أخرجه أبو عوانة.
وتابعه سعيد بن هلال عن زيد بن أسلم به أتم منه؛ وأوله: " هل تضارُّون
في رؤية الشمس والقمر .. " الحديث بطوله. أخرجه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١/ ١١٤ - ١١٧)، وابن خزيمة أيضاً (ص٢٠١) وابن حبان (٣٣٣ - الإحسان).
وحفص بن ميسرة عن زيد: أخرجه مسلم (١/ ١١٤ - ١١٧)، وكذا البخاري (٤٥٨١)؛ لكنه لم يسقه بتمامه؛ وكذا أبو عوانة (١/ ١٦٨ - ١٦٩). وهشام بن سعد عنه: أخرجه أبو عوانة (١/ ١٨١ - ١٨٣) بتمامه؛ وابن خزيمة (ص٢٠٠)؛ والحاكم (٤/ ٥٨٢ - ٥٨٤) وصححه، وكذا مسلم (١/ ١١٧)؛ إلا أنه لم يسق لفظه، وإنما أحال به على لفظ حديث حفص بن ميسرة نحوه. وتابع عطاء (١): سليمان بن عمرو بن عبيد العتواري- أحد بني ليث، وكان في حجر أبي سعيد- قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﵌ يقول ... فذكره نحوه مختصراً، وفيه الزيادة الثالثة.
أخرجه أحمد (٣/ ١١ - ١٢)، وابن خزيمة (ص ٢١١)، وابن أبي شيبة في "المصنف " (١٣/ ١٧٦/١٦٠٣٩)، وعنه ابن ماجه (٤٢٨٠)، وابن جرير في "التفسير" (١٦/ ٨٥)، ويحيى بن صاعد في "زوائد الزهد" (ص ٤٤٨/ ١٢٦٨)، والحا كم (٤/ ٥٨٥) وقال: "صحيح الإسناد على شرط مسلم "! وبيض له الذهبي، وإنما هو حسن فقط؛ لأن فيه محمد بن إسحاق، وقد صرح بالتحديث.
أقول- بعد تخريج الحديث هذا التخريج الذي قد لا تراه في مكان آخر،
стр. 1892
وبيان أنه متفق عليه بين الشيخين وغيرهما من أهل" الصحاح " و" السنن" و" المسانيد"-:فيه فوائد جمة عظيمة؛ منها شفاعة المؤمنين الصالحين في إخوانهم المصلين الذين أدخلوا النار بذنوبهم، ثم في غيرهم ممن هم دونهم على اختلاف قوة إيمانهم. ثم يتفضل الله ﵎ على من بقي في النار من المؤمنين، فيخرجهم من النار بغير عمل عملوه؛ ولا خير قدموه. ولقد توهم بعضهم أن المراد بالخير المنفي تجويز إخراج غير الموحدين من النار! قال الحافظ في "الفتح" (١٣/ ٤٢٩):
«ورد ذلك بأن المراد بالخير المنفي ما زاد على أصل الإقرار بالشهادتين؛ كما
تدل عليه بقية الأحاديث».
قلت: منها قوله ﵌ في حديث أنس الطويل في الشفاعة أيضاً: «فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع. فأقول: يا رب! ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله. فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله».
متفق عليه، وهو مخرج في "ظلال الجنة" (٢/ ٢٩٦/ رقم: ٨٢٨). وفي طريق أخرى عن أنس ﵁: « .. وفرغ الله من حساب الناس، وأدخل من بقي من أمتي النار، فيقول أهل النار: ما أغنى عنكم أنكم كنتم تعبدون الله لا تشركون بالله شيئاً؟ فيقول الجبار : فبعزتي لأعتقنهم من النار. فيرسل إليهم فيخرجون وقد امتحشوا، فيدخلون في نهر الحياة، فينبتون .. » الحديث.
أخرجه أحمد وغيره بسند صحيح، وهو مخرج في "الظلال " تحت الحديث (٨٤٤)، وله فيه شواهد (٨٤٢ - ٨٤٣)، وفي "الفتح " (١١/ ٤٥٥) شواهد
стр. 1893
أخرى. وفي الحديث رد على استنباط ابن أبي جمرة من قوله ﵌ فيه: "لم تغش الوجه "، ونحوه الحديث الآتي بعده: "إلا دارات الوجوه ": أن من كان مسلماً ولكنه كان لايصلي لايخرج؛ إذ لا علامة له! ولذلك تعقبه الحافظ بقوله (١١/ ٤٥٧): " لكن يحمل على أنه يخرج في القبضة؛ لعموم قوله: " لم يعملوا خيراً قط "؛ وهو مذكور في حديث أبي سعيد الآتي في (التوحيد) "، يعني هذا.
وقد فات الحافظ ﵀ أن في الحديث نَفْسِهِ تعقباً على ابن أبي جمرة من وجه آخر؛ وهو أن المؤمنين كما شفعهم الله في إخوانهم المصلين والصائمين وغيرهم في المرة الأولى، فأخرجوهم من النار بالعلامة، فلما شُفِّعوا في المرات الأخرى، وأخرجوا بشراً كثيراً؛ لم يكن فيهم مصلون بداهة، وإنما فيهم من الخير كل حسب إيمانه. وهذا ظاهر جداً لا يخفى على أحد إن شاء الله تعالى.
وعلى ذلك؛ فالحديث دليل قاطع على أن تارك الصلاة- إذا مات مسلماً يشهد أن لا إله إلا الله- لا يخلد في النار مع المشركين، ففيه دليل قوي جداً أنه داخل تحت مشيئة الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ (النساء:٤٨)، وقد روى الإمام أحمد في "مسنده " (٦/ ٢٤٠) حديثاً صريحاً في هذا من رواية عائشة ﵂ مرفوعاً بلفظ: «الدواوين عند الله ثلاثة .. » الحديث، وفيه: «فأما الديوان الذي لا يغفره الله؛ فالشرك بالله، قال الله : ﴿مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ﴾ (المائدة:٧٢).
وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً؛ فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه؛ من صوم يوم تركه؛ أو صلاة تركها؛ فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء .. " الحديث. وقد صححه الحاكم (٤/ ٥٧٦)، وهذا وإن كان غير مُسَلْمٍ عندي - لما بينته في "تخريج شرح الطحاوية" (رقم: ٣٨٤) -؛ فإنه يشهد له هذا الحديث
стр. 1894
الصحيح: حديث الترجمة. فتنبه.
إذا عرفت ما سلف يا أخي المسلم! فإن عجبي حقاً لا يكاد ينتهي من إغفال جماهير المؤلفين الذين توسعوا في الكتابة في هذه المسألة الهامة؛ ألا وهي: هل يكفر تارك الصلاة كسلاً أم لا؟ لقد غفلوا جميعاً- فيما اطلعت- عن إيراد هذا الحديث الصحيح مع اتفاق الشيخين وغيرهما على صحته، لم يذكره من هو حجة له، ولم يجب عنه من هو حجة عليه، وبخاصة منهم الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، فإنه مع توسعه في سوق أدلة المختلفين في كتابه القيم: "الصلاة"، وجواب كل منهم عن أدلة مخالفه؛ فإنه لم يذكر هذا الحديث في أدلة المانعين من التكفير؛ إلا مختصراً اختصاراً مخلاً لا يظهر دلالته الصريحة على أن الشفاعة تشمل تارك الصلاة أيضاً، فقد قال ﵀: "وفي حديث الشفاعة: "يقول الله : وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال: لا إله إلا الله ". وفيه: "فيخرج من النار من لم يعمل خيراً قط ... ".
قلت: وهذا السياق ملفق من حديثين؛ فالشطر الأول هو في آخر حديث أنس المتفق عليه؛ وقد سبق أن ذكرت (ص ١٣١) الطرف الأخير منه؛ والشطر الآخر هو في حديث الترجمة: " فيقبض قبضة من النار ناساً لم يعملوا لله خيراً قط ... ".
وأما أن اختصاره اختصار مخل؛ فهو واضح جداً إذا تذكرت أيها القارئ الكريم ما سبق أن استدركته على الحافظ (ص١٣٢) متمماً به تعقيبه على ابن أبي جمرة؛ مما يدل على أن شفاعة المؤمنين كانت لغير المصلين في المرة الثانية وما بعدها؛ وأنهم أخرجوهم من النار؛ فهذا نص قاطع في المسألة؛ ينبغي أن يزول به النزاع في هذه المسألة بين أهل العلم الذين تجمعهم العقيدة الواحدة؛ التي منها: عدم تكفير أهل الكبائر من الأمة المحمدية؛ وبخاصة في هذا الزمان الذي توسع
стр. 1895
فيهم بعض المنتمين إلى العلم في تكفير المسلمين؛ لإهمالهم القيام بما يجب عليهم عمله مع سلامة عقيدتهم؛ خلافاً للكفار الذين لا يصلون تديناً وعقيدة؛ والله يقول: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِين، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون﴾ (القلم:٣٥، ٣٦)؟! لما تقدم كنت أحب لابن القيم ﵀ أن لا يغفل ذكر هذا الحديث الصحيح كدليل صريح للمانعين من التكفير؛ وأن يجيب عنه إن كان لديه جواب؛ وبذلك يكون قد أعطى البحث والإنصاف للفريقين دون تحيز لفئة.
نعم؛ إنه لممّا يجب علي أن أنوه به أنه عقد فصلاً خاصاً " في الحكم بين الفريقين؛ وفصل الخطاب بين الطائفتين "؛ يساعد الباحث على تفهم نصوص الفريقين؛ فهماً صحيحاً؛ فإنه حقق فيه تحقيقاً رائعاً ما هو مسلم به عند العلماء؛ أنه ليس كل كفر يقع فيه المسلم يخرج به من الملة. فمن المفيد أن أقدم إلى القارىء فقرات أو خلاصات من كلامه تدل على مرامه؛ ثم أعقب عليه بما يلزم مما يلتقي مع هذا الحديث الصحيح؛ ويؤيد المذهب الرجيح.
لقد أفاد ﵀ أن الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود واعتقاد.
وأن كفر العمل ينقسم إلى ما يضاد الإيمان، وإلى ما لا يضاده، فالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي وسبه؛ يضاد الإيمان. وأما الحكم بغير ما أنزل الله، وترك الصلاة؛ فهو من الكفر العملي قطعاً.
(قلت: قد يكون ذلك من الكفر الاعتقادي أحياناً، وذلك إذا اقترن به ما يدل على فساد عقيدته؛ كاستهزائه بالصلاة والمصلين، وكإيثاره القتل على أن يصلي إذا دعاه الحاكم إليها، كما سيأتي، فتذكر هذا؛ فإنه مهم. ثم قال:) ولا يمكن أن يُنفى عنه اسم الكفر بعد أن أطلقه الله ورسوله عليه؛ ولكن هو كفر عمل لا كفر اعتقاد.
стр. 1896
وقد نفى رسول الله ﵌ الإيمان عن الزاني، والسارق، وشارب الخمر، وعمن لا يأمن جاره بوائقه، وإذا نفى عنه اسم الإيمان؛ فهو كافر من جهة العمل، وانتفى عنه كفر الجحود والاعتقاد.
(قلت: لكني أرى أنه لا يصح أن يطلق على أمثال هؤلاء لفظة الكفر؛ فيقال مثلاً: من زنى فقد كفر، فضلاً عن أنه لا يجوز أن يقال: فهو كافر، حتى على تارك الصلاة وعلى غيره ممن وصف في الحديث بالكفر، وقوفاً مع النص- ودفعاً لإيهام الوصف بالكفر الاعتقادي-، ومن باب أولى أن لا يقال: كافر حلال الدم! قال بعد أن ذكر الحديث الصحيح: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر"): ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العملي لا الاعتقادي، وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية؛ كما لا يخرج الزاني والشارب من الملة، وإن زال عنه اسم الإيمان.
وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله، وبالإسلام والكفر ولوازمهما.
ثم ذكر الأثر المعروف عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون﴾ (المائدة:٤٤): ليس بالكفر الذي تذهبون إليه.
(قلت: زاد الحاكم: إنه ليس كفراً ينقل عن الملة، كفر دون كفر. وصححه هو (٢/ ٣١٣) والذهبي. وهذا قاصمة ظهر جماعة التكفير وأمثالهم من الغلاة. ثم قال ابن القيم ﵀: والمقصود أن سلب الإيمان عن تارك الصلاة أولى من سلبه عن مرتكب الكبائر، وسلب اسم الإسلام عنه أولى من سلبه عمن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده، فلا يسمى تارك الصلاة مسلماً ولا مؤمناً؛ وإن كان معه
стр. 1897
شعبة من شعب الإسلام والإيمان.
(قلت: نفي التسمية المذكورة عن تارك الصلاة فيه نظر؛ فقد سمى الله تعالى الفئة الباغية بالمؤمنة في الآية المعروفة: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ... ﴾ (الحجرات:٩) مع قوله ﵌ في الحديث المتقدم: «وقتاله كفر»، فكما لم يلزم من وصف المسلم الباغي بالكفر نفي اسم المؤمن عنه فضلاً عن اسم المسلم، فكذلك تارك الصلاة؛ إلا إن كان يقصد بذلك أنه مسلم كامل، وذلك بعيد. قال): نعم، يبقى أن يقال: فهل ينفعه ما معه من الإيمان في عدم الخلود في النار؟ فيقال: ينفعه إن لم يكن المتروك شرطاً في صحة الباقي واعتباره، وإن كان المتروك شرطاً في اعتبار الباقي لم ينفعه.
فهل الصلاة شرط لصحة الإيمان؟ هذا سر المسألة. (قلت: ثم أشار إلى الأدلة التي كان ذكرها للفريق الأول المكفر، ثم قال:) وهي تدل على أنه لا يقبل من العبد شيء من أعماله إلا بفعل الصلاة.
(فأقول: يبدو لي جلياً أن ابن القيم ﵀ بعد بحثه القيم في التفريق بين الكفر العملي والكفر الاعتقادي، وأن المسلم لا يخرج من الملة بكفر عملي؛ لم يستطع أن يحكم للفريق المكفر بترك الصلاة؛ مع الأدلة الكثيرة التي ساقها لهم؛ لأنها كلها لا تدل إلا على الكفر العملي. ولذلك لجأ أخيراً إلى أن يتساءل: هل ينفعه إيمانه؟ وهل الصلاة شرط لصحة الإيمان؟
وإن كل من تأمل في جوابه على هذا التساؤل يلاحظ أنه حاد عنه إلى القول بأن الأعمال الصالحة لا تقبل إلا بالصلاة، فأين الجواب عن كون الصلاة شرطاً لصحة الإيمان؟ أي: ليس فقط شرط كمال؛ فإن الأعمال الصالحة كلها شرط
стр. 1898
كمال عند أهل السنة؛ خلافاً للخوارج والمعتزلة القائلين بتخليد أهل الكبائر في النار؛ مع تصريح الخوارج بتكفيرهم، فلو قال قائل بأن الصلاة شرط لصحة الإيمان، وأن تاركها مخلد في النار؛ فقد التقى مع الخوارج في بعض قولهم هذا، وأخطر من ذلك أنه خالف حديث الشفاعة هذا كما تقدم بيانه.
ولعل ابن القيم ﵀ بحيدته عن ذاك الجواب أراد أن يشعر القارئ بأهمية الصلاة في الإسلام من جهة؛ وأنه لا دليل على أنها شرط لصحة الإيمان من جهة أخرى.
وعليه؛ فتارك الصلاة كسلاً لا يكفر عنده إلا إذا اقترن مع تركه إياها ما يدل على أن كفره كفر اعتقادي، فهو في هذه الحالة فقط يكفر كفراً يخرج به من الملة؛ كما تقدمت الإشارة بذلك مني. وهو ما يشعر به كلام ابن القيم في آخر هذا الفصل)؛ فإنه قال: "ومن العجب أن يقع الشك في كفر من أصر على تركها ودعي إلى فعلها على رؤوس الملأ، وهو يرى بارقة السيف على رأسه، ويشد للقتل، وعصبت عيناه، وقيل له: تصلي وإلا قتلناك؟ فيقول: اقتلوني ولا أصلي أبداً! " ..
قلت: وعلى مثل هذا المصر على الترك والامتناع عن الصلاة- مع تهديد الحاكم له بالقتل- يجب أن تحمل كل أدلة الفريق المكفر للتارك، وبذلك تجتمع أدلتهم مع أدلة المخالفين؛ ويلتقون على كلمة سواء: أن مجرد الترك لا يكفر؛ لأنه كفر عملي لا اعتقادي؛ كما تقدم عن ابن القيم، وهذا ما فعله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أعني أنه حمل تلك الأدلة هذا الحمل-، فقال في "مجموع الفتاوى" (٢٢/ ٤٨) - وقد سئل عن تارك الصلاة من غير عذر هل هو مسلم في تلك الحال؟ فأجاب ﵀ ببحث طويل ملىء علماً؛ لكن المهم منه الآن ما يتعلق منه بحديثنا هذا؛ فإنه بعد أن حكى أن تارك الصلاة يقتل عند جمهور
стр. 1899
العلماء: مالك والشافعي وأحمد؛ قال: "وإذا صبر حتى يقتل؛ فهل يقتل كافراً مرتداً؛ أو فاسقاً كفساق المسلمين؟ على قولين مشهورين حُكيا روايتين عن أحمد؛ فإن كان مقراً بالصلاة في الباطن معتقداً لوجوبها؛ يمتنع أن يصر على تركها حتى يقتل ولا يصلي، هذا لا يعرف من بني آدم وعادتهم، ولهذا لم يقع هذا قط في الإسلام، ولا يعرف أن أحداً يعتقد وجوبها، ويقال له: إن لم تصل وإلا قتلناك. وهو يصر على تركها مع إقراره بالوجوب، فهذا لم يقع قط في الإسلام.
ومتى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل لم يكن في الباطن مقراً بوجوبها ولا ملتزماً بفعلها، فهذا كافر باتفاق المسلمين؛ كما استفاضت الآثار عن الصحابة بكفر هذا، ودلت عليه النصوص الصحيحة؛ كقوله ﵌: «ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة». رواه مسلم ... فمن كان مصراً على تركها حتى يموت لا يسجد لله سجدة قط فهذا لا يكون قط؛ مسلماً مقراً بوجوبها، فإن اعتقاد الوجوب، واعتقاد أن تاركها يستحق القتل؛ هذا داع تام إلى فعلها، والداعي مع القدرة يوجب وجود المقدور، فإن كان قادراً ولم يصل قط؛ علم أن الداعي في حقه لم يوجد، والاعتقاد التام لعقاب التارك باعث على الفعل. لكن هذا قد يعارضه أحياناً أمور توجب تأخيرها، وترك بعض واجباتها، وتفويتها أحياناً. فأما من كان مصراً على تركها لا يصلي قط، ويموت على هذا الإصرار والترك؛ فهذا لا يكون مسلماً.
لكن أكثر الناس يصلون تارة، ويتركونها تارة، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها، وهؤلاء تحت الوعيد، وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في "السنن "، حديث عبادة عن النبي ﵌؛ أنه قال: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة؛ من حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ
стр. 1900
عليهن لم يكن له عهد عند الله؛ إن شاء عذبه؛ وإن شاء غفر له» (١). فالمحافظ عليها: الذي يصليها في مواقيتها كما أمر الله تعالى.
والذي يؤخرها (الأصل: ليس يؤخرها) أحياناً عن وقتها، أو يترك واجباتها؛ فهذا تحت مشيئة الله تعالى. وقد يكون لهذا نوافل يكمل بها فرائضه كما جاء في الحديث " (٢).
وعلى هذا المحمل يدل كلام الإمام أحمد أيضاً؛ الذي شهر عنه بعض أتباعه المتأخرين القول بتكفير تارك الصلاة دون تفصيل، وكلامه يدل على خلاف ذلك " بحيث لا يخالف هذا الحديث الصحيح، كيف وهو قد أخرجه في "مسنده " كما أخرج حديث عائشة بمعناه كما تقدم؟! فقد ذكر ابنه عبد الله في "مسائله (٥٥) قال: "سألت أبي ﵀ عن ترك الصلاة متعمداً؟ قال: والذي يتركها لا يصليها، والذي يصليها في غير وقتها؛ أدعوه ثلاثاً؛ فإن صلى وإلا ضربت عنقه، هو عندي بمنزلة المرتد .. ".
قلت: فهذا نص من الإمام أحمد بأنه لم يكفر بمجرد تركه للصلاة، وإنما بامتناعه من الصلاة مع علمه بأنه سيقتل إن لم يصل، فالسبب هو إيثاره القتل على الصلاة، فهو الذي دل على أن كفره كفر اعتقادي، فاستحق القتل.
стр. 1901
ونحوه ما ذكره المجد ابن تيمية- جد شيخ الإسلام ابن تيمية- في كتابه " المحرر في الفقه الحنبلي " (ص ٦٢):" ومن أخر صلاة تكاسلاً لا جحوداً أمر بها؛ فإن أصر حتى ضاق وقت الأخرى؛ وجب قتله ".
قلت: فلم يكفر بالتأخير، وإنما بالإصرار المنبئ عن الجحود. ولذلك قال الإمام أبو جعفر الطحاوي ﵀ في "مشكل الآثار" في باب عقده في هذه المسألة، وحكى شيئاً من أدلة الفريقين، ثم اختار أنه لا يكفر؛ قال (٤/ ٢٢٨): " والدليل على ذلك أنا نأمره أن يصلي، ولا نأمر كافراً أن يصلي، ولو كان بما كان منه كافراً لأمرناه بالإسلام؛ فإذا أسلم أمرناه بالصلاة؛ وفي تركنا لذلك وأمرنا إياه بالصلاة؛ ما قد دل على أنه من أهل الصلاة؛ ومن ذلك أمر النبي ﵌ الذي أفطر في رمضان يوماً متعمداً بالكفارة التي أمره بها وفيها الصيام؛ لا يكون الصيام إلا من المسلمين. ولما كان الرجل يكون مسلماً إذا أقر بالإسلام قبل أن يأتي بما
يوجبه الإسلام من الصلوات الخمس؛ ومن صيام رمضان كان كذلك؛ ويكون كافراً بجحوده لذلك؛ ولا يكون كافراً بتركه إياه بغير جحود منه له؛ ولا يكون كافراً إلا من حيث كان مسلماً، وإسلامه كان بإقراره بالإسلام؛ فكذلك ردته لا تكون إلا بجحوده الإسلام ".
قلت: وهذا فقه جيد، وكلام متين لا مرد له، وهو يلتقي تماماً مع ما تقدم من كلام الإمام أحمد ﵀ الدال على أنه لا يكفر بمجرد الترك؛ بل بامتناعه من الصلاة بعد دعائه إليها، وإن مما يؤكد ما حملت عليه كلام الإمام أحمد؛ ما جاء في كتاب " الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل " للشيخ علاء الدين المرداوي؛ قال ﵀ (١/ ٤٠٢) - كالشارح لقول أحمد المتقدم آنفاً: " أدعوه ثلاثاً " -: " الداعي له هو الإمام أو
стр. 1902
نائبه، فلو ترك صلوات كثيرة قبل الدعاء لم يجب قتله، ولا يكفر على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم ".
وممن اختار هذا المذهب أبو عبد الله بن بطة، كما ذكر ذلك الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن قدامة المقدسي في كتابه " الشرح الكبير على المقنع " للإمام موفق الدين المقدسي (١/ ٣٨٥)، وزاد أنه أنكر قول من قال بكفره. قال أبو الفرج: " وهو قول أكثر الفقهاء؛ منهم: أبو حنيفة ومالك والشافعي .. ".ثم استدل على ذلك بأحاديث كثيرة أكثرها عند ابن القيم، ومنها حديث عبادة المتقدم في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال عقبه: "ولو كان كافراً لم يدخله في المشيئة".
قلت: ويؤكد ذلك حديث الترجمة وحديث عائشة تأكيداً لا يدع لأحد شكاً أو شبهة، فلا تنسى. ثم قال أبو الفرج: " ولأن ذلك إجماع المسلمين؛ فإننا لا نعلم في عصر من الأعصار أحداً من تاركي الصلاة ترك تغسيله والصلاة عليه، ولا مُنع ميراث مورِّثه، ولا فُرِّقَ بين زوجين لِتَرْكِ الصلاة من أحدهما- مع كثرة تاركي الصلاة-! ولو كفر لثبتت هذه الأحكام، ولا نعلم خلافاً بين المسلمين أن تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها مع اختلافهم في المرتد (١). وأما الأحاديث المتقدمة (يعني: التي احتج بها المكفرون كحديث: " بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة "؛ فهي على وجه التغليظ والتشبيه بالكفار لا على الحقيقة؛ كقوله ﵌: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» .. وأشباه هذه مما أريد به التشديد في الوعيد. قال شيخنا ﵀ (يعني: الموفق المقدسي): وهذا أصوب القولين. والله أعلم".
قلت: ونقله الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب
стр. 1903
رحمهم الله في حاشيته على "المقنع " لابن قدامة (١/ ٩٥ - ٩٦) مقراً له.
ومع تصريح الإمام الشوكاني في "السيل الجرار" (١/ ٢٩٢) بتكفير تارك الصلاة عمداً، وأنه يستحق القتل، ويجب على إمام المسلمين قتله؛ فقد بين في "نيل الأوطار" أنه لا يعني كفراً لا يغفر، فقال بعد أن حكى أقوال العلماء واختلافهم، وذكر شيئاً من أدلتهم (١/ ٢٥٤ - ٢٥٥): "والحق أنه كافر يقتل، أما كفره؛ فلأن الأحاديث صحت أن الشارع سمى تارك الصلاة بذلك الاسم (!) وجعل الحائل بين الرجل وبين جواز إطلاق هذا الاسم عليه هو الصلاة، فتركها مقتض لجواز الإطلاق.
ولا يلزمنا شيء من المعارضات التي أوردها الأولون؛ لأنا نقول: لا يمنع أن
يكون بعض أنواع الكفر غير مانع من المغفرة واستحقاق الشفاعة؛ ككفر أهل القبلة ببعض الذنوب التي سماها الشارع كفراً. فلا مُلْجِئَ إلى التأويلات التي وقع الناس في مضيقها ".
ولقد صدق ﵀. لكن ذهابه إلى جواز إطلاق اسم (الكافر) على تارك الصلاة؛ هو توسع غير محمود عندي، لأن الأحاديث التي أشار إليها ليس فيها الإطلاق المدعى، وإنما فيها: "فقد كفر"، وما أظن أن أحداً يستجيز له أن يشتق منه اسم فاعل فيقول فيه: (كافر)، إذن؛ لزمه أن يطلقه أيضاً على كل من قيل فيه: "كَفَر"؛ كالذي يحلف بغير الله، ومن قاتل مسلماً، أو تبرأ من نسب، ونحو ذلك مما جاء في الأحاديث.
نعم؛ لو صح ما رواه أبو يعلى وغيره عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ: " عُرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة؛ عليهن أسس الإسلام؛ من ترك واحدة منهن فهو بها
стр. 1904
كافر حلال الدم: شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة المكتوبة، وصوم رمضان ".
أقول: لو صح هذا؛ لكان دليلاً واضحاً على جواز إطلاقه على تارك الصلاة، ولكنه لم يصح كما كنت بينته في " السلسلة الضعيفة " (٩٤).
والخلاصة؛ أن مجرد الترك لا يمكن أن يكون حجة لتكفير المسلم، وإنما هو فاسق، أمره إلى الله، إن شاء عذبه؛ وإن شاء غفر له، وحديث الترجمة نص صريح في ذلك لا يسع مسلماً أن يرفضه.
وأن من دعي إلى الصلاة، وأنذر بالقتل؛ إن لم يستجب فقتل؛ فهو كافر يقيناً حلال الدم، لا يُصَلَّى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، فمن أطلق التكفير فهو مخطئ، ومن أطلق عدم التكفير فهو مخطئ, والصواب التفصيل.
فهذا الحق ليس به خفاءُ فدعني عن بنيات الطريق وبعد؛ فإن أخشى ما أخشاه أن يبادر بعض المتعصبين الجهلة إلى رد هذا الحديث الصحيح؛ لدلالته الصريحة على أن تارك الصلاة كسلاً مع الإيمان بوجوبها داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء]؛كما فعل بعضهم أخيراً بتاريخ (١٤٠٧ هـ)، فقد تعاون اثنان من طلاب العلم: أحدهما سعودي، والآخر مصري، فتعقباني في بعض الأحاديث من المئة الأولى من " سلسلة الأحاديث الصحيحة "؛ منها حديث حذيفة بن اليمان ﵁ المتقدم برقم (٨٧) ولفظه: «يَدْرُسُ الإسلام كما يَدْرُسُ وشْيُ الثوب حتى لا يُدرى ما صيام؛ ولا صلاة ولا نسك، ولا صدقة، ولَيُسْرَى على كتاب الله في ليلة؛ فلا يبقى منه آية، وتبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير، والعجوز؛ يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: " لا إله إلا الله "، فنحن نقولها».
стр. 1905
قال صلة بن زفر لحذيفة: ما تغني عنهم " لا إله إلا الله " وهم لا يدرون ما صلاة، ولا صيام، ولا نسك، ولا صدقة؟! فأعرض عنه حذيفة، ثم رددها عليه ثلاثