الصالح في شبابنا السلفي الذي كان يجاهد في أفغانستان، ومن هذه الأفكار تكفير الحكام وإحياء السنن المهجورة كالاغتيالات كما يدعون، والآن وبعد رجوع الشباب السلفي إلى بلادهم قاموا ببث ونشر هذه الآراء والشبه عندنا، وعلمنا يا شيخ أنه قد حصل بينكم وبين إحدى الإخوان قبل عدة سنين مناقشة طويلة في مسألة التكفير، وهذه الأشرطة تسجيلها غير واضح، لذا نود من فضيلتكم البيان في هذه المسألة، وجزاكم الله خير.
الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
في الحقيقة أن مسألة التكفير ليس فقط للحكام، بل وللمحكومين أيضاً هي فتنة قديمة تبنتها فرقة من الفرق الإسلامية القديمة وهي المعروفة بالخوارج، والخوارج طوائف مذكورة في كتب الفرق ومنها فرقة موجودة لا تزال الآن باسم آخر وهو الإباضية، وهؤلاء الإباضية كانوا إلى عهد قريب منطوين على أنفسهم، ليس لهم أي نشاط دعوي كما يقال اليوم، لكن منذ بضع سنين بدؤوا ينشطون وينشرون بعض الرسائل وبعض العقائد التي هي عين عقائد الخوارج القدامى إلا أنهم يتسترون ويتشيعون بخصلة من خصال الشيعة ألا وهي التقيّة، فهم يقولون نحن لسنا بالخوارج، وأنتم تعلمون جميعاً أن الاسم لا يغير من حقائق المسميات إطلاقاً، وهؤلاء يلتقون في جملة ما يلتقون مع الخوارج في تكفير أصحاب الكبائر.
стр. 1822
الآن يوجد في بعض الجماعات الذين يلتقون مع دعوة الحق في اتباع الكتاب والسنة، ولكنهم مع الأسف الشديد يقعون في الخروج عن الكتاب والسنة من جديد وباسم الكتاب والسنة، والسبب في ذلك يعود إلى أمرين اثنين في فهمي ونقدي، أحدهما هو ضحالة العلم وقلة التفقه في الدين، والأمر الآخر وهو مهم جداً أنهم لم يتفقوا بالقواعد الشرعية والتي هي من أسس الدعوة الإسلامية الصحيحة التي يعتبر كل من خرج عنها من تلك الفرق المنحرفة عن الجماعة التي أثنى عليها رسول الله ﵌ في غير ما حديث، بل والتي ذكرها ربنا دليلاً واضحاً بيناً على أن من خرج عنها فيكون قد شاق الله ورسوله.
أعني بذلك قوله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:١١٥). الله بأمر واضح جداً عند أهل العلم لم يقتصر على قوله : ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى، لم يقل هكذا وإنما أضاف إلى مشاققة الرسول اتباع غير سبيل المؤمنين، فقال : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:١١٥).
إذاً: اتباع سبيل المؤمنين وعدم اتباع سبيل المؤمنين أمر هام جداً إيجاباً وسلباً، فمن اتبع سبيل المؤمنين فهو الناجي عند رب العالمين، ومن خالف سبيل المؤمنين فحسبه جنهم وبئس المصير، من هنا ضلت طوائف كثيرة وكثيرة جداً قديماً وحديثاً، حيث إنهم لم يلتزموا سبيل المؤمنين، وإنما ركبوا عقولهم، بل اتبعوا أهواءهم في تفسير الكتاب والسنة ثم بنوا على ذلك نتائج خطيرة وخطيرة جداً من ذلك الخروج عما كان عليه سلفنا الصالح.
стр. 1823
هذه الفقرة من الآية الكريمة: ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ لقد دلنا حولها وأكدها ﵊ تأكيداً بالغاً في غير ما حديث نبوي صحيح، وهذه الأحاديث التي أنا أشير إليها الآن وسأذكر بعضاً منها مما تساعدني ذاكرتي ليست مجهولة عند عامة المسلمين، فضلاً عن خاصتهم، لكن المجهول فيها هو أنها
تدل على ضرورة التزام سبيل المؤمنين في فهم الكتاب والسنة، هذه النقطة
يسهو عنها كثير من الخاصة، فضلاً عن العامة، فضلاً عن هؤلاء الذين عرفوا بجماعة التكفير.
هؤلاء قد يكونون في قرارة نفوسهم صالحين، وقد يكونون أيضاً
مخلصين، ولكن هذا وحده غير كاف ليكون صاحبه عند الله من
الناجين المفلحين.
لا بد للمسلم أن يجمع بين أمرين اثنين، بين الإخلاص في النية لله ، وبين حسن الاتباع لما كان عليه النبي ﵌، فلا يكفي إذاً أن يكون المسلم مخلصاً وجاداً فيما هو في صدده من العمل بالكتاب والسنة، والدعوة إليهما، فلا بد بالإضافة إلى ذلك أن يكون منهجه منهجاً سوياً سليماً.
فمن تلك الأحاديث المعروفة كما أشرت آنفاً حديث الفرق الثلاث والسبعين، ولا أحد منكم إلا وهو يذكره، وهو قوله ﵊: «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. قالوا: من هي يا رسول الله؟! قال: هي ما أنا عليه وأصحابي» (١) نجد أن جواب النبي ﵌ لأولئك
стр. 1824
الذين سألوا عن الفرقة الناجية يلتقي تماماً مع الآية السابقة: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النساء:١١٥)، فالمؤمنون المقصودون في هذه الآية الكريمة هم الأصحاب أول ما يدخل في عموم الآية: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) هم سبيل أصحاب الرسول عليه الصلاة السلام، فالرسول ﵌ في الجواب عن ذاك السؤال عن الفرقة الناجية ما هي وما أوصافها، قال: «هي التي تكون على ما أنا عليه وأصحابي»، لم يكتف الرسول ﵌ في هذا الحديث على قوله: «ما أنا عليه» وقد يكون ذلك كافياً في الواقع للمسلم الذي يفهم حقاً الكتاب والسنة، ولكنه عليه الصلاة السلام كتحقيق عملي لقوله في حقه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة:١٢٨)، فمن رأفته ورحمته بأصحابه وأتباعه أنه أوضح لهم أن علامة الفرقة الناجية هي التي تكون على ما كان عليه الرسول ﵇ وعلى ما عليه أصحابه من بعده.
فإذاً: لا يجوز للمسلم أن يقتصر فقط في فهمه للكتاب والسنة على الوسائل التي لا بد منها، منها مثلاً معرفة اللغة العربية والناسخ والمنسوخ، وكل القواعد، لكن من هذه القواعد الهامة أن يرجع في كل ذلك إلى ما كان عليه أصحاب النبي ﵌؛ لأنهم كما تعلمون من كثير من الآثار ومن سيرتهم أنهم كانوا أخلص لله في العبادة وأفقه منا للكتاب والسنة .. إلى غير ذلك من الخصال الحميدة الذي كانوا تخلقوا بها.
هذا الحديث يلتقي مع الآية تماماً، حيث أنه ألمح ﵇ في هذا الجواب أنه لا بد من الرجوع ليكون المسلم من الفرقة الناجية إلى ما كان عليه أصحاب الرسول ﵌.
стр. 1825
يشبه هذا الحديث تماماً حديث الخلفاء الراشدين الذي ذكر في السنن من رواية العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه قال: «وعظنا رسول الله ﵌ موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: أوصنا يا رسول الله. قال: أوصيكم بالسمع والطاعة وإن ولي عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسير اختلافاً كثيرا، فعليكم بستني وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ... » إلى آخر الحديث.
الشاهد من هذا الحديث هو كالشاهد من جوابه ﵇ عن السؤال السابق، حيث حض أمته في أشخاص أصحابه أن يتمسكوا بسنته، ثم لم يقتصر على ذلك قال: «وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي».
إذاً: لا بد لنا من أن ندندن دائماً وأبداً إذا أردنا أن نفهم عقيدتنا، أن نفهم عبادتنا، أن نفهم أخلاقنا وسلوكنا، لا بد من أن نعود إلى سلفنا الصالح .. كل هذه الأمور التي لا بد منها للمسلم ليتحقق فيه أنه من الفرقة الناجية.
من هنا ضلت طوائف قديمة وحديثة حينما لا يلتفتون إطلاقاً إلى الآية السابقة وإلى حديث الفرقة الناجية، وإلى حديث سنة الخلفاء الراشدين من بعده ﵇، فكان أمراً طبيعياً جداً أن ينحرفوا كما انحرف من سبقهم من المنحرفين عن كتاب الله وسنة رسول الله ﵌ ومنهج السلف الصالح، من هؤلاء الخوارج قديماً وحديثاً.
التكفير الذي ذر قرنه في هذا الزمان الآية التي يدندنون حولها دائماً وأبداً، ألا وهي قوله ﵎: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤).
стр. 1826
ونعلم جميعاً أن هذه الآية جاءت في خاتمتها بألفاظ ثلاثة، فأولئك هم الكافرون، فأولئك هم الظالمون، فأولئك هم الفاسقون.
فمن جهل الذين يحتجون بهذه الآية في اللفظ الأول منها: ﴿فأولئك هم الكافرون﴾ أنهم لم يلموا على الأقل ببعض النصوص التي جاء فيها ذكر لفظة الكفر، فأخذوا لفظة الكفر في الآية على أنها تعني الخروج من الدين، وأنه لا فرق بين هذا الذي وقع الكفر وبين أولئك المشركين من اليهود والنصارى وأصحاب الملل الأخرى الخارجة عن ملة الإسلام، بينما الكفر في لغة الكتاب والسنة لا تعني هذا الذي هم يدندنون حوله ويسلطون هذا الفهم الخاطئ على كثير من المسلمين وهم بريئون من ذاك التكفير الذي يطبقونه على هؤلاء المسلمين، شأن لفظة التكفير من حيث إنها لا تدل على معنى واحد وهو الردة والخروج عن الملة شأن هذا اللفظ شأن اللفظين الآخرين الذين ذكرا في الآيتين الأخريين الفاسقين والظالمين، فكما أنه ليس كل من وصف بأنه كفر لا يعني أنه ارتد عن دينه، كذلك لا يعني أن كل من وصف بأنه ظالم أو فاسق بأنه مرتد عن دينه.
