← Акыда

Акыда · id 36190

جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة = موسوعة العقيدة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (4 534 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

الشيخ: طيب، فإذاً الإسلام ليس هو إسلامنا فقط، بل هو إسلام الذين كانوا من قبلنا، فإذا كان الدين الإسلام الآن فهو كذلك في قديم الزمان، فهي أيضاً أديان، وكلها يجمعها الإسلام. الملقي: الدين يعني بمعنى شرائع؟ الشيخ: شو معنى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]؟ الملقي: يعني بمعنى الاعتقاد ... الشيخ: إيه، هذا المعنى نفسه اللي عندنا الآن هو في ذاك الزمان. "الهدى والنور" (٥٣٠/ ١٨: ٣٥: ٠٠) [٤٧٨] باب هل يقبل الله تعالى من الناس ديناً غير الإسلام ؟ [سئل الإمام]: كيف نوفق بين هاتين الآيتين ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (آل عمران٨٥) , وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (المائدة٦٩)؟ [فأجاب ﵀ بقوله]: لا تعارض بين الآيتين كما يوهم السؤال, وذلك لأن آية الإسلام هي بعد أن تَبلُغَ دعوةُ الإسلامِ أولئك الأقوام الذين وصفهم الله عزوجل في الآية الثانية ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وذكر منهم الصابئة, والصابئة حينما يذكرون يسبق إلى الذهن أن المقصود بهم: عُباد الكواكب لكنهم -في الحقيقة- كل قوم وقعوا في الشرك بعد أن كانوا من أهل التوحيد فالصابئة كانوا موحدين, ثم عرض لهم الشرك وعبادة الكواكب, فالذين ذُكروا في هذه الآية

стр. 1577

هم المؤمنون منهم الموحدون, فهؤلاء قبل مجيء دعوة الإسلام هم كاليهود والنصارى, وهم ذُكروا أيضاً في نفس السياق الذي ذُكر فيه الصابئة فهؤلاء مَنْ كان منهم متمسكاً بدينه في زمانه, فهو من المؤمنين ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ولكن بعد أن بعث الله عزوجل محمداً ﵊ بدين الإسلام, وبلغت دعوة هذا الإسلام أولئك الناس من يهود ونصارى وصابئة, فلا يقبل منه إلا الإسلام. إذاً قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ أي: بعد مجيء الإسلام على لسان الرسول ﵊, وبلوغ دعوة الإسلام إليه, فلا يُقبل منه إلا الإسلام. وأما الذين كانوا قبل بعثة الرسول ﵊ بالإسلام, أو الذين قد يوجدون اليوم على وجه الأرض ولم تبلغهم دعوة الإسلام أو بَلَغَتْهُمْ دعوةُ الإسلام ولكنْ بلغتهم محرفةً عن أساسها وحقيقتها, كما ذكرتُ في بعض المناسبات عن القاديانيين -مثلاً- الذين انتشروا في أوربا وأمريكا يدعون إلى الإسلام لكن هذا الإسلام الذين يدعون إليه ليس من الإسلام في شيء, لأنهم يقولون بمجيء أنبياء بعد خاتم الأنبياء محمد ﵊, فهؤلاء الأقوام -من الأوربيين والأمريكيين الذين دعوا إلى الإسلام القادياني, ولم تبلغهم دعوة الإسلام الحق-على قسمين: قسم منهم على دين سابق وهم متمسكون به, فعلى ذلك تحمل آية ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. وقسم انحرف عن هذا الدين -كما هو شأن كثير من المسلمين اليوم -فالحجة قائمة عليهم.

стр. 1578

أما من لم تبلغهم دعوة الإسلام مطلقاً -سواء بعد الإسلام أو قبله-, فهؤلاء لهم معاملة خاصة في الآخرة, وهي أن الله عزوجل يبعث إليهم رسولاً يمتحنهم - كما امتحن الناس في الحياة الدنيا - فمن استجاب لذلك الرسول في عرصات يوم القيامة وأطاعه دخل الجنة, ومن عصاه دخل النار (١). "كيف يجب علينا أن نفسر القرآن" (ص٢١ - ٢٣). [٤٧٩] باب مسمى الإيمان غير مسمى الإسلام [قال رسول الله ﵌]: «أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص». [قال الإمام]: وفي الحديث أيضاً إشارة إلى أن مسمى الإسلام غير الإيمان، وقد اختلف العلماء في ذلك اختلافا كثيراً، والحق ما ذهب إليه جمهور السلف من التفريق بينهما لدلالة الكتاب والسنة على ذلك فقال تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا، ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾ وحديث جبريل في التفريق بين الإسلام والإيمان معروف مشهور، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتاب " الإيمان " (ص ٣٠٥ طبع المكتب الإسلامي). "والرد إلى الله ورسوله في مسألة الإسلام والإيمان يوجب أن كلا من الاسمين وإن كان مسماه واجباً، ولا يستحق أحد الجنة إلا بأن يكون مؤمناً مسلماً، فالحق في ذلك ما بينه النبي ﵌ في حديث جبريل، فجعل الدين وأهله ثلاث

стр. 1579

طبقات: أولها الإسلام، وأوسطها الإيمان، وأعلاها الإحسان، ومن وصل إلى العليا، فقد وصل إلى التي تليها، فالمحسن مؤمن، والمؤمن مسلم وأما المسلم فلا يجب أن يكون مؤمناً". ومن شاء بسط الكلام على هذه المسألة مع التحقيق الدقيق فليرجع إلى الكتاب المذكور، فإنه خير ما ألف في هذا الموضوع. "الصحيحة" (١/ ١/٢٨٨، ٢٩٠). [٤٨٠] باب منه [قال الإمام]: الحقيقة التي لا تخفى على عالم أن هناك فرقاً بين الإسلام وبين الإيمان، وبينهما كما يقول الفقهاء: عموم وخصوص، أي: كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمن، لماذا؟ لأن الإيمان هو الاعتقاد فهو أمر قلبي، أما الإسلام وهو أمر عملي ظاهر .. أما الإسلام فعمل ظاهري، عمل الجوارح ... ، الإيمان قلبي باطني غير ظاهر، أما الإسلام فهو ظاهري عملي فيظهر، فقد يمكن أن يُسْلِمَ بعض الناس لمصلحة شخصية، هذه المصلحة تتغير وتختلف باختلاف الزمان والمكان، في الزمن الأول: زمن قوة الإسلام التي نبع منها تشريع خاص من ذلك قوله ﵇: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دمائهم وأموالهم وحسابهم على الله» فإذا قالوا: لا إله إلا الله عصموا بها دمائهم وأموالهم، إذا قالوها عن عقيدة .. عن إيمان .. أو عن خوف

стр. 1580

قتل .. خوف دفع جزية أو ما شابه ذلك؟ لذلك كان الإسلام غير الإيمان، فالإسلام عمل ظاهري، والإيمان عمل باطني " الهدى والنور" (١٧٠/ ١٥: ٤٨: ٠٠) [٤٨١] باب منه [قال الإمام]: [ادعى بعضهم أنه] يقع كثيراً في القرآن وفي السنة [أن] يعطف بالشيء على الشيء، ويراد بالتالي نفس الأول كما في قوله: ﴿إن المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات﴾، فغاير بينهما بحرف العطف، ومعلوم أن المسلمين هم المؤمنون، والمؤمنين هم المسلمون ". فأقول: هذا غير معلوم، بل العكس هو الصواب، كما شرح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه، وبخاصة منها كتابه " الإيمان "، ولذلك قال في " مختصر الفتاوى المصرية " (ص٥٨٦): " الذي عليه جمهور سلف المسلمين: أن كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا، فالمؤمن أفضل من المسلم، قال تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾ ". فالآية كما ترى حجة عليه، ويؤيد ذلك تمامها: ﴿القانتين والقانتات ... ﴾ الآية: فإن من الظاهر بداهة أنه ليس كل مسلم قانتاً! "الصحيحة" (٦/ ١/٣٦٧). [٤٨٢] باب هل حب الوطن من الإيمان ؟ [روي عن النبي ﵌ أنه قال]:

