أراه من خطورة نشر كلام العلامة الألباني الذي في الأشرطة دون توثيق، وأنا أُشَبِّه ذلك بالإسناد في عصر الرواية، الذي قال عنه ابن المبارك: «الإسناد من الدين، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء»، وإذا كان الإسناد في عصر الرواية هو سلسلة الرجال الموصلة إلى المتن، فإن الإسناد بالنسبة لكلام الأئمة؛ هو: إسناد أقوالهم إلى مصادرها، وإنَّ ما كان يخشاه عبد الله بن المبارك وغيره من المحدثين في عصر الرواية إذا فُتحَ باب نسبة الأحاديث إلى النبي ﵌ دون خطامٍ ولا أزمة من فتح باب التقول على النبي ﵌ والوضع عليه، هو بعينه ما يُخشى من نشر كلام الأئمة دون عزوٍ وتوثيق.
فلو أنَّا فتحنا هذا الباب لراح كل حاقدٍ وحاسدٍ وطاعن، ينسب للعلامة الألباني ما لم يقله ولم يخطر له في بال، فإذا طالبته بموضع الكلام المنسوب، بادرك بقوله: راجع الأشرطة!!.
كما لا يخفى ما يلقيه هذا التوثيق في قلب الباحث المتجرد للحق عند النقل عن العلامة الألباني من طمأنينة وراحة بال.
* الأمر الثاني مما أود التنبيه عليه:
٢ - أنني قد اعتمدت في كل ما استفدته من أشرطة الشيخ إما على الأشرطة التي على "موقع أهل الحديث والأثر" أو "موقع طريق الإسلام" على ما هو مفصل في «المصادر».
وقد تعمدتُ ذلك لشهرة هذين الموقعين، فهما من أشهر مواقع المواد الصوتية الإسلامية على الإنترنت، وأكثر المواد السماعية المثبتة عليهما منتشرة متداولة بين طلاب العلم.
стр. 142
وهذا كله لتيسير الوقوف على المسائل المعزوَّة في موضعها الأصلي.
٣ - تكلمت في «منهج إعداد جامع التراث» على الفروق التي وقفت عليها بعد مقابلة جميع أشرطة نسخة "موقع أهل الحديث والأثر" من سلسلة الهدى والنور على نسخة "موقع طريق الإسلام"، لذا فإنني أنبه هنا على أن إطلاق العزو لسلسلة الهدى والنور يُراد به نسخة "موقع أهل الحديث والأثر"، أما إذا كانت المسألة في شريط من الأشرطة الزائدة في "موقع طريق الإسلام" أو أن رقم الشريط مشترك والمادة مختلفة، أو غير ذلك مما نبهت عليه في الموضع المشار إليه فإنني أقيد العزو بموقع طريق الإسلام هكذا:
«الهدى والنور» (١/ ٠٠:١٥:٤٨طريق الإسلام).
١٠ - التعامل مع المادة:
أما منهجية التعامل مع المادة المنقولة من كتب الشيخ، فكانت كالتالي:
أ) اصطلحت على إطلاق لقب «الإمام» على الشيخ ﵀.
ب) قبل أن أسوق المسألة أكتب بين معقوفتين: قال الإمام، هكذا:
[قال الإمام].
جـ) إذا كان كلام الإمام تعليقاً على حديث، ولا يستقيم نقل الكلام إلا
بنقل الحديث معه، أبدأ بنقل الحديث أولاً، فإذا كان صحيحاً عند العلامة الألباني أسوقه بصيغة الجزم «قال»، وأضع ذلك بين معقوفتين، هكذا:
[قال رسول الله ﵌].
стр. 143
أما إن كان ضعيفاً عند العلامة الألباني فأسوقه بصيغة التمريض «روي»، هكذا:
[روي عن النبي ﵌ أنه قال]:
د) يقوم العلامة الألباني في بعض كتبه المخرجة تخريجاً مطولاً بتلخيص الحكم على الحديث أحيانًا، أما في تخريجاته المختصرة فالأصل عنده أن يذكر الحكم النهائي على الحديث، ففي هذه الحالة أسوق حكمه بعد سوق الحديث وأضعه بين قوسين، هكذا:
[قال رسول الله ﵌]:
«الحديث ... »
(صحيح).
هـ) أما إن لم يوجد ذلك، فيُعرف حكم الشيخ على الحديث بما ذكرته من صيغة الجزم أو التمريض، خاصةً أنني لم ألتزم نقل حكم الشيخ، فليتنبه القارئ الكريم لذلك.
و) حافظت قدر الطاقة على أدوات الترقيم الرئيسية التي أثبتها الشيخ في ثنايا كلامه كالمعقوفتين، والأقواس، وعلامة التعجب.
ز) أضطرُّ في بعض المواضع إلى إضافة كلام من عندي بين ثنايا كلام الشيخ، فأجعل ذلك بين معقوفتين، وهذا قليل جدًّا ويعرف بالسياق.
ح) وقعت بعض التحريفات والتصحيفات الظاهرة في كتب الشيخ-﵀ فأثبتها كما وَقَعَت مع التنبيه في الحاشية على ذلك.
стр. 144
ط) يحيل الشيخ أحياناً القارئ إلى موضع آخر من الكتاب الذي اقتبست منه الفائدة للتوسع في المسألة فهذا أُبقيه كما هو، فأرجو أن يتنبه القارئ الكريم لذلك.
ي) ثم أسوق «مصدر التوثيق» في ذيل كلِّ مسألة.
* أما منهجية التعامل مع المادة المنقولة من أشرطة الشيخ فكانت كالتالي:
أ) قبل أن أسوق كلام الإمام أكتب ﴿قال الإمام﴾ بين معقوفتين، كما فعلت في المنقول عن الكتب.
ب) إذا كانت المادة تحتوي على سؤال وجواب، أُثْبِتُها هكذا:
سؤال: ....
جواب: ....
جـ) إذا كانت المادة تحتوي على مداخلات للحاضرين في المجلس، أُثبتها هكذا:
الشيخ: ....
مداخلة: ....
الشيخ: ....
مداخلة: ...
د) إذا تعدد المداخلون واقتضى المقام التنبيه على ذلك، أُثبتها هكذا:
الشيخ: ....
مداخلة: ....
مداخِل آخر: ....
стр. 145
هـ- أتعرف أحياناً على صوتِ المداخِل، فأُنَبه على ذلك إذا اقتضى الأمر، وقد كان نصيب الأسد - كما يقال- في هذه المداخلات للشيخ الفاضل علي الحلبي -حفظه الله-.
فقد كان كثيراً ما يتولى إلقاء أسئلة الحاضرين على الشيخ، وكان الشيخ كثيراً ما يستعين به في استحضار فائدةٍ نَسِيَهَا حتى إنه قال له مرةً: أنت -سبحان الله- تذكر ما أصبح عندي نسياً منسيًّا، وكان الشيخ ﵀-كثيراً ما يطالبه بأن يدلوَ بدلوه في المسألة المثارة في المجلس، كما كان الشيخ علي-حفظه الله- يحرص على عرض آرائه في بعض الأمور المنهجية على الشيخ ﵀ ليقوِّم ويُوَجِّه، كما ظهر لي أن الشيخ عليًّا-حفظه الله- كان حَلَقة وصل بين الشيخ ومحبيه من الدعاة وطلاب العلم خارج الأردن، إلى غير ذلك من صور التفاعل العلمي بين الشيخ والتلميذ.
وقد جمعتُ كلام العلامة الألباني عن الشيخ علي الحلبي في «جامع تراث الألباني في نقد الرجال»، إلا أنني لمَّا لم ألتزم إثبات اسم الشيخ علي حسن في جميع مداخلاته رأيت أهمية التنبيه على ما تقدم للأمانة العلمية.
ولم أتصرف في كلام الشيخ ﵀ بل أبقيته كما هو، فلا أقوم بتعريب العامية، ولا بإعادة صياغة عباراته في الأشرطة؛ لأنني أرى أن ذلك يفتح باباً لا تحمد عقباه من تغيير معاني الكلام عند العلامة الألباني-بحسن نية- بدعوى إعادة صياغته، فالأمانة العلمية-في نظري- تقتضي نقل كلام الشيخ كما هو دون تصرف خاصةً في المسائل التي يكثر فيها اللغَظ كمسائل الإيمان والكفر، وبعض المسائل المنهجية.
стр. 146
وقد يُعيد بعضهم صياغة كلام العلامة الألباني أو غيره، فإذا قابلته بأصله ظهرت لك فروق بين هذا وذاك.
ثم إن دعوى إعادة صياغة هذا الكم الكبير من كلام العلامة الألباني مع المحافظة على كلِّ ما أراده الإمام من كلامه دعوى عريضة لا أخال باحثاً يدعيها لنفسه.
ومن جانب آخر فإن عامية الشيخ-﵀-كان لها رونق مميز، وأسلوب جذاب، لم أود أن أضيعها على القارئ الكريم.
ز) أضطر أحياناً لإضافة كلام من عندي في ثنايا كلام الشيخ ليستقيم الكلام، فأجعل كلامي بين معقوفتين.
ح) أحتاج أحياناً إلى تغيير بناء الكلمة أو حالتها الإعرابية في كلام الشيخ وما شابه ذلك مما يقتضيه الاقتباس، فأجعل ذلك بين قوسين.
