[٩] باب الأمور الغيبية لا يخاض فيها بالأقيسة والآراء
[قال الإمام]:
واعلم أن كون الموتى يسمعون أو لا يسمعون إنما هو أمر غيبي من أمور البرزخ التي لا يعلمها إلا الله فلا يجوز الخوض فيه بالأقيسة والآراء وإنما يوقف فيه مع النص إثباتا ونفيا.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص٣٧).
[وقال ﵀]:
- الاستدلال العقلي ... لا مجال له في أمر غيبي.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص٦٠).
[١٠] باب الكلام حول خلاف الصحابة في العقيدة
سؤال: بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله.
أما بعد: يقول السائل: فضيلة الشيخ! أنتم تزعمون أن العقيدة أمر قد أجمع عليه السلف، ومع ذلك نجد هناك خلاف بينهم في إثبات العين أو العينان.
الشيخ: أنتم ماذا أولًا.
مداخلة: أنتم تزعمون.
الشيخ: تزعمون نعم، ليته لطَّفها قليلاً.
مداخلة: أن العقيدة أمر قد أجمع عليه السلف، ومع ذلك نجد هناك خلاف
стр. 177
بينهم في إثبات العين أو العينان والساق، فقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه فسر قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ (القلم:٤٢) بالشدة والكرب ... وكذلك في رؤية النبي ﷺ لربه جل وعلا، فمن أثبت فيجب عليه الاعتقاد في ذلك، ومن نفى فيجب عليه اعتقاد مدلول النفي، فما موقفنا جزاكم الله خيرًا؟
الشيخ: كان ينبغي أن يكون السؤال بغير هذا التحذير؛ لأن السائل ما أظن نقل رأيي وبنى عليه توجيهه لهذا السؤال؛ ذلك لأننا نحن الذي ندين به أنه لا فرق بين ما يسمى أصولًا وبين ما .. (انقطاع صوتي)
أن يكونوا على اتفاق وعلى كلمة واحدة، إذا أمكنهم ذلك، أما وذلك قد لا يمكن أن يكون في الأصول فضلًا عن الفروع فحينئٍذ يعود الأمر إلى المجتهد إن كان قصد الحق فأصابه فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد، لا فرق في ذلك كما قلنا بين الأصول والفروع، أما ادعاء الاتفاق في كل الأصول بخلاف الفروع، فهذا لا أعتقد أن عالمًا يقطع بذلك، كل ما في الأمر أننا نقول: إن السلف اتفقوا على أن الأصل في صفات الله ﵎ التي جاءت في الكتاب أو في السنة أن تمر كما جاءت ولا تؤول، هذا الذي يمكن أن يقال أنه أمر متفق عليه، أو على حد تعبير السائل: إنه أمر نزعمه وندعيه لازمين لذلك، ولكن هذا لا ينفي أن يقع بعض الخلاف في بعض المسائل التي تتعلق بهذا المنهج.
والمثال الذي ذكره السائل في تفسير الساق هذا صحيح أنه وقع فيه اختلاف، ولكن هل هناك خلاف بين هؤلاء الذين قد يختلفون في بعض الجزئيات مما يتعلق بالعقيدة أو بالتوحيد، هل بينهم خلاف في الأصل في القاعدة؟ الجواب: لا، وهذا الفرق بين أتباع السلف وبين الخلف، فالسلف هذه قاعدتهم أن يؤمنوا بكل ما جاء عن الله ورسوله دون تأويل ودون تعطيل، أما الخلف فالقاعدة عندهم
стр. 178
التأويل وليس هو التسليم.
وقد وجدت طائفة بين هؤلاء وهؤلاء وهم الذين يسمون بالمفوضة، فهم لا يؤمنون مسلمين بالمعاني الظاهرة لأدلة الكتاب والسنة المتعلقة بالصفات مع التنزيه، ولا هم يؤولون كما يفعل الخلف كالذين قلنا فيهم في الأمس القريب إنهم يقولون: إن مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم، فالخلاف ليس في الجزئيات هذا لا يمكن الخلاص منه، وإنما الأصل في القاعدة: ما هي قاعدة السلف؟ هو الإيمان بكل ما جاء عن الله ورسوله إيمانًا بالمعاني الظاهرة المتباينة لغًة في النصوص مع التنزيه، كما في قوله تعالى، هذا دليل يستعمل كثيرًا وهو قوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) فربنا قدم هذه الجملة فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١) تنزيهًا ليتبع هذا التنزيه بالإثبات ألا وهو قوله : ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١).
فالآن: إذا أردنا أن نسلك طريقة السلف فما يختلفون في فهم ﴿السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) إطلاقًا؛ لأنهم يعتقدون أن صفة السمع غير صفة البصر، وأن كلًا من هاتين الصفتين كسائر الصفات الإلهية نثبتها كما جاءت مفرقين بين صفة وأخرى منزهين لله ﵎، أن يشبه شيئًا من مخلوقاته.
ما هو موقف المعتزلة المعطلة؟ أنهم يقولون: يأخذون بالشطر الأول من الآية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١) تنزيه، لكنهم غلو في التنزيه وعطلوا فقالوا: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:١١) أي: العليم، فعطلوا هاتين الصفتين؛ لأن الإنسان سميع وبصير فظنوا أنهم سووا، وظنوا أنهم بسبب فرارهم من إثبات هاتين الصفتين أنهم مع التنزيه دون التعطيل ولم يلاحظوا أن ما منه فروا بزعمهم وقعوا
стр. 179
في مثله؛ لأنهم حين يفسرون السمع والبصر بالغيب فالناس أيضًا فيهم عالم وجاهل، وبعض من يقول: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر:٩) فإذًا هناك كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اشتراك لفظي وليس اشتراكًا حقيقيًا في المعنى، فصفة السمع وصفة البصر وصفة العين، هذه الصفات الثلاث اتصف بها ربنا ﵎ كغيرها مما جاء في القرآن، لكن كون الإنسان أيضًا يوصف بأنه سميع ويوصف بأنه بصير وقد يقال فيه عليم، فذلك لا يعني أن سمعه وبصره وعلمه كسمع الله وبصره وعلمه، لذلك فحينما فر المعتزلة بهذا التأويل للسمع والبصر والعلم يقال لهم: عطلوا صفتين حقيقتين من صفات الله ﵎.
نعود الآن إلى الذين يفوضون، فماذا يقولون؟ يقول: نؤمن بالآية كما جاءت لكن لا ندري ما معنى عليم .. ما معنى سميع .. ما معنى بصير، نكل الأمر إلى الله ﵎، ويلبسون على الناس أن هذا هو مذهب السلف، ليس هذا هو مذهب السلف، مذهب السلف إثبات للصفة مع التنزيه، مذهب المفوضة لا يثبتون شيئًا، يقولون: الله أعلم بمراده، أما التنزيه فهو أمر مشترك بين جميع الطوائف، سواءً السلف، أو المفوضة، أو الأشاعرة، أو الماتريدية، كلهم يلتقون في تنزيه الله وعدم المشابهة للحوادث، لكنهم يختلفون في ما موقفهم تجاه كل الصفات التي جاءت في الكتاب والسنة منها هذا المثال الذي بين
أيدينا الآن.
فإذا اختلف السلف في آية أو في حديث ما، فذلك لا يعني أنهم خرجوا عن هذه القاعدة، وإنما الخلف الذين يقولون: علم السلف أسلم، وعلم الخلف أحكم وأعلم، فالأصل إذًا في الاختلاف هو في القاعدة وليس فيما يلزم ... اختلاف كل
стр. 180
من الطائفتين في جزء أو في صفة من الصفات كآية الساق، ولذلك فلا ينبغي أن يفهم أحد أن السلف لا يختلفون في شيء ما من آيات الصفات، لكن القاعدة هم متفقون عليها.
مثلًا: تفسير المعية: فقد يروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه ما قد يخالف غيره ممن جاء بعده، لكن كلهم يرجعون أخيرًا إلى إثبات الصفات كقاعدة، لا كالمعتزلة فخلافًا لمن تابعهم في كثير من الانحراف الذي انحرف فيه المعتزلة، فسمعتم آنفًا أن المعتزلة ينكرون صفة السمع والبصر، لكن الأشاعرة مثلًا يثبتونهما ولا يؤولونهما ولا ينكرون معناهما كما فعلت المعتزلة، لكن هؤلاء الخلف من الأشاعرة والمعتزلية في أصل المذهب أهو الإيمان بمعاني الصفات مع التنزيه أم الأصل هو التأويل؟ المتأخرين هؤلاء من الأشاعرة والمعتزلة بين مذهب السلف وبين مذهب الخلف فتارةً تراهم معتزلة كموقفهم من الكلام الإلهي حيث من المعتزلة يصرحون ... بأن كلام الله مخلوق، أما الأشاعرة والماتريدية فهم يقولون: كلام الله ليس بمخلوق، ولكن إذا مخاصمتهم ودققت معهم وجدتهم في النهاية يلتقون مع المعتزلة.
