← Акыда

Акыда · id 36190

جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة = موسوعة العقيدة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (4 534 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

مختلف الطبقات بالقبول وصرحوا بصحته، هذا يكاد يكون مستحيلاً! وإن مما يؤيد ما ذكرته أمرين: الأول: أن ابن الوزير في كتاب آخر له قد صحح حديث معاوية هذا، ألا وهو كتابه القيم: " الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم " فقد عقد فيه فصلاً خاصاًّ في الصحابة الذين طعن فيهم الشيعة وردوا أحاديثهم، ومنهم معاوية ﵁، فسرد ما له من الأحاديث في كتب السنة مع الشواهد من طريق جماعة آخرين من الصحابة لم تطعن فيه الشيعة، فكان هذا الحديث منها! الأمر الآخر: أن بعض المحققين من العلماء اليمانيين ممن نقطع أنه وقف على كتب ابن الوزير، ألا وهو الشيخ صالح المقبلي، قد تكلم على هذا الحديث بكلام جيد من جهة ثبوته ومعناه، وقد ذكر فيه أن بعضهم ضعف هذا الحديث فكأنه يشير بذلك إلى ابن الوزير، وأنت إذا تأملت كلامه وجدته يشير إلى أن التضعيف لم يكن من جهة السند، وإنما من قبل استشكال معناه، وأرى أن أنقل خلاصة كلامه المشار إليه لما فيه من الفوائد. قال رحمه الله تعالى في " العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء والمشايخ " (ص ٤١٤): " حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، رواياته كثيرة يشد بعضها بعضاً بحيث لا يبقى ريبة في حاصل معناها، (ثم ذكر حديث معاوية هذا، وحديث ابن عمرو بن العاص الذي أشار إليه الحافظ العراقي وحسنه الترمذي ثم قال:) والإشكال في قوله: " كلها في النار إلا ملة "، فمن المعلوم أنهم خير الأمم، وأن المرجو أن يكونوا نصف أهل الجنة، مع أنهم في سائر الأمم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود حسبما صرحت به الأحاديث، فكيف يتمشى هذا؟ فبعض الناس تكلم في ضعف هذه الجملة، وقال: هي زيادة غير ثابتة. وبعضهم تأول الكلام. قال: ومن المعلوم أن ليس

стр. 1857

المراد من الفرقة الناجية أن لا يقع منها أدنى اختلاف، فإن ذلك قد كان في فضلاء الصحابة، إنما الكلام في مخالفة تصير صاحبها فرقة مستقلة ابتدعها، وإذا حققت ذلك فهذه البدع الواقعة في مهمات المسائل، وفيما يترتب عليه عظائم المفاسد لا تكاد تنحصر، ولكنها لم تخص معينا من هذه الفرق التي قد تحزبت والتأم بعضهم إلى قوم وخالف آخرون بحسب مسائل عديدة. ثم أجاب عن الإشكال بما خلاصته: " إن الناس عامة وخاصة، فالعامة آخرهم كأولهم، كالنساء والعبيد والفلاحين والسوقة ونحوهم ممن ليس من أمر الخاصة في شيء، فلا شك في براءة آخرهم من الابتداع كأولهم. وأما الخاصة، فمنهم مبتدع اخترع البدعة وجعلها نصب عينيه، وبلغ في تقويتها كل مبلغ، وجعلها أصلا يرد إليها صرائح الكتاب والسنة، ثم تبعه أقوام من نمطه في الفقه والتعصب، وربما جددوا بدعته وفرعوا عليها وحملوه ما لم يتحمله، ولكنه إمامهم المقدم وهؤلاء هم المبتدعة حقاًّ، وهو شيء كبير ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ (مريم:٩٠)، كنفي حكمة الله تعالى، ونفي إقداره المكلف، وككونه يكلف ما لا يطاق، ويفعل سائر القبائح ولا تقبح منه، وأخواتهن! ومنها ما هو دون ذلك، وحقائقها جميعها عند الله تعالى، ولا ندري بأيها يصير صاحبها من إحدى الثلاث وسبعين فرقة. ومن الناس من تبع هؤلاء وناصرهم وقوى سوادهم بالتدريس والتصنيف، ولكنه عند نفسه راجع إلى الحق، وقد دس في تلك الأبحاث نقوضها في مواضع لكن على وجه خفي، ولعله تخيل مصلحة دنيئة، أو عظم عليه انحطاط نفسه وإيذاؤهم له في عرضه وربما بلغت الأذية إلى نفسه. وعلى الجملة فالرجل قد عرف الحق من الباطل، وتخبط في تصرفاته، وحسابه على الله سبحانه، إما أن

стр. 1858

يحشره مع من أحب بظاهر حاله، أو يقبل عذره، وما تكاد تجد أحدا من هؤلاء النظار إلا قد فعل ذلك، لكن شرهم والله كثير، فلربما لم يقع خبرهم بمكان، وذلك لأنه لا يفطن لتلك اللمحة الخفية التي دسوها إلا الأذكياء المحيطون بالبحث، وقد أغناهم الله بعلمهم عن تلك اللمحة، وليس بكبير فائدة أن يعلموا أن الرجل كان يعلم الحق ويخفيه. والله المستعان. ومن الناس من ليس من أهل التحقيق، ولا هيئ للهجوم على الحقائق، وقد تدرب في كلام الناس، وعرف أوائل الأبحاث، وحفظ كثيراً من غثاء ما حصلوه ولكن أرواح الأبحاث بينه وبينها حائل، وقد يكون ذلك لقصور الهمة والاكتفاء والرضا عن السلف لوقعهم في النفوس. وهؤلاء هم الأكثرون عدداً، والأرذلون قدراً، فإنهم لم يحظوا بخصيصة الخاصة، ولا أدركوا سلامة العامة، فالقسم الأول من الخاصة مبتدعة قطعاً، والثاني ظاهره الابتداع، والثالث له حكم الابتداع. ومن الخاصة قسم رابع ثلة من الأولين، وقليل من الآخرين، أقبلوا على الكتاب والسنة وساروا بسيرها، وسكتوا عما سكتا عنه، وأقدموا وأحجموا بهما وتركوا تكلف مالا يعنيهم، وكان تهمهم السلامة، وحياة السنة آثر عندهم من حياة نفوسهم، وقرة عين أحدهم تلاوة كتاب الله تعالى، وفهم معانيه على السليقة العربية والتفسيرات المروية، ومعرفة ثبوت حديث نبوي لفظاً وحكماً. فهؤلاء هم السنية حقاً، وهم الفرقة الناجية، وإليهم العامة بأسرهم، ومن شاء ربك من أقسام الخاصة الثلاثة المذكورين، بحسب علمه بقدر بدعتهم ونياتهم. إذا حققت جميع ما ذكرنا لك، لم يلزمك السؤال المحذور وهو الهلاك على معظم الأمة، لأن الأكثر عدداً هم العامة قديماً وحديثاً، وكذلك الخاصة في

стр. 1859

الأعصار المتقدمة، ولعل القسمين الأوسطين، وكذا من خفت بدعته من الأول، تنقذهم رحمة ربك من النظام في سلك الابتداع بحسب المجازاة الأخروية، ورحمة ربك أوسع لكل مسلم، لكنا تكلمنا على مقتضى الحديث ومصداقة، وأن أفراد الفرق المبتدعة وإن كثرت الفرق فلعله لا يكون مجموع أفرادهم جزءا من ألف جزء من سائر المسلمين: فتأمل هذا تسلم من اعتقاد مناقضة الحديث لأحاديث فضائل الأمة المرحومة ". قلت: وهذا آخر كلام الشيخ المقبلي ﵀، وهو كلام متين يدل على علم الرجل وفضله ودقة نظره، ومنه تعلم سلامة الحديث من الإشكال الذي أظن أنه عمدة ابن الوزير ﵀ في إعلاله إياه. والحمد لله على أن وفقنا للإبانة عن صحة هذا الحديث من حيث إسناده، وإزالة الشبهة عنه من حيث متنه. وهو الموفق لا إله إلا هو. ثم وقفت على كلام لأحد الكتاب في العصر الحاضر ينكر في كتابه " أدب الجاحظ " (ص ٩٠) صحة هذا الحديث للدفاع عن شيخه الجاحظ! فهو يقول: " ولو صح هذا الحديث لكان نكبة كبرى على جمهور الأمة الإسلامية؛ إذ يسجل على أغلبيتها الخلود في الجحيم ولو صح هذا الحديث لما قام أبو بكر في وجه مانعي الزكاة معتبرا إياهم في حالة ردة ... " إلى آخر كلامه الذي يغني حكايته عن تكلف الرد عليه، لوضوح بطلانه لاسيما بعد قراءة كلام الشيخ المقبلي المتقدم. على أن قوله " الخلود في الجحيم " ليس له أصل في الحديث، وإنما أورده الكاتب المشار إليه من عند نفسه ليتخذ ذلك ذريعة للطعن في الحديث. وهو سالم من ذلك كله كما بينا والحمد لله على توفيقه. "الصحيحة" (١/ ١/٤٠٤، ٤٠٨ - ٤١٤).