ط- أنبه على الانقطاع الصوتي بكلمة [انقطاع] بين معقوفتين.
ك- الكلمات والعبارات التي لم تظهر لي لرداءة التسجيل أستبدلها بالنقاط، هكذا ( ... ) قَلَّت أم كَثُرَت.
كما أستخدم ذلك في العبارات والكلمات التي أحذفها لعدم تعلقها بالمادة العلمية، كأن يسأل الشيخُ السائلَ عن حال أولاده وأهله، أو أن يطلب الشيخ كوباً من الماء وغير ذلك مما لا علاقة له بالمادة العلمية.
ل- ثم أسوق «مصدر التوثيق» في ذيل كل مسألة.
стр. 147
١١ - التعليق والتخريج:
أما منهجي في التخريج، فكان كالتالي:
- إذا كان الحديث في صحيح البخاري أو مسلم أكتفي بالعزو إليهما.
- فإن لم يكن؛ أقوم بتخريجه من كتب الشيخ، ولا أتوسع في ذلك، بل أكتفي في الغالب بالعزو إلى «صحيح الجامع» «وضعيفه» «والسلسلتين».
- يكثر العلامة الألباني من رواية الأحاديث بالمعنى، فأخرِّج الحديث بأقرب الألفاظ إلى المعنى الذي ساقه العلامة الألباني، ولا أنبه على لفظ الحديث في الحاشية إلا إذا تطلب الأمر، ومن أراد الوقوف على ألفاظ الأحاديث فعليه الرجوع إليها في المصادر.
- أكتفي بتخريج الحديث في أول موضع يُذكر فيه.
- قد أترك تخريج حديث من الأحاديث إذا كان سيأتي مخرجاً في كلام الشيخ بعد قليل.
- أخرِّج الآيات في صلب المتن.
- إذا تَلَا الشيخ الآية من حفظه فأخطأ، أصحح الآية دون التنبيه في الحاشية إلا إذا تطلب الأمر.
- أما ما سوى ذلك من تعليقات فقد جاءت قليلة جداً، وقد كنت توسعت في أول العمل في التعليق على المواضع التي أرى أنها بحاجة إلى تعليق، أو شرح، أو إزالة لبْس، ثم رأيت أن أؤجل ذلك كله إلى «الدراسة».
- ما كان من تعليق العلامة الألباني في الحاشية، أثبتُ بجانبه كلمة [منه] بين معقوفتين، وما كان من كلامي أتركه غفلاً.
стр. 148
شكر وتقدير
كُلَّما تناولت قلمي فيأخذ موضعه بين أناملي لِأَكْتُبَ كلمةَ حمْدٍ وشُكْرٍ وإجلال لله رب العالمين، تَذَكَّرتُ رسالة منصور بن عَمَّار إلى بشر الحافي.
فقد كتب بشر الحافي إلى منصور بن عمار: «اكتب إليَّ بما مَنَّ الله علينا» فرد عليه منصور بن عمار في رسالة قال فيها: «أما بعد يا أخي، فقد أصبح بنا من نِعم الله ما لا نحصيه، في كثرة ما نعصيه، ولقد بقيت متحيراً فيما بين هذين، لا أدري كيف أشكره؟! لجميل ما نَشَر، أو قبيح ما سَتَر» (١).
«أسأل الله الكريم الذي به الضر والنفع، والإعطاء والمنع؛ أن يجعل عملي هذا لوجهه خالصاً، وأن يداركني بألطافه إذا الظلُّ أضحى في القيامة قالصاً، وأن يتجاوز عني إنه السميع العليم، وأن يرفع به درجتي في جنات النعيم، وأن يجعله ذخيرة لي عنده إنه ذو الفضل العظيم، وأن ينفع به من تلقاهُ بالقبول، إنه جوادٌ كريم، وأن يخفف عني كل تعب ومؤنه، وأن يمدَّني بحسن المعونة، وأن يهب لي خاتمة الخير، ويقيني مصارع السوء، وأن يتجاوز عن فرطاتي يوم التناد، ولا يفضحني بها على رؤوس الأشهاد، أنا ووالدي وأولادي، وأقاربي وأحبابي، ويحلنا دار المقام من فضله بواسع طوله وسابغ نوله، إنه هو الجواد الكريم، الرؤوف الرحيم.
وهذا العمل ما كان في قدرتي، فإنني- والله- معترف بقصر الباع، وكثرة
стр. 149
الزلل، ولكنَّ فضل الله لا يُعَلَّلُ بشيء من العِلل.
فلهذا رَجَوتُ أن أكون متصفاً بإحدى الخصال الثلاث التي إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا منها، بل أرجو من الله الكريم اجتماعها، إنه جواد كريم حليم» (١).
- وامتثالاً لما صح عن النبي ﵌ من قوله «لا يشكر الله من لا يشكر الناس»
فإني أتوجه بالشكر إلى مَنْ له الفضل الأول بعد الله في إنجاز هذا العمل الكبير، وهو أبي الفاضل، الطبيب الكبير: محمد سالم نعمان.
وإذا كان الله قد أمر الإنسان أن يدعو لأبويه بالرحمة جزاءً شكوراً لتربيتهما له في صغره فقال سبحانه: ﴿وقل ربِّ ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾، فكيف الحال مع والدي الذي رباني صغيرًا، وأحاطني برعايته وكرمه كبيرًا.
فقد تكرم-حفظه الله وأطال في عمره- بتمويل هذا المشروع الكبير منذ وضعتُ البذرة الأولى له إلى يوم حصاده، ولا يُقدر المبالغ التي يتطلبها مثل هذا المشروع إلا من عايش مثله، ولولا ذلك لم يَعْدُ هذا العمل أن يكون أضغاث أحلام تراودني ثم سرعان ما تزول وتتبخر.
ومن جانب آخر فإن أبي - حفظه الله- لم يشغلني بحطام الدنيا الفاني، ومتاعها الزائل، ولم يدفعني للركض وراءَ مالٍ فانٍ، أو مكانة اجتماعية زائفة، بل كان -حفظه الله- خيرَ معينٍ لي فيما أنا فيه من خير ونعمةٍ.
فوفَّر لي- حفظه الله- المال والوقت، وهما رأس مال الباحث وطالب العلم في هذا الزمان، فكم عايشنا ورأينا من إخواننا طلاب العلم الأذكياء النبهاء من
стр. 150
تميد بهم الدنيا ذات اليمين وذات الشمال لفقرهم وحاجتهم مما يضطرهم إلى ترك طلب العلم والانشغال بوظيفةٍ أو عمل، فتضيع على الأمة فرصة الانتفاع بعلمهم وجهدهم، والله المستعان.
- كما أتوجه بالشكر إلى أمّي العزيزة الغالية .. رحمها الله!
قليلٌ هم أولئك الذين يعيشون لغيرهم، وهكذا كانت هي ..
وقليلٌ هم أولئك الذين يقضون أعمارهم في العطاء ولا ينتظرون الرد، وهكذا كانت هي ..
سَهِرَت، وكَدَّت، وتعبت، وبذلت، وأعطت ..
حتى إذا اشتد الساعد واستوى السُّوق، وجاء دوري لأرد شيئاً من جميلها ..
كنتُ- وكانت- على موعدٍ مع ليلةٍ هادئة ..
ولأمرٍ ما .. لم يَزُرْنِي النوم في تلك الليلة- ولم يَزُرْهَا- ...
فانتقلتُ إلى حجرتها .. فساهرتُها والقمرَ إلى الفجر ..
وما أقساه مِن فجر ..
كانت على سفرٍ في صباح ذلك اليوم إلى الخارج ..
فودَّعتها وودَّعتني إلى لقاءٍ قريب ..
وهكذا كنَّا نظنّ ..
ثم جاءني خبرٌ من بَعِيْد .. أظلمت له الدنيا في عيني ..
إنَّ ثمة أمراً أراده الله أن يكون فكان ..
стр. 151
فكانت تلك الليلة هي الأخيرة ..
وسَطَرَ ذلك الفجر النهاية ..
وإنني كلما أنشأتُ أكتبُ عن أمي -أوْ لَها- خذلني قلمي، وأَغرفتِ الدموعُ قِرطاسي، وأسلمتُ فكري لذكرياتٍ لا نهاية لها، وتمنيت أن لو عادت تلك الليلة .. أو رُفِعَ أذان ذلك الفجر من جديد .. ولكن الله شاء فكان ما شاء ..
أسأل الله أن يتغمدَ أمِّي برحمته، وأن يغفر لها ويرحمها، وأن يجمعني بها في جناته، وأن يجعل هذا العمل في ميزان حسناتها يوم الدين.
ولا يفوتني أن أتوجه بالشكر: إلى فريق العمل الذي قام على نسخ المواد الصوتية المطلوبة وعلى أكثر مراحل الصف والتنسيق لهذا العمل، وقد كان جهدهم من أهم العوامل التي أدت إلى إنجاز هذا المشروع في وقت قصير مقارنة بحجمه.
كما أتوجه بالشكر إلى أخي الفاضل وصديقي الكريم فهد بن علي اللحجي-حفظه الله- الذي تكرم بمساعدتي في مراجعة التجربة الأخيرة للعمل قبل دفعه إلى الطبع، فوفَّرَ عليَّ وقتًا وجهداً جزاه الله خيراً كثيراً.