стр. 1581

«حب الوطن من الإيمان». (موضوع). [قال الإمام]: ومعناه غير مستقيم إذ إن حب الوطن كحب النفس والمال ونحوه، كل ذلك غريزي في الإنسان لا يمدح بحبه ولا هو من لوازم الإيمان، ألا ترى أن الناس كلهم مشتركون في هذا الحب لا فرق في ذلك بين مؤمنهم وكافرهم؟! "الضعيفة" (١/ ١١٠). [٤٨٣] باب منه الشيخ: الجملة اللي هي شائعة بين الناس إن الرسول قال: «حب الوطن من الإيمان». هذا كلام ما أنزل الله به من سلطان. إذن الرسول ما صح عنه أنه قال: حب الوطن من الإيمان. نرجع بقى نقول: سؤال فقهي، سؤال فقهي بعد ما طهرنا الأذهان من كون الرسول قال: «حب الوطن من الإيمان». هل صحيح أن حب الوطن من الإيمان أم يجوز حب الوطن؟ في فرق: شيء يجوز وشيء له علاقة بالإيمان، أي شيء له علاقة بالإيمان فهو مستحب وأنت صاعد حتى يصير فرضاً، صح ولا لا؟ لكن الأمر الجائز سواء عليك فعلته أو تركته. حب الوطن أمر غريزي، حب الوطن أمر غريزي، مثل حب الحياة، ومثل كراهية الموت، فالإنسان الذي يحب الحياة لا يمدح ولا يذم لكن يمدح ويذم

стр. 1582

باعتبار ما يتعلق بحياته كما قال ﵊: «خيركم من طال عمره وحسن عمله وشركم من طال عمره وساء عمله» (١). فإذن حب الوطن أمر غريزي في الناس؛ ولذلك قال تعال في حق اليهود: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ﴾ (النساء:٦٦) لماذا؟ لأن الإنسان يتعلق بوطنه، فالتعلق بالوطن أمر غريزي، أمر طبيعي، ولكن حب الوطن لا لذاته، لا لأن أرضك فلسطين، فأنت بتحب فلسطين ديناً، لا، بحت أصوات الدعاة الإسلاميين بالتفاخر أن من كمال الإسلام وعظمته أن كل بلاد الإسلام هو وطن واحد، صح ولَّا لا؟ هذا من الناحية الإسلامية، أما من الناحية الغريزية الطبيعية المفطورة، الواحد مش بيحب الوطن فلسطين، بيحب البلدة التي ولد فيا، بيحب الحارة، المحلة التي ولد فيها، هذا له علاقة يا أخي بالإيمان؟ هذا له علاقة بطبيعة الإنسان، ولذلك فيجب أن نفرق بين كون حب الشيء غريزة، طبيعة، فطرة، وبين كون الشيء من الإيمان. ظهر لك الفرق الآن؟ آه ... بدي أرجع أنا لحديثك، صحيح أن الرسول ﵊ لما عزم على الهجرة من مكة إلى المدينة توجه إلى مكة وقال: أما إنك انتبه بقية الحديث أيش يختلف الأمر عن المعنى اللي دار في ذهنك خطأ، خطأ، الحديث ليس له علاقة بحب الوطن أي وطن، كان له علاقة بحب خير بلاد الله، قال ﵇: «إنك أحب بلاد الله إلي الله وأحب بلاد الله إلي، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت» (٢)، ليه؟ لأنه وطنه؟ لا؛ لأنه خير بلاد الله، ولأن هذه مكة أحب البلاد الله إلى الله، بالتالي أحب بلاد الله إلى رسول الله.

стр. 1583

فإذن هذا الكلام لا يطبق على كل بلاد الدنيا. فمثلاً لا يجوز لمسلم-نضربها كما يقولون: علاوية-أُخْرِجَ من بلده مصر مكرهاً بيلتفت بيقول: أما إنك من أحب بلاد الله إلى الله، وأحب بلاد الله إلي، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت؟ ما بيجوز هذا الكلام، فأنت يا أخي فبارك الله فيك، العلم نور، فلا يجوز للإنسان المسلم أن يتكلم بغير علم لأن الله يقول: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء:٣٦). "الهدى والنور" (٥٢٧/ ٠٦: ١٢: ٠٠) [٤٨٤] باب المؤمن كلما كان أقوى إيماناً ازداد ابتلاءً [قال رسول الله ﵌]: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب (وفي رواية: قدر) دينه، فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه, وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة». [وقال ﵌]: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر، حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة التي يحويها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء». [وقال ﵌]: «إن من أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين

стр. 1584

يلونهم». [ترجم الإمام لهذه الأحاديث بقوله: «من أشد الناس بلاءً» فذكرها مع تخريجها ثم قال]: وفي هذه الأحاديث دلالة صريحة على أن المؤمن كلما كان أقوى إيماناً، ازداد ابتلاءً وامتحاناً، والعكس بالعكس، ففيها رد على ضعفاء العقول والأحلام الذين يظنون أن المؤمن إذا أصيب ببلاء كالحبس أو الطرد أو الإقالة من الوظيفة ونحوها أن ذلك دليل على أن المؤمن غير مرضي عند الله تعالى! وهو ظن باطل، فهذا رسول الله ﵌ وهو أفضل البشر، كان أشد الناس حتى الأنبياء بلاء، فالبلاء غالباً دليل خير، وليس نذير شر، كما يدل على ذلك أيضا الحديث الآتي: " إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط ". "الصحيحة" (١/ ١/٢٧٣ - ٢٧٦). [٤٨٥] باب الفرق بين العقيدة والإيمان سؤال: يا شيخنا ما الفرق بين العقيدة والإيمان؟ الشيخ: ما في فرق، كلمة الإيمان هي المستعملة في السنة والقرآن، العقيدة تعبير للعلماء عن هذا الإيمان. " الهدى والنور" (٥٧/ ٠٩: ٢٧: ٠١)

стр. 1585

(تعريف الإيمان) [٤٨٦] باب الإيمان: تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان وهو يزيد وينقص والرد على من أنكر ذلك [وصف أبوغدة شارحَ الطحاوية أبن أبي العز بالإمامة، فأراد الإمام الألباني إلزامه ببعض أهم المسائل العقدية التي قررها الشارح في عقيدته والتي يعلم الشيخ الألباني إنكار أبي غدة أو شيخه الكوثري لها فقال الإمام:] قلت: فإذا كان أبو غدة مؤمناً حقاً بهذه الإمامة الملموسة المشهورة فأنا أختار له من كلام هذا الإمام سبع مسائل, فإن أجاب عنها بما يوافق ما ذهب إليه هذا الإمام المشهور من قلبٍ مخلصٍ فذلك ما نرجوه, وأعتذر إليه من إساءة الظن به, وإن كانت الأخرى فذلك مما يؤيد - مع الأسف- ما رميته به من المداراة. [فذكر أربع مسائل ثم قال:] المسألة الخامسة: يقول "الإمام" [أي: أبن أبي العز] تبعاً للأئمة مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق بن راهوية وسائر أهل الحديث وأهل المدينة: إن الإيمان هو تصديق بالجنان, وإقرار باللسان, وعمل بالأركان. وقالوا: يزيد وينقص. وشيخك تعصباً لأبي حنيفة يخالفهم مع صراحة الأدلة التي تؤيدهم من

