← Акыда

Акыда · id 36190

جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة = موسوعة العقيدة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (4 534 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

أريد من هذا أن أقول: سواء استعمل الصدمات الكهربائية، الأطباء الماديون أو هؤلاء المحدثون اليوم الذين سيسألون عنهم، فهذه الوسيلة لا يجوز لنا أن نبادر إلى إنكارها إلا في حالة ظهور آثارها السيئة في الذين تستعمل فيهم هذه الوسيلة الحديثة، لذلك فما ينبغي لنا أن نخلط بين ما هو من الوسائل المادية التي لا تدخل في البدعة الدينية، وبمعنى آخر: يجب أن نفرق بين المصالح المرسلة وبين البدع الدينية، فالمصالح المرسلة هي الوسائل الحديثة التي تحدث ويتبين للمسلمين أنهم بحاجة إليها فلا مانع من استعمالها ما دام أنها لا تصادم نصًا شرعيًا، أما كونه أمرٌ حدث فهذا ليس إشكالاً الآن نحن نعيش في محدثات كثيرة ولكنها ليست من المحدثات في الدين وأنتم تعلمون جميعًا إن شاء الله أن النبي ﵌ قال: «من أحدث في أمرنا هذا-أي: في ديننا هذا-ما ليس منه فهو رد» إذًا: يجب أن نُفرِّق بين هذا وبين وسائل أخرى تدخل في الدين باسم البركة والتبرك وما شابه ذلك، فهذا ما دام أنه لم يرد فنحن لا نقره أما ذاك النوع كالصدمات الكهربائية فلا ننكره ما دام أنها وسيلة من وسائل المعالجة، هذا ما عندي. مداخلة: ... الشيخ: لا يختلف جوابي عن ذلك؛ لأن القضية قائمة على شيئين: ترى! الأطباء الماديون حينما وصلت تجاربهم إلى استعمال هذه الوسيلة هم وصلوا إلى هذه الوسيلة بالتجارب دون أن يعرفوا السر، هل هناك أدلة تتأثر بمثل هذه الوسيلة أم لا، لكنهم عرفوا، يعني: كما قيل عن بعض الأعراب: كيف عرفت ربك؟ قال: الأثر يدل على المسير، فهم استنبطوا من هذا الاستعمال بعد التجربة أن هذه التجربة مفيدة، لكن مثلًا هل هناك جراثيم يقتلونها بواسطة هذه الوسيلة؟ ... ما

стр. 1507

يستطيعون أن يعللوا، لكنهم وجدوا أن هذه الصدمات هي صدمات نافعة لنوع من أنواع هذه الأمراض، هؤلاء الآن كما تنقلون ونحن عندنا في الشام لا نعرف شيئًا من ذلك يعللون أن الجن الذي صرع ذاك الإنسي يتأثر بهذه الصدمات الكهربائية، ممكن أن يكون الأمر كذلك، وممكن ألا يكون كذلك لكن المهم نحن نريد أن ننظر إلى آثار هذه الصدمات: هي نفعت؟ نعم نفعت كالضرب الذي ينقل أيضًا عن بعضهم من المحدثين اليوم أو من القدامى، هذا الضرب كما نعلم هو بالنسبة للأحياء بعادته مضر، لكن هم يقولون بالتجربة أن هذا المصروع مهما ضربته بالعصا الغليظة مثلًا بحيث لو كان غير صريع لأوجعته ولربما كسرته، بينما في هذه الحالة لا يتأثر وإنما يتأثر الصارع من الجني إذا صح التعبير، فإذًا: نحن لا نستطيع أن نقول أن هذا التعليل هو صحيح، لكن المهم أن ننظر إلى الأثر، إذا كان الأثر مفيدًا للمصروعين فبها ما دام أن هذه الوسيلة أولًا: لا تخالف الطبيعة وثانيًا: لا تضر بالمصروع. هذا ما عندي والله أعلم. "لقاءات المدينة" (٤/ ٠٠:٠٢:٠٢) [٤٢٥] باب هل يجوز الذهاب للكهنة والمشعوذين من أجل الحمْل ؟ «سُئل الإمام عن رجل يلجأ إلى وسائل غير مشروعة من الذهاب للكهنة والمشعوذين في سبيل أن تحمل زوجته, فأجاب الإمام»: -أنا بقول للأخ الفاضل ولأمثاله من المسلمين المؤمنين حقّاً بالله ورسوله

стр. 1508

وبكلمات الله وبأحاديث نبيه ﵇, بأنه لا يجوز له أن يتعاطى الأسباب غير المشروعة في سبيل أن تحمل زوجته التي مضى على زواجه بها سنين وما حملت, ما في مانع أن يتعاطى الأسباب الجائزة المشروعة, أما يتعاطى الأسباب التي لا تجوز فذلك حرام, ولا يليق بالمسلم أن يؤمن حقا بالله ورسوله أن يتعاطى مثل هذه الوسائل المحرمة أن يأتي العرافين والمنجمين والمستحضرين للجن ونحو ذلك؛ لقوله ﵊: «من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد»، وفي الحديث الآخر: «من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول لن تقبل صلاته أربعين يوماً» فلذلك يجب على هذا الأخ بما كتب له أن يرضى بقضاء الله وقدره, فإذا كان رزق من الزوجة الأولى ولداً أو أكثر فذلك بقضاء الله وقدره, وإذا لم يرزق من الزوجة الثانية شيئاً فذلك أيضا بقضاء الله وقدره, وإذا اعتبر هذه مصيبة إذا اعتبر عدم مجيء أولاد من الزوجة الثانية مصيبة فيتذكر قول الرسول ﵇: «عجباً لأمر المؤمن خير كله إن أصابته سراء فشكر الله فكان خير له وإن أصابته ضراء يعني شيء بيضرر منه ما بيعجبوا فصبر كان خير له» (١) فأمر المؤمن كله خير وليس ذلك إلا للمؤمن, ثم يتذكر مع هذه الحقيقة الشرعية وهي وجوب الرضا من المسلم بقضاء الله وقدره سواء كان سلباً أو إيجاباً يتذكر بعض الحوادث الواقعية, وهنا قصة يرويها والدي رحمة الله خلاصتها: أنه كان له صديق غني وله زوجة جميلة ورضية وكل شيء فيها طيب, ولكنها عقيم, فكان هذا الصديق كلما جلس مع والدي يتحسر ويقول يا ريت ربي رزقني ولد يقوله أبي يا حبيبي ارضى بقضاء الله وقدره شو بيدريك هذا الولد لو أجاك بيصير نقمه عليك, هذا الولد لو رزقته ربما يسلطه الله عليك,

стр. 1509

يقول: مش مهم بس يجيلي ولد, وراحت أيام وجاءت أيام والله بعث له ولد, وكان الرجل غني وزوجته كذلك يعني متجاوبة معه تماماً, فربى الولد تربية نادراً ما يقوم الزوجان بتربيته هيك, إلى أن بلغ مبلغ من الرجال, لما بلغ مبلغ الرجال هنا انقلب الولد والداً والوالد ولداً فصار الولد يضرب الوالد ويهينه هيك, كما يقولون عندنا في سوريا: حتى أراه نجوم السماء في وضح النهار, فكان يقول: يا ليتني بقيت مثل ما كنت عقيماً وما رزقت مثل هذا الولد, كان أبي يقول له: الله يرحمه شفت لما كنت أقول لك ارضي بقضاء الله وقدره فذلك خير لك, فلعل الأخ هذا يعتبر أولاً بما ذكرنا من أمر شرع الديني وهو الرضا بما كتب الله له والأمر الثاني أنه ... «يتأمل» هل أكثر الأولاد سواء كانوا ذكوراً أم إناثاً طائعين مرضيين الوالدين أم أكثرهم عاقين ناشزين ونحو ذلك هذا ما عندي وسلام الله عليك وعليه. السائل: -عليك وعليه سلام الله ورحمة الله وبركاته شيخنا. " الهدى والنور" (١٨٦/ ٥٢: ٤٧: ٠٠ طريق الإسلام) [٤٢٦] باب بيان سبب موافقة كلام الكهان للحق أحياناً عن عائشة زوج النبي ﵌: سأل ناس النبي ﵌: عن الكهان؟ فقال لهم: «ليسوا بشيء».فقالوا: يا رسول الله! فإنهم يحدثون بالشيء يكون حقاً؟ فقال النبي ﵌: «تلك الكلمة [من الحق] يخطفها الشيطان، فيقرقره بأذني وليه كقرقرة الدجاجة، فيخلطون فيه بأكثر من مائة كذبة». (صحيح).