стр. 152
كلمة أخيرة
لا يَظُنّ الكاتبون أننا قد صنعنا شيئاً إذا بذلنا لذلك الرجل العظيم قطرةً-أو قطرات- من المداد.
ولا يظن الباكون أننا قد صنعنا شيئاً إذا بذلنا لذلك الرجل قطرة -أو قطرات- من الدمع.
فإنه قد بذل ماء حياته قطرةً قطرة لدينه وأُمتِه، ثم مضى إلى سبيله ..
ولله الأمر من قبل ومن بعد ..
وكتب راجي عفو ربه الغفور
شادي بن محمد بن سالم آل نعمان
في يوم الثلاثاء ١٨ صفر ١٤٣١
الموافق ٢ فبراير ٢٠١٠
في صنعاء اليمن
حرسها الله وبلاد المسلمين من كل سوء
Shady_noaman@hotmail.com
٧٣٣٧٠٢٧٩٢/٠٠٩٦٧
стр. 153
جماع أبواب مقدمات عقدية هامة
стр. 154
[١] باب تعريف العقيدة
العقيدة: هي كل ما يتعلق بعالم الغيب مما لا يرتبط به حكم عملي.
"الهدى والنور" (٦٨٦/ ٠١: ٤٢: ٠٠).
[٢] باب أهمية الدعوة للعقيدة
[قال الإمام]:
أنا .. رأيي أنه لا بد من الدندنة حول العقيدة في العالم الإسلامي كُلِه، وقصور العالم الإسلامي كله انصرافه عن العقيدة وعن تبيينها للناس، وأكبر دليل أن أحزاباً إسلامية معروفة كثرة عددِها وطول أمدها في التحزب يرون أن الاشتغال بالدعوة وبتصحيح الأفكار هذا خطأ، ولنا تجارب مؤسفة جداً، ومنذ ثلاثين سنة وأنا في المدينة جمعنا مجلس كهذا المجلس تماماً، -لكن كنا جالسين جلسة عربية على الأرض- وأنا كان جلوسي محل الأخ هذا منير، يعني آخر واحد، دخل رجل خطيب مصقع ورئيس حزب إسلامي معروف في بعض البلاد، فسلم وبدأ يصافح، لاحظت ملامح وجهه تمعرت كما جاء في الحديث، السبب أن أحداً لم يقم له، ولا شك أن هذا أمر غير معتاد في مثل هذه الاجتماعات، وبالنسبة لداخل له مركزه الاجتماعي، حتى وصل إلي وأنا آخر الجالسين هناك عند الباب تماماً، قلت له: يا أستاذ كما يقولون عندنا في الشام: عزيز بدون قيام؛ لأني أنا شعرت أنه صار في نفسه شيء من عدم قيام هؤلاء الناس له، هو ما كاد يسمع هذه الكلمة إلا انفجر، وقال: يا أستاذ نحن الآن نريد أن ننشغل بهذه الجزيئات وكذا وكذا .. وهو بيهدر كما يقولون في اللغة العربية: هدير ... خطيب هو، ولازم نكون كلمة واحدة، ونحن الآن نعيش مع البعثيين والشوعيين و .. إلى آخره، فتركته حتى
стр. 155
انتهى، قلت: يا أستاذ! هل يكفي ما سمعت منك أنه يكفينا الاجتماع على لا إله إلا الله ولو بدون فهم؟! قال: ولو بدون فهم. ما رأيك؟! رئيس حزب إسلامي! وأنا أعرف أن هذه الأحزاب تعيش على هذا الأصل، يكتفون من عامة المسلمين أن يقولوا لا إله إلا الله ولو لم يفهموا أن هذه الشهادة أو هذه الكلمة الطيبة تستلزم الكفر بالطاغوت، لكن ليس الكفر بالطاغوت فقط بالمعنى العصري اليوم؛ لأنه هذا أيضاً من مصائب العصر الحاضر، كثير من الشباب المسلم الآن: الطاغوت هو الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله، بينما هناك طواغيت متنوعة، هذه النذور وهذه الأيمان وهذه الدعوات التي توجه إلى غير الله ، هذه تنافي كلمة لا إله إلا الله بالنسبة لمن يفهم أن لا إله إلا الله يعني توحيد الألوهية وتوحيد العبادة، هذا العالم الإسلامي يعيش على هذا، ولذلك فعلى دعاة الإسلاميين حقاً أن يجمعوا ليس فقط في الأسلوب الحسن الذي دندنت حوله؛ بل ومعه العلم الصحيح بالكتاب والسنة، وهذا ما هو العالم الإسلامي بحاجة إليه ..
"الهدى والنور" (٤٢٤/ ٠٠:٠٦:٠٦)
[٣] باب خطورة تنكب الدعاة عن الدعوة للعقيدة الصحيحة
[قال الإمام]:
إذا اختلف المسلمون في العقيدة فهم سيختلفون فيما دون العقيدة من باب أولى، والخلاف في العقيدة هو الذي يضر، والخلاف في الفروع هو الذي لا يضر إذا ما الإنسان أخلص لاتباع الحق حيثما كان، فترك جماهير الدعاة الإسلاميين اليوم في كل البلاد الإسلامية الاهتمام بنشر العقيدة الصحيحة بين الشعوب، هذا قصور من العلماء كلهم، فيجب الاهتمام بهذه الناحية .. "الهدى والنور" (٤٢٤/ ٠٠:٠٦:٠٦).
стр. 156
[٤] باب أهمية إعطاء الدعاة الأولوية
للعقيدة في دعوتهم والرد على من ادعى
أن مشكلة المسلمين اليوم مشكلة خُلُقية لا عقدية
[قال الإمام في مقدمة " مختصر العلو"]:
(إني) أعتب أشد العتب على الكُتَّاب الإسلاميين اليوم - إلا القليل منهم - الذين يكتبون عن الإسلام كل شيء ما عدا العقيدة السلفية والطريقة المحمدية، وأخص بالذكر منهم أولئك الذين يتولون توجيه النشء الجديد إلى الإسلام وتربيتهم بتربيته وتثقيفهم بثقافته، فإنهم لا يحاولون مطلقا أن يوحدوا مفاهيمهم حول الإسلام الذي اختلف فيه أهله أشد الاختلاف لا كما يظن بعض المغفلين منهم أو المتغافلين أن الخلاف بينهم في الفروع فقط دون الأصول، والأمثلة في ذلك كثيرة يعلمها من كان له دراسة في كتب الفرق أو كان على علم بأفكار المسلمين اليوم، ويكفينا الآن مثالا على ما نحن فيه من البحث ألا وهو علو الله على خلقه، فنحن تبعاً للسلف نؤمن بها قاطعين جازمين وغيرنا ينكرها أو يشك فيها تبعا للخلف والشك مما ينفي الإيمان بها قطعا ومع ذلك فنحن جميعا مؤمنون بالله ... فأين المؤمن حقيقة؟ أما الجواب فهو معروف لدى كل طائفة وإن كنا لسنا في صدده وإنما الغرض إبطال تلك الخرافة في الفروع فقط، والنصح بتثقيف الشباب المسلم في دينه أصولا وفروعا على ضوء الكتاب والسنة ونهج السلف الصالح.
وإني لن أنسى - ما حييت - تلك المناقشة التي كانت جرت منذ نحو عشر سنين في المدينة المنورة بيني وبين أحد الخطباء والوعاظ الذين يحبون أن
стр. 157
يتصدروا المجالس ويستقلوا بالكلام فيها فقد دخل علينا ونحن في سهرة لطيفة جمعت نخبة طيبة من طلاب العلم من السلفيين أمثالي فلم يقم له أحد من الجالسين سوى صاحب الدار مُرحباً ومستقبلاً فصافح الشيخ الجالسين جميعاً واحداً بعد واحد مبتدئا بالأيمن فالأيمن فأعجبني ذلك منه حتى انتهى إلي وكنت آخرهم مجلساً ولكني رأيت وقرأت في وجهه عدم الرضى بتركهم القيام له فأحببت أن ألطف وقع ذلك عليه فبادرته متلطفاً معه بقولي وهو يصافحني: عزيز بدون قيام يا أستاذ كما يقولون عندنا بالشام في مثل هذه المناسبة، فأجاب وهو يجلس وملامح الغضب بادية عليه - بما معناه:
لا شك أن القيام للداخل إكراماً وتعظيماً ليس من السنة في شيء وأنا موافق لك على ذلك، ولكننا في زمن أحاطت فيه الفتن بالمسلمين من كل جانب وهي فتن تمس الإيمان والعقيدة في الصميم. ثم أفاض في شرح ذلك وذكر الملاحدة والشيوعيين والقوميين وغيرهم من الكافرين فيجب أن نتحد اليوم جميعنا لمحاربة هؤلاء ودفع خطرهم عن المسلمين وأن ندع البحث والجدال في الأمور الخلافية كمسألة القيام والتوسل ونحوهما.