في الوقت الذي يقولون فيه كلام الله صفة من صفاته خلافًا للمعتزلة لكن حينما يدقق الإنسان معهم في البحث إذا بهم يقولون: الكلام الإلهي الذي هو صفة من صفاته ليس هو الكلام الذي يؤمن به السلف، وكما قال ﵇ في الحديث الصحيح: «من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات، لا أقول: ألف لام ميم حرف، بل ألف حرف، لام حرف، ميم حرف» (١) هم لا يقولون بأن كلام
стр. 181
الله حرف لفظ وصوت كما يقول السلف، وإنما هم يلتقون مع المعتزلة في إنكار هذه الحقيقة، ولكن يختلفون عن المعتزلة بأنهم يفسرون الكلام الإلهي بما يعود إلى العلم، ولذلك حينما يردون على المعتزلة ويقولون لهم: لماذا أنتم تقولون: كلام الله مخلوق، أليس يقدر ربنا ﵎ على تفهيم موسى كلامه ﵎؟! لا يقولون: أليس الله بقادر على أن يسمع كلامه موسى، وهو قال له: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ (طه:١٣)، فيدعون هذه الوصفة المتعلقة بالكلام الله الإلهي، نأخذ من هذه الآية الصريحة: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ (طه:١٣) ما يقولون المعتزلة: أليس الله بقادر أن يسمع كلامه وصوته لموسى، وإنما يقولون: أليس الله بقادر أن يفهم كلامه فأعادوا صفة الكلام إلى العلم كما يمكن أن يقال: أليس الله بقادر على أن يعلم موسى الألواح.
فعند المعتزلة الألواح التي أنزلها الله على موسى ﵇ وعبر عنها بقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (النساء:١٦٤) يقولون صراحة: ليس الله هو الذي تكلم، وليس الله هو الذي قال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ (طه:١٤) وإنما الشجرة هي التي نطقت، فالله لا يتكلم ولا يتلفظ.
الماتريدية والأشاعرة يلتقون معهم في الحقيقة لكن يسمون الكلام الإلهي الثابت في القرآن بأنه كلام نفسي، لا يخرج .. لا يسمع .. لا يقرأ ونحو ذلك، فهذا ينبغي أن يكون في ذهننا: أن السلف يختلفون عن الفرق الأخرى في اتفاقهم على القاعدة وهي: تنزيه مع الإثبات، أما الآخرون فتأويل الذي هو التعطيل مع التنزيه، فلم يفدهم شيء التنزيه مع التأويل الذي يصاحبه في كثير من الأحيان التعطيل، وما أحسن ما قال ابن القيم ﵀، ولعله نقله عن شيخه ابن تيمية: "المعطل يعبد عدمًا، والمجسم يعبد صنمًا"، وهذه حقيقة لا يستطيع أحد أن ينكرها.
стр. 182
[فخلاصة المسألة]: هي أن الخلاف -كما قلت في مطلع هذه الكلمة- لا يقتصر عند المسلمين جميعًا على الفروع بل تعداه إلى الأصول والمقصود بها هي القواعد المتعلقة بالعقيدة، فذكرت أن السلف وأتباعهم من السلفيين لا يختلفون في القاعدة، ولكن قد يختلفون في بعض جزئياتها، الشأن في هذا تمامًا كالشأن في القواعد العلمية الأصولية الفقهية، فكأنما أهل الحديث لا يختلفون بعضهم مع بعض في أن المرجع عند الاختلاف إنما هو الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح، وقد يختلفون مثلًا في حديث أهو صحيح أم ضعيف، هذا لا يضر، وقد يختلفون في فهم حديث صحيح وهذا لا يضر؛ لأن الأصل والقاعدة متفق عليها بينهم وليس كذلك عند من خالفهم.
وقد ذكرنا في الأمس القريب، أن كل الطوائف الإسلامية لا نستثني منهم طائفة، كلهم يقول: نحن على الكتاب والسنة لكن لا تجد منهم أحدًا يقول: وعلى ما كان عليه السلف الصالح، إذًا: هذا اختلاف في الأصل في القاعدة، فهذا الخلاف هو الذي يضر، أما الاختلاف في مسألة فذلك لا يضر لا فرق بين أن تكون هذه المسألة في العقيدة أو أن تكون في الأحكام الشرعية، إنما المهم أن يكون القاعدة والأصل متفق عليه.
فلهذا الذي أتى به السائل الآخر وهو اختلاف في الرؤية: هل رأى محمد ربه؟ نعم يوجد شيء من هذا الاختلاف، ولكن هذا الاختلاف ليس من النوع الأول، بمعنى: لم يثبت عن أحد من السلف في أنه قال جازمًا بأن النبي ﵌ لم ير ربه، ... رأى ربه بل جاء عنهم خلاف ذلك، كل ما في الأمر ممن أثبت الرؤية هو ابن عباس ﵁ لكن الروايات التي وردت عنه مضطربة، فلذلك ما يستطيع العالم أن يجزم بأن ابن عباس كان يقول بخلاف السيدة عائشة مثلًا،
стр. 183
السيدة عائشة كانت تنفي رؤية النبي ﵌ لربه ليلة الإسراء والمعراج جازمة بذلك ومستعظمة كل الاستعظام لمن قد يقول بأن محمدًا ﵌ رأى ربه.
وقد روى الشيخان في صحيحيهما (١) من حديث مسروق عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه قال لها - مسروق هو القائل -: يا أم المؤمنين! هل رأى محمد ربه؟ قالت: لقد قَفَّ شعري لما قلت، قال: يا أم المؤمنين! ارحميني ولا تعجلي علي، أليس يقول الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ (النجم: ١٣ - ١٤) قالت: أنا أعلم الناس بذلك، سألت رسول الله ﵌ فقال: «رأيت جبريل في صورته التي خلق فيها مرتين وله ستمائة جناح» ثم قالت مؤكدة نفيها لرؤية النبي ﵌ لله ﵎: ثلاث من حدثكموهن فقد أعظم على الله الفرية: من حدثكم أن محمدًا ﵌ رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، ثم تلت قوله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ (الشورى:٥١) وتلت قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ (الأنعام:١٠٣) فمن حدثكم بأن محمدًا ﵌ كان يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية، ثم تلت قوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (النمل:٦٥) ومن حدثكم بأن محمدًا ﵌ كتم شيئًا أمر بتبليغه فقد أعظم على الله الفرية، ثم تلت قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة:٦٧).
هذه رواية صحيحة في الصحيحين، صريحة في أن السيدة عائشة جزمت بأن النبي ﵌ لم يرَ ربه، وعلى ذلك أحاديث تؤكد نفيها، هذا حديث مذكور؛ لأن هذا
стр. 184
من قول عائشة، لكن هناك أحاديث مرفوعة تؤكد ما قالته السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها ... لحديث أبي ذر وهو أيضًا في حديث صحيح مسلم: «أن النبي ﵌ سئل: هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه» (١) وهذا تفصيله في حديث أبي موسى الأشعري، وقد ذكره الإمام مسلم بعد حديث أبي ذر، وفيه قال ﵇: «حجابه النور» فإذًا لما سئل ﵇: هل رأيت ربك؟ نفى ذلك، فنفي عائشة وهو زوجة الرسول ﵇ معنى هذا أنها تكلمت بعلم تلقته من زوجها حيث لما سئل ﵊: هل رأيت ربك؟ قال: «نور» أي: هناك نور فكيف أراه؟
فهذه عائشة تقول جازمة أن النبي ﵌ لم يرَ ربه ومعها حديثين ... من الذي قاله من الصحابة في هذه القضية؟ يروى عن ابن عباس ثلاثة روايات: رأى ربه .. رأى ربه بقلبه .. رأى ربه بعينه، ثلاثة من روايات من طريق سماك بن حرب عن ابن عباس، ومعنى هذا أن الراوي للرؤية التي أثبتها ابن عباس، تارًة ... فقال: رأى ربه، لكن المشكل: هو هل رأى ربه بعينه أم ببصيرته بقلبه؟ هنا تأتي هذه الروايات الثلاث: رأى ربه مطلقة، ثم روايتان أخريان مقيدةً، لكن إحداهما تخالف الأخرى فإحداهما تقول: رأى ربه بقلبه، والأخرى تقول: رأى ربه بعينه، فإذًا: الرواية مضطربة عن ابن عباس فلا نستطيع أن نقول إن ابن عباس يخالف قول السيدة عائشة ﵂.
والقصد من الكلمة السابقة هو أنه قد يصح مثل ذاك الاختلاف ولكن ليس كل اختلاف صحيح، وهذا مثاله، فنستطيع أن نقول إذًا: بأن نفس الخلاف بين
стр. 185
عائشة في هذه المسألة وابن عباس ليس دقيقًا؛ لأن الرواية عن ابن عباس مضطربة كما ذكرت آنفًا.
