أيضاً معذورون بجامع اشتراكهم مع الأولين في عدم بلوغ دعوة الحق إليهم؛ لقوله تعالى: ﴿لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ (الأنعام:١٩) وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ (الإسراء:١٥)، ونحو ذلك من الأدلة التي تفرع منها تبني العلماء عدم مؤاخذة أهل الفترة؛ سواء كانوا أفراداً أو قبائل أو شعوباً؛ لاشتراكهم في العلة؛ كما هو ظاهر لا يخفى على أهل العلم والنُّهى.
ومن هنا يتجلى لكل مسلم غيور على الإسلام والمسلمين عظم المسؤولية الملقاة على أكتاف الأحزاب والجماعات الإسلامية الذين نصبوا أنفسهم للدعوة للإسلام، ثم هم مع ذلك يدعون المسلمين على جهلهم وغفلتهم عن الفهم الصحيح للإسلام، ولسان حالهم يقول- كما قال لي بعض الجهلة بهذه المناسبة
-: "دعوا الناس في غفلاتهم"! بل وزعم أنه حديث شريف!! أو يقولون- كما تقول العوام في بعض البلاد-: "كل مين على دينه، الله يعينه "! وهذا خطأ جسيم لو كانوا يعلمون، ولكن صدق من قال: "فاقد الشيء لا يعطيه "!.
والفئة الثانية: نابتة نبتت في هذا العصر؛ لم يؤتوا من العلم الشرعي إلا نزراً يسيراً، وبخاصة ما كان منه متعلقاً بالأصول الفقهية، والقواعد العلمية المستقاة من الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح، ومع ذلك؛ اغتروا بعلمهم فانطلقوا يبدِّعون كبار العلماء والفقهاء، وربما كفروهم لسوء فهم أو زلة وقعت منهم، لا يرقبون فيهم (إلاً ولا ذمة)، فلم يشفع عندهم ما عرفوا به عند كافة العلماء من الإيمان والصلاح والعلم، وما ذلك إلا لجهلهم بحقيقة الكفر الذي يخرج به صاحبه من الإيمان؛ ألا وهو الجحد والإنكار لما بلغه من الحجة والعلم؛ كما قال تعالى في قوم فرعون: ﴿فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِين، وَجَحَدُوا
стр. 1612
بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾ (النمل:١٣، ١٤). وقال في الذين كفروا بالقرآن: ﴿ذَلِكَ جَزَاء أَعْدَاء اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاء بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُون﴾ (فصلت:٢٨) ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض فتاويه (١٦/ ٤٣٤ - مجموع الفتاوى):
" لا يجوز تكفير كل من خالف السنة؛ فليس كل مخطئ كافراً، لا سيما في المسائل التي كثر فيها نزاع الأمة ".
يشير إلى مثل مسألة كلام الله وأنه غير مخلوق، ورؤية الله في الآخرة، واستواء الله على عرشه، وعلوه على خلقه؛ فإن الإيمان بذلك واجب، وجحدها كفر، ولكن لا يجوز تكفير من تأولها من المعتزلة والخوارج والأشاعرة بشبهة وقعت لهم؛ إلا من أقيمت عليه الحجة وعاند.
وهذا هو المثال بين أيدينا: الرجل النباش؟ فإنه مع شكه في قدرة الله على بعثه غفر الله له؛ لأنه لم يكن جاحداً معانداً؛ بل كان مؤمناً بالله وبالبعث على الجملة دون تفصيل لجهله. قال شيخ الإسلام بعد أن ساق الحديث برواية " الصحيح " وذكر أنه حديث متواتر (١٢/ ٤٩١):
" وهنا أصلان عظيمان:
أحدهما: متعلق بالله تعالى؛ وهو الإيمان بأنه على كل شيء قدير.
والثاني: متعلق باليوم الآخر؛ وهو الإيمان بأن الله يعيد هذا الميت، ويجزيه على أعماله. ومع هذا فلما كان مؤمناً بالله في الجملة، ومؤمناً باليوم الآخر في الجملة، وهو أن الله يثيب ويعاقب بعد الموت، وقد عمل عملاً صالحاً- وهو خوفه من الله أن يعاقبه على ذنوبه-؛ غفر الله له بما كان منه من الإيمان بالله واليوم
стр. 1613
الآخر والعمل الصالح ".
ولهذا؛ فإني أنصح أولئك الشباب أن يتورعوا عن تبديع العلماء وتكفيرهم، وأن يستمروا في طلب العلم حتى ينبغوا فيه، وأن لا يغتروا بأنفسهم، ويعرفوا حق العلماء وأسبقيتهم فيه، وبخاصة من كان منهم على منهج السلف الصالح كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية، وأَلْفِتُ نظرهم إلى "مجموع الفتاوى" فإنه "كُنَيْف مُلِىءَ علماً"، وبخاصة إلى فصول خاصة في هذه المسالة الهامة "التكفير"، حيث فَرَّقَ بين التكفير المطلق وتكفير المعين، وقال في أمثال أولئك الشباب:
"ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين؛ إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه ".
يعني الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق. ومن قال: إن الله لا يرى في الآخرة؛ وأمثالهم.
فأقول: وملاحظة هذا الفرق هو الفيصل في هذا الموضوع الهام، ولذلك فإني أحث الشباب على قراءته وتفهمه من "المجموع " (١٢/ ٤٦٤ - ٥٠١) الذي ختمه بقوله:"وإذا عُرف هذا؛ فتكفير (المعين) من هؤلاء الجهال وأمثالهم- بحيث يحكم عليه أنه من الكفار- لا يجوز الإقدام عليه؛ إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية التي يتبين بها أنهم مخالفون للرسل، وإن كانت مقالتهم لا ريب أنها كفر، (يعني: الدعاة إلى البدعة).
стр. 1614
وهكذا الكلام في تكفير جميع (المعينين)؛ مع أن بعض هذه البدع أشد من بعض، وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان ما ليس في بعض، فليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين- وإن أخطأ وغلط- حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك؛ بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة ".
هذا؛ وفي الحديث دلالة قوية على أن الموحد لا يخلد في النار؛ مهما كان فعله مخالفاً لما يستلزمه الإيمان ويوجبه من الأعمال؛ كالصلاة ونحوها من الأركان العملية، وإن مما يؤكد ذلك ما تواتر في أحاديث الشفاعة؛ أن الله يأمر الشافعين بأن يخرجوا من النار من كان في قلبه ذرة من الإيمان. ويؤكد ذلك حديث أبي سعيد الخدري أن الله ﵎ يخرج من النار ناساً لم يعملوا خيراً قط، ويأتي تخريجه وبيان دلالته على ذلك، وأنه من الأدلة الصريحة الصحيحة على أن تارك الصلاة المؤمن بوجوبها يخرج من النار أيضاً ولا يخلد فيها، فانظره بالرقم (٣٠٥٤).
"الصحيحة" (٧/ ١/١٠٥ - ١١٦).
[٥٠٦] باب حكم ترك الأعمال
سؤال: السؤال الأول: هل صحيح أن من مات على التوحيد وإن لم يعمل بمقتضاه وأول مقتضى التوحيد إقامة الصلاة .. هل يكفر ويخلد مع الخارج الكافر في نار جهنم أم لا؟
الشيخ: السلف فرقوا بين الإيمان وبين العمل فجعلوا العمل شرط كمال في الإيمان ولم يجعلوه شرط صحة خلافاً للخوارج، واضح هذا الجواب؟!
стр. 1615
مداخلة: ما قولكم في تأويلهم لقوله ﵌ أن كلمة: من لم يعمل أو جملة: «من لم يعمل خيراً قط» ليست على ظاهرها.
الشيخ: طيب! ولماذا؟
مداخلة: لأنها جاءت من باب إفهام القارئ أنها من جملة نفي كمال العمل ليس جنسه.
الشيخ: نطور السؤال: ما الدليل؟
مداخلة: الدليل من قوله ﵌: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر».
الشيخ: طيب! هل الكفر حينما يطلق يراد به الكفر المقارن بالردة؟
مداخلة: لا، هم يقولون: لا لكن الصلاة ..
الشيخ: معليش معليش. إذا قالوا: لا، فما هو الحد الفاصل بين كفر في نص ما أي: القائل إنه كفر ردة، وفي نص آخر ليس كفر ردة، وكل من الأمرين المذكورين في النصين عمل، ما الفرق بين هذا وهذا؟
مداخلة: الفرق كثير جداً يطول تفصيله عندهم بتأويلات أن من ترك جزء العمل ليس كمن ترك كل العمل، أو أن من شابه ببعض الأعمال الكافرين ليس كما يشابه بعض أفعالهم التي نص عليها الشارع أنها كفر يخرج من الملة.
الشيخ: هل أجبت عن السؤال؟
مداخلة: هذا جوابهم.
الشيخ: لا ما أريد جوابهم، هل أنت شعرت بأن هذا الذي تقول جوابهم هو
стр. 1616
جواب سؤالي ..
مداخلة: لا.
الشيخ: إذاً ما الفائدة يا أخي، أنا أريد أن يتنبه إخواننا الطلاب أنه ليس بمجرد الدعوى تثبت القضية، أنا أقول: ما الفرق بين كفر يذكر في مثل هذا الحديث وبين كفر يذكر في حديث آخر، وكل من الأمرين الذي أنيط به الكفر في كل من النصين ... أي: الجامع هو العمل فلماذا هذا العمل كفر ردة وذاك العمل ليس كفر ردة مثلاً قال ﵇: «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» هل هذا كفر أم دون ذلك؟ كذلك مثلاً قوله ﵇ والأحاديث في هذا الصدد كثيرة جداً: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» ما هو الفارق بين كفر في حديث الصلاة وكفر في حديث القتال؟ لا بد أن يكون هناك دليل يعتمد عليه الذي يفرق.