стр. 1510

[قال الإمام]: (فائدة) في رواية أخرى صحيحة بيان كيفية خطف الشيطان للكلمة، وهي بلفظ: «إن الملائكة تنزل في العنان (وهو السحاب)، فتذكر الأمر قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع فتسمعه، فتوحيه إلى الكهان، فيذكرون معها مائة كذبة من عند أنفسهم». أخرجه المؤلف [أي البخاري] في «الصحيح» (٢٢١٠) والطبري في «التفسير» (٢٣/ ٢٦). "صحيح الأدب المفرد" (ص٢٣٧).

стр. 1511

جماع أبواب الكلام حول العدوى وثبوتها شرعًا، والجمع بين حديث: «لا عدوى .. » وحديث: «فر من المجذوم .. » والكلام على التطير والشؤم، والاعتقاد في الأنواء، وما شابه ذلك

стр. 1512

[٤٢٧] باب ثبوت العدوى شرعًا [روي عن النبي ﵌ أنه قال]: «إن كان شيء من الداء يعدي فهو هذا». (موضوع) [قال الإمام]: وظاهر الحديث ينفي العدوى، وهي ثابتة في أحاديث كثيرة منها حديث «اتقوا المجذوم كما يُتقى الأسد»، وهو مخرج في " الصحيحة " (٧٨١) "الضعيفة" (٦/ ٥٠٦ - ٥٠٧). [٤٢٨] باب منه عَنْ الشريد قَالَ: كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِىُّ ﵌: «إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ». [قال الإمام]: هذا دليل واضح على أن النبي ﵌ كان يرى أن الجذام مرض معد, ولذلك اتخذ السبب في عدم انتقال المرض إليه من المجذوم, وليس ينافي هذا التوكل على الله تعالى كما أشار عمر ﵁، وقد عزم على أن لا يدخل الأرض الموبوءة: «نفر من قدر الله, إلى قدر الله» , وقد تأول بعضهم هذا الحديث تأويلاً بعيداً فلا يلتفت إليه فإنما حملهم عليه حديث جابر أن النبي ﵌ أكل مع مجذوم وقال: «كل بسم الله ثقةً بالله وتوكلاً عليه» وهو حديث ضعيف كما قد بينته في «السلسلة» (١١٤٤). "مختصر صحيح مسلم" (ص ٣٨٧).

стр. 1513

[٤٢٩] باب هل حديث «لا عدوى ولا طِيَرة» ينفي العدوى من أساسها ؟ مداخلة: ثبت عن النبي ﵌ يقول: «لا عدوى ولا طيرة» فهو يعني كما في الحديث يبين أنه ليس هناك عدوى وكثير من الأطباء يقولون: أن العدوى ثابتة، فنود منكم أن توجهوا هذا الحديث هل ينفي العدوى من أساسها أم لا؟ الشيخ: لا، الحديث لا ينفي، ودعنا والأطباء؛ لأن فيما جاء عن الرسول ﵇ من إثبات العدوى ما يغنينا عن آراء الأطباء، حديث: «لا عدوى» في الحقيقة إذا فُهِم فهماً صحيحاً دقيقاً فيه نفي عدوى، وفيه إثبات عدوى، والمثبت في الحديث غير المنفي فيه، والمثبت في الحديث يلتقي مع أحاديث أثبتت العدوى، وبالتالي ما يقوله الأطباء في بعض الأمراض المعدية لا ينافي حينذاك الحديث. بيان ذلك: لما قال الرسول ﵇: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر» فهم أحد الحاضرين من الأعراب البدو أن قوله ﵇: «لا عدوى» هو نفي للعدوى على الإطلاق، وهذا فهم توارثه بعض أهل العلم، فنفوا العدوى إطلاقاً بناء على الطرف الأولى من الحديث، لكننا إذا تابعنا رواية الحديث ووجدنا ذلك الرجل البدوي الأعرابي فهم نفس الفهم: «لا عدوى» أي: مطلقاً، بناء على هذا الفهم ورد عليه إشكال، فطرحه على الرسول ﵇ فجاءه الجواب بما يثبت العدوى، ذلك الرجل قال: «يا رسول الله! إنا نرى الجمل الأجرب يدخل بين الجمال السليمة فيعديها» (١) ما قال له الرسول ﵇:

стр. 1514

هذا خطأ، وهذا وهم، وهذا من عقائد الجاهلية، لكنه قال مقراً له وملفتاً نظره إلى ما يسمى ببعض التعابير إلى مسبب الأسباب وهو الله ، قال له: «فمن أعدى الأول؟» إذاً: هنا عدوى، لكن يا أعرابي يا بدوي ارجع إلى الوراء، هذا الجمل الذي رأيته دخل في الأول الذي خلق الله فيه العدوى. فإذاً: فالرسول ﵇ الحقيقة بهذا الحديث يبطل عادة الجاهلية ويبطل أيضاً عدوى الطبية في هذا الزمان؛ لأن الأطباء خاصة الكفار منهم حينما يثبتون العدوى لا يربطونها بإرادة الله ومشيئته، لا، يعني هم يجعلون الأسباب هي كل شيء، أما أن هذه الأسباب قد تتخلف وقد تتأخر بمشيئة الله خالق الأسباب والمسببات، فهذا ما لا يفكرون فيه. إذاً: الأطباء اليوم خاصة الكفار منهم وقعوا في نفس الوهم الذي وقع فيه أهل الجاهلية الأولى، من هنا قال ﵇ لإبطال هذا الوهم: «لا عدوى» فلما عارض هذا النفي ما كان قائماً في ذهن العرب في الجاهلية، وأورد ما يشاهده بعينه، ما قال له الرسول ﵌ أنت واهم أنت مخطئ، لكنه لفت نظره إلى أن هذه العدوى التي تراها هي بخلق الله وتقديره، وليس أن هذا الجمل الحيوان المصاب بداء الجرب مثلاً وبقدرته وبإرادته ومشيئته يعدي الجمال السليمة، لا، ليس الأمر كذلك. إذاً: فالحديث هذا كما قلنا آنفاً ينفي عدوى ويثبت عدوى، ينفي عدوى الجاهلية، ويثبت العدوى الشرعية. من هنا جاءت أحاديث تؤكد هذا المعنى الثاني، أي: هناك عدوى يعني بإرادة الله ومشيئته، وذلك لا ينافي أن يتحاشاها المسلم أخذاً بالأسباب كما جاء في

стр. 1515

صحيح مسلم أن رجلاً مجذوماً جاء ليبايع الرسول ﵇، فقال له: «ارجع فإنا قد بايعناك» وأبى أن يصافحه كما كان يصافح الناس الآخرين، هذا من باب الأخذ بالأسباب، لكن العدوى هي من مشيئة الله. "الهدى والنور" (٦٢٢/ ٥٣: ٤٤: ٠٠) [٤٣٠] باب معنى قوله ﵌: «لا عدوى .. ولا هامة» عن أَبُى سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ حِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «لاَ عَدْوَى وَلاَ صَفَرَ وَلاَ هَامَةَ».فَقَالَ أَعْرَابِىٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا بَالُ الإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ، فَيَجِىءُ الْبَعِيرُ الأَجْرَبُ فَيَدْخُلُ فِيهَا فَيُجْرِبُهَا كُلَّهَا، قَالَ: «فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ». [قال الإمام]: [هامة] بالتخفيف: دابة تخرج من رأس القتيل أو تولد من دمه, فلا تزال تصيح حتى يؤخذ بثأره, كذا زعمه العرب فكذبهم الشرع. [وقوله: لا عدوى] أي بطبعها, كما يدل عليه سياق الحديث, فلا ينفي عدوى بإرادة الله تعالى وتقديره, فإنها ثابتة شرعاً وقدراً, ومما يدل عليه حديث الطاعون المتقدم والحديثان الآتيان بعد هذا, بل يدل على ذلك الحديث نفسه فإن الأعرابي لما أخبر الرسول ﵌ بما يشاهده من إجراب البعير الأجرب الإبلَ السليمة, لم ينكر ذلك عليه, بل أقره على قوله, لأنه أمر مُشاهد وثابت بالتجربة, وإنما لفت نظره إلى أن ذلك بفعل الله وإرادته لا بعدوى تعدي بنفسها, لأنه لو كان كذلك لم يَجربِ الجملُ الأول لعدم العدوى. "مختصر صحيح مسلم" (ص ٣٨٦).

