإلهام وهذه القصة في «الموطأ» وبالسند الصحيح الذي لا إشكال فيه؛ لأنه في الموطأ يوجد روايات مقطوعات وبلاغات كثير منها لا يصح وإن كانت موصولة بعضها في كتب أخرى، أما هذه القصة فهي صحيحة.
إذا عرفنا هذه الحقيقة الفرق بين الوحي وبين الإلهام يمكننا نحن الآن أن ندخل في صلب الإجابة إلى رجل عالم مثل ابن سيرين فسر الرؤية التي قص عليه قاصٌّ ما أو رائي ما فهو لا يستطيع أن يقول: أنها ستكون كذلك، فإذاً هذا ليس من باب الاطلاع على الغيب إطلاقاً وإنما هو الظن والظن قد يصيب وقد يخطئ وهذا يقع من العلماء بمناسبات كثيرة وكثيرة جداً حتى أن بعض مشايخ الطرق يستغلون هذه الوقائع ويوهمون الناس أنها كشوفات وأنهم يطلعون على ما في صدور الناس، والحقيقة أنه ليس شيء من ذلك إنما هي الفراسة، فإذاً وسأقص بعض ما وقع لي أنا شخصياً مع كشف السر لكي لا تنغشوا ببعض ما قد تسمعون من بعض الناس، إذا تبين أن ابن سيرين وأمثاله ممن قد يوهبون علم تأويل الرؤيا فذلك ليس من باب الاطلاع على الغيب؛ لأنه لا يعلم الغيب إلا الله بنص القرآن الكريم ثم كما قال في القرآن الكريم أيضاً: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (الجن: ٢٦، ٢٧)، الغيب: هو الأمر الذي يقطع به الرسول ﵌ أن الله أوحى، أما العالم ذو الفراسة أو مفسر المنام فهذا لم يطلع على الغيب فقد يصيب وقد يخطئ أنا أقص لكم بعض القصص التي وقعت لي وهي أولاً: لا تدل على صلاح ولا تدل على طلاح، وإنما تدل أنه هذا المسؤول في عنده شيء من العلم وفي عنده شيء من اليقظة فأصاب الهدف، فلو أراد أن يغش هؤلاء الناس سيقول لهم: هذه كشوفات وأنتم تنكرونها.
стр. 1284
أنا أذكر جيداً أنني كنت في دكاني أُصَلّح الساعات لما دخل علي أحد إخوانا من الفلسطينيين الذين كانوا فروا من ظلم اليهود إلى دمشق وتعرفوا على الدعوى السلفية والحمد لله.
جاءني يوماً ومعه رجل فلاح وأنا أعلم مسبقاً وهنا يبدأ موضوع الفراسة أعلم مسبقاً أن هذا أستاذ في بعض القرى التي حول بلدة حمص هناك في الطريق إلى حلب، فأطلعني على ساعة اسمها الأجنبي «رِبكو» قال: انظر الساعة هذه تقف نريد نصلحها لأخوانا هذا، ففهمت أن أخوه هذا من تلك القرية، رأساً قلت له: اشتراها من هنا من دمشق من المحل الفلاني؟ قال: نعم، ولم يهتم بها، لكن أنا لفت نظره؛ لأنه هو معنا سلفي، قلت: ها أنتم تنكرون الكشف هذا كشف, ها أنا عرفت أن هذه الساعة الذي ساكن في قرية بعيدة عن دمشق نحو مائة وخمسين مائتين كيلو متر وقريبة من حمص بأقول: اشترها من أين؟ من دمشق، فأصبت هذه فراسة؛ لأني ربطت بين الماركة هذه ما هي معروف تاجرها إلا في دمشق
وهذا الذي يريد أن يشتريها لا بد ما يأتي إلى هنا؛ لأنه ما هو موجودة في بلد
آخر، فأصاب الهدف تماماً، فلفت نظره إلى النكتة هذه .. هذا كشف وأنتم
تنكروا الكشف.