أهل السنة والجماعة الذين نقلنا عنهم آنفاً أن العمل ليس شرط صحة وإنما هو شرط كمال، ولا يفرقون بين عمل وعمل آخر بشرط أن يكون المؤمن قد آمن بذلك الحكم الذي تساهل في القيام به والعمل به، وما نقلته عنهم آنفاً لم يعمل خيراً قط هذا تأويل وإذا صح التأويل في نص كهذا ممكن أن يصح التأويل في نصهم أيضاً.
وأنا أريد الآن أن ألفت النظر بأن هؤلاء الذين يأتون بمفاهيم جديدة تدندن حول تكفير المسلمين بسبب إهمالهم بقيام عمل أمر الشارع الحكيم به، هؤلاء ينبغي أن لا يأتوا بشيء نابع من أهوائهم أو لنقل من جهلهم، بل لنقل من علمهم؛ لأن علمهم مهما كان صحيحاً ودقيقاً فهو لا يساوي هذه المسألة.
وهنا لا بد من أن نذكر بما أذكره دائماً وأبداً حول قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النساء:١١٥) هؤلاء
стр. 1617
يتبعون غير سبيل المؤمنين .. هؤلاء لا يقيمون وزناً لهذا المقطع من هذه الآية الكريمة يعني: عندهم الآية سواءً آمنوا في هذا المقطع ومعناه أو لم يؤمنوا به لا فرق عندهم بين أن تكون الآية: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى) لا فرق عندهم بين ما لو كانت هكذا الآية وبين ما هي عليه أنزلت، ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فنحن نسألهم: هذه التآويل وهذه التفاسير التي تأتون بها من حيث اللغة العربية الأمر واسع جداً، ولا يستطيع أحد أبداً أن يوقف باب التأويل أمام الناس وبخاصة إذا كان أهل الأهواء.
إذاً: ما هو الأمر الفاصل القاطع في الموضوع؟ هو الرجوع إلى ما كان عليه السلف، هؤلاء كما أنهم لا يؤمنون بمعنى هذه القطعة من الآية ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هم أيضاً أنا على مثل اليقين لا يؤمنون بمثل قوله ﵇: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» لا يؤمنون بمثل قوله ﵇ حينما سئل عن الفرقة الناجية، قال: «هي الجماعة»؛ لأنهم خرجوا عن الجماعة، وكالرواية الأخرى: «هي ما أنا عليه وأصحابي» لا يقيمون وزناً إطلاقاً لما كان عليه السلف الصالح، هذا يكفينا في بيان خروجهم عن مفاهيم السلف الصالح وبالتالي خروجهم عن الفهم الصحيح لنصوص الكتاب والسنة، كأنه عندك شيء؟
مداخلة: عندي جواب على سؤالك شيخ يقول الطبري ... أَذْكُرُه؟
الشيخ: تفضل.
مداخلة: ينقلون ويتكئون على كلمة لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «الاقتضاء» يقول فيها: أن لفظة كفر إذا جاءت منكرة تدل على أنها كفر اعتقادي، أما إذا جاءت معرفة بأل ومصدراً فإنها تدل الكفر العملي .. الحديث الكفر: «بينه
стр. 1618
وبين الكفر ترك الصلاة» ... فلم يقل كُفْر قال: الكفر فهذا هو الكفر الاعتقادي ..
الشيخ: معليش .. المسألة هنا تكون فرعية والموضوع ليس فرعياً وإنما
هو أصل ..
مداخلة: صح.
الشيخ: نعم، فنحن نعلم أن بعض الحنابلة لا يزالون إلى اليوم يفتون بأن ترك الصلاة كفر ردة، لكنهم ليسوا خوارج ولا يتعدون الخط الذي يمشون عليه الخوارج فلو سلمنا لهم جدلاً بمثل هذا الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وغضضنا النظر عن النصوص الأخرى التي نذكرها خاصة في رسالة الصلاة التي تعرفها فإذا صرفنا النظر عن هذه المسألة بالذات؛ لأن الأدلة فيها متقاربة متشابهة، لكن المهم أنهم إذا وفقوا للصواب في تكفير تارك الصلاة فذلك لا يعني فرض تكفير المؤمن في أي عمل فرض عليه لا يقوم به، فهنا المعنى: أن القاعدة سليمة لكن لكل قاعدة شواذ، كما يقول الحنابلة مثلاً .. هم لا يقولون بصحة مذهب الخوارج بل هم ضد هذا المذهب لكنهم التقوا مع هؤلاء أو بعبارة أصح هؤلاء التقوا مع الحنابلة في القول بتكفير تارك الصلاة، لكنهم خرجوا عن الحنابلة وعن الشافعية والمالكية والحنفية وعن بقية المسلمين في قولهم بتكفير التارك للعمل كما قلت أنت أن الإيمان لا يكفي نقلاً طبعاً عنهم .. لا يكفي إنما مقتضاه العمل، بينما الأحاديث التي تعرفونها جيداً والتي من بعض أجزاء أحاديث الشفاعة أن الله يأمر بإخراج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة .. مثقال ذرة من إيمان، هذا الإيمان هو الذي ينجي من الخلود في النار وهذا هو من معاني قوله تعالى، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨).
"الهدى والنور" (٨٣٠/ ٠٢: ٢٨: ٠٠)
стр. 1619
(جماع أبواب الكلام حول تلازم الظاهر والباطن)
стр. 1620
[٥٠٧] باب التلازم بين الظاهر والباطن
[قال الإمام]:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران:١٠٢).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء:١).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب:٧٠، ٧١) أما بعد:
فإن خير الهدى هدى محمد ﵌ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار وبعد أيضاً:
كنا نشاهد في كثير من المساجد أن الحلقة العلمية مع قلة أفرادها تتسع وتتسع على حسب منزلة الشيخ، فكلما كانت منزلة الشيخ في صدور المتحلقين حوله عظيمة ضمت واتسعت ماذا؟ الدائرة، والعكس بالعكس تماماً.
لو كانوا يعلمون [أن] من فوائد السنة وثمارها اليانعة الجنية: أن المسلم بها تستقيم حياته مع الناس جميعاً، وبخاصة من كان منهم طلاب علم.
стр. 1621
من .. الأحاديث التي كنت أنا وغيري في غفلة عنها أومنها ولم نتنبه لها إلا بعد أن هدانا الله ﵎ إليها: حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: «كنا إذا سافرنا مع النبي ﵌ فنزلنا منزلاً من تلك المنازل في الوديان والشعاب تفرقنا فيها».
وإذا كان التفرق في مجالس العلم حقيقة واقعة، ولكنها مرة، فأولى وأولى أن يتفرقوا في الصحراء حينما ينزلون بعض المنازل، مع ذلك لم يرض ذلك لهم رسول الله ﵌ فقال لهم ذات يوم:
«إنما تفرقكم في هذه الوديان والشعاب من عمل الشيطان» (١).
أمر عجيب تفرق لا يلاحظ فيه تباعد بين القلوب؛ لأن أصحاب الرسول ﵇ كانوا بحق إخواناً على سرر متقابلين، مع ذلك فنبينا صلوات الله وسلامه عليه يقول لهم: «إنما تفرقكم هذا من عمل الشيطان».
يعني: بذلك أنه من عمل الشيطان الذي قد يؤدي بالأحبة المتوادين المتحابين إلى التباعد وإلى التنافر، ومن أجل ذلك وصف الله أن شرب الخمر هو من عمل الشيطان؛ لأنه يلقي العداوة والبغضاء بين الناس.
قال أبو ثعلبة الخشني ﵁: «فكنا بعد ذلك إذا نزلنا منزلاً اجتمعنا حتى لو جلسنا على بساط لوسعنا».
في الصحراء لو اجتمعنا على بساط لوسعنا، إذا كان هذا في ذاك المجلس فأولى وأولى أن يكون الناس مجتمعين في مجالس العلم، وألا يكونوا عزين متباعدين متفرقين؛ لأن الظاهر عنوان الباطن.
стр. 1622
ربما يتوهم بعض الناس أن هذه الكلمة: الظاهر عنوان الباطن كلمة صوفية، ومن تمام التوهم عند بعض الناس أيضاً: أن يظن أن كل شيء يتكلم به بعض الصوفية يكون ماذا؟ منبوذاً إسلامياً ليس الأمر كذلك.
هم طائفة من المسلمين يحاسبون، ويؤاخذون كغيرهم يوزنون بالميزان الشرعي، فهذه الكلمة كذلك ينبغي أن توزن بميزان الشرع: الظاهر عنوان الباطن، هل هذا كلام صحيح أم هو كلام باطل؟ نقول: لا هو كلام صحيح ذلك لأن هناك أحاديث كثيرة تؤكد هذا المعنى؛
من أشهر هذه الأحاديث قوله ﵊ في حديث النعمان بن بشير ﵁ الذي أوله: «إن الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات ... » (١) إلى آخره.
ثم قال ﵊: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب».