стр. 1586

الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح ﵃, بل ويغمز منهم جميعاً مشيراً إليهم بقوله في "التأنيب" (ص ٤٤ - ٤٥) إلى "أناس صالحون" يشير أنهم لا علم عندهم فيما ذهبوا إليه ولا فقه, وإنما الفقه عند أبي حنيفة دونهم, ثم يقول: إنه الإيمان والكلمة, وإنه الحق والصراح. وعليه فالسلف وأولئك الأئمة الصالحون (!) هم عنده على الباطل في قولهم: بأن الأعمال من الإيمان, وأنه يزيد وينقص. وقد نقل أبو غدة كلام شيخه الذي نقلنا موضوع الشاهد منه, نقله بحرفه, في التعليق على "الرفع والتكميل" (ص ٦٧ - ٦٩) , ثم أشار إليه في مكان آخر منه ممجداً به ومكبراً له بقوله (ص ٢١٨): وانظر لزاماً ما سبق نقله تعليقاً فإنك لا تظفر بمثله في كتاب ثم أعاد الإشارة إليه (ص ٢٢٣) مع بالغ إعجابه به. وظني به أنه يجهل - أن هذا التعريف للإيمان الذي زعم شيخه أنه الحق الصراح - مع ما فيه من المخالفة لما عليه السلف كما عرفت, مخالف لما عليه المحققون من علماء الحنفية أنفسهم الذين ذهبوا إلى: أن الإيمان هو التصديق فقط ليس معه الإقرار! كما في "البحر الرائق" لابن نجيم الحنفي (٥/ ١٢٩) , والكوثري في كلمته المشار إليها يحاول فيها أن يصور للقارئ أن الخلاف بين السلف والحنفية في الإيمان لفظي, يشير بذلك إلى أن الأعمال ليست ركناً أصلياً, ثم يتناسى أنهم يقولون بأنه يزيد وينقص, وهذا ما لا يقول به الحنفية إطلاقاً, بل إنهم قالوا في صدد بيان الألفاظ المكفرة عندهم: وبقوله: الإيمان يزيد وينقص كما في "البحر الرائق" - "باب أحكام المرتدين"! فالسلف على هذا كفار عندهم مرتدون!! راجع شرح الطحاوية (ص ٣٣٨ - ٣٦٠) و"التنكيل" (٢/ ٣٦٢ - ٣٧٣) الذي كشف عن مراوغة الكوثري في هذه المسألة.

стр. 1587

وليعلم القارئ الكريم أن أقل ما يقال في الخلاف المذكور في المسألة أن الحنفية يتجاهلون أن قول أحدهم - ولو كان فاسقاً فاجراً -: أنا مؤمن حقاً, ينافي مهما تكلفوا في التأويل - التأدب مع القرآن ولو من الناحية اللفظية على الأقل الذي يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾. فليتأمل المؤمن الذي عافاه الله تعالى مما ابتلى به هؤلاء المتعصبة, من هو المؤمن حقاً عند الله تعالى, ومن هو المؤمن حقاً عند هؤلاء؟! "تحقيق شرح العقيدة الطحاوية" (ص ٥٧ - ٥٨)

стр. 1588

جماع أبواب أركان الإيمان

стр. 1589

(قول القلب وعمله) [٤٨٧] باب قول القلب وعمله ركن في الإيمان والرد على غلاة المرجئة في ذلك [روي عن النبي ﵌]: «حضر ملك الموت ﵇ رجلاً يموت فلم يجد فيه خيراً، وشق عن قلبه فلم يجد فيه شيئاً، ثم فك عن لحييه فوجد طرف لسانه لاصقاً بحنكه يقول: لا إله إلا الله، فغفر الله له بكلمة الإخلاص». (منكر). [قال الإمام]: ثم إن الحديث منكر عندي يناقض بعضه آخره، لأن قوله: لا إله إلا الله، لا ينفعه ما دام لم يوجد في قلبه شيء من الإيمان إلا على مذهب بعض المرجئة الغلاة الذين لا يشترطون مع القول الإيمان القلبي. فتأمل. "الضعيفة" (٦/ ٩٩، ١٠١).

стр. 1590

(عمل الجوارح وموقعها من الإيمان) [٤٨٨] باب العمل سبب لابد منه لدخول الجنة [قال رسول الله ﵌]: «لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة [ولا ينجيه من النار]، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا -[وأشار بيده هكذا على رأسه:]-إلا أن يتغمدني الله منه بفضل ورحمة، [مرتين أو ثلاثا] [فسددوا وقاربوا] [وأبشروا] [واغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا] [واعلموا أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل]». [قال الإمام]: واعلم أن هذا الحديث قد يشكل على بعض الناس، ويتوهم أنه مخالف لقوله تعالى: ﴿وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون﴾ ونحوها من الآيات والأحاديث الدالة على أن دخول الجنة بالعمل، وقد أجيب بأجوبة أقربها إلى الصواب: أن الباء في قوله في الحديث: " بعمله " هي باء الثمنية، والباء في الآية باء السببية، أي أن العمل الصالح سبب لابد منه لدخول الجنة، ولكنه ليس ثمنا لدخول الجنة، وما فيها من النعيم المقيم والدرجات ... "الصحيحة" (٦/ ١/١٩٥، ١٩٨). [٤٨٩] باب الإيمان بدون عمل لا يفيد [قال الإمام]: إن الإيمان بدون عمل لا يفيد؛ فالله حينما يذكر الإيمان يذكره

стр. 1591

مقرونًا بالعمل الصالح؛ لأننا لا نتصور إيمانًا بدون عمل صالح، إلا أن نتخيله تخيلاً، آمن من هنا، قال: أشهد ألا إله إلا الله ومحمد رسول الله، ومات من هنا، هذا نستطيع أن نتصوره، لكن إنسان يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله ويعيش دهره مما شاء الله ولا يعمل صالحاً؛ فعدم عمله الصالح هو دليل أنه يقولها بلسانه، ولم يدخل الإيمان إلى قلبه؛ فذكر الأعمال الصالحة بعد الإيمان ليدل على أن الإيمان النافع هو الذي يكون مقرونًا بالعمل الصالح. "شرح الأدب المفرد، الشريط السادس، الوجه الأول"بواسطة"الإيمان عند السلف" [٤٩٠] باب لا يمكن تصور صلاح القلوب إلا بصلاح الأعمال، وبيان أن تفاضل العباد في الدرجات في الجنة إنما هو بالنسبة للأعمال الصالحة كثرةً وقلة [قال الإمام في مقدمة تحقيقه على رياض الصالحين تحت عنوان "فوائد متفرقة"]: الحديث (٨) "وعن أبى هريرة ... إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ,ولكن ينظر إلى قلوبكم. رواه مسلم " قلت: وزاد مسلم وغيره في رواية:"وأعمالكم "، وهو مخرج في " غاية المرام في تخريج الحلال والحرام " (٤١٠).وهذه الزيادة هامة جدًّا؛ لأن كثيرًا من الناس يفهمون الحديث بدونها فهمًا خاطئًا، فإذا أنت أمرتهم بما أمرهم به الشرع الحكيم من مثل إعفاء اللحية، وترك التشبه بالكفار، ونحو ذلك من التكاليف الشرعية، أجابوك بأن العمدة على ما في القلب، واحتجوا على زعمهم بهذا الحديث، دون أن يعلموا بهذه الزيادة الصحيحة الدالة على أن الله تبارك

стр. 1592

وتعالى ينظر أيضًا إلى أعمالهم، فإن كانت صالحة قبلها وإلا ردها عليهم كما تدل على ذلك عديد من النصوص كقوله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" والحقيقة أنه لا يمكن تصور صلاح القلوب إلا بصلاح الأعمال، ولا صلاح الأعمال إلا بصلاح القلوب. وقد بين ذلك رسول الله ﷺ أجمل بيان في حديث النعمان بن بشير: " .... ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، إذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهى القلب " (الحديث٥٩٣). وحديثه الآخر:" لتسوُّنَّ صفوفكم أوليخالفن الله بين وجوهكم".أي قلوبكم (الحديث١٠٩٦). وقوله ﷺ : إن الله جميل يحب الجمال". وهو وارد في الجمال المادي المشروع خلافا لظن الكثيرين .. وإذا عرفت هذا , فمن أفحش الخطأ الذي رأيته في هذا الكتاب: "الرياض" في جميع نسخه المخطوطة والمطبوعة التي وقفت عليها، أن الزيادة المذكورة قد استدركها المصنف - رحمه الله تعالى- في الحديث (١٥٧٨) لكن قلمه أو قلم كاتبه انحرف بها فوضعها في مكان مفسد للمعنى. فوقعت فيه هكذا:" .... ولا إلى صوركم وأعمالكم , ولكن ينظر ... " وانطلى ذلك على جميع الطابعين والمصححين والمعلقين، ولا أستثنى من ذلك مصححي الطبعة المنيرية ولا غيرها. بل لقد انطلى أمرها على الشارح ابن علان نفسه , فشرح الحديث على القلب! فقال: (٤/ ٤٠٦): "أي أنه تعالى لا يرتب الثواب على كبر الجسم , وحسن الصورة، وكثرة العمل"! وهذا الشرح مما لايخفى بطلانه لأنه مع منافاته للحديث في نصه الصحيح , معارض للنصوص الكثيرة من الكتاب والسنة الدالة على أن تفاضل العباد في الدرجات في الجنة إنما هو بالنسبة للأعمال الصالحة