لكن بنفس الوقت نكتة أبلغ من هذه بكثير دخل إلي طالب علم .. طالب علم قوي فيما يسمى بعلوم الآلة في النحو والصرف إلى آخره يقول لي يا شيخ! بعدما سلم طبعاً: آية أشكل عليّ مرجع الضمير فيها آية أشكل عليه مرجع الضمير فيها، قلت له: انظر بقى «لعل» ما قلت له: هي كذا؛ لأني محتاط، قلت: لعلك تعني قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾ (الأعراف: ١٩٠)، قال: والله هذه فلما رجعت قلت لهم: ما زلتم تنكرون الكشف هذا الكشف ما صار معي
стр. 1285
أنا؟ صار معي إذا صح التعبير كمبيوتر إلهي ما هو رجل طالب علم أقوى مني في علوم الآلة أشكل عليه الضمير في آية إلى أين راجع؟ على حدود ما علمت أنا استحضرت هذه الآية قلت له: لعلها هي، قال: هي .. هي.
فإذاً هذا ما هو كشف هذا عبارة عن فراسة وعن مقدمات تكون في نفس المتفرد فيصيب الهدف أحياناً ويخطأ أحياناً، كذلك المفسر أو المؤول للرؤى قد يصيب أحياناً ويخطئ أحياناً هذا ليس أن له علاقة إطلاقاً بأنه اطلع على الغيب هذا جواب ما سألته.
"الهدى والنور" (٦٨٨/ ١١: ١١: ٠٠)
[٣٠٣] باب هل التنبؤ بنزول
المطر وما شابه ذلك من علم النجوم المذموم ؟
عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﵌: «من اقتبس علماً من النجوم، اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد».
(صحيح).
قال [المنذري]: والمنهي عنه من علم النجوم هو ما يدَّعِيه أهلها من معرفة الحوادث الآتية في مستقبل الزمان، كمجيء المطر، ووقوع الثلج، وهبوب الريح، وتغيير الأسعار، ونحو ذلك ويزعمون أنهم يدركون ذلك بسير الكواكب، واقترانها وافتراقها، وظهورها في بعض الأزمان، وهذا علم استأثر الله به، لا يعلمه
أحد غيره، فأما ما يدرك من طريق المشاهدة من علم النجوم الذي يعرف به الزوال وجه القبلة، وكم مضى من الليل والنهار، وكم بقي، فإنه غير داخل في النهي،
والله أعلم.
стр. 1286
[قال الإمام معلقًا]:
قلت: ومن ذلك عندي التنبؤ بنزول المطر، وتساقط الثلج، وهبوب الرياح، ونحوها، فإن لمعرفة ذلك اليوم موازين دقيقة سخرها الله للناس في هذا الزمان، مثل الساعات التي يعرف بها الوقت، فلا علاقة لذلك البتة بعلم النجوم المذموم.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (٣/ ١١١٣).
[٣٠٤] باب رد الاستدلال
بقصة عمر مع سارية على إمكانية معرفة الغيب
[قال عمر بن الخطاب ﵁]:
«يا سارية الجبل، يا سارية الجبل».
مما لا شك فيه أن النداء المذكور إنما كان إلهاماً من الله تعالى لعمر وليس ذلك بغريب عنه، فأنه " محدث " كما ثبت عن النبي ﵌ ولكن ليس فيه أن عمر كشف له حال الجيش، وأنه رآهم رأي العين، فاستدلال بعض المتصوفة بذلك على ما يزعمونه من الكشف للأولياء وعلى إمكان اطلاعهم على ما في القلوب من أبطل الباطل، كيف لا وذلك من صفات رب العالمين المنفرد بعلم الغيب والاطلاع على ما في الصدور.
وليت شعري كيف يزعم هؤلاء ذلك الزعم الباطل والله يقول في كتابه: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول﴾ فهل يعتقدون أن أولئك الأولياء رسل من رسل الله حتى يصح أن يقال إنهم يطلعون على الغيب بإطلاع الله إياهم!! سبحانك هذا بهتان عظيم.
стр. 1287
على أنه لو صح تسمية ما وقع لعمر ﵁ كشفاً، فهو من الأمور الخارقة للعادة التي قد تقع من الكافر أيضاً، فليس مجرد صدور مثله بالذي يدل على إيمان الذي صدر منه فضلا على أنه يدل على ولايته ولذلك يقول العلماء إن الخارق للعادة إن صدر من مسلم فهو كرامة وإلا فهو استدراج، ويضربون على هذا مثل الخوارق التي تقع على يد الدجال الأكبر في آخر الزمان كقوله للسماء: أمطري، فتمطر وللأرض: أنبتي نباتك فتنبت، وغير ذلك مما جاءت به الأحاديث الصحيحة.