فإذاً: صلاح الظاهر بصلاح الباطن، لكن من العجائب الغيبية الدقيقة التي لو لم نؤتَ بهذا الشرع السمح لما عرفناها: أن كلاًّ من الظاهر والباطن يتفاعلان ويتعاونان، إذا قوي القلب صلح الظاهر، إذا صلح الظاهر ازداد القلب قوةً، وهكذا دواليك، ولذلك نخرج بنتيجة هامة جداً، وهي أن على كل مسلم يهتم بأحكام دينه أن يعنى بظاهره كما يعنى بباطنه، ولا يقول: كما تقول الجهلة حينما تأمرهم بالإتيان بما فرض الله عليهم من الفروض والواجبات كالصلاة مثلاً يقول لك: يا أخي العبرة ما هو بالصلاة العبرة بما في القلب الجواب الآن تعرفونه لو كان هذا
стр. 1623
قلبه سليماً صحيحاً لنضحت جوارحه بما ينبئ عن صلاح قلبه، لكن الواقع أن الأمر على العكس تماماً، هو يقول العبرة بما في القلب، طيب الرسول ﵌ يقول: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب».
إذاً: علينا أن نهتم بإصلاح الظواهر كما نهتم بإصلاح البواطن، ولا نغتر بهذه الكلمة التي تصدر من بعض الجهلة، وهي أن العبرة بما في الباطن فقط، لا؛ لأن الظاهر والباطن مترابطان متعاونان أشد التعاون فأحدهما يقوي الآخر كما ذكرنا آنفاً؛ من أجل ذلك كان من آداب مجالس العلم هو التقارب إلى أن هذه الظاهرة هي ظاهرة ليس لها علاقة بالقلب، لكن هذا التجمع وهذا التقارب في مجلس العلم يوجد ارتباطاً وثيقاً في القلوب أيضاً، ويؤكد لكم هذه الحقيقة العلمية الشرعية: تلك السنة التي هجرها وأعرض عنها أكثر أئمة المساجد، ولا يحافظ عليها إلا من كان متمسكاً بالسنة، وهي أن النبي ﵌ كان من هديه وسنته أنه لا يكبر تكبيرة الإحرام إلا بعد أن يأمر بتسوية الصفوف، وأن يسويها كما جاء في الحديث كما تسوى الأقداح، فيقول لهذا: تقدم ولذاك تأخر حتى يصبح الصف كالبنيان مرصوص، ويوعدهم ﵇ ويهددهم بمثل قوله: «لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم».
إذاً: تسوية الصفوف وعكسها كل منهما يؤثر في القلب صلاحاً أو فساداً: «لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم» (١).
فإذاً: هذا أيضاً مما يؤكد أن الظاهر له تأثير في الباطن حتى ظواهر الأشخاص المتعددين، فضلاً عن ظاهر الشخص نفسه وذاته.
стр. 1624
فهو ﵊ يجعل اختلاف الناس بالصف الواحد تقدماً وتأخراً سبب لفساد القلوب، والعكس بالعكس، تسوية الصفوف سبب شرعي لإصلاح ما في القلوب، لهذا ينبغي الاهتمام كل الاهتمام بإصلاح الظواهر ومنها عند القيام إلى الصلاة بتسوية الصفوف كما كان رسول الله ﵌ يسويها، ويأمر بتسويتها، هذه كلمة بين يدي تلك الحلقة التي كانت متباعدة، والآن إن شاء الله كما اقتربنا، أو اقترب بعضنا إلى بعض بالأبدان، فنرجوا أن يكون من ثمرة ذلك أن ترتبط قلوبنا بعضنا مع بعض إن شاء الله ﵎.
"الهدى والنور" (٢٠١/ ٥٧: ٠٠: ٠٠)
[٥٠٨] باب التلازم بين الظاهر والباطن
[قال الإمام]:
أقول: حينما يكون الجمع جمعاً كثيراً مباركاً ويكونون متفرقين ومبتعدين عن مجلس الشيخ المزعوم (١) أنه شيخ قد يكون حقاً وقد يكون كذباً، فأنا أقول بهذه المناسبة أن هذا التفرق وهذا التوسيع لدائرة الحلقة خلاف السنة، أما من حيث التفرق فقد جاء في صحيح مسلم أن النبي ﵌ دخل المسجد يوماً فرآهم متفرقين فقال لهم: «مالي أراكم عزين» بالعين والزاي أي متفرقين، وقد وصل اهتمام الرسول ﵇ بالنهي عن التفرق في المكان وعن ابتعاد الناس بعضهم عن بعض إلى درجة أنه نهاهم عن ذلك حتى في الصحراء، حتى في السفر فقد روى الإمام أحمد في مسنده بإسناد قوي عن أبي ثعلبة الخشني قال: كنا إذا
стр. 1625
سافرنا مع النبي ﵌ نزلنا في الوديان والشعاب فقال لنا يوماً: «إنما تفرقكم هذا في الوديان والشعاب من عمل الشيطان» قال أبو ثعلبة: «فكنا بعد ذلك إذا نزلنا في مكان اجتمعنا، أي انضم بعضنا إلى بعض حتى لو جلسنا على بساط لوسعنا»، ولذلك التقارب في الجلوس وعدم ابتعاد الناس بعضهم عن بعض هو اقتراب من الجنة بسبب تعاطي الأسباب التي تؤدي إلى الجنة، أنا أقتبس هذا من مثل قوله ﵇: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة» (١) ومن قوله ﵇ وهو حديث عجيب قال ﵌: «إن ربك ليعجب من أقوام يُجرون إلى الجنة في السلاسل» (٢).
يقول أهل العلم: يعني رسول الله ﵌ بهذا الحديث الأسرى الذين يقعون في أيدي المسلمين فيجرونهم مغللين في السلاسل إلى بلاد الإسلام، وهناك يوزعون حسب التقسيم الشرعي للمكاسب والغنائم على الغارمين، فيدخلون بيوت المسلمين وهم بعد أن كانوا مغللين يصبحون شبه أحرار, أقول: شبه؛ لأنهم في الواقع من حيث حرية العمل حتى بقاء أحدهم على دينه الباطل كانوا أحراراً لكنهم لا يزالون أرقاء, إلا أن الله بما أوحى إلى نبيه ﵌ من الأحكام التي وجهها إلى أتباعه ﵇ من العناية والوصاية الطيبة بالأسرى وبالعبيد صار هؤلاء العبيد كأنهم أحرار، وحسبكم في هذا الصدد دلالة قوله ﵇: «أطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون» (٣) إلى آخر الحديث الذي لا أذكره الآن بتمامه (٤) , الشاهد أن هؤلاء الأسرى دخلوا حياة جديدة غير الحياة التي كانوا
стр. 1626
يحيونها وهم أحرار دخلوا حياة جديدة وهم عبيد، ولكنهم في حياتهم خير مما كانوا عليه وهم كانوا أحراراً، ذلك لأنهم تداخلوا مع المسلمين في بيوتهم، في أسواقهم، في مساجدهم .. فعرفوهم وعرفوا أخلاقهم، وعرفوا تأثير دينهم في تربيتهم عن كثب وعن قرب, فتجلى لهم عملياً ما هو الدين الحق فآمنوا غير مكرهين، وآمنوا بقلوبهم بوازع من شخصهم, وليس كأولئك الذين يؤمنون رغم أنوفهم إما خلاصاً من القتل إذا ما وقفوا أمام الدعوة الإسلامية، أو خلاصاً من دفع الجزية عن يد وهم صاغرون .. , أما هؤلاء قد أسلموا طواعية وبإخلاص من قلوبهم ودخلوا في الإسلام, ولا شك أن من دخل في الإسلام دخل الجنة بسلام إلى هذه الحقيقة التي لو أراد الإنسان أن يشرحها شرحاً مبسطاً موسعاً لكان من ذلك كتاب إلى هذه الحقيقة أشار ﵇ في الحديث السابق: ﴿إن ربك ليعجب من أقوام يُجرون إلى الجنة في السلاسل﴾ فإذاً الأسباب التي تكون مشروعة فهي تؤدي إلى الجنة، ومن هذه الأسباب طلب العلم ومن وسائل طلب العلم هو طلبه مع الجماعة، وهذه الجماعة ينبغي عليهم حسب ما عرفتم أن يكونوا متقاربين في أبدانهم كما يجب عليهم أن يكونوا متقاربين متوادين متحابين في قلوبهم ..
فكثير من الناس لا ينتبه وقد لا يعلم مطلقاً تأثير الظاهر على الباطن، قد لا يعلم أن الأمور الظاهرة لها أكبر تأثير في القلوب الباطنة المكنونة في الصدور سواء كانت هذه الأمور الظاهرة حسنة خيرة أو كانت باطلة سيئة، فكل من النوعين يؤثر في القلب إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وهذه حقيقة شرعية قبل أن تُصبح حقيقة علمية نفسية؛ ذلك لأن الإسلام سبق كل العلوم التي قد تصل مع الزمن القصير أو المديد إلى حقائق كان الناس عنها غافلين, سابقهم الإسلام إلى هذه الحقائق قبلهم بسنين وبكثير من الأيام، قلت: إن تأثير الظاهر على الباطن هذه حقيقة علمية شرعية قبل أن تصبح حقيقة علمية تجربية، وقد حرص النبي ﵌ -
стр. 1627
أشد الحرص على غرس هذه الحقيقة في قلوب أتباعه بمناسبات شتى فقد كان ﵇ يقول كما قد تسمعون أحياناً قليلاً هذا التوجيه النبوي الكريم من بعض أئمة المساجد المهتمين باتباع سنة سيد المرسلين، تسمعون من هذا البعض حينما يقوم إلى الصلاة لا يباشر الصلاة فوراً بعد انتهاء المقيم من الإقامة لا يقول: الله أكبر كما يفعل الجهلة، وكما يفعل أولئك الأئمة الذين لا يهتمون بإحياء السنة ونشرها بين الأمة إنما يفعل هذا الذي ألمحنا إليه آنفاً بعض الحريصين على اتباع السنة حينما يقف في المقام الذي يصلي فيه ولا أقول في المحراب لأنني لو قلت إذا أقام في المحراب أقررت المحراب وهو بدعة في المساجد لم تكن في مسجد الرسول ﵇ ولا في المساجد التي كانت في زمنه ﵌، فإذا قام الإمام في مقام الإمام لا يباشر الصلاة وتكبيرة الإحرام وإنما يلتفت يمنةً ويسرةً ويأمرهم بتسوية الصفوف ويقول لهم ما كان الرسول ﵇ يقول لأصحابه «سووا صفوفكم، أو .. » وهنا الشاهد «ليخالفن الله بين وجوهكم» وفي رواية «بين قلوبكم» الشاهد هنا أن النبي ﵌ قد ربط تسوية الصف وهي التسوية عمل ظاهري بدني, لكنه قد رتب على ذلك إما اتفاق القلوب إذا ما تحققت التسوية أو اختلاف القلوب إذا ما اختلفت الصفوف ولم تحقق التسوية فقال ﵇: «لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم» , فهنا إذاً ربط بين الظاهر والباطن الذي هو القلوب، وكان الربط في الحالتين حالتا تسوية الصفوف أو الإخلال بهذه التسوية، فهدد ﵊ الذين لا يسوون الصفوف ويجعلونها مضطربةً متقدمةً ومتأخرةً بأن ذلك وسيلة شرعية للاضطراب في القلوب والاختلاف فيها، وقد أشار إلى هذه الحقيقة بجملة نبوية هامة حين قال في الحديث المشهور وهو في الصحيحين البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير ﵄ الابن والأب صحابيان ..