فقلت: رويدك يا حضرة الشيخ فإن لكل مقام مقالاً، فنحن الآن معك في مثل هذه السهرية الأخوية لم نجتمع فيها لبحث خاص ولا لوضع الخطة لمعالجة المسائل الهامة من الرد على الشيوعيين وغيرهم، وأنت ما كدت تجلس بعد، ثم إن طلبك ترك البحث في الأمور الخلافية هكذا على الإطلاق لا أظنك تقصده؛ لأن الخلاف يشمل حتى المسائل الاعتقادية وحتى في معنى شهادة أن لا إله إلا الله، فأنت تعلم أن أكثر المشايخ اليوم يجيزون الاستغاثة بغير الله تعالى، والطلب من الأموات، وذلك مما ينافي معنى شهادة التوحيد عندنا جميعا - أشير إلى أنه
стр. 158
في هذه المسألة معنا - فهل تريدنا أن لا نبحث حتى في تصحيح معنى الشهادة بحجة أن المسألة فيها خلاف؟ قال: نعم. حتى هذا يجب أن يترك موقتا في سبيل تجميع الصفوف وتوحيد الكلمة لدرء الخطر الأكبر: الإلحاد و ... قلت: وماذا يفيد مثل هذا التجمع - لو حصل - إذا لم يقم على أساس التوحيد وعدم الإشراك بالله . وأنت تعلم أن العرب في الجاهلية كانوا يؤمنون بالله تعالى خالقاً ولكنهم كانوا يكفرون بكونه الإله الحق (إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون) فلم يفدهم إيمانهم ذلك شيئاً ولم ينجهم من محاربة الرسول إياهم. فقال: نحن نكتفي اليوم بجمع الناس تحت كلمة لا إله إلا الله. قلت: ولو بمفهوم خاطئ؟ قال: ولو.
أقول: فهذه المناقشة تمثل لنا في الحقيقة واقع كثير من الدعاة المسلمين اليوم وموقفهم السلبي تجاه تفرق المسلمين في فهمهم للدين فإنهم يدعون كل من ينتمي إليهم على أفكاره وآرائه دون أن يحملوهم بالعلم والحجة من الكتاب والسنة على توحيدها وتصحيح الخطأ منها وجل اهتمامهم إنما هو في توجيههم إلى الأخلاق الإسلامية، وآخرون منهم لا شغل لهم إلا تثقيف أتباعهم بالسياسة والاقتصاد ونحو ذلك مما يدور عليه كلام أكثر الكُتاب اليوم حوله ونرى فيهم من لا يقيم الصلاة ومع ذلك فهم جميعاً يسعون إلى إيجاد المجتمع الإسلامي وإقامة الحكم الإسلامي. وهيهات هيهات! إن مجتمعا كهذا لا يمكن أن يتحقق إلا إذا بدأ الدعاة بمثل ما بدأ به رسول الله ﵌ من الدعوة إلى الله حسبما جاء في كتاب الله وبينه رسول الله ﵌.
ومن البديهي أن مثل هذه الدعوة لا يمكن النهوض بها بعدما دخل فيها ما
стр. 159
ليس منها من طريق الدس على النبي ﵌ باسم الحديث، والدس على تفسير القرآن باسم التأويل، فلا بد من الاهتمام الجدي العلمي لتصفية المصدرين المذكورين مما دخل فيهما لنتمكن من تصفية الإسلام من مختلف الأفكار والآراء والعقائد المنتشرة في الفرق الإسلامية حتى ممن ينتسب إلى السنة منهم.
وأعتقد أن كل دعوة لا تقوم على هذا الأساس الصحيح من التصفوية فسوف لا يكتب لها النجاح اللائق بدين الله الخالد.
ولقد تنبه لهذا أخيرا بعض الدعاة الإسلاميين فهذا هو الأستاذ الكبير سيد قطب - رحمه الله تعالى - فإنه بعد أن قرر تحت عنوان (جيل قرآني فريد) أن هذه الدعوة أخرجت جيلاً مميزاً في تاريخ الإسلام كله وفي تاريخ البشرية جميعه وأنها لم تعد تخرج من ذلك الطراز مرة أخرى؛ تساءل عن السبب مع أن قرآن
هذه الدعوة لا يزال وحديث الرسول وهديه العملي وسيرته الكريمة كلها بين أيدينا كما كانت بين يدي ذلك الجيل الأول ولم يغب إلا شخص رسول الله ﵌؟ فأجاب بأنه:
"لو كان وجود شخص رسول الله ﵌ حتمياً لقيام الدعوة وإيتائها ثمراتها ما جعلها الله دعوة للناس كافة وما جعلها آخر رسالة وما وكل إليها أمر الناس في هذه الأرض إلى آخر الزمان".
ثم نظر في سبب عدم تكرر المعجزة عدة عوامل طرأت أهمها ما أشرنا إليه من اختلاف في طبيعة النبع فقال:
"كان النبع الأول الذي استقى منه ذلك الجيل هو نبع القرآن القرآن وحده فما كان حديث رسول الله وهديه إلا أثرا من آثار ذلك النبع فعندما سئلت عائشة رضي
стр. 160
الله عنها عن خلق رسول الله قالت: "كان خلقه القرآن" (١)، كان القرآن وحده إذن هو النبع الذي يستقون منه ويتكيفون به ويتخرجون عليه، ولم يكن ذلك كذلك لأنه لم يكن للبشرية يومها حضارة ولا ثقافة ولا علم ولا مؤلفات ولا دراسات؛ كلا فقد كانت هناك حضارة الرومان وثقافتها وكتبها وقانونها الذي ما تزال أوربا تعيش عليه أو على امتداده. وكانت هناك مخلفات الحضارة الإغريقية ومنطقها وفلسفتها وفنها وهو ما يزال ينبوع التفكير الغربي حتى اليوم، وكانت هناك حضارة الفرس وفنها وشعرها وأساطيرها وعقائدها ونظم حكمها كذلك وحضارات أخرى قاصية ودانية: حضارة الهند وحضارة الصين إلخ. وكانت الحضارتان الرومانية والفارسية تحفان بالجزيرة العربية من شمالها ومن جنوبها. كما كانت اليهودية والنصرانية تعيشان في قلب الجزيرة فلم يكن إذن عن فقر في الحضارات العالمية والثقافات العالمية يقصر ذلك الجيل على كتاب الله وحده .. في فترة تكونه ... وإنما كان ذلك عن تصميم مرسوم ونهج مقصود. يدل على هذا القصد غضب رسول الله ﵌ وقد رأى في يد عمر بن الخطاب ﵁ صحيفة من التوراة وقوله:
«إنه والله لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني» (٢).
كان رسول الله ﵌ يريد صنع جيل خالص القلب، خالص العقل، خالص التصور، خالص الشعور، خالص التكوين من أي مؤثر آخر غير المنهج الإلهي
стр. 161
الذي يتضمنه القرآن الكريم ذلك الجيل استقى إذن من ذلك النبع وحده فكان له في التاريخ ذلك الشأن الفريد ثم ما الذي حدث؟
اختلطت الينابيع صبت في النبع الذي استقت منه الأجيال التالية فلسفة الإغريق ومنطقهم وأساطير الفرس وتصوراتهم وإسرائيليات اليهود ولاهوت النصارى وغير ذلك من رواسب الحضارات والثقافات واختلط هذا كله بتفسير القرآن الكريم وعلم الكلام كما اختلط بالفقه والأصول أيضاً، وتخرج على ذلك النبع المشوب سائر الأجيال بعد ذلك الجيل فلم يتكرر ذلك الجيل أبداً ".
ثم ذكر ﵀ عاملين آخرين ثم قال (ص ١٧):
" نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم. كل ما حولنا جاهلية .. تصورات الناس وعقائدهم عاداتهم وتقاليدهم موارد ثقافتهم فنونهم وآدابهم شرائعهم وقوانينهم. حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية وتفكيراً إسلامياً ... هو كذلك من صنع هذه الجاهلية، لذلك لا تستقيم قيم الإسلام في نفوسنا ولا يتضح تصور الإسلام في عقولنا ولا ينشأ فينا جيل ضخم من الناس من ذلك الطراز الذي أنشأه الإسلام أول مرة.
فلابد إذن في منهج الحركة الإسلامية: أن نتجرد في فترة الحضانة والتكوين من كل مؤثرات الجاهلية التي نعيش فيها ونستمد منها، لا بد أن نرجع ابتداء إلى النبع الخالص الذي استمد منه أولئك الرجال، النبع المضمون الذي لم يختلط ولم تشبه شائبة نرجع إليه نستمد منه تصورنا لحقيقة الوجود كله ولحقيقة الوجود الإنساني ولكافة الارتباطات بين هذين الوجودين وبين الوجود الكامل الحق: وجود الله سبحانه ... ومن ثم نستمد تصوراتنا للحياة وقيمنا وأخلاقنا ومفاهيمنا
стр. 162
للحكم والسياسة والاقتصاد وكل مقومات الحياة.
ثم لا بد لنا من التخلص من ضغط المجتمع الجاهلي والتصورات الجاهلية والتقاليد الجاهلية والقيادة الجاهلية في خاصة نفوسنا ... ليست مهمتنا أن نصطلح مع واقع هذا المجتمع الجاهلي ولا أن ندين بالولاء له فهو بهذه الصفة ... صفة الجاهلية ... غير قابل لأن نصطلح معه. إن مهمتنا أن نغير من أنفسنا أولا لنغير هذا المجتمع أخيراً.