هذا التنوع في معنى اللفظ الواحد هو الذي يدل عليه اللغة ثم الشرع الذي جاء بلغة العرب، لغة القرآن الكريم كما هو معلوم.
من أجل ذلك كان من الواجب على كل مسلم من يتصدى للحكم بما أمر الله ، لست أعني الآن الحكام، وإنما أعني أولئك الذين يصدرون الأحكام على المسلمين سواء كانوا حكاماً أو محكومين، كان من الواجب على هؤلاء أن يكونوا على علم بالكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح والكتاب لا يمكن فهمه وكذلك ما ضم إليه إلا بطريق معرفة اللغة العربية معرفة خاصة، وقد يكون إنسان
стр. 1827
ما ليس عنده معرفة قوية أو تامة باللغة العربية فيساعده في استدراك هذا النقص الذي قد يشعر به في نفسه حينما يعود إلى من قبله من العلماء خاصة إذا كانوا من أهل القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية، فالرجوع إليهم حينئذ سيكون شاهداً له لاستدراك ما قد يفوته من المعرفة باللغة العربية وآدابها.
نعود الآن إلى هذه الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤)، هل الضروري أن يكون هذا اللفظ: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ أنه يعني كفراً خروجاً عن الملة، قد يعني هذا، وقد يعني ما دون ذلك، فهنا العبرة في فهم هذه الآية، فهذه الآية الكريمة: (فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) قد تعني: أي: الخارجون عن الملة، وقد تعني أنهم خرجوا عملياً عن بعض ما جاءت به الملة الإسلامية، يساعدنا على ذلك قبل كل شيء ترجمان القرآن ألا وهو عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه؛ لأنه من الصحابة الذين اعترف المسلمون جميعاً إلا من كان من تلك الفرق الضالة على أنه كان إماماً في التفسير ولذلك سماه بعض السلف من الصحابة ولعله هو عبد الله بن مسعود بترجمان القرآن، هذا الإمام في التفسير والصحابي الجليل كأنه طرق سمعه يومئذ ما نسمعه اليوم تماماً أن هناك أناساً يفهمون هذه الآية على ظاهرها دون التفصيل الذي أشرت إليه آنفاً، وهو أنه قد يكون أحياناً المقصود بالكافرين المرتدين عن دينهم، وقد يكون ليس هو المقصود وإنما هو ما دون ذلك، فقال ابن عباس ﵁: «ليس الأمر كما يفهمون، أو كما يظنون، وإنما هو كفر دون كفر»، ولعله كان يعني بذلك الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤمنين، ثم كان من عواقب ذلك أنهم سفكوا دماء المؤمنين وفعلوا فيهم ما لم يفعلوا بالمشركين، فقال: ليس الأمر كما قالوا أو كما
стр. 1828
ظنوا، وإنما هو كفر دون كفر.
هذا الجواب المختصر الواضح من ترجمان القرآن في تفسير هذه الآية هو الذي لا يمكن أن يفهم سواه من النصوص التي ألمحت إليها آنفاً في مطلع كلمتي هذه، أن كلمة الكفر ذكرت في كثير من النصوص، مع ذلك تلك النصوص لا يمكن أن تفسر بهذا التفسير الذي فسروا به الآية، أو لفظ الكفر الذي جاء في تلك النصوص لا يمكن أن يفسر بأنه يساوي الخروج من الملة، فمن ذلك مثلاً الحديث المعروف في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﵌: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر».
قتاله كفر، عندي هو تفنن في الأسلوب العربي في التعبير؛ لأنه لو قال قائل سباب المسلم وقتاله فسوق يكون كلاماً صحيحاً؛ لأن الفسق هو المعصية وهو الخروج عن الطاعة، لكن الرسول عليه الصلاة السلام باعتباره أفصح من نطق بالضاد، قال: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» ترى هل يجوز لنا أن نفسر الفقرة الأولى من هذا الحديث سباب المسلم فسوق بالفسق المذكور في اللفظ الثاني أو الثالث في الآية السابقة: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾، و «سباب المسلم فسوق» نقول: قد يكون الفسق أيضاً مرادفاً للكفر الذي هو بمعنى الخروج عن الملة، وقد يكون الفسق مرادفاً للكفر الذي لا يعني الخروج عن الملة، وإنما يعني ما قاله ترجمان القرآن إنه كفر دون كفر، وهذا الحديث يؤكد أن الكفر قد يكون بهذا المعنى؛ لأن الله ذكر في القرآن الكريم الآية المعروفة: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (الحجرات:٩)، إذاً: قد ذكر هنا ربنا الفرقة الباغية التي تقاتل الفرقة الناجية الفرقة المحقة المؤمنة، ومع ذلك
стр. 1829
فما حكم عليها بالكفر مع أن الحديث يقول: «وقتاله كفر».
إذاً: قتاله كفر، أي: دون كفر كما قال ابن عباس في تفسير الآية السابقة.
فقتال المسلم للمسلم بغي واعتداء وفسق وكفر، ولكن هذا يعني أن الكفر قد يكون كفراً عملياً، وقد يكون كفراً اعتقادياً، من هنا جاء التفصيل الدقيق الذي تولى بيانه وشرحه الإمام بحق شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعده تلميذه البار ابن القيم الجوزية، حيث أن لهم الفضل في الدندنة حول تقسيم الكفر إلى ذلك التقسيم الذي رفع رايته ترجمان القرآن بتلك الكلمة الجامعة الموجزة، فابن تيمية ﵀ وتلميذه وصاحبه ابن القيم الجوزية يفرقون أو يدندنون دائماً بضرورة التفريق بين الكفر الاعتقادي والكفر العملي، وإلا وقع المسلم من حيث لا يدري في فتنة الخروج عن جماعة المسلمين التي وقع فيها الخوارج قديماً، وبعض أذنابهم حديثاً.
فإذاً: قوله ﵌: «وقتاله كفر» لا يعني الخروج عن الملة، وأحاديث كثيرة وكثيرة جداً لو جمعها المتتبع لخرج منها برسالة نافعة في الحقيقة فيها حجة دامغة لأولئك الذين يقفون عند الآية السابقة ويلتزمون فقط تفسيرها بالكفر الاعتقادي، بينما هناك النصوص الكثيرة والكثيرة جداً التي فيها لفظة الكفر ولا يعنى أنها تعني الخروج عن الملة، فحسبنا الآن هذا الحديث؛ لأنه دليل قاطع على أن قتال المسلم لأخيه المسلم هو كفر بمعنى الكفر العملي وليس الكفر الاعتقادي، فإذا عدنا إلى جماعة التكفير وإطلاقهم الكفر على الحكام، وعلى من يعيشون تحت رايتهم وبالأولى الذين يعيشون تحت إمرتهم وتوظيفهم، فوجهة نظرهم هي الرجوع إلى أن هؤلاء ارتكبوا المعاصي فكفروا بذلك.
стр. 1830
من جملة الأمور التي يذكرني بها سؤال الأخ إبراهيم السائل آنفاً الذي سمعته من بعض أولئك الذين كانوا من جماعة التكفير ثم هداهم الله ، قلنا لهم: ها أنتم كفرتم بعض الحكام، فما بالكم تكفرون مثلاً أئمة المساجد، خطباء المساجد، مؤذني المساجد، خدمة المساجد، ما بالكم تكفرون أساتذة العلم الشرعي في المدارس الثانوية مثلاً أو الجامعات؟ قال: الجواب لأن هؤلاء رضوا بحكم هؤلاء الحكام الذين يحكمون بما أنزل الله.
يا جماعة هذا الرضا إن كان رضاً قلبيا بالحكم بغير ما أنزل الله، حينئذ ينقلب الكفر العملي إلى كفر اعتقادي، فأي حاكم يحكم بغير ما أنزل الله وهو يرى أن هذا الحكم هو الحكم اللائق بتبنيه في هذا العصر وأنه لا يليق تبني الحكم الشرعي المنصوص في الكتاب والسنة، لا شك أن هذا يكون كفره كفراً اعتقادياً، وليس كفراً عملياً، ومن رضي بمثل هذا الحكم أيضاً فيلحق به، فأنتم أولاً لا تستطيعون أن تحكموا على كل حاكم يحكم ببعض القوانين الغربية الكافرة أو بكثير منها أنه لو سئل لأجاب بأن الحكم بهذه القوانين هو اللازم في العصر الحاضر، وأنه لا يجوز الحكم بالإسلام، لو سئلوا لا تستطيعون أن تقولوا بأنهم لا يجبيون بأن الحكم بما أنزل الله اليوم لا يليق، وإلا صاروا كفاراً دون شك ولا ريب، فإذا نزلنا إلى المحكومين وفيهم العلماء وفيهم الصالحون .. وإلى آخره، كيف أنتم مجرد أن ترونهم يعيشون تحت حكم يشملهم كما يشملكم أنتم تماماً، لكنكم تعلنون أنكم كفار، وهؤلاء لا يعلنون أنهم كفار بمعنى المرتدين، لكنهم يقولون إن الحكم بما أنزل الله هو الواجب، وأن مخالفة الحكم الشرعي بمجرد العمل هذا لا يستلزم الحكم على هذا العالم بأنه مرتد عن دينه.