النعمان صحابي وأبوه بشير
стр. 1628
صحابي قال النعمان بن بشير: قال رسول الله ﵌: «إن الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله ما حرمه، ألا ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه» قال ﵇ في تمام هذا الحديث وهو الشاهد: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد كله ألا وهي القلب» أنتم ترون معي أن النبي ﵌ ربط صلاح القلب بصلاح البدن ويجب أن نعلم أن هذا الصلاح المذكور في الحديث هنا ليس صلاحاً مادياً طبياً وإن كان الأمر كذلك طبياً لكنه ﵇ هنا أراد الصلاح إذا صح تعبيرنا بالصلاح الروحي المعنوي الإيماني «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله» أي صلحت أعمال الجسد الصادرة منه كلها، «وإذا فسدت» هذه المضغة فسدت أعمال الجسد كله؛ ما هي؟ قال ﵇: «ألا وهي القلب» إذاً هذا يؤكد بأن الظواهر مرتبطة بالبواطن، فمهما كان القلب صالحاً كان ما يخرج من جسد هذا القلب الصالح صالحاً والعكس بالعكس تماماً «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد القلب كله ألا وهي القلب».
لذلك - والبحث في هذا طويل وطويل جداً - على المسلمين أن لا يغتروا بقول بعض القائلين أن العبرة بما في القلب تمويهاً على الناس نحن نقول معهم العبرة بما في القلب ولكننا نزيد عليهم فنقول: لا يمكن أن يكون ما في القلب صلاح ثم يظهر من الجسد طلاح، والعكس بالعكس .. لا يمكن أن يكون ما في القلب طلاح ويظهر من الجسد صلاح هذا أمر غير سليم وغير صحيح إطلاقاً شأن ذلك شأن القلب مع الجسد من الناحية الطبية إذا كان القلب سليماً لا يمكن أن يكون القلب مريضاً، والعكس أيضاً بالعكس إذا كان القلب مريضاً من الناحية الطبية لا يمكن أن يكون الجسد سليماً, أمر مضطرد سلباً وإيجاباً، طباً بدنياً وطباً
стр. 1629
نبوياً فالذين يقولون حينما يؤمرون مثلاً بأداء الصلوات أو بالمحافظة عليها يقول لك يا أخي الأمر ليس بما في الصلاة الأمر بما في القلب! نقول صدقت الأمر بما في القلب لكن لو كان ما في القلب إيمان صحيح وسليم لنضح هذا القلب بالصلاح والطاعة والعبادة وإلا فالأمر على العكس تماماً، والأمر كما قيل:
فحسبكموا هذا التفاوت بيننا وكل إناء بما فيه ينضح
فإذا كان هذا الوعاء الذي وضعه الله في الصدر بعناية وحكمة بالغة إذا كان صحيحاً وسليماً لا شك أنه سينضح صحيحاً وسليماً والعكس بالعكس، قلت إن هذا البحث طويل الذيل وأكتفي بهذا القدر لتوجيه النظر إلى أن التضامّ في حلقات الذكر والعلم هو أمر مرغوب مشروع والابتعاد فيه بعض الجالسين عن بعض إنما هو كما سمعتم من عمل الشيطان اقتربوا ما استطعتم.
"الهدى والنور" (٢١٣/ ٣٤: ٠٠: ٠٠) و (٢١٣/ ٢٦: ١١: ٠٠)
[٥٠٩] باب منه
[قال الإمام]:
الحقيقة أن الاجتماع حتى في الأجساد له تأثير جيد للاجتماع في القلوب، يكون الاجتماع قلباً وقالباً؛ لأن الأمر كما يقول بعض أهل العلم: أن الظاهر عنوان الباطن، وإلى هذه الحقيقة أشار النبي ﵌ حينما قال في الحديث الصحيح في البخاري وغيره من حديث النعمان بن بشير ﵄ قال: قال: قال رسول الله ﵌: «إن الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه» الشاهد فيما يأتي: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد
стр. 1630
الجسد كله، ألا وهي القلب» ومما لا شك فيه أن المجتمع مؤلف من أفراد، فهذا المجتمع ينبغي أن يكون كما جاء في الحديث الصحيح أيضاً كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
وإذا كان المجتمع الإسلامي مجتمعاً واحداً مؤلف من مجموعة من الأفراد، وكان هؤلاء الأفراد يعنون بإصلاح بواطنهم كما يعنون بإصلاح ظواهرهم فسيكون نتيجة الأمر المجتمع صالحاً ظاهراً وباطناً «إلا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» فإذاً: كما يجب إصلاح الظاهر يجب أيضاً إصلاح الباطن، وكل من الإصلاحين يساعد في إصلاح الآخر، هذا كما يشبه ما أدري الأستاذ عدنان يمكن يذكرني ما كان بعض العلماء يفكرون بما يسمونه بالحركة الدائمة ... يعني يمكن يكون في حد زعمي أنا كالجاذبية افترضوها لحل مشاكل نظرية، لكن هذه حقيقة شرعية، الله الذي خلق الإنسان وسوى خلقه وأوحى إلى نبيه ﵇ أن يخبرنا بهذه الحقيقة، إذا صلح القلب صلح الجسد، وإذا صلح الجسد صلح القلب، فإذاً: فيه تجاذب بين الجسد وبين المضغة إفساداً وإصلاحاً، إذا كان الأمر كذلك وهو كذلك لا شك ولا ريب فالإسلام عني كل العناية بإصلاح الظواهر لأن هذا الإصلاح يؤدي إلى إصلاح البواطن، من ذلك وهنا بيت القصيد ... ،المقصود من هذا الكلام كله هو حديث واحد بالإضافة إلى ما سبق من الأحاديث النبوية الطيبة، حديث أبي ثعلبة الخشني، قال: كنا إذا سافرنا مع النبي ﵌ ونزلنا منزلاً فيها الصحراء فيها ... كما يقول بعض البدو تفرقنا في المنازل، فسافرنا ذات يوم وتفرقنا، فقال ﵊: «إنما تفرقكم في هذه الشعاب والوديان من عمل الشيطان» تفرق مادي جسدي، قال أبو ثعلبة: فكنا بعد ذلك إذا نزلنا منزلاً
стр. 1631
انضم بعضنا إلى بعض حتى لو جلسنا إلى بساط لوسعنا، فإذاً: الانضمام الظاهري يؤثر في الانضمام القلبي، وهذه حقيقة شرعية ربما يعبر عنها بعض علماء الكلام أو الفلسفة في آخر الزمان بأنها فلسفة شرعية وهي حقيقة شرعية، ارتباط الظاهر بالباطن وهذا له أمثلة كثيرة وكثيرة جداً.
"الهدى والنور" (٢٩٠/ ٠٠:٠٠:٤٤)
[٥١٠] باب منه
[قال الإمام موجهاً كلامه للحاضرين في حلقته]:
[أرجو] الانضمام وعدم التفرق، فمن شاء أن يستمع للعلم فلينضم إلى الحلقة، فقد جاء في السنة في مسند الإمام أحمد ﵀ من حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: «كنا إذا سافرنا مع النبي ﵌، فنزلنا منزلاً تفرقنا في الوديان والشعاب، فقال لنا ذات يوم: ألا إن تفرقكم هذا في الوديان والشعاب من عمل الشيطان، قال: فكنا إذا سافرنا بعد ذلك ونزلنا منزلاً اجتمعنا حتى لو جلسنا على بساط لوسعنا».
جمع غفير يمشون في الصحراء، فإذا نزلوا منزلاً حضهم الرسول ﵊ على أن لا يتفرقوا فيه، وعلى أن يجتمعوا، وأن يتضاموا؛ لأن الاجتماع بالأبدان والأجساد له تأثير بتجميع القلوب وفي إصلاحها، وذلك مما جاء التصريح به عن النبي ﵌ في الحديث الذي أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث النعمان بن بشير ﵄، قال: قال رسول الله ﵌: «إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتق الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ألا وإن لكل ملك حمى يوشك أن
стр. 1632
يقع فيه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».
والشاهد من هذا الحديث إنما هو الفقرة الأخيرة منه، ألا وهو قوله ﵌: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي والقلب».