وسنلقى في هذا عنتا ومشقة وستفرض علينا تضحيات باهظة ولكننا لسنا مخيرين إذا نحن شئنا أن نسلك طريق الجيل الأول الذي أقر الله به منهجه الإلهي ونصره على منهج الجاهلية "
من أجل ذلك كان لا بد للعاملين من أجل الدعوة الإسلامية أن يتعاونوا جميعاً على الخلاص من كل ما هو جاهلي مخالف للإسلام ولا سبيل إلى ذلك إلا بالرجوع إلى الكتاب والسنة كما يشير إلى ذلك قوله ﵌: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض» (١). فإذا هم فعلوا ذلك فقد وضعوا الأساس لقيام المجتمع الإسلامي وبدونه لا يمكن أن تكون لهم قائمة أو تنشأ لهم دولة مسلحة.
وإني لأعجب أشد العجب من بعض الكتاب والدكاترة الذين يؤلفون في معالجة بعض أمراض النفوس كمؤلف رسالة " باطن الإثم الخطر الأكبر في حياة المسلمين " ثم لا يقنع بذلك حتى يكشف عن جهل كبير بالخطر الحقيقي الذي يحيط بالمسلمين وهو ما أشار إليه الأستاذ سيد قطب - رحمه الله تعالى - في
стр. 163
كلامه المتقدم، فإن الدكتور المشار إليه لم تعجبه هذه الحقيقة فأخذ يغمز منها ومن المذكر بها تحت عنوان له في الرسالة المذكورة (ص ٨٥):
"مشكلتنا أخلاقية وليست فكرية ". قال:
" ومعنى كل هذا الذي ذكرناه أننا نعاني من مشكلة تتعلق بالخلق والوجدان وليس لها أي تعلق بالقناعة أو الفكر "
كذا قال ثم تعجب من الناس الذين يشعرون بمشكلته ويتنبهون إلى ما سماه بالخطر الأكبر في حياة المسلمين ولكنهم بدلاً من أن يعالجوه بالسبل التي ذكرها هو في رسالته يعالجونه بمزيد من الأبحاث الفكرية ... ثم قال مشيرا إلى كلام سيد قطب ﵀:
" فماذا يجدي أن نسهب في شرح (المجتمع الجاهلي) أو نتفنن في كشف المخططات العدوانية التي يسير عليها أعداء الإسلام وأرباب الغزو الفكري، أو نهتم بعرض المزيد من منهجية الفكر الإسلامي والدعوة الإسلامية وأن البلاء الذي يعانيه المسلمون ليس الجهل بشيء من هذا كله (!) وإنما هو المرض العضال الذي يستحكم بنفوسهم، ليس بالمسلمين حاجة بعد اليوم إلى أي مزيد من هذه الدراسات الفكرية؛ فالمسلمون على اختلاف ثقافاتهم أصبحوا يملكون من الوعي في هذه النواحي ما يتيح لهم الحصانة الكافية لو أن الأمر كان موكولاً إلى الوعي وحده وإنما هم بحاجة بعد اليوم إلى القوة الهائلة التي تدفع إلى التنفيذ، وهيهات أن يكون أمر التنفيذ بيد الفكر أو العقل وحده، والقوة الهائلة التي يحتاجوها إنما هي قوة الأخلاق ".
هكذا يقول الدكتور العليم (!) وفي كلامه من المغالطات والخطيئات ما لا
стр. 164
يتسع المجال لبسط القول في بيانها فإن أحداً من الإسلاميين لا يتصور أن يقول: أن الوعي والفكر وحده يكفي لحل المشكلة خلافاً لما أوهمه كلامه، ولكن المشكلة التي أنكرها الدكتور هي الأصل لقوة الأخلاق ألا وهو الإيمان والتوحيد الصحيح والعقيدة الصحيحة، ولذلك كانت الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم أول ما يبدؤون من الدعوة إنما هو توحيد الله فلم يكونوا يعالجون بادئ الأمر المشاكل الأخلاقية ولا الاقتصادية وغير ذلك مما افتتن بمعاجلته كثير من الكتاب اليوم مع الغفلة عن المشكلة الأساسية وهي انحراف الكثير من المسلمين اليوم وما قبل عن العقيدة الصحيحة، ولكتب الكلام التي يسمونها بكتب التوحيد ضلع كبير في ذلك.
وأنا أسأل الدكتور العليم سؤالاً واحداً: هل يمكن لفرد أو أفراد أو جماعة أو أمة أن يحظوا بالقوة الهائلة التي يحتاجونها اليوم وهي قوة الأخلاق إذا كانت عقيدتهم غير صحيحة؟ فإذا أجاب بعدم الإمكان، فنسأله فهل الذي يعلمه هو أن هناك أمة مسلمة لا تزال عقيدتهم صحيحة كما كانت عليه في عهد السلف على الرغم من أن فيهم من هو على عقيدة المعتزلة النفاة والجبرية وغلاة المتصوفة الذي منهم اليوم وفي بلدنا خاصة من يقول بأن المسلم ليس بحاجة إلى أن يتعلم الكتاب والسنة والعلوم التي تساعد على فهمهما، وإنما يكفي في ذلك تقوى الله ويحتجون من القرآن بما هو حجة عليهم لو كانوا يعلمون كقوله تعالى: ﴿واتقوا الله ويعلمكم الله﴾، وبناء على ذلك ينكرون كثيراً من الحقائق الشرعية كالشفاعة الثابتة للأنبياء والرسل وبخاصة نبينا محمد ﵌، ونزول عيسى، وخروج الدجال، وغير ذلك كثير، وفي مصر والهند أناس يسمون بالقرآنيين الذين يفسرون القرآن دون الاستعانة على تفسيره بأحاديث النبي ﵌ وأقوال الصحابة والتابعين والأئمة
стр. 165
المجتهدين بل وبدون التزام للقواعد العلمية العربية؟
فإن أجاب الدكتور بأن عقيدة المسلمين اليوم هي كما كانت في عهد السلف، فنسأله هل هذا الذي ذكرته من العقائد الباطلة موجود اليوم وفي بلده خاصة؟ فإن أجاب بالإيجاب كما هو الظن به فيكف يتجرأ على القول المتقدم: "ليس بالمسلمين حاجة بعد إلى أي مزيد من هذه الدراسات الفكرية، فالمسلمون اليوم على اختلاف ثقافاتهم أصبحوا يملكون من الوعي في هذه النواحي ما يتيح لهم الحصانة الكافية "
وإذا كابر وجحد ورجع إلى القول بأن المسلمين فيهم الخير والبركة من هذه الحيثية سقطت مخاطبته لأن الأمر كما قال الشاعر:
وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل
وأخيرا لا بد من أن أوجِّه إلى حضرة الدكتور السؤال الذي يكشف له إن شاء الله عن خطئه الذي وضع له ذلك العنوان الخاطئ إن كان لم يتبين له حتى الآن، نحن نسألك بسؤال الرسول ﵌ للجارية: أين الله؟ فإن أجبت بالجواب الذي نؤمن به وجعله الرسول ﵌ دليل إيمان الجارية ألا وهو قولنا: في السماء، وفهمه على الوجه الذي فهمه السلف أنه ﵎ على العرش، فقد أصبت الحق واتفقت معنا في هذه المسألة التي علاقتها بالأفكار والعقائد وليس بالأخلاق، ولكنك في الوقت نفسه خالفت جماهير المسلمين حتى المشايخ والأساتذة والدكاترة الذين درست عليهم الشريعة فإنهم لا يوافقونك على هذا الجواب الحق وما عهدك بالكوثري وأبي زهرة ببعيد.
وإن أنت أنكرت توجيه هذا السؤال الذي سنه لنا الرسول ﵌ وأبيت أن
стр. 166
تجيب عليه بجواب إيجابي، أو أجبت بجواب المعتزلة: الله موجود في كل مكان. وهذا معناه القول باتحاد الخالق والمخلوق وهو الكفر بعينه أو تجيب بما في " الجوهرة " وحاشيتها وغيرها من كتب الكلام التي درستها وتثقفت بثقافتها حتى " أصبحت تملك من الوعي ما ينسج لك الحصانة الكافية " فقد خالفت الكتاب والسنة وإجماع الأمة كما سبق أن أشرنا إلى بعض النقول عن بعض الأئمة الموثوق بهم عندنا جميعاً، ونحن على مذهبهم في ذلك، وباختصار فسواء كنت معنا أو ضدنا في هذه العقيدة فكل من الطائفتين يمثل ملايين المسلمين منذ مئات السنين حتى اليوم وفي الطائفة التي تؤمن بالسؤال والجواب الوارد في الحديث المشار إليه آنفا شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه المحقق ابن قيم الجوزية وجميع إخواننا الحنابلة اليوم الذين هم من أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب وكل من الطائفتين هم بلا شك مما يشملهم ظنك الواسع الذي عبرت عنه بقولك في الرسالة السابقة (ص ٩): " وما أظن إلا أننا جميعا مؤمنون بالله إلها واحدا لا شريك له بيده الخير ... ) وأما أنا فأعتقد أن كلا من الطرفين إذا تمسك بآداب الإسلام سيقول بلسان حاله أو قاله للطائفة المخالفة: ﴿وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾.