стр. 1516

[٤٣١] باب نفي العدوى التي كان يعتقدها أهل الجاهلية [قال رسول الله ﵌]: " لا يورد الممرض على المصح " ... [قال الإمام]: وفي معناه قوله ﵌ للمجذوم: «إنا قد بايعناك فارجع» "الممرض": هو الذي له إبل مرضى و" المصح "، من له إبل صحاح. واعلم أنه لا تعارض بين هذين الحديثين وبين أحاديث " لا عدوى ... " المتقدمة برقم (٧٨١ - ٧٨٩) لأن المقصود بهما إثبات العدوى وأنها تنتقل بإذن الله تعالى من المريض إلى السليم والمراد بتلك الأحاديث نفي العدوى التي كان أهل الجاهلية يعتقدونها، وهي انتقالها بنفسها دون النظر إلى مشيئة الله في ذلك كما يرشد إليه قوله ﵌ للأعرابي: " فمن أعدى الأول؟ ". فقد لفت النبي ﵌ نظر الأعرابي بهذا القول الكريم إلى المسبب الأول ألا وهو الله ولم يُنكر عليه قوله " ما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فيخالطها الأجرب فيجربها "، بل إنه ﵌ أقره على هذا الذي كان يشاهده، وإنما أنكر عليه وقوفه عند هذا الظاهر فقط بقوله له: " فمن أعدى الأول؟ ". وجملة القول: أن الحديثين يثبتان العدوى وهي ثابتة تجربةً ومشاهدةً. والأحاديث الأخرى لا تنفيها وإنما تنفي عدوى مقرونة بالغفلة عن الله تعالى الخالق لها. وما أشبه اليوم بالبارحة، فإن الأطباء الأوربيين في أشد الغفلة عنه تعالى لشركهم وضلالهم وإيمانهم بالعدوى على الطريقة الجاهلية، فلهؤلاء يقال:

стр. 1517

" فمن أعدى الأول؟ " فأما المؤمن الغافل عن الأخذ بالأسباب، فهو يذكر بها، ويقال له كما في حديث الترجمة " لا يورد الممرض على المصح " أخذاً بالأسباب التي خلقها الله تعالى، وكما في بعض الأحاديث المتقدمة: " وفر من المجذوم فرارك من الأسد ".هذا هو الذي يظهر لي من الجمع بين هذه الأخبار وقد قيل غير ذلك مما هو مذكور في " الفتح " وغيره. والله أعلم. "الصحيحة" (٢/ ٦٥٩ - ٦٦٠). [٤٣٢] باب الجمع بين حديث: «لاعدوى ولا طيرة» وحديث: «فر من المجذوم فرارك من الأسد» سؤال: الجمع بين حديث: «لا عدوى ولا طِيَرة ولا هامة ولا صفر»، وحديث: «فر من المجذوم فرارك من الأسد»، لأنه كثير من الناس يسألوا عن هذا؟ الشيخ: من مزايا القرآن الكريم وكذلك كلام الرسول الأمين: بأنه يخرج من مشكاة واحدة، وهو كما قال تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: ١ - ٤)، فرسول الله ﵌ كلامه يوحى إليه من السماء كالقرآن، والفرق بين القرآن الكريم أنه لفظه ومعناه من رب العالمين، أما أحاديث الرسول ﵊ فهي معانيه من وحي السماء، من هذا الجانب الحديث يلتقي مع القرآن، لكن يفترق عن القرآن من حيث أن اللفظ لهذه المعاني هو من ألفاظ الرسول ﵊، أما القرآن فهو كلام الله، فهو كلامه ومعناه، أما حديث الرسول ﵇ فاللفظ منه والمعنى من ربه ﵎؛ ولذلك فهو من حيث الحيثية معصوم، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا

стр. 1518

مِنْ خَلْفِهِ﴾ (فصلت: ٤٢). بناء على ذلك: كما أن الله شهد لكلامه وهو القرآن تلك الشهادة المسطورة في القرآن ألا وهي قوله ﵎: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ (النساء: ٨٢)، ولو كان هذا القرآن من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً، ولكن لما كان من عند الله فلن تجدوا فيه اختلافاً قليلاً فضلاً عن أنكم سوف لا تجدون فيه اختلافاً كثيراً. كذلك ينبغي لكل مسلم أن يعتقد في حديث الرسول ﵌ أنه لا تناقض فيه ولا تضارب ولا اختلاف؛ لأنه كما ذكرت آنفاً هو من الله معناه ولفظه ﵊ منه، ثم هو في لفظه معصوم، يؤكد لكم هذا الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمر، الشك الآن مني (١)، المهم أن الحديث يدور على أحد عبادلة الصحابة، فهو إما عبد الله بن عمرو بن العاص وإما عبد الله بن عمر بن الخطاب، قال: «كنت في مجلس فيه المشركون، وكنت أكتب عن رسول الله ﵌ الحديث، فقالوا له في ذلك المجلس: إنك لتكتب عن محمد ما يتكلم به في ساعة الرضا والغضب»، صار في نفسه شيء، فجاء إلى النبي ﵌ وذكر له هذه الشبهة الشركية، فما كان منه ﵊ إلا أن قال له وقد وضع إصبعه على فمه الكريم وقال له: «اكتب فوالذي نفس محمد بيده لا يخرج منه إلا حق» (٢). ولكن حينما ترد بعض الأحاديث تبدو لبعض الناس خاصة إذا كان من الذين

стр. 1519

لم يؤتوا حظاً كبيراً من العلم، فيتوهمون التعارض بينهما، ثم يكون عاقبة ذلك بالنسبة إليهم أن يَشَكُّوا في كل من الحديثين، أي: في ثبوتهما، وبالتالي أن يضربوا أحدهما بالآخر، فيقعون في الضلال الكبير؛ حيث أعرضوا عن حديث الرسول ﵇ وهو صحيح. وهناك علم في علم الحديث يعرف بعنوان: اختلاف الحديث، هذا فصل من فصول علم الحديث، ولكن بعض العلماء الأقوياء ألفوا كتباً في اختلاف الحديث، من هذه الكتب مثلاً: كتاب: «مختلف الحديث» لابن قتيبة وهو مطبوع أكثر من طبعة واحدة، ومن ذلك أيضاً «كتاب: مشكل» الآثار لأبي جعفر الطحاوي، وهما كتابان مهمان جداً؛ لأنهما يدربان طالب العلم على معرفة طريق التوفيق بين الأحاديث التي يبدو منها التعارض، يبدو ولا تعارض بينهما، والأمثلة في هذا النوع كثيرة وكثيرة جداً، حسبكم أن تعلموا ما سبق ذكره أن العلماء ألَّفوا كتباً في هذا المجال، وإنما يهمنا الآن الإجابة عن ذاك السؤال. هناك الحديث المشهور: «لا عدوى»، وهناك حديث آخر يبدو أنه معارض لهذا الحديث الأول وهو: «ارجع فإنا قد بايعناك»، ولا بد من ذكر كل من الحديثين؛ حتى أولاً يتقوى في الظاهر التعارض بينهما، لكن في الحقيقة سنتمكن من القضاء على التعارض قضاء مبرماً، وأن نتفهم الصواب من المعنى المراد من كل من الحديثين معاً. أما الحديث الأول: «لا عدوى»، وهو فقرة وقطعة من حديث له تتمة: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ولا غول»، فلما تحدث النبي ﵌ بهذا الحديث كان في المجلس بدوي صاحب مال، فعرض عليه شبهة في قوله ﵇ الذي فيه: «لا عدوى»، قال: «يا رسول الله! إنا نرى الجمل الأجرب يدخل

стр. 1520

بين الجمال السليمة فيعديها، فقال ﵇: فمن أعدى الأول؟»، انتهى الحديث الأول. الحديث الثاني: «جاء رجل إلى النبي ﵌ ليبايعه على الإسلام، وفي يده داء الجذام»، وداء الجذام مرض معدي معروف، «فقال له ﵇: ارجع فإنا قد بايعناك»، يعني: لم يرد الرسول ﵇ أن يصافحه وبايعه خلاف مبايعته لعامة الصحابة، حيث كان يبايعهم بالمصافحة، فجاء الرجل أيضاً يريد أن يبايع الرسول ﵇ بالمصافحة، فاعتذر له وقال له: «ارجع فإنا قد بايعناك»، من هنا جاء التعارض. ولكن الحقيقة أن الحديث الأول لا ينفي العدوى، لكنه ينفي عدوى معينة موصوفة بصفة خاصة، ولا ينفي العدوى بصورة عامة، كيف؟ لما قال ﵇: «لا عدوى» تبادر إلى ذهن الأعرابي البدوي أنه ما يتبادر إلى أذهان كثير من الناس: إنه .. ينفي العدوى، ولذلك أورد الإشكال الذي هو يلمسه بيده ويراه بعينه، جماله السليمة التي كما جاء في بعض الأحاديث: «وبرها كالذهب»، فإذا دخل فيها الجمل الأجرب سرى الجرب إلى بدنها وصار يعني رؤية مكربة جداً، فعرض على الرسول هذه الشبهة، فالنبي ﵌ سلك معه سبيلاً حكيماً جداً، لم يقل له: أنت لم تفهم الحديث، لن تفهم قصدي ومرادي، وإنما قال له كلمة واحدة ليفهم مقصود الرسول ﵇، من باب: الإشارة تغني عن صريح العبارة، قال له: «فمن أعدى الأول؟». بهذا الجواب يمكننا أن نقول: وضع الرسول ﵇ النقاط على الحروف كما يقال في هذا الزمان، فهو حينما قال: «لا عدوى» نفى العدوى التي