ففي هذا الحديث تصريح بأن الظاهر مربوط بالباطن، صلاحاً وطلاحاً، إذا صلح القلب صلح الجسد، وإذا فسد القلب فسد الجسد، ومن هنا نأخذ مبدأًً هاماً جداً، يغفل أو يتغافل عنه كثير من المسلمين المعاصرين اليوم الذين لم يتلقوا شيئاً من العلم الشرعي، وإنما شرعهم عقولهم، وأهواءهم، فإذا ما قلت لأحد: لماذا
لا تصلي مثلاً؟ يقول: العبرة ليست بالصلاة، وإنما العبرة بصلاح الباطن،
فهو يتجاهل هذه الحقيقة، أنه لو كان باطنه أي قلبه صالحاً، لنضح صلاحاً، والعكس بالعكس.
ولذلك فينبغي على كل مسلم أن يهتم بإصلاح ظاهره وألَّا يغتر بأن الأمر بما وقر في قلبه؛ لأن الظاهر عنوان الباطن، هذا ليس كلام علماء وفقهاء فقط، بل ذلك ما يدل عليه هذا الحديث الصحيح الذي أنا في صدد التعليق عليه أولاً، ثم الحديث الأول، حديث أبي ثعلبة الخشني بأن النبي ﵌ قد أمرهم بأن يجتمعوا وألا يتفرقوا في المنزل، ولو في الصحراء الواسعة الأطراف، أمرهم أن يجتمعوا؛ لأن هذا الاجتماع بالأجساد يقرب القلوب بعضها إلى بعض، ولعلكم ما نسيتم ما ذكرتكم به أثناء الاصطفاف لصلاة الظهر في هذا اليوم مما ذكرته ساعتئذ من قوله ﵌: «لتسون الصفوف أو ليخالفن الله بين الوجوه»، فتسوية الصفوف أمر ظاهر
стр. 1633
ربط به ﵇ فيما إذا أخل به القائمون في الصف أن يضرب الله قلوب بعضهم ببعض.
فإذاً: لا يجوز للمسلم أن يستهين بظاهره بدعوى أن باطنه صالح؛ لأنه يكون أولاً يكذب على نفسه فضلاً عن أنه يكذب على غيره، لهذا فليس من الأدب الإسلامي في شيء إذا ما اجتمع طلاب العلم أن يجلسوا هكذا كما يشاؤون متفرقين بعضهم عن بعض، بل عليهم أن ينضموا.
وأخيراً: جاء في صحيح مسلم: «أن النبي ﵌ دخل ذات يوم المسجد فوجد الناس متفرقين فيه، فقال لهم: ما لي أراكم عزين؟» أي: متفرقين.
فإذاً: علينا أن نتذكر هذا الأدب في تلقي العلم سواء كان التلقي بطريق جرى عليه العلماء اليوم، وهو تلقي الأسئلة والإجابة عليها، أو بالطريقة القديمة التي كانت ولا تزال طريقة مطروقة لتعليم الناس، ألا وهو أن يجلس الشيخ مع طلابه، ويقرأ عليهم من الكتاب سواء كان من التفسير أو من الحديث أو الفقه المستقى من الكتاب والسنة، أو يقرأ عليه أحدهم ثم هو يعلق على ما قرأ ويشرح لهم ما قد يكون غامضاً عليهم.
"الهدى والنور" (٣٨٥/ ١٤: ٢٥: ٠٠)
[٥١١] باب منه
[قال الإمام]:
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
стр. 1634
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران:١٠٢) .. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء:١) .. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (الأحزاب:٧٠) .. ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب:٧١).
أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
قبل أن نقدم إليكم ما ييسر الله لي من ارتجال كلمة حول الدعوة التي بعث الله ﵎ بها محمداً ﵌، أرى لزاماً علي أن أذكر بأدب من آداب المجالس العلمية التي أخل بها جماهير الناس وفيهم بعض طلبة العلم، فإننا نجد في كثير من المجالس تعقد حلقة علمية واسعة كما كان الأمر حينما دخلنا في هذا المكان المبارك إن شاء الله تعالى، حيث كان المفروض أن الناس يجلسون على أطراف هذا المكان الوسيع، لا بأس من الجلوس مثل هذه الجلسة في غير الجلسة العلمية، أما الجلسة العلمية فأدبها الانضمام والتجمع والتكتل لكي لا يكون المسلمون المجتمعون لطلب العلم بعيدين بأجسامهم بعضهم عن بعض؛ لأن الظاهر عنوان الباطن كما جاء في أحاديث كثيرة عن النبي ﵌.
من هذه الأحاديث التي تتعلق بأدب الجلوس في طلب العلم أن النبي ﵌ دخل يوماً مسجده فرأى الناس متفرقين حلقات حلقات، فقال لهم: «ما
стр. 1635
لي أراكم عزين؟!» أي: متفرقين، والحديث هذا في صحيح مسلم، فلفت النبي ﵌ نظر الجالسين في المسجد النبوي يومئذ ألا تتعدد حلقاتهم وأن يوحدوا الحلقة العلمية وأن يجتمع بعضهم إلى بعض ..
لقد اهتم النبي ﵌ بتجميع الناس وحذرهم من أن يتفرقوا في أجسامهم وأجسادهم حتى ولو كانوا في العراء أو الصحراء، فقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله تعالى عنه قال: «كنا إذا سافرنا مع النبي ﵌ تفرقنا في الشعاب والوديان، فقال لنا يوماً: إنما تفرقكم هذا من عمل الشيطان» ليسوا في جلسة علمية، وإنما في سفرة في البرية، كانوا يتفرقون كلٌّ ينتحي ناحية من أشجار ظليلة أو واد رطب أو نحو ذلك، فأنكر ﵊ ذلك التفرق وقال: «إنما تفرقكم هذا من عمل الشيطان».
قال أبو ثعلبة رضي الله تعالى عنه: فكنا بعد ذلك إذا نزلنا وادياً اجتمعنا، حتى لو جلسنا على بساط لوسعنا.
استجابوا لله وللرسول حينما دعاهم، فكانوا لا يتفرقون في منازلهم وهم قوم سفر مسافرون، كانوا يجتمعون.
ما السر في اهتمام النبي ﵌ في تجميع الناس وأن لا يسمح لهم أن يتفرقوا في أبدانهم حتى في الصحراء ما هو السر؟
سبق مني آنفاً الإشارة إلى ذلك، ولكن الإشارة في كثير من الأحيان لا تغني عن صريح العبارة، بل صريح العبارة تحتاج أحياناً إلى البيان والشرح والتوضيح، فلا بد لي من شيء من هذا.
قلت آنفاً: لأن الظاهر عنوان الباطن، أي: إن المسلمين إذا تفرقوا في
стр. 1636
ظواهرهم كان ذلك سبباً ومدعاة لأن يتفرقوا في قلوبهم، وهذا ما كان النبي ﵌ يصرح به حينما كان يقوم إلى الصلاة ولا يدخل فيها إلا بعد أن يأمر بتسوية الصفوف كما هو معلوم لدى الجميع، ولكن القليل من الناس الذين أولاً يعلمون ماذا كان النبي ﵌ يقول للناس حينما يأمرهم بتسوية الصفوف، كان يقول عليه الصلاة السلام: «لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم».
وهذا الحديث مع الأسف الشديد من سنة النبي ﵌ العملية من ناحية والقولية من ناحية أخرى؛ ذلك لأنه كان يسوي الصفوف ويحضهم على الاعتناء بالتسوية، ويحذرهم من المخالفة، وينبؤهم بأن هذه المخالفة تكون سبباً للتفريق بين قلوبهم، «لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم».
نحن نرى اليوم أن أكثر أئمة المساجد لا أستثني منهم أئمة المسجد الحرام والمسجد النبوي فضلاً عن غيرها من المساجد، كلهم قد أخلوا بالاهتمام بتسوية الصفوف وتحذير الناس من المخالفة في تسويتها، فلا تكاد تسمع منهم، أحسنهم من يقول: استووا. ويلتفت يميناً ويساراً وانتهى الأمر، أما النبي ﵌، أما أصحابه الخلفاء الراشدين من بعده فقد كانوا يهتمون اهتماماً بالغاً جداً جداً، فلا يكبر أحدهم تكبيرة الإحرام إلا بعد أن يطمئن أن الناس استجابوا للأمر بتسوية الصفوف من جهة، وأن النبي ﵌ وكذلك أصحابه من بعده، كانوا لا يكتفون فقط بكلمة استووا، استووا، ولا أن يقول فقط لهذا تقدم ولهذا تأخر، وإنما كان يقدم ﵇ وأصحابه الكرام بين يدي ذلك المرغبات والمنشطات لأن يستجيب الناس لدعوة الرسول ﵇ في تسوية الصف بالإضافة إلى الحديث السابق: «لتسون صفوفكم .. » كان يقول عليه الصلاة السلام: «سووا صفوفكم؛ فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة» وفي رواية: «من حسن الصلاة». روايتان صحيحتان.
стр. 1637
وأمره ﵌ بالشيء يقتضي أن هذا الشيء واجب تطبيقه وتنفيذه؛ لأن الله قال في حقه نبيه ﵇: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (النساء:٨٠).
وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور:٦٣).
لهذا ينبغي الاهتمام بأن يستوي الناس في الصلاة وأن يتقاربوا في المجلس العلمي خارج الصلاة استجابة لأمر النبي ﵌، وفي بعض هذا الأوامر تعليل ذلك؛ لأن إصلاح الظواهر سبب شرعي في إصلاح البواطن، وقد ذكر النبي ﵌ هذا المعنى أيضاً في بعض الأحاديث الصحيحة التي لا بد أنكم كثيراً ما سمعتموها ولكني أعتقد أن القليل من العلماء من يذكركم بالحكمة التي جاء ذكرها أو الإشارة إليها في الحديث الذي سمعتموه دائماً، ألا وهو قوله ﵌: «إن الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتق الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا -هنا الشاهد- وإن
في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب».