"رحلة النور" (٤٠أ/٠٠:٤٣:٢٣) (٤٠ب/٠٠:٠٠:٠٠)
[١١] باب هل وقع اختلاف بين السلف في مسائل عقدية ؟
السائل:
شيخنا: ما أُثِرَ عن بعض السلف في اختلافهم في بعض المسائل للتوحيد والعقيدة كإثبات الصورة على صورة آدم، ورؤية الرسول ﷺ لربه ليلة المعراج، ومثلاً التوسل وغيره من المسائل يا شيخ, يعني كيف نوجهها مع أن المشهور أن السلف الصالح ﵃ لم يختلفوا في العقائد؟
الشيخ:
أولاً:
ذكرتَ في جملة ما اختلفوا فيه التوسل فإلى ماذا تشير بهذا السؤال لأن علمي أنه لا خلاف بينهم في التوسل؟ هذا أولاً.
وثانيًا:
التوسل ليس من العقائد وإنما هو من الأحكام, أي هل يجوز أن يدعوَ الإنسان بدعاء فيه توسل بمخلوق؟ أو لا يجوز؟ فليس للتوسل علاقة بالعقيدة, اللهم إلا إذا اقترن مع التوسل عقيدة في لفظ المتوسل يعنيها به, فحينذاك تأخذ طورًا آخر، أما مجرد التوسل بمخلوق فذلك لا يدخل المسألة في جملة العقائد.
ثالثًا:
ماذا تعني بأنهم اختلفوا في الصورة؟ ومن هم الذين اختلفوا؟ لقد اتفقوا
стр. 186
على إثبات الصورة لله في الجملة وليس في التفصيل وإنما اختلفوا في مرجع ضمير قوله ﵊: «خلق الله آدم على صورته» (١) فأيضًا حصر هذا الاختلاف في مرجع هذا الضمير ليس له علاقة أيضًا في اعتقادي بالعقيدة لأن الصورة كعقيدة متفق عليها بين علماء الحديث والسنة دون تكييف ودون تأويل, أما مرجع ضمير «خلق آدم على صورته» هذا خلاف فرعي ليس له علاقة بالعقيدة, ثم لا أذكر إذا كان جاء في سؤالك شيء آخر غير الصورة وغير التوسل وإيش؟
السائل: المعراج, رؤية النبي ﵌
الشيخ: آه, اختلفوا صحيح في هل رأى محمد ﵌ ربه، وهذا الاختلاف لا يمكن إنكاره، ولكن لعل ذلك أيضًا مرجعه إلى تفسير قوله تعالى: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى﴾ (النجم:١٣، ١٤) وجمهور العلماء من المحدثين وغيرهم على نفي رؤيته ﵌ لربه بعينيه, والخلاف الذي يشار إليه بهذه المناسبة هنا, إنما هو ما جاء عن ابن عباس ﵁ أنه قال: «إن النبي ﵌ رأى ربه بعينيه» لكن هذا الأثر, هذا الحديث يمكن أن يقال فيه إنه أثر وإنه حديث, فهو أثر باعتبار أن لفظه من ابن عباس، ويمكن أن يقال فيه إنه حديث باعتبار أنه يتحدث فيه عن النبي ﵌ , هذا الأثر أو الحديث المروي عن ابن عباس لم يستقر على هذا اللفظ الذي فيه أنه رأى ربه بعينيه, فقد جاء عنه روايتان أخريان, الأخرى:
إطلاق الرؤيا «رأى ربه» دون ذكر العينين.
стр. 187
والأخرى وهي الثالثة:
«رآه بقلبه» وعلى هذا: فهذا الأثر أو هذا الحديث مضطرب عن ابن عباس ﵁ ما بين رآه مطلقًا، ورآه بعينيه، ورآه بقلبه، والحديث المضطرب من أقسام الحديث الضعيف، وحينئذ فلا نستطيع أن نجزم بأن ابن عباس كان من عقيدته أن النبي ﵌ رأى ربه ولكن مع هذا لا يمكن لكل باحث منصف أن يدعي أنه لم يكن هناك من يقول بقول ابن عباس لكن هذا القائل لا يعرف عينه ولا شخصه, أما أنه كان هناك من يقول بقول ابن عباس فذلك يمكن أن يؤخذ من نفس حديث السيدة عائشة ﵂ المروي في الصحيحين من طريق مسروق ﵀ حيث سألها قائلا لها: «يا أم المؤمنين هل رأى محمد ربه؟» الحديث.
ولا بأس بإتمامه ولكن لابد من ذكر موضع الشاهد منه فسؤال مسروق لأم المؤمنين هل رأى محمد ربه؟ يشعر الباحث بأنه كان هناك من يقول بأن محمدًا ﵌ رأى ربه, من هو؟ الله أعلم, يمكن أن يكون هو ابن عباس نفسه ولكن ابن عباس لم يستقر رأيه على شيء من أقواله الثلاثة التي ذكرتها آنفًا, نعود إلى حديث عائشة ﵂ فلما سألها وقال لها: هل رأى محمد ربه؟ قالت: لقد قف شعري مما قلت, قال: «يا أم المؤمنين ألم يقل رب العالمين ﴿ولقد رآه نزلة أخرى ... ﴾ الآية, قالت: أنا أعلم الناس بذلك سألت رسول الله ﵌ فقال: رأيت جبريل في صورته التي خلق فيها مرتين وله جناحان قد سد الأفق».
فإذاً: مرجع هذا الضمير في تفسير الرسول ﵇ نفسه لهذه الآية إنما يعود إلى جبريل وليس إلى رب العالمين ﵎, ثم تابعت بيانها ﵂ فقالت:
стр. 188
"ثلاث من حدثكموهن فقد أعظم على الله الفرية:
من حدثكم أن محمدًا ﵌ رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، ثم تلت قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ﴾ (الشورى: ٥١)."
فلا سبيل إلى رؤية الله ﵎ من أحد في هذه الحياة الدنيا, قالت: "ومن حدثكم أن محمدًا ﵌ كتم شيئًا أُمِرَ بتبليغه فقد أعظم على الله الفرية ثم تلت قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة:٦٧) ".
قالت: "ومن حدثكم أن محمدا ﵌ كان يعلم الغيب فقد افترى وكذب على الله ﵎ ثم تلت قوله : ﴿قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن في السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ (النمل:٦٥) ".
فحديث عائشة هذا إذن فيه إشارة أنه كان هناك من يقول بأن محمدًا ﵌ رأى ربه ولكنها نفت ذلك نفيًا باتًّا وتلت ما سبق من الآية.
وحينئذ فلا أرى في نهاية المطاف في هذا المجال لا أرى أن يقال إنه كان هناك خلاف بين السلف في مسألة عقائدية كمسألة رؤية الرسول ﵌ لربه, ثم نقول جدلاً: إن فرضنا أنه كان هناك حقيقة خلاف في مسألة ما بين السلف فذلك لا يعني أن هذا الخلاف يضر مادامت الأدلة قائمة بتأييد الوجهة الصحيحة أو القول الصحيح مما اختلفوا فيه, فالقول بأن السلف لم يختلفوا في شيء من الأمور الاعتقادية هذا يقوله بعضهم، وبحسب ما أحاط به علمه فإن استطاع أن يثبت ذلك فلا ضير لأن المرجع إلى الدليل وأنتم تعلمون أن النبي ﵌ حينما كان يدعو ربه ﵎ في دعاء الاستفتاح في قيام الليل كان يقول فيه: «اللهم
стр. 189
اهدني لما اختلف في من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (١) , وهذا كان تعليما منه ﵌ لأمته، فعلينا نحن إذا وجدنا اختلافًا حقيقيًّا فضلاً عن اختلاف موهوم أن نطلب من الله ﵎ أن يهدينا لمعرفة الحق واتباعه. هذا الجواب على ما جاء من السؤال آنفا.
"فتاوى جدة -الأثر-" (١٧/ ٠٠:٠٣:١٣)
[١٢] باب هل دراسة العقيدة محصورة
في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ؟
السائل: في الحقيقة في شبهة لكن تحتاج إلى ذكر؛ لأنها يعني يعاني منها أيضاً السلفيون، ليس عندهم شائبة عنف، أو من هذا النوع يعني، لكن هم يتصورون العقيدة تصوراً يعني مرتبطاً بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية كالتدمرية وغيرها، والردود على الجهمية والمعتزلة والأشاعرة؛ يتصورون أن دراسة العقيدة هي دراسة هذه الكتب فقط؟
الشيخ: لا مو ضروري ... هو على كل حال يعني نحن نريد من إخواننا إنه ما يتصوروا إنه كل فرد منهم يمكن أن يصير عالماً، فهو عليه إذا شعر بأنه يجد في نفسه استعداداً للمضي قدماً في طلب العلم، فنحن ننصحه حقيقة بأن يقرأ كتب العلماء الذين عُرِفُوا بسلامة منهجهم عن الانحراف يميناً ويساراً والتأثر بعلم الكلام، وإذا كانوا لا يشعرون بأنفسهم شيء من ذلك فعليهم أن يأخذوا العلم سواء كان عقيدةً أو كان عبادةً من أقرب طريق سواء من علم العلماء الأحياء إذا كان لهم وصول إليهم، أو من الكتب التي ألفت بطريقة موجزة لا تدخل معهم في
стр. 190
المجادلات الطويلة مع الفرق المخالفة؛ لأنه الخوض في هذه المسائل قد تضر بمن لا استعداد عنده؛ لأنه مناقشة المخالفين كثيراً ما تؤدي بالمناقِشِ نفسه أحياناً أن ينحرف بعض الشيء، ولو في مسألة واحدة عن الخط الذي ينبغي أن يسلكه مستقيماً.