والدكتور يعلم فيما أعتقد أن إحدى الطائفتين أيا كانت فهي على ضلالة وليس هي بلا شك من حيث الخُلُق وإنما من جهة الفكرة والعقيدة، وكلٌّ من الطائفتين يمثل ملايين المسلمين اليوم في هذه المسألة وغيرها من مسائل الاعتقاد أفليس هؤلاء المختلفون بحاجة يا دكتور إلى الدراسات الفكرية ولا أقول كما قلت: " إلى مزيد من الدراسات الفكرية "؛ لأن الإنسان العاقل يطمع في المزيد عندما يجد المزيد عليه، فيكف وهو مفقود أو في حكم المفقود، فهو يطمع فيه ثم في المزيد عليه، أليس هؤلاء جميعاً بحاجة ملحة إلى تلك الدراسات حتى يتبين
стр. 167
الحق للطائفة الضالة أيا كانت هذه الطائفة فتنضم إلى الطائفة المحقة وتزداد هذه إيماناً على إيمان بحقها وصوابها، ومعرفةً بملتها والدعوة إليها وبذلك نسير إلى المجتمع الإسلامي المنشود، وهو لا ينافي إذا قام به بعض الدعاة أن يقوم آخرون بمعالجة أمراض النفوس وأخلاقها كما فعل الدكتور في رسالته السابقة الذكر " باطن الإثم " ولكن بشرط أن لا ينكر على الأولين جهادهم الأكبر ولا أن يدعوهم بأن يسلكوا سبيلهم في معالجة المشكلة المدعاة ﴿ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات﴾.
"مختصر العلو" (ص٥٦ - ٦٦).
[٥] باب بيان أهمية تصحيح العقيدة
لأن الذنب وإن عظم لم يكن موجباً للنار متى ما صحت العقيدة
[قال رسول الله ﵌]:
«إنّ الله قد غَفَرَ لك كَذِبَكَ بتصديقِكَ بـ " لا إله إلا الله "».
[قال الإمام]:
(فائدة):
قال البيهقي عقب حديث الحسن هذا: " هذا منقطع، فإن كان في الأصل صحيحاً فالمقصود منه البيان: أن الذنب وإن عظم لم يكن موجباً للنار متى ما صحت العقيدة، وكان ممن سبقت له المغفرة، وليس هذا التعيين لأحد بعد النبي ﵌ ".
"الصحيحة" (٧/ ١/١٧٦، ١٨١ - ١٨٢).
стр. 168
[٦] باب الرد على من ينكر الحرص الزائد على تعليم العقيدة ويقول أن العقيدة يمكن تلقيها في دقائق
السائل: بارك الله فيك يا شيخنا! في عندي سؤال ثمة له علاقة، يعني: هو منهجي أيضاً في تتمة البحث لكن ما هو في الجانب الفقهي، لكن في الجانب العقائدي .. من المعلوم أن الدعوة السلفية كذلك فيما تدعو إليه كما تدعو إلى تحكيم الكتاب والسنة في فهم السلف الصالح في المسائل العملية والعبادات وغيرها، فهي كذلك تدعو إلى تحكيم الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح وما عرف بالعقيدة السلفية وتعلمها والحرص عليها؛ لأن البدء بالإيمان بالله ﵎ واليوم الآخر هو من مهمات الإسلام؟
الشيخ: حق.
مداخلة: ولكن هناك شبهات ثلاث هي في الحقيقة تدور حول نقطة واحدة فلذلك أنا أذكر الشبهات الثلاث وهي يعني: حرصاً على الوقت أجمعها الثلاث شبهات ثم بعد ذلك يكون الرد على ما شئتم.
فيقولون الشبهة الأولى: يقال: أنه لازم من دراسة العقيدة ما يصح به الإيمان وهذا من الممكن تعلمه في دقائق معدودة.
الشبهة الثانية: يقولون: إن دراسة العقيدة على وجه التفصيل ولا سيما في أبواب الردود على الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم، (تدخل) الناس فيما لم يوجب الله عليهم معرفته ويعرضهم للافتتان في دينهم، كما أن تدريس العقيدة مفصلة يوقع الناس في الحيرة والتذبذب.
الشبهة الثالثة: اتهام العلماء السلفيين بأنهم يدندنون حول مسائل الشرك
стр. 169
والتوحيد دون أن يدخلوا في بحث ما تحتاج إليه الأمة من تحكيم الشريعة ومصارعة الطواغيت وإنكار المنكر، ومن غير أن ينقلوا الدعوة إلى واقع عملي تطبيقي.
يعني: هي ثلاث شبهات لكن في الحقيقة كلها مؤداها عدم دراسة العقيدة وعدم الحرص على (التوسع فيها).
الشيخ: أما الشبهة الأولى فهي كأخرياتها وكأخواتها شنشنة نعرفها من أقدم الذي يقول: أن العقيدة يمكن تلقيها في دقائق نسأل هذا القائل: ما هي هذه العقيدة التي يمكن أن يتلقاها المسلم في دقائق هل يعني هو أن يتلقى العقيدة مجملاً في دقائق أم تفصيلياً في دقائق؟ إن قال مجملاً نحن نقول: ممكن هذا إجمالاً كما هو في حديث: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه إلى آخره» (١) أما إن قال أيضاً يمكن تلقي العقيدة تفصيلياً في دقائق، فنحن سنقول له أولاً: هل تعني العرب أم تعني العجم، فمن قوله: أعني العرب، أليس كذلك؟ أنت شاعر بقى بالمشكلة انصب حالاً حالك، يعني: مدافعاً عنهم، أو معبراً عن شبهاتهم، فسنقول له: إن كنت تقصد العرب فقط، فهذه أول خطيئة؛ لأنك تعلم أن الإسلام لم يرسل إلى العرب خاصة، وإنما أرسل إلى الناس كافة.
ثم نقول ثانياً: هل تعني العرب الأقحاح الذين يفهمون اللغة العربية لغة القرآن الكريم دون أن يتعلموا؟ فإن قال: نعم، نقول أيضاً جهلت؛ لأن العرب دخلتهم العجمة وأصبح من يعيش في عقر البلاد العربية لا يستطيع أن يفهم القرآن وهو نزل بلغة العرب إلا بدراسة مقدمات لغوية وعلوم يسمونها اصطلاحاً بعلوم الآلة ونحو ذلك، حينئذ نتوصل إلى القول بأن هذا العالم الذي يريد أن يعلم الناس
стр. 170
العقيدة التي جاءت بالكتاب والسنة هل هو يعيش في جو يشبه الجو الأول السلفي الأول الذي يمثل النبي ﵌ مع أصحابه، أم هو يعيش في أجواء من التفرق الفكري والتفسخ الأخلاقي والسلوكي؟ أظن أيضاً سيكون جوابه إن شاء الله على الحق إنه يقول: لا. هو يعيش الآن في جو يختلف كل الاختلاف عن الجو السابق.
إذاً: هذا الذي يقول: إنه ممكن فهم العقيدة على الوجه التفصيلي الذي جاء به الكتاب والسنة في دقائق فإنما هو يعيش في خيال، ثم نحن نجعله تحت أمر واقع، أعطني نشوف العقيدة في دقائق، هب لي أنا رجل بدوي جاي من الصحراء أريد أن أتعلم العقيدة الإسلامية ما هي؟
مداخلة: قائل هذا القول يربط بين العقيدة وبين ما تصح به العقيدة فيقول: إن الإنسان حين يطالب بالإسلام، إنما يؤمر بمعرفة الله معرفة عامة، وبأن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن يؤمن بما عَرَّف به ﵌ الإيمان، أو كما قال النبي ﵌ ...
الشيخ: هذا يعود إلى كلامي السابق إجمالاً.
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب! لكن هو لا يؤمن معنا بأنه يجب بعد ذلك أن يتعلم الإسلام تفصيلياً على اعتبار أن العلم ينقسم إلى قسمين علم عيني وعلم كفائي، وهذا ما أظن أحداً ينكره، الآن هو يتكلم عن الرجل انظر الآن ضلال هؤلاء الناس اللي بيعيشوا بالأحلام، بيتصوروا أولاً إنه مجتمعنا هو مجتمع الرسول ﵇، ثانياً بيتصور كل مسلم: مسلم ابن مسلم ابن مسلم الله أعلم وين ينتهي، بيتصور أنه اليوم أسلم، يا أخي فيه فرق بين اللي دخل في الإسلام حديثاً، وبين اللي عايش في
стр. 171
مجتمع إسلامي فهذا يختلف عن الأول تماماً، رجل كافر يريد أن يسلم (ماذا سنقول له) نقول: اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، صار مسلماً بشهادة الحديث صحيح، «فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» (١).