فإذاً: صلاح القلب فيه صلاح البدن، وهذه من أسرار الشريعة التي نبه عليها النبي ﵌ في هذا الحديث؛ لأنه يشير في هذا الحديث وفي الأحاديث الأخرى أن ظاهر الجسد مرتبط بباطنه ألا وهو القلب، والقلب أيضاً مرتبط بظاهر البدن، فكأن هناك حركة دائمة مستمرة تشبه ما كنا ولا نزال نسمعه، وأنهم يحاولون إلى اكتشاف ما يسمونه بالحركة الدائمة، الحركة الدائمة أوجدها الله ﵎ في هذا الإنسان الذي صوره وأحسن صوره، تلك الحركة هي: إذا أصلحت قلبك لزم
стр. 1638
منه صلاح بدنك، وإذا أصلحت جسدك لزم منه صلاح قلبك.
فإذاً: لا يقولن أحد كما نسمع ذلك في كثير من الأحيان من بعض الشباب الذين لم يربوا تربية إسلامية، وأخلوا بكثير من الأركان الشرعية كالصلاة مثلاً، إذا قيل لهم: يا أخي لماذا لا تصلي؟ يقول لك: العبرة بما في القلب، كأنه يقول أو كأنه يتصور أنه من الممكن أن يكون القلب صالحاً وصحيحاً وسليماً أما الجسد فلا يتجاوب مع الأحكام الشرعية، هذا أمر باطل تمام البطلان.
فلا بد أن نلاحظ هذه الحقيقة ألا وهي ارتباط الظاهر بالباطن وأن صلاح أحدهما لا يعني إلا صلاح الآخر، وأن فساد أحدهما لا يعني إلا فساد الآخر.
إذاً: من هنا نفهم لماذا كان النبي ﵌ يأمر الناس بأن يجتمعوا وأن يتضاموا في مجلس العلم؛ لأن هذا التضامن الظاهري البدني يؤثر في تضامن القلوب والتحابب الذي لا بد أن يكون متحققاً في قلب كل مسلم كما جاء في كثير من الأحاديث من الحض على الحب في الله والتزاور في الله مما معلوم لديكم، والقصد أنني أردت الإشارة إلى هذه السنة التي ينبغي على طلاب العلم ألا يكبروا الحلقة العلمية وإنما أن يصغروا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، فيكون بعضهم قريباً إلى بعض، ويكونوا جميعاً قريبين أيضاً من هذا الشخص الذي يتولى تعليمهم وتوجيههم إلى ما ينفعهم في دنياهم وفي آخرتهم.
"الهدى والنور" (٤٤٥/ ٤٨: ٠٠: ٠٠)
[٥١٢] باب منه
الشيخ: أقول في الواقع: إن ارتباط إصلاح الظاهر بصلاح الباطن وصلاح الباطن بصلاح الظاهر هذه الحقيقة نفسية شرعية للإسلام الفضل الأول في
стр. 1639
الكشف عنها وبيانها ثم تلا الإسلام ما يسمى اليوم بعلم النفس على عجره وبجره، فقد استطاعوا فعلاً أن يكشفوا بجهودهم المتتابعة والمتتالية شيئاً يسيراً جداً من هذا الموضوع الذي كان الإسلام إليه سابقاً كل الاجتهادات وكل الفلسفات ولا أقول الديانات؛ لأن هذه ديانات غير واضحة، ولم ترد إلينا كاملة.
فأقول: هناك أحاديث كثيرة وكثيرة جداً تؤكد هذه الظاهرة النفسية من الارتباط الوثيق بين القلب والبدن، بين الباطن والظاهر، فمنها قوله عليه الصلاة السلام في حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله ﵌: «إن الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».
فهذا الحديث صريح جداً في شطره الأخير: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب»، فصلاح الجسد إذاً من الناحية النفسية والمعنوية كافٍ من الناحية المادية الطبية، صلاح البدن بصلاح القلب ظاهراً وباطناً، فإذا صلح القلب صلح الجسد، والجسد إذا صلح أيضاً كان ذلك مدعاة لصلاح القلب، ولذلك ففي الحديث تنبيه قوي جداً على أن المسلم لا ينبغي أن يغتر بقوله: أنا طويتي صحيحة وسالمة ونيتي طيبة، لكن عمله ليس كنيته التي يزعمها أنها صالحة وطيبة؛ لأن النبي ﵌ يكذبه في هذا الحديث حينما يقول: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» يعني أن القلب إذا كان
стр. 1640
صالحاً كما يدعي بعض الناس فلا بد من أن ينضح صلاحه على جسده وعلى ظاهره على حسب قول من قال:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم
يؤكد هذا المعنى الذي أوضحه هذا الحديث من ارتباط الظاهر بالباطن نصوص أخرى كثيرة، من ذلك أن النبي ﵌ كما جاء في غير ما حديث صحيح، كان إذا قام إلى الصلاة لم يكبر إلا بعد أن يأمر بتسوية الصفوف، ويؤخر المتقدم ويقدم المتأخر حتى يسوي الصفوف كالقداح، كالرماح، خط مستقيم جداً، ويقول لهم في جملة ما يقول في بعض الأحيان: «لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم» وفي رواية: «بين قلوبكم»، فهذا نص آخر صريح وصريح جداً؛ لأن الاختلاف اختلاف المسلمين في ظواهرهم ومظاهرهم يؤدي إلى اختلافهم في صدورهم وفي بواطنهم.
«لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم» فجعل النبي ﵌ اختلاف المسلمين في تسوية الصف سبباً لاختلافهم في قلوبهم، ونحن نشاهد اليوم إهمال المسلمين لتسوية هذه الصفوف التي لو اقتصرنا في إصدار الحكم عنها، لاكتفينا أن نقول إنه واجب؛ لأن النبي ﵌ كان يقول في جملة ما يقول كما أشرت إلى ذلك آنفاً: «سووا صفوفكم؛ فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة» لو اقتصرنا على هذا الحديث لقلنا إن المسلمين مقصرون في القيام بهذا الواجب، فكيف ونحن في صدد بيان أن إخلالهم بالقيام بهذا الواجب الديني هو سبب شرعي للاختلاف الذي يجعله الله جزاء تقصيرهم في تطبيقهم لأمر نبيهم أن يضرب على قلوبهم وأن يوقع الفرقة والخلاف بينهم، فهذا أيضاً حديث عظيم جداً حيث ربط
стр. 1641
صلاح قلوب الذين يقفون في الصف بإصلاحهم للصفوف، وأن لا يخلوا في تنظيمها وفي ترتيبها.
ومما أيضاً يؤكد هذه القاعدة النفسية القلبية من ارتباط الباطن بالظاهر والظاهر بالباطن أن النبي ﵌ في غير ما حديث صحيح وفي مختلف أبواب الشريعة نهى ﵊ المسلمين أن يتشبهوا بغيرهم، ذلك لأن التشبه يوجب ألفة ويوجب تقارباً بين المتشبه وبين المتشبه به، ولما كان الكفار يعيشون حقاً في ضلال مبين في دنياهم فضلاً عن آخرتهم، كان بدهياً جداً أن الشارع الحكيم ينهى الأمة أن تتشبه بشيء من عادات هؤلاء الكفار؛ لأن ما هم عليه ضلال في ضلال، قلت إن الأحاديث التي وردت في النهي كثيرة وكثيرة جداً في نحو أكثر من أربعين حديثاً، في أبواب مختلفة من أبواب الشريعة في الملبس، في المظهر، في المساكنة والمجامعة والاختلاط، في الصيام، في الطعام، في الحج، في أبواب الشريعة كلها، جاءت نصوص تأمرنا بمخالفة المشركين، هديهم خالف هدي المشركين، ومن المهم من ذلك أن النبي ﵌ قال: «من جامع المشرك فهو مثله» المجامعة تعني مطلق المخالطة، من جامع بمعنى من خالط المشرك أي: من ساكنه وجاوره وقاربه في مسكنه وعاش حياته معه فهو مثله، وتعلمون هنا حتى لا يرد إشكال أن المثلية لا تقتضي ولا تستلزم المشابهة بالكلية من كل الجوانب، كمثل قوله ﵎ حينما حذر المسلمين من موالاة المشركين قال رب العالمين: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ أي: في هذه الموالاة، أي: فهو منهم عملاً. وهذا بحث آخر أن الكفر والشرك ينقسم إلى قسمين، شرك عملي وشرك اعتقادي، فهذا هو منهم، أي: عملاً وليس عقيدة.
النبي ﵌ قد نهى في أكثر من حديث عن مخالطة المشركين؛ لأن الظاهر
стр. 1642
يؤثر في الباطن، ولابن تيمية ﵀ كلام جميل جداً يقول إن التشابه في الظواهر يوجد ارتباطاً بين القلوب، يضرب بعض الأمثلة أذكر بعضها، يقول مثلاً: الرجل الغريب في بلد ما إذا وجد فيه غريباً مثله مال إليه؛ لأن هناك تجانس بلديٍّ فهو يميل إليه ويؤالفه أكثر من أولئك الغرباء الذين هو يعيش بين ظهرانيهم، كذلك يضرب مثلاً آخر فيقول مثلاً: جندي يلبس ثياب الجند فحينما يرى شخصاً آخر يلبس نفس اللباس أيضاً يميل إليه ويركن إليه ويتآنس معه من باب: إن الطيور على أشكالها تقع.