стр. 1860

[٥٩٠] باب قبول توبة الكافروإزلة إشكالات حول ذلك [قال رسول الله ﵌]: «إن الله ﵎ لا يقبل توبة عبد كفر بعد إسلامه». [قال الإمام]: أخرجه أحمد (٤/ ٤٤٦ و٥/ ٢ و٣) من طريق أبي قزعة الباهلي عن حكيم بن معاوية عن أبيه قال: قال النبي ﵌: فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات، واسم أبي قزعة سويد بن حجير. وفي لفظ له: " لا يقبل الله من أحد توبة أشرك بعد إسلامه ". وتابعه عليه بهز بن حكيم عن أبيه به، إلا أنه قال: " عملا " مكان: " توبة ". أخرجه أحمد (٥/ ٥). قلت: وبهز ثقة حجة، لاسيما في روايته عن أبيه، وفيها ما يفسر رواية أبي قزعة، ويزيل الإشكال الوارد على ظاهرها، فهي في ذلك كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ (آل عمران: ٩٠). ولذلك أشكلت على كثير من المفسرين، لأنها بظاهرها مخالفة لما هو معلوم من الدين بالضرورة من قبول توبة الكافر، ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى قبل الآية المذكورة: [كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم] إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين، خَالِدِينَ فِيهَا ... ﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيم﴾ (آل عمران: ٨٧ - ٨٩) فاضطربت أقوال المفسرين في التوفيق بين الآيتين، وإزالة الإشكال على أقوال كثيرة لا مجال لذكرها الآن، وإنما أذكر منها ما تأيد برواية بهز هذه، فإنها كما فسرت رواية أبي قزعة فهي أيضا تفسر الآية وتزيل الإشكال عنها. فكما أن معنى قوله في الحديث: «لا يقبل توبة عبد كفر بعد إسلامه»، أي توبته من ذنب في أثناء

стр. 1861

كفره، لأن التوبة من الذنب عمل، والشرك يحبطه كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (الزمر: ٦٥) فكذلك قوله تعالى في الآية: ﴿لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾، أي من ذنوبهم، وليس من كفرهم. وبهذا فسرها بعض السلف، فجاء في " تفسير روح المعاني " للعلامة الآلوسي (١/ ٦٢٤) ما نصه بعد أن ذكر بعض الأقوال المشار إليها: " وقيل: إن هذه التوبة لم تكن عن الكفر، وإنما هي عن ذنوب كانوا يفعلونها معه، فتابوا عنها مع إصرارهم على الكفر، فردت عليهم لذلك، ويؤيده ما أخرجه ابن جرير (١) عن أبي العالية قال: هؤلاء اليهود والنصارى كفروا بعد إيمانهم، ثم ازدادوا كفراً بذنوب أذنبوها، ثم ذهبوا يتوبون من تلك الذنوب في كفرهم، فلم تقبل توبتهم، ولو كانوا على الهدى قبلت، ولكنهم على ضلالة ". قلت: وهذا هو الذي اختاره إمام المفسرين ابن جرير رحمه الله تعالى، فليراجع كلامه من أراد زيادة تبصر وبيان. "الصحيحة" (٦/ ١/٩٩ - ١٠١). [٥٩١] باب منه "كان رجلٌ من الأنصار أسلمَ؛ ثم ارتدَّ ولَحِقَ بالشركِ؛ ثم تَنَدَّمَ، فأرسل إلى قومِهِ: سَلُوا رسول الله ﵌: هل له من توبةٍ؟ فجاء قومُهُ إلى رسول الله ﵌ فقالوا: إنَّ فلاناً قد نَدِمَ، وإنّه أمَرَنا أن نسألك: هل له من توبةٍ؟ فنزلت: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ... ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِيم﴾ (آل عمران:٨٦ - ٨٩)، فأرسل إليهِ [قومُه]؛ فأَسلَم".

стр. 1862

[قال الإمام]: ولتمام الفائدة لا بد من ذكر الآيات الأربع بتمامها، وهي في (آل عمران:٨٦ - ـ٨٩): ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين، أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين، خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُون، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيم﴾. ولا ينافي ذلك قوله تعالى بعدها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّآلُّون، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِين﴾ (آل عمران:٩٠، ٩١). ذلك؛ لأن المقصود: لن تقبل توبتهم عند الممات كما قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (النساء:١٨). قاله الحافظ ابن كثير. "الصحيحة" (٧/ ١/١٨٤، ١٨٦ - ١٨٧). [٥٩٢] باب الفرق بين الإقرار والاستحلال، وهل يكفر المقر والمستحل وبيان الفرق بين الكفر العلمي والاعتقادي سؤال: ما الفرق بين الإقرار والاستحلال؟ الشيخ: عفواً الإقرار والاستحلال؟ الملقي: والاستحلال.

стр. 1863

الشيخ: في فرق كبير جداً، الإقرار أن يرى الشيء ويقره واقعياً، ولكن قد يكون في قرارة قلبه غير مقر بهذا الذي أقره. مثلاً: قوله ﵇: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (١)، فإذا وقع منكر بين يديه ما أنكره بيده ولا أنكره بلسانه إذاً هذا يمكن أن يقال في الظاهر إنه أقر ذلك نعم. السائل: ما الفرق بين الإقرار والاستحلال؟ وهل يحكم فيهما جميعاً على المعين بعد إقامة الحجة بالكفر؟ تتمة السؤال السابق. الشيخ: نحن قلنا إن الكفر نوعان كفر اعتقادي وكفر عملي، والكفر الاعتقادي لا سبيل لمعرفته إلا بأن يعرب الذي صدر منه الكفر عن كفره بلسانه، أما أن نحكم عليه بما صدر منه من عمله [الذي] هو موصوف بأنه كفر في الشرع فهذا لا يلزم منه أن نصفه بأنه كفر باطناً، كما كفر ظاهراً، وكنت آنفاً وأنا أتحدث عن موضوع التعبير عن الفرقة الناجية وعن الطائفة المنصورة بالعبارة المتداولة اليوم ومنذ مئات السنين أهل السنة والجماعة، كنت أتحدث بأن الإسلام من كماله أنه جاء لإصلاح الظواهر والبواطن، لم يأت فقط الإسلام لإصلاح البواطن دون الظواهر، وإنما عني بإصلاح الأمرين كليهما، والسبب في هذا واضح جداً لمن له عناية خاصة بتتبع كثير من الأحكام الشرعية التي تنص على ارتباط الباطن بالظاهر وارتباط الظاهر بالباطن، من ذلك مثلاً حديث النعمان بن بشير المتفق عليه بين الشيخين وهو حديث فيه بعض الطول، وفيه يقول الرسول ﵊: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد

стр. 1864

كله؛ ألا وهي القلب»، وكما جاء أيضاً في الصحيح أن النبي ﵌ كان من هديه حينما يقوم ليصلي إماماً بأصحابه أن يأمرهم بتسوية الصفوف ويرهبهم ويخيفهم أن لا يُخلُّوا بشيء من تسوية الصفوف بمثل قوله ﵇: «لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم»، فالاختلاف في تسوية الصف أمر ظاهري اعتبره الشارع الحكيم سبباً لاختلاف القلوب، فإذاً الظاهر مربوط بالباطن، وهذه حقيقة عليها أدلة كثيرة جداً من الشريعة الإسلامية كتاباً وسنة، والذي أريد أن أصل إليها هو أن الألفاظ يجب الاهتمام بها؛ لأنها من الأمور الظاهرة، وأن لا نقول كما يقول بعض الجهلة: يا أخي العبرة بما في القلب؛ لا، قد سمعنا آنفاً أنه إذا صلح القلب صلح البدن، صلح الباطن صلح الظاهر، صلح الظاهر صلح الباطن، فسبحان الذي ربط الظاهر بالباطن فكل منهما يمد الآخر إمداداً عجيباً غريباً جداً، ما تدري آلقلب ينصلح قبل الظاهر؟ أم الظاهر قبل الباطن فهما متشابكان تمام التشابك. فالشاهد نريد أن نقول بأن الكفر قد يكون لفظاً وقد يكون قلباً، ومن الأحاديث المشهورة في الكفر اللفظي دون الكفر القلبي أنه كما جاء في مسند الإمام أحمد ﵀، بالسند الصحيح عن عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي ﵌ خطب في أصحابه يوماً فقام رجل من أصحابه ليقول له: ما شاء الله وشئت يا رسول الله، ما شاء الله وشئت، فغضب ﵇ وقال: «أجعلتني لله نداً؟ قل: ما شاء الله وحده»، وفي الحديث الآخر أن رجلاً رأى رؤيا في المنام أنه بينما كان يمشي في بعض طرق المدينة لقي رجلاً من اليهود، قال له: نعم القوم أنتم معشر اليهود لولا أنكم تشركون بالله، فتقولون: عزير ابن الله، فأجابه اليهودي بقوله: ونعم القوم أنتم معشر المسلمين لولا أنكم تشركون بالله، فتقولون: ما شاء الله وشاء محمد، ثم مضى، فلقي رجلاً من النصارى فقال له: نعم القوم أنتم معشر

