← Акыда

Акыда · id 36190

جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة = موسوعة العقيدة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (4 534 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ربنا تحدث عن نفسه، فعلينا أن نصدق وأن نؤمن به، لأن مدارِكِنا قاصرة جداً، ما اعترف المعتزلة بهذه الحقيقة، ولذلك جحدوا كثيراً من الحقائق الشرعية، منها: قوله ﵎: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة﴾ (القيامة:٢٢، ٢٣) كذلك الآية الأخرى وهي قد تكون أخفى بالنسبة لأولئك الناس من الآية الأولى، وهي قوله : ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (يونس:٢٦)، ﴿للذين أحسنوا الحسنى﴾ أي: الجنة، ﴿وزيادة﴾ أي: رؤية الله في الآخرة، هكذا جاء الحديث في صحيح مسلم بسنده الصحيح عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول ﵌: ﴿للذين أحسنوا الحسنى﴾ قال ﵇: «الجنة»، ﴿وزيادة﴾: «رؤية الله». أنكر المعتزلة وكذلك الشيعة - وهم معتزلة في العقيدة -، الشيعة معتزلة في العقيدة أنكروا رؤية الله، المصرح في الآية الأولى والمبين من رسول الله في الآية الأخرى، مع تواتر الأحاديث عن النبي ﵌ فأوقعهم تأويلهم للقرآن في إنكار الأحاديث الصحيحة عن الرسول ﵇، فخرجوا عن أن يكونوا من الفرقة الناجية: «ما أنا عليه وأصحابي» الرسول كان على الإيمان بأن المؤمنين يرون ربهم، لأنه جاء في الصحيحين من أحاديث جماعة من أصحاب الرسول ﵇، منهم: أبو سعيد الخدري، منهم: أنس بن مالك، خارج الصحيح أبو بكر الصديق وهكذا، قال ﵊: «إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته» (١)، روايتين: ١ - «لا تضامُون» بالتخفيف. ٢ - و «لا تضامُّون» بالتشديد. والمقصود: لا تَشُكّون في رؤيته كما لا تشكون في رؤية القمر ليلة البدر ليس

стр. 212

دونه سحاب، أنكروا هذه الأحاديث بعقولهم، إذن هم ما سَلَّموا وما آمنوا، فكانوا ضعيفي الإيمان هذا مثال مما وقع فيه بعض الفرق قديماً. وعلى هذا حديثاً اليوم: الخوارج، ومنهم: الإباضية، الذين الآن نشطوا في الدعوة إلى ضلالهم، ولهم مقالات الآن ورسائل ينشرونها، ويُحْيون الخروج الذي عُرِفَ به الخوارج من قديم في كثير من انحرافاتهم، منها: إنكارهم رُؤْيَة الله في الجنة. الآن نأتيكم بمثال حديث: القاديانيون، ربما سمعتم بهم، هؤلاء يقولون كما نقول: نحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، يصلون الصلوات الخمس، يقيمون الجمعة، يحجون إلى بيت الله الحرام، ويعتمرون، لا فرق بيننا وبينهم هم كمسلمين، لكنهم يخالفوننا في كثير من العقائد منها - وهنا الشاهد - قولهم: بأن النبوة لم تُغْلَق بابها، يقولون بأنه سيأتي أنبياء بعد محمد ﵇، ويزعمون بأنه جاء أحد منهم في قاديان في بلدة في الهند، فمن لم يؤمن بهذا النبي عندهم فهو كافر، كيف قالوا هذا مع الآية الصريحة: ﴿وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠)؟ كيف قالوا هذا مع الأحاديث المتواترة بأنه: «لا نبي بعدي» (١)؟ فأوَّلوا القرآن والسنة، وما فسروا القرآن والسنة كما فسرها السلف الصالح وتتابع أيضاً المسلمون على ذلك، دون خلاف بينهم، حتى جاء هذا الزائغ الضال المسمى بميرزا غلام أحمد القادياني، فزعم بأنه نبي، وله قصة طويلة لسنا الآن في صددها، فاغتر به كثير ممن لا علم عندهم بهذه الحقائق التي هي: صيانة للمسلم من أن ينحرف يميناً ويساراً كما انحرف القاديانيون هؤلاء مع

стр. 213

دجالهم هذا الذي ادعى النبوة، ماذا فعل بالآية: ﴿وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠)؟ قالوا: «خاتم النبيين»: مِشْ معناها: لا نبي بعده، معناها: زينة النبيين، كما أن الخاتم هو: زينة الإصبع، كذلك محمد زينة الأنبياء، إذن هم ما كفروا بالآية، ما قالوا: هذه ما أنزلها الله على قلب محمد، لكن كفروا بمعناها الحقيقي، إذن، ماذا يفيد الإيمان بالألفاظ دون الأيمان بحقائق المعاني، إذا كانت هذه حقيقة لا شك فيها، ما هو الطريق للوصول إلى معرفة حقائق المعاني للكتاب والسنة؟ قد عرفتم الطريق، ليس هو أن نعتمد نحن على عِلْمِنا باللغة وآدابها ونفسر القرآن والسنة بأهوائنا أو عاداتنا أو تقاليدنا أو مذاهبنا أو طرقنا، وإنما كما قيل - وأنهي الكلام بهذا القول -: وكل خير في اتباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خلف لعل في هذا ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .. "الهدى والنور" (٦٤٠/ ٠٠:٠٠:٤٠) [٢١] باب كلمة حول مصادر الاستدلال عند أهل السنة، مع التعرض لبيان موقع العقل من هذه المصادر، وبيان خطأ تقسيم الأحاديث إلى ظنية ويقينية وما يترتب على ذلك الشيخ: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٢)، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا

стр. 214

زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: ١)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٧٠ - ٧١). أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد ﵌ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أمامي سؤالان يلتقيان في نقطة واحدة، وهي: السؤال عن حزب التحرير. السؤال الأول يقول: قرأت كثيرا عن حزب التحرير، وقد أعجبني كثير من أفكارهم، فأريد منك أن تشرح أو أن تفيدنا بنبذة عن حزب التحرير؟ السؤال الثاني: يدندن حول الموضوع، ولكن يريد شرحا فيقول: نريد منك شرحا موسعا عن حزب التحرير، وأهدافه، وأفكاره، وأخطائهم، وهل تغلغلت في العقيدة؟ جواباً عن هذين السؤالين: أنا أقول: إن أي حزب وليس فقط أعني حزب التحرير، من دون الأحزاب الإسلامية، أو التكتلات الإسلامية، أو التجمعات الإسلامية، أي جماعة من هذه الجماعات لم تقم جماعتها ولم تقم أحزابها على كتاب الله وعلى سنة رسول الله ﵌ زيادة على المصدرين المذكورين، أقول: وعلى منهج السلف الصالح، أي حزب لا يقوم على الكتاب السنة ومنهج السلف الصالح فهو بلا شك ستكون عاقبة أمره خسراً، وأنه مهما كان مخلصاً في دعوته، وبحثي أو جوابي هذا إنما هو عن هذه الجماعات الإسلامية التي يفترض أن تكون

стр. 215

مخلصة لدين الله وناصحة للأمة كما جاء في الحديث الصحيح ألا وهو قوله: ﵌: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة،. قالوا: لمن يا رسول الله؟. قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (١). فإذا لم تكن دعوة أي حزب من هذه الأحزاب قائمة على الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح فسوف لا يجنون من دعوتهم إلا خساراً، ذلك لأن الأمر كما قال رينا في القرآن الكريم: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت: ٦٩). فمن كان جهاده لله، وعلى كتاب الله وعلى سنة رسول الله، وعلى منهج السلف الصالح فهؤلاء هم الذين ينطبق عليهم قول الله : ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ (محمد: ٧). أكرر على مسامعكم هذا الأصل العظيم الذي لا بد لكل جماعة مسلمة أن تقوم دعوتها عليه: الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح. إذا كان الأمر كذلك فأنا أقول بناء على معرفتي بكل الجماعات والأحزاب القائمة اليوم على الأرض الإسلامية: أنهم جميعاً إلا جماعة واحدة، ولا أقول: إلا حزبا واحدا؛ لأن هذه الجماعة لا تتحزب، ولا تتكتل ولا تتعصب إلا للأصل المذكور أنفا، ألا وهو: كتاب الله وسنة رسول الله، ومنهج السلف الصالح. فأنا أعرف جيدا أنه سوى هذه الجماعة لا تدعو إلى هذا الأصل الذي وضحته آنفاً, وكررته مرارا وتكرارا على مسامعكم، وإنما يعودون إلى الكتاب والسنة فقط، ولا يقرنون إلى الكتاب والسنة قولنا السابق ذكره: وعلى منهج السلف الصالح. وحينئذ سيتبين لكم أهمية هذا القيد الثالث؛ وعلى منهج السلف الصالح،