فإذا رأيت مسلماً يتشبه بالكافر، يخالط كافراً، معنى ذلك أنه وجدت هناك مجانسة قلبيه بينه وبين ذاك الكافر أو المشرك، لذلك حذر النبي ﵌ المسلم من مخالطة المشرك، ومن مساكنته أشد التحذير، فقال في حديث آخر غير الحديث السابق، قال ﵊: «أنا بريء من كل مسلم أقام بين ظهراني المشركين» (١).
قال في حديث ثالث: «المسلم والمشرك لا تتراءى نارهما» (٢) يعني: ابعد عن مجاورة المشرك بعيداً بعيداً على عادتهم القديمة أنهم كانوا يوقدون النيران أمام الخيام، فينبغي أن يكون المسلم في خيمته بعيداً عن خيمة المشرك، بحيث أنهما إذا أوقدا النيران لا تظهر نار هذا لهذا والعكس بالعكس.
كل هذا محافظة منه ﵊ على قلب المسلم أن يتأثر بهدي المشرك وعاداته وتقاليده وأخلاقه، وهذا معناه يؤكد قاعدة، هذه القاعدة هي أن
стр. 1643
البيئة تؤثر، البيئة الموبوءة بالأجواء المادية حقيقة طبية لا يشك فيها الأطباء سواء كانوا مسلمين أو كافرين، أما المسلمين فأولاً بدينهم، وثانياً بتجربتهم، أن البيئة تؤثر من الناحية المادية يؤيدها الأحاديث النبوية، حديث الطاعون مثلاً: «إذا وقع الطاعون في أرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها، وإذا وقع الطاعون بأرض لستم فيهم فلا تدخلوا إليها» هذا الحديث من أحاديث أخرى يؤكد الحقيقة الطيبة التي تسمى بالحجر الصحي، وأن البيئة تؤثر بالأصحاء إذا كانت موبوءة، كذلك الأمر تماماً من الناحية الأخلاقية والإيمانية، من أجل ذلك قال ﵇ ما ذكرناه آنفاً من الأحاديث ثم حكى لنا ﵊ حديثاً فيه عن حادثة وقعت فيمن مضى ممن قبلنا أوضح لنا تأثير الأرض الموبوءة بالأخلاق السيئة أنها أيضاً تؤثر في الساكنين فيها، فقال ﵊: كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، ثم أراد أن يتوب، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب، يعني: لم يدل لحكمة أرادها الله على ما سأل، على عالم، وإنما دل على عابد جاهل وعلى حسب ما دل ذهب إليه، فقال له: أنا قتلت تسعة وتسعين نفساً، فهل لي من توبة، فقال له الجاهل: قتلت تسعة وتسعين نفساً وتسأل هل لك توبة، لا توبة لك. فقتله وأكمل به عدد المائة، ويبدو من سياق القصة أن الرجل كان مخلصاً في توبته أو في رغبته في التوبة، لكن يريد الطريق فسأل أيضاً عن عالم فدل عليه فأتاه، فقال: إني قتلت مائة نفس بغير حق، فهل لي من توبة؟ قال: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة، ولكنك -هنا الشاهد- بأرض سوء فاخرج منها، واذهب إلى القرية الفلانية الصالح أهلها، فخرج الرجل من القرية الظالم أهلها إلى القرية الصالح أهلها، وفي الطريق جاءه الأجل فتنازعته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأرسل الله إليهم رسولاً يحكمونه بينهم، فقال انظروا إلى أي القريتين
стр. 1644
هو أقرب فألحقوه بأهلها، فكان أقرب إلى القرية الصالح أهلها فتولت موته ملائكة الرحمة (١).
وللحديث بقية.
ومن تمام الحديث السابق أقول أنه لا يخفى على الحاضرين جميعاً الحقيقة التي تضمنتها تلك النصوص الشرعية من حيث أن البيئة لها تأثيرها، إن صالحة فصلاحاً، وإن طالحة فطلاحاً، ولذلك نرى الشباب المسلم الذي يعيش برهة من الزمن في بلاد الكفر والفسق والفجور سواء ما كان منها أوروبا أو أمريكا يعودون إلى بلاد الإسلام وجماهيرهم يحملون تعظيماً لأولئك الكفار وعاطفة مائلة إليهم وتقديراً وتمجيداً، حتى إن الكثير منهم لنسمع بأنه يكاد يتبرأ من الإسلام ومن المسلمين، لأنه فتن بحضارتهم المادية، فَتَأَثُّرُ الناس بالبيئات هذه قضية لا تحتاج إلى بحث طويل، فإن الواقع يؤيد ذلك بالإضافة إلى أن الشرع قد أكد ذلك بما تقدم من الأدلة الشرعية.
وكما يقال: إن أنسى فلن أنسى، القصة التالية التي وقعت لي ثم أتيحت لي أن أسافر سفرة إلى بلاد أوروبا في سبيل الاتصال بالجاليات الإسلامية هناك وخاصة في بريطانيا، فانتهت رحلتي إلى بلد تبعد عن لندن نحو مائة وعشرين كيلو متر، نسيت اسمها، قيل لي بأن هناك داعية مسلماً طيباً صالحاً فذهبت إليه والوقت رمضان، فلما جلسنا على مائدة الإفطار جلسنا جلسة شرعية على الأرض، هو رجل باكستاني أو هندي لست أذكر، منظره ملتحي لكن لابس الجاكيت والبنطلون وزيادة على ذلك الجرافيت، أنا الحقيقة سررت بسمته وبهديه وبمنطقه
стр. 1645
وإلى حد كبير بفهمه الإسلام، لكن ما أعجبني مظهره اللا إسلامي، ونحن على مائدة الإفطار تكلمت على ما يشبه الموضوع السابق فيما يتعلق خاصة بنهي الشارع عن تشبه المسلم بالكافر وفصلت بشيء من التفصيل أن التشبه أنواع؛ أسوأها ما يفعل لمجرد التشبه بالكفار وليس فيه فائدة للمتشبه، وضربت على ذلك الجرافيت، العقدة هذه، ومن طيب الرجل أنه استجاب فوراً، ففك العقدة ورماها أرضاً، فسررت جداً لهذه الاستجابة السريعة، لكن سرعان ما أزعجني باعتذاره عن وضعه لعقدته، قال: نحن نعيش هنا في بريطانيا والبريطانيون ينظرون لإخواننا الفلسطينيين نظرة خاصة، ومن عادة الفلسطينيين أنهم لا يضعون هذه الجرافيت ويفكون زر القميص ويبقى الصدر مبين من أعلى، فهم ينقمون على الفلسطينيين، ولذلك فهو لكي لا يتشبه بالفلسطينيين الذين يمقتون من قبل البريطانيين وضع هذه العقدة، فقلت له سامحك الله ليتك سكت عن هذا التعليل؛ لأن هذا التعليل أقبح من الفعل، يعني أنت تهتم بنظرة الأوروبيين الكفار البريطانيين لإخواننا الفلسطينيين المسلمين نظرة تحقير لما بينهم من عداء للحق ... مع إخواننا الفلسطينيين، فأنت تهتم برأي هؤلاء الكفار ولذلك لا تريد أن ينظروا إليك نظرتهم إلى إخوانك المسلمين، هذا أكبر دليل على أن البيئة تؤثر في الساكنين فيها والعايشين معها؛ لذلك نهى الرسول ﵌ عن معاشرة الكفار؛ لأن ظاهرهم يؤثر في باطن المسلمين، ويؤثر في أخلاقهم وفي مفاهيمهم.
مداخلة: كذلك السفر ...
الشيخ: إذا كان السفر لأيام محدودة ولغاية مشروعة، فلا أرى في ذلك مانعاً من باب قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأَرْضِ﴾ (الأنعام:١١)، ومن باب أن المسلمين كانوا يسافرون في عهد الرسول عليه الصلاة السلام إلى بلاد الكفار والمشركين،
стр. 1646
وكان ذلك أمراً معهوداً ومقرراً، وحسبكم في ذلك دليلاً قصة معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه لما غاب عن الرسول ﵇ مدة، ثم لما رجع ووقع بصره على النبي ﵌ هم أن يسجد له، فنهاه ﵊، فقال: يا رسول الله! إني سافرت إلى الشام فرأيت النصارى يسجدون لقسيسيهم ورهبانيهم، فرأيتك أنت أحق بالسجود منهم، فقال ﵊ في الحديث المعروف: «لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها، لكن لا يصلح السجود إلا لله» كما في بعض الروايات.
متاجرة المسلمين حتى بعد عهد الجاهلية التي امتن الله عليهم في آية: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (قريش٤:١)، استمرارهم على المتاجرة وإقرار الشارع الحكيم لهم يجيز لنا أن نقول بجواز السفر إلى بلاد الكفر، لكن ليس للاستيطان فيهم، وإنما لقضاء مصالح ثم الرجوع، ولكني مع ذلك نظراً لفساد المجتمعين المجتمع المسلم اليوم بالنسبة للمجتمع المسلم الأول وفساد المجتمع الكافر من الناحية الأخلاقية والفسق والفجور، بالنسبة للمجتمع الكافر الأول لذلك أنا أرى أن الذي يريد أن يسافر هذا السفر الذي قررنا جوازه لا بد أن يكون محصناً ومحصناً، محصناً أخلاقياً ومحصناً نفسه غيره بالزواج، حتى لا يفتتن في ذات نفسه.