"الهدى والنور" (٣٢٩/ ٠٨: ١٦: ٠٠)
[١٣] باب هل يجوز تدريس العقيدة للأطفال
على شكل قصص حكايات ؟
سؤال: تفهيم العقيدة للأطفال الصغار (هل) هناك مانع أن تكتب هذه العقيدة على صورة حوار بين أشخاص ليس لهم حقيقة على شكل قصة أو حكاية ... بأسلوب ممتع ومشوق؟
الشيخ: الجواب: إذا كان ممكناً تفهيم الأطفال أن هذه القصة هي من بنات خيال جاز وإلا فلا.
"الهدى والنور" (٢٥/ ٠٠:٤١:٤٩).
[١٤] باب بدعة تقسيم الدين إلى أصول وفروع
[قال الإمام]:
إن تقسيم [الدين] الإسلامي إلى فروع وأصول؛ هذا تقسيم مبتدع لا يرضاه الإسلام، ولذلك فيكون الرجوع عن هذا التقسيم من جملة ما يدخل في كلمة الإمام مالك .. ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
"الهدى والنور" (٤٨٦/ ٠٠:٢٦:٤٢)
стр. 191
[١٥] باب حكم التفريق بين الشريعة والعقيدة
السؤال: ما حكم من يفرق بين الشريعة والعقيدة، الشريعة كنظام والعقيدة كإيمان بالله خالقاً رازقاً؟
الشيخ: عفواً أريد أن أفهم ماذا يريد من التفريق هذا؟
مداخلة: يقول أن التشريع موكول لبني آدم بحيث ينظموه بحسب ظروفهم وبحسب معاشهم، ولكن العقيدة لا تتغير فنحن نؤمن بالله خالقاً رازقاً ولكن الشريعة يعني: من باب الفقه ومن باب التشريع.
الشيخ: يعني: الشريعة تتغير؟
مداخلة: نعم. يقصد هكذا.
الشيخ: طبعاً هذا لا يجوز هذا كفر؛ لأن الله حينما قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤)، قال: من لم يحكم، ما قال: من لم يعتقد.
وعلى كل حال مثل هذا التقسيم نقول: هذا اصطلاح عقيدة وشريعة كما لو قلنا معاملات وأخلاق، ما فيه مانع من هذا التقسيم لكن بشرط أن نجعل ذلك كله هو دين الإسلام، فما جاء في دين الإسلام وجب تبنيه سواء كان عقيدةً أو كان شريعةً وحكماً أو كان سلوكاً أو معاملة، كل هذا إسلام، فربنا يقول: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ في الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران:٨٥)، فإذا كان المقصود من هذا التفريق هو تحقيق الكلمة النصرانية الدين لله والوطن للجميع فيفيء أن هذا هو الضلال المبين.
" الهدى والنور" (٣٥٣/ ٣٥: ٣٦: ٠٠)
стр. 192
[١٦] باب هل يجوز للطالب
أن يجيب على سؤال في امتحان بخلاف عقيدته ؟
سؤال: في الامتحان إذا أعطوني سؤالاً يخالف عقيدة أهل السنة ففي هذه الحالة الواحد بإيش يجاوب؟
الشيخ: يجب أن يجيب عن عقيدته ما تعرف قصة بلال الحبشي أَحَدٌ أَحَد.
مداخلة: آه.
الشيخ: فإذاً هو أسوتك.
مداخلة: طب والعمل؟
الشيخ: العمل من الله مش من عباد الله ... والغاية لا تبرر الوسيلة .. وأبشرك بقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق:٢، ٣).
"الهدى والنور" (٥٦٤/ ٢٠: ٠٦: ٠٠).
стр. 193
جماع أبواب بيان مصادر
أهل السنة والجماعة في الاستدلال في العقيدة
стр. 194
[١٧] باب من هم أهل السنة ؟
[قال الإمام]:
وأهل السنة .. هم المتمسكون بالسنة وما كان عليه الصحابة.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (١/ ١٨٢).
[١٨] باب أهل السنة يستدلون ثم يعتقدون، أما أهل البدع فيعتقدون ثم يستدلون
السائل: بارك الله فيكم قول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله تعالى عليه- أهل البدعة يعتقدون ثم يستدلون, وأهل السنة يستدلون ثم يعتقدون؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: يعني هذا معناه: أن أهل السنة تبع للدليل؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: أما أهل البدعة فتبع لبدعتهم ثم يحاولون تقريرها بالاستدلال لها، وهذا معناه اتباع الهوى؛ ولذلك فأهل السنة هم بعيدون عن الهوى.
"الهدى والنور" (٦٥٠/ ٠٠: ٠٠: ٠٠)
[١٩] باب ما المقصود بالجماعة
في قولنا أهل السنة والجماعة ؟
[قال الإمام]:
هي "أي الجماعة": ما كان عليه رسول الله ﵌ وأصحابه، وهي الفرقة
стр. 195
الناجية، وهي طائفة أهل الحديث ومن اتبع سبيلهم من أتباع المذاهب وغيرهم.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص١٠٨).
[٢٠] باب مصادر الاستدلال عند أهل السنة: الكتاب, السنة, فهم سلف الأمة، وبيان أثر التنكب عن منهج فهم السلف في أبواب العقيدة (١)
المقدِّم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه، وبعد:
فإن الله تعالى، قد من علينا بنعمة الإيمان، ومنَّ على الأمة بعلماء هم الذين أكرمهم الله تعالى بما أعطاهم من علم لِيُنيروا للناس السبيل إلى الله وإلى عبادة الله ، وهم ورثة الأنبياء بلا ريب، ومجيئنا كان دافعه وسيبقى إن شاء الله، مرضاة الله أولاً، وطلب العلم الذي يوصل إلى ذلك إن شاء الله، وواللهِ إنها لساعة طيبة أن نلتقي بشيخنا وبعالمنا وبأستاذنا الكبير الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، باسم أهالي الحي أولاً - حي شُويكَة - نرحب أجمل ترحيب بشيخنا الفاضل، وباسم أهالي المَفْرَقْ - وعلى وجه الخصوص طلبة العلم فيها - يرحبون أيضاً جميعاً وهم على شوقٍ كانوا في أن يلتقوا اليوم مع أستاذنا الكريم، ولا ضير فكلنا شوق إلى سماع ما عنده من دُرَرِ العلم ومن الحكمة إن شاء الله، فلنستمع إليه فيما مَنَّ الله تعالى عليه من علمه، ثم بعد أن يكتفيْ، أو أن يكتفيَ شيخنا، فإن باب السؤال سيفتح، على أن يكون السؤال مكتوباً والوُرَيْقاتُ متوفرة
стр. 196
إن شاء الله، ساعة طيبة أكرر، وأهلاً بشيخنا الكريم.
الشيخ: أهلاً بكم، إن الحمد الله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أشكر الأخ الأستاذ / إبراهيم على كلمته، وعلى ثنائه، وليس لي ما أقوله لقاء ذلك إلا الإقتداء بالخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، الذي كان الخليفة الحق والأول لرسول الله ﵌، ومع ذلك فكان إذا سمع شخصاً يُثْني عليه خيراً - وأعتقد أن ذلك الثناء مهما كان صاحبه قد غلا فيه فما دام أنه خليفة رسول الله - فهو بحق، ومع ذلك - الله المستعان -، ومع ذلك كان يقول: اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيراً مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، هذا يقوله الصديق الأكبر، فماذا نقول نحن من بعده؟ فأقول - إقتداءً به -: اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيراً مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون.
الحَقَّ - والحَقَّ أقول - لَسْتُ بذاك الموصوف الذي سمعتموه آنفاً من أخينا الفاضل إبراهيم، وإنما أنا طالب علم، لا شيء آخر، وعلى كل طالبٍ أن يكون عند قول النبي ﵌: «بلغوا عني ولو آية، بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» (١) رواه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو.
стр. 197
على هذا - وتجاوباً مع هذا النص النبوي الكريم والنصوص الأخرى المتواردة والمتتابعة في كتاب الله وفي حديث رسول الله ﵌ نقوم بجهد من تبليغ الناس ما قد لا يعلمونه، ولكن هذا لا يعني أننا أصبحنا عند حُسْنَ ظن إخواننا بنا، ليس الأمر كذلك.
الحقيقة التي أشعر بها من قرارة نفسي أنني حينما أسمع مثل هذا الكلام أتذكر المثل القديم المعروف عند الأدباء، ألا وهو "إن البُغاث بأرضنا يَسْتَنْسِرُ"، "إن البُغاث بأرضنا يَسْتَنْسِرُ"، قد يخفى على بعض الناس المقصود من هذا الكلام أو من هذا المثل، البُغاث: هو طائر صغير لا قيمة له، فيصبح هذا الطير الصغير، نسراً عند الناس، لجهلهم بقوة النسر وضخامته، فصدق هذا المثل على كثيرٍ ممن يدْعُونَ بحق وبصواب، أو بخطأٍ وباطلٍ إلى الإسلام.