стр. 1593

كثرة وقلة. من ذلك قوله تعالى: [وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا] ﴿الأنعام:١٣٢﴾.وقوله في الحديث القدسي:" ..... يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله ..... " الحديث (١٣٣).وكيف يعقل أن لا ينظر الله إلى العمل كالأجساد والصور , وهو الأساس في دخول الجنة بعد الإيمان كما قال تعالى: [ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)]. ﴿النحل الآية:٣٢)﴾. فتأمل كم يبعد التقليد أهله عن الصواب , ويلقى بهم في وادٍ من الخطأ سحيق. وما ذلك إلا لإعراضهم عن دراسة السنة في أمهات كتبها المعتمدة المصححة , والله المستعان. "تحقيق رياض الصالحين" (ص٢١ - ٢٣). [٤٩١] باب العمل الصالح سبب لدخول الجنة [قال الإمام]: الله ﵎ جعل لكل شيء سببًا، فالعمل الصالح سبب لدخول الجنة، والعمل السيئ سبب لدخول النار. "الضعيفة" (١١/ ١/٥١٦). [٤٩٢] باب الرد على من أخرج العمل من مسمى الإيمان وبيان أن الخلاف بين أهل السنة وبين الحنفية والماتريدية حقيقيًّا لا صورياًّ -[قال الإمام معلقا على قول صاحب الطحاوية]:"والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان":

стр. 1594

هذا مذهب الحنفية والماتريدية خلافاً للسلف وجماهير الأئمة كمالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وغيرهم فإن هؤلاء زادوا على الإقرار والتصديق: العمل بالأركان. وليس الخلاف بين المذهبين اختلافاً صورياًّ كما ذهب إليه الشارح رحمه الله تعالى بحجة أنهم جميعا اتفقوا على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج عن الإيمان وأنه في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه. فإن هذا الاتفاق وإن كان صحيحاً فإن الحنفية لو كانوا غير مخالفين للجماهير مخالفةً حقيقيةً في إنكارهم أن العمل من الإيمان لاتفقوا معهم على أن الإيمان يزيد وينقص وأن زيادته بالطاعة ونقصه بالمعصية مع تضافر أدلة الكتاب والسنة والآثار السلفية على ذلك وقد ذكر الشارح طائفة طيبة منها (ص ٣٨٤ - ٣٨٧) ولكن الحنفية أصروا على القول بخلاف تلك الأدلة الصريحة في الزيادة والنقصان وتكلفوا في تأويلها تكلفاً ظاهراً بل باطلاً ذكر الشارح (ص ٣٨٥) [٣٤٢] نموذجاً منها بل حكى عن أبي المعين النسفي أنه طعن في صحة الحديث " الإيمان بضع وسبعون شعبة ... " مع احتجاج كل أئمة الحديث به ومنهم البخاري ومسلم في " صحيحيهما " وهو مخرج في " الصحيحة " (١٧٦٩) وما ذلك إلا لأنه صريح في مخالفة مذهبهم. ثم كيف يصح أن يكون الخلاف المذكور صوريًّا؛ وهم يجيزون لأفجر واحد منهم أن يقول: إيماني كإيمان أبي بكر الصديق بل كإيمان الأنبياء والمرسلين وجبريل وميكائيل عليهم الصلاة والسلام، كيف وهم بناءً، على مذهبهم هذا لا يجيزون لأحدهم - مهما كان فاسقاً فاجراً - أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، بل يقول: أنا مؤمن حقاً، والله يقول: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون. الذين

стр. 1595

يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا﴾ (الأنفال:٢ - ٤) ﴿ومن أصدق من الله قيلاً﴾ (النساء:٢٢). وبناء على ذلك كله اشتطوا في تعصبهم فذكروا أن من استثنى في إيمانه فقد كفر وفرعوا عليه أنه لا يجوز للحنفي أن يتزوج بالمرأة الشافعية وتسامح بعضهم - زعموا - فأجاز ذلك دون العكس وعلل ذلك بقوله: تنزيلا لها منزلة أهل الكتاب. وأعرف شخصاً من شيوخ الحنفية خطب ابنته رجل من شيوخ الشافعية فأبى قائلا: ... لولا أنك شافعي! فهل بعد هذا مجال للشك في أن الخلاف حقيقي؟ ومن شاء التوسع في هذه المسألة فليرجع إلى كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية: " الإيمان " فإنه خير ما ألف في هذا الموضوع. "التعليق على متن الطحاوية" (ص٦٦ - ٦٩). [٤٩٣] باب رد قول من أخرج الأعمال من الإيمان [قال رسول الله ﵌]: - «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه أبصارهم وهو مؤمن». [قال الإمام]: الحقيقة أن الحديث وإن كان مؤولاً، فهو حجة على الحنفية الذين لا يزالون مصرين على مخالفة السلف في قولهم بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فالإيمان

стр. 1596

عندهم مرتبة واحدة، فهم لا يتصورون إيماناً ناقصاً، ولذلك يحاول الكوثري رد هذا الحديث، لأنه بعد تأويله على الوجه الصحيح يصير حجة عليهم، فإن معناه: " وهو مؤمن إيماناً كاملاً ". قال ابن بطال: " وحمل أهل السنة الإيمان هنا على الكامل، لأن العاصي يصير أنقص حالاً في الإيمان ممن لا يعصي " ذكره الحافظ (١٠/ ٢٨). ومثله ما نقله (١٢/ ٤٩) عن الإمام النووي قال: " والصحيح الذي قاله المحققون أن معناه: لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، هذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء، والمراد نفي كماله، كما يقال: لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا ما نيل، ولا عيش إلا عيش الآخرة ". ثم أيده الحافظ في بحث طويل ممتع، فراجعه. ومن الغرائب أن الشيخ القاري مع كونه حنفيّاً متعصبا فسر الحديث بمثل ما تقدم عن ابن بطال والنووي، فقال في " المرقاة " (١/ ١٠٥): " وأصحابنا تأولوه بأن المراد المؤمن الكامل .. "، ثم قال: "على أن الإيمان هو التصديق، والأعمال خارجة عنه "! فهذا يناقض ذاك التأويل. فتأمل. "الصحيحة" (٦/ ٢/١٢٦٩، ١٢٧٦ - ١٢٧٧). [٤٩٤] باب الاعتقاد بأن الإيمان مجرد التصديق دون الأعمال من أقبح الغلط وأعظمه [نقل الإمام كلاماً لابن القيم في ذلك مقرراً فقال]: قال بعض المحققين: (المطلوب في المسائل العملية أمران: العلم والعمل، والمطلوب في العلميات العلم والعمل أيضاً، وهو حب القلب وبغضه، حبه للحق الذي دلت عليه وتضمنته، وبغضه للباطل الذي يخالفها، فليس العمل مقصوراً

стр. 1597

على عمل الجوارح، بل أعمال القلوب أصل لعمل الجوارح، وأعمال الجوارح تبع، فكل مسألة علمية، فإنه يتبعها إيمان القلب وتصديقه وحبه، وذلك عمل بل هو أصل العمل. وهذا مما غفل عنه كثير من المتكلمين في مسائل الإيمان، حيث ظنوا أنه مجرد التصديق دون الأعمال! وهذا من أقبح الغلط وأعظمه، فإن كثيراً من الكفار كانوا جازمين بصدق النبي ﵌ غير شاكين فيه، غير أنه لم يقترن بذلك التصديق عمل القلب، من حب ما جاء به، والرضا به وإرادته، والموالاة له والمعاداة عليه. فلا تهمل هذا الموضوع، فإنه مهم جداً، به تعرف حقيقة الإيمان، فالمسائل العلمية عملية، والمسائل العملية علمية، فإن الشارع لم يكتفِ من المكلفين في العمليات بمجرد العمل دون العلم، ولا في العلميات بمجرد العلم دون العمل" (١). "وجوب الأخذ بحديث الآحاد" (ص٢٦ - ٢٧). [٤٩٥] باب الإيمان الذي وقر في القلب لا بد من أن يظهر على البدن والجوارح [قال الإمام]: العمل بالإيمان عمل قلبي ليس كما يظن بعض الناس أنه لا علاقة له بالعمل، لا الإيمان أولاً، لا بد من أن يتحرك القلب بالإيمان بالله ورسوله، ثم لا بد أن يقترن مع هذا الإيمان الذي وقر في القلب أن يظهر .. على البدن والجوارح،