стр. 1831
من جملة المناقشات التي توضح خطأهم وضلالهم قلنا لهم: متى يحكم على المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وقد يصلي كثيراً أو قليلاً، متى بحكم بأنه ارتد عن دينه، يكفي مرة واحدة أو يجب أن يعلن سواء بلسان حاله أو بلسان قاله إنه مرتد عن الدين، كانوا كما يقال لا يحيلون جواباً، لا .. جواب.
فاضطر إلى أن أضرب لهم المثل التالي، أقول: قاض يحكم بالشرع، هكذا عادته ونظامه، لكنه في حكومة واحدة زلت به القدم، فحكم بخلاف الشرع، أي: أعطى الحق للظالم وحرمه المظلوم، هل هذا حكم بغير ما أنزل الله أم لا؟ حكم بغير ما أنزل الله.
هل تقولون بأنه كفر بمعنى الكفر عندهم، كفر ردة؟ قالوا: لا.
قلنا: لم؟ وهو خالف حكم الشرع. قالوا: لأن هذا صدر منه ذلك مرة واحدة. قلنا: حسناً، صدر نفس الحكم مرة ثانية أو حكم آخر لكن خالف فيه الشرع أيضاً؟ فهل كفر؟ أخذت أكرر عليهم ثلاث مرات أربع مرات، متى تقول إنه كفر؟ لا تستطيع أن تضع حداً بتعداد أحكامه التي خالف فيها الشرع، تستطيع العكس تماماً، لأنه في الحكم الأول استحسنه واستقبح الحكم الشرعي أن تحكم عليه بالردة، وعلى العكس من ذلك: لو رأيت منه عشرات الحكومات في قضايا متعددة خالف فيها الشرع، لكن قلت له يا شيخ: أنت حكمت بغير ما أنزل الله ، فلم ذلك؟ والله خفت خشيت على نفسي، أو ارتشيت مثلاً وهذا أسوأ من الأول بكثير .. إلى آخره، مع ذلك لا تستطيع أن تقول بكفره حتى يعرب عن كفره المضمور في قلبه أنه لا يرى الحكم بما أنزل الله ، حينئذ تستطيع أن تقول
стр. 1832
بأنه كافر كفر ردة.
إذاً: وخلاصة الكلام الآن أنه لا بد من معرفة أن الكفر كالفسق والظلم ينقسم إلى قسمين: كفر ظلم فسق يخرج عن الملة، وكل ذلك يعود للاستحلال القلبي، وخلاف ذلك يعود إلى الاستحلال العملي، وبخاصة ما فشى في هذا الزمان من استحلال الربا وكل هذا كفر عملي، فلا يجوز لنا أن نكفر هؤلاء بمجرد ارتكابهم معصية واستحلالهم إياها عملياً إلا إذا صدر منهم أو بدا لنا منهم ما يكشف لنا عما في قرارة نفوسهم أنهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله عقيدة، فإذا عرفنا أنهم وقعوا في هذه المخالفة القلبية حكمنا حينئذ بأنهم كفروا كفر ردة، أما إذا لم نعلم ذلك فلا سبيل لنا إلى الحكم بكفرهم؛ لأننا نخشى أن نقع في وعيد قوله ﵊: «من كفر مسلماً فقد باء به أحدهما» والأحاديث الواردة في هذا المعنى كثيرة وكثيرة جداً.
نذكر بهذه المناسبة بقصة ذلك الصحابي الذي بارز مشركاً فلما رأى المشرك أنه صار تحت ضربة سيف المسلم الصحابي قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فما بالاها الصحابي وقتله، فلما بلغ خبره النبي ﵌ أنكر عليه ذلك أشد الإنكار كما تعلمون، فاعتذر الرجل بأنه ما قالها إلا خوفاً من القتل، فكون جوابه ﵌: «هلا شققت عن قلبه» (١).
إذاً: الكفر الاعتقادي ليس له علاقة بالعمل، ونحن لا نستطيع أن نعلم ما في قلب الكافر الفاجر السارق الزاني المرابي إلى آخره إلا إذا عبر عما في قلبه بلسانه، أما عمله فعمله ينبئ أنه خالف الشرع مخالفة عملية، فنحن نقول إنك
стр. 1833
خالفت وإنك فسقت وفجرت، لكن ما نقول إنك كفرت وارتددت عن دينك، حتى يظهر منه شيء يكون لنا عذر عند الله أن نحكم بردته وبالتالي يأتي الحكم المعروف في الإسلام ألا وهو قوله ﵊: «من بدل دينه فاقتلوه» (١).
ثم كنت ولا أزال أقول لهؤلاء الذين يدندنون حول تكفير حكام المسلمين، هبوا يا جماعة أن هؤلاء فعلاً كفار كفر ردة، وأنهم لو كان هناك حاكم أعلى عليهم واكتشف منهم أن كفرهم كفر ردة، لوجب على ذلك الحاكم أن يطبق فيهم الحديث السابق: «من بدل دينه فاقتلوه».
الآن ماذا تستفيدون أنتم من الناحية العملية إذا سلمنا جدلاً أن كل هؤلاء الحكام هم كفار كفر ردة، ماذا يمكنكم أن تعملوا، هؤلاء الكفار احتلوا كثيراً من بلاد الإسلام ونحن هنا مع الأسف ابتلينا باحتلال اليهود لفلسطين، فماذا أنتم ولا نحن نستطيع أن نعمل مع هؤلاء حتى تستطيعوا أنتم أن تعملوا مع الحكام الذين تظنون أنهم من الكفار، هلا تركتم هذه الناحية جانباً، وبدأتم بتأسيس وبوضع القاعدة التي على أساسها تقوم قائمة الحكومة المسلمة، وذلك باتباع سنة الرسول ﵌ التي ربى أصحابه عليها ونشأهم على نظامها وأساسها، وذلك ما نحن نعبر عنه في كثير من مثل هذه المناسبة بأنه لا بد لكل جماعة مسلمة تعمل بحق لإعادة حكم الإسلام ليس فقط على أرض الإسلام، بل على الأرض كلها تحقيقاً لقوله ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة:٣٣).
стр. 1834
وقد جاء في بعض الأحاديث الصحيحة أن هذه الآية ستحقق فيما بعد، فلكي يتمكن المسلمون من تحقيق هذا النص القرآن، هل يكون البدء بإعلان الثورة على هؤلاء الحكام الذين يظنون فيهم أن كفرهم كفر ردة، ثم مع ظنهم وهو ظن خطأ لا يستطيعون أن يعملوا شيئاً.
إذاً: لتحقيق هذا النبأ القرآني الحق: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة:٣٣) ما هو المنهج؟ ما هو الطريق؟ لا شك أن الطريق هو ما كان رسول الله ﵌ يدندن ويذكر أصحابه في كل خطبة: خير الهدى هدى محمد ﵌.
إذاً: فعلى المسلمين كافة وبخاصة منهم من يهتم لإعادة الحكم بالإسلام على الأرض الإسلامية بل الأرض كلها، أن يبدأ من حيث بدأ رسول الله ﵌ وهو ما نكني نحن عنه بكلمتين خفيفتين: التصفية والتربية؛ ذلك لأننا نحن نعلم حقيقة يغفل عنها أو يتغافل عنها بالأصح؛ لأنه لا يمكن الغفلة عنها، يتغافل عنها أولئك الغلاة الذين ليس لهم هم إلا إعلان تكفير الحكام، ثم لا شيء، وسيظلون كما ظلت جماعة من قبلهم يدعون إلى إقامة حكم الإسلام على الأرض، لكن دون أن يتخذوا لذلك الأسباب المشروعة، فيظلون يعلنون تكفير الحكام، ثم لا يصدر منهم إلا .. ، والواقع في هذه السنوات الأخيرة التي تعلمونها بدءاً من فتنة الحرم المكي، ثم فتنة مصر وقتل السادات وذهاب دماء كثير من المسلمين الأبرياء بسبب هذه الفتنة، ثم أخيراً في سوريا، ثم الآن في الجزائر مع الأسف .. إلى آخره. كل هذا سببه أنهم خالفوا نصوصاً من الكتاب والسنة، من أهمها: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ (الأحزاب:٢١).
стр. 1835
إذاً: إذا نحن أردنا أن نقيم حكم الله في الأرض، هل نبدأ بقتال الحكام ونحن لا نستطيع أن نقاتلهم، أم نبدأ بما بدأ به الرسول ﵇؟!
لا شك أن الجواب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب:٢١)، بماذا بدأ الرسول ﵌، تعلمون بأنه بدأ بالدعوة بين بعض الأفراد الذين كان يظن فيهم أنهم عندهم استعداد لتقبل الحق، ثم استجاب له من استجاب كما هو معروف في السيرة النبوية، ثم الضعف والشدة التي أصابت المسلمين في مكة، ثم الأمر بالهجرة الأولى والثانية .. إلى آخر ما هنالك، حتى وطد الله الإسلام في المدينة المنورة، وبدأت هناك المناوشات، وبدأ القتال بين المسلمين وبين الكفار من جهة ثم اليهود من جهة أخرى .. وهكذا.
إذاً: لا بد أن نبدأ نحن بالتعليم كما بدأ به الرسول ﵇، لكن نحن لا نقول الآن بالتعليم، أي: لا نقتصر فقط على كلمة تعليم الأمة الإسلام؛ لأننا في وضع الآن من حيث أنه دخل في التعليم الإسلامي ما ليس من الإسلام بسبيل إطلاقاً، بل ما به يخرب الإسلام ويقضى على الثمرة التي يمكن الوصول إليها بالإسلام الصحيح، ولذلك فواجب الدعاة الإسلاميين أن يبدؤوا بما ذكرت آنفاً، بتصفية هذا الإسلام، مما دخل فيه من الأشياء التي تفسد الإسلام، ليس فقط في فروعه في أخلاقه، بل وفي عقيدته أيضاً.
والشيء الثاني أن يقترن مع هذه التصفية تربية الشباب المسلم الناشئ على هذا الإسلام المصفى، ونحن إذا درسنا الجماعات الإسلامية القائمة الآن منذ نحو قرابة قرن من الزمان، لوجدنا كثيراً منهم لم يستفيدوا شيئاً رغم صياحهم ورغم زعاقهم أنهم يريدونها حكومة إسلامية، وربما سفكوا دماء أبرياء كثيرة وكثيرة جداً
стр. 1836
دون أن يستفيدوا من ذلك شيئاً إطلاقاً، فلا نزال نسمع منهم العقائد المخالفة للكتاب والسنة وهم يريدون أن يقيموا دولة الإسلام.
وبهذه المناسبة نحن نقول هناك كلمة لأحد أولئك الدعاة كنت أتمنى من أتباعه أن يلتزموها وأن يحققوها، الكلمة هي قوله: أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم، تقم لكم في أرضكم؛ لأن المسلم إذا صحح عقيدته بناء على الكتاب والسنة فلا شك أنه من وراء ذلك، ستصلح عبادته ستصلح أخلاقه، سلوكه
إلى آخره.
لكن هذه الكلمة الطيبة في نقدي وفي نظري لم يعمل عليه هؤلاء الناس، فظلوا يصيحون بإقامة الدولة المسلمة وصدق فيهم قول ذلك الشاعر:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس
لعل في هذا الذي ذكرته كفاية جواباً عن هذا السؤال.
"الهدى والنور" (٦٧٠/ ٥٢: ٠٠: ٠٠)
[٥٨٠] باب حكم تكفير المعين
سؤال: أحببت أن أفهم منك ... جواب هذا السؤال؛ تكفير المعين، حكم تكفير المعين؟
الشيخ: قبل الجواب على هذا السؤال مباشرة نحن نذكر بما سبق بيانهُ ... بأن الكفر نوعان، كفر اعتقادي وكفر عملي وأظن أن السؤال يتعلق بالكفر الاعتقادي، أليس كذلك، طيب، حينئذٍ نقول التكفير يجوز تارةً ولا يجوز تارةً أخرى، يجوز ... إذا أُقيمت الحجة على الرجل الذي وقع في الكفر الاعتقادي وأصر
стр. 1837
عليه، حين ذاك ليس فقط يجوز القول بكفرهِ أو بتكفيرهِ؛ وإنما يجب ذلك، أما إذا لم تقام الحجة فلا يجوز المبادرة إلى التكفير لأنه قد يكون له عذر، وأصعب شيء هو أن يكفر المسلم أخاهُ المسلم، هذا هو الجواب عن السؤال.
"الهدى والنور" (٥٨٠/ ٣٦: ١٥: ٠٠)
[٥٨١] باب خطورة الخوض في التكفير بغير علم
السؤال: قول النبي ﵊: «من قال لمسلم يا كافر فقد باء بها أحدهما» على حد ما رأيت أنا تفسير من الإخوة، يتعلم قليلاً ثم يبدأ يكفر الناس، هل من كلمة توجيهية عن الكفر، ومتى يكفر الإنسان؟
الشيخ: أحسنت.
أولاً: لا يجوز الحكم من عالم متفقه في الكتاب والسنة، لا يجوز لهذا العالم أن يطلق الكفر على شخص أو على جماعة بالجملة إلا بعد إقامة الحجة، وهذا طبعاً يتطلب أن يستوعب هذا العالم رأي ذلك الذي هو في صدد تكفيره، وعليه قبل كل شيء أن يفهم رأيه فهماً صحيحاً، ثم يعرضه على أدلة الكتاب والسنة، فإذا كانت هذه الأدلة تشهد بأن هذا الإنسان يستحق الكفر، أو يستحق التكفير، مع ذلك لا يجوز إصدار الحكم في حقه إلا بعد إقامة الحجة عليه، ولا شك ولا ريب أن طلاب العلم ليس هذا مجالهم، طلاب العلم بحسبهم أن يستحضروا في ذوات أنفسهم قول ربهم : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة:١٠٥) فطالب العلم يجب أن ينأى وأن ينجو بنفسه من أن يقع فيما يقع فيه من يريد أن يطلق لفظة الكفر عليه. وقوله ﵇: «من قال لأخيه كافر أو يا كافر فقد به أحدهما» هذا فيه وعيد شديد للمسلم الذي يتسرع في
стр. 1838
إطلاق لفظة الكفر على مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإذا كان عند هذا طالب العلم وجهة نظر، فعليه أن يعرضها على من هو يريد أن يوجه التكفير إليه، وأن يناقشه، فقد يكون هو المخطئ بدلاً من ذلك الذي يريد
أن يكفره.
خلاصة القول: التكفير أمر خطير وخطير جداً، ولذلك قال بعض العلماء: إذا كان هناك مائة قول في خصوص شخص معين، تسع وتسعون قولاً منها بتكفيره، والقول والواحد بعدم تكفيره، الحيطة والحذر أن نتبنى هذا القول الفريد الوحيد، ولا نتبني قول التسعة والتسعين؛ لأن هذا فيه خطورة، ثم إذا .. الإنسان الذي يراد تكفيره فعلاً وقع في الكفر، [وسبب] هذا اعتقد أنه من الغرور والعجب والافتتان بهذا العلم الضحل القليل الذي أصابه بعض هؤلاء الطلاب، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. فعلى طالب العلم حقاً أن يتذكر الآية السابقة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة:١٠٥) هذا جوابي عما سألت، ولعلي أجبتك عن سؤالك.
"الهدى والنور" (٦٣٤/ ٠٠:٠٠:٠١)
[٥٨٢] باب بيان خطأ التكفير بالجملة
سؤال: سمعت لك شريطاً أنه تتكلم على التحريرية: أنك تقول: لا أكفر بالكوم.
الشيخ: أقول ماذا؟
مداخلة: لا أكفر بالكوم.
الشيخ: إيه.
стр. 1839
مداخلة: فنريد توضيح المسألة هذه.
الشيخ: يعني ما أقول أنا في هؤلاء التحريريين لا أقرنهم مع الآخرين، أظنك أنك واهم، أنا أقول في الشيعة وفي الرافضة وهم شر الفرق الضالة: لا نكفرهم بالكوم، يعني: بالجملة، وإنما ندين كل إنسان بما يسمع منه، أما كون الرافضة يقولون في بعض كتبهم: أن هذا المصحف الذي بين أيدينا هو ربع المصحف والمصحف الكامل هو مصحف فاطمة ﵁، فمن يقول بهذا القول هو كافر بلا شك؛ لأنه يكفر بقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:٩)، لكن هل نستطيع أن نقول في كل فرد من أفراد الشيعة، سواء كانوا من علمائهم أو طلابهم أو عامتهم؟ الجواب: لا، لا يجوز التكفير بالكوم، فهمت مقصودي بالكوم؟ يعني: بالجملة، لا بد من التفصيل.
أما الأحزاب الإسلامية فهؤلاء لا يجوز أن يصفوا مع بعض الفرق الضالة، هؤلاء لهم مناهجهم ارتضوها لأنفسهم، لا نؤيدهم فيها، بل ننصحهم أن ينخلعوا منها؛ لأنها ليست على الكتاب والسنة، لكننا لا نقرنهم مع الفرق الضالة. اسمح لي لعلي أجبتك عن سؤالك؟
مداخلة: كذلك البهائية والقاديانية؟
الشيخ: كذلك البهائية والقاديانية من يعتقد عقيدتهم كمن يعتقد بنقصان المصحف فهو كافر، لكن فرداً فرداً لا، أنا من فضل الله عليّ من أعرف الناس بالقاديانية؛ لأني بليت بهم في دمشق سنين طويلة، ففيهم من يعرفون بالقاديانيين وفيهم من يعرفون بالأحمديين، وكلهم ينتسبون إلى ميرزا غلام أحمد القادياني، لكن الطائفة الأولى يعتقدون بنبوته، الطائفة الأخرى يعتقدون بأنه مصلح من المصلحين، وكلاهما في ضلال، لكن الطائفة الأولى أشد إغراقاً في الضلال؛
стр. 1840
لأنهم يؤمنون ببقاء النبوة بعد النبي ﵊، أما الآخرون يقولون: لا؛ ولذلك أولاً بمعرفتي بالفقه الإسلامي أولاً، وتجربتي ثانياً، هو الذي يمنعني أن أنصح المسلمين جميعاً ألا يكفروا من يستحق التكفير بالكوم وإنما بالتفصيل، من اعتقد كذا وكذا فهو كافر، أما الشيعة فيهم وفيهم، أما القاديانيين ففيهم وفيهم، أما البهائيين فكلهم كفار.
مداخلة: كفار؟
الشيخ: البهائية كلهم كفار؛ لأنهم لا يدينون بالإسلام.
"الهدى والنور" (٧٢٨/ ٢١: ٣٦: ٠٠)
[٥٨٣] باب كلمة حول خطورة التوسع في التكفير
سؤال: شيخنا! أيضاً وردت بعض الآثار عند بعض الأئمة وعن بعض الصحابة كخالد بن الوليد، وبعض الأئمة كالإمام أحمد بكفر شاتم الله أو الرسول واعتبروه كفر ردة فهل هذا على إطلاقه؟ نرجو الإفادة.
الشيخ: ما نرى ذلك على الإطلاق، فقد يكون السب والشتم ناتجاً عن الجهل وعن سوء التربية، وقد يكون عن غفلة، وأخيراً: قد يكون عن قصد ومعرفة، فإذا كان بهذه الصورة عن قصد ومعرفة فهو الردة الذي لا إشكال فيه، أما إذا احتمل وجه من الوجوه الأخرى التي أشرت إليها فالاحتياط في عدم التكفير أهم إسلامياً من المسارعة إلى التكفير.
ويعجبني بهذه المناسبة أن لبعض الفقهاء قول: إذا اتفق تسع وتسعون عالماً على القول بتكفير شخص بسببٍ ما بدر منه من مكفر، وواحد في المائة قال هذا
стр. 1841
ليس كفراً فإنما هو الفسق، قال: لا يكفر هذا حتى يجمع على تكفيره من
المائة مائة، هذا هو الحيطة والحذر الذي يستفاد من مثل قوله ﵊: «من كفر مسلم فقد حار الكفر على أحدهما» والعبارة الأشهر: من كفر مسلماً فقد كفر.
فلذلك ينبغي التحفظ والاحتياط من إطلاق الكفر على مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وبهذه المناسبة أذكِّر بالحديث الصحيح المعروف بأن رجلاً من أصحاب الرسول ﵇ لقي مشركاً وبَدَءَا بالمبارزة والمقاتلة، فلما صار المشرك تحت ضربة سيف المسلم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فما بالاه بل قتله، فلما بلغ خبره النبي ﵌ غضب غضباً شديداً وأنكر على الرجل المسلم الصحابي الذي قتل ذلك المشرك حينما سمع منه تلك الكلمة الطيبة: لا إله إلا الله، قال: يا رسول الله! ما قالها إلا فراراً من القتل، قال: «هلا شققت عن قلبه» هنا الشاهد «هلا شققت عن قلبه» ظاهر هذا المشرك الذي كان يقاتل المسلم على دينه في تلك اللحظة التي شعر بأنه أصبح تحت ضربة سيف الصحابي قال: أشهد أن لا إله إلا الله الظاهر أنه ما قالها إلا تقية، لكن مع ذلك اعتد ﵊ بهذه الكلمة الطيبة ونهى ذلك الصحابي عن فعلته التي فعلها.
إذاً: التكفير أمر صعب جداً، ثم أنا أرى وهذا يوصلنا بطبيعة البحث إلى لفت النظر إلى ما عليه كثير من الشباب المتحمس اليوم من أن يضيع وقته في إطلاق كلمة الكفر على كثير إن لم نقل على كل حكام المسلمين، أنهم هؤلاء كلهم كفار، فشغلوا أنفسهم بإطلاق هذه الكلمة فنحن نقول: إن هؤلاء الذين يُكَفَّرُون قد يكون فيهم من يصلي مثلاً وقد يكون فيهم من يصوم ومن يحج إلى آخره، فهناك ظواهر تدل على إسلامهم، وهناك ظواهر أخرى قد تدل على كفرهم، فما ينبغي
стр. 1842
نحن أن نسارع إلى تغليب الكفر على الإسلام بخطورة التكفير كما ذكرنا آنفاً، هذا من جهة، من جهة أخرى: ما الذي نستفيده نحن اليوم من تشهير سلاح التكفير على الحكام أو على بعض أتباع الحكام ما دام أننا لا نستطيع أن نعمل شيئاً مما أباحه الرسول ﵇ في مثل الحديث المعروف حينما قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: «لا ما صلوا» وفي الحديث الآخر: «ما لم تروا كفراً بواحاً» فإذا رأينا الكفر الصريح ونحن لا نستطيع أن نقاتلهم فما الفائدة من إثارة هذا الموضوع سوى تشغيل أنفسنا أولاً بما ليس هو الأهم بالنسبة إلينا كطلبة علمٍ وفِقْهٍ، وثانياً: بما قد يضرنا في حياتنا الإسلامية ثانياً.
إذاً: نحن يجب أن نتورع في استعمال كلمة: «تكفير»، ومن أجل التحذير من فعلة هؤلاء الذين يريد أولئك أن ينزلوا عليهم أحكام الكفر نكتفي بأنهم ضالون، وأنهم قد حادوا عن أحكام الشريعة في كثير منها وفي قليل، فهذا يكفينا أن
نقول أن هذا هو الضلال المبين، أما فلان كافر وفلان كافر .. ومن قال كذا فقد كفر إلى آخره.
على هذا نحن نقول بالنسبة لذاك السؤال، أما من صدر منه كلمة الكفر فهو معروف عند المسلمين أنه يستتاب فإن تاب فهذا يدل على أنه لم يكن قاصداً لكلمة كفر، وإن أصر على ذلك قُتل قتل ردة وكفر ولا يدفن في مقابر المسلمين.
مسألة الكفر حقيقة مسألة خطيرة جداً وهنا أذكر بالحديث وأنهي الجواب عن هذا السؤال .. الحديث الذي رواه الإمام البخاري في صحيحة عن النبي ﵌ أنه قال: «كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً» ..
عفواً هذا لا يهمنا الآن: «كان فيمن قبلكم رجل لم يعمل خيراً قط فلما
стр. 1843
حضرته الوفاة جمع بنيه حوله فقال لهم: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: - وهنا الشاهد - فلئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً شديداً» هذا هو الكفر شك في قدرة الله أن يتمكن من تعذيب هذا المجرم الذي لم يعمل في حياته خيراً قط: «قال: ولئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً شديداً» ولتكملة هذه الكفرية ماذا أوصى: «قال: فإذا أنا مت فحرقوني بالنار، ثم ذروا الرماد نصفه في البحر ونصفه في الريح» لماذا؟ في زعمه ليضل عن ربه، الشاهد: فلما مات حرقوه بالنار وأخذوا الرماد نصفه في الريح الهائج والنصف الثاني في البحر المائج، فقال الله تعالى لذراته هذه: «كوني فلاناًَ فكان فلان، أي عبدي! ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك قال: فقد غفرت لك» هنا الآن نأتي إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨).
هذا أشرك، وقد يقول بعضكم: لا هذا ما أشرك هذا كفر، فأقول بمثل هذه المناسبة: أن الشرك والكفر في لغة الشرع لفظان مترادفان، فكل من كفر فقد أشرك ومن أشرك فقد كفر، وهذا له بحث آخر ولا نخوض فيه الآن، الشاهد: أن هذا الرجل حينما ظهر منه أقول: حينما ظهر منه أنه ينكر قدرة الله على جمعه وعلى بعثه ثم على تعذيبه بناء على أنه لم يعمل خيراً قط لما ظهر منه هذا: هذا كفر، إذاً: ما جوابنا عن قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨) هذا كُفْرٌ، ومع ذلك قد غفر؟ الجواب: إنه كُفْرٌ لم يكن مقصوداً بالقلب، لم يكن معقوداً في القلب وإنما من خوفه من ربه ﵎ على ما جنت يداه من المعاصي والآثام أوصى بمثل هذه الوصية الجائرة التي ربما لم تقع مثلها في تاريخ هذه الدنيا كلها، ثم أوصى بتلك الوصية إنها كفر وإنها ضلال لكننا نقول: ليس كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه، هذه حقيقة يجب أن نستحضرها حتى ما نكون من
стр. 1844
الخوارج الذين يبالغون في تكفير المسلمين بسبب ارتكابهم لبعض الذنوب والمعاصي، وإن كان بحثنا ليس في الذنب والمعصية وإنما هو في الكفر لكننا نفرق بين الكفر المقصود قلباً وبين الكفر الذي لم يُقْصَد قلباً، وإنما قالباً وفعلا، هذا ما أردت التذكير به.
" الهدى والنور" (٨٢٠/ ٠٣: ٤٦: ٠٠)
[٥٨٤] باب خطورة الخوض في التكفير بدون علم
الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
لا شك أن مشكلة الساعة هي هذه الفتنة التي يصدق فيها أنها دخلت كل بيت من بيوت المسلمين، وقبل أن ندلي برأينا فيها وقد تكرر البحث حولها مراراً وتكراراً، ولكن لابد مما لابد منه من على الأقل من إيجاز واختصار الكلام حول هذا الموضوع موضوع الساعة، ولكن لابد لي بين يدي ذلك أن أتكلم عن مسألة فقهية أصولية طالما وقع في مخالفتها جماهير المسلمين قديماً وحديثاً، وبخاصة في هذه الفتنة.
هذه المقدمة هي أنه لا يجوز للمسلم الذي يخشى الله ويتقيه أن يتكلم في مسألة شرعية في التحريم أو في التحليل بل في التكفير والتضليل إلا
стр. 1845
على بينة من الله ورسوله؛ لقوله ﵎ في كتابه: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء:٣٦)، ومعلوم من علم أصول الفقه أن المسائل الشرعية تدور على أصول أربعة مقطوع بها عند أهل السنة والجماعة حقاً، ألا وهي الكتاب والسنة الصحيحة، وليس كل ما يروى عن رسول الله ﵌ بصحيح، ولذلك نقول في الأصل الثاني: السنة الصحيحة،
ثم الإجماع علماً أنه ليس كل إجماع يُدعى يكون إجماعاً صحيحاً واقعاً، فالإجماع الذي هو حجة هو ما يساوي قول بعض أهل العلم: ما كان معلوماً
من الدين بالضرورة، فهذا هو الدليل أو المرجع الثالث والمصدر الثالث من المصادر الأربعة.
رابعها وآخرها: القياس، والقياس منه ما هو جلي ومنه ما هو خفي.
وإذا عرفنا أن أدق هذه المراجع أو هذه الأصول الأربعة هي القياس وعرفنا أن منه ما يكون خفيًّا أي: لا يظهر لكل أهل العلم فضلاً عن غيرهم حينئذٍ نأخذ من هذه المقدمة النتيجة التالية، ألا وهي أنه لا يجوز للمسلم حتى ولو كان طالب علم أن يقول: أنا أرى كذا، إلا إذا كان لديه نص صريح من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﵌ الصحيحة كما قلنا، فهنا من الممكن لطالب العلم القوي أن يقول: أنا أعتقد أو أرى كذا وكذا، بناء على قول الله ﵎ كذا، أو قول رسول الله ﵌ ويذكره.
أما أن يدعي أو يتبنى رأياً له في مسألة ليس عليها نص صريح من كتاب الله أو من سنة رسول الله ﵌ الصحيحة وإنما هناك يمكن أن يكون إجماعاً أو أن يكون هناك قياساً، فاللجوء والاعتماد على هذين المصدرين إنما هو من شأن أهل العلم
стр. 1846
المتخصصين في دراسة الكتاب والسنة، فإن هؤلاء فقط هم الذين يستطيعون أن يثبتوا إجماعاً صحيحاً، وهم الذين فقط يستطيعون أن يقيسوا النظير على النظير، والمثيل على المثيل، أما من دونهم من طلاب العلم فضلاً عن عامة الناس الذين ليس لهم صلة بالعلم مطلقاً فهؤلاء وهؤلاء لا يجوز لهم أن يتدخلوا في مثل هذه المسائل التي تبنى إما على الإجماع وإما على القياس.
إذا عرفنا هذه المقدمة وهي مقدمة لا يمكن أن يناقش فيها أحد من أهل العلم؛ لأنها قضية مسلمة لا نزاع فيها.
إذا عرفنا ذلك حينئذٍ ندخل في صلب هذه الفتنة التي ألمت بالعالم الإسلامي العربي خاصة، ثم الإسلامي عامة فإننا سنجد أن من آثار هذه الفتنة أن يتكلم فيها من لا علم عنده مطلقاً بالشريعة، فيقول: هذا فيه فلان من الناس إنه كافر أو في فلان من الناس: إنه مجاهد، أو فلان أصاب وفلان أخطأ، هؤلاء الناس لا يجوز لهم أن يصدروا رأياً لهم فيكونون والحالة هذه قد خالفوا الآية السابقة: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء:٣٦)، كما أنهم يخالفون قول الله : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل:٤٣) والرسول ﵇ يأمر أهل العلم بأن يجيبوا إذا سئلوا، وألا يكتموا العلم الذين أعطوا كما قال ﵊: «من سئل عن علم فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار» والناس اليوم إما عالم وإما غير عالم، ولا حالة وسطى بين هؤلاء وهؤلاء.
وربنا قد أوضح السبيل لكل من الطائفتين في قوله : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل:٤٣) فأهل الذكر عليهم البيان،
стр. 1847
ومن سواهم عليهم السؤال عن البيان، وحينئذٍ عندما ينطلق المجتمع الإسلامي بعلمائه وبغير علمائه في هذا الحدود تستقيم حياتهم، وإن خالفوا اضطربت حياتهم كما هو واقع المسلمين اليوم.
إذاً: يجب على كل فرد من أفراد المسلمين أن ينظر إلى نفسه، إن كان يرى في نفسه أهلية العلم فسئل فعليه أن يجيب، وإن كان يعرف من نفسه أنه ليس من أهل العلم فحذار أن يتكلم بما لا علم عنده، وعليه أن يصمت وأن يسأل أهل العلم كما سمعتم آنفاً في الآية السابقة.
"الهدى والنور" (٤٥٤/ ٠١: ٠١: ٠٠).
[٥٨٥] باب الرد على غلاة التكفير
[علق الإمام على قول صاحب الطحاوية: «ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه» قائلاً]:
قال الشارح: «يشير الشيخ إلى الرد على الخوارج والمعتزلة في قولهم بخروجه من الإيمان بارتكاب الكبيرة».
قلت: وأمثال هؤلاء اليوم الذين يحكمون على مسلمي البلاد الإسلامية كلها بدون استثناء بالكفر، ويوجبون على أتباعهم مباينتهم ومفاصلتهم تماماً كما فعلت الخوارج من قبلهم، هداهم الله، وغفر للغلاة الذين كانوا السبب في هذا الانحراف الخطير.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٦٥ - ٦٦).
стр. 1848
[٥٨٦] باب من ضلال فرق التكفير
قال رسول الله ﵌: «وأنا آمركم بخمس أمرني الله بها: بالجماعة، والسمع، والطاعة والهجرة، والجهاد في سبيل الله، فمن فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، إلا أن يراجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثا جهنم» قال رجل: وإن صام وصلى؟ قال: «وإن صام وصلى، فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله»
[قال الإمام]:
صحيح.
[ثم علق قائلاً]:
الربقة في الأصل: عروة في حبل, تجعل في عنق البهيمة أو يدها تمسكها, فاستعارها للإسلام, يعني: ما يشد به المسلم نفسه من عرى الإسلام؛ أي: حدوده وأحكامه وأوامره ونواهيه, قاله ابن الأثير.
قلت: هذا النص من عشرات النصوص التي تدين فرقة التكفير بالضلال والخروج, ففيه الأمر بهذه الخمس الّتي لم يقوموا بشيء منها؛ فقد خرجوا عن الجماعة, وعن السمع والطاعة, ولم يهاجروا. ولم يجاهدوا, بل, لقد هاجر بعضهم إلى بلاد الكفر لتكفير المسلمين وبخاصة حكامهم!!
فإن تعللوا ونفوا أن ينطبق الحديث عليهم؛ سألناهم: ما قولكم بمن ترك واحدة من هذه الأوامر؟ أيكفر بذلك كفر ردة, وإن لم يستحل ذلك بقلبه, بل هو معترف بذنبه؟! فإن أجابوا بالإيجاب التزموا مذهبهم الخارج عن الجماعة,
стр. 1849
وكفروا أنفسهم بأنفسهم؛ لأنهم لابد أن يعترفون أنهم مخلون بكثير من الأوامر من هذه الخمس وغيرها! وإن أجابوا سلباً؛ فقد نقضوا مذهبهم, وذلك ما نبغي, هداهم الله!
"صحيح موارد الظمآن" (١/ ٤٩٦).
[٥٨٧] باب في الرد على الخوارج المكفرين
[عن عبادة بن الصامت]:
"بايعنَا رسولَ الله ﵌ على السمعِ والطّاعةِ في العُسر واليُسر، والمنشَطِ والمَكره، وعلى أثَرةٍ علينا، وعَلى أن لا نُنازعَ الأمرَ أَهله، [إلا أن ترَوا كُفراً
بَواحاً، عندكم من اللهِ فيه بُرهانٌ]، وعلى أن نقولَ بالحقِّ أينَما كنَّا، لا نخافُ في اللهِ لومة لائمٍ".
[قال الإمام]:
ثم إن في هذا الحديث فوائد ومسائل فقهية كثيرة، تكلم عليها العلماء في شروحهم، وبخاصة منهم الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري".
والذي يهمني منها هنا: أن فيه رداً صريحاً على الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁؛ فإنهم يعلمون دون أي شك أو ريب أنه لم يروا منه (كفراً بواحاً)، ومع ذلك استحلوا قتاله وسفك دمه هو ومن معه من الصحابة والتابعين، فاضطر ﵁ لقتالهم واستئصال شأفتهم، فلم ينج منهم إلا القليل، ثم غدروا به ﵁ كما هو معروف في التاريخ. والمقصود أنهم سنوا في الإسلام سنة سيئة، وجعلوا الخروج على حكام
стр. 1850
المسلمين ديناً على مر الزمان والأيام، رغم تحذير النبي ﵌ منهم في أحاديث كثيرة، منها قوله ﵌." الخوارج كلاب النار" (١).
ورغم أنهم لم يروا كفراً بواحاً منهم، وإنما ما دون ذلك من ظلم
وفجور وفسق.
واليوم- والتاريخ يعيد نفسه كما يقولون-، فقد نبتت نابتة من الشباب المسلم، لم يتفقهوا في الدين إلا قليلاً، ورأوا أن الحكام لا يحكمون بما أنزل الله إلا قليلاً، فرأوا الخروج عليهم دون أن يستشيروا أهل العلم والفقه والحكمة منهم، بل ركبوا رؤوسهم، وأثاروا فتناً عمياء، وسفكوا الدماء، في مصر، وسوريا، والجزائر، وقبل ذلك فتنة الحرم المكي، فخالفوا بذلك هذا الحديث الصحيح الذي جرى عليه عمل المسلمين سلفاً وخلفاً إلا الخوارج.
ولما كان يغلب على الظن أن في أولئك الشباب من هو مخلص يبتغي وجه الله، ولكنه شُبِّهَ له الأمر أو غرر به؛ فأنا أريد أن أوجه إليهم نصيحة وتذكرة، يتعرفون بها خطأهم، ولعلهم يهتدون.
فأقول: من المعلوم أن ما أمر به المسلم من الأحكام منوط بالاستطاعة؛ حتى ما كان من أركان الإسلام، قال تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ (آل عمران:٩٧) وهذا من الوضوح بمكان فلا يحتاج إلى تفصيل.
والذي يحتاج إلى التفصيل؛ إنما هو التذكير بحقيقتين اثنتين:
الأولى: أن قتال أعداء الله- من أي نوع كان- يتطلب تربية النفس على
стр. 1851
الخضوع لأحكام الله واتباعها؛ كما قال ﵌:
«المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله» (١).
والأخرى: أن ذلك يتطلب الإعداد المادي والسلاح الحربي؛ الذي ينكأُ أعداء الله؛ فإن الله أمر به أمير المؤمنين فقال: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾ (الأنفال:٦٠). والإخلال بذلك مع الاستطاعة؛ إنما هو من صفات المنافقين، ولذلك قال فيهم رب العالمين: ﴿ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عُدَّةً﴾ (التوبة:٤٦).
وأنا اعتقد جازماً أن هذا الإعداد المادي لا يستطيع اليوم القيام به جماعة من المؤمنين دون علم من حكامهم- كما هو معلوم-، وعليه؛ فقتال أعداء الله من جماعة ما سابق لأوانه، كما كان الأمر في العهد المكي، ولذلك؛ لم يؤمروا به إلا في العهد المدني؛ وهذا هو مقتضى النص الرباني: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ (البقرة:٢٨٦).
وعليه؛ فإني أنصح الشباب المتحمس للجهاد، والمخلص حقاًّ لرب العباد: أن يلتفتوا لإصلاح الداخل، وتأجيل الاهتمام بالخارج الذي لا حيلة فيه، وهذا يتطلب عملاً دؤوباً، وزمنا طويلاً؛ لتحقيق ما أسميه بـ (التصفية والتربية)؛ فإن القيام بهذا لا ينهض به إلا جماعة من العلماء الأصفياء، والمربين الأتقياء، فما أقلهم في هذا الزمان، وبخاصة في الجماعات التي تخرج على الحكام!
وقد ينكر بعضهم ضرورة هذه التصفية، كما هو واقع بعض الأحزاب الإسلامية، وقد يزعم بعضهم أنه قد انتهى دورها، فانحرفوا إلى العمل السياسي أو
стр. 1852
الجهاد، وأعرضوا عن الاهتمام بالتصفية والتربية، وكلهم واهمون في ذلك، فكم من مخالفات شرعية تقع منهم جميعاً بسبب الإخلال بواجب التصفية، وركونهم إلى التقليد والتلفيق، الذي به يستحلون كثيراً مما حرم الله! وهذا هو المثال: الخروج على الحكام؛ ولو لم يصدر منهم الكفر البواح.
وختاماً أقول: نحن لا ننكر أن يكون هناك بعض الحكام يجب الخروج عليهم؛ كذاك الذي كان أنكر شرعية صيام رمضان، والأضاحي في عيد الأضحى، وغيرذلك مما هو معلوم من الدين بالضرورة، فهؤلاء يجب قتالهم بنص الحديث، ولكن بشرط الاستطاعة كما تقدم.
لكن مجاهدة اليهود المحتلين للأرض المقدسة، والسافكين لدماء المسلمين أوجب من قتال مثل ذاك الحاكم من وجوه كثيرة، لا مجال الآن لبيانها، من أهمها أن جند ذاك الحاكم من إخواننا المسلمين، وقد يكون جمهورهم- أو على الأقل الكثير منهم- عنه غير راضين، فلماذا لا يجاهد هؤلاء الشباب المتحمس اليهود، بدل مجاهدتهم لبعض حكام المسلمين؟! أظن أن سيكون جوابهم عدم الاستطاعة بالمعنى المشروح سابقاً، والجواب هو جوابنا، والواقع يؤكد ذلك؛ بدليل أن خروجهم- مع تعذر إمكانه- لم يثمر شيئاً سوى سفك الدماء سُدى! والمثال - مع الأسف الشديد- لا يزال ماثلاً في الجزائر، فهل من مدَّكر؟!.
"الصحيحة" (٧/ ٢/١٢٣٧ - ١٢٤٣).
[٥٨٨] باب قاعدة التفريق بين " كفر دون كفر "
سؤال: ما القاعدة التفريق بين كفر دون كفر، كما قال ابن عباس للذين لم يحكموا بما أنزل الله كفر دون كفر، ما القاعدة التفريق بين هذا؟
стр. 1853
الشيخ: هو هذا الكفر الاعتقادي والكفر العملي، الكفر الاعتقادي والكفر العملي، فمن قام في قلبه كفر اعتقادي فهذا الذي يخرج عن الملة، من قام في ذاته كفر عملي عمله يخالف اعتقاده فهذا هو الكفر الدون الذي لا يكفر به.
وهنا نقطة دقيقة بعض الشيء يجب على الحاضرين أن يعرفوها: كما أن الكفر كفران كذلك النفاق نفاقان .. النفاق نفاقان، اليوم يطرح بين الناس الكفر كفران لكن لا يطرح النفاق نفاقان، وهذا أمر هام أيضاً، من أضمر في نفسه الكفر فهو كافر كفر اعتقادي، صحيح؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: ولكن هو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وقد يصوم مع المسلمين إلى آخره هذا من تمام نفاقه، فهو كافر باطناً مسلم ظاهراً، مفهوم إلى هنا أظن؟ الكفر العملي مع الكفر الاعتقادي على العكس تماماً، الكافر عملياً اعتقاده حسب الإيمان الصحيح، لكن عمله عمل الكافر، المنافق على عكس عمله عمل المسلمين لكن اعتقاده اعتقاد الكافرين، فالمسلم الذي يكون اعتقاده اعتقاد المسلمين لكن عمله عمل الكافرين هذا لا يكفر؛ لأن اعتقاده اعتقاد المسلمين أما عمله فعمل الكافرين، فإذا عرفنا هذا التفصيل انتهينا من مشكلة تكفير المسلمين بالكوم بالألوف المؤلفة، وحينئذٍ نعرف قوله ﵇: «بين الرجل وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة» فمن ترك الصلاة فقد كفر، هذا إما أن يكون كفره اعتقادياً، وإما أن يكون كفره عملياً، متى يكون هذا أو هذا؟ إذا عرفنا منه بطريقة أو بأخرى أنه يؤمن بشرعية الصلاة ويعترف في قرارة نفسه بخطئه مع الله ويقول: الله يتوب علينا فهذا مؤمن في قلبه مع المسلمين لكن هو مع
стр. 1854
الكافرين في عمله؛ لأن الكفار لا يصلون، فهذا هو الفرق بين الكفر الاعتقادي والكفر العملي.
" الهدى والنور" (٥٤٧/ ٥٨: ١٧: ٠٠ طريق الإسلام)
[٥٨٩] باب هل يلزم إيقاع الوعيد ؟
[قال رسول الله ﵌]:
«ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة».
[قال الإمام]:
الحديث ثابت لا شك فيه، ولذلك تتابع العلماء خلفاً عن سلف على الاحتجاج به حتى قال الحاكم في أول كتابه " المستدرك ": " إنه حديث كبير في الأصول " ولا أعلم أحداً قد طعن فيه، إلا بعض من لا يعتد بتفرده وشذوذه، أمثال الكوثري الذي سبق أن أشرنا إلى شيء من تنطعه وتحامله على الطريق الأولى لهذا الحديث، التي ليس فيها الزيادة المتقدمة: " كلها في النار "، جاهلاً بل متجاهلاً حديث معاوية وأنس على كثرة طرقه عن أنس كما رأيت. وليته لم يقتصر على ذلك إذن لما التفتنا إليه كثيراً، ولكنه دعم رأيه بالنقل عن بعض الأفاضل، ألا وهو العلامة ابن الوزير اليمني، وذكر أنه قال في كتابه: " العواصم والقواصم " ما نصه: " إياك أن تغتر بزيادة " كلها في النار إلا واحدة " فإنها زيادة فاسدة، ولا يبعد أن تكون من دسيس الملاحدة، وقد قال ابن حزم: إن هذا الحديث لا يصح ".
стр. 1855
وقفت على هذا التضعيف منذ سنوات، ثم أوقفني بعض الطلاب في " الجامعة الإسلامية
" على قول الشوكاني في تفسيره " فتح القدير " (٢/ ٥٦): " قال ابن كثير في تفسيره: وحديث افتراق الأمم إلى بضع وسبعين، مروي من طرق عديدة، قد ذكرناها في موضع آخر. انتهى. قلت: أما زيادة كونها في النار إلا واحدة " فقد ضعفها جماعة من المحدثين (!)، بل قال ابن حزم: إنها موضوعة ". ولا أدري من الذين أشار إليهم بقوله: " جماعة ... " فإني لا أعلم أحداً من المحدثين المتقدمين ضعف هذه الزيادة، بل إن الجماعة قد صححوها وقد سبق ذكر أسمائهم، وأما ابن حزم فلا أدري أين ذكر ذلك، وأول ما يتبادر للذهن أنه في كتابه " الفصل في الملل والنحل " وقد رجعت إليه، وقلبت مظانه فلم أعثر عليه ثم إن النقل عنه مختلف، فابن الوزير قال عنه: " لا يصح "، والشوكاني قال عنه: " إنها موضوعة"، وشتان بين النقلين كما لا يخفى، فإن صح ذلك عن ابن حزم، فهو مردود من وجهين:
الأول: أن النقد العلمي الحديثي قد دل على صحة هذه الزيادة، فلا عبرة بقول من ضعفها.
والآخر: أن الذين صححوها أكثر وأعلم بالحديث من ابن حزم، لاسيما وهو معروف عند أهل العلم بتشدده في النقد، فلا ينبغي أن يحتج به إذا تفرد عند عدم المخالفة فكيف إذا خالف؟! وأما ابن الوزير، فكلامه الذي نقله الكوثري يشعر بأنه لم يطعن في الزيادة من جهة إسنادها، بل من حيث معناها، وما كان كذلك فلا ينبغي الجزم بفساد المعنى لامكان توجيهه وجهة صالحة ينتفي به الفساد الذي ادعاه، وكيف يستطاع الجزم بفساد معنى حديث تلقاه كبار الأئمة والعلماء من
стр. 1856
مختلف الطبقات بالقبول وصرحوا بصحته، هذا يكاد يكون مستحيلاً! وإن مما يؤيد ما ذكرته أمرين:
الأول: أن ابن الوزير في كتاب آخر له قد صحح حديث معاوية هذا، ألا وهو كتابه القيم: " الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم " فقد عقد فيه فصلاً خاصاًّ في الصحابة الذين طعن فيهم الشيعة وردوا أحاديثهم، ومنهم معاوية ﵁، فسرد ما له من الأحاديث في كتب السنة مع الشواهد من طريق جماعة آخرين من الصحابة لم تطعن فيه الشيعة، فكان هذا الحديث منها!
الأمر الآخر: أن بعض المحققين من العلماء اليمانيين ممن نقطع أنه وقف على كتب ابن الوزير، ألا وهو الشيخ صالح المقبلي، قد تكلم على هذا الحديث بكلام جيد من جهة ثبوته ومعناه، وقد ذكر فيه أن بعضهم ضعف هذا الحديث فكأنه يشير بذلك إلى ابن الوزير، وأنت إذا تأملت كلامه وجدته يشير إلى أن التضعيف لم يكن من جهة السند، وإنما من قبل استشكال معناه، وأرى أن أنقل خلاصة كلامه المشار إليه لما فيه من الفوائد. قال رحمه الله تعالى في " العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء والمشايخ " (ص ٤١٤): " حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، رواياته كثيرة يشد بعضها بعضاً بحيث لا يبقى ريبة في حاصل معناها، (ثم ذكر حديث معاوية هذا، وحديث ابن عمرو بن العاص الذي أشار إليه الحافظ العراقي وحسنه الترمذي ثم قال:) والإشكال في قوله: " كلها في النار إلا ملة "، فمن المعلوم أنهم خير الأمم، وأن المرجو أن يكونوا نصف أهل الجنة، مع أنهم في سائر الأمم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود حسبما صرحت به الأحاديث، فكيف يتمشى هذا؟ فبعض الناس تكلم في ضعف هذه الجملة، وقال: هي زيادة غير ثابتة. وبعضهم تأول الكلام. قال: ومن المعلوم أن ليس
стр. 1857
المراد من الفرقة الناجية أن لا يقع منها أدنى اختلاف، فإن ذلك قد كان في فضلاء الصحابة، إنما الكلام في مخالفة تصير صاحبها فرقة مستقلة ابتدعها، وإذا حققت ذلك فهذه البدع الواقعة في مهمات المسائل، وفيما يترتب عليه عظائم المفاسد لا تكاد تنحصر، ولكنها لم تخص معينا من هذه الفرق التي قد تحزبت والتأم بعضهم إلى قوم وخالف آخرون بحسب مسائل عديدة.
ثم أجاب عن الإشكال بما خلاصته: " إن الناس عامة وخاصة، فالعامة آخرهم كأولهم، كالنساء والعبيد والفلاحين والسوقة ونحوهم ممن ليس من أمر الخاصة في شيء، فلا شك في براءة آخرهم من الابتداع كأولهم.
وأما الخاصة، فمنهم مبتدع اخترع البدعة وجعلها نصب عينيه، وبلغ في تقويتها كل مبلغ، وجعلها أصلا يرد إليها صرائح الكتاب والسنة، ثم تبعه أقوام من نمطه في الفقه والتعصب، وربما جددوا بدعته وفرعوا عليها وحملوه ما لم يتحمله، ولكنه إمامهم المقدم وهؤلاء هم المبتدعة حقاًّ، وهو شيء كبير ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ (مريم:٩٠)، كنفي حكمة الله تعالى، ونفي إقداره المكلف، وككونه يكلف ما لا يطاق، ويفعل سائر القبائح ولا تقبح منه، وأخواتهن! ومنها ما هو دون ذلك، وحقائقها جميعها عند الله تعالى، ولا ندري بأيها يصير صاحبها من إحدى الثلاث وسبعين فرقة.
ومن الناس من تبع هؤلاء وناصرهم وقوى سوادهم بالتدريس والتصنيف، ولكنه عند نفسه راجع إلى الحق، وقد دس في تلك الأبحاث نقوضها في مواضع لكن على وجه خفي، ولعله تخيل مصلحة دنيئة، أو عظم عليه انحطاط نفسه وإيذاؤهم له في عرضه وربما بلغت الأذية إلى نفسه. وعلى الجملة فالرجل قد عرف الحق من الباطل، وتخبط في تصرفاته، وحسابه على الله سبحانه، إما أن
стр. 1858
يحشره مع من أحب بظاهر حاله، أو يقبل عذره، وما تكاد تجد أحدا من هؤلاء النظار إلا قد فعل ذلك، لكن شرهم والله كثير، فلربما لم يقع خبرهم بمكان، وذلك لأنه لا يفطن لتلك اللمحة الخفية التي دسوها إلا الأذكياء المحيطون بالبحث، وقد أغناهم الله بعلمهم عن تلك اللمحة، وليس بكبير فائدة أن يعلموا أن الرجل كان يعلم الحق ويخفيه. والله المستعان.
ومن الناس من ليس من أهل التحقيق، ولا هيئ للهجوم على الحقائق، وقد تدرب في كلام الناس، وعرف أوائل الأبحاث، وحفظ كثيراً من غثاء ما حصلوه ولكن أرواح الأبحاث بينه وبينها حائل، وقد يكون ذلك لقصور الهمة والاكتفاء والرضا عن السلف لوقعهم في النفوس. وهؤلاء هم الأكثرون عدداً، والأرذلون قدراً، فإنهم لم يحظوا بخصيصة الخاصة، ولا أدركوا سلامة العامة، فالقسم الأول من الخاصة مبتدعة قطعاً، والثاني ظاهره الابتداع، والثالث له حكم الابتداع.
ومن الخاصة قسم رابع ثلة من الأولين، وقليل من الآخرين، أقبلوا على الكتاب والسنة وساروا بسيرها، وسكتوا عما سكتا عنه، وأقدموا وأحجموا بهما وتركوا تكلف مالا يعنيهم، وكان تهمهم السلامة، وحياة السنة آثر عندهم من حياة نفوسهم، وقرة عين أحدهم تلاوة كتاب الله تعالى، وفهم معانيه على السليقة العربية والتفسيرات المروية، ومعرفة ثبوت حديث نبوي لفظاً وحكماً.
فهؤلاء هم السنية حقاً، وهم الفرقة الناجية، وإليهم العامة بأسرهم، ومن شاء ربك من أقسام الخاصة الثلاثة المذكورين، بحسب علمه بقدر بدعتهم ونياتهم.
إذا حققت جميع ما ذكرنا لك، لم يلزمك السؤال المحذور وهو الهلاك على معظم الأمة، لأن الأكثر عدداً هم العامة قديماً وحديثاً، وكذلك الخاصة في
стр. 1859
الأعصار المتقدمة، ولعل القسمين الأوسطين، وكذا من خفت بدعته من الأول، تنقذهم رحمة ربك من النظام في سلك الابتداع بحسب المجازاة الأخروية، ورحمة ربك أوسع لكل مسلم، لكنا تكلمنا على مقتضى الحديث ومصداقة، وأن أفراد الفرق المبتدعة وإن كثرت الفرق فلعله لا يكون مجموع أفرادهم جزءا من ألف جزء من سائر المسلمين: فتأمل هذا تسلم من اعتقاد مناقضة الحديث لأحاديث فضائل الأمة المرحومة ".
قلت: وهذا آخر كلام الشيخ المقبلي ﵀، وهو كلام متين يدل على علم الرجل وفضله ودقة نظره، ومنه تعلم سلامة الحديث من الإشكال الذي أظن أنه عمدة ابن الوزير ﵀ في إعلاله إياه. والحمد لله على أن وفقنا للإبانة عن صحة هذا الحديث من حيث إسناده، وإزالة الشبهة عنه من حيث متنه.
وهو الموفق لا إله إلا هو. ثم وقفت على كلام لأحد الكتاب في العصر الحاضر ينكر في كتابه " أدب الجاحظ " (ص ٩٠) صحة هذا الحديث للدفاع عن شيخه الجاحظ! فهو يقول: " ولو صح هذا الحديث لكان نكبة كبرى على جمهور الأمة الإسلامية؛ إذ يسجل على أغلبيتها الخلود في الجحيم ولو صح هذا الحديث لما قام أبو بكر في وجه مانعي الزكاة معتبرا إياهم في حالة ردة ... " إلى آخر كلامه الذي يغني حكايته عن تكلف الرد عليه، لوضوح بطلانه لاسيما بعد قراءة كلام الشيخ المقبلي المتقدم.
على أن قوله " الخلود في الجحيم " ليس له أصل في الحديث، وإنما أورده الكاتب المشار إليه من عند نفسه ليتخذ ذلك ذريعة للطعن في الحديث. وهو سالم من ذلك كله كما بينا والحمد لله على توفيقه.
"الصحيحة" (١/ ١/٤٠٤، ٤٠٨ - ٤١٤).
стр. 1860
[٥٩٠] باب قبول توبة الكافروإزلة إشكالات حول ذلك
[قال رسول الله ﵌]:
«إن الله ﵎ لا يقبل توبة عبد كفر بعد إسلامه».
[قال الإمام]:
أخرجه أحمد (٤/ ٤٤٦ و٥/ ٢ و٣) من طريق أبي قزعة الباهلي عن حكيم بن معاوية عن أبيه قال: قال النبي ﵌: فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات، واسم أبي قزعة سويد بن حجير. وفي لفظ له: " لا يقبل الله من أحد توبة أشرك بعد إسلامه ". وتابعه عليه بهز بن حكيم عن أبيه به، إلا أنه قال: " عملا " مكان: " توبة ". أخرجه أحمد (٥/ ٥). قلت: وبهز ثقة حجة، لاسيما في روايته عن أبيه، وفيها ما يفسر رواية أبي قزعة، ويزيل الإشكال الوارد على ظاهرها، فهي في ذلك كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ (آل عمران: ٩٠).
ولذلك أشكلت على كثير من المفسرين، لأنها بظاهرها مخالفة لما هو معلوم من الدين بالضرورة من قبول توبة الكافر، ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى قبل الآية المذكورة: [كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم] إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين، خَالِدِينَ فِيهَا ... ﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيم﴾ (آل عمران: ٨٧ - ٨٩) فاضطربت أقوال المفسرين في التوفيق بين الآيتين، وإزالة الإشكال على أقوال كثيرة لا مجال لذكرها الآن، وإنما أذكر منها ما تأيد برواية بهز هذه، فإنها كما فسرت رواية أبي قزعة فهي أيضا تفسر الآية وتزيل الإشكال عنها. فكما أن معنى قوله في الحديث: «لا يقبل توبة عبد كفر بعد إسلامه»، أي توبته من ذنب في أثناء