ومن الأمثلة الحديثة على ذلك ما قرأته اليوم من عدد " أغسطس " من السنة السادسة من مجلة " المختار " تحت عنوان: " هذا العالم المملوء بالألغاز وراء الحواس الخمس " ص ٢٣ قصة " فتاة شابة ذهبت إلى جنوب أفريقيا للزواج من خطيبها، وبعد معارك مريرة معه فسخت خطبتها بعد ثلاثة أسابيع، وأخذت الفتاة تذرع غرفتها في اضطراب، وهي تصيح في أعماقها بلا انقطاع: " أواه يا أماه ... ماذا أفعل؟ " ولكنها قررت ألا تزعج أمها بذكر ما حدث لها؟ وبعد أربعة أسابيع تلقت منها رسالة جاء فيها: " ماذا حدث؟ لقد كنت أهبط السلم عندما سمعتك تصيحين قائلة: " أواه يا أماه ... ماذا أفعل؟ ".وكان تاريخ الرسالة متفقاً مع تاريخ اليوم الذي كانت تصيح فيه من أعماقها ".وفي المقال المشار إليه أمثلة أخرى مما يدخل تحت ما يسمونه اليوم بـ " التخاطر " و" الاستشفاف " ويعرف باسم " البصيرة الثانية " اكتفينا بالذي أوردناه لأنها أقرب الأمثال مشابهة لقصة عمر ﵁، التي طالما سمعت من ينكرها من المسلمين لظنه أنها مما لا يعقل! أو أنها تتضمن نسبة العلم بالغيب إلى عمر، بينما نجد غير هؤلاء ممن أشرنا إليهم من المتصوفة يستغلونها لإثبات إمكان اطلاع الأولياء على الغيب، والكل
стр. 1288
مخطئ. فالقصة صحيحة ثابتة وهي كرامة أكرم الله بها عمر، حيث أنقذ به جيش المسلمين من الأسر أو الفتك به ولكن ليس فيها ما زعمه المتصوفة من الاطلاع على الغيب، وإنما هو من باب الإلهام (في عرف الشرع) أو (التخاطر) في عرف العصر الحاضر الذي ليس معصوما، فقد يصيب كما في هذه الحادثة وقد يخطئ كما هو الغالب على البشر، ولذلك كان لابد لكل ولي من التقيد بالشرع في كل ما يصدر منه من قول أو فعل خشية الوقوع في المخالفة، فيخرج بذلك عن الولاية التي وصفها الله تعالى بوصف جامع شامل فقال: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾.ولقد أحسن من قال: إذا رأيت شخصا قد يطير ... وفوق ماء البحر قد يسير ولم يقف على حدود الشرع ... فإنه مستدرج وبدعي
"الصحيحة" (٣/ ١٠١ - ١٠٤).
[٣٠٥] باب هل كُشف لِعُمَر عن حال "سارية"وأصحابه لما نادى: يا سارية الجبل ؟
[أشار الآلوسي في "الآيات البينات" إلى قصة سماع سارية لكلام عمر بن الخطاب، فعلَّق الألباني عليها قائلا]:
يشير إلى ما رواه عبد الله بن وهب عن ابن عجلان عن نافع عن ابن عمر أن عمر وَجَّه جيشا ورأَّس عليهم رجلا يقال له: (سارية) قال: فبينما عمر يخطب فجعل ينادي: يا سارية الجبل يا سارية الجبل (ثلاثا) ثم قدم رسول الجيش فسأله عمر؟ فقال: يا أمير المؤمنين هزمنا فبينما نحن كذلك إذ سمعنا مناديا: يا سارية الجبل (ثلاثا) فأسندنا ظهورنا بالجبل فهزمهم الله. قال: فقيل لعمر: إنك كنت
стр. 1289
تصيح بذلك.
وهذا إسناد جيد حسن كما قال ابن كثير في " البداية " (٧/ ١٣١) ومن هذا الوجه رواه البيهقي في " الدلائل " (٣/ ١٨١/١)، وكل ما يروى عن عمر في هذه القصة سوى هذا فلا يثبت مثل ما جاء في " روض الرياحين " (ص ٢٥) أنه كشف لعمر عن حال سارية وأصحابه من المسلمين وحال العدو؛ فإنه لا أصل له، وإنما هو من ترهات الصوفية لدعم كشوفاتهم المزعومة. نسأل الله السلامة.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١٥٣).