стр. 1865

النصارى لولا أنكم تشركون بالله فتقولون: عيسى ابن الله، فقال النصراني للمسلم: ونعم القوم أنتم معشر المسلمين لولا أنكم تشركون بالله فتقولون: ما شاء الله وشاء محمد؛ فلما أصبح به الصباح جاء إلى النبي ﵌ وقص عليه الرؤيا، فقال له ﵇: «هل قصصتها على أحد»، قال: لا، فخطبهم ﵊ فقال لهم ما معناه: «طالما كنت أسمعكم تقولون كلمة فأستحي منكم؛ فلا يقولن أحدكم: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن ليقل: ما شاء الله وحده. أو: ما شاء الله ثم شاء محمد». الشاهد: في كل من الحديثين أن الرجل الأول حينما خاطبه الرسول ﵇ بقوله: أجعلتني لله نداً إنما يعني: جعله لله نداً لفظاً؛ لأنه لو جعله لله نداً قلباً لحكم عليه بالردة، ولفرق بينه وبين الزوجة، ولا بد من تجديد الإسلام والنكاح. لكن يعلم رسول الله ﵌ أن هذا الصحابي ما آمن بالله ورسوله إلا فراراً من الشرك، ولكن لم ينتبه لسوء اللفظ وسوء التعبير، الذي يدل على أن إرادة الله مقرونة بإرادة رسول الله، أو أن إرادة رسول الله مقرونة بإرادة الله، لو اعتقد إنسان هذا لَكَفَرَ ولا ريب، لكن ما خطر في باله هذا المعنى، ولذلك اكتفى ﵊ بالإنكار اللفظي أيضاً؛ لأن الرجل إنما وقع في الكفر اللفظي، ولم يقع في الكفر القلبي؛ لذلك اكتفى ﵇ بأن ينكر عليه لفظاً، الرجل الذي رأى تلك الرؤيا في المنام، فيها أن الرسول قال له: «هل قصصت على أحد؟» قال: لا، قال مخاطباً لأصحابه، كان يسمعهم يقولون هذه الكلمة فيستحي منهم، لو كان يعلم أنهم يقولونها قاصدين وهو الشرك بعينه لما استحيا منهم، لكن لما كان قد لاحظ ﵊ أنهم على جاهليتهم السابقة من التهاون في التعبير كما ذكرنا آنفاً أن أحدهم كان يقول: لقست نفسي، خبثت نفسي، فأصلح ذلك الرسول منهم، وقال: «ليقول: لقست نفسي»، كذلك كانوا يستعملون مثل هذه العبارات حتى فيما يتعلق بذات الله ﵎، فهنا الآن الإقرار والاستحلال، كلٌ من

стр. 1866

الأمرين قد يكون عملياً وقد يكون قلبياً، الاستحلال يقول الرسول ﵇ في حديث البخاري الصحيح، وإن كان صورته عند بعض المحدثين صورة الحديث المعلق: «ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر، والحرير، والخمر، والمعازف، يمسون في لهو ولعب، ويصبحون وقد مسخوا قردة وخنازير» (١)، هذا الاستحلال يمكن أن يقع من هؤلاء الممسوخين استحلالاً اعتقادياً، وهذا هو الظاهر لشدة العقوبة التي يخبر الرسول ﵇ عنها في هذا الحديث، ويمكن أن يكون استحلالاً قلبياً، وكل عاصٍ لا بد له من استحلال على وجه من الوجهين المشار إليهما، كل عاصٍ الذي يشرب الخمر، والذي يسرق، والذي يزني، والذي يأكل الربا، كل هؤلاء بلا شك فساق وعصاة وبعض هذه الأمور من أكبر الكبائر كما جاء في بعض الأحاديث الصحيحة، فهل هؤلاء يحكم عليهم أنهم كفار؛ لأنهم استحلوا ارتكاب ما حرم الله ؟ الجواب: لا، لا نقول هذا، ولا نقول خلافه، وإنما لابد من التفصيل، من واقع شيئاً من هذه المحرمات، وهو يعترف بمخالفته لربه فهو كفره كفر عملي، ومن يستحل ذلك قلباً وقالباً فكفره كفر اعتقادي، هكذا يقال عن الشخص يقر المعصية أي لا ينكر، أو يستحلها عملياً في نفسه، فإما أن يكون هذا الإقرار وذاك الاستحلال قلباً فهو الكفر بعينه، أو بدناً فهو الكفر دون كفر، كما صح عن ابن عباس. الملقي: قلتم بأن القلب يعكس على الظاهر، وأنهما توأمان، والنبي ﵌ يقول: «الحياء والإيمان قرنا جميعاً، فإذا نزع أحدهما نزع الآخر» (٢)، فإذا كان إنسان بظاهر أعماله يدل على الكفر عملاً فكيف نوفق يعني إذا كيف نقول بأنهما قرنا

стр. 1867

جميعاً، وأنهما قالباً واحداً، والآن نقول كفر عملي واعتقادي بارك الله فيكم. الشيخ: نحن ما نقول اجتهاداً كفر عملي وكفر اعتقادي، هذا لا بد لكل مسلم أن يعتقد كذلك، أما الحديث الذي أنت تعني تنزع إليه أو تستدل به فليس فيه ما ينافي هذا التفصيل الذي ذكرناه آنفاً، ولا علمت أحداً من العلماء يقول بأن هذا الحديث يقطع بأن مرتكب المعصية هو كافر قلبياً، وهذا معلوم أنه مذهب الخوارج، قديماً والإباضية منهم حديثاً، فلا يمكن لمسلم إلا أن يقع في معصية، فإذا فهمت أن هذا الحديث يعني خلاف هذه الحقائق التي لا يسع المسلم إلا أن يعترف بها، معنى ذلك أنه لا يبقى على وجه الأرض مسلم؛ لأنه لا عصمة لأحد بعد رسول الله ﵌. يعني مثلاً قصة الإفك العظيمة الخطيرة هذه، لما الرسول ﵌ وصله خبر بعض المنافقين الذين أشاعوا الفاحشة كان موقفه من عائشة ليس موقف المتصل بوحي السماء وهو متصل بذلك دائماً إلا ما شاء الله، إنما كان ينتظر من السماء الخبر اليقين، كان موقفه موقف أي بشر، الشاهد من هذه القصة أنه أخذ يسأل الرسول ﵇ من له صلة بالسيدة عائشة من النساء والجواري والأقارب كعلي .. إلى آخره، الشاهد أن الرسول دخل عليها فقال: يا عائشة، إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله، فهل معنى ذلك لو أنها لا سمح الله وقعت في الفاحشة أنها ارتدت عن دينها، الجواب لا، إذاً أوِّل حديثك بأي تأويل لا يتنافى مع الأساطين هذه من الحقائق الشرعية التي لا خلاف بين المسلمين إلا الغلاة من الخوارج الذين يكفرون المسلم بارتكاب كبيرة من الكبائر. وأنا أنصح بهذه المناسبة أن المتمسكين اليوم أو الذين يدعون التمسك

стр. 1868

بالكتاب والسنة عليهم أن يفهموا الكتاب والسنة على ما كان عليه سلفنا الصالح، وفي مقدمتهم عبد الله بن عباس ترجمان القرآن الذي كان له الفضل في تفتيح أذهان المسلمين لهذه الحقيقة الشرعية أن هناك كفر دون كفر، فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤)، الواقع يشهد أن كثيراً ممن يحكمون سواءً كان حكمهم على أنفسهم أو على شعبهم أو على أمتهم، إنهم لا بد أن يكون كفرهم إما كفراً خروجاً عن الملة أو كفراً دون كفر، ذلك لما أشرت إليه آنفاً أن ما منا من أحد إلا وهو يعصي الله ، فهل نتصور أن كل عاص لا بد أن يكون كافراً كفر ردة، وهو في نفسه يعترف بأنه عصى الله، أو عصى رسول الله، يعترف في هذه الحقيقة وقد يستغفر حينما يستيقظ من غفلته هذا لا يقال إنه كفر كفر ردة، وإنما كفر كفراً دون كفر كما قالها عبد الله بن عباس، لهذا يجب أن نأخذ عقيدتنا من سلفنا الصالح؛ لأنهم هم الذين فهموا كتاب الله، وسنة رسول الله ونقلوا هذه المفاهيم الصحيحة إلينا، فلا يجوز لمسلم أن يركب رأسه اليوم لا سيما إذا كان في ابتداء طلبه للعلم، ويقول: أنا أفهم من آية كذا أنه هؤلاء الحكام مثلاً كلهم كفار مرتدون عن دينهم، وأنه يجب الخروج عليهم، وهو لا يستطيع الخروج على أهله، مش يخرج على الحكام، فعلى هذا ينبغي أن نفهم هذا الموضوع. الملقي: شيخنا بارك الله فيكم، أيضاً بس يعني شبهة في هذا الموضوع: لو كان هذا الإنسان يرتكب الكفر العملي هذا دأبه، أيضاً هذا يشمله أن لا نستطيع بأن نقول إنه كافر؟ الشيخ: نعم هو كذلك.