стр. 216

سيتبين لكن حيث واقع الجماعات الإسلامية بل الفرق الإسلامية من يوم بدأ يمد رقبته، أو يظهر قرنه بين الجماعات الإسلامية الأولى: أي من يوم خرجت الخوارج على أمير المؤمنين: على بن أبي طالب، ومن يوم الجعد الذي دعا بدعوة المعتزلة، والذين جاءوا من بعده مقلدين له في الاعتزال، إلى غير ذلك من الفرق المعروفة أسماؤها قديما، والتي تتجدد مسمياتها حديثا بأسماء حديثة. هذه الفرق كلها سواء ما كان منها قديماً أو حديثاً، لا يوجد فيها فرقة تقول وتعلن: أننا لسنا على الكتاب والسنة، كل هذه الفرق -على ما بينها من اختلاف-، سواء كان هذا الاختلاف في العقائد والأصول أو كان هذا الاختلاف في الأحكام والفروع، هؤلاء المتفرقون في دينهم كلهم يقولون، كما نقول نحن الكتاب والسنة، ولكنهم يفترقون عنا فلا يقولون قولتنا: الذي هي تمام دعوتنا: وعلى منهج السلف الصالح. إذن ما الذي يحكم بين هذه الفرق وكلها تنتمي وعلى الأقل كلاما ودعوة إلى الكتاب والسنة؟. ما هو الحكم الفصل بين هؤلاء الذين يقولون كلمة واحدة؟. الجواب: على منهج السلف الصالح. هنا كما يقال في العصر الحاضر: سؤال يطرح نفسه بالنسبة لبعض الناس وهو: من أين جئنا بهذه الضميمة: وعلى منهج السف الصالح؟ جئنا بها من كتاب الله ومن حديث رسول الله ﵌ ومما جرى عليه أئمة السلف المتبعين من جماهير أهل السنة والجماعة كما يقولون اليوم.

стр. 217

أول ذلك قوله ﵎: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:١١٥). فأنتم تسمعون قوله في هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾. فلو أن الله لم يذكر: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لو أن الآية كانت: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً على دعوة أولئك الفرق القديمة والحديثة، لا يخسرون شيئا لو لم تكن هذه الجملة الطيبة في الآية الكريمة ألا وهو قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ لأنهم يقولون: نحن على الكتاب والسنة، هذه القولة يجب تحقيقها با تباع الكتاب والسنة تحقيقا شاملا أولا ومطبقا عملياً ثانياً. مثلا قوله المعروف لدى علماء المسلمين: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء: ٥٩). المقلدة من العالم الإسلامي كله إذا دعوا إلى الله ورسوله، إلى كتاب الله وحديث رسوله، قالوا: لا، نحن نتبع مذهبنا، هذا يقول مذهبي حنفي، وهذا شافعي الخ. فهل هؤلاء الذين أقاموا تقليدهم للأئمة مقام اتباعهم لكتاب الله ولسنة رسول الله ﵌ قد طبقوا هذه الآية الكريمة التي ذكرتها أخيرا: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (النساء: ٥٩)؟ الجواب: لم يفعلوا شيئاً من ذلك إذن لم يفدهم قولهم: نحن على الكتاب والسنة؛ لأنهم لا يطبقون عمليا الكتاب والسنة، هذا مثال أريد به تقريب الموضوع الأول؛ لان هذا المثال أقصد به المقلدة. أما البحث الأول فإنما أقصد به الدعاة الإسلاميين الذين يفترض فيهم ألا

стр. 218

يكونوا من المقلدين، من الذين يؤثرون أقوال الأئمة غير المعصومين على أقوال الله ورسوله المعصوم. فإذا كان الأمر إذن يعود على العقيدة والعقيدة تؤخذ من الكتاب والسنة وما كان عليه السلف؛ لأن هذا السلف هو المقصود بالآية الأولى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النساء: ١١٥) فيتبع غير سبيل المؤمنين لم يذكر الله هذه الجملة في منتصف هذه الآية عبثاً؛ وإنما ليؤصل بها أصلا، ويُقعِّد بها قاعدة وهي: أنه لا يجوز لنا أن نتكل في فهم كتاب ربنا وسنة نبينا على عقولنا المتأخرة زمناً، والمختلفة فهماً، وإنما يكون المسلمون متبعين للكتاب والسنة تأصيلا وتقعيداً إذا أضافوا إلى الكتاب السنة: وما كان عليه السلف الصالح، لأن هذه الآية تضمنت النص: أنه يجب علينا ألا نخالف الرسول، وألا نشاقق الرسول، كما تضمنت ألا نخالف وألا نتبع غير سبيل المؤمنين ومعنى كل من القيد الأول في هذه الآية والقيد الآخر: أنه يجب علينا اتباع الرسول ﵇ وترك مشاققته، كما يجب علينا اتباع سبيل المؤمنين، وعدم مخالفته. من هنا نقول، من هنا أولاً نقول: بأن على كل حزب أو جماعة إسلامية أن تصحح أصل منطلقها وهو: أن يعتمد على الكتاب والسنة وعلى ما كان عليه السلف الصالح، هذا القيد لا يتبناه حزب التحرير فكراً ولا الإخوان المسلمين ولا أمثالهم من الأحزاب الكثيرة وإنما نعني الأحزاب الإسلامية، أما التي أعلنت محاربة الإسلام كالبعثية والشيوعية فليس لنا معهم الكلام الآن. فالشاهد هذا الأصل الثالث: اتباع سبيل المؤمنين، حزب التحرير لا يتبناه، كذلك كل الأحزاب الأخرى.

стр. 219

إذا كان الأمر كذلك، فينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يعلم أن الخط إذا اعوجّ من رأسه فكلما مضى قدما يمشى فإنما يزداد انحرافاً وابتعاداً من الخط المستقيم الذي قال عنه رب العالمين في القرآن الكريم: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام: ١٥٣). هذه الآية الكريمة صريحة الدلالة، قطعية الدلالة كما يحب وكما يلهج حزب التحرير من بين الأحزاب الإسلامية الأخرى في دعوتهم وفي رسائلهم ومحاضراتهم هذه الآية قطعية الدلالة؛ لأنها تقول: إن السبيل الموصل إلى الله هو واحد وأن السبل الأخرى هي، التي تبعد المسلمين عن سبيل الله؛ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام: ١٥٣). وقد زاد رسول الله ﵌ هذه الآية بياناً وتوضيحاً كما هو سنة النبي ﵌ دائما وأبدا، كما ذكر الله في القرآن الكريم حين خاطب نبيه بقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: ٤٤). فسنة النبي ﵌ هي البيان الكامل للقرآن، والقرآن هو الأصل، هو الدستور للإسلام، وأما السنة فهي المبينة المؤصلة للقرآن: أي بلا تشبيه وإنما من باب التقريب: القرآن بالنسبة للنظم الأرضية كالدستور فيها، والسنة بالنسبة لهذه القوانين الأرضية كالقانون الموضح للدستور. لذلك كان من المتفق عليه بين المسلمين قاطبةً: أنه لا يمكن فهم القرآن إلا ببيان الرسول ﵊ وهذا أمر مجمع عليه، لكن الشيء الذي اختلف المسلمون عليه واختلفت آثارهم من بعد ذلك هو أن كل الفرق الضالة القديمة لم ترفع رأسها إلى هذا القيد الثالث وهو: اتباع السلف الصالح، فخالفوا بذلك الآية التي ذكرتها آنفا مراراً وتكراراً، ثم خالفوا سبيل الله، لأن سبيل الله

стр. 220

واحد وهو: ما جاء ذكره في الآية السابقة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام: ١٥٣). قلت: إن النبي ﵌ قد زاد هذه الآية بياناً حينما روى عنه أحد أصحابه ﵇ المشهورين بالفقه ألا وهو عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه حيث قال: خط رسول الله ﵌ يوما خطاً مستقيما على الأرض، ثم خطَّ حول هذا الخط خطوط قصيرة، ثم مد أصبعه الكريمة على الخط المستقيم وقرأ الآية السابقة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام:١٥٣). قال ﵇ وهو يمر بأصبعه على الخط المستقيم: «هذا صراط الله» ثم أشار على الخطوط القصيرة من حوله فقال: «وهذه طرق، وعلى رأس كل طريق منها شيطان يدعو الناس إليه». إذن هذا الحديث أيضا يفسره حديث آخر، وهذا الحديث الآخر وحديث الخط يعتبر من الموضحات لآية سبيل المؤمنين. ذاك الحديث والذي رواه أهل السنن كأبي داود والترمذي وأمثالهما من أئمة الحديث من طرق عديدة عن جماعة من الصحابة ﵃ كأبي هريرة ومعاوية وأنس بين مالك وغيرهم أن النبي ﵌ قال: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: هي ما أنا عليه وأصحابي». هذا الحديث يوضح لنا سبيل المؤمنين المذكور في الآية، من هم المؤمنون فيها؟ هم الذين ذكرهم الرسول ﵇ في حديث الفرق حينما سئل عن الفرقة الناجية، عن منهجها، عن صفتها، عن منطلقها.