( ... انقطاع ... )
لا يتعلم لا العقيدة بتفاصيلها ولا العبادة بتفاصيلها ما أظن يصل الجهل إلى الاعتراف بمثل هذا الإسلام المجمل، لا بد أن يقول: لا؛ يجب عليه فيما بعد أن مثلاً يتعلم كيفية الطهارة، كيفية الصلاة، كيفية الصيام مثلاً إذا جاء شهر رمضان إلى آخره، هذه التفاصيل لا بد أن يتعلمها ليتم إسلامه، تُرَى الإيمان أليس كذلك، هذا الإيمان المجمل الذي نقلته عنهم، أليس هو وبكتبه وبرسله إجمالاً، ترى! إذا جاء التفصيل ماذا يقولون عنه، إذا جاءه التفصيل يجب الإيمان به أم لا؟
مداخلة: لا شك أنه يجب الإيمان به.
الشيخ: نعم.
مداخلة: يجب الإيمان به إذا جاءه التفصيل.
الشيخ: هو هكذا، هل يتصور أنهم يقولون لا.
مداخلة: هم لا يقولون، لا، ما ذكرتم يا شيخ، لكن هم وقعوا في الجزء الذي ذكرته أنهم وقعوا في الجهل المطبق، حيث إنهم ...
الشيخ: هذا هو لذلك فنحن يجب أن نكون وهم أن يكونوا معنا في الواقع،
стр. 172
واقعنا الآن والحقيقة هذا الذي بيجعل نحن دعوتنا ليست بالسهلة، الناس اليوم يفهمون إنه ممكن الإنسان يعرف الإسلام كله في جلسة واحدة؛ لأنه بيجيبوا لك مثال الأعرابي، هل علي غيرهم قال: «لا إلا أن تتطوع» (١). لك يا أخي هذاك إسلام لسه ما كمل، جاء من البداوة يريد أن يسلم، لكن لسه الإسلام ينزل بأحكامه وبجهاده وبكذا وبكذا إلى آخره، فنحن الآن لا يجب علينا، بل لا يجوز لنا أن نرجع قهقرى نحن من كمل لنا هذا الإسلام جملة وتفصيلاً، فإذا ما وقع المسلم في مثل هذا الجو المختلف فيه أشد الاختلاف، وكما ذكرنا آنفاً مع الدكتور ثلاثة وسبعين فرقة لا ينجو منها إلا فرقة واحدة، قالوا: من يا رسول الله قال: «هي التي على ما أنا عليه وأصحابي» (٢) نحن الآن ألسنا يجب علينا وعليهم هؤلاء السائلين الشاكين المغتابين أليس من الواجب عليهم أن يحرصوا أن يكونوا من الفرقة الناجية؟ لا شك أنه سيكون جوابهم نعم، يا أخي أنت لست الآن في زمن الرسول تجي تجلس مع الرسول وتسمع الحكم منه مباشرة، بينك وبين الرسول أربعة عشر قرناً، وفيه أمامك في طريقك عثرات وعثرات سوف يجيك حديث، بل سوف تجيك آية، لو كنت بين يدي الرسول يكفيك المؤنة، إذا أشكل عليك معناها مثل ما وقع بالنسبة لبعض الصحابة حينما أشكل عليهم آية: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (الأنعام:٨٢) تذكرون الآية والحديث؟ قالوا: إذاً أينا ليس ذاك الرجل الذي ظلم نفسه، قال: ليس ذاك، ألم تقرأوا قول الله ﵎: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٣) (لقمان:١٣) فأزال الرسول ﵇ هذه الشبهة من أذهانهم فأنت أيها المسلم في القرن الرابع عشر في أول الخامس عشر لست في
стр. 173
صحبة الرسول حتى إذا عليك يجي يعطيك الجواب وتسلم تسليماً أمامك هذه المسافات الطويلة، بدك تعرف هذا الحديث صحيح ولا مو صحيح؟ بدك تعرف هذا الحكم هل أخذ من كتاب أم من السنة؟ أم الإجماع عليه بيصير فيه خلاف تارة في تصحيحه وفي تضعيفه، أم من القياس، ثم هذا القياس، هل هو قياس جلي أم هو قياس خفي؟ الآن وضْعنا غير ذاك الوضع يا مساكين، فهم اللي جاهلين بهذا العلم بيستسهلوا الأمر وبيقول لك: ممكن العقيدة واحد يتعلمها في دقائق معدودة.
ولذلك فنحن الحقيقة يجب أن نمضي قُدُماً في طريقنا الشاق الطويل المديد، وأنا أقول في بعض الكلمات لما أذكر ﵇ حينما كان جالساً بين أصحابه فتلا قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام:١٥٣) جاء الحديث مصوراً في بعض كتب الحديث بأن الخط المستقيم طويل، والخطوط التي حوله خطوط قصيرة (١)، أنا أفهم من هذا الحديث غير ما نطق به الرسول أكثر مما نطق به الرسول، أي: أفهم الشيء الذي نطق به الرسول زائد ما أشار إليه الرسول بهذا الرسم الرائع البديع الخط المستقيم هو الصراط، والخطوط القصيرة هي التي على رأسه، على كل خط منها شيطان يدعو الناس إليه، هذا الشيطان، وأنا سمعت هذا بأذني هاتين من بعض من يزعمون أنهم يدعون إلى الإسلام، ويريدون أن يقيموا دولة الإسلام عن طريقة القفز إلى رأس الأهرام بخطوة واحدة، بيقولوا: والله أنتم دعوتكم الحقيقة صحيحة، لكن يا أخي شوف طريق طويلة شاق، متى بدنا نصل لإقامة الدولة المسلمة والمجتمع الإسلامي؟؛ أنا بقول الرسول رسم هذا الخط ردًّا على
стр. 174
هؤلاء، بيقول لهم: شوفوا هذا الخط الطويل حف بالمكاره، شوفوا هذه الخطوط القصيرة حفت بالشهوات، فهم يريدون أن يصلوا بالطرق القصيرة هذه ولن يصلوا أبداً، وتجربة هذا العصر من طوائف من الجماعات الإسلامية أكبر دليل على أن على رأس كل طريق شيطاناً عملياً يدعو الناس إليه فيخرجون عن الخط المستقيم، ونحن علينا أن نبقى في هذا الخط المستقيم، ولا يضيرنا ولا يهمنا أن الناس يقولون: هذا خط طويل وشاق و .. و .. إلى آخره، وبهذه المناسبة يعجبني كلام ذلك الشاعر العربي الجاهلي وأتمنى أنه يكون في المسلمين من يكون تفكيرهم في الإسلام كتفكيره في جاهليته، هو ذلك امرؤ القيس الذي قال:
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه
وأيقن أنَّا لاحقين بقيصر
فقلت له لا تبكِ عينك إنما
نحاول ملكاً أو نموت فنعذر
شو علينا نحن إذا استمررنا نمشي في الصراط المستقيم، وما وصلنا لإقامة الدولة المسلمة، هذا العالم الإسلامي صار له قرون يتخبط في البعد عن الكتاب والسنة، فإذا نحن أخذنا الصراط المستقيم ومشينا خطوات قليلة، وين لنوصل؟ مش مهم أن نصل، المهم أن نمشي في الخط المستقيم، ذلك الجاهلي فهم الحقيقة الواقعية العلمية وإن كان هدفه أيش، هدفه الدنيا هدفه الملك، لكن بيقول: نحاول ملكاً أو نموت فنعذر، ونحن هكذا مع ربنا ﵎ نحاول أن نعيد الحياة الإسلامية وأن نقيم الدولة المسلمة بعد محاولة إعادة الحياة الإسلامية فإن وصلنا فبها، وإن لم نصل فلسنا مكلفين؛ لأن الأمر كله بيد الله ﵎،
стр. 175
كلنا نحن مكلفين أن نمشي سوياً على صراط مستقيم.
لذلك هذه الأسئلة هذه الشبهات في الواقع هي جايه بسبب انحرافهم عن الخط المستقيم إلى خط من هذه الخطوط القصيرة التي تخرج بأصحابها عن الخط المستقيم ..
"الهدى والنور" (/٣٢٩/ ٣١: ٠٠: ٠٠)
[٧] باب العقيدة أساس كل انتصار على الكفار
[قال الإمام]:
نحن نظن أن لا خلاف بين مسلمين إطلاقاً أنه أساس كل انتصار على الكفار هو العقيدة ..
"الهدى والنور" (٤٢٤/ ٠٠:٠٦:٠٦)
[٨] باب "لا كيف" في المغيبات
سؤال:. في حديث المعراج عندما فرضت الصلاة على الرسول ﷺ وراجعه سيدنا موسى .. كيف كانت المسألة هذه؟
الشيخ: لا كيف بارك الله فيك! الأمور غيبية خذوها قاعدة واستريحوا .. لا كيف في المغيبات، وحسبك أن تقصر فتقول كيف، غيرك يلف ويدور ويحكي كلاماً طويلاً لكن ينتهي إلى هذه الكلمة التي أنت قلت عنها: كيف؟ لا كيف في المغيبات، الإيمان المطلق وفقط بدون تكييف؛ لأنه عالم ما وراء المادة كما يقولون اليوم .. ما وراء العقل ما يقاس عليه حياتنا هذه المادية والعكس بالعكس أيضاً.
"الهدى والنور" (٢٨/ ٥٤: ٥٩: ٠٠)
стр. 176
[٩] باب الأمور الغيبية لا يخاض فيها بالأقيسة والآراء
[قال الإمام]:
واعلم أن كون الموتى يسمعون أو لا يسمعون إنما هو أمر غيبي من أمور البرزخ التي لا يعلمها إلا الله فلا يجوز الخوض فيه بالأقيسة والآراء وإنما يوقف فيه مع النص إثباتا ونفيا.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص٣٧).