[٣٠٦] باب هل يُستدل بقوله ﵌: "كان نبي من الأنبياء يخط" على جواز الخط على الرمل ؟
[جاء في حديث معاوية بن الحكم السلمي المعروف بحديث الجارية أنه قال للنبي ﵌]:
قلت: يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية وقد جاء الله بالإسلام وإن منا رجالا يأتون الكهان. قال: "فلا تأتهم". قلت: ومنا رجال يتطيرون. قال: "ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم". قال قلت ومنا رجال يخطون. قال: "كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك ". رواه مسلم.
[قال الإمام معلقا على قوله ﵌: «فذاك»]:
أي مصيب. وهو كالتعليق بالمحال لأن خط ذاك النبي كان معجزة وقد انقضت، فكيف يمكن أن نعرف الموافقة؟
"تحقيق مشكاة المصابيح" (١/ ٣١١).
стр. 1290
[٣٠٧] باب هل يجوز الخط على الرمل لمعرفة الغيب ؟
السائل: [هل قول النبي ﵌: «قد كان نبي يخط .. » فيه جواز هذا
الفعل؟]
الشيخ: نعم، المعنى أن الله ﵎ كان قد جعل لبعض الأنبياء وفي بعض الأقوال ولم يرد في الأحاديث أنه يونس ﵇ كان قد جعل له وسيلة يتوصل بها إلى معرفة بعض المغيبات، بواسطة الضرب على الرمل، فالنبي ﵌ ربط إصابة الرمال بأن يوافق معجزة ذلك النبي، وهذا كما يقول العلماء من باب التعليق بالمحال، قال ﵇: «فمن وافق خطُه خط ذاك النبي فذاك هو المصيب» ولا شك أن هذه الموافقة لا يمكن الوصول إليها؛ لأن ذلك النبي أولاً كانت هذه المعجزة خاصة به، وثانياً: هو لم يدع كتاباً يتخذ وسيلة لمعرفة طريقة الضرب بالرمل ليكتشف بهذه الطريقة شيئاً من الغائب فهو من باب التعجيز في المحال، قد كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه هذا الرمال خط ذلك النبي فذاك هو المصيب، وهذا أمر مستحيل.
مداخلة: [بعضهم يرسم] خطوط كثيرة في الأرض [ثم يمسح] خطين
خطين، فإذا بقي في الأخير خطان فهذا علامة النجاح، وإن بقي الخط فهذا
علامة الفشل.
الشيخ: علامة النجاح في ماذا؟
مداخلة: في الأمر الذي أتى هذا الرجل [من أجله]
الشيخ: لمعرفة الغيب يعني.
مداخلة: فهل هذا مباح للأثر وارد عن النبي بهذه الطريقة أو هذا من
طريقة الكهان؟
стр. 1291
الشيخ: لا هذا .. ليس عن الرسول طريقة معينة في هذا، كيف يمكن أن يدع لنا طريقة وهو يعلق إصابة الرمال بأن يوافق خط ذلك النبي ثم .. هذا أسلوب من أساليب الرسول ﵇ وإلا فنحن نقرأ في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (الجن: ٢٦ - ٢٧) فلا يمكن الوصول إلى الأمور الغيبية باتخاذ وسائل لم يشرعها ربنا ﵎، فسواء كانت هذه الصورة ولأول مرة أنا أسمعها أو صور أخرى مما يتعاطاها الرمالون هؤلاء أو المنجمون فالمهم أنهم يحاولون بذلك الوصول إلى معرفة بعض المغيبات إن لم يكونوا كما أعتقد يدجلون على الناس ويموهون عليهم، أي: أنهم يعلمون أنهم ليس عندهم طريقة متوارثة مثلاً حتى تتصل بذاك النبي، بهذه الطريقة يعرفون بعض المغيبات، هم يعلمون أنهم يدجلون على الناس ويدلسون عليهم ابتغاء مادة عاجلة فعلاً، فلا يجوز هذا التعاطي ولذلك قال ﵇ في بعض الأحاديث الأخرى: «من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد» وكأنه ﵇ يشير في هذا الحديث إلى الآية السابقة وهي قوله تعالى: ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (الجن: ٢٦ - ٢٧) فهذا الكاهن أو العراف أو الرمال ليس رسول يمكن
أن يوحي الله إليه بشيء من علمه بالغيب ﵎؛ لهذا كان تعاطي هذا الضرب بالرمل أو أي وسيلة مما فيه التدجيل على الناس هو [كفر] بمثل هذه
الآية الكريمة.