لكن الله يعلم أنه خَلَتِ الأرض - الأرض الإسلامية كلها - إلا من أفرادٍ قليلين جداً جداً ممن يصح أن يقال فيهم: فلان عالم، كما جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌: «إن الله لا ينتزع العلم انْتِزاعا من صدور العلماء ولكنه يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبقي عالماً - هذا هو الشاهد - حتى إذا لم يبقِ عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهَّالاً فَسُئِلوا فأفتوا بغير علمٍ فضلوا وأضلوا» (١).
إذا أراد الله أن يقبض العلم، لا ينتزعه انتزاعاً من صدور العلماء، بحيث أنه يصبح العالم كما لو كان لم يتعلم بالمرة، لا، ليست هذه من سنة الله ، في
стр. 198
عباده، وبخاصة عباده الصالحين - أن يَذْهَبَ من صدورهم بالعلم الذي اكتسبوه، إرضاءً لوجه الله كما سمعتم آنفاً - كلمة ولو وجيزة من الأخ إبراهيم بارك الله فيه أن هذا الاجتماع إنما كان لطلب العلم، فالله حكمٌ عدلٌ لا ينتزع العلم من صدور العلماء حقاً، ولكنه جرت سنة الله في خلقه، أن يقبض العلم بقبض العلماء إليه، كما فعل بسيد العلماء والأنبياء والرسل محمد ﵌، حتى إذا لم يُبْقِِ عالماً، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فَسُئِلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا، ليس معنى هذا: أن الله يُخْلي الأرض، من عالمٍ تقوم به حجة الله على عباده، ولكن معنى هذا: أنه كلما تأخر الزمن كلما قَلَّ العلم، وكلما تأخر ازداد قلةً ونقصاناً حتى لا يَبْقى على وجه الأرض من يقول: الله، الله.
هذا الحديث تسمعونه مراراً - وهو حديث صحيح -: «لا تقوم الساعة وعلى وجه الأرض من يقول الله، الله» (١)، «من يقول: الله الله»، وكثيراً من أمثال هؤلاء المشار إليهم في آخر الحديث المذكور، قَبْض الله العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقي عالماً اتخذ الناس رؤوسا جُهّالاً، من هؤلاء الرّؤوس، من يفسر القرآن والسنة بِتَفاسير مُخالفة لما كان عليه العلماء - لا أقول: سلفاً فقط بل وخلفاً أيضاً-.
فإنهم يحتجون بهذا الحديث: (الله، الله) على جواز بل على استحباب ذكر الله باللفظ المفرد (الله، الله) ... إلى آخره، لكي لا يغتر مُغْتَر ما أو يجهل جاهلٌ ما حينما يسمع هذا الحديث بمثل ذلك التأويل بدا لي ولو عرضاً أن أُذَكِّرَ إخواننا الحاضرين بأن هذا التفسير باطلٌ:-
стр. 199
أولاً: من حيث أنه جاء بيانه في رواية أخرى عن رسول الله ﵌.
وثانياً: لأن هذا التفسير لو كان صحيحاً لجرى عليه عمل سلفنا الصالح ﵃، فإذْ لم يفعلوا دل إعراضهم عن الفعل بهذا التفسير على بطلان هذا التفسير.
فكيف بكم إذا انضم إلى هذا الرواية الأخرى - وهذا بيت القصيد كما يقال - أن الإمام أحمد ﵀ روى هذا الحديث في مسنده (١) بالسند الصحيح بلفظ: «لا تقوم الساعة وعلى وجه الأرض من يقول: لا إله إلا الله» إذن هذا هو المقصود بلفظة الجلالة المكرر، المكررة في الرواية الأولى، الشاهد: أن الأرض اليوم مع الأسف الشديد خَلَتْ من العلماء الذين كانوا يملؤون الأرض الرحبة الواسعة بعلمهم وينشرونه بين صفوف أمتهم فأصبحوا اليوم كما قيل:
وقد كانوا إذا عدوا قليلاً ... فصاروا اليوم أقل من القليلِ
فنحن نرجو من الله أن يجعلنا من طلاب العلم الذين يَنْحَوْنَ منحى العلماء حقاً ويسلكون سبيلهم صِدْقاً، هذا ما نرجوه من الله أن يجعلنا من هؤلاء الطلاب السالكين ذلك المسلك الذي قال عنه الرسول ﵌: «من سلك طريقاً يلتمس به علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة» رواه مسلم (٢).
وهذا يفتح لي باب الكلام على هذا العلم، الذي يُذْكَرُ في القرآن كثيراً وكثيراً جداً، كَمِثْلِ قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر:٩) وقوله : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
стр. 200
دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة:١١) ما هو هذا العلم الذي أثنى الله على أهله والمتلبسين به وعلى من سلك سبيلهم؟
الجواب - كما قال الإمام ابن قيم الجوزية ﵀ تلميذ شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀:
العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس بالتَّمْويه
ما العلم نَصْبَكَ للخلاف سفاهة ... بين الرسول وبين رأي فقيه
كلاّ ولا جَحْد الصفات ونفيها ... حذراً من التمثيل والتشبيه
فالعلم إذن نأخذ من هذه الكلمة ومن هذا الشعر الذي نادراً ما نسمعه في كلام الشعراء لأن شعر العلماء هو غير شعر الشعراء، فهذا رجل عالم، ويُحْسِنُ الشعر أيضاً، فهو يقول: العلم: "قال الله"، في المرتبة الأولى، "قال رسول الله" في المرتبة الثانية، "قال الصحابة" في المرتبة الثالثة، هنا سأجعل كلمتي في هذه الأمسية الطيبة المباركة إن شاء الله، كلمة ابن القيم هذه تُذَكِّرُنا بحقيقة هامة جداً جداً طالما غفل عنها جمهور الدعاة المنتشرين اليوم في الإسلام باسم الدعوة إلى الإسلام، هذه الحقيقة ما هي؟
المعروف لدى هؤلاء الدعاة جميعاً: أن الإسلام إنما هو كتاب الله وسنة رسول الله ﵌، وهذا حق لا ريب فيه ولكنه ناقص هذا النقص هو الذي أشار إليه ابن القيم في شِعْرِهِ السابق فَذَكَرَ بعد الكتاب والسنة، الصحابة، العلم: قال الله قال رسوله قال الصحابة ... إلى آخره.
الآن نادراً ما نسمع أحداً يَذْكُرُ مع الكتاب والسنة، الصحابة، وهم كما نعلم جميعاً رأس السلف الصالح الذين تواتر الحديث عن النبي ﵌ بقوله: «خير
стр. 201
الناس قرني» ولا تقولوا كما يقول الجماهير من الدعاة: خير القرون، خير القرون ليس له أصل في السنة، السنة الصحيحة في الصحيحين وغيرهما من مراجع الحديث والسنة مُطْبِقَة على رواية الحديث بلفظ: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» (١).
هؤلاء الصحابة الذين هم على رأس القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية، ضَمَّهم الإمام ابن قيم الجوزية إلى الكتاب والسنة، فهل كان هذا الضم منه رأياً واجتهاداً واستنباطاً يمكن أن يتعرض للخطأ؟ لأن لكل جواد كَبْوَة، إنْ لم نقل:
بل كبوات.
الجواب: لا، هذا ليس من الاستنباط ولا هو من الاجتهاد الذي يقبل احتمال أن يكون خطأً، وإنما هو اعتماد على كتاب الله وعلى حديث رسول الله ﵌، أما الكتاب: فقول ربنا في القرآن الكريم: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النساء:١١٥)، ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لم يقتصر ربنا في الآية - ولو فعل لكان حقاً - لم يقل: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى وإنما قال - لحكمة بالغة وهي التي نحن الآن في صدد بيانها وشرحها قال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:١١٥) هذه الآية أرجو أن تكون ثابتةً في ألبابكم وفي قلوبكم ولا تذهب عنكم، لأنها الحق مثلما أنكم تنطقون وبذلك تنجون عن أن تنحرفوا يميناً أو يساراً وعن أن تكونوا ولو في جزئية واحدة أو في مسألة واحدة من فرقة من الفرق الغير الناجية، إن لم نقل: من الفرق الضالة، لأن النبي ﵌ قال
стр. 202
في الحديث المعروف وأقتصر منه الآن على الشاهد منه: «وسَتَفْتَرِقُ أمتي على ثلاثٍ وسبعين فِرْقَة كلها في النار إلا واحدة» قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «هي الجماعة» (١) الجماعة: هي سبيل المؤمنين، فالحديث إنْ لم يكن وحياً مباشراً من الله على قلب نبيه ﵌، وإلا فهو اقتباس من الآية السابقة: ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ إذا كان من يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين قد أُوْعِدَ بالنار، فالعكس بالعكس: من اتبع سبيل المؤمنين فهو مَوْعود بالجنة ولا شك ولا ريب، إذن رسول الله لما أجاب عن سؤال: ما هي الفرقة الناجية؟ من هي؟ قال: «الجماعة»، إذن، الجماعة: هي طائفة المسلمين، ثم جاءت الرواية الأخرى تُؤَكِّدُ هذا المعنى بل وتزيده إيضاحاً وبياناً، حيث قال ﵇: «هي ما أنا عليه وأصحابي»، «أصحابي» إذن هي سبيل المؤمنين، فحينما قال ابن القيم ﵀ في كلامه السابق ذِكْره "والصحابة" وأصحابه ﵇، فإنما اقتبس ذلك من الآية السابقة ومن هذا الحديث، كذلك الحديث المعروف حديث العرباض ابن سارية رضي الله تعالى عنه أيضاً أَقْتَصِر منه الآن - حتى نُفْسِحَ المجال لبعض الأسئلة- على مَوْضِع الشاهد منه، حيث قال ﵇: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» (٢).