[وقال ﵀]:
- الاستدلال العقلي ... لا مجال له في أمر غيبي.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص٦٠).
[١٠] باب الكلام حول خلاف الصحابة في العقيدة
سؤال: بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله.
أما بعد: يقول السائل: فضيلة الشيخ! أنتم تزعمون أن العقيدة أمر قد أجمع عليه السلف، ومع ذلك نجد هناك خلاف بينهم في إثبات العين أو العينان.
الشيخ: أنتم ماذا أولًا.
مداخلة: أنتم تزعمون.
الشيخ: تزعمون نعم، ليته لطَّفها قليلاً.
مداخلة: أن العقيدة أمر قد أجمع عليه السلف، ومع ذلك نجد هناك خلاف
стр. 177
بينهم في إثبات العين أو العينان والساق، فقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه فسر قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ (القلم:٤٢) بالشدة والكرب ... وكذلك في رؤية النبي ﷺ لربه جل وعلا، فمن أثبت فيجب عليه الاعتقاد في ذلك، ومن نفى فيجب عليه اعتقاد مدلول النفي، فما موقفنا جزاكم الله خيرًا؟
الشيخ: كان ينبغي أن يكون السؤال بغير هذا التحذير؛ لأن السائل ما أظن نقل رأيي وبنى عليه توجيهه لهذا السؤال؛ ذلك لأننا نحن الذي ندين به أنه لا فرق بين ما يسمى أصولًا وبين ما .. (انقطاع صوتي)
أن يكونوا على اتفاق وعلى كلمة واحدة، إذا أمكنهم ذلك، أما وذلك قد لا يمكن أن يكون في الأصول فضلًا عن الفروع فحينئٍذ يعود الأمر إلى المجتهد إن كان قصد الحق فأصابه فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد، لا فرق في ذلك كما قلنا بين الأصول والفروع، أما ادعاء الاتفاق في كل الأصول بخلاف الفروع، فهذا لا أعتقد أن عالمًا يقطع بذلك، كل ما في الأمر أننا نقول: إن السلف اتفقوا على أن الأصل في صفات الله ﵎ التي جاءت في الكتاب أو في السنة أن تمر كما جاءت ولا تؤول، هذا الذي يمكن أن يقال أنه أمر متفق عليه، أو على حد تعبير السائل: إنه أمر نزعمه وندعيه لازمين لذلك، ولكن هذا لا ينفي أن يقع بعض الخلاف في بعض المسائل التي تتعلق بهذا المنهج.
والمثال الذي ذكره السائل في تفسير الساق هذا صحيح أنه وقع فيه اختلاف، ولكن هل هناك خلاف بين هؤلاء الذين قد يختلفون في بعض الجزئيات مما يتعلق بالعقيدة أو بالتوحيد، هل بينهم خلاف في الأصل في القاعدة؟ الجواب: لا، وهذا الفرق بين أتباع السلف وبين الخلف، فالسلف هذه قاعدتهم أن يؤمنوا بكل ما جاء عن الله ورسوله دون تأويل ودون تعطيل، أما الخلف فالقاعدة عندهم
стр. 178
التأويل وليس هو التسليم.
وقد وجدت طائفة بين هؤلاء وهؤلاء وهم الذين يسمون بالمفوضة، فهم لا يؤمنون مسلمين بالمعاني الظاهرة لأدلة الكتاب والسنة المتعلقة بالصفات مع التنزيه، ولا هم يؤولون كما يفعل الخلف كالذين قلنا فيهم في الأمس القريب إنهم يقولون: إن مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم، فالخلاف ليس في الجزئيات هذا لا يمكن الخلاص منه، وإنما الأصل في القاعدة: ما هي قاعدة السلف؟ هو الإيمان بكل ما جاء عن الله ورسوله إيمانًا بالمعاني الظاهرة المتباينة لغًة في النصوص مع التنزيه، كما في قوله تعالى، هذا دليل يستعمل كثيرًا وهو قوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) فربنا قدم هذه الجملة فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١) تنزيهًا ليتبع هذا التنزيه بالإثبات ألا وهو قوله : ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١).
فالآن: إذا أردنا أن نسلك طريقة السلف فما يختلفون في فهم ﴿السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) إطلاقًا؛ لأنهم يعتقدون أن صفة السمع غير صفة البصر، وأن كلًا من هاتين الصفتين كسائر الصفات الإلهية نثبتها كما جاءت مفرقين بين صفة وأخرى منزهين لله ﵎، أن يشبه شيئًا من مخلوقاته.
ما هو موقف المعتزلة المعطلة؟ أنهم يقولون: يأخذون بالشطر الأول من الآية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١) تنزيه، لكنهم غلو في التنزيه وعطلوا فقالوا: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) أي: العليم، فعطلوا هاتين الصفتين؛ لأن الإنسان سميع وبصير فظنوا أنهم سووا، وظنوا أنهم بسبب فرارهم من إثبات هاتين الصفتين أنهم مع التنزيه دون التعطيل ولم يلاحظوا أن ما منه فروا بزعمهم وقعوا
стр. 179
في مثله؛ لأنهم حين يفسرون السمع والبصر بالغيب فالناس أيضًا فيهم عالم وجاهل، وبعض من يقول: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر:٩) فإذًا هناك كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اشتراك لفظي وليس اشتراكًا حقيقيًا في المعنى، فصفة السمع وصفة البصر وصفة العين، هذه الصفات الثلاث اتصف بها ربنا ﵎ كغيرها مما جاء في القرآن، لكن كون الإنسان أيضًا يوصف بأنه سميع ويوصف بأنه بصير وقد يقال فيه عليم، فذلك لا يعني أن سمعه وبصره وعلمه كسمع الله وبصره وعلمه، لذلك فحينما فر المعتزلة بهذا التأويل للسمع والبصر والعلم يقال لهم: عطلوا صفتين حقيقتين من صفات الله ﵎.
نعود الآن إلى الذين يفوضون، فماذا يقولون؟ يقول: نؤمن بالآية كما جاءت لكن لا ندري ما معنى عليم .. ما معنى سميع .. ما معنى بصير، نكل الأمر إلى الله ﵎، ويلبسون على الناس أن هذا هو مذهب السلف، ليس هذا هو مذهب السلف، مذهب السلف إثبات للصفة مع التنزيه، مذهب المفوضة لا يثبتون شيئًا، يقولون: الله أعلم بمراده، أما التنزيه فهو أمر مشترك بين جميع الطوائف، سواءً السلف، أو المفوضة، أو الأشاعرة، أو الماتريدية، كلهم يلتقون في تنزيه الله وعدم المشابهة للحوادث، لكنهم يختلفون في ما موقفهم تجاه كل الصفات التي جاءت في الكتاب والسنة منها هذا المثال الذي بين
أيدينا الآن.
فإذا اختلف السلف في آية أو في حديث ما، فذلك لا يعني أنهم خرجوا عن هذه القاعدة، وإنما الخلف الذين يقولون: علم السلف أسلم، وعلم الخلف أحكم وأعلم، فالأصل إذًا في الاختلاف هو في القاعدة وليس فيما يلزم ... اختلاف كل
стр. 180
من الطائفتين في جزء أو في صفة من الصفات كآية الساق، ولذلك فلا ينبغي أن يفهم أحد أن السلف لا يختلفون في شيء ما من آيات الصفات، لكن القاعدة هم متفقون عليها.
مثلًا: تفسير المعية: فقد يروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه ما قد يخالف غيره ممن جاء بعده، لكن كلهم يرجعون أخيرًا إلى إثبات الصفات كقاعدة، لا كالمعتزلة فخلافًا لمن تابعهم في كثير من الانحراف الذي انحرف فيه المعتزلة، فسمعتم آنفًا أن المعتزلة ينكرون صفة السمع والبصر، لكن الأشاعرة مثلًا يثبتونهما ولا يؤولونهما ولا ينكرون معناهما كما فعلت المعتزلة، لكن هؤلاء الخلف من الأشاعرة والمعتزلية في أصل المذهب أهو الإيمان بمعاني الصفات مع التنزيه أم الأصل هو التأويل؟ المتأخرين هؤلاء من الأشاعرة والمعتزلة بين مذهب السلف وبين مذهب الخلف فتارةً تراهم معتزلة كموقفهم من الكلام الإلهي حيث من المعتزلة يصرحون ... بأن كلام الله مخلوق، أما الأشاعرة والماتريدية فهم يقولون: كلام الله ليس بمخلوق، ولكن إذا مخاصمتهم ودققت معهم وجدتهم في النهاية يلتقون مع المعتزلة.
في الوقت الذي يقولون فيه كلام الله صفة من صفاته خلافًا للمعتزلة لكن حينما يدقق الإنسان معهم في البحث إذا بهم يقولون: الكلام الإلهي الذي هو صفة من صفاته ليس هو الكلام الذي يؤمن به السلف، وكما قال ﵇ في الحديث الصحيح: «من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات، لا أقول: ألف لام ميم حرف، بل ألف حرف، لام حرف، ميم حرف» (١) هم لا يقولون بأن كلام