стр. 1869

الملقي: لأنه مرتبط القلب مع الظاهر. الشيخ: نعم لا نستطيع. الملقي: جزاكم الله خير. الشيخ: إلا إذا عبر بلسانه كما قلت آنفاً. الملقي: بارك الله فيكم. الشيخ: والآن المسألة واضحة، رجل يقضي بالشرع مش بالقانون، لا بالنظم المستوردة، قاض يحكم بـ قال الله قال رسول الله، لكن في حكومةٍ ما اتبع هواه، أعطى الحق لغير أهله، هذا حكم بما أنزل الله؟ الملقي: لم يحكم. الشيخ: طيب، ماذا نقول فيه؟ ارتد عن دينه. الملقي: لا. الشيخ: ما ارتد عن دينه؟ الملقي: لا .. الشيخ: لا أنا ما أقول هكذا، انتبه. الملقي: إن كان وإن كان. الشيخ: أيوه، بارك الله، ماشي، طيب، نفترض الآن من شان أتوصل للإجابة عن سؤالك، إنه هذا الذي يتكرر منه المعصية ومخالفة الشرع، فزيد من الناس ممن يحكمون عادة بالكتاب والسنة، في حكومة ما حكم بغير الشرع، نقول: إن

стр. 1870

استحل ذلك قلباً فقد كفر وارتد عن دينه، وإلا فكفره كفر دون كفر، إذا كان من هذا النوع الثاني، هذا القاضي كان حكمه الأول من النوع الثاني، أي: لم يرتد عن دينه؛ لأنه كفره كان كفراً عملياً، مرة أخرى بعد مسافة طويلة قصيرة مش مهم، مرة أخرى في قضية أخرى أيضاً اتبع هواه، وحكم بغير ما أنزل الله، أنقول إنه قد ارتد؟ الملقي: لا. الشيخ: طيب، أنقول: لم يرتد؟ هاه انتبه. الملقي: نركب القاعدة: كفر دون كفر. الشيخ: هذا هو. الملقي: جزاكم الله خيراً. الشيخ: هذا هو. طيب تصور بقى انته مهما تكرر هذا الفعل منه، الجواب لا يختلف أبداً، فإذاً لا فرق بين لم يتكرر، وبين تكرر، لا فرق بين تكرر قليلاً أو كثيراً، الضابط هو أن يستحل ذلك بقلبه أو لا؟ فمهما كان الحكم كثيراً، وهو في قرارة نفسه يقول: يا رب اغفر لي، فهذا ليس كافراً، هذا فاسق، هذا عاص لله ، في حكم واحد قال: يا أخي الزمن تغير والإسلام ما عاد يصلح للحكم إلى آخره، حكم واحد كفر وارتد عن دينه؛ لماذا؟ لأنه استحل مخالفة الشرع بقلبه. الملقي: كيف يحكم الناس عليه إن لم يقل؟ الشيخ: نحن الآن لسنا بارك الله فيك في صدد الناس، نحن في صدد من هو الكافر عند الله ، قد يكون هو كافر عند الله، ولا تستطيع أنت أن تحكم عليه بأنه كافر.

стр. 1871

مداخلة: كحال المنافقين. الشيخ: هذا هو، ففي الإسلام الأول كان هناك منافقون. مداخلة: لعل الصورة أيضاً تزداد وضوحاً شيخنا. الشيخ: نعم. الملقي: إذا قلنا بأن رجلاً كافراً هو قاض من القضاة، ويقضي في الناس، وهذا الرجل أعجبه أن يقضي بنظام الإسلام أو بقضاء الإسلام، ولكنه كافر نصراني مثلاً، الشيخ: ما يفيده شيء الملقي: فأعجبه أن يقضي بنظامه فهل يصبح مثلاً هذا ينفعه. الشيخ: أبداً. الملقي: في شبهة يا شيخ. الشيخ: اسمعونه. الملقي: هي التي يعني يدندنون لها يقولون: فرق بين من قضى في قضية لهواه، وبين من نسف الشريعة جملةً وتفصيلاً، وجعل بدلاً منها القوانين. الشيخ: نعم. الملقي: هذا بدل الدين. وأما هذا لا. الشيخ: نعم، أنا لا أزال أقول: هذا الذي بدل إذا صح هذا التعبير، أي أقام القوانين مقام الشريعة الإسلامية كلها، تبنى القانوني الفرنسي أو السويسري أو أو إلى آخره، وأعرض عن الإسلام بالكلية، الجواب: هو ما سبق تماماً، إن كان يتبنى ذلك استحلالاً قلبياً وليس اتباعاً لهوىً، مثلاً محافظة على الكرسي، محافظة على

стр. 1872

السلطة وعلى الرياسة وو ونحو ذلك، لكن الله يعلم منه بأنه في قرارة قلبه يعترف بأنه مخطئ، نحن الآن أخونا أبو فارس آنفاً خلط شيئاً بشيء، نحن الآن بحثنا فيما يتعلق بإيمان المرء وكفره، وحسابه عند ربه، من هو الكافر عند الله، ومن ليس بالكافر سبق الكلام؟ الملقي: نعم. الشيخ: الآن الصورة التي تفضلت بها آنفاً، وهي شبه تذكر حقيقة، نحن نقول الحديث صريح: أفلا نقاتلهم؟ قال: «لا، ما لم تروا كفراً بواحاً»، إذاً هؤلاء لو فرضنا أنهم في قرارة نفوسهم كفرهم كفر عملي وليس اعتقادي، لكن منعوا الناس من الصلاة والاجتماع في المساجد، وإقامة شعائر الدين والزكاة ونحو ذلك، هذا كفر بواح لنا أن نقاتلهم وحسابهم. الملقي: إلى الله. الشيخ: إلى الله، إذاً في فرق بين بين منزلة هذا الذي يحكم بغير ما أنزل الله عند الله فيأتي التفصيل السابق، أما من حيث لنا الخروج على هؤلاء الحكام أو ليس لنا الخروج، الجواب في الحديث، «ما لم تروا كفراً بواحاً»، فإذا رأينا هذا الكفر جاز لنا الخروج، لكن نحن نقول هنا: يجوز الخروج كما يجب الجهاد اليوم يجوز الخروج كما يجب الجهاد فهل نحن نجاهد اليوم؟ الجواب: لا، فهل إذا كنا لا نقوم بما يجب؟ هل نقوم بما يجوز؟ الملقي: لا. الشيخ: من باب أولى، لماذا لا نجاهد وهو فرض واجب علينا؛ لأننا لا نستطيع؛ إذاً نستطيع أن نخرج، نستطيع أن نخرج على حكامنا وهنا اليهود

стр. 1873

بجوارنا؟! فإذاً يجب الفصل تماماً بين الحكم على شخص أو أشخاص بأنهم كفار عند الله فالضابط هو الاستحلال القلبي أو العملي، وبين هل لنا الخروج على هؤلاء الذين ظهر منهم الكفر البواح؟ الجواب: نعم لنا الخروج، لكن من الذي يخرج؟ هو الذي يجاهد، من الذي يجاهد؟ هو الذي يستطيع الجهاد ويعد العدة ويتخذ الأسباب التي نتكلم عنها دائماً وأبداً. فإذاً هنا لا يجوز الخلط بين هذا وبين هذا. الملقي: إذاً صار الخروج ليس أسلوباً شرعياً. الشيخ: نعم؟ الملقي: إذاً صار الخروج ليس أسلوباً شرعياً. الشيخ: راح يكون كذلك. الملقي: نعم. الشيخ: لأنه. مداخلة: وكذلك نستطيع نقول أن نقول يا شيخنا بارك الله فيكم أن الكفر البواح هو كمنعهم قيام الصلاة. الشيخ: أي نعم. الملقي: بارك الله فيكم. الشيخ: لكن أنا أدندن: لا يصلح أن يكون هذا عذراً مسوغاً لكثير من المسلمين المتحمسين الذين يخالفون الحكمة التي نكررها في كثير من المجالس وهي: من استعجل الشيء قبل أوانه؛ ابتلي بحرمانه، هذا مأخوذ من حديث:

стр. 1874

«ولكنكم قوم تستعجلون» (١)، ولذلك فلا يجوز الاستعجال للقيام بما فرض الله من الجهاد قبل اتخاذ العدة الواجبة، سواءً كانت معنوياً أو مادياً. الملقي: بقي نقطة واحدة. الشيخ: تفضل. الملقي: هل يجب علينا أن نعتقد أن هذا القانون كفر أكبر، بحيث تعامل هذه الدولة على أنها ليست دولة إسلام؟ أو أنه كفر دون كفر كما تفضلت. الشيخ: هو كذلك. كفر دون كفر، خاصة إذا كان كما جاء في السؤال في أحكام شرعية في أحكام قانونية غير شرعية. الملقي: آه. مداخلة: شيخنا بارك الله فيكم، لو كان تبين للمسلمين أن هذا العمل الذي يعني يحق للمسلمين الخروج على حاكمهم أنه كفر اعتقادي؛ فكيف يكون خروجهم؟ بتنسيق مع العلماء مثلاً، كيف يكون الخروج يا شيخنا بارك الله فيك؟ الشيخ: الخروج بإعداد العدة للجهاد، فمن كان مستعداً للجهاد يخرج هذا الخروج وإلا فلا. "الهدى والنور" (٧٥١/ ٤٠: ٤٩: ٠٠) و (٧٥٢/ ١٥: ١١: ٠٠) و (٧٥٢/ ٣١: ١٥: ٠٠) و (٧٥٢/ ١٠: ١٨: ٠٠) و (٧٥٢/ ٢٤: ٢٠: ٠٠)

стр. 1875

[٥٩٣] باب تعريف الإلحاد وبيان حُكْمِهِ سؤال: ما هو الإلحاد وما حكمه في الدين؟ الشيخ: الإلحاد هو إنكار الدين. مداخلة: وحكمه؟ الشيخ: حكمه الخلود في نار جهنم. "الهدى والنور" (٧٦٣/ ٣٧: ٢٠: ٠٠) [٥٩٤] باب تعريف دار الكفر ودار الإسلام سؤال: ما هو تعريف بلاد إسلام وبلاد كفر، وكيف تصير بلاد الإسلام بلاد كفر والعكس؟ الشيخ: هذه مسألة بلا شك عالجها الفقهاء المتقدمون، واختلفوا كما هو شأنهم في كثير من المسائل، ولم يستطيعوا أن يضعوا جواباً حاسماً للخلاف يمكن الاطمئنان إليه والاعتماد عليه، وأنا أقول: أي إقليم يغلب عليه المسلمون ولو كان حكامهم لا يحكمون بما أنزل الله كلاًّ أو بعضاً فذلك لا يضر ولا يخرج ذلك الشعب عن كونه شعباً مسلماً، ولا يجوز مقاتلته فيما لو كان هناك دولة إسلامية، لأنها أو لأنهم إذا دعوا إلى الإسلام فسوف يستجيبون له وينقلبون تماماً مع ذلك الداعي المسلم على الحكومة التي تحكم فيهم بغير ما أنزل الله، فإذاً: نحن لا نجعل الشعب المسلم بسبب حكم حكامهم بغير ما أنزل الله أنها غير إسلامية وأنه يجوز مقاتلتهم وفرض الأحكام التي تترتب على دار الحرب وليس على دار السلم.