هذا ما لدي جواباً عن هذا السؤال، وبذلك ينتهي الموضوع السابق ذكره الذي كان موضوعه: ارتباط الظاهر بالباطن صلاحاً وطلاحاً، ومنه نتوصل إلى التنبيه إلى أمر يقع فيه بعض الشباب البعيد كل البعد عن الإسلام حينما نراه لا
стр. 1647
يصلي ولا يصوم ولا يأتي بشيء من الأركان الإسلامية، فإذا ذكر بذلك قال يا أخي العبرة ليس بالصلاة، وإنما العبرة بما في القلب، وقد يورد بهذه المناسبة حديثاً لا أصل له: اثنان لا تقربهما: الشرك بالله والإضرار بالناس، هذا هو، فهو يقول لك أنا معاملتي مع الناس لا أغش ولا أسرق ولا .. انظر الرجل الفلاني لا يصلي إلا بالصف الأول، ولحيته كذا .. لكن غشاش، لكن كذا ... إلى آخره، فهذا عذر أقبح من ذنب؛ لأننا نقول لمثل هذا المنحرف، إذا كان فلاناً يصلي ولكن يغش، فأنت خذ خيره ودع شره، وخذ خيره وهو يصلي فالصلاة خير، هو يغش وأنت لا تغش، فظل على أمانتك للناس، وعدم غشك، لكن لا تنس حق الله وعليك أن تعبده وأن تخضع له في كل يوم خمس مرات .. إلى آخره.
" الهدى والنور" (٦٢٥/ ٤٥: ٠٠: ٠٠).
[٥١٣] باب منه
[قال الإمام]:
إن هناك ارتباطاً بين الظاهر والباطن، وأنه إذا صلح الظاهر صلح الباطن، وإذا صلح الباطن صلح الظاهر، فبينهما ترابط عجيب، عجيب جداً، نعم.
ولذلك فإصلاح الظواهر من إصلاح البواطن، إصلاح الظواهر، ولهذا تجد أن هدي المشركين كما جاء في بعض الأحاديث يختلف عن هدي المؤمنين منطلقهم في حياتهم، في مجالسهم في دخولهم في خروجهم في لقائهم بعضهم لبعض حسبكم من ذلك: تحية بعضهم لبعض بالانحناء، أو برفع القبعة، ونحو ذلك من التكلفات التي قامت عليها حياة الأعاجم من قبل، فهذه كلمة الأعاجم التي إذا أطلقت يراد بها غير المسلمين، كما أن عند الأعاجم المسلمين استعمال
стр. 1648
معاكس له، إذا أطلق عندهم العرب فالمراد بهم: المسلمون خلاف العرب الذين يزعمون أنهم يدعون إلى القومية العربية، الله أكبر، مفارقات عجيبة جداً.
الأعاجم إذا قالوا فلان عربي يعني مسلم عربي، أما العرب إذا قال فلان عربي سواءً كان نصراني ولّا يهودي ولّا لا ديني عرب وانتهى الأمر.
فالأعاجم كانوا من قبل يطلق على من ليس مسلماً، ولذلك قال ﵇ في الحديث الذي فيه أنه ﵌ صلى ذات يوم بأصحابه صلاة الظهر، وهو جالس، فقام مع أصحابه من خلفه قياماً فأشار إليهم أن اجلسوا، فجلسوا لما سلم قال: «إن كدتم أن تفعلوا آنفاً فعل فارس بعظمائها يقومون على رؤوسهم وهم جالسون، إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعين».
ففي هذا الحديث اهتمام الرسول ﵌ بالمسلمين من حيث أنه يجب عليهم أن يحافظوا على شخصيتهم المسلمة، وأن يتميزوا فيها عن الأعاجم أي: الكفار حتى في الصلاة، حتى لو أدى بهم ذلك إلى أن يتركوا ركناً الأصل فيه أنه ركن أي: الصلاة فلإبطال هذه الظاهرة الوثنية التي كان عليها الأعاجم من حيث أنهم يقومون على رؤوسهم وهم قيام، قال لهم: اجلسوا، مع أننا نعلم جميعاً لا فرق بين عالم وغير عالم، ومثقف وغير مثقف الفرق الجوهري بين ظاهرة الأعاجم الذين يقومون على رؤوس ملوكهم، وظاهرة قيام أصحاب الرسول خلف الرسول في الصلاة حيث أنهم قاموا لله قانتين، إنما يقصدون بقيامهم ربَّ العالمين، وحيث إن النبي ﵌ ما جلس متكبراً متعجرفاً على القائمين خلفه، وإنما جلس مضطراً مع هاتين الفارقتين الكبيرتين بين ظاهرة المسلمين خلف الرسول، وظاهرة الأعاجم خلف ملوكهم مع ذلك قال: «لا تتشبهوا في الصلاة لا تقوموا خلفي اجلسوا، وإذا
стр. 1649
صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعين» (١).
الواقع: أن حياتنا ومجالسنا كلها بحاجة إلى تطبيق، منها: أنه الكنبايات هذه الكراسي صنعت لهم، ونحن قلدناهم حيث أن أحدهم يجلس كالإمبراطور يعني يرى حاله مستكبر.
مداخلة: لأن رتبته أحسن منهم.
الشيخ: نعم.
"الهدى والنور" (٦٢٦/ ٠٨: ٥٢: ٠٠)
[٥١٤] باب منه
[قال رسول الله ﵌]:
«أقيموا صفوفكم وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري».
[وقال ﵌]:
«أقيموا صفوفكم ثلاثا، والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن بين قلوبكم».
[قال الإمام]:
في الحديثين دليل واضح على أمر لا يعلمه كثير من الناس، وإن كان صار معروفاً في علم النفس، وهو أن فساد الظاهر يؤثر في فساد الباطن، والعكس بالعكس.
"الصحيحة" (١/ ١/٧٠، ٧١، ٧٤).
стр. 1650
[٥١٥] باب منه
[قال الإمام]:
(سألقي) كلمة وجيزة حول أدب من آداب المجالس التي أهملها اليوم خاصة الناس فضلاً عن عامتهم، من هذه الآداب هو التجمع والتكتل والتقارب في المجلس وعدم التباعد فيه، وهذا من حِكَمِ الشريعة في كثير من أحكامها الظاهرة، والتي جاء التصريح بها في بعض الأحاديث الصحيحة، فهناك مثلاً في صحيح مسلم حديث جابر بن سمرة فيما أذكر: أن النبي ﵌ دخل المسجد يوماً فرآهم متفرقين حلقات حلقات، فقال لهم: «ما لي أراكم عزين»؛ أي: متفرقين.
وأهم من هذا ما يرويه الإمام أحمد في كتابه "المسند" بالسند القوي عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: كنا إذا سافرنا مع النبي ﵌، ونزلنا تفرقنا في الشعاب والوديان، فسافرنا يوماً ونزلنا كما كنا ننزل، فقال لهم ﵊: «إن تفرقكم في هذه الشعاب والوديان إنما هو من عمل الشيطان» قال: فكنا بعد ذلك إذا نزلنا في مكان اجتمعنا، حتى لو جلسنا على بساط لَوَسِعَنَا، فما رأيكم وأنتم جالسين هنا في سطح ممهد مسهل، فهذا التفرق ليس من سنة الإسلام، ولذلك فكلما تضامت الحلقة كلما كانت مشمولة برحمة الله وفضله، وكثير من الناس يجهلون أن هناك ارتباطا ًوثيقاً جداً بين ظاهر الإنسان وباطنه، وهذا الارتباط الوثيق مما توافرت كثيراً من أحاديث الرسول ﵌ في الدلالة عليها، ولعلكم تعلمون العبارة التي ذكرت في كثير من الكتب: «الظاهر عنوان الباطن»، وهذا الذي أشار إليه الشاعر قديماً حين قال:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم
فلابد ما أن يكون هناك ارتباط بين الظاهر وبين الباطن، لذلك عني رسول الله ﵌ عناية بالغة في إصلاح ظواهر المسلمين، فضلاً عن باطنهم، فهو ﵇ كما جاء بإصلاح القلوب والبواطن كذلك جاء لإصلاح الأجساد والظواهر معاً، فليس الأمر فقط كما يقول كثير من الناس: العبرة بما في الباطن، نعم العبرة بما في الباطن، لكن ذلك لا يستلزم عدم العناية بالظاهر، ولهذا قال ﵊ حينما رأى ذلك الرجل أو سمع ذلك الرجل يقول والرسول ﵇ يعظ الناس على طاعة الله واتباع كتابه، قام ذلك الرجل ليقول له: «ما شاء الله وشئت يا رسول الله»، فغضب ﵇ غضباً شديداً، وقال: «قل ما شاء الله وحده» (١)، هذا لفظ ظاهر ظهر من لسان ذلك الصحابي خطأً منه، لكن هذا الظاهر خلاف باطنه يقيناً؛ لأن باطنه كان عامراً بالإيمان بالله ورسوله ﵌، ولكنه لما أخطأ في اللفظ لم يسكت الرسول ﵇ عنه، بل أصلح له عبارته وقال له: قل ما شاء الله وحده.
فرسول الله ﵌ يعلم يقيناً أن هذا الرجل ما قصد ما دل عليه لفظه، لفظه دل على أنه جعل الرسول شريكاً مع الله في إرادته ﵎، لكن هذا الصحابي يعلم أن مشيئة الله ﵎ قبل كل شيء وفوق كل شيء؛ لأنه يقرأ في القرآن الكريم: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (التكوير:٢٩)، ولا أحد يظن أن ذلك الصحابي يجهل هذه الحقيقة، لكن أخطأه لسانه، لكن الرسول ﵇ أصلحه إياه، ودَلَّهُ على ما يقول، قال له: «قل: ما شاء الله وحده»، وفي رواية أخرى: «ما شاء الله ثم شئت».