стр. 221

فقال ﵇ ما أنا عليه وأصحابي، ما أنا عليه وأصحابي، فأرجو الانتباه، لأن جواب الرسول ﵊ إن لم يكن وحيا من الله، فهو تفسير من رسول الله لسبيل المؤمنين المذكور في قول الله الذي رويته مراراً آنفاً. حيث إن الله ذكر الرسول في الآية وذكر سبيل المؤمنين، هكذا الرسول ﵇ جعل علامة الفرقة الناجية التي ليست من تلك الفرق الاثنين والسبعين من الفرق الضالة جعل علامتها: أنها تكون على ما عليه الرسول وأصحابه، فنجد في هذا الحديث ما وجدنا في الآية، كما أن الآية لم تقصر على ذكر الرسول فقط، كذلك الحديث لم يقصر على ذكر الرسول فقط، وإنما ذكرت الآية سبيل المؤمنين كذلك ذكر الحديث أصحاب النبي الكريم، فالتقى الحديث مع القرآن؛ لهذا قال ﵊: «تركت فيكم أمرين، لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يراد علي الحوض». كثير من الفرق القديمة والحديثة لا تنتبه لهذا القيد المذكور في الآية وفي هذا الحديث، حديث الفرق الضالة، حيث جعل من صفة الفرقة الناجية، بل علامة الفرقة الناجية: أنها تكون على ما كان عليه الرسول وأصحابه أيضاً. مثل هذا الحديث تقريباً حديث العرباض بن سارية، وهو من أصحاب النبي من أهل الصُفَّة الذين كانوا فقراء يلزمون المسجد، ويلزمون حلقات الرسول ﵇ وتلقى العلم من كتاب الله ومن فم رسول الله غضاً طريا، قال العرباض هذا: وعظنا رسول الله ﵌ موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون. فقلنا: أوصنا يا رسول الله قال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن ولى عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي

стр. 222

وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كلَّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». الشاهد من هذا الحديث: أن النبي ﵌ لم يقتصر على حض المسلمين حينما يختلفون قال ﵇ «إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً». لذا أجاب النبي ﵌ كما هو أسلوب الحكيم، ومن أحكم منه من بعد أحكم الحاكمين؟ لا أحد في البشر أحكم من رسول الله ﵌ ولذلك فحينما قال: «وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيرا» أجاب عن سؤال مفروض؛ فماذا نفعل يا رسول الله قال: «فعليكم بسنتي؟ ولم يكتف ﵇ بأمر الذين يعيشون في وقت الاختلاف كوقتنا هذا، «لم يكتف بقوله: «عليكم بسنتي» فقط، وإنما عطف على ذلك فقال. «وسنة الخلفاء الراشدين». إذن ليضم المسلم الناصح لنفسه في عقيدته أنه يجب الرجوع إلى الكتاب والسنة وإلى سبيل المؤمنين بدلالة الآية وحديث الفرق وحديث العرباض بن سارية. هذه حقيقة مع الأسف الشديد يغفل عنها كل الأحزاب الإسلامية وبخاصة منها حزب التحرير الذي يتميز عن أي حزب إسلامي آخر أنه يقيم للعقل البشري وزناً أكثر مما أقامه الإسلام له، نحن نعلم يقيناً أن الله حينما يكلم الناس بكلامه إنما يخاطب العقلاء، ويخاطب العلماء، ويخاطب الذين يتفكرون، ولكننا نعلم أن العقل البشري مختلف، فالعقل عقلان: عقل مسلم وعقل كافر. هذا العقل الكافر ليس عقلاً، فقد يكون ذكاء ولكن لا يكون عقلاً، لأن العقل

стр. 223

في أصل اللغة العربية هو الذي يعقل صاحبه، ويربطه ويقيده أن ينفلت يمينا وشمالا، ولا يمكن للعقل ألا ينفلت يميناً وشمالاً؛ إلا إذا اتَّبع كتاب الله وسنة رسول الله ﵌؛ ولذلك حكى الله عن الكفار والمشركين حينما يعترفون بحقيقة أمرهم: أنهم حينما كانوا كما قال الله في القرآن الكريم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ (الروم:٧). يعترفون أنهم حينما كانوا عارفين بأمور الدنيا أنهم لم يكونوا عقلاء، ذلك هو قولهم فيما حكاه ربنا عنهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (الملك:١٠). إذن هناك عقلان: عقل حقيقي وعقل مجازي. العقل الحقيقي: هو العقل المسلم الذي آمن بالله ورسوله، أما العقل المجازي: فهو عقل الكفار؛ لذلك قال تعالى في القرآن كما سمعتم آنفا عنهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (الملك:١٠). وقال بصورة عامة عن الكفار: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ (الأعراف:١٧٩). فإذن هم لهم قلوب، ولكنهم لا يعقلون بها، لا يفهمون بها الحق. إذا عرفنا هذه الحقيقة وهي حقيقة ما أظن أنه يختلف فيها اثنان، وينتطح فيها عنزان؛ لأنها صريحة في القرآن وفي أحاديث الرسول ﵇ لكني أريد أن أتوصل من هذه الحقيقة إلى حقيقة أخرى التي هي نقطة البحث في هذه اللحظة مني. إذا كان عقل الكافر ليس عقلا، فعقل المسلم ينقسم أيضا إلى قسمين: عقل عالم وعقل جاهل. فالعقل المسلم الجاهل لا يمكن أن يكون مساوياً في عقله وفي فهمه لعقل

стр. 224

العالم، لا يستويان مثلا أبداً. لذلك قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (العنكبوت:٤٣). إذن: لا يجوز للمسلم الحق، المؤمن بالله ورسوله حقاً أن يحكم عقله، وإنما يخضِع عقله لما قال الله وقال رسول الله ﵌. من هنا نضع نقطة في دعوة حزب التحرير: أنهم تأثروا بالمعتزلة في منطلقهم في طريق الإيمان، وطريق الإيمان هو عنوان لهم في بعض كتبهم التي ألفها رئيسهم: تقى الدين النبهاني ﵀ وأنا لقيته أكثر من مرة وأنا عارف به تماماً، وعارف بما عليه حزب التحرير كأحسن ما تكون المعرفة؛ ولذلك فأنا أتكلم إن شاء الله عن علم بما عليه تقوم دعوتهم، فهذا أول نقطة تؤخذ عليهم: أنهم جعلوا للعقل مزية أكثر مما ينبغي. أُكرِّر على مسامعكن ما قلته آنفاً؛ أنا لا أنفى أن العقل له قيمته لما سبق ذكره، لكن ليس للعقل أن يحكم على الكتاب والسنة، وإنما العقل يخضع لحكم الكتاب والسنة وما عليه ألا أن يفهم ما جاء في الكتاب وفي السنة. من هنا انحرف المعتزلة قديما؛ فأنكروا حقائق شرعية كثيرة، وكثيرة جدا؛ بسبب أنهم سلطوا عقولهم على نصوص الكتاب السنة فحرفوها، وبدلوا فيها وغيروا، وبتعبير علماء السلف: عطلوا نصوص الكتاب والسنة. هذه النقطة أريد أن ألفت نظركن إليها وهي: أنه ينبغي إخضاع العقل المسلم لنص الكتاب والسنة بعد فهم الكتاب والسنة. من هنا انحرف المعتزلة قديما، فأنكروا حقائق شرعية كثيرة، وكثيرة جدا؛ بسبب أنهم سلطوا عقولهم على نصوص الكتاب والسنة فحرفوها، وبدلوا فيها

стр. 225

وغيروا، وبتعبير علماء السلف: عطلوا نصوص الكتاب السنة. هذه نقطة أريد أن ألفت نظركن إليها وهي: أنه ينبغي إخضاع العقل المسلم لنص الكتاب والسنة بعد فهم الكتاب السنة. فالحكم هو الله ورسول الله، وليس الحاكم عقل البشر لما ذكرنا: أن عقل البشر يختلف من عقل مسلم وعقل كافر، ثم عقل المسلم يختلف من عقل مسلم جاهل ومن عقل مسلم عاقل، فليس فهم المسلم العالم كفهم المسلم الجاهل، لذلك قال تعالى، ولا بأس من التكرار؛ لأنني أعلم أن هذا الموضوع قليلا ما يطرق مسامع الملايين المملينة من المسلمين، من الرجال فضلاً عن المخدرات من النساء، ولذلك فأنا مضطر إلى أن أكرر هذه النقاط وهذه الأدلة ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا العَالِمُونَ﴾ (العنكبوت:٤٣). هنا نحن نقف قليلاً: من هم العالمون؟ أهم العلماء الكفار؟ لا. لا نقيم لهم وزناً؛ لما ذكرناه آنفاً أنهم ليسوا عقلاء، والحقيقة أنهم أذكياء لأنهم اخترعوا وابتدعوا وو .. إلخ.، وارتقوا في الحضارة المادية المعروفة لدى الجميع. كذلك عقل المسلمين، هذا العقل في كل أفرادهم ليس سواء، فلا يستوي عقل العالم مع عقل الجاهل، وسأقول شيئاً آخر: لا يستوي عقل العالم العامل بعلمه مع عقل العالم اللا عامل بعلمه، لا يستوون مثلا إطلاقاً. لذلك فانحرفت المعتزلة في كثير من الأصول التي وضعوها مخالفين فيها طريقة الشرع: كتابا وسنة ومنهج السلف الصالح، هذه هي النقطة الأولى: اعتماد حزب التحرير على العقل أكثر مما ينبغي. النقطة الثانية وهي تتفرع في ظني من النقطة الأولى: لقد قسموا نصوص الكتاب والسنة إلى قسمين من حيث روايتها ومن حيث دلالتها.