стр. 1598

لذلك فقوله ﵎: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل:٣٢)، نص قاطع صريح بأن دخول الجنة ليس بمجرد الأماني كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (النساء:١٢٣)، من يعمل خيراً يجز به، من يعمل سوءاً يجز به، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ (الزلزلة:٨). "الهدى والنور" (١١ب/ ٠٠:٠٧:٢٤) [٤٩٦] باب أهمية العمل وخطر التواكل [روي عن النبي ﵌ أنه قال]: - «كان فيمن كان قبلكم رجل مسرف على نفسه، وكان مسلماً، كان إذا أكل طعاماً طرح تفالة طعامه على مزبلة، فكان يأوي إليها عابد، فإن وجد كسرة أكلها وإن وجد بقلة أكلها، وإن وجد عرقاً تعرقه .... (الحديث وفيه): فأمر الله بذلك الملك فأخرج من النار جمرة ينفض فأعيد كما كان، فقال: يا رب هذا الذي كنت آكل من مزبلته قال: فقال الله : خذ بيده فأدخله الجنة من معروف كان منه إليك لم يعلم به، أما لو علم به ما أدخلته النار». (باطل). [قال الإمام]: وإن مثل هذا الحديث ليفتح باباً كبيراً على الناس من التواكل والتكاسل عن القيام بما أمر الله به، والانتهاء عما نهى عنه، والاعتماد على الأعمال العادية التي لا يقصد بها التقرب إلى الله، متعللين بأنه عسى أن ينتفع بها بعض الناس فيغفر الله لنا!! "الضعيفة" (٢/ ٢٨٩ - ٢٩١).

стр. 1599

[٤٩٧] باب التفاضل يكون بالإيمان والعمل الصالح [قال الإمام]: من المقطوع به شرعاً أن التفاضل إنما يكون بالايمان والعمل الصالح وليس بالحسب والنسب. "الصحيحة" (٧/ ١/٦٤٥). [٤٩٨] باب المدح والقدح للإنسانإنما يكونان على العمل الصالح [روي عن النبي ﵌]: «إنما الأسود لبطنه وفرجه». (موضوع). [قال الإمام]: [الحديث] باطل ظاهر البطلان؛ لمخالفته لما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام أن المدح والقدح ليس على اللون والجنس؛ وإنما على العمل الصالح؛ [إن أكرمكم عند الله أتقاكم] [١٣/ الحجرات]، وقوله ﵌: «لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى». "الضعيفة" (٧/ ٢٠٢ - ٢٠٣). [٤٩٩] باب العمل على قدر العلم بالله [عن] عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: أتيت رسول الله وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء. (صحيح).

стр. 1600

[قال الإمام]: أي غليان كغليان القدر. وهذا دليل على كمال خوفه ﵌ من ربه، ومعلوم أن العمل على قدر العلم والمعرفة، وهو ﵌ سيد العارفين بالله ... "مختصر الشمائل" (ص ١٦٩). [٥٠٠] باب بيان أن العمل الصالح من الإيمان [سئل الشيخ عمن يقول: لا يجوز للإنسان أن يقول: أنا مؤمن، بل يقول: أنا مسلم، فأجاب ﵀]: فإذا عرفنا هذه الحقيقة وهي منصوص عليها في كتاب الله وفي أحاديث رسول الله ﵌ في نصوص كثيرة من أشهرها قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ (الحجرات:١٤) أتى الأمر الإلهي: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ (الحجرات:١٤) هؤلاء أسلموا يعني: تظاهروا بأنهم يشهدوا أن لا إله إلا الله .. يقوموا إلى الصلاة، ولكن ربنا علم منهم أن الإيمان لم يدخل إلى قلوبهم، فهؤلاء مسلمون، أي: قد يكونون منافقين في قلوبهم لكن مسلمون في أعمالهم. ولذلك فمن كان مؤمناً حقيقةً في قلبه فهو مسلم ولا شك، والعكس، أي: ليس كل مسلم مؤمن؛ لذلك أنا استنكرت قول ذلك الشاب: أنه أنت عندما تقول: أنا مؤمن .. لا، أنت مسلم ما لك مؤمن، فلما قال لك ذاك الإنسان: أنك أنت لست مؤمناً أنت مسلم كنت مستحسن أنك تعكس عليه السؤال: فأنت مؤمن أو مسلم؟ إذا قال: لا، أنا مؤمن، طيب! ما الفرق بيني وبينك؟ لماذا تنكر علي قولي: أنا مؤمن؟

стр. 1601

هو الواقع بدا لي من هذا السؤال ومن بعض المناقشات التي جرت بينك وبينه أن هذا سامع كلمات، وجد كلمات من بعض المحاضرات أو بعض الدروس وليس مستوعبها، يوجد عند علماء السلف هذا الحديث، أنه إذا سئل الإنسان: «هل أنت مؤمن»؟ يقول: «أنا مؤمن إن شاء الله»، بينما أناس آخرين يقولوا: «لا، لا تقل: إن شاء الله، قل: أنا مؤمن اجزم»، وجهة نظر الذي يقول: «أنا مؤمن إن شاء الله»؛ ليس هو الشك في إيمانه، أنا وأنت كلُّ أحدٍ منا يعرف نفسه أنه مؤمن بالله ورسوله وما جاء في كتاب الله وسنة رسوله. فلما المسلم حقاً يسأل مثل هذا السؤال: المنهج السلفي يقول له: لا تقل: «أنا مؤمن» جزماً وحقاً، لكن قل: «أنا مؤمن إن شاء الله»، لماذا؟ لأن الإيمان ليس هو مجرد الاعتقاد، وإنما يضاف إليه العمل الصالح؛ لذلك: إذا ذكر الله الإيمان قرن معه العمل الصالح: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر:١] ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:٢] ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر:٣]. ولذلك من المقرر عند علماء السلف أن العمل الصالح من الإيمان، بينما الذين يسمون بالماتريدية هؤلاء يقولون: لا، العمل الصالح لوحده، والإيمان وحده، أي: العمل الصالح ليس له علاقة بالإيمان، عرفت؟ هكذا يقولوا، وهذا بلا شك خطأ، ويبنون على هذا الخطأ خطأ ثان، وهو: هذا الماتريدي إذا سئل: هل أنت مؤمن؟ يقول لك: أنا مؤمن حقاً، لماذا؟ لأنه يتكلم على العقيدة لا يعني العمل الصالح؛ لأنه يقول هكذا: الإيمان ليس له علاقة بالعمل الصالح، صحيح العمل الصالح فرض واجب لكن لا يدخل في مسمى الإيمان، بينما عند الجمهور: الإيمان من معانيه العمل الصالح، من هنا يختلف الجواب، هل الذي يقول:

стр. 1602

الإيمان هو الاعتقاد الجازم فيسأل: يقول: «أنا مؤمن حقاً»، أما الذي يعتقد أن من الإيمان العمل الصالح يقول لك: «أنا مؤمن إن شاء الله»؛ لأنه لا يعرف أنه قائم بحق هذا الإيمان أو لا. هذا الشاب يمكن سمع أن السلف لا يقولون: أنا مؤمن حقاً، يقولون: مؤمن إن شاء الله، ففسرها: أنه لا تقل: مؤمن مطلقاً، وإنما أقول: أنا مسلم، أنت تقدر تقول عن إنسان مسلم إذا شكيت في إيمانه! مثل المنافقين الذين كانوا في زمن الرسول، وما أظن هو يريد أن يتهمك بالنفاق، ولذلك كنت أستحسن جداً أنك تقول له: أنت مؤمن؟ هذا السؤال أنا أجبتك عليه، ما جوابك أنت عليه إذا أنا قلت لك: هل أنت مؤمن؟ فإذا قال لك: أنا مؤمن، معناه: كشفته أنه يتهمك بالنفاق، يعني: يقول لك: أنت كافر تظهر الإسلام، وإذا قال لك: أنا مسلم ولم يقل: أنا مؤمن، يتحقق أنه لا يفهم القضية، آخذ رؤوس أقلام من قول السلف: أنه أنا مؤمن إن شاء الله، إذاً: لن يقول أنا مؤمن. فأنت عندما قلت له: أنا مؤمن كنت مخطئ عنده، لكن ما الصواب؟ أنه لازم تقول: أنا مسلم، لا، الجواب الصحيح: أنا مؤمن إن شاء الله، أما إذا كنت قصدت أو فهمت من سؤال السائل: هل أنت تعتقد اعتقاد جازم بالإسلام والقرآن والسنة وإلى آخره، فقلت له: نعم، أنا مؤمن ما من مانع من هذا الجواب، لكن عندما يسأل سؤالاً مطلقاً: هل أنت مؤمن؟ الجواب السلفي: أنا مؤمن إن شاء الله، لأنه داخل في مسمى الإيمان العمل الصالح. هذا السائل: عندما سألك: هل أنت مؤمن؟ ما ندري ماذا قصد؟ فأنا أخشى ما أخشاه أحد شيئين وأحلاهما مر:

стр. 1603

الشيء الأول: أنه يتهمك بالكفر، ولذلك سيقول لك: أنت لست مؤمناً، أنت مسلم. الشيء الثاني الذي يمكن يقصده: هو هذا المعنى الذي لا يقوله عالم؛ لأن السلفيين أتباع أهل الحديث يقولون: أنا مؤمن إن شاء الله، الماتريديين يقولوا: أنا مؤمن حقاً، فهو: لماذا ينكر هذه وينكر هذه؟ لذلك قال لك: قل: أنا مسلم، فيعاد عليه السؤال: أنك أنت سألتني كذا وقلت لي: لا، أنت لازم تقول: أنا مسلم، فأنت شو تقول .. يتبين حينئذ ما قصده بهذا السؤال. "الهدى والنور" (١٧٠/ ١٥: ٤٨: ٠٠). [٥٠١] باب أحوال العمل مع الإيمان [قال رسول الله ﵌]: - «أبشروا وبشروا الناس من قال لا إله إلا الله صادقا بها دخل الجنة». [قال الإمام]: هذا وقد اختلفوا في تأويل حديث الباب وما في معناه من تحريم النار على من قال لا إله إلا الله على أقوال كثيرة ذكر بعضها المنذري في "الترغيب" (٢/ ٢٣٨) وترى سائرها في " الفتح". والذي تطمئن إليه النفس وينشرح له الصدر وبه تجتمع الأدلة ولا تتعارض، أن تحمل على أحوال ثلاثة: الأولى: من قام بلوازم الشهادتين من التزام الفرائض والابتعاد عن الحرمات، فالحديث حينئذ على ظاهره، فهو يدخل الجنة وتحرم عليه النار مطلقاً.

стр. 1604

الثانية: أن يموت عليها، وقد قام بالأركان الخمسة ولكنه ربما تهاون ببعض الواجبات وارتكب بعض المحرمات، فهذا ممن يدخل في مشيئة الله ويغفر له كما في الحديث الآتي بعد هذا وغيره من الأحاديث المكفرات المعروفة. الثالثة: كالذي قبله ولكنه لم يقم بحقها ولم تحجزه عن محارم الله كما في حديث أبي ذر المتفق عليه: " وإن زنى وإن سرق ... " الحديث، ثم هو إلى ذلك لم يعمل من الأعمال ما يستحق به مغفرة الله، فهذا إنما تحرم عليه النار التي وجبت على الكفار، فهو وإن دخلها، فلا يخلد معهم فيها بل يخرج منها بالشفاعة أو غيرها ثم يدخل الجنة ولابد، وهذا صريح في قوله ﵌: «من قال لا إله إلا الله نفعته يوما من دهره، يصيبه قبل ذلك ما أصابه». وهو حديث صحيح كما سيأتي في تحقيقه إن شاء الله برقم (١٩٣٢). والله أعلم. "الصحيحة" (٣/ ٢٩٧،٢٩٩ - ٣٠٠). [٥٠٢] باب هل الأعمال الواجبة شرط صحة في الإيمان ؟ عن أنس بن مالك قال: خطبنا رسول الله ﵌ فقال في الخطبة: «لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له» [قال الإمام]: (صحيح لغيره). [وعلق على الحديث قائلاً]: قلت: فيه -كما ترجم له المؤلف-[أي الهيثمي في الموارد حيث ترجم له بقوله: باب فيما يخالف كمال الإيمان] رد صريح على بعض الجهلة الذين يقولون بأن الأعمال الواجبة شرط صحة في الإيمان, فإذا تركه كفر وخرج من الملة بزعمهم! ذلك لأن أداء الأمانة والوفاء بالعهد من الواجبات، ومع ذلك لا يوجد

стр. 1605

أحد من أهل العلم يقول بأنها شرط صحة؛ ما دام المخالف مؤمناً بالوجوب, معترفاً بذنبه غير مستكبر, فهل من معتبر؟! ويراجع لهذا رسالتي "حكم تارك الصلاة". "صحيح موارد الظمآن" (١/ ١١٢). [٥٠٣] باب الإيمان الكامل يستلزم العمل [قال الإمام]: الإيمان الكامل يستلزم العمل لكن الكمال ليس شرطاً في كل إيمان حتى ولو كان ذرة تنجيه من الخلود يوم القيامة في النار. "الهدى والنور" تحت (٨٣٠/ ٥٥: ٣٨: ٠٠). [٥٠٤] باب الشهادة لا يبطلها الإخلال بشيء من أعمال الجوارح الواجبة [روي عن النبي ﵌]: «ثلاثة لا يُقبل لهم شهادة أن لا إله إلا الله: الراكب والمركوب، والراكبة والمركوبة، والإمامُ الجائر». (موضوع). [قال الإمام]: ثم إنني أقول: هذا الحديث عندي موضوع باطل، ظاهر البطلان؛ لأنه مخالف لما عليه أهل السنة: أن الشهادة لا يبطلها الإخلال بشيء من أعمال

стр. 1606

الجوارح الواجبة؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفرأن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، إلى غير ذلك من النصوص الثابتة التي يرد بها العلماء على أهل الأهواء؛ كالإباضية والخوارج، ومن جرى مجراهم، وضل ضلالهم من جهلة العصر الحاضر. فالعجب كيف خلت منه كتب الموضوعات، مثل "موضوعات ابن الجوزي "، و" اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة" للسيوطي، و"ذيل الموضوعات " له؛ فضلاً عن " العلل المتناهية " لابن الجوزي، وغيرها. "الضعيفة" (١٤/ ١/٣٧٨ - ٣٧٩). [٥٠٥] باب بيان أن الموحِّد لا يخلد في النار مهما كان فعله مخالفاً لما يسلتزمه الإيمان ويوجبه من الأعمال [قال رسول الله ﵌]: «كانَ رجلٌ ممَّن كان قبلكم لم يعمل خيراً قطُّ؛ إلا التوحيد، فلما احتُضر قال لأهله: انظروا: إذا أنا متُّ أن يحرِّقوه حتى يدعوه حمماً، ثم اطحنوه، ثم اذروه في يوم ريح، [ثم اذروا نصفه في البر، ونصفه في البحر، فوالله؛ لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين]، فلما مات فعلوا ذلك به، [فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه]، فإذا هو [قائم] في قبضة الله، فقال الله : يا ابن آدم! ما حملك على ما فعلت؟ قال: أي ربِّ! من مخافتك (وفي طريق آخر: من خشيتك وأنت أعلم)، قال: فغفر له بها، ولم يعمل خيراً قطُّ إلا التوحيد». [قال الإمام]: واعلم أن قوله في حديث الترجمة: "إلا التوحيد" مع كونها صحيحة الإسناد، فقد شكك فيها الحافظ ابن عبد البر من حيث الرواية، وإن كان قد جزم

стр. 1607

بصحتها من حيث الدراية، فكأنه لم يقف على إسنادها، لأنه علقها على أبي رافع عن أبي هريرة، فقال ﵀ (١٨/ ٤٠): "وهذه اللفظة- إن صحت- رفعت الإشكال في إيمان هذا الرجل، وإن لم تصح من جهة النقل؛ فهي صحيحة من جهة المعنى، والأصول كلها تعضدها، والنظر يوجبها، لأنه محال غير جائز أن يغفر للذين يموتون وهم كفار؛ لأن الله قد أخبر أنه ﴿لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ لمن مات كافراً، وهذا ما لا مدفع له، ولا خلاف فيه بين أهل القبلة. والدليل على أن الرجل كان مؤمناً قوله حين قيل له " لم فعلت هذا؟ " فقال:" من خشيتك يا رب! ". والخشية لا تكون إلا لمؤمن مصدق؛ بل ما تكاد تكون إلا لمؤمن عالم؛ كما قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ (فاطر:٢٨)، قالوا: كل من خاف الله فقد آمن به وعرفه، ومستحيل أن يخافه من لا يؤمن به. وهذا واضح لمن فهم وألهم رشده. وأما قوله: "لئن قدر الله علي "؛ فقد اختلف العلماء في معناه؛ فقال منهم قائلون: هذا رجل جهل بعض صفات الله ، وهي القدرة، فلم يعلم أن الله على كل ما يشاء قدير، قالوا: ومن جهل صفة من صفات الله عزوجل، وآمن بسائر صفاته وعرفها؛ لم يكن بجهله بعض صفات الله كافراً. قالوا: وإنما الكافر من عاند الحق لا من جهله. وهذا قول المتقدمين من العلماء ومن سلك سبيلهم من المتأخرين. وقال آخرون: أراد بقوله: "لئن قدر الله علي " من القدر الذي هو القضاء، وليس من باب القدرة والاستطاعة في شيء. قالوا: وهو مثل قول الله في

стр. 1608

ذي النون: ﴿إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (الأنبياء:٨٧). وللعلماء في تأويل هذه اللفظة قولان: أحدهما: أنها من التقدير والقضاء. والآخر: أنها من التقتير والتضييق. وكل ما قاله العلماء في تأويل هذه الآية فهو جائز في تأويل هذا الحديث في قوله: "لئن قدر الله علي "، فأحد الوجهين تقديره: كأن الرجل قال: لئن كان سبق في قدر الله وقضائه أن يعذب كل ذي جرم على جرمه؛ ليعذبني الله على إجرامي وذنوبي عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين غيري. والوجه الآخر: تقديره: والله! لئن ضيق الله علي وبالغ في محاسبتي وجزائي على ذنوبي ليكونن ذلك. ثم أمر بأن يحرق بعد موته من إفراط خوفه. وأما جهل هذا الرجل بصفة من صفات الله في علمه وقدره؛ فليس ذلك بمخرجه من الإيمان، ألا ترى أن عمر بن الخطاب وعمران بن حصين وجماعة من الصحابة سألوا رسول الله ﵌ عن القدر. ومعلوم أنهم إنما سألوه عن ذلك وهم جاهلون به، وغير جائز عند أحد من المسلمين أن يكونوا بسؤالهم عن ذلك كافرين، أو يكونوا حين سؤالهم عنه غير مؤمنين. وروى الليث عن أبي قبيل عن شُفَيٍّ الأصبحي عن عبد الله بن عمرو بن العاص- فذكر حديثاً في القدر، وفيه: فقال أصحاب رسول الله ﵌: فأي شيء نعمل إن كان الأمر قد فرغ منه؟ (١)، فهؤلاء أصحاب رسول الله ﵌ وهم العلماء

стр. 1609

الفضلاء- سألوا عن القدر سؤال متعلم جاهل؛ لا سؤال متعنت معاند، فعلمهم رسول الله ﵌ ما جهلوا من ذلك، ولم يضرهم جهلهم به قبل أن يعلموه، ولو كان لا يسعهم جهله وقتاً من الأوقات؟ لعلمهم ذلك مع الشهادة بالإيمان، وأخذ ذلك عليهم في حين إسلامهم، ولجعله عموداً سادساً للإسلام، فتدبر واستعن بالله. فهذا الذي حضرني على ما فهمته من الأصول ووعيته، وقد أديت اجتهادي في تأويل حديث هذا الباب كله ولم آلُ، وما أبرئ نفسي، وفوق كل ذي علم عليم. وبالله التوفيق ". هذا كله كلام الحافظ ابن عبد البر، وهو كلام قوي متين يدل على أنه كان إماماً في العلم والمعرفة بأصول الشريعة وفروعها، جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً. وخلاصته؛ أن الرجل النباش كان مؤمناً موحداً، وأن أمره أولاده بحرقه ... إنما كان إما لجهله بقدرة الله تعالى على إعادته- وهذا ما أستبعده أنا- أو لفرط خوفه من عذاب ربه، فغطى الخوف على فهمه؛ كما قال ابن الملقن فيما ذكره الحافظ (١١/ ٣١٤)، وهو الذي يترجح عندي من مجموع روايات قصته، والله أعلم. وسواء كان هذا أو ذاك؛ فمن المقطوع به أن الرجل لم يصدر منه ما ينافي توحيده، ويخرج به من الإيمان إلى الكفر؛ لأنه لو كان شيء من ذلك لما غفر الله له؛ كما تقدم تحقيقه من ابن عبد البر. ومن ذلك يتبين بوضوح أنه ليس كل من وقع في الكفر من المؤمنين وقع الكفر عليه وأحاط به. ومن الأمثلة على ذلك: الرجل الذي كان قد ضلت راحلته،

стр. 1610

وعليها طعامه وشرابه، فلما وجدها قال من شدة فرحه: "اللهم! أنت عبدي وأنا ربك "! (١). وفي ذلك كله رد قوي جداً على فئتين من الشباب المغرورين بما عندهم من علم ضحل: الفئة الأولى: الذين يطلقون القول بأن الجهل ليس بعذر مطلقاً؛ حتى ألف بعض المعاصرين منهم رسالة في ذلك! والصواب الذي تقتضيه الأصول والنصوص التفصيل؛ فمن كان من المسلمين يعيش في جو إسلامي علمي مصفى، وجهل من الأحكام ما كان منها معلوماً من الدين بالضرورة- كما يقول الفقهاء- فهذا لا يكون معذوراً؛ لأنه بلغته الدعوة وأقيمت الحجة. وأما من كان في مجتمع كافر لم تبلغه الدعوة، أو بلغته وأسلم؛ ولكن خفي عليه بعض تلك الأحكام لحداثة عهده بالإسلام، أو لعدم وجود من يبلغه ذلك من أهل العلم بالكتاب والسنة؛ فمثل هذا يكون معذوراً. ومثله- عندي- أولئك الذين يعيشون في بعض البلاد الإسلامية التي انتشر فيها الشرك والبدعة والخرافة، وغلب عليها الجهل، ولم يوجد فيهم عالم يبين لهم ما هم فيه من الضلال، أو وجد ولكن بعضهم لم يسمع بدعوته وإنذاره؛ فهؤلاء

стр. 1611

أيضاً معذورون بجامع اشتراكهم مع الأولين في عدم بلوغ دعوة الحق إليهم؛ لقوله تعالى: ﴿لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ (الأنعام:١٩) وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ (الإسراء:١٥)، ونحو ذلك من الأدلة التي تفرع منها تبني العلماء عدم مؤاخذة أهل الفترة؛ سواء كانوا أفراداً أو قبائل أو شعوباً؛ لاشتراكهم في العلة؛ كما هو ظاهر لا يخفى على أهل العلم والنُّهى. ومن هنا يتجلى لكل مسلم غيور على الإسلام والمسلمين عظم المسؤولية الملقاة على أكتاف الأحزاب والجماعات الإسلامية الذين نصبوا أنفسهم للدعوة للإسلام، ثم هم مع ذلك يدعون المسلمين على جهلهم وغفلتهم عن الفهم الصحيح للإسلام، ولسان حالهم يقول- كما قال لي بعض الجهلة بهذه المناسبة -: "دعوا الناس في غفلاتهم"! بل وزعم أنه حديث شريف!! أو يقولون- كما تقول العوام في بعض البلاد-: "كل مين على دينه، الله يعينه "! وهذا خطأ جسيم لو كانوا يعلمون، ولكن صدق من قال: "فاقد الشيء لا يعطيه "!. والفئة الثانية: نابتة نبتت في هذا العصر؛ لم يؤتوا من العلم الشرعي إلا نزراً يسيراً، وبخاصة ما كان منه متعلقاً بالأصول الفقهية، والقواعد العلمية المستقاة من الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح، ومع ذلك؛ اغتروا بعلمهم فانطلقوا يبدِّعون كبار العلماء والفقهاء، وربما كفروهم لسوء فهم أو زلة وقعت منهم، لا يرقبون فيهم (إلاً ولا ذمة)، فلم يشفع عندهم ما عرفوا به عند كافة العلماء من الإيمان والصلاح والعلم، وما ذلك إلا لجهلهم بحقيقة الكفر الذي يخرج به صاحبه من الإيمان؛ ألا وهو الجحد والإنكار لما بلغه من الحجة والعلم؛ كما قال تعالى في قوم فرعون: ﴿فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِين، وَجَحَدُوا

стр. 1612

بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾ (النمل:١٣، ١٤). وقال في الذين كفروا بالقرآن: ﴿ذَلِكَ جَزَاء أَعْدَاء اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاء بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُون﴾ (فصلت:٢٨) ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض فتاويه (١٦/ ٤٣٤ - مجموع الفتاوى): " لا يجوز تكفير كل من خالف السنة؛ فليس كل مخطئ كافراً، لا سيما في المسائل التي كثر فيها نزاع الأمة ". يشير إلى مثل مسألة كلام الله وأنه غير مخلوق، ورؤية الله في الآخرة، واستواء الله على عرشه، وعلوه على خلقه؛ فإن الإيمان بذلك واجب، وجحدها كفر، ولكن لا يجوز تكفير من تأولها من المعتزلة والخوارج والأشاعرة بشبهة وقعت لهم؛ إلا من أقيمت عليه الحجة وعاند. وهذا هو المثال بين أيدينا: الرجل النباش؟ فإنه مع شكه في قدرة الله على بعثه غفر الله له؛ لأنه لم يكن جاحداً معانداً؛ بل كان مؤمناً بالله وبالبعث على الجملة دون تفصيل لجهله. قال شيخ الإسلام بعد أن ساق الحديث برواية " الصحيح " وذكر أنه حديث متواتر (١٢/ ٤٩١): " وهنا أصلان عظيمان: أحدهما: متعلق بالله تعالى؛ وهو الإيمان بأنه على كل شيء قدير. والثاني: متعلق باليوم الآخر؛ وهو الإيمان بأن الله يعيد هذا الميت، ويجزيه على أعماله. ومع هذا فلما كان مؤمناً بالله في الجملة، ومؤمناً باليوم الآخر في الجملة، وهو أن الله يثيب ويعاقب بعد الموت، وقد عمل عملاً صالحاً- وهو خوفه من الله أن يعاقبه على ذنوبه-؛ غفر الله له بما كان منه من الإيمان بالله واليوم

стр. 1613

الآخر والعمل الصالح ". ولهذا؛ فإني أنصح أولئك الشباب أن يتورعوا عن تبديع العلماء وتكفيرهم، وأن يستمروا في طلب العلم حتى ينبغوا فيه، وأن لا يغتروا بأنفسهم، ويعرفوا حق العلماء وأسبقيتهم فيه، وبخاصة من كان منهم على منهج السلف الصالح كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية، وأَلْفِتُ نظرهم إلى "مجموع الفتاوى" فإنه "كُنَيْف مُلِىءَ علماً"، وبخاصة إلى فصول خاصة في هذه المسالة الهامة "التكفير"، حيث فَرَّقَ بين التكفير المطلق وتكفير المعين، وقال في أمثال أولئك الشباب: "ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين؛ إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه ". يعني الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق. ومن قال: إن الله لا يرى في الآخرة؛ وأمثالهم. فأقول: وملاحظة هذا الفرق هو الفيصل في هذا الموضوع الهام، ولذلك فإني أحث الشباب على قراءته وتفهمه من "المجموع " (١٢/ ٤٦٤ - ٥٠١) الذي ختمه بقوله:"وإذا عُرف هذا؛ فتكفير (المعين) من هؤلاء الجهال وأمثالهم- بحيث يحكم عليه أنه من الكفار- لا يجوز الإقدام عليه؛ إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية التي يتبين بها أنهم مخالفون للرسل، وإن كانت مقالتهم لا ريب أنها كفر، (يعني: الدعاة إلى البدعة).

стр. 1614

وهكذا الكلام في تكفير جميع (المعينين)؛ مع أن بعض هذه البدع أشد من بعض، وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان ما ليس في بعض، فليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين- وإن أخطأ وغلط- حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك؛ بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة ". هذا؛ وفي الحديث دلالة قوية على أن الموحد لا يخلد في النار؛ مهما كان فعله مخالفاً لما يستلزمه الإيمان ويوجبه من الأعمال؛ كالصلاة ونحوها من الأركان العملية، وإن مما يؤكد ذلك ما تواتر في أحاديث الشفاعة؛ أن الله يأمر الشافعين بأن يخرجوا من النار من كان في قلبه ذرة من الإيمان. ويؤكد ذلك حديث أبي سعيد الخدري أن الله ﵎ يخرج من النار ناساً لم يعملوا خيراً قط، ويأتي تخريجه وبيان دلالته على ذلك، وأنه من الأدلة الصريحة الصحيحة على أن تارك الصلاة المؤمن بوجوبها يخرج من النار أيضاً ولا يخلد فيها، فانظره بالرقم (٣٠٥٤). "الصحيحة" (٧/ ١/١٠٥ - ١١٦). [٥٠٦] باب حكم ترك الأعمال سؤال: السؤال الأول: هل صحيح أن من مات على التوحيد وإن لم يعمل بمقتضاه وأول مقتضى التوحيد إقامة الصلاة .. هل يكفر ويخلد مع الخارج الكافر في نار جهنم أم لا؟ الشيخ: السلف فرقوا بين الإيمان وبين العمل فجعلوا العمل شرط كمال في الإيمان ولم يجعلوه شرط صحة خلافاً للخوارج، واضح هذا الجواب؟!

стр. 1615

مداخلة: ما قولكم في تأويلهم لقوله ﵌ أن كلمة: من لم يعمل أو جملة: «من لم يعمل خيراً قط» ليست على ظاهرها. الشيخ: طيب! ولماذا؟ مداخلة: لأنها جاءت من باب إفهام القارئ أنها من جملة نفي كمال العمل ليس جنسه. الشيخ: نطور السؤال: ما الدليل؟ مداخلة: الدليل من قوله ﵌: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر». الشيخ: طيب! هل الكفر حينما يطلق يراد به الكفر المقارن بالردة؟ مداخلة: لا، هم يقولون: لا لكن الصلاة .. الشيخ: معليش معليش. إذا قالوا: لا، فما هو الحد الفاصل بين كفر في نص ما أي: القائل إنه كفر ردة، وفي نص آخر ليس كفر ردة، وكل من الأمرين المذكورين في النصين عمل، ما الفرق بين هذا وهذا؟ مداخلة: الفرق كثير جداً يطول تفصيله عندهم بتأويلات أن من ترك جزء العمل ليس كمن ترك كل العمل، أو أن من شابه ببعض الأعمال الكافرين ليس كما يشابه بعض أفعالهم التي نص عليها الشارع أنها كفر يخرج من الملة. الشيخ: هل أجبت عن السؤال؟ مداخلة: هذا جوابهم. الشيخ: لا ما أريد جوابهم، هل أنت شعرت بأن هذا الذي تقول جوابهم هو
следующие страницы →