مداخلة: مخرج من الملة؟
الشيخ: هذا يختلف بين الكفر العملي والكفر الاعتقادي، فإن كان مستحلاً ذلك بقلبه فهو كفر الخروج عن الملة، وإن كان يعتقد بأن ذلك لا يجوز كما يأكل المرابي الربا ويسرق السارق وإلى آخره كل هؤلاء في المنزلة سواء، من استحل
стр. 1292
بقلبه شيئاً من المحرمات فهو كافر كفر ردة، ومن اقتصر استحلاله على العلم دون الاستحلال القلبي فهو كفر معصية وليس كفر ردة.
"رحلة النور" (٥أ/١٨: ٠٦: ٠٠)
[٣٠٨] باب هل تجوز قراءة الكف ؟
السائل: [بعضهم] يقول: يتكون في الكفين الرقم تسعة وتسعين، يعني: جمع الرقم في خطين في الكف الأيمن بعدد ثمانية عشر، وفي الأيسر بواحد وثمانين، مجموعهما: تسعة وتسعين، وهي يقول: هذه أسماء الله الحسنى، وبعض الناس يقرؤون الكف، فما حكم ذلك؟
الشيخ: هذا مما لا يلتفت إليه؛ لأن أسماء الله الحسنى أكثر من تسعة وتسعين اسمًا، والحديث الذي جاء في صحيح البخاري ومسلم من قوله ﵊: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة» (١) فهذا الحديث لا يعني: أنه ليس لله ﵎ أسماء أخرى، وإنما يعني: أن هذه التسعة وتسعين اسمًا من أحصاها، أي: من استخرجها من الكتاب والسنة وعمل بمعانيها فكان ذلك بشارة له بدخول الجنة، وإلا فقد جاء في بعض الأحاديث الصحيحة أن النبي ﵌ سأل ربه بكل اسم سمى به نفسه أو علمه بعض خلقه، أو استأثر هو ﵎ بعلمه، فأسماء الله ليست محصورة بهذا العدد الذي زعم ..
"فتاوى جدة-الأثر -" (٢٦ب /٥٧: ٢٨: ٠١)
стр. 1293
جماع أبواب أحكام التبرك
стр. 1294
[٣٠٩] باب هل كان الصحابة
يتبركون بمخلفات النبي ﵌ وهو يعلم ذلك فلا ينكره ؟
سؤال: ... هل كان المسلمون يتبركون بالتفال ومخلفات الوضوء، وهل كان النبي يرضى بذلك؟
الشيخ: هذا سؤال هام، الواقع أن ذلك وقع ووقع على علم من الرسول ﵇ وسكوت منه، ولكن هذا السكوت كان برهة من الزمن، ولم يستمر منه ﵌، ولقد ظهر حكمة ذلك السكوت المؤقت واضحًا بينًا جليًا في صلح الحديبية، حيث أخذ المشركون يرسلون سفيرًا منهم- وما أريد أن أقول: رسولًا منهم، وإن كان هذا سائغًا من حيث العربية-فكلما أرسلوا سفيرًا منهم ليحادث الرسول ﵇ ويفهموا ما يريد، كان يرى هذا السفير تلك المبالغة العجيبة التي لا يعرفونها في ملوك كسرى وقيصر، من تهافت الصحابة على وضوء النبي ﵌ الماء الذي كان يتوضأ به وتبركهم به، فكان من آثار ما شاهدوا أو شهدوا أنهم عادوا إلى رؤوس قريش وقالوا لهم: صالحوا محمدًا فوالله لقد رأينا كسرى وقيصر فما رأينا أحدًا يُعظَّمهم كما أرينا أصحاب محمد يُعظِّمون محمدًا ﵌، وعلى هذا جرى الصلح المعروف في صلح الحديبية.