стр. 1876

هذا الذي نعتقده وندين الله تعالى به، والله أعلم لأنني قلت تحدثوا قديماً في هذه المسألة، وما ذكروا دليلاً حاسماً للموضوع، لكننا نحن نعلم الآن أن حَدِّثوا ما شئتم عن أي بلد، فالشعب الجزائري شعب مسلم، الشعب السوري شعب مسلم، الشعب الأردني كذلك وقيسوا على ذلك إلخ، لكن القوانين التي تطبق عليهم الكثير منها أو أكثرها هي ليست إسلامية، ذلك لا يجعل هذه الشعوب غير مسلمة تماماً كما قلت آنفاً، حزب البعث في سوريا لا يجعل المسلمين بعثيين، حزب البعث في العراق لا يجعل العراقيين غير مسلمين، ولذلك نفرق نحن بين الحاكم وبين المحكومين، وحينما نقول: يجب مناصرة الشعب العراقي فذلك لا يعني مطلقاً ... أنه يجب مناصرة الحزب البعثي أو مناصرة رئيس حزب البعث، ذلك لا يعني أنه يجوز مناصرته، لكن الشعب هو الذي يجب مناصرته. السائل: سؤالي بالضبط ليس هكذا، نحن نريد أن نعرف وأنا شخصياً قرأت أن ابن القيم ﵀ رجح قول الجمهور على أن الدار التي تعلوها -إن كان صحيح- تعلوها أحكام إسلامية فهي دار إسلام، وقد استدلوا بخيبر خيبر أهلها كلهم أهل ذمة، وعندما النبي ﵌ أَمَّرَ صحابة فأصبحت دار إسلام، لأنه تعلوها أحكام إسلامية، أما الدار التي تجري عليها نحن نعرف أن الأحكام التي تجري الآن هي اشتراكية أو قوانين وضعية، فالأحكام الدار التي تجري عليها الأحكام الوضعية هل هي دار إسلام أم دار كفر بغض البصر عن الشعوب؟ ... الشيخ: أنا أظن أجبت عن هذا فيما سبق آنفاً ولابد فيما يبدوا من الإعادة، ماذا يترتب من الأحكام حينما نقول: هذه الدار حرب ونقول: هذه دار إسلام، هذه دار حرب ما الذي يترتب عليها من الأحكام، أليس أول ذلك مقاتلتها؟

стр. 1877

السائل: نعم. الشيخ: أنا تعرضت للجواب عن هذا الإشكال أو هذا السؤال، عندما قلت: لو كان هناك دولة مسلمة تطبق شريعة الله، فهل تقاتل الشعب الجزائري أو السوري؟ قل لي بناء على ما ذكرت من النقل عن ابن القيم وابن تيمية. السائل: أعد بارك الله فيك. الشيخ: أقول: إذا قلت آنفاً وأعيد ما قلته آنفاً: إذا كان فرضنا أنه يوجد أو سيوجد يوماً ما - وهذا لابد منه - دولة تحكم بما أنزل الله، هل هذه الدولة هي ستقاتل الشعب السوري ويصل إلى كل الشعوب الأخرى التي على البحر المتوسط ومنها الجزائر ومنها ليبيا وما أدراك ما ليبيا وتونس وما أدراك ما تونس هل هذه الشعوب إسلامية أم غير إسلامية؟ الجواب: إسلامية، هل هذه الدول تحكم بما أنزل الله؟ الجواب: لا، فإذاً: هذه الدولة التي افترضناها أنها ستكون تحكم بما أنزل الله تقاتل هذه الشعوب المسلمة؟ السائل: ولكن يا شيخ .. الشيخ: لا لا عفواً، أنت لا يخفاك قولي، «ولكن» للاستدراك، على ماذا تستدرك؟ ما قلت شيئاً لتستدرك عليه أنت، فأنت أجب على سؤالي. ءالسائل: أي نعم سأجيب على سؤالك إن شاء الله. الشيخ: تفضل. السائل: يا شيخ الآن نحن عند عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يحكموننا بالظاهر.

стр. 1878

الشيخ: ما أجبتني. يا شيخ أنت قل: نعم قل: لا، ثم اشرح ما شئت. السائل: لا يا شيخ، بطبيعة الحال لا يقاتلون الشعوب الإسلامية. الشيخ: لكن هذا هو لازم القول الذي نقلته آنفاً، ولذلك أنا أحرص أن يكون جواباً مختصراً حتى ما ندخل في متاهات نحن في غنى عنها، فما دام تقول الآن: أن هذه الدولة التي تحكم بما أنزل الله لا تقاتل هذه الشعوب المسلمة، إذاً: كيف ينطبق عليها ذلك التعريف؟ والتعريف صادق فيها، أليس كذلك؟ التعريف الذي نقلته صادق منطبق على هذه الشعوب، لأن الذي عليهم من الحكام لا يحكمون بشريعة الإسلام، إذاً: كيف نوفق، صار فيه ناقض ومنقوض، صار فيه ليل ونهار، صار في حق وباطل، فلابد من التفريق بينهما. أنا أعتقد التفريق هو ما قلت لك آنفاً. "الهدى والنور" (٤٦٧/ ٣٠: ٤٦: ٠٠) [٥٩٥] باب في مصطلح «جاهلية القرن العشرين» [سئل الإمام]: تناول الداعية «سيد قطب» ﵀ مصطلحاً متداولاً بكثرة في إحدى المدارس الإسلامية التي يمثلها، ألا وهو مصطلح «جاهلية القرن العشرين». فما مدى الدقة والصواب في هذه العبارة؟ وما مدى التقائها مع الجاهلية القديمة وفقاً لتصوركم؟ فأجاب ﵀: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله آله وصحبة ومن والاه وبعد:

стр. 1879

الذي أراه أن هذه الكلمة «جاهلية القرن العشرين» لا تخلو من مبالغة في وصف القرن الحالي "القرن العشرين" فوجود الدين الإسلامي في هذا القرن، وإن كان قد دخل فيه ما ليس منه يمنعنا من القول بأن هذا القرن يمثل جاهليةً كالجاهلية الأولى. فنحن نعلم أن الجاهلية الأولى، إن كان المعني بها العرب فقط فهم كانوا وثنيين وكانوا في ضلال مبين، وإن كان المعني بها ما كان حول العرب من أديان كاليهودية والنصرانية فهي أديان محرفة، فلم يبق في ذلك الزمان دين خالص منزه عن التغير والتبديل، فلا شك في أن وصف الجاهلية على ذلك العهد وصف صحيح، وليس الأمر كذلك في قرننا هذا ما دام أن الله ﵎ قد مَنَّ على العرب أولاً ثم على سائر الناس ثانياً بأن أرسل إليهم محمدًا ﵌ خاتم النبيين وأنزل عليه دين الإسلام وهو خاتم الأديان وتعاهد الله بحفظ شريعته هذه بقوله ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ونبيه ﵌ قد أخبر أن الأمة الإسلامية وإن كان سيصيبها شيء من الانحراف الذي أصاب الأمم من قبلهم في مثل قوله ﵌: «لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذارع، حتى لو دخلوا جحر ضرب لدخلتموه قالوا من هم يا رسول الله اليهود والنصارى؟ فقال ﵊ فمن الناس» (١) أقول وإن كان الرسول ﵌ قد أخبر بهذا الخبر المفيد أن المسلمين سينحرفون إلى حد كبير ويقلدون اليهود والنصارى في ذلك الانحراف لكن ﵊ في الوقت نفسه قد بشر أتباعه بأنهم سيبقون على خطة الذي رسمه لهم فقال ﵊ في حديث التفرقة: وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة قال ﵊ كلها في النار إلا واحدة، قالوا: «ما هي يا رسول الله» قال: «هي الجماعة»، وفي رواية قال «هي التي

стр. 1880

تكون على ما أنا عليه وأصحابي» وأكد ذلك، ﵊، في قوله في الحديث المتفق عليه بين الشيخين «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله» فإذن لا تزال في هذه الأمة جماعة مباركة طيبة قائمة على هدي الكتاب والسنة فهي أبعد ما تكون عن الجاهلية القديمة أو الحديثة، ولذلك فإن الذي أراه أن إطلاق الجاهلية على القرن العشرين فيه تسامح قد يوهم الناس بأن الإسلام كله قد انحرف عن التوحيد وعن الإخلاص في عبادة الله انحرافًا كلياً، فصار هذا القرن، القرن العشرين، كقرن الجاهلية الذي بُعث رسول الله ﵌ وصحبه إلى إخراجه من الظلمات إلى النور حينئذ، هذا الاستعمال أو هذا الإطلاق يحسن تقييده في الكفار أولاً الذين -كما قال تعالى في شأنهم - ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِاليَوْمِ الآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. وصف القرن العشرين بالجاهلية إنما ينطبق على غير المسلمين الذي لم يتبعوا الكتاب والسنة ففي هذا الإطلاق إيهام بأنه لم يبق في المسلمين خير، وهذا خلاف ما سبق بيانه من أحاديث الرسول ﵊ المبشرة ببقاء طائفة من الأمة على الحق ومن ذلك قوله ﵊ «إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء ... قالوا من هم يا رسول الله» جاء الحديث على روايات عدة في بعضها يقول الرسول ﵌ واصفاً الغرباء: «هم الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي من بعدي» (١) وفي رواية أخرى (٢)، قال عليه الصلاة