إذن، هنا كالحديث الذي قبله وكالآية السابقة، لم يَقُلِ الرسول ﵇: فعليكم بسنتي فقط، وإنما أضاف أيضاً إلى سُنَّتِهِ: سنة الخلفاء الراشدين، من هنا، نحن نقول وبخاصة في هذا الزمان، زمان تضاربت فيه الآراء والأفكار والمذاهب وتكاثرت الأحزاب والجماعات حتى أصبح كثير من الشباب المسلم يعيش
стр. 203
حيران، لا يدري إلى أي جماعة ينتسب؟ فَهُنا يأتي الجواب في الآية وفي الحديثين المذكورين، اتبعوا سبيل المؤمنين، سبيل المؤمنين في العصر الحاضر؟ الجواب: لا، وإنما في العصر الغابر، العصر الأول، عصر الصحابة، السلف الصالح، هؤلاء ينبغي أن يكونوا قدوتنا وأن يكونوا متبوعنا، وليس سواهم على وجه الأرض مطلقاً.
إذن دعوتنا - هنا الشاهد وهنا بيت القصيد- تقوم على ثلاثة أركان على الكتاب والسنة وإتباع السلف الصالح، فمن زعم بأنه يتبع الكتاب والسنة ولا يتبع السلف الصالح، ويقول بلسان حاله وقد يقول بلسان قاله وكلامه: هم رجال ونحن رجال، فإنه يكون في زَيْغٍ وفي ضلال، لماذا؟ لأنه ما أخذ بهذه النصوص التي أسمعناكم إياها آنفاً، لقد اتبع سبيل المؤمنين؟ لا، لقد اتبع أصحاب الرسول الكريم؟ لا، ما اتبع؟ اتبع إن لم أقل هواه، فقد اتبع عقله، والعقل معصوم؟ الجواب: لا، إذن فقد ضل ضلالاً مبيناً، أنا أعتقد أن سبب الخلاف الكثير المتوارث في فرق معروفة قديماً والخلاف الناشئ اليوم حديثاً هو: عدم الرجوع إلى هذا المصدر الثالث: وهو السلف الصالح فكلٌّ يدَّعي الانتماء إلى الكتاب والسنة، وطالما سمعنا مثل هذا الكلام من الشباب الحيران، حيث يقول: يا أخي هؤلاء يقولون: الكتاب والسنة، وهؤلاء يقولون: الكتاب والسنة فما هو الحَكَمُ الفصل؟ الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح، فمن اعتمد على الكتاب والسنة دون أن يعتمد على السلف الصالح ما اعتمد على الكتاب والسنة، وإنما اعتمد على عقله، إنْ لم أقل: على هواه.
من عادتي أن أضرب بعض الأمثلة، لتوضيح هذه المسألة بل هذا الأصل الهام، وهو على "منهج السلف الصالح"، هناك كلمة تُرْوى عن الفاروق عمر ابن
стр. 204
الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: إذا جادلكم أهل الأهواء والبدع بالقرآن فجادلوهم بالسنة، فإن القرآن حَمّالُ وجوه، من أجل، لماذا قال عمر هذه الكلمة؟ أقول: من أجل ذلك قال الله مخاطباً نبيه ﵇ في القرآن بقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل:٤٤) تُرى هل يستطيع مسلم عربي - هو كما يقال سيبويه زمانه في المعرفة باللغة العربية وأدبها وأسلوبها - هل يستطيع أن يفهم القرآن من غير طريق رسولنا ﵌؟ الجواب: لا، وإلا كان قوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل:٤٤) عبثاً، وحاشى كلام الله أن يكون فيه أي عبث، إذن، من أراد أن يفهم القرآن من غير طريق الرسول ﵇ فقد ضل ضلالاً بعيداً، ثم هل بإمكان ذلك الرجل أن يفهم القرآن والسنة من غير طريق الرسول ﵊ (أظن هنا سبق لسان من الشيخ ﵀ وأظنه يقصد الصحابة رضوان الله عليهم)؟ الجواب - أيضاً -: لا، ذلك لأنهم هم الذين:-
أولاً: نقلوا إلينا لفظ القرآن الذي أنزله الله على قلب محمد ﵊.
وثانياً: نقلوا لنا بيانه ﵇ الذي ذُكِرَ في الآية السابقة وتطبيقه ﵊ لهذا القرآن الكريم، هنا لابد لي من وقفة أرجو أن تكون قصيرة، بيانه ﵇ يكون على ثلاثة أنواع:
١ - لفظاً.
٢ - وفعلاً.
٣ - وتقريراً.
стр. 205
لفظا ً: من الذي ينقله؟ أصحابه، فعله: من الذي ينقله؟ أصحابه، تقريره: من الذي ينقله؟ أصحابه، من أجل ذلك لا يمكننا أن نَسْتَقِلَّ في فهم الكتاب والسنة على مداركنا اللغوية فقط، بل لابد أن نستعين على ذلك، لا يعني هذا أن اللغة نستطيع أن نستغني عنها، لا، ولذلك نحن نعتقد جازمين أن الأعاجم الذين لم يُتْقِنوا اللغة العربية وقعوا في أخطاء كثيرة وكثيرة جداً، وبخاصة إذا وقعوا في هذا الخطأ الأصولي: وهو عدم رجوعهم إلى السلف الصالح في فهم الكتاب والسنة، لا أعني من كلامي السابق عدم الاعتماد على اللغة، كيف؟ وإذا أردنا أن نفهم كلام الصحابة فلا بد أن نفهم اللغة العربية كما أنه لابد لفهم القرآن والسنة من معرفة اللغة العربية، لكننا نقول: إن بيان الرسول ﵌ المذكور في الآية السابقة، هو على ثلاثة أقسام:
١ - قول.
٢ - وفعل.
٣ - وتقرير.
لنضرب مثلاً أو أكثر - إذا اضطررنا إليه لنستوعب أن هذا التقسيم هو الأمر الواقع ماله من دافع -: قوله ﵎: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ (المائدة:٣٨) السارق - انظروا الآن كيف لا يمكننا أن نعتمد في تفسير القرآن على اللغة فقط - السارق لغةً: هو كل من سرق مالاً من مكانٍ حَريز، مهما كان هذا المال ليس ذا قيمة، سرق بيضة - مثلاً - سرق فلساً، قرشاً، هذا لغةً: سارق، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ (المائدة:٣٨)، هل كل من سرق تُقْطَعْ يده؟ الجواب: لا، لِمَ؟ لأن المُبَيِّن الذي تولى تَبْيينَ المُبَيَّن - المُبَيِّن رسول الله، والمُبَيَّن كلام الله - قد بين لنا رسول الله من الذي تقطع يده من
стр. 206
السارقين فقال: «لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً» (١) أخرجه البخاري ومسلم من طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة ﵂، فمن سرق أقل من رُبْع دينار - وإن كان يُسَمّى لغةً: سارق - ولكنه لا يُسَمّى شرعاً سارقاً، إذن من هنا نتوصل إلى حقيقة علمية كثير من طلاب العلم هم غافلون عنها، هناك لغةٌ عربية متوارثة ولغة شرعية، الله اصطلح عليها لم يكن للعرب الذين يتكلمون بلغة القرآن التي نزل بها القرآن ما كانوا يعرفون من قبل مثل هذا الاصطلاح، فإذا أطلق السارق لغةً: شَمِلَ كل سارق، أما إذا ذُكِرَ السارق شرعاً، فلا يشمل كل سارق، وإنما من سرق ربع دينار فصاعداً، إذن: هذا مثالٌ واقعي أننا لا نستطيع أن نستقل في فهم الكتاب والسنة على معرفتنا باللغة العربية، وهذا ما يقع فيه كثير من الكُتّاب المعاصرين اليوم، يُسَلِّطون معرفتهم باللغة العربية على آيات ٍكريمة والأحاديث النبوية فيفسرونها، فيأتوننا بتفسير بِدْعِيٍّ لا يعرفه المسلمون من قبل، لذلك نقول يجب أن نفهم أن دعوة الإسلام الحق هي قائمة على ثلاثة أصول وعلى ثلاثة قواعد:
١ - الكتاب.
٢ - والسنة.
٣ - وما كان عليه سلفنا الصالح.