стр. 226

أما من حيث روايتها: فقالوا: الرواية قطعية الثبوت وقد تكون ظنية الثبوت. أما الدلالة فكذلك، قد تكون قطعية الدلالة وقد تكون ظنية الدلالة. لا نناقش في هذا الاصطلاح، فإن الأمر كما قيل: لكل قوم أن يصطلحوا على ما شاءوا، لكننا نناقش فيما إذا رتبوا على هذا الاصطلاح مفارقات تخالف ما كان عليه المسلمون الأولون. ومن هنا يظهر لكم أهمية سبيل المؤمنين، لأنها قيد من أن ينفلت العالم المسلم فضلا عن الجاهل المسلم أن ينفلت من نص الكتاب والسنة برجوعه إلى مثل هذا الاصطلاح الذي لا يجوز أن يكون له الثمرة التالية وهي: إنهم قد رتبوا من ذلك الاصطلاح بالقطعي والظني الذي يشمل الرواية والدراية رتبوا على ذلك ما يلي: فقالوا: إذا جاء في القرآن الكريم وهو بلا شك في الاصطلاح السابق ذكره: قطعي الثبوت، إذا جاء نص ليس بقطعي الدلالة، فليس يجب على المسلم أن يأخذ بما فيه من المعنى، لأنه ظني الثبوت، فلا يجوز له أن يبنى عقيدة على نص قطعي الثبوت لكنه ظني الدلالة. وكذلك العكس عندهم تماماً: إذا جاء الدليل قطعي الدلالة لكن ليس قطعي الثبوت فأيضاً لا يأخذون منه عقيدة. ومن هنا جاءوا بعقيدة لا يعرفها السلف الصالح، ووضعوا اصطلاحا لهم وكتبهم معروفة وأعني الآن بكتبهم: القديمة؛ لأنهم قد أجروا فيها تعديلاً، وأنا من أعرف الناس بهذا التعديل، لكنه في الواقع تعديل شكلي، وهو لو سُلِّم به فإنما يدل أن القوم كانوا حتى في عقيدتهم مضطربين؛ حيث قالوا: العقيدة لا تثبت إلا

стр. 227

بدليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة؛ فأقاموا عليها عقيدتهم وهي: أن الحديث الصحيح رواية والقطعي الدلالة لا يؤخذ منه العقيدة. فقلنا لهم فيما ناقشناهم وجادلناهم: من أين لكم هذه القاعدة: وهي قاعدة تتضمن عقيدةً، فمن أين جئتم بهذه العقيدة؟ ما الدليل على أنه لا يجوز للمسلم أن يبني عقيدته على حديث صحيح لكن ليس بطريق التواتر الذي يقيد القطع قطعي الدلالة؟ من أين جئتم بهذا؟ فاضطربوا هنا في الجواب، والبحث هنا طويل، وطويل جدا، واستدلوا بمثل قوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (النجم:٢٨). هنا البحث الآن يخرجنا عما نحن في صدده من بيان ما نعرفه عن حزب التحرير، لأن مناقشة هذه القاعدة وبيان ما عليها من اعتراضات، وأنها أقيمت على دليل كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء. ولذلك نكتفي الآن ببيان أن هذه العقيدة: أي أن المسلم لا يجوز له أن يتبنى عقيدة من حديث صحيح، من حديث صحيح لكن لم تصدق عليها فلسفة: قطعي الثبوت، فهو ليس قطعي الثبوت، لكنه قطعي الدلالة، من أين جاءوا بهذا؟. لا دليل عليه، لا من الكتاب ولا من السنة، ولاما كان عليه السلف، بل ما كان عليه السلف ينقض هذا الذي تبناه بعض الخلف، منهم المعتزلة قديماً، وأتباعهم اليوم في هذه العقيدة وهم حزب التحرير. أقول الآن شيئاً ولعله نمر مرًّا سريعا حتى نتابع الحديث؛ كلنا يعلم أن النبي ﵌ حينما أرسله الله بشيراً ونذيراً، وقال له: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (المائدة:٦٧) كان تبليغه عليه الصلاة

стр. 228

والسلام رسالته إلى الناس تارةً بشخصه حينما كان يحضر ندواتهم ومجتمعاتهم فيخاطبهم مباشرة، وتارة يرسل رسولا من طرفه يدعو المشركين إلى اتباع دعوة النبي الكريم، وتارة يرسل خطابا كما هو معلوم من السيرة إلى هرقل ملك الروم وإلى كسرى ملك فارس وإلى و .. و .. الخ أمراء العرب كما هو مشروح في كتب السيرة النبوية. ومن ذلك أنه أرسل إلى اليمن معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري وعليًّا بن أبي طالب، وأرسل إلى الروم دحية الكلبي و ... وإلخ. هؤلاء كانوا أفرادا لا يمثلون، أولا يمثل خبرهم الخبر القطعي؛ لأنهم أفراد فمعاذ في مكان، وأبو موسى في مكان وعلى في مكان، وقد يختلف أيضا الزمان، كما اختلف المكان. وهناك حديث في الصحيحين ... بالسند الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي ﵌ لما أرسل معاذ على اليمن، قال له: «ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» (١). فَمَنْ مِن المسلمين يشك بأن هذه الشهادة هي الأصل الأول من الإسلام؟ أي هو العقيدة الأولى الذي ينبني عليها الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله فإذا معاذ ﵁ ذهب وحده مبلغاًّ وداعياً المسلمين - عفواً- وداعيا المشركين أن يؤمنوا بدين الإسلام. ترى هل قامت الحجة بمعاذ بن جبل حينما دعاهم إلى الإسلام، ويقول لهم:

стр. 229

أن الرسول يأمركم بأن تصلوا خمس صلوات في كل يوم وليلة، وهذه الصلاة ركعتان، وتلك ثلاث، والبقية أربع، إلى آخر ما هنالك من تفصيلات معروفة اليوم لدينا والحمد لله؟ ويأمرهم بالزكاة، وذكر لهم تفاصيل أحكام الزكاة: ما يتعلق بالفضة، ما يتعلق بالذهب، ما يتعلق بالثمار ما يتعلق بالخضار، ما يتعلق بالأبقار والجمال، و .. والخ؟ هل قامت حجة الإسلام على أولئك المشركين بمعاذ وحده؟ علي مذهب حزب التحرير مع الأسف لا لم تقم الحجة؛ لأنه فرد يجوز عليه كما يقولون هم يجوز عليه الكذب وإذا قلنا: لا، الكذب بعيد عنهم، فلا أقل أن يقال: يجوز عليهم الخطأ والنسيان. فإذن جاءوا بفلسفة: أن الحديث الصحيح لا يجوز أن نأخذ منه عقيدة إسلامية. إذن اليمانيون حينما دعاهم معاذ إلى الإسلام، وبلا شك أول ما دعاهم دعاهم إلى العقيدة، إذن لم تقم حجة الله على اليمانيين الذين كان منهم الوثنيون وكان منهم صليبيون، وكان منهم من المجوس، لم تقم حجة الله عليهم في العقائد. أما في الأحكام يقولون حزب التحرير كما يقول عامة المسلمين: نعم حديث الآحاد تثبت به الأحكام الشرعية، أما العقائد الإسلامية فلا تثبت بحديث الآحاد، هذا معاذ يمثل عقيدة الآحاد في الإسلام كله، أصولاً وفروعاً، عقائد وأحكاماً، فمن أين جاءوا بهذا التفصيل؟.

стр. 230

﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ (النجم:٢٣). وأُنهي الكلمة المتعلقة بحديث الآحاد، التي ضرب بها حزب التحرير عشرات الأحاديث الصحيحة بحجة: أن هذا والله حديث آحاد لا تقوم به حجة في العقيدة فذكر بعضهم النكتة التالية: زعموا أن أحد الدعاة من حزب التحرير ذهب إلى اليابان وألقى عليهم بعض المحاضرات ومنها: طريق الإيمان وفي هذا الطريق: أن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، وكان هناك في الحاضرين شاب عاقل حقا كيس فطن، قال له: يا أستاذ، أنت جئت داعية هنا في بلاد اليابان، بلاد الكفر والشرك كما تقول، تدعوهم إلى الإسلام وتقول: إن الإسلام يقول: إن العقيدة لا تثبت بخبر الآحاد، وأنت تقول لنا: أن من العقيدة ألا تأخذوا العقيدة من الفرد الواحد، أنت الآن تدعونا إلى الإسلام وأنت وحدك، فينبغي عليك بناءً على فلسفتك هذه: أن تعود أدراجك إلى بلدك، وأن تأتي بالعشرات من أمثالك من المسلمين الذين يقولون بقولك، فيصبح خبرك حينئذ خبراً متواتراً. فأسقط في يد المحاضر، وهذا مثال من الأمثلة الكثيرة التي تدل على سوء عاقبة مخالفة منهج السلف الصالح. من ذلك أن المسلمين يعلمون، وأعني منهم طلاب العلم، وأرجو أن تكون السامعات لهذا الكلام منهن، لقد جاء في صحيح البخاري (١) من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﵌ قال: «إذا جلس أحدكم في التشهد الآخر فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب

стр. 231

القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال». هنا الحديث حديث آحاد، لكنه من الأحاديث العجيبة الغريبة بالنسبة لفلسفة حزب التحرير، إنه من جهة يتضمن حكماً شرعياً، والحكم الشرعي عندهم يثبت بحديث الآحاد، فإذن بالنظر إلى هذا الجانب من الحديث يجب الأخذ به، لأنه حكم شرعي، قال: ﵇: «فليستعذ بالله من أربع في التشهد الأخير». ومن جهة أخرى يتضمن عقيدة وهي أن هناك في القبر عذاب، وأن هناك فتنة الدجال، فهم لا يؤمنون بعذاب القبر، ولا يؤمنون بفتنة الدجال الأكبر الذي حدث عنه الرسول ﵇ بأحاديث كثيرة منها: قوله ﵇: «ما بين خلق آدم والساعة فتنة أضر على أمتي من فتنة المسيح الدجال» (١). هم لا يؤمنون بهذا الدجال؛ لأنه بزعمهم حديث غير متواتر. فنحن نقول لهم الآن: ماذا تفعلون بحديث أبي هريرة؟ إنه من جهة يتضمن حكماً شرعياً، فعليكم أن تقولوا في آخر الصلاة: وأعوذ بك من عذاب القبر، لكن هل تستعيذ من عذاب القبر وأنت لا تؤمن بعذاب القبر؟ نقيضان لا يجتمعان. فجاءونا، بمخلص، حيلة من الحيل التي ينهى الله المسلمين عنها، ماذا؟ قالوا: نحن نصدق بعذاب القبر ولا نؤمن به، نصدق بعذاب القبر ولا نؤمن به. فلسفة عجيبة غريبة، ما الذي يحملهم؟ جاءوا بفلسفة أولى فتسلسلت معهم إلى فلسفات أخيرة كثيرة، خرجوا بها عن الصراط السوي، الذي كان عليه أصحاب النبي ﵌.

стр. 232

الآن أمضى والحديث كما قلت: طويل الذيل؛ لأبين أن من دعوة حزب التحرير التي يدندنون حولها: أنهم يريدون أن يقيموا حكم الله في الأرض. نحن أولا نلفت النظر إلى أنهم ليسوا منفردين بهذه الدعوة، فكل الجماعات الإسلامية والأحزاب الإسلامية تنتهي كلها إلى هذه الغاية: أي يريدون أن يقيموا حكم الله في الأرض، فهم ليسوا منفردين. جاءني سؤال الآن وأنا كنت أن أؤجل الأسئلة إلى ما بعد، لأن هذا السؤال قد يقطع علي سلسلة أفكاري، ومع ذلك فأنا لا أخيب السائل؛ فأجيب عن السؤال هو: السؤال: يقولون: إن هناك رواية تقول: لما سئل الرسول عن الفرقة الناجية، أجاب الرسول بأنها الجماعة. نعم هذه الرواية صحيحة ونؤمن بها، ولكن هذه الرواية: الجماعة، مفسرة بالرواية التي ذكرناها؛ لأننا لو ذكرنا لفظة الجماعة، أي هذه الروية التي جاء السؤال عنها أخيراً؛ لوجب علينا أن نشرحها بالشرح الذي سبق ذكره آنفاً. نُنهي إذن هذه الجلسة بالإجابة عن السؤال الأخير. وأقول: هنا روايتان اثنتان، لما سئل الرسول ﵇ عن الفرقة الناجية, أجاب بروايتين اثنتين. الأولى: هي التي ذكرتها آنفاً: «ما أنا عليه وأصحابي». والأخرى هي التي جاء السؤال عنها: قال: «هي الجماعة». لكن أشعر بأن السائلة كأنها تتوهم بناء على ما قرأت من كتابات حزب التحرير أن هذه الرواية: رواية الجماعة تخالف الروية التي أدرت الحديث حولها.

стр. 233

فأقول لها ولتقريب هذا الجواب النافي: أنه لا اختلاف بين الروايتين، افترض الآن أن الرواية الأولى وهي: «ما أنا عليه وأصحابي». لا أصل لها إطلاقاً، وإنما الرواية هي: الجماعة فسنقول: من هي الجماعة؟ من هي الجماعة اليوم يا أم المؤمنين؟ أهم حزب التحرير؟ أهم الإخوان المسلمين؟ أهم جماعة التبليغ؟. الجواب: وكل يدّعى وصلا بليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاك الجماعة كما صح عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: من كان الحق معه ولو كان فرداً واحداً. حينما بعث الله الرسل والأنبياء مبشرين ومنذرين، كانوا أفراداً، وكانوا هم الجماعة، كان إبراهيم أمة وحده، فمن اتبع هذا الأمة: أي الجماعة: وهو في الحقيقة واحد في ذاته لكن هو الجماعة في دعوته، من سار على وتيرته، وسار مثل مسيرته فهو الجماعة ولو كان فرداً واحداً. فالآن على افتراض أن الرواية الأولى في وصف الفرقة الناجية لا وجود لها إطلاقاً، الجماعة هذه هي سبيل المؤمنين، الجماعة هذه هي جماعة الخلفاء الراشدين. فحديث العرباض بن سارية ما فيها روايتان حتى يقال أو يشكك فيها كما قد يمكن أن يراد التشكيك في رواية: «ما أنا عليه وأصحابي»، الجماعة إذن هي سبيل المؤمنين التي شرحتها آنفا كتاباً وحديثاً، فماذا يضرنا إذا فسّرنا الجماعة هنا بالرواية الأولى: «ما أنا عليه وأصحابي»؟

стр. 234

لأن أصحابه، أصحابه ﵇ هم المؤمنون الذين أوعد المخالفون بأن لهم جهنم في الآية التي بدأت الاستدلال بها، أنه لا يجوز الاعتماد فقط على الكتاب والسنة؛ بل ولا بد من إضافة: سبيل المؤمنين المذكور في الآية الكريمة. فمن فسر الجماعة في حديث الفرقة الناجية بأنه طائفته فقط دون أن يأتي بالأدلة من الكتاب والسنة على ذلك: أنه على ما كان عليه المؤمنون الأولون؛ فيكون قد حمل الحديث: حديث الجماعة على غير المحمل الصحيح، وحينئذ يكون تأول هذا الحديث غير صحيح. وأختم كلمتي هذه بمناقشة جرت بين أحد السلفيين وآخر من الإسلاميين، ممن يدعو إلى الكتاب والسنة، ولكن لم يكن متنبها لهذه الضميمة التي لا تستقيم دعوة الأحزاب الإسلامية إلا بتبنيها فكرا أولا، وتطبيقها عمليا ثانيا، وهي: اتباع سبيل المؤمنين. قلت له: هذا جواب قاصر. قال: لمَ؟ قلت: لأن كل مسلم مهما كان منحرفا أو مستقيما يقول: أنا مسلم. مثلا: نبدأ بالأهون فالأهون. إذا سئل الحنفي: ما مذهبك ولا يريد أن يحشر نفسه في مناقشة، يقول: أنا مذهبي مسلم، والشافعي كمان يقول: أنا مسلم، و ... و ... الخ. لكن الحنفي يقول: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، الشافعي يقول: الإيمان يزيد وينقص ... إلخ.

стр. 235

إذن جوابك: بأنك مسلم، وجواب ذاك بأنه مسلم، لا يحدد مذهبك تماماً، فَفَهِم فقال: أقول حينئذ أنا مسلم على الكتاب والسنة. قلت له: كذلك كل مسلم حتى الأمثلة التي ضربتها لك آنفا هل هناك حنفي يقول: أنا مسلم لست على الكتاب والسنة؟. هل هناك شافعي يقول: لست على الكتاب والسنة؟ سأقول لك: هل هناك إباضي من الخوارج الموجودين اليوم في الأرض الإسلامية يقول: أنا لست على الكتاب والسنة؟ بل هل هناك شيعي، هل هناك رافضي يقول: أنا لست على الكتاب والسنة؟ كلهم يقولون نحن على الكتاب والسنة؟ هذا ما سبق بيانه آنفا. كل المسلمين مهما كان الخلاف بينهم شديداً وكثيراً، كلهم يقول: على الكتاب والسنة، ولكن لا أحد منهم يقول: وعلى منهج السلف الصالح إلا الذين ينتمون إلى منهج السلف الصالح، ونقول إذا ما سئلنا: أنا سلفي انتهى الأمر؛ لأنه معنى سلفي: على الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح. فلما بينت له هذا، قلت له: لا يكفي أن تقول: أنا مسلم على الكتاب والسنة؛ لأن كل الطوائف والجماعات يقولون: على الكتاب والسنة. قال: أقول إذن: أنا على الكتاب والسنة لأنه آمن معي بعد مثل هذه المحاضرة، بل محاضرات قال: إذن أنا أقول: أنا على الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح.

стр. 236

وقلت وأنا أعرف أنه أديب من الأدباء وكاتب من الكُتاب ألا تجد في لغتك العربية التي تأدبت بها، وتكلمت بها، وتكتب بها، ألا تدلك لفظة تختصر جوابك هذا: أنا مسلم على الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح؟ فَصَمَت. قلت يعني إذا قلنا: أنا سلفي ألا يؤدي عبارتك الطويلة: أنا على الكتاب والسنة؟ فأجاب بالإيجاب. هذه هي حقيقة الدعوة السلفية، وتلك هي مخالفات حزب التحرير، وكل الجماعات القائمة وإنما نحن دائرتنا أوسع من أي دائرة يتبناها أي حزب على وجه الأرض. أنا عارف من حزب التحرير أنه من نظامه: إذا تبنى فرد من أفراده رأيا يخالف رأيه: أي الرأي الذي يتبناه الحزب يُفْصَل، ويقال له: لست منا. نحن لا نقول هكذا، أنا أعرف مثلا أن من أفكار حزب التحرير أن المرأة لها حق أن تَنتخِب وأن تُنتخب، فلن تجد تحريرياًّ منهم من الكُتاب: أن المرأة ليس لها مجال للتدخل في هذه الأمور التي تسمى اليوم: بالسياسة. لها أن تتعلم ما يناسب أنوثتها، ما يناسب رقتها ولطفها إلى آخره. أما أن تَنتخِب وتُنتخب لو تبنى شخص من حزب التحرير هذا الرأي يخالف فيه حزب التحرير فسوف يُفصَل، أما نحن فنقبل حزب التحرير، والإخوان المسلمين، وجماعة التبليغ، ولكن على أساس: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (آل عمران:٦٤). فنحن ندعو كل مسلم إلى أن يتبنى هذا الأصل، ثم يتفرع عليه فروع كثيرة،

стр. 237

وكثيرة جداً. حينئذ يصبحون معنا، قد يختلفون معنا في التطبيق، لأن التطبيق يحتاج إلى علم، ونحن نقول: إن العلم بالكتاب والسنة مع الأسف الشديد لا يعتني الجماعات الإسلامية به، ومع ذلك فهم يريدون أن يقيموا دولة الإسلام على الجهل بالإسلام. فنقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب:٢١). فرسول الله بدأُ بتعليم الناس، وبدعوتهم إلى العقيدة أولا، ثم إلى العبادات وتحسين السلوك ثانياً، وهكذا ينبغي أن يعيد التاريخ نفسه. وبهذا القدر كفاية والحمد لله رب العالمين. "الهدى والنور" (٧٤٠/ ٠٦: ٠١: ٠٠) [٢٢] باب من أصول الاستدلال: القرآن والسنة الصحيحة وفهم السلف الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران:١٠٢) .. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء:١) .. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ

стр. 238

وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب:٧٠، ٧١). أما بعد: كلمتي (هي) بإيجاز ... تتعلق بالعلم النافع، والعمل الصالح، أما العلم النافع فيشترط فيه أمران اثنان: أما الأمر الأول: فأن يكون مستقىً من كتاب الله وسنة رسول الله ﵌، والكتاب والسنة أمران معروفان لدى جميع المسلمين قاطبةً، على ما بينهم من اختلاف كبير أو صغير في فهم بعض نصوصهما، إلا أن الذي أريد أن أدندن حوله فيما يتعلق بالكتاب والسنة، إنما هما أمران اثنان أحدهما يتعلق بالقرآن، والآخر يتعلق بالسنة، أما الأول فهو أن يكون من طابع طالب العلم أن يكون ديدنه أن يفهم القرآن على ضوء السنة؛ ذلك لأن النبي ﵌ قد خاطبه الله في القرآن الكريم بقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل:٤٤). وعلى ذلك فلا بد لطالب العلم النافع أن يعتمد في فهمه للقرآن على السنة، هذه نقطة متفق عليها والحمد لله بين المسلمين قاطبة، على ما بينهم من اختلاف في طريقة إثبات السنة، ولسنا الآن في هذا الصدد، فإذا كان من المتفق عليه بين المسلمين كافة أن القرآن يجب تفسيره بالسنة، فمن تمام العلم النافع أن نتحرى السنة الصحيحة، وهذه نقطة أو هذا أمر يخل به جماهير العلماء في العصر الحاضر؛ ذلك أنهم ينقلون من السنة ما وقفوا عليه دون تنبه، أو دون أن يأخذوا حذرهم من أن يكون ما ينقلونه من الحديث عن النبي ﵌ لا تصح نسبته إليه، وحينئذ يقعون في محظورين اثنين: أحدهما إثر الآخر.

стр. 239

المحظور الأول: هو التقول على النبي ﵌ وقد قال في الحديث المتواتر: «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» (١). وفي رواية أخرى: «من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار» (٢). ولذلك يجب على كل من كان حريصاً على العلم النافع، سواء كان من أهل العلم المشار إليهم بالبنان، أو كان من طلاب العلم البادئين في طلب هذا العلم أنه لا يجوز لهم أن ينقلوا حديثاً عن النبي ﵌، إلا بعد أن يثبت لديهم صحة نسبته إلى النبي ﵌، وحينئذ يكون طالب العلم على المنهج الصحيح في طلبه للعلم؛ لأنه أولاً يعتمد على الكتاب والسنة، ثم هو يفسر القرآن بالسنة، وأخيراً يعتمد على السنة الصحيحة فقط دون ما لم يصح منها. وثانياً: يكون مسؤولاً عما ينشره بين الناس من الأحاديث التي لا تكون في واقعها صحيحة النسبة إلى النبي ﵌، هذا هو العلم النافع، ولكننا نضيف عادة إلى المصدرين السابقين -الكتاب والسنة- نضيف شيئاً ثالثاً، وهو ضروري جداً في زماننا هذا؛ لاختلاف وجوه الأنظار والاستنباط والاختلاف والفهم من الكتاب والسنة، فليكن العالم أو طالب العلم في منجاة في تسييره للكتاب والسنة أن يميل يميناً أو يساراً، وأن يقع في الضلال من حيث لا يريد ولا يشعر، لا بد له من أن يضم إلى اعتماده على الكتاب والسنة شيئاً ثالثاً ألا وهو الاعتماد على ما كان عليه السلف الصالح ﵃؛ ذلك لأن النبي ﵌ حينما سئل في حديث الفرق الذي فيه أن المسلمين سيفترقون ثلاثاً وسبعين فرقه كلها في النار إلا

стр. 240

واحدة، ولما سئل النبي ﵌ عن هذه الفرقة الناجية من النار، قال: «هي الجماعة»، هذه رواية. وفي رواية أخرى قال: «» هي التي على أنا ما أنا عليه وأصحابي»، فنجد في كلِّ من الروايتين أن النبي ﵌ لم يقتصر على قوله: الكتاب والسنة، وإنما قال: أولاً «الجماعة»، ثم قال: «ما أنا عليه وأصحابي»، فلماذا ذكر: «وأصحابي» ولم يكتف بقوله: «ما أنا عليه»، والحقيقة أن هذا يكفي؛ لأن النبي ﵌ قد قال في الحديث الصحيح: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض». فإذاً: من تمسك بالكتاب والسنة لن يضل، ولكن ألا تعلمون معي أن كل الفرق الإسلامية ما كان منها قديماً واندثر بعضها، وما كان منها قديماً واستمرت حتى زماننا هذا، وما قد جد منها في زماننا هذا تحت أسماء ونسب كثيرة، ألا تعتقدون معي أن كل هذه الفرق لا يوجد منها فرقه تتبرأ من الكتاب والسنة، لا يوجد والحمد لله من يعلنها صريحة؛ بأنه ليس على الكتاب والسنة، وإلا حينئذ لن يعتبر من الفرق الإسلامية، وإنما كل الفرق مهما كانت عالقة في الضلال، سواء ما كان منها من الفرق القديمة أو الحديثة على التفصيل الذي ذكرته آنفاً، لا يوجد فيها إلا من يدعي دعوانا، وهي أنهم على الكتاب والسنة، وخذوا مثلاً الفرقة لعلها الفرقة الأخيرة، كفرقه انحرفت عن الكتاب والسنة، من الفرق المعاصرة والحديثة، إلا وهي الطائفة القاديانية، التي كان أصلها من قرية في الهند اسمها قاديان، وخرج منها ذلك الرجل الذي كان يسمى "ميرزا"، غلام أحمد القادياني، فإنما حرف اسمه لغرض في نفسه لسنا الآن في صدد بيان ذلك، فسمى نفسه بأحمد لكي يحمل على اسمه، قول الله على لسان عيسى: ﴿وَمُبَشِّرًا

стр. 241

بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (الصف:٦)، أي أحمد القدياني، وهو إنما كان اسمه "ميرزا"، غلام أحمد القدياني "ميرزا" لقب، أما اسمه غلام أحمد، أي: خادم أحمد فحذف كلمة خادم أي: غلام، واحتفظ باسم أحمد ليحمل على نفسه تلك الآية، وشتان ما بينها وبينه، فإنه من الدجالين الكذبة، الذي أخبرنا رسول الله ﵌ عنهم بقوله: «لا تقوم الساعة حتى يكون ثلاثون دجالاً، كلهم يزعم أنه نبي ولا نبي بعدي» (١)، واستطاع هذا الرجل بسبب أو بآخر أن يحمل كثيراً من الناس، ليس فقط من الأعاجم بل ومن العرب أيضاً أن ينحرف بهم عن الكتاب والسنة، فآمنوا به وصدقوه واتبعوه وجاءوا بعقائد مخالفة لإجماع المسلمين، ولسنا أيضاً في هذا الصدد، وإنما الشاهد، هؤلاء يقولون أيضاً معنا: الكتاب والسنة، فهل أفادتهم بشيء دعواهم الكتاب والسنة، وهم قد خالفوا الكتاب والسنة في كثير من نصوصهما، والشاهد هاهنا الآن كيف يجمعون بين اتباعهم لنبيهم المزعوم، وبين قول رب العالمين: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠)، هنا يظهر لكم أهمية شيئين اثنين السنة وتفسير السنة، والقرآن على ما كان عليه السلف الصالح، تفسير القرآن بالسنة وتفسير السنة بما كان عليه السلف الصالح، لم يكفر هؤلاء القاديانيون بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠)، بل آمنوا بالآية كما نؤمن، كذلك لم ينكروا قول النبي ﵌ ما جاء في الصحيحين (٢) عن النبي ﵌ أنه قال لعلي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي»، أيضاً آمنوا بهذا الحديث الصحيح، لكنهم كفروا بمعنى الآية والحديث معاً؛ لأنهم تأولوهما بغير تأويلهم، وفسروهما بخلاف ما كان عليه سلفنا الصالح، ومن تبعهم إلى هذا اليوم.

стр. 242

ولكننا نخالفكم في تفسيركم للآية، ونفهم أن معناها خاتم النبيين أي: زينة النبيين، كما أن الخاتم زينة الإصبع كذلك الرسول ﵇ هو زينة الأنبياء. إذاً: هم آمنوا باللفظ القرآني، وكفروا بمعناه فلم يفدهم إيمانهم بالقرآن شيئاً، ولذلك فهم أشبه ما يكونون في تأويل هذه الآية أو ذاك الحديث بالكفار من النصارى، الذين يحاولون أن يستخرجوا من القرآن أدلة تؤيد ضلالهم ... بأن عيسى ﵇ هو ابن الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. ها أنتم عرفتم تأويلهم بل تعطيلهم لدلالة الآية على أنه لا نبي بعد رسول الله ﵌، فكيف فسروا الحديث الصحيح: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي»، قالوا: لا نبي معي، أي بعد أن فسروا الحديث بهذا التفسير الباطل، قالوا فمفهوم الحديث أنه يوجد بعدي نبي فعطلوا بذلك أيضاً أحاديث أخرى صحيحة ولم يجدوا لها تأويلاً إلا بإنكارها، مثل قوله ﵇: «ألا إن النبوة والرسالة قد انقطعت فلا نبي ولا رسول بعدي» (١)، هذا الحديث أنكروه؛ لأنه مع براعتهم في التأويل بل في التعطيل لم يجدوا لهم مساغاً لتأويل هذا النص، فأطاحوا به ولم يؤمنوا به. الشاهد من هذا المثال كل الفرق الإسلامية قديمها وحديثها تشترك معنا بالقول بالإيمان بالكتاب والسنة، ولكنها تختلف عنا في عدم تقيدهم بطريق المسلمين الذي ذكره رب العالمين في قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:١١٥)، كما أنهم لم يرفعوا رؤوسهم إلى ما سبق من الحديث في

стр. 243

وصف النبي ﵌ للفرقة الناجية بأنها التي تكون على ما كان عليه الرسول وأصحابه، فهم لم يلتفتوا إلى أصحابه ﵇، ولم يهتدوا بهديهم، وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدون، الذين قرنهم الرسول ﵇ فذكرهم مع اسمه وذكر سنتهم مع سنته في حديث العرباض ابن سارية الذي فيه: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن ولي عليكم عبد حبشي، وأنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ .. » إلى آخر الحديث. الشاهد أن النبي ﵌ أخبر أمته أن من سيعيش من بعده سيرى اختلافاً كثيراً، فما هو المخرج من الخلاف الكثير الذي كان ولا يزال الآن يشتد في هذا الزمان، العصمة وضعها الرسول ﵇ بين أعيننا في هذا الحديث بقوله: «فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين .. » إلى آخر الحديث. إذاً: العصمة تمام العصمة ليس هو التمسك فقط بالسنة بل وبما كان عليه السلف الصالح، لو نظرنا اليوم إلى كل الفرق الإسلامية القائمة اليوم على الأرض الإسلامية كما قلت آنفاً قديمها وحديثها، لوجدناهم اليوم يجمعون على الكتاب والسنة، ولكنهم يخالفوننا في الرجوع إلى السلف الصالح. إذاً: هذا هو الحكم الفصل بين من كان على السنة حقيقة، وبين من كان منحرفاً عنها ولو أنه كان يدعيها. ذلك أن العصمة عند الاختلاف كما هو الصريح في هذا الحديث، إنما الرجوع إلى ما كان عليه الصحابة بعامة والخلفاء الراشدون بخاصة، هذا هو العلم النافع.

стр. 244

خلاصة ذلك: أنه لا يكون علماً نافعاً إلا إذا كان معتمداً على الكتاب، وكان تفسير الكتاب على السنة، وكانت السنة صحيحة غير ضعيفة، وأخيراً اعتماداً في فهمهما الكتاب والسنة، على ما كان عليه سلفنا الصالح. ولذلك نجد الفرق القائمة اليوم كلها لا صلة بينها وبين سلفها الأول مهما كان سلفهم؛ لأنهم ليس عندهم من الكتب ما يروي لهم الأحاديث الصحيحة أو بعبارة موجزة، ما يروي لهم هدي النبي ﵌ في كل شؤون حياته كما قال ﵇: «ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله إلا وأمرتكم به، وما تركت شيئاً يبعدكم عن الله ويقربكم إلى النار إلا نهيتكم عنه» (١). هذا العلم الجامع النافع لا يوجد عند كل الفرق الإسلامية، فضلاً عن أن يوجد عندهم من الكتب والآثار ما يصلهم بالسلف الصالح، وما يدلهم على ما كانوا عليه، لكي يقتدوا بهم تنفيذاً لقوله تعالى المذكور آنفاً: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النساء:١١٥). فالله في هذه الآية يأمر باتباع سبيل المؤمنين، ويحذر من مخالفة سبيل المؤمنين، ويعتبر مشاققة ومخالفة سبيل المؤمنين مشاقة للرسول ﵊. كل الفرق لا سبيل لها إلا أن تعود في فقهها للكتاب وللسنة إلا بما كان عليه السلف الصالح. إذاً: العلم النافع القرآن المفسر بالسنة والسنة الصحيحة، وكلاهما مفسر بما

стр. 245

طبقه سلفنا الصالح، ولكي نعرف ما كان عليه السلف الصالح، فيجب أن يكون عندنا كتب تروي لنا آثار السلف، كما تروي لنا أحاديث الرسول ﵊. هذا فيما يتعلق بالعلم النافع ... "الهدى والنور" (٣٩١/ ٣١: ٢٩: ٠٠) و (٣٩١/ ٤١: ٥٧: ٠٠). [٢٣] باب أهمية فهم السلف للكتاب والسنة [الشيخ]: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران:١٠٢). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء:١). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا- يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب:٧١). أما بعد: فإن خير الهدى هدى محمد ﵌ وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وبعد ... فإنه ليس لديَّ ما أُقدمه إليكم سوى أن أحمد الله ﵎، أن جمعنا مع إخوان لنا يعيشون بأجسادهم بعيدين عنا ولكنهم بقلوبهم قريبون منا؛ لأن دعوة الحق التي هدانا الله ﵎ إليها وجمع كلمتنا حولها وهي دعوة اتباع الكتاب والسنة، هذه بعد

стр. 246

أن هدانا الله إلى الإسلام بعامة هي أعظم النعم؛ أن هدانا الله ﵎ إلى أن نفهم الإسلام على أساس الكتاب والسنة، هذا الأساس الذي هو الضمان لكي لا ينحرف المسلمون يميناً ويساراً، وأن يكونوا على هدى من ربهم في كل زمان وفي كل مكان، ما دام أنهم قد تمسكوا بحفظ الكتاب والسنة، مصداقاً لقول النبي صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض» لا أريد أن أطيل الكلام في هذه القضية لأنني أعتقد بأنكم لستم بحاجة إلى مثل هذا الكلام، ولكني أريد أن أدير كلامي أو أن أدندن على قضية قد تخفى على كثير ممن قد يشتركون معنا في هذه الدعوة - دعوة الحق- ألا وهي الكتاب والسنة قد يخفى على كثير من الذين يشتركون معنا في هذه الدعوة حقيقة جاء الكتاب والسنة يؤكدانها ويلفتان النظر إلى ضرورة التمسك بها ألا وهي ضرورة فهم الكتاب والسنة على منهج سلفنا الصالح ﵁. هذه الغنيمة وهي أن يكون فهمنا لكتاب ربنا ولسنة نبينا ﵌ على ما كان عليه السلف الصالح، ذلك لأننا في زمان قد صحا فيه كثير من الجماعات الإسلامية التي كانت من قبل في سبات عميق وفي غفوة شديدة عن ضرورة الاعتماد في المسائل الخلافية حول الكتاب والسنة، لما تجلت لهم هذه الحقيقة أو هذه القضية لم يسعهم أن يظلوا مصرين على مخالفتهم في دعوتنا القائمة على الكتاب والسنة، ولكنهم لا يزالون بعيدين عنا في منهجنا الذي نلتزمه في فهمنا لكتاب ربنا وسنة نبينا، وذلك أن يكون الفهم لهذين النظيرين على ما كان عليه السلف الصالح. ذلك أن كل الجماعات الإسلامية الموجودة اليوم على وجه الأرض لا

стр. 247

يمكن لأحدٍ منها أو واحدة منها أن يعلن عدم اعتزازه بدعوة على الكتاب والسنة، ولكنهم مع هذا الاعتزاز يفسرون النصوص من الكتاب والسنة حسب ما تقتضيه تكتلاتهم وحزبياتهم، ولا يرجعون في ذلك إلى فهم النصوص على ما كان فهمها سلفنا الصالح، أكرر على مسامعكم ثم أؤيد ما أقول لكم: لا ينبغي أن تقتصر دعوتنا على الكتاب والسنة فقط بل يجب أن نضم لذلك ما أشار الله ﵎ إليه في كتابه الكريم، ثم تولى نبينا صلوات الله وسلامه عليه بيان ذلك في سنته الصحيحة، انطلاقاً منه وتجاوباً مع قول ربنا حين خاطبه بقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل:٤٤) مما ينبه ﵊ من كلام رب الأنام قوله في القرآن: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:١١٥) الشاهد من هذه الآية قوله فيها ويتبع غير سبيل المؤمنين فإن هذه الآية تُلفت النظر، أن على المسلمين في كل زمان وفي كل مكان ألا يخرجوا عن سبيل المؤمنين، حيث قال رب العالمين ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النساء:١١٥) فما حكمة هذه الجملة المعطوفة على ما قبلها، وهي ويتبع غير سبيل المؤمنين، كان من المفيد أن تكون الآية دون هذه الجملة «ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا»، لو كانت الآية هكذا بهذا الاختصار لكان معنىً سليماً مستقيماً لا غبار عليه إطلاقا؛ لكن الله حينما عطف على قوله ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ وقال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أراد بذلك أن يلفت نظر المؤمنين الذين يحذرون من أن يشاققوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى، أيضاً يجب عليهم أن يحذروا من أن يخالفوا سبيل المؤمنين.

стр. 248

وكيف يمكن مخالفة سبيل المؤمنين مع إتباع سنة سيد المرسلين؟ الأمر عند أهل العلم معروف جيداً؛ لأن نصوص الكتاب والسنة يمكن في بعض الأحوال أن تفسر تفسيراً، ويظهر هذا التفسير للمؤمنين بالكتاب والسنة على أن هذا هو المعنى المراد منهما، ويكون هذا التفسير خطأ؛ لأنه خالف سنة المؤمنين وسبيل المؤمنين. وتأكيداً لهذا المعنى المتضمن في هذه الجملة المعطوفة ألا وهي قول تعالى: ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ نجد نبينا صلوات الله وسلامه عليه قد ضم هذه الضميمة في بعض الأحاديث الصحيحة تفسيراً منه لهذه الآية الكريمة، أنتم مثلا قرأتم أو سمعتم حديث الفرق الثلاث وسبعين فرقة التي قال فيها رسول الله ﵌: «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة،» قالوا: من هي يا رسول الله، هنا الشاهد - من هي يا رسول الله هذه الفرقة الناجية من بين ثلاث وسبعين فرقة، فرقة واحدة منها هي الناجية قال ﵇: «هي التي ما أنا عليه وأصحابي»، فهنا تجدون أن النبي ﵌ لم يقتصر على قوله: «على ما أنا عليه»، وإنما عطف على ذلك قوله: «وأصحابي»، ما السر في ذلك هذا الحديث يعتبر تفسيراً للآية التي ذكرناها آنفاً وكررناها على مسامعكم مراراً لترسخ في أذهانكم؛ إن المعنى المقصود من قوله فيها: «ويتبع غير سبيل المؤمنين» فقد جاء النبي ﵌ في حديث الفرق، وفي بيان الفرقة الناجية ووصفها بوصفين اثنين وليس بوصف واحد، وهي: أنها تكون على ما كان عليه الرسول هذا هو الوصف الأول، ولكنه جاء بوصف ثاني وأخير وهو قوله ﵊: «وأصحابي» هذا الحديث وهذا اللفظ تفسيره بالرواية الأخرى وهي

стр. 249

الأشهر والأقوى سنداً، وهي التي تقول جواباً عن سؤال السائلين عن الفرقة الناجية قال ﵊: «هي الجماعة»، «هي الجماعة»، فقوله هذا تفسير للآية السابقة «ويتبع غير سبيل المؤمنين» فسبيل المؤمنين هي الجماعة والجماعة هي سبيل المؤمنين ومعنى هذا أنه ويجب على علماء المسلمين خاصة في هذه الأزمنة المتأخرة ألا يُعْمَل فقط بدراسة السنة ومعرفة ما كان عليه الرسول ﵌ وهذا أمر لا بد منه لأن تفسير القرآن لا يستقيم ولا سبيل إليه إلا بطريق السنة التي هي بيان القرآن كما ذكرنا آنفا، لا يمكن للعالم أن يكتفي على دراسة الكتاب والسنة في العصر الحاضر، بل لا بد أن يضم لذلك دراسةً ثالثةً؛ وهي: أن يعرف ما كان عليه أصحاب النبي ﵌ من الهدى والنور؛ لأنهم قد تلقوا البيان من النبي ﵌ بالقرآن، وبيان الرسول ﵇ بالسنة القولية في كثير من الأحيان لفهمه أو لتقريبه هذه الأمور التي لا يمكن الوصول إليها إلا بمعرفة أثار السلف الصالح. فلذلك فالحديث هذا أيضا يلتقي مع حديث آخر طالما سمعتموه أو قرأتموه في كتب الحديث، ألا وهو حديث العرباض ابن سارية رضي الله وتعالى عنه الذي قال: «وعظنا رسول الله ﵌ موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا يا رسول الله أوصنا وصية لا نحتاج إلى أحد بعدك أبدا؛ فقال ﵊: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن ولي عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي» - هنا الشاهد - لم يقتصر ﵊ على كلمته هذه فعليكم بسنتي بل عطف عليها أيضا كما فعل في حديث الفرق: «وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» زاد

стр. 250

في حديث جابر ﵁ «وكل ضلالة في النار» الشاهد أنكم تسمعون في هذا الحديث أن النبي ﵌ جعل النجاة والخلاص من الافتراق الذي سيقع فيما بعد الرسول ﵇ إنما هو التمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده؛ ذلك لأن طريقة هؤلاء الخلفاء الراشدين كطريقة عامة الصحابة الذي أَطْلَق عليهم في الحديث السابق لفظة: «الجماعة» هم اللذين فهموا من النبي ﵌ المعاني الصحيحة للآيات والأحاديث القولية. ونقولها إلى الأمة بيضاء نقية ليلها كنهارها: إذا لم يهتم العلماء بخاصة بهذا الجانب الثالث مما سبقت الإشارة إليه في هذه النصوص صار الكتاب والسنة هوى متبعاً، ونحن نجد اليوم خلافات كثيرة وكل هؤلاء المختلفين يدعون أنهم على الكتاب والسنة مهما كانت كتاباتهم وكانت تجمعاتهم، يدندنون حول الكتاب والسنة، لكنكم لا تجدون على وجه الأرض اليوم وعلى الساحة الإسلامية في هذه الجماعات من ارتضت لنفسها في فهم كتاب ربها وسنة نبيها منهج السلف الصالح، إلا جماعة واحدة على وجه الأرض لهم أسماء مختلفة والمسمى واحد؛ ففي بعض البلاد يسمى هؤلاء انتماءً إلى الجماعة المشار إليها وهي جماعة السلف، ويقولون دعوتنا دعوة السلف الصالح ونحن ننتسب إليهم ونقول: إننا سلفيون، أو نقول: نحن من أهل الحديث، أو يقولون: نحن أنصار السنة ... ولابد من التنبيه معتذراً لإطالة الكلام في هذه المسألة الهامة لأني أتصور أن بيننا لقاءات ولقاءات كثيرة يمكن أن يَصْدْقَ فيها ما يقال اليوم إننا سنتمكن هناك من وضع النقاط على الحروف كما يقولون اليوم، لكن لا بد لي في ختام هذه الكلمة من لفتة نظر إلى أن كثيراً من الجماعات الإسلامية الأخرى التي تنتسب إلى أسماء إما أسماء لجماعة معينة من الخلف، أو أسماء إلى حزب معين من الخلف، أو إلى أشخاص معروفين
следующие страницы →