стр. 1881

والسلام: «هم أناس قليلون صالحون بين أناس كثيرين من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم» فلذلك لا يجوز هذا الإطلاق في العصر الحاضر على القرن كله لأن فيه - والحمد الله - بقية طيبة لا تزال على هدي النبي ﵌ وعلى سنته وستظل كذلك حتى تقوم الساعة. ثم إن في كلام سيد قطب ﵀ وفي بعض تصانيفه مما يشعر الباحث أنه كان قد أصابه شيء من التحمس الزائد للإسلام في سبيل توضيحه للناس. ولعل عذره في ذلك أنه كان يكتب بلغة أدبية؛ ففي بعض المسائل الفقهية، كحديثه عن حق العمل في كتاب «العدالة الاجتماعية» أخذ يكتب بالتوحيد وبعبارات كلها قوية تحيي في نفوس المؤمنين الثقة بدينهم وإيمانهم فهو من هذه الخلفية في الواقع قد جدّد دعوة الإسلام في قلوب الشباب وإن كنا نلمس أحياناً أن له بعض الكلمات تدل على أنه لم يساعده وقته على أن يحرر فكره من بعض المسائل التي كان يكتب حولها أو يتحدث فيها، فخلاصة القول: إن إطلاق هذه الكلمة في العصر الحاضر لا يخلو من شيء من المبالغة التي تدعو إلى هضم حق الطائفة المنصورة وهذا ما عنَّ في البال فذكرته. "حياة الألباني" (١/ ٣٩١ - ٣٩٤) [٥٩٦] باب قد تطلق الجاهلية ويراد النسبية عن عكرمة: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ (النبأ:٣٤). قال ملأى متتابعة. قال: وقال ابن عباس: سمعت أبي يقول في الجاهلية اسقنا كأسا دهاقا. رواه البخاري. [نقل الإمام شرح ابن حجر لقول ابن عباس "في الجاهلية" مقررًا فقال]:

стр. 1882

أي وقع سماعي لذلك منه في الجاهلية، والمراد بها جاهلية نسبية لا المطلقة، لأن ابن عباس لم يدرك ما قبل البعثة بل لم يولد إلا بعد البعث بنحو عشر سنين، فكأنه أراد أنه سمع العباس يقول ذلك قبل أن يسلم. "فتح". "مختصر صحيح البخاري" (٢/ ٥٣٢). [٥٩٧] باب كيف الجمع بين قوله تعالى: «لا إكراه في الدين» وقول النبي ﵌: «أمرت أن أقاتل الناس ... » السائل: بالنسبة لقول الله ﵎: ﴿لا إِكْرَاهَ في الدِّينِ﴾ (البقرة: ٢٥٦)، وقول النبي ﵌: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله»، فكيف نجمع بين الآية والحديث؟ الشيخ: ألا تعلم أن هناك ثلاثة أحكام في الشرع، إما الإسلام، وإما الجزية عن يد وهم صاغرون، وإما القتال، تعرف هذا؟ السائل: نعم، أعرف. الشيخ: فإذاً لا تقف عند حديث واحد, خذ الأحكام مجموعة من الأحاديث, فإذا كنت تعلم أن هناك جزية ومعنى ذلك أن الكافر يبقى على دينه, فلا يتعارض حينئذ مع قوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ في الدِّينِ﴾ (البقرة: ٢٥٦)، إنما يكره على دفع الجزية إذا اختار البقاء على دينه، واضح؟ السائل: نعم الشيخ: فإذاً، لا تعارض. "الهدى والنور" (٤٤٢/ ٤٨: ٢٨: ٠٠)

стр. 1883

[٥٩٨] باب تعريف المنافق وعلامات نفاقه [قال الإمام]: [المنافقون] هم الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام، وإنما يتبين كفرهم بما يترشح من كلماتهم في الغمز في بعض أحكام الشريعة واستهجانها، وزعمهم أنها مخالفة للعقل والذوق! وقد أشار إلى هذه الحقيقة ربنا ﵎ في قوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُم، وَلَوْ نَشَاء لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ في لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُم﴾ (محمد:٢٩، ٣٠) وأمثال هؤلاء المنافقين كثير في عصرنا، والله المستعان. "تلخيص أحكام الجنائز" (ص٤٨). [٥٩٩] باب هل يحكم على أعيان الناس الذين لا يشهدون صلاة الفجر أو العصر في جماعة بالنفاق ؟ سؤال: بالنسبة لمن يحكم على من يتخلف عن صلاة الفجر أو صلاة العصر بالنفاق، نفاقاً عينيًّا يعني يذكر أنت منافق بسبب عدم حضورك لهاتين الصلاتين، فما أدري يا شيخ حكم هذا مع نصيحتك لمن يعني يرمي؟ الشيخ: مع نصيحة لمن؟ مداخلة: لمن يرمي الأخ. الشيخ: طبعاً الحديث في ذلك يعني معروف في السنة أن صلاة العشاء وصلاة الفجر هي أشد الصلوات على المنافقين، لكن الحكم على زيد من الناس شخص معين بأنه منافق فلا نراه جائزاً، إلا إذا ثبت ثبوتاً جازماً بأنه لا عذر له،

стр. 1884

وحينئذ فلا تكون المعالجة بإطلاق لفظة المنافق عليه، وإنما بتذكيره وبنصيحته المرة بعد المرة والكرة بعد الكرة، فإذا تبين أنه لا يستجيب لتذكير المذكرين ولنصيحة الناصحين فلا شك والحالة هذه أنه يجوز أن يطلق عليه لفظ المنافق ما دام انتفى أن يكون له عذر شرعي، لأنه يدخل حينذاك في عموم قول الشاعر الفقيه، أو الفقيه الشاعر حيث قال: القدح ليس بغيبة في ستة ... متظلم ومعرف ومحذر ومجاهر فسقاً ومستفتٍ ومن ... طلب الإعانة في إزالة منكر هذا هو الجواب عن السؤال الأخير، والحمد لله رب العالمين. "الهدى والنور" (٣٠٧/ ١٧: ٠٣: ٠٠) [٦٠٠] باب الغناء ينبت النفاق في القلب [قال الإمام في معرض الكلام على حكمة تحريم الغناء]: ومن الآثار السلفية الدالة على حكمة التحريم: أولاً: عن ابن مسعود قال: «لغناء ينبت النفاق في القلب». [ثم بين الإمام صحة الأثر ثم قال]: وقد روي مرفوعاً إلى النبي ﵌ لكن في إسناده كذاب ولذلك خرجته في «الضعيفة» رقم (٦٥١٥). (فائدة): قال ابن القيم ﵀ عقب أثر ابن مسعود المتقدم (١/ ٢٤٨): فإن قيل: فما وجه إنباته للنفاق في القلب من بين سائر المعاصي؟ قيل: هذا من أدل شيء على فقه الصحابة في أحوال القلوب وأعمالها،

стр. 1885

ومعرفتهم بأدويتها وأدوائها، وأنهم هم أطباء القلوب دون المنحرفين عن طريقتهم، الذين داووا أمراض القلوب بأعظم أدوائها، فكانوا كالمداوي من السقم بالسم القاتل، وهكذا والله فعلوا بكثير من الأدوية التي ركبوها، أو بأكثرها، فاتفق قلة الأطباء، وكثرة المرضى، وحدوث أمراض مزمنة لم تكن في السلف، والعدول عن الدواء النافع الذي ركبه الشارع، وميل المريض إلى ما يقوي مادة المرض، فاشتد البلاء، وتفاقم الأمر، وامتلأت الدور والطرقات، والأسواق من المرضى، وقام كل جهول يطبب الناس. فاعلم أن للغناء خواص لها تأثير في صبغ القلب بالنفاق، ونباته فيه كنبات الزرع بالماء. فمن خواصه: أنه يلهي القلب ويصده عن فهم القرآن، وتدبره، والعمل بما فيه، فإن القرآن والغناء لا يجتمعان في القلب أبداً لما بينهما من التضاد؛ فإن القرآن ينهى عن اتباع الهوى، ويأمر بالعفة، ومجانبة شهوات النفوس، وأسباب الغي، وينهى عن اتباع خطوات الشيطان، والغناء يأمر بضد ذلك كله، ويحسنه، ويهيج النفوس إلى شهوات الغي، فيثير كامنها، ويزعج قاطنها، ويحركها إلى كل قبيح، ويسوقها إلى وصل كل مليحة ومليح، فهو والخمر رضيعا لبان، وفي تهييجهما على القبائح فرسا رهان، فإنه صنو الخمر ورضيعه، ونائبه وحليفه، وخدينه وصديقه، عقد الشيطان بينهما عقد الإخاء الذي لا يفسخ، وأحكم بينهما شريعة الوفاء التي لا تنسخ، وهو جاسوس القلب، وسارق المروءة، وسوس العقل، يتغلغل في مكامن القلوب، ويطلع على سرائر الأفئدة، ويدب إلى محل التخيل فيثير ما فيه من الهوى والشهوة، والسخافة والرقاعة، والرعونة والحماقة، فبينا ترى الرجل وعليه سمة الوقار وبهاء العقل وبهجة الإيمان ووقار الإسلام وحلاوة