﴿والسارق والسارقة﴾ إذن لا تُفَسَّر هذه الآية على مُقْتَضى اللغة، وإنما على مُقْتَضى اللغة الشرعية التي قالت: «لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً» ثم قال في تمام الآية: ﴿فاقطعوا أيديهما﴾ ما هي اليد في اللغة؟ هذه كلها يد من أنامل إلى ..
стр. 207
فهل تقطع من هنا أم من هنا أم من هنا بين ذلك الرسول بفعله، ليس عندنا هناك حديث صحيح - كما جاء في تحديد السرقة التي يستحق السارق أن تُقْطَع يده من أجلها ليس عندنا حديث - يحدد لنا مكان القطع من بيانه القولي، وإنما عندنا بيان فعلي تطبيقي عملي، من أين نعرف هذا التطبيق؟ من سلفنا الصالح أصحاب النبي ﵌، هذا هو القسم الثاني وهو البيان الفعلي.
القسم الثالث: إقرار الرسول ﵇ للشيء: لا يُنْكِرُهُ ولا ينهى عنه، هذا الإقرار ليس قولاً منه، ولا فعلاً صدر منه، إنما هذا الفعل صدر من غيره، كل ما صدر منه أنه رأى وأقر، فإذا رأى أمراً وسكت عنه وأقره صار أمراً مقرراً جائزاً، وإذا رأى أمراً فأنكره ولو كان ذلك الأمر واقعاً من بعض الصحابة ولكن ثبت أنه نهى عنه حينئذٍ هذا الذي نهى عنه يختلف كل الاختلاف عن ذلك الذي أقره، وهاكم المثال للأمرين الاثنين - وهذا من غرائب الأحاديث -: يقول عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما: كنا نشرب ونحن قيام، ونأكل ونحن نمشي، في عهد الرسول ﵊. تحدث عبد الله في هذا الحديث عن أمرين اثنين:
١ - عن الشرب من قيام.
٢ - وعن الأكل ماشياً.
وأن هذا كان أمراً واقعاً في عهد الرسول ﵇، فما هو الحكم الشرعي بالنسبة لهذين الأمرين: الشرب قائماً والأكل ماشياً؟ إذا طبقنا كلامنا السابق نستطيع أن نأخذ الحكم طبعاً بضميمة لا بُدَّ منها وهي: من كان على علمٍ بما كان عليه رسول الله ﵌ قولاً وفعلاً وتقريراً، فإذا رجعنا إلى السنة الصحيحة فيما يتعلق بالأمر الأول الذي ابْتُلِيَ كثير من المسلمين إنْ لم أقل ابْتُلِيَ به أكثر المسلمين
стр. 208
بمخالفة قول الرسول الكريم، ألا وهو: الشرب قائماً - كانوا يشربون قياماً كانوا يلبسون الذهب كانوا يلبسون الحرير هذه حقائق لا يمكن إنكارها - لكن هل أقر الرسول ذلك؟ الجواب: أنكر شيئاً وأقر شيئاً، فما أنكره صار في حدود المُنْكَر، وما أقره صار في حدود المعروف، فأنكر الشرب قائماً في أحاديث كثيرة - ولا أريد الإفاضة فيها حتى ما نخرج -:
أولاً: عما خططنا لأنفسنا من أن نختصر الكلام في هذا الموضوع إفساحاً لمجال الأسئلة.
وثانياً: إن هذه المسألة لِوَحْدِها تحتاج إلى جلسة خاصة.
لكن حسبي أن أروي لكم حديثاً صحيحاً أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (١) من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: «نهى رسول الله ﵌ عن الشرب قائماً» وفي لفظٍ: «زَجَرَ رسول الله ﵌ عن الشرب قائماً» إذن هذا الذي كان يفعل بشهادة حديث ابن عمر في عهد الرسول ﵇ قد نهى هو عنه، فصار ما كانوا يفعلونه أمراً ملغياًّ، بِنَهْيِ الرسول عنه، لكن الشطر الثاني من الحديث وهو: أنهم كانوا يأكلون وهم يمشون، ما جاءنا نَهْيٌ عن رسول الله ﵌ فاستفدنا من هذا الإقرار حكماً شرعياً، إلى هنا أكتفي الآن لبيان ضرورة الاعتماد على فهم الكتاب والسنة على ما كان عليه السلف الصالح وليس أن يستقل الإنسان بفهم الكتاب والسنة كيف ما بدا لعلمه إن لم نقل: لجهله.
لكن لابد بعد أن تَبَيَّنَ أهمية هذا القيد "على منهج السلف الصالح" أن أُقَرِّبَ لكم بعض الأمثلة:
стр. 209
قديماً تفرق المسلمون إلى فرق كثيرة: تسمعون بالمعتزلة، تسمعون بالمرجئة، تسمعون بالخوارج، تسمعون بالزيدية فضلاً عن الشيعة الرافضة وهكذا، ما في هؤلاء طائفة مهما كانت عريقةً في الضلال لا يشتركون مع سائر المسلمين، في قولهم: نحن على الكتاب والسنة، ما أحد منهم يقول: نحن لا نتبنى الكتاب والسنة، وإلا لو قال أحد منهم هذا خرج من الإسلام بالكلية، إذن، لماذا هذا التفرق ما دام أنهم جميعاً يعتمدون على الكتاب والسنة؟ وأنا أشهد أنهم يعتمدون على الكتاب والسنة، ولكن كيف كان هذا الاعتماد؟ دون الاعتماد على الأصل الثالث: "على ما كان عليه السلف الصالح" مع ضميمةٍ أخرى لابد أيضاً من التنبيه عليها وهي: أن السنة تختلف كل الاختلاف عن القرآن الكريم، من حيث: أن القرآن الكريم محفوظ بين دفتي المصحف كما هو معلوم لدى الجميع، أما السنة فهي:
أولاً: موزعة في مئات الكتب - إن لم أقل: ألوف الكتب - منها قسم كبير جداً لا يزال في عالم الغيب في عالم المخطوطات، ثم حتى هذه الكتب المطبوعة منها اليوم فيها الصحيح وفيها الضعيف، فالذين يعتمدون على السنة سواء كانوا من الذين ينتمون إلى أهل السنة والجماعة وعلى منهج السلف الصالح، أو كانوا من الفرق الأخرى، كثير من هؤلاء من لا يميزون السنة الصحيحة من الضعيفة، فيقعون في مخالفة الكتاب والسنة، بسبب اعتمادهم على أحاديث ضعيفة أو موضوعة، الشاهد: هناك بعض الفرق التي أشرنا إليها تُنْكِرُ بعض الحقائق القرآنية والأحاديث النبوية قديماً وأيضاً حديثاً، القرآن الكريم يثبت ويبشر المؤمنين بنعمة عظيمة جداً يحظَوْن بها يوم يلقون الله في جنة النعيم، حيث يتجلى رب العالمين عليهم فيرونه، كما قال ذلك العالم السلفي:
стр. 210
يراه المؤمنون بغير كيف ... وتشبيهٍ وضربٍ من مثالِ
هذا عليه نصوص من القرآن وعشرات النصوص من أحاديث الرسول ﵇، كيف أَنْكَرَ هذه النعمة بعض الفرق القديمة والحديثة؟ أما القديمة: المعتزلة اليوم لا يوجد فيما علمت على وجه الأرض من يقول: نحن معتزلة، نحن على مذهب المعتزلة، لكنني رأيت رجلاً أحمق، يعلن أنه معتزلي وينكر حقائق شرعية جداً، لأنه ركب رأسه، فأولئك المعتزلة أنكروا هذه النعمة، وقالوا: بعقولهم الضعيفة، قالوا: مستحيل أن يُرَى الله ، فماذا فعلوا؟ هل أنكروا القرآن؟ الله يقول في القرآن الكريم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة﴾ (القيامة:٢٢، ٢٣) هل أنكروا هذه الآية؟ لا، لو أنكروها لكفروا وارتدوا، لكن إلى اليوم أهل السنة حقاً يحكمون على المعتزلة بالضلال، لكن لا يُخْرِجونهم من دائرة الإسلام، لأنهم ما أنكروا هذه الآية، وإنما أنكروا معناها الحق الذي جاء بيانه في السنة كما سنذكر، فالله حين قال في حق المؤمنين أهل الجنة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة﴾ (القيامة:٢٢، ٢٣) تأولوها، دوبَلوا عليها آمنوا بها لفظاً، وكفروا بها معنىً، والألفاظ - كما يقول العلماء: - هي قوالب المعاني، فإذا آمنا باللفظ وكفرنا بالمعنى فهذا الإيمان لا يُسْمِنُ ولا يغني من جوع، لكن لماذا هؤلاء أنكروا هذه الرؤيا؟ ضاقت عقولهم أن يتصوروا وأن يتخيلوا أن هذا العبد المخلوق العاجز، بإمكانه أن يرى الله جهرةً، كما طلب اليهود من موسى، فأعجزهم الله بالقصة المعروفة: ﴿انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ (الأعراف:١٤٣) ضاقت عقولهم، فاضطروا أن يتلاعبوا بالنص القرآني وأن يؤولوه، لماذا؟ لأن إيمانهم بالغيب ضعيف وإيمانهم بعقولهم أقوى من إيمانهم بالغيب الذي أُمِروا به في مطلع سورة البقرة: ﴿ألم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِين، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة:١ - ٣) فالله غيب الغيوب، فمهما
стр. 211
ربنا تحدث عن نفسه، فعلينا أن نصدق وأن نؤمن به، لأن مدارِكِنا قاصرة جداً، ما اعترف المعتزلة بهذه الحقيقة، ولذلك جحدوا كثيراً من الحقائق الشرعية، منها: قوله ﵎: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة﴾ (القيامة:٢٢، ٢٣) كذلك الآية الأخرى وهي قد تكون أخفى بالنسبة لأولئك الناس من الآية الأولى، وهي قوله : ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (يونس:٢٦)، ﴿للذين أحسنوا الحسنى﴾ أي: الجنة، ﴿وزيادة﴾ أي: رؤية الله في الآخرة، هكذا جاء الحديث في صحيح مسلم بسنده الصحيح عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول ﵌: ﴿للذين أحسنوا الحسنى﴾ قال ﵇: «الجنة»، ﴿وزيادة﴾: «رؤية الله».