فكان سكوت النبي ﵌ على مثل تلك المبالغة في التبرك به ﵇ من السياسية الشرعية الحكيمة، ولكنه لأنه طبع على ما وصف بحق في قوله ﵎: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤) وكما قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله» وكما قال في حديث آخر: «لا تنزلوني فوق منزلتي التي أنزلني الله فيها» (١) فهو تجاوب في نهاية
стр. 1295
مع هذا المبدأ الأساسي الذي كان يحياه الرسول ﵇ وذلك حينما شاهدهم مرة يتهافتون أيضًا على التبرك بوضوئه فقال لهم: «ما يحملكم على هذا؟ قالوا: حب الله ورسوله، قال:- هنا الشاهد-إن كنت تحبون الله ورسوله فاصدقوا في الحديث وأدوا الأمانة» انظر هذا اللطف في النقد من الأمر المفضول إلى الحكم الفاضل، لم يصدهم الرسول ﵇ صدًا، وإنما مهد لهم تمهيدًا بأسلوب عظيم جدًا: «ما الذي يحملكم على هذا؟ قالوا: حب الله ورسوله» وهم صادقون في ذلك، فقال لهم: هذا لا يدل حبكم لله والرسول، الذي يدلكم على ذلك هو أن تعملوا بما جاء به الرسول عن ربه ﵎.
ولهذا فنحن نرى أن ما ثبت من التبرك هو ثابت وفي صحيح البخاري قصة الحديبية في صحيح البخاري، لا مجال لإنكارها من حيث الرواية أبدًا، لكن بعض الناس يأخذون الأمور بالعجلة ولا يأخذونها بالرَويِّة، فلو أنهم نظروا أولًا إلى الحكمة من ذاك السكون ثم اطلعوا على الحديث الأخير لزال الإشكال ولعرفوا عظمة الرسول ﵇ في ذاك وفي هذا الحديث.
"فتاوى الإمارات" (٧٦: ٣١: ٠٠)
[٣١٠] باب إنما أقر النبي ﵌
على التبرك به يوم الحديبية لحكمة بالغة
[جاء في حديث المسور بن مخرمة الطويل في غزوة الحديبية قوله]:
فوالله ما تنخم رسول الله ﵌ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ...
رواه البخاري.
стр. 1296
[قال الإمام]:
فعلوا ذلك تبركًا به ﵌ وحبًّا له، وقد أقرهم النبي ﵌ عليه لحكمةٍ بالغة، ظهرت فيما يأتي من القصة، وقد جاء ما يشعر أن النبي ﵌ صرفهم عن ذلك في حادثة أخرى، كما حققته في بعض مؤلفاتي. انظر "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (٢٩٩٨).
"مختصر صحيح البخاري" (٢/ ٢٣٣).
[٣١١] باب هل يقاس التبرك
بآثار الصالحين على التبرك بآثار النبي ﵌ -
[قال الإمام منبهًا على بعض أخطاء البوطي في فقه السيرة]:
قال [أي البوطي في "فقه السيرة"] في حاشية (ص ١٩٧) بعد أن نبه إلى معجزة فرس سراقة وغوص قائمتيها في الأرض، ومعجزة خروجه ﵌ من بيته وقد أحاط به المشركون، وتبرك أبي أيوب الأنصاري وزوجه، ثم استطرد فذكر تبرك أم سلمه بشعره ﵌ وأم سليم بعرقه وغير ذلك ثم علق عليه فقال: «يرى الشيخ ناصر الألباني أن مثل هذه الأحاديث لا فائدة منها في هذا العصر، ذكر ذلك في نقد له على أحاديث كان قد انتقاها الأستاذ محمد المنتصر الكتاني لطلاب كلية الشريعة.
ونحن نر ى أن هذا كلام خطير لا ينبغي أ، يتفوه به مسلم، فجميع أقوال الرسول وأفعاله وإقراراته تشريع، والتشريع باق مستمر إلى يوم القيامة ما
لم ينسخه كتاب أو سنة صحيحة، ومن أهم فوائد التشريع ودليله معرفة الحكم، والاعتقاد بموجبه.
стр. 1297
وهذه الأحاديث الثابتة الصحيحة لم ينسخها كتاب ولا سنة مثلها فمضمونهما التشريعي باق إلى يوم القيامة ومعنى ذلك أنه لا مانع من التوسل والتبرك بآثار النبي ﵊ فضلاً عن التوسل بذاته وجاهه عند الله تعالى، وأن ذلك ثابت ومشروع مع الزمن، فكيف يقال مع ذلك أنه لا فائدة منها في هذا العصر؟!