стр. 1886

القرآن، فإذا استمع الغناء ومال إليه نقص عقله وقل حياؤه، وذهبت مروءته وفارقه بهاؤه، وتخلى عنه وقاره وفرح به شيطانه، وشكا إلى الله تعالى، إيمانه وثقل عليه قرآنه وقال: يا رب لا تجمع بيني وبين قرآن عدوك في صدر واحد، فاستحسن ما كان قبل السماع يستقبحه، وأبدى من سره ما كان يكتمه، وانتقل من الوقار والسكينة إلى كثرة الكلام والكذب والزهزهة والفرقعة بالأصابع، فيميل برأسه، ويهز منكبيه، ويضرب الأرض برجليه، ويدق على أم رأسه بيديه، ويثب وثبات الدباب، ويدور دوران الحمار حول الدولاب، ويصفق بيديه تصفيق النسوان، ويخور من الوجد ولا كخوار الثيران، وتارة يتأوه تأوه الحزين، وتارة يزعق زعقات المجانين، ولقد صدق الخبير به من أهله حيث يقول: أتذكر ليلة وقد اجتمعنا على ... طيب السماع إلى الصباح؟ ودارت بيننا كأس الأغاني ... فأسكرت النفوس بغير راح فلم تر فيهم إلا نشاوى سروراً ... والسرور هناك صاحي إذا نادى أخو اللذات فيه ... أجاب اللهو حي على السماح ولم نملك سوى المهجات شيئاً ... أرقناها لألحاظ الملاح وقال بعض العارفين: السماع يورث النفاق في قوم، والعناد في قوم، والكذب في قوم، والفجور في قوم، والرعونة في قوم ... إلى أن قال: فالغناء يفسد القلب، وإذا فسد القلب هاج في النفاق. وبالجملة فإذا تأمل البصير حال أهل الغناء وحال أهل الذكر والقرآن تبين لهم حذق الصحابة ومعرفتهم بأدواء القلوب وأدويتها، وبالله التوفيق. «تحريم آلات الطرب» (ص١٤٥ - ١٥١).

стр. 1887

[٦٠١] باب هل صلى النبي ﵌ على رأس المنافقين ؟ سؤال: هل صلى رسول الله ﵌ على رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول؟ الشيخ: هل صلى على رأس المنافقين؟ هو صلى، والقصة معروفة بينه وبين سيدنا عمر ﵁، حتى نزلت الآية بالنهي عن الصلاة على المنافقين. "الهدى والنور" (٥٦/ ٠٥: ٢١: ٠٠)

стр. 1888

جماع أبواب الكلام على حكم تارك الصلاة -غير ما تقدم -

стр. 1889

[٦٠٢] باب حديثُ الشفاعة وأنَّها تشملُ تاركي الصلاةِ منَ المسلمين [قال رسول الله ﵌]: «إذا خَلصَ المؤمنونَ من النار وأَمِنُوا؛ فـ[والذي نفسي بيده!] ما مُجَادَلَةُ أحَدِكُم لصاحبِهِ في الحقِّ يكون له في الدنيا بأشدِّ من مجادلة المؤمنين لربِّهم في إخوانِهِمُ الذين أُدْخِلُوا النار. قال: يقولون: ربَّنا:! إخوانُنَا كانوا يصلُّون معنا؛ ويصومون, معنا؛ ويحُجُّون معنا؛ [ويُجاهدون معنا]؛ فأدخلتَهم النار. قال: فيقولُ: اذهَبُوا فأخرِجُوا من عَرَفْتُم منهم؛ فيأتُونهم؛ فَيَعْرفونَهُم بِصُورِهم؛ لا تأكلُ النار صُوَرَهُم؛ [لم تَغْشَ الوَجْهَ]؛ فَمِنْهم من أَخَذتْهُ النارُ إلى أنصافِ ساقَيْهِ؛ ومنهم من أخذته إلى كَعْبَيْه (١) [فَيُخرِجُونَ مِنْها بشراً كثيراً]؛ فيقولون: ربَّنا! قد أَخْرَجنا مَنْ أَمَرتنا. قال: ثم [يَعُودون فيتكلمون فـ] يقولُ: أَخْرِجُوا من كان في قلبهِ مِثقالُ دينارٍ من الإيمانِ. [فيُخرِجُون خلقاً كثيراً]، ثم [يقولون: ربَّنا! لم نَذَرْ فيها أحداً ممن أَمَرتَنا. ثم يقول: ارجعوا، فـ] من كان في قلبه وزنُ نصف دينارٍ [فأًخْرِجُوهُ. فيُخرِجونَ خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربَّنا! لم نَذَرْ فيها ممن أمرتنا ... ]؛ حتى يقول: أخرِجُوا من كان في قلبه مثقال ذَرَّةٍ. [فيخرجون خلقاً كثيراً]، قال أبو سعيد: فمن لم يُصّدِّقْ بهذا الحديث فليَقْرَأْ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء:٤٠)؛ قال: فيقولون: ربنا! قد أَخْرَجْنا

стр. 1890

من أمرتنا؛ فلم يَبْقَ في النار أحدٌ فيه خيرٌ. قال: ثم يقول الله: شفعَتِ الملائكة؛ وشَفَعَتِ الأنبياء؛ وشَفَعَ المؤمنون؛ وبَقِيَ أرحم الراحمين قال: فَيَقْبضُ قبضةً من النار- أو قال: قَبْضَتَينِ - ناساً لم يعملوا خيراً قَطُّ؛ قد احتَرَقُوا حتى صاروا حُمَماً. قال: فَيُؤْتَى بهم إلى ماء يُقالُ له: (الحياةُ)؛ فَيُصَبُّ عليهم؛ فَيَنْبُتُونَ كما تَنْبُتُ الحبَّةُ في حَمِيلِ السَّيلِ؛ [قد رَأَيْتُمُوها إلى جانب الصخرة؛ وإلى جانب الشجرة؛ فما كان إلى الشمس منها كان أخضر؛ وما كان منها إلى الظلِّ كان أبيض]؛ قال: فَيَخْرُجُونَ من أجسادِهِم مِثلَ اللؤلؤِ؛ وفي أعناقهم الخاتمُ؛ (وفي رواية: الخواتِمُ): عُتَقاءُ الله. قال: فيُقالُ لَهُمُ: ادخلوا الجنة؛ فما تمنَّيتمُ وَرَأيتُم من شيءٍ فهو لكُم [ومِثلُهُ مَعَهُ]. [فيقول أهل الجنة: هؤلاء عُتقاءُ الرحمن أَدْخَلَهُمُ الجنة بغيرِ عملٍ عَمِلُوهُ؛ ولا خيرٍ َقدَّمُوهُ]. قال: فيقولون: ربَّنا! أَعَطَيْتَنا ما لم تُعطِ أحداً من العالمين. قال: فيقول: فإن لكم عندي أفْضَلَ منه. فيقولون: ربَّنا! وما أَفْضَلُ من ذلكَ؟ [قال:] فيقولُ: رِضائي عَنْكُم؛ فلا أَسْخَطُ عليكم أبداً». [قال الإمام]: أخرجه عبد الرزاق في "المصنف " (١١/ ٤٠٩ - ٤١١): أخبرنا معمر عن زيد ابن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﵌ ... فذكره. ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد (٣/ ٩٤)، والنسائي (٢/ ٢٧٠)، وابن ماجة (رقم ٦٠)، والترمذي (٢٥٩٨) - مختصراً-، وابن خزيمة في " التوحيد " (ص ١٨٤و٢٠١و٢١٢)؛ وابن نصر المروزي في (تعظيم قدرالصلاة رقم:٢٧٦) وتابعه محمد بن ثور عن معمر به؛ لم يسق لفظه؛ وإنما قال: بنحوه. يعني: حديث هشام بن سعد الآتي تخريجه.