стр. 1521

يعتقدها أهل الجاهلية، وهي: أنها تنتقل بذاتها، بمجرد مخالطة الجمل الأجرب الجمل السليم لا بد أن يعديه بجربه، فالرسول ﵇ نفى هذا العقيدة الجاهلية، وهي عقيدة يمكن أن نقول: إنها رجعت اليوم في جاهلية القرن العشرين؛ ذلك لأن الأطباء لا أقول الأطباء الكفار فقط، بل وبعض الأطباء المسلمين الذين ليس عندهم الفقه الإسلامي الصحيح-،أصبحوا قد وقر في نفوسهم أن هيك طبيعة الداء أنه يعدي بذاته بطبيعته، والأمر ليس كذلك، هناك فرق كبير جداً بين العدوى وبين أسباب أخرى جعلها الله أسباباً مطردة لا تختل إلا بصورة خارقة للعادة كالمعجرات والكرامات .. ونحو ذلك. مثلاً: شخص جوعان يأكل يشبع، ما نقدر نقول: ما يشبع، هكذا سنة الله في خلقه، إنسان عطشان يشرب ماء يرتوي، انتهى الأمر، لكن ليس كذلك مجرد ما إنسان سليم يخالط شخصاً آخر مريضاً بمرض يعدي، إنه لا بد هذا المرض أن ينتقل إلى هذا السليم، قد وقد، فحينما يقع المسلم في افتراض أمر في شيء خلقه الله لحكمة بالغة فيبالغ في هذا المخلوق ويصفه بما يخالف الواقع، حينئذ يكون قد وقع في الخطأ، وهذا ما كان عليه أهل الجاهلية الأولى وما عليه كثير من الأطباء في هذا العصر كما ذكرت آنفاً، فالنبي ﵌ حينما قال: «لا عدوى»، أبطل عدوى الجاهلية، أي: التي تنتقل بذاتها، والدليل على هذا: أن النبي ﵌ قال لذات الأعرابي: أنت تقول كذا وكذا وقولك لا نرده؛ لأنه أمر مشاهد، ولكن من أعدى الجمل الأول؟ اللي هو بدأ يعدي في نظركم؟ الجواب: هو الله، إذن الأمر كله بيد الله ﵎، فإذا فهم المسلم أن هناك عدوى في بعض الأمراض، وهذه حقيقة علمية، بل وشرعية لا يمكن إنكارها، أي: العدوى حقيقة شرعية قبل أن تكون حقيقة علمية؛ ولذلك لا يمكن إنكارها، فالذي ينصب عليه إنكار النبي

стр. 1522

- ﵌ بقوله: «لا عدوى» إنما هي عدوى الجاهلية التي كانوا يغفلون عن الله ، وأنه هو إن شاء أذن بذلك الداء بأن ينتقل إلى السليم من الداء أو لم يأذن. هذا هو مقصود الحديث وهو قوله ﵇: «لا عدوى»، فهو لا ينكر العدوى مطلقاً، ولا ينفيها مطلقاً، العدوى ثابتة كما قلت آنفاً شرعاً وعلماً، أما شرعاً فالحديث الثاني: «ارجع فإنا قد بايعناك»، وعندكم حديث يعتبر من المعجزات العلمية الطبية النبوية، وهو ما يسمى اليوم بالحجر الصحي، حيث قال ﵊ واضعاً الأصل للحجر الصحي الذي جاءنا من أوروبا وأوروبا أخذوه من ديننا، ألا وهو قوله ﵊: «إذا وقع الطاعون بأرض أنتم فيها فلا تخرجوا منها، وإذا وقع الطاعون في أرض لستم فيها فلا تدخلوا إليها» (١)، إذاً لماذا نهى من كان في أرض الطاعون أن يخرج إلى أرض لا طاعون فيها؟ خشية أن ينقل داء الطاعون، هذا يسمى بالكوليرا مثلاً، وأمر من كان الطاعون في أرض غير أرضه ألا يدخل عليها خشية ماذا؟ أن يصيبه الطاعون، فإذاً هناك عدوى لا يمكن إنكارها شرعاً فضلاً عن تجربٍة وعلم. ثم العدوى هذه يمكن أن تشاهدوها في غير الحيوان، وأعني بالحيوان الجنسين: الحيوان الناطق أو الإنسان، والحيوان الصامت وهو الدواب والحيوانات التي سخرها الله لنا، يمكن أن نرى العدوى في غير الحيوان، في بعض النباتات مثلاً، أو في بعض النتائج من بعض الحيوانات، مثلاً: البصل إذا بصلة واحدة فسدت تعدي من حولها، البيضة العفنة إذا وضعتها بين بيض سليم طازج اليوم، بعد أيام ثلاثة يسري إليها الفساد، هذه العدوى، هذه حقيقة لا يمكن

стр. 1523

إنكارها، لكن هذا بمشيئة الله وبتقديره، فهذه النقطة هي التي أراد الرسول ﵇ أن يلفت إليها نظر العرب يومئذ؛ لأنهم كانوا يعيشون في جاهلية جهلاء، كانوا لا يعرفون الله ؛ ولذلك كانت أفكارهم تنصب على المظاهر في الحياة الدنيوية وهم عن الآخرة هم غافلون. إذاً: لا عدوى باختصار بذاتها، لا عدوى بذاتها، أما بمشيئة الله وإرادته فهذا يقع، وهنا يأتي حديث: «ارجع فإنا قد بايعناك» حديث الحجر الصحي كما ذكرنا وهكذا، وهناك أحاديث كثيرة جداً من هذا النوع، فمن أراد التوسع فعليه بالكتابين المذكورين آنفاً: «مختلف الحديث» لابن قتيبة، «ومشكل الآثار» لأبي جعفر الطحاوي. "الهدى والنور" (٦٩٦/ ٣٥: ٠٠: ٠٠) [٤٣٣] باب منه سؤال: أخ يسأل ويقول: كيف نوفق بين حديث: «لا عدوى ولا طيرة»، وحديث: «فر من المجذوم فرارك من الأسد»؟ الشيخ: أي نعم، إذا أَحْسَنَّا فهم الحديث الأول، زال الإشكال ولم يبق هناك داعي للجمع، إذا فهمنا أن المقصود من قوله ﵇: «لا عدوى»: بنفسها، ومفهوم ذلك أن هناك عدوى بإذن ربها، فلا إشكال. الحديث يُوضِّح أن العقيدة الجاهلية قبل النبوة والرسالة، والتي يشببها تماماً عقيدة الأطباء غير الإسلاميين اليوم وبعض الإسلاميين، هم يتوهمون أن العدوى تنتقل بطبيع الحال، والنبي ﵊ أراد أن يبطل هذه العقيدة التي كانت مقترنة بالعدوى، وأن يلفت نظر هؤلاء العرب الذين هداهم الله على يدي

стр. 1524

نبيه ﵌ أن يعرفوا أن هذه العدوى صحيحة، لكن هذه مشيئة الله، ولله أن يؤخر المسَبَّب عن السبب، أي أن يَبطل السبب فلا يظهر ولا يتَحقق المسبَّب، كما هو معروف في قصة النار مع إبراهيم ﵇، فالنار هي تحرق ولكن تحرق بإذن الله ، الله ﵎ هو الذي جعل لها هذه الخصوصية، لكن ما هو ملزم بها بحيث أنه يكون هو مترتبط معها ارتباطاً ... ، هذه خصوصية أنها تحرق إلا أن يشاء [الله] فلا تحرق. هكذا العدوى أو في بعض الأمراض طبيعة وضعها الله فيها أن تنتقل إلى السليم من المخلوقات، لكن ذلك كله بمشيئة الله ﵎، وهذا واضح في تمام الحديث لما ذكر الرسول ﵇: «لا عدوى ولا طيرة»، قال رجل أعرابي: «نرى الجمال السليمة يدخل بينها الجمل الأجرب فيعيدها،» فقال له ﵇: .. ما قال له: أنت ما فهمت عليّ، أنه أنا أقول ما في عدوى، لا، هو أراد أن يثبت له العدوى بإذن الله، فقال له: «فمن أعدى الأول؟»، طبعاً جواب المؤمن: الله. إذاً العدوى موجودة لكن بإذن الله ﵎، وحينئذٍ إذا كان معنى الحديث لا عدوى إلا بمشيئة الله ، فما في منافاة أن يتخذ مسلم السبب المشروع بألاَّ يصاب بذاك المرض الذي معروف عند الناس بأنه يعدي، وعلى هذا يحمل قوله ﵇ كما في "صحيح مسلم": أن رجلاً جاء ليبايع النبي ﵌ وفي يده مرض جذام، فأراد أن يبايعه فقال له ﵇: «ارجع فإنا قد بايعناك»، إما أنه فعل هذا ﵇ من باب الأخذ بالأسباب، وإما أنه فعل ذلك تعليماً، وإما أخيراً للأمرين معاً، يعني تعليماً وأخذاً بالأسباب.

стр. 1525

فإذاً؛ لا منافاة بين قوله ﵇: «لا عدوى»؛ لأنه لا يعني إبطال العدوى كلها، وإنما يعني إبطال العدوى القائمة في أذهان الجاهلية الأولى وجاهلية القرن العشرين، وهي أنها تعدي بنفسها، هذا الذي نفاه ﵇، وإلا فالأحاديث الأخرى فيها إثبات العدوى، وعلى هذا جاء ما يُسَمَّى اليوم بالحجر الصحي، والذي وضع نواته نبينا ﵇ في قوله: «إذا وقع الطاعون بأرضٍ وأنتم فيها فلا تخرجوا منها» إلى آخر الحديث، هذا معناه الأخذ [بالأسباب] بالابتعاد عن المرض المعدي. " الهدى والنور" (١٢/ ٤٨: ٢٩: ٠٠) [٤٣٤] باب منه سؤال: كيف نجمع بين قوله ﵌ في الصحيح: «لا عدوى ولا طيرة» وقوله: «فر من المجذوم فرارك من الأسد»؟! الشيخ: هذا أيضاً تعرضنا لبيانه في المجلد الثاني أو الثالث الله أعلم، من سلسلة الأحاديث الصحيحة. قوله ﵇: «لا عدوى» المعنى: بنفسها وذاتها، وإذا أنت عرفت هذه المعنى فحينئذ لا يتنافى مع قوله ﵇ في الحديث الآخر في الصحيح: «فر من المجذوم فرارك من الأسد» كما أنه لا يتنافى مع قوله ﵇: «إذا سمعتم بالطاعون وقع في أرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها، وإذا وقع الطاعون في أرض فلا تدخلوها» فهذا كقوله: «فر من المجذوم فرارك من الأسد» فيه الأخذ بأسباب: الوقاية والابتعاد عن العدوى، لكن العدوى لا تعني بنفسها وإنما بإرادة الله ومشيئته

стр. 1526

ويدل على هذا يعني لهذه الجملة، «لا عدوى»: أن النبي ﵌ لما تحدث بهذا الحديث كان هناك أعرابي يعيش مع الإبل، قال: «يا رسول الله! إنا نرى الإبل السليمة يدخل فيها الجمل الأجرب فيعديها» كأنه يقول: إن الذي تقوله يا رسول الله يخالف الواقع، أنت تقول: لا عدوى، نحن نرى العدوى بأعيننا، نرى الجمال السليمة الفارهة الجميلة تدخل بين الجمل الأجرب فيعديها مع الزمن، تسري العدوى منه إلى غيرها قال ﵇: «فمن أعدى الأول؟». طبعاًَ جواب المؤمن: الله، إذاً: على حد تعبير بعضهم: السبب الأول هو الله ﵎ فإذا دخل الجمل الأجرب بين الجمال السليمة إن شاء ربنا أن ينقل هذه العدوى من الأجرب إلى السليم عدى وإلا فلا. فإذاً: العدوى سبب لمرضٍ ما، لكن السبب قد لا يؤثر أي: أن يتأخر المسبب عن السبب بمشيئة الله كما هو مثلاً في قصة إبراهيم ﵇: النار تُحرق لكن الله أبطل تأثير النار التي أودع فيها ذاك التأثير كرامة لنبيه وخليله إبراهيم ﵊. " الهدى والنور" (١٨٨/ ١٠: ٢٢: ٠٠ طريق الإسلام) [٤٣٥] باب هل الفرار من أرض الطاعون طعن في التوكل؟ وهل الأخذ بأسباب منع العدوى طعن في التوكل ؟ السائل: سمعت لك شريطاً تقول فيه أن النبي ﵌ وضع أصل الحِجْرِ الطبي المعروف الآن. الشيخ: نعم.

стр. 1527

مداخلة: واستشهدت بحديث. الشيخ: الطاعون .. حديث الطاعون. مداخلة: نعم. الشيخ: ما هو سؤالك؟ مداخلة: حديث ابن عباس. الشيخ: نعم؟ مداخلة: أقول استشهدت بحديث ابن عباس. الشيخ: حديث الطاعون. مداخلة: حديث الطاعون نعم. الشيخ: نعم ما سؤالك؟ مداخلة: سؤالي يا شيخ: هل الأمر بعدم القدوم وعدم الخروج من الأرض هو من أجل ماذا؟ الشيخ: من أجل المحافظة على سلامة الإنسان وسلامة المجتمع من عدوى الطاعون، ولعلك من الناس الذين لا يؤمنون بالعدوى؟ مداخلة: لا [أنا] أؤمن بالعدوى. الشيخ: نعم .. إذاً ما إشكالك في الموضوع؟ مداخلة: أن الحديث معلل يا شيخ. الشيخ: معلل بماذا؟

стр. 1528

مداخلة: قال عبد الرحمن بن عوف أنه قال: «وأنت إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه»، أي أن العلة معلقة بالفرار، يعني الذي يخرج غير فار من الطاعون ليس مخالفاً لهذا الحديث. الشيخ: لكن بارك الله فيك أولاً قلت أن عبد الرحمن بن عوف يقول، وهذا ليس من قوله وإنما هو من قول نبيه. مداخلة: نعم. الشيخ: أنت معي؟ مداخلة: معك .. معك. الشيخ: هذا أولاً، وثانياً فراراً منه هذا لماذا يفر منه؟ لأنه يخشى أن يصاب. مداخلة: نعم. الشيخ: طيب. مداخلة: يعني طعن في التوكل. الشيخ: اسمع. مداخلة: نعم. الشيخ: فإذا خرج وكان مصاباً وانتقل إلى البلدة الأخرى، ماذا يفعل؟ أو ماذا تكون نتيجة فراره؟ مداخلة: نقل المرض معه. الشيخ: وهل هذا يجوز؟ والرسول يقول: «فر من مجذوم فرارك من

стр. 1529

الأسد» واضح؟ مداخلة: نعم. الشيخ: واضح؟ مداخلة: نعم واضح. الشيخ: طيب أتم الحديث. مداخلة: انتهى الحديث فقال: الحمد لله فقال عمر: الحمد لله. الشيخ: لا الحديث أخي له جملة أخرى قد تكون في أوله في بعض الروايات، وقد تكون في آخره. مداخلة: نعم في رواية أخرى يقول عن عائشة زوج النبي ﵌ أنها أخبرته أنها سألت الرسول ﵌ عن الطاعون؟ فأخبرها النبي الله ﵌: «أنه كان عذاباً يبعثه الله على من يشاء فجعله الله رحمة للمؤمنين، فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابراً يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتبه الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد». الشيخ: نعم هذا حديث صحيح لكن ما هذا الذي عنيته، ألا تعلم أن هناك جملة أخرى تقابل الجملة التي تلوتها وأسمعتنا إياها وهي: ومن كان في أرض ليس فيها طاعون فلا يدخل إلى الأرض التي فيها الطاعون، ألا تذكر هذا؟ مداخلة: نعم موجود في نص الحديث. الشيخ: وهذا الذي نقوله لك فلماذا لا تقرؤه؟

стр. 1530

مداخلة: «إذا سمعتم به بأرض لا تقدموا عليها». الشيخ: لماذا؟ مداخلة: هذا حتى ما تصابوا بالمرض. الشيخ: فإذاً لا يجوز الدخول إلى الأرض المصابة خشية أن يُصاب الداخل، ولا يُجوز لمن كان في الأرض المصابة أن يخرج خشية أن ينقل الداء إلى الأرض التي ليس فيها الداء. مداخلة: طيب يا شيخ الآن قول من يقول أن العلة هي التوكل، هل هذا قوله صحيح؟ الشيخ: هذا صحيح ولكن لا ينافي ما قلناه بارك الله فيك. مداخلة: نعم. الشيخ: لا ينافي؛ لأنه حينما يرى المقيم في الأرض التي فيها الطاعون يرى الناس يتساقطون بين يديه أفراداً وجماعات بلا شك لا يصبر على هذا المنظر الذي يهدده بالموت القريب إلا من كان متوكلاً على الله حق التوكل، هذا ما ينافي التوكل ولا ينافي أيضاً أن النهي عن الخروج من أرض الطاعون لحكمة طبية كما أشعرتنا بذلك الزيادة التي لفت النظر إليها. مداخلة: طيب يا شيخ الآن لو كان هذا غير مصاب في أرض انتشر فيها الطاعون .. الشيخ: ما يدريه أنه غير مصاب؟ مداخلة: فلنفرض أنه مصاب.

стр. 1531

الشيخ: الله يهديك، أنت تتكلم عن الذي لم يصب. مداخلة: نعم يا شيخ لكن أنا قصدي أخذ العلاج بغض النضر هل هو مصاب أم لا؟ لكن القصد في أرض انتشر فيها الطاعون هل هذا ينافي التوكل؟ ... الشيخ: ما هو الذي ينافي أو لا؟ أخذ الدواء؟ مداخلة: ما سمعتك. الشيخ: أسألك أنت أولاً قلت إذا فرضنا أنه غير مصاب بالداء. مداخلة: نعم. الشيخ: ثم لما لفت نظرك بقولي: وما يدرينا أنه لم يصب؟ عدلت عن ذلك الكلام إلى القول إنه مصاب. مداخلة: نعم. الشيخ: طيب فأنت الآن تريد أن تقول عن هذا المصاب هل يأخذ الدواء أم لا. مداخلة: أنا أريد أن أقول يا شيخ .. الشيخ: يا شيخ الله يهديك لا تضيع وقتي أنا أسألك قل نعم أو لا. مداخلة: نعم. الشيخ: إيه، وماذا تريد أن تفصل عليّ؟ أنت تريد أن تقول هذا المصاب يجوز له أن يتعالج ويأخذ الدواء أم لا؟ مداخلة: نعم.

стр. 1532

الشيخ: تريد هذا؟ مداخلة: أريد هذا. الشيخ: فلماذا تريد أن تقول كلاماً غير أن تقول نعم أريد هذا؟ هذا لا ينافي التوكل، لأن التوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب فإذا كان يغلب على الظن أن أخذ العلاج لمنع ضرر الطاعون أنه يشفى فهذا لا ينافي التوكل على الله أبداً كما لا ينافي أخذ أي علاج لأي مرض أو لأي داء، طيب بقي شيء عندك؟ مداخلة: بقي إشكال واحد بس. الشيخ: تفضل. مداخلة: الآن يا شيخ نحن اليوم كنا نقرأ في هذا الحديث ... فقال لنا شيخنا ... أن علة أمر النبي ﵌ بعدم الخروج هي التوكل على الله ، فلو أن إنساناً خرج من أرضه غير فار منها .. من أرضه التي انتشر فيها الطاعون غير فار منها فلا ينطبق عليه النهي، فورد علينا إشكال لو أنه ... على هذا التعليل على قولهم هذا ... العلة هي التوكل، لو أنه ابتلع شيئاً تناول دواءاً في درء الطاعون، هل يعد فاراً أم لا؟ فأريدك أن تجيبني على هذا بهذا الفهم؟ الشيخ: وقد فعلت، وهذا الذي نصحتك أن لا تتكلم كثيراً، قد فعلت وأجبت بأن أخذ العلاج الذي يغلب على الظن أن فيه الشفاء لا ينافي التوكل هنا ولا في أي داء يصاب به المسلم يأخذ عليه دواءه، قد أجبتك فماذا تريد مني؟ مداخلة: أريد منك أن تحل لي قضية الفرار يا شيخ. الشيخ: يا شيخ بارك الله فيك قد بيّنت لك أن الفرار تعليله في الحديث بأنه ينافي التوكل لا ينافي أن يكون هناك علة أخرى، أي لا ينافي أن يكون الشرع

стр. 1533

الحكيم أمر من كان في الأرض الموبوئة بالطاعون أمره بالتوكل على الله لا ينفي أن يكون هذا الأمر بالتوكل على الله شيء آخر يدل عليه دليلاً آخر ألا وهو تمام الحديث الذي سجّلنا حوله آنفاً. مداخلة: نعم. الشيخ: وضح لك الجواب أم لا؟ مداخلة: وضح وجزاك الله خيراً. الشيخ: وإياك يا أخي. مداخلة: الطاعون يا شيخ هو وباء عام أم أنه وباء خاص؟ الشيخ: لا .. لا يمكن أن يكون وباءاً عاماً كما يقال في بعض روايات المفسرين أن طوفان نوح ﵇ كان عاماً، لا يمكن أن يكون الطاعون كذلك وإلا لما بقي على وجه الأرض حي، وإنما قد يستشري أحياناً فيعم ويسيطر على دولة وأخرى وأخرى، لكن ستبقى هناك بمشيئة الله ﵎ وتصرفه في تكثير الطاعون كما يشاء ستبقى هناك بلاد أخرى نظيفة منه، أو نظيفة منه؛ لأن الله لم يأذن بعد بالقضاء على سكان الأرض، وإنما يكون ذلك كما تعلم في آخر الساعة حينما يُرسل الريح الطيبة فتقبض أرواح كل المؤمنين ثم لا يبقى في الأرض إلا شرار الخلق وعليهم تقوم الساعة، إذاً فلا منافاة بين التعليل المذكور في الحديث وبين أن يكون هذا التعليل ضمن تعليل طبي كما دل على ذلك أمر الرسول ﵇ أو نهيه بعدم الدخول إلى الأرض التي فيها الطاعون، لماذا لا يقال هنا أيضاً فليدخل وليتوكل على الله؟ كما جاء في حديث الترمذي أن مجذوماً، أي رجل مصاب بداء الجذام جلس يأكل مع الرسول ﵇ فقال له: «كُلْ ثقة بالله وتوكلاً عليه» هذا لو صح لجاز أن نقول أنه يجوز للسليم أن يُخالط المريض المصاب بداء يعدي بأمر الله يمكن أن يخالطه توكلاً

стр. 1534

على الله بهذا الحديث لو صح؛ ولكن الحديث أولاً ضعيف، ثم هو بظاهره ينافي حديث مسلم في صحيحه الذي فيه أن النبي ﵌ جاءه رجل مصاب بداء الجذام ليبايعه على الإسلام فقال له: «ارجع فإنا قد بايعناك» ولم يبايعه باليد كما هي السنة، وضح لك إن شاء الله. "الهدى والنور" (٢١٢/ ٢٨: ٢٣: ٠٠) [٤٣٦] باب هل التطعيم طعن في التوكل سؤال: قول النبي ﵌: «من استرقى أو اكتوى فقد برئ من التوكل»، قال بعض العلماء: أنه المقصود به الكي للصحيح قبل المرض، هل يدخل في هذا التطعيم الآن يا شيخ الذي يحدث من أجل الوقاية من الأمراض، التطعيم؟ الشيخ: أولاً: (فقد برئ من التوكل) التوكل نوعان: واجب ومستحب، فإذا عرفت أن التوكل المذكور هنا من نوع المستحب هان الأمر واضح؟ مداخلة: أي نعم. "الهدى والنور" (٧١٩/ ١٤: ٤٨: ٠٠) [٤٣٧] باب هل يجوز استخدام لفظ التوكل بدل الاعتماد ؟ السؤال: «هل يجوز استخدام لفظ التوكل بدل الاعتماد؟» ... الشيخ: يعني: توكلت عليك؟ مداخلة: هل يجوز يقول ليس لها توكل إلا على أخيها؟ الشيخ: لا, بس التوكل له معنى شرعي غير لفظة الاعتماد. مداخلة: آه.

стр. 1535

الشيخ: نعم, فلا يجوز. " الهدى والنور" (٣٢٦/ ٠٥: ١٩: ٠٠ طريق الإسلام) [٤٣٨] باب لا طيرة ولا شؤم ولا هامة في الإسلام [قال رسول الله ﵌]: «إن يك من الشؤم شيء حق ففي المرأة والفرس والدار». [قال الإمام]: والحديث يعطي بمفهومه أن لا شؤم في شيء، لأن معناه: لو كان الشؤم ثابتاً في شيء ما، لكان في هذه الثلاثة، لكنه ليس ثابتا في شيء أصلاً. وعليه فما في بعض الروايات بلفظ " الشؤم في ثلاثة ".أو " إنما الشؤم في ثلاثة " فهو اختصار، وتصرف من بعض الرواة. والله أعلم. "الصحيحة" (١/ ٢/٨٠٤). [٤٣٩] باب منه [قال رسول الله ﵌]: «لا عدوى ولا طيرة وإنما الشؤم في ثلاثة: المرأة والفرس والدار». [قال الإمام]: قوله: "وإنما الشؤم .. " بظاهره يثبت الشؤم، فكأنه رواية بالمعنى؛ فإنه لا شؤم في الإسلام. "الصحيحة" (٢/ ٤١٦).

стр. 1536

[٤٤٠] باب منه [روي عن النبي ﵌ أنه قال]: «إن لكل يومٍ نحساً؛ فادفعوا نحسً ذلك اليوم بالصدقة». (منكر) [قال الإمام]: وإني لأشم منه رائحة التشاؤم والتطير، ولا شيء من ذلك في الإسلام- كما هو معلوم-، ونحوه حديث: " آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر ".وهو موضوع- كما تقدم بيانه برقم (١٥٨١) -. "الضعيفة" (١٤/ ١/٤٣٦ - ٤٣٧). [٤٤١] باب توجيه حديث: الشؤم في المرأة والدار والفرس [قال رسول الله ﵌]: «كان أهل الجاهلية يقولون: الطِيَرة من الدار والمرأة والفرس». [قال الإمام]: وجملة القول أن الحديث اختلف الرواة في لفظه، فمنهم من رواه كما في الترجمة، ومنهم من زاد عليه في أوله ما يدل على أنه لا طيرة أو شؤم "وهما بمعنى واحد كما قال العلماء"، وعليه الأكثرون، فروايتهم هي الراجحة، لأن معهم زيادة علم، فيجب قبولها، وقد تأيد ذلك بحديث عائشة الذي فيه أن أهل الجاهلية هم الذين كانوا يقولون ذلك، وقد قال الزركشي في " الإجابة " (ص١٢٨):

стр. 1537

" قال بعض الأئمة: ورواية عائشة في هذا أشبه بالصواب إن شاء الله تعالى (يعنى من حديث أبي هريرة) لموافقته نهيه ﵊ عن الطيرة نهيا عاما، وكراهتها وترغيبه في تركها بقوله: " يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب، وهم الذين لا يكتوون ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون ". قلت: وقد أشار بقوله: " بعض الأئمة " إلى الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى، فقد ذهب إلى ترجيح حديث عائشة المذكور في " مشكل الآثار "، ونحوه في " شرح المعاني " وبه ختم بحثه في هذا الموضوع، وقال في حديث سعد وما في معناه: " ففي هذا الحديث ما يدل على غير ما دل عليه ما قبله من الحديث، (يعني حديث ابن عمر برواية عتبة بن مسلم وما في معناه عن ابن عمر)، وذلك أن سعداً انتهر سعيداً حين ذكر له الطيرة، وأخبره عن النبي ﵌ أنه قال: لا طيرة، ثم قال: إن تكن الطيرة في شيء ففي المرأة والفرس والدار، فلم يخبر أنها فيهن، وإنما قال: إن تكن في شيء ففيهن، أي: لو كانت تكون في شيء لكانت في هؤلاء، فإذ لم تكن في هؤلاء الثلاث فليست في شيء ". "الصحيحة" (٢/ ٦٨٩، ٦٩٢ - ٦٩٣). [٤٤٢] باب منه سؤال: حديث ابن عمر في الصحيحين، يقول الرسول ﵌: «الشؤم في المرأة والدار والفرس» فما فقه هذا الحديث؟ الشيخ: هذا الحديث جاء بلفظين هذا أحدهما: الشؤم، وجاء بلفظ بهذا المعنى: إنما الشؤم، لكن اللفظ الصحيح هو: لو كان الشؤم في شيء لكان في هذه الأنواع الثلاثة، لو كان الشؤم هذا الذي عليه الاعتماد في رواية هذا الحديث

стр. 1538

عن النبي ﵌؛ لأن الألفاظ الأخرى مع كونها مرجوحةً روايةً فهي مخالفة للنصوص الصريحة التي تقول: لا شؤم في الإسلام .. لا طيرة في الإسلام، فقد نهى الرسول ﵇ عن التطير فكيف يقره ويجزم بوجوده في الدار والمرأة والفرس، لا هذا من حيث الرواية شاذ والرواية المحفوظة الصحيحة: لو كان الشؤم في شيء لكان في المرأة والدار والفرس، هذا هو الجواب عن هذا السؤال. (فتاوى جدة (١٤أ) /٠١:٠٨:١١) [٤٤٣] باب ذكر الهامة [قال رسول الله ﵌]: «لا شيء في الهام، والعين حق، وأصدق الطير الفأل». [قال الإمام]: اعلم أن (هام) هو جمع (هامة)، قال ابن الأثير في " النهاية ": " الهامة: الرأس، واسم طائر، وهو المراد في الحديث، وذلك أنهم كانوا يتشاءمون بها، وهي من طير الليل، وقيل: هي البومة، وقيل: كانت العرب تزعم أن روح القتيل الذي لا يدرك بثأره تصير هامة، فتقول: اسقوني، فإذا أدرك بثأره طارت .. ". "الصحيحة" (٦/ ٢/١٠٨٨، ١٠٩٠). [٤٤٤] باب في عدم المؤاخذة بما قد يجده المرء في قلبه من التطير عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﵌: «الطيرة شرك وما منا إلا .. ولكن يذهبه الله بالتوكل».

стр. 1539

[قال الهيثمي في الموارد]: قلت: قول: «وما منا .. » الخ من قول ابن مسعود [فعلق الإمام قائلاً]: قلت: يعني: أنه مدرج والمؤلف تبع في ذلك «سليمان بن حرب» من شيوخ البخاري, وهذا هو الذي نقله عنه, فيما حكاه الترمذي, وهو من الغرائب عندي؛ لأنه يستلزم تخطئة الثقة من رواته-وكلهم ثقات لا مغمز فيهم-بمجرد الدعوى, وهذا خلاف الأصول, ولم أزل مستنكراً لها, حتى وجدت-والحمد لله-من سبقني إلى ذلك تلويحاً أو تصريحاً, فهذا هو البيهقي يشير في «شُعَبِه» إلى تمريض الدعوى بقوله (٢/ ٦٢): يقال: هذا من قول عبد الله بن مسعود. وتبعه في هذا التمريض عبد الحق الأشبيلي, فأورد الحديث في «الأحكام الصغرى» , وهي خاصة بما صح من الحديث عنده, كما نص عليه في «المقدمة» , ثم أكد بذلك بقوله (٢/ ٥٢١) عقبه مثل قول البيهقي المذكور, وكذا قال في الإحكام الوسطى (٣/ ٣٠). ثم صرح برد الدعوى الحافظ ابن القطان الفاسي في كتابه القيم «بيان الوهم والإيهام» عقب قول عبد الحق المذكور (٥/ ٣٨٧)؛ فقال: كل كلام مسوق في السياق لا ينبغي أن يقبل ممن يقول: إنه مدرج؛ إلا أن يجيء بحجة, وهذا الباب معروف عند المحدثين, وقد وضعت فيه كتب. قلت: ومن المعروف عند أهل العلم: أن أبا حاتم الرازي من المتشددين في هذا المجال, ومن أوسع الحفاظ خطواً في استنكار الأحاديث, ومع ذلك فقد خلا كتاب ابنه «العلل» من هذا الحديث. ولعل الحامل على تلك الدعوى إنما هو الوقوف عند لفظه «شرك» الذي لا

стр. 1540

يليق بالنبي ﵌ فأقول: المراد بها شرك الجاهلية؛ فإنها كانت تصدهم عن حاجاتهم, وهذا ليس مراداً من قوله ﵌: «وما منا إلا ... » , وإنما قد يجده الشخص في نفسه, ثم يصرفه بالتوكل على الله, فهذا التوكل مما كلف به العبد بخلاف ما يجده فإنه لا يملكه, وهذا صريح في حديث معاوية بن الحكم السلمي؛ أنه قال للنبي ﵌ ومنا رجال يتطيرون؟ قال: «ذاك شيء يجدونه في صدورهم؛ فلا يصدنهم» رواه مسلم (٢/ ٧٠). فلم ينكر عليهم ما يجدون من الطيرة, فضلاً أن يصفه بالشرك, وقد صح عنه ﵌ أنه قال: «من ردته الطيرة فقد قارف الشرك» , وهو مخرج في «الصحيحة» (١٠٦٥) ,فهذا يوضح تمام التوضيح حديث الباب, ويبطل الإدراج المدعى, فتأمل! "صحيح موارد الظمآن" (٢/ ٣٧ - ٣٨). [٤٤٥] باب منع التسمي بيسار لأنه مفضاة للتطير السائل: فيه حديث يا شيخ «لأنهين أن يُسمَّى بنافع وبركة ويسار»، يسار يا شيخ لو ذكرت شيء لماذا المنع مثلاً، ما صلته مثلاً هل فيه تزكية في شيء؟ الجواب: يسار من اليسر. السؤال: نعم. الجواب: [فإذا سألت] هل هنا يسار؟ يعني كما لو قلت هل هنا يسر؟ تقول: لا، هذا مدعاة للتطير وليس تزكية. السؤال: الاسم يسار يا شيخ ألا يقارب اسم سهل؟ الجواب: لا يوجد قياس في الموضوع.

стр. 1541

السؤال: أي نعم. الجواب: ما دام جاء النص فنحن نوجه النص ولا نقيس عليه إلا إذا كان هناك قياس كما يقال أولوي ... ممكن أن نقيس. "الهدى والنور" (٢٠٩/ ١٢: ٤٥: ٠٠) [٤٤٦] باب معنى قول النبي ﵌: لا صفر قال رسول الله ﵌: «لا عدوى ولا هامة ولا صفر».رواه البخاري [قال الإمام]: قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في شرح «ولا صفر» في كتابه «فتح المجيد شرح كتاب التوحيد» ص ٣٠٨ ما يلي: «روى أبو عبيدة في غريب الحديث عن رؤبة أنه قال: هي حية تكون في البطن تصيب الماشية والناس, وهي أعدى من الجرب عن العرب, وعلى هذا فالمراد بنفيه ما كانوا يعتقدونه من العدوى. وممن قال بهذا سفيان بن عينة, والإمام أحمد, والبخاري, وابن جرير, وقال آخرون: المراد به شهر صفر, والنفي لِمَا كان أهل الجاهلية يفعلونه في النسيء، وكانوا يحلّون المحرم، ويحرمون صفر مكانه، وهو قول مالك. روى أبو داود عن محمد بن راشد عمن سمعه يقول: إن أهل الجاهلية يتشاءمون بصفر ويقولون: إنه شهر مشؤوم, فأبطل النبي صلى اله عليه وسلم ذلك. قال ابن رجب: ولعل هذا القول أشبه الأقوال» وهذا الشرح ذكره أبو داود في باب الطيرة رقم (٣٩١٥). " تحقيق مشكاة المصابيح" (٢/ ١٢٨٩).

стр. 1542

[٤٤٧] باب معنى قوله ﵌: «الشؤم في ثلاثة .. » سؤال: بارك الله فيك يا شيخ حديث أبي هريرة الذي يقول فيه النبي ﵌: «إنما الشؤم في ثلاث: المرأة والدار والفرس» يعني قال بعض العلماء فيما استدركته عائشة على الصحابة أنها قالت: رحم الله أبا هريرة إنما دخل على الشطر الأخير من هذا الحديث، فقول النبي ﵌، فأول الحديث إنما يقول النبي ﵌: «قاتل الله اليهود، تقول إنما الشؤم في ثلاث .. » ثم ذكرت تكملة الحديث، فما أدري ما صحة هذه الزيادة يا شيخ، وهل هذه هي مناسبة الحديث أم لا؟ الشيخ: تعني بالزيادة ما يتعلق بحديث عائشة؟ مداخلة: بحديث عائشة لما استدركته على أبي هريرة. الشيخ: استدراك السيدة عائشة ﵂ صحيح، لكن هذه الصحة لا تنفي أن يكون لحديث أبي هريرة أصل صحيح، ولكن بغير هذا اللفظ، وأنا عالجت هذه المشكلة لأن الحديث في الواقع روي في الصحاح، فضلاً عما دونها، بألفاظ ثلاثة، أحدها ما ذكرت عن أبي هريرة: «إنما الشؤم»، الثاني: «الشؤم». الثالث: وهو الصحيح: «لو كان الشؤم في شيء لكان في هذا»، هذا اللفظ الأخير هو الصحيح من حيث اعتماد صاحبي الصحيحين عليه، ومجيء أيضاً هذا اللفظ من طرق كثيرة وعديدة ترجحه على اللفظين الأولين من حيث أولاً الرواية ثم من حيث الدراية؛ لأن الأحاديث متتابعة إن لم نقل متواترة عن النبي ﵌ في إنكار التطير، فأن يقال الشؤم في ثلاثة، أو إنما الشؤم في ثلاثة، فهذا يتنافى مع نفي الشارع الحكيم في تلك الأحاديث الكثيرة المشار إليها: «لا طيرة» وفي لفظ: «لا طيرة في الإسلام» هذا يجعلنا نُقوِّي موقفنا من حيث الرواية أن اللفظ الثالث والأخير لو كان الشؤم في شيء لكان في ثلاثة، وبذلك نخلص من المشكلة التي تتبادر إلى الذهن من اللفظ الأول أو الثاني، ونقول هذا جاء من

стр. 1543

اختصار بعض الرواة وليس من الضروري أن يكون هذا الاختصار من بعض الرواة حادثاً فيما بعد، وإنما يمكن أن يكون وقع فيه بعض الرواة أيضاً الذي أوصلوا الحديث إلى السيدة عائشة، فهي روت ما سمعت، والرسول ﵇ رد عليهم بلا شك، إنما الشؤم، هذه ليست عقيدة إسلامية. إذاً: نحن نثبت الروايتين، رواية ودراية، نثبت رواية عائشة لأنه سند صحيح، ونثبت رواية عائشة على الترجيح وهي باللفظ الأخير الثالث .. ؟ وهذا أنا ذكرته في السلسلة الصحيحة، في أكثر من موضع. نعم. "الهدى والنور" (٦٦٨/ ٠٣: ٣٨: ٠٠) [٤٤٨] باب الأنواء من عادات الجاهلية [قال رسول الله ﵌]: «ثلاث لن تزال في أمتي: التفاخر في الأحساب، والنياحة والأنواء». [ترجم له الإمام بقوله: "من عادات الجاهلية" ثم قال]: [قال الإمام]: " الأنواء ": جمع نوء، وهو النجم إذا سقط في المغرب مع الفجر، مع طلوع آخر يقابله في المشرق، والمراد الاستسقاء بها كما يأتي في الحديث المشار إليه، أي طلب السقيا. قال في " النهاية ": " وإنما غَلَّظ النبي ﵌ في أمر الأنواء؛ لأن العرب كانت تنسب المطر إليها، فأما من جعل المطر من فعل الله تعالى، وأراد بقوله: " مطرنا بنوء كذا ": في وقت كذا، وهو هذا النوء الفلاني، فإن ذلك جائز، أي أن الله قد أجرى العادة أن يأتي المطر في هذه الأوقات ". "الصحيحة" (٤/ ٤٠٩ - ٤١٠).

стр. 1544

جماع أبواب مناهي لفظية عقدية لها تعلق بأبواب الشرك

стр. 1545

[٤٤٩] باب الحلف بغير الله شرك لفظي أو قلبي [قال رسول الله ﵌]: «كل يمين يحلف بها دون الله شرك». [ترجم له الإمام بما ترجمناه به ثم قال]: (فائدة): قال أبو جعفر الطحاوي: " لم يُرد به الشرك الذي يخرج من الإسلام حتى يكون به صاحبه خارجاً عن الإسلام، ولكنه أراد أنه لا ينبغي أن يُحلف بغير الله تعالى لأن من حلف بغير الله تعالى، فقد جعل ما حلف به محلوفاً به كما جعل الله تعالى محلوفا به، وبذلك جعل من حلف به أو ما حلف به شريكاً فيما يحلف به وذلك أعظم، فجعله مشركا بذلك شركا غير الشرك الذي يكون به كافراً بالله تعالى خارجا عن الإسلام ". يعني- والله أعلم- أنه شرك لفظي، وليس شركاً اعتقادياً، والأول تحريمه من باب سد الذرائع، والآخر محرم لذاته، وهو كلام وجيه متين، ولكن ينبغي أن يستثني منه من يحلف بولي؛ لأن الحالف يخشى إذا حنث في حلفه به أن يصاب بمصيبة، ولا يخشى مثل ذلك إذا حلف بالله كاذباً، فإن بعض الجهلة الذين لم يعرفوا حقيقة التوحيد بعد إذا أنكر حقاً لرجل عليه وطلب أن يحلف بالله فعل، وهو يعلم أنه كاذب في يمينه، فإذا طلب منه أن يحلف بالولي الفلاني امتنع واعترف بالذي عليه، وصدق الله العظيم: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ (١). "الصحيحة" (٥/ ٦٩ - ٧١).
следующие страницы →