أنكر المعتزلة وكذلك الشيعة - وهم معتزلة في العقيدة -، الشيعة معتزلة في العقيدة أنكروا رؤية الله، المصرح في الآية الأولى والمبين من رسول الله في الآية الأخرى، مع تواتر الأحاديث عن النبي ﵌ فأوقعهم تأويلهم للقرآن في إنكار الأحاديث الصحيحة عن الرسول ﵇، فخرجوا عن أن يكونوا من الفرقة الناجية: «ما أنا عليه وأصحابي» الرسول كان على الإيمان بأن المؤمنين يرون ربهم، لأنه جاء في الصحيحين من أحاديث جماعة من أصحاب الرسول ﵇، منهم: أبو سعيد الخدري، منهم: أنس بن مالك، خارج الصحيح أبو بكر الصديق وهكذا، قال ﵊: «إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته» (١)، روايتين:
١ - «لا تضامُون» بالتخفيف.
٢ - و «لا تضامُّون» بالتشديد.
والمقصود: لا تَشُكّون في رؤيته كما لا تشكون في رؤية القمر ليلة البدر ليس
стр. 212
دونه سحاب، أنكروا هذه الأحاديث بعقولهم، إذن هم ما سَلَّموا وما آمنوا، فكانوا ضعيفي الإيمان هذا مثال مما وقع فيه بعض الفرق قديماً.
وعلى هذا حديثاً اليوم: الخوارج، ومنهم: الإباضية، الذين الآن نشطوا في الدعوة إلى ضلالهم، ولهم مقالات الآن ورسائل ينشرونها، ويُحْيون الخروج الذي عُرِفَ به الخوارج من قديم في كثير من انحرافاتهم، منها: إنكارهم رُؤْيَة الله في الجنة.
الآن نأتيكم بمثال حديث: القاديانيون، ربما سمعتم بهم، هؤلاء يقولون كما نقول: نحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، يصلون الصلوات الخمس، يقيمون الجمعة، يحجون إلى بيت الله الحرام، ويعتمرون، لا فرق بيننا وبينهم هم كمسلمين، لكنهم يخالفوننا في كثير من العقائد منها - وهنا الشاهد - قولهم: بأن النبوة لم تُغْلَق بابها، يقولون بأنه سيأتي أنبياء بعد محمد ﵇، ويزعمون بأنه جاء أحد منهم في قاديان في بلدة في الهند، فمن لم يؤمن بهذا النبي عندهم فهو كافر، كيف قالوا هذا مع الآية الصريحة: ﴿وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠)؟ كيف قالوا هذا مع الأحاديث المتواترة بأنه: «لا نبي بعدي» (١)؟ فأوَّلوا القرآن والسنة، وما فسروا القرآن والسنة كما فسرها السلف الصالح وتتابع أيضاً المسلمون على ذلك، دون خلاف بينهم، حتى جاء هذا الزائغ الضال المسمى بميرزا غلام أحمد القادياني، فزعم بأنه نبي، وله قصة طويلة لسنا الآن في صددها، فاغتر به كثير ممن لا علم عندهم بهذه الحقائق التي هي: صيانة للمسلم من أن ينحرف يميناً ويساراً كما انحرف القاديانيون هؤلاء مع
стр. 213
دجالهم هذا الذي ادعى النبوة، ماذا فعل بالآية: ﴿وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠)؟ قالوا: «خاتم النبيين»: مِشْ معناها: لا نبي بعده، معناها: زينة النبيين، كما أن الخاتم هو: زينة الإصبع، كذلك محمد زينة الأنبياء، إذن هم ما كفروا بالآية، ما قالوا: هذه ما أنزلها الله على قلب محمد، لكن كفروا بمعناها الحقيقي، إذن، ماذا يفيد الإيمان بالألفاظ دون الأيمان بحقائق المعاني، إذا كانت هذه حقيقة لا شك فيها، ما هو الطريق للوصول إلى معرفة حقائق المعاني للكتاب والسنة؟ قد عرفتم الطريق، ليس هو أن نعتمد نحن على عِلْمِنا باللغة وآدابها ونفسر القرآن والسنة بأهوائنا أو عاداتنا أو تقاليدنا أو مذاهبنا أو طرقنا، وإنما كما قيل - وأنهي الكلام بهذا القول -:
وكل خير في اتباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خلف
لعل في هذا ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ..
"الهدى والنور" (٦٤٠/ ٠٠:٠٠:٤٠)
[٢١] باب كلمة حول مصادر الاستدلال عند أهل السنة، مع التعرض لبيان موقع العقل من هذه المصادر، وبيان خطأ تقسيم الأحاديث إلى ظنية ويقينية وما يترتب على ذلك
الشيخ: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٢)، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا
стр. 214
زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: ١)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٧٠ - ٧١).
أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد ﵌ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أمامي سؤالان يلتقيان في نقطة واحدة، وهي: السؤال عن حزب التحرير.
السؤال الأول يقول: قرأت كثيرا عن حزب التحرير، وقد أعجبني كثير من أفكارهم، فأريد منك أن تشرح أو أن تفيدنا بنبذة عن حزب التحرير؟
السؤال الثاني: يدندن حول الموضوع، ولكن يريد شرحا فيقول: نريد منك شرحا موسعا عن حزب التحرير، وأهدافه، وأفكاره، وأخطائهم، وهل تغلغلت في العقيدة؟
جواباً عن هذين السؤالين: أنا أقول: إن أي حزب وليس فقط أعني حزب التحرير، من دون الأحزاب الإسلامية، أو التكتلات الإسلامية، أو التجمعات الإسلامية، أي جماعة من هذه الجماعات لم تقم جماعتها ولم تقم أحزابها على كتاب الله وعلى سنة رسول الله ﵌ زيادة على المصدرين المذكورين، أقول: وعلى منهج السلف الصالح، أي حزب لا يقوم على الكتاب السنة ومنهج السلف الصالح فهو بلا شك ستكون عاقبة أمره خسراً، وأنه مهما كان مخلصاً في دعوته، وبحثي أو جوابي هذا إنما هو عن هذه الجماعات الإسلامية التي يفترض أن تكون
стр. 215
مخلصة لدين الله وناصحة للأمة كما جاء في الحديث الصحيح ألا وهو قوله: ﵌: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة،. قالوا: لمن يا رسول الله؟. قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (١). فإذا لم تكن دعوة أي حزب من هذه الأحزاب قائمة على الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح فسوف لا يجنون من دعوتهم إلا خساراً، ذلك لأن الأمر كما قال رينا في القرآن الكريم: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت: ٦٩).
فمن كان جهاده لله، وعلى كتاب الله وعلى سنة رسول الله، وعلى منهج السلف الصالح فهؤلاء هم الذين ينطبق عليهم قول الله : ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ (محمد: ٧). أكرر على مسامعكم هذا الأصل العظيم الذي لا بد لكل جماعة مسلمة أن تقوم دعوتها عليه: الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح.
إذا كان الأمر كذلك فأنا أقول بناء على معرفتي بكل الجماعات والأحزاب القائمة اليوم على الأرض الإسلامية: أنهم جميعاً إلا جماعة واحدة، ولا أقول: إلا حزبا واحدا؛ لأن هذه الجماعة لا تتحزب، ولا تتكتل ولا تتعصب إلا للأصل المذكور أنفا، ألا وهو: كتاب الله وسنة رسول الله، ومنهج السلف الصالح.
فأنا أعرف جيدا أنه سوى هذه الجماعة لا تدعو إلى هذا الأصل الذي وضحته آنفاً, وكررته مرارا وتكرارا على مسامعكم، وإنما يعودون إلى الكتاب والسنة فقط، ولا يقرنون إلى الكتاب والسنة قولنا السابق ذكره: وعلى منهج السلف الصالح.
وحينئذ سيتبين لكم أهمية هذا القيد الثالث؛ وعلى منهج السلف الصالح،