أكبر الظن أن السبب الذي ألغى فائدتها بنظر الأستاذ الشيخ ناصر أنها تخالف مذهبه في التوسل غير أن ذلك وحده لا يكفي موجباً لنسخها وإنهاء فائدتها كما هو معلوم».
هذا كلام البوطي بالحرف الواحد نقلته على طوله وقلة فائدته ليكون القراء على يقين من مبلغ علم هذا الرجل وخوفه من الله تعالى، وعدم مبالاته بتهمة الأبرياء والطعن فيهم بغير حق، ولبيان هذه الحقيقة هنا أقول:
أولاً: إن ما نسبه إليّ من الرأي إن هو إلا اختلاق. وإن مما يدل على جرأة الرجل وقلة خوفه من الله وحيائه من الناس عزوه ذلك إلى نقدي لأحاديث الكتاني، وليس فيه هذا الفرية الباطلة كما سترى ولو كان الدكتور ينتقد بإخلاص وعلم لنقل عبارتي، وانتقدها انتقاد علمياً موضوعياً، ولكنه يعلم أنه لو فعل ذلك لانكشف عند القراء، ولذلك فهو جرئ على هذه الطريقة من النقد يعزو القول إلى القائل وهو لم يقل ذلك أصلاً، أو قال شيئاً منه ولكن الدكتور يأخذ بعضاً، ويترك بعضا كمثل من يقول "ولا تقربوا الصلاة" ويسكت، فاسمع نص كلامي في نقدي المذكور للكتاني؛ قلت: (ص٥٦) ما نصه: ٦ - إيراده أحاديث لا يترتب على معرفتها اليوم كبير فائدة تحت العناوين الآتية: (ص٢١) «التبرك بآثار رسول الله ﵌ بأمره» وذكر فيه حديث علي بن أبي طالب وفيه أمره ﵌ له ولغيره أن
стр. 1298
يشربا من إناء مج فيه ﵌ وأن يفرغاه على وجوههما، ثم قال: «تبرك الصحابة بآثار رسول الله ﵌».ثم أورد فيه حديث طلق بن علي وفيه أنه ﵌ توضأ وتمضمض ثم صبه في إداوة لهم. ثم أعاد الترجمة ذاتها وذكر تحتها حديثاً ثالثاً في تبرك أسماء بجبته ﵌ ثم أعاد الترجمة للمرة الرابعة وأورد فيه حديثاً في تبرك أم سلمه بشعر رسول الله ﵌.
فما هو الفائدة من تكرار هذه العناوين والتراجم في الوقت الذي لا يمكن اليوم التبرك بآثاره ﵌ لعدم وجودها؟ وما يفعلونه اليوم في بعض البلاد من التبرك في بعض المناسبات بشعرة محفوظة في زجاجة فهو شيء لا أصل له في الشرع، ولا يثبت ذلك بطرق صحيحة.
نعم إنما يستفيد من هذه التراجم بعض مشايخ الطرق كما سبق ذكره في المقدمة، ولعل المصنف وضع هذه التراجم مساعدة منه لهم على استعباد مريديهم وإخضاعهم لهم باسم التبرك بهم والله المستعان».
هذا الذي قلته في النقد المذكور نقلته مضطراً بالحرف الواحد ليقابله القارئ الكريم بما نسبه البوطي إليّ، ليتبين له افتراؤه وغلواءه في قوله: «هذا كلام خطير لا ينبغي أن يتفوه به مسلم،»! فأنت ترى أن الدكتور تعمد حذف لفظة «كبير» المضافة إلى «فائدة» والتي هي نص صريح في أنني لا أنفي الفائدة مطلقاً من معرفتها كما زعم البوطي، وإنما أنفي فائدتها الكبرى وهذا أمر واضح لا يخفى على أحد إن شاء الله تعالى، وقد عللت ذلك بتعليل بين فقلت: «لا يمكن اليوم التبرك بآثاره ﵌ لعدم وجودها .... » فتبقى الفائدة التي ليست بكبيرة إنما هي معرفتها لمجرد العلم بالشيء ولا الجهل به، فكيف ينسب البوطي إليّ تلك الفرية: «هذه الأحاديث لا فائدة منها في هذا العصر»؟!
стр. 1299
ثانياً: هب أنني قلت ذلك، فهلا ذكر السبب الذي قلته في تعليل ذلك بديل أن يكتمه عن الناس فيوقعهم في الولوغ في عرض الألباني وذهابهم مذاهب شتى في تعليل ذلك والطعن فيه، أم أن هذا هو الذي يقصده البوطي بكل ما يكتبه ضد الألباني، وليس هو النصح لهم؟!
ثالثاً: أما كان من الواجب على الدكتور البوطي أن يرد على تعليلي المذكور إن كان عنده رد، بديل أن يأخذ من نقدي المتقدم على الكتاني- على طوله- تلك الجملة المبتورة، «لا فائدة منها» فيكذب علي!
رابعاً: لا أشك أن هناك خلافاً كبيراً بيننا وبين الدكتور البوطي في تقدير فائدة أحاديث التبرك فهي عندي وعند كل ذي عليم فيما اعتقد غير ذي موضوع اليوم، وهذا لا ينافي فائدة معرفتها كما سبق بيانه، بينما يرى الدكتور أنها ذات موضوع، لأنها تدل على التبرك، وهو والتوسل بمعنى واحد عنده كما يدل عليه قوله المتقدم: «ومعنى ذلك أنه لا مانع من التوسل والتبرك بآثار النبي ﵊ فضلاً عن التوسل بذاته وجاهه ... » إلخ. وأصرح منه قوله في صلب الكتاب في الصفحة (١٩٧):
«فإن التوسل والتبرك كلمتان تدلان على معنى واحد، وهو التماس الخير والبركة عن طريق التوسل به. وكل من التوسل بجاهه ﵌ عند الله والتوسل بآثاره أو فضلاته أو ثيابه، أفراد وجزئيات داخلة تحت نوع شامل هو مطلق التوسل الذي ثبت حكمه بالأحاديث الصحيحة، وكل الصور الجزئية له تدخل تحت عموم النص بواسطة ما يسمى بـ (تنقيح المناط) عند علماء الأصول».
وصرح في مكان آخر (ص ٣٥٥) أن المناط إنما هو كونه ﵌ أفضل الخلائق عند الله على الإطلاق.
стр. 1300
فأقول: في الكلام خبط وخلط كثير وادعاء ما لا أصل له، وما لا يعقل، كما أنه ليس هناك ولا حديث واحد يثبت به مطلق التوسل الذي زعمه الدكتور (المقلد الذي يقول ما لم يقله أي مجتهد في الدنيا!!) فهلا ذكر شيئاً من تلك الأحاديث التي تثبت مطلق التوسل، وبين وجه دلالتها على ما زعم، وأعرض عن هذا الكلام والجعجعة التي لا طحن فيها.
ثم كيف يجعل التوسل بمعنى التبرك، والتوسل عنده لا يستلزم حضور المتوسل به، كما هو صريح كلامه، وبين التبرك الذي يقتضي حضور الشيء المتبرك به، كما هو ظاهر الأحاديث التي ذكرها الأستاذ البوطي ومن قبله الكتاني وغيرهما؟! وإلا فكيف يمكن التبرك بها؟!
وأيضاً فكلامه صريح في جواز التوسل بقوله في دعائه: اللهم إني أتوسل إليك بفضلات نبيك وعرقه و ... وغير ذلك مما يستحي من كتابته فضلا عن النطق به كل مسلم عاقل غيور على مقام الإلوهية، ويا خجلتاه إذا قام الدكتور على المنبر يوم الجمعة يدعو بهذا الدعاء تحقيقاً منه لما ذهب إليه من فلسفة التوسل بالفضلات!!
وتالله لقد ازددنا يقيناً بعدم مشروعية التوسل بالذات لما رأينا الدكتور البوطي قد استلزم منه مشروعية التوسل بجزء من أجزاء الذات حتى ولو كان من الجنس الذي كان رسول الله ﵌ نفسه يتطهر ويتنزه منه كما هو ثابت في «الصحيحين» وغيرهما من كتب السنة المطهرة.
خامساً: لقد تبين مما سبق أن ما ظنه الدكتور البوطي في السبب ظن إثم؛ لأني أولاً لم ألغ فائدة أحاديث التبرك بآثاره ﵌ كما سبق بيانه. وثانياً لأنه قائم على