стр. 1891

أخرجه أبو عوانة. وتابعه سعيد بن هلال عن زيد بن أسلم به أتم منه؛ وأوله: " هل تضارُّون في رؤية الشمس والقمر .. " الحديث بطوله. أخرجه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١/ ١١٤ - ١١٧)، وابن خزيمة أيضاً (ص٢٠١) وابن حبان (٣٣٣ - الإحسان). وحفص بن ميسرة عن زيد: أخرجه مسلم (١/ ١١٤ - ١١٧)، وكذا البخاري (٤٥٨١)؛ لكنه لم يسقه بتمامه؛ وكذا أبو عوانة (١/ ١٦٨ - ١٦٩). وهشام بن سعد عنه: أخرجه أبو عوانة (١/ ١٨١ - ١٨٣) بتمامه؛ وابن خزيمة (ص٢٠٠)؛ والحاكم (٤/ ٥٨٢ - ٥٨٤) وصححه، وكذا مسلم (١/ ١١٧)؛ إلا أنه لم يسق لفظه، وإنما أحال به على لفظ حديث حفص بن ميسرة نحوه. وتابع عطاء (١): سليمان بن عمرو بن عبيد العتواري- أحد بني ليث، وكان في حجر أبي سعيد- قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﵌ يقول ... فذكره نحوه مختصراً، وفيه الزيادة الثالثة. أخرجه أحمد (٣/ ١١ - ١٢)، وابن خزيمة (ص ٢١١)، وابن أبي شيبة في "المصنف " (١٣/ ١٧٦/١٦٠٣٩)، وعنه ابن ماجه (٤٢٨٠)، وابن جرير في "التفسير" (١٦/ ٨٥)، ويحيى بن صاعد في "زوائد الزهد" (ص ٤٤٨/ ١٢٦٨)، والحا كم (٤/ ٥٨٥) وقال: "صحيح الإسناد على شرط مسلم "! وبيض له الذهبي، وإنما هو حسن فقط؛ لأن فيه محمد بن إسحاق، وقد صرح بالتحديث. أقول- بعد تخريج الحديث هذا التخريج الذي قد لا تراه في مكان آخر،

стр. 1892

وبيان أنه متفق عليه بين الشيخين وغيرهما من أهل" الصحاح " و" السنن" و" المسانيد"-:فيه فوائد جمة عظيمة؛ منها شفاعة المؤمنين الصالحين في إخوانهم المصلين الذين أدخلوا النار بذنوبهم، ثم في غيرهم ممن هم دونهم على اختلاف قوة إيمانهم. ثم يتفضل الله ﵎ على من بقي في النار من المؤمنين، فيخرجهم من النار بغير عمل عملوه؛ ولا خير قدموه. ولقد توهم بعضهم أن المراد بالخير المنفي تجويز إخراج غير الموحدين من النار! قال الحافظ في "الفتح" (١٣/ ٤٢٩): «ورد ذلك بأن المراد بالخير المنفي ما زاد على أصل الإقرار بالشهادتين؛ كما تدل عليه بقية الأحاديث». قلت: منها قوله ﵌ في حديث أنس الطويل في الشفاعة أيضاً: «فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع. فأقول: يا رب! ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله. فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله». متفق عليه، وهو مخرج في "ظلال الجنة" (٢/ ٢٩٦/ رقم: ٨٢٨). وفي طريق أخرى عن أنس ﵁: « .. وفرغ الله من حساب الناس، وأدخل من بقي من أمتي النار، فيقول أهل النار: ما أغنى عنكم أنكم كنتم تعبدون الله لا تشركون بالله شيئاً؟ فيقول الجبار : فبعزتي لأعتقنهم من النار. فيرسل إليهم فيخرجون وقد امتحشوا، فيدخلون في نهر الحياة، فينبتون .. » الحديث. أخرجه أحمد وغيره بسند صحيح، وهو مخرج في "الظلال " تحت الحديث (٨٤٤)، وله فيه شواهد (٨٤٢ - ٨٤٣)، وفي "الفتح " (١١/ ٤٥٥) شواهد

стр. 1893

أخرى. وفي الحديث رد على استنباط ابن أبي جمرة من قوله ﵌ فيه: "لم تغش الوجه "، ونحوه الحديث الآتي بعده: "إلا دارات الوجوه ": أن من كان مسلماً ولكنه كان لايصلي لايخرج؛ إذ لا علامة له! ولذلك تعقبه الحافظ بقوله (١١/ ٤٥٧): " لكن يحمل على أنه يخرج في القبضة؛ لعموم قوله: " لم يعملوا خيراً قط "؛ وهو مذكور في حديث أبي سعيد الآتي في (التوحيد) "، يعني هذا. وقد فات الحافظ ﵀ أن في الحديث نَفْسِهِ تعقباً على ابن أبي جمرة من وجه آخر؛ وهو أن المؤمنين كما شفعهم الله في إخوانهم المصلين والصائمين وغيرهم في المرة الأولى، فأخرجوهم من النار بالعلامة، فلما شُفِّعوا في المرات الأخرى، وأخرجوا بشراً كثيراً؛ لم يكن فيهم مصلون بداهة، وإنما فيهم من الخير كل حسب إيمانه. وهذا ظاهر جداً لا يخفى على أحد إن شاء الله تعالى. وعلى ذلك؛ فالحديث دليل قاطع على أن تارك الصلاة- إذا مات مسلماً يشهد أن لا إله إلا الله- لا يخلد في النار مع المشركين، ففيه دليل قوي جداً أنه داخل تحت مشيئة الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ (النساء:٤٨)، وقد روى الإمام أحمد في "مسنده " (٦/ ٢٤٠) حديثاً صريحاً في هذا من رواية عائشة ﵂ مرفوعاً بلفظ: «الدواوين عند الله ثلاثة .. » الحديث، وفيه: «فأما الديوان الذي لا يغفره الله؛ فالشرك بالله، قال الله : ﴿مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ﴾ (المائدة:٧٢). وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً؛ فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه؛ من صوم يوم تركه؛ أو صلاة تركها؛ فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء .. " الحديث. وقد صححه الحاكم (٤/ ٥٧٦)، وهذا وإن كان غير مُسَلْمٍ عندي - لما بينته في "تخريج شرح الطحاوية" (رقم: ٣٨٤) -؛ فإنه يشهد له هذا الحديث

стр. 1894

الصحيح: حديث الترجمة. فتنبه. إذا عرفت ما سلف يا أخي المسلم! فإن عجبي حقاً لا يكاد ينتهي من إغفال جماهير المؤلفين الذين توسعوا في الكتابة في هذه المسألة الهامة؛ ألا وهي: هل يكفر تارك الصلاة كسلاً أم لا؟ لقد غفلوا جميعاً- فيما اطلعت- عن إيراد هذا الحديث الصحيح مع اتفاق الشيخين وغيرهما على صحته، لم يذكره من هو حجة له، ولم يجب عنه من هو حجة عليه، وبخاصة منهم الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، فإنه مع توسعه في سوق أدلة المختلفين في كتابه القيم: "الصلاة"، وجواب كل منهم عن أدلة مخالفه؛ فإنه لم يذكر هذا الحديث في أدلة المانعين من التكفير؛ إلا مختصراً اختصاراً مخلاً لا يظهر دلالته الصريحة على أن الشفاعة تشمل تارك الصلاة أيضاً، فقد قال ﵀: "وفي حديث الشفاعة: "يقول الله : وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال: لا إله إلا الله ". وفيه: "فيخرج من النار من لم يعمل خيراً قط ... ". قلت: وهذا السياق ملفق من حديثين؛ فالشطر الأول هو في آخر حديث أنس المتفق عليه؛ وقد سبق أن ذكرت (ص ١٣١) الطرف الأخير منه؛ والشطر الآخر هو في حديث الترجمة: " فيقبض قبضة من النار ناساً لم يعملوا لله خيراً قط ... ". وأما أن اختصاره اختصار مخل؛ فهو واضح جداً إذا تذكرت أيها القارئ الكريم ما سبق أن استدركته على الحافظ (ص١٣٢) متمماً به تعقيبه على ابن أبي جمرة؛ مما يدل على أن شفاعة المؤمنين كانت لغير المصلين في المرة الثانية وما بعدها؛ وأنهم أخرجوهم من النار؛ فهذا نص قاطع في المسألة؛ ينبغي أن يزول به النزاع في هذه المسألة بين أهل العلم الذين تجمعهم العقيدة الواحدة؛ التي منها: عدم تكفير أهل الكبائر من الأمة المحمدية؛ وبخاصة في هذا الزمان الذي توسع

стр. 1895

فيهم بعض المنتمين إلى العلم في تكفير المسلمين؛ لإهمالهم القيام بما يجب عليهم عمله مع سلامة عقيدتهم؛ خلافاً للكفار الذين لا يصلون تديناً وعقيدة؛ والله يقول: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِين، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون﴾ (القلم:٣٥، ٣٦)؟! لما تقدم كنت أحب لابن القيم ﵀ أن لا يغفل ذكر هذا الحديث الصحيح كدليل صريح للمانعين من التكفير؛ وأن يجيب عنه إن كان لديه جواب؛ وبذلك يكون قد أعطى البحث والإنصاف للفريقين دون تحيز لفئة. نعم؛ إنه لممّا يجب علي أن أنوه به أنه عقد فصلاً خاصاً " في الحكم بين الفريقين؛ وفصل الخطاب بين الطائفتين "؛ يساعد الباحث على تفهم نصوص الفريقين؛ فهماً صحيحاً؛ فإنه حقق فيه تحقيقاً رائعاً ما هو مسلم به عند العلماء؛ أنه ليس كل كفر يقع فيه المسلم يخرج به من الملة. فمن المفيد أن أقدم إلى القارىء فقرات أو خلاصات من كلامه تدل على مرامه؛ ثم أعقب عليه بما يلزم مما يلتقي مع هذا الحديث الصحيح؛ ويؤيد المذهب الرجيح. لقد أفاد ﵀ أن الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود واعتقاد. وأن كفر العمل ينقسم إلى ما يضاد الإيمان، وإلى ما لا يضاده، فالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي وسبه؛ يضاد الإيمان. وأما الحكم بغير ما أنزل الله، وترك الصلاة؛ فهو من الكفر العملي قطعاً. (قلت: قد يكون ذلك من الكفر الاعتقادي أحياناً، وذلك إذا اقترن به ما يدل على فساد عقيدته؛ كاستهزائه بالصلاة والمصلين، وكإيثاره القتل على أن يصلي إذا دعاه الحاكم إليها، كما سيأتي، فتذكر هذا؛ فإنه مهم. ثم قال:) ولا يمكن أن يُنفى عنه اسم الكفر بعد أن أطلقه الله ورسوله عليه؛ ولكن هو كفر عمل لا كفر اعتقاد.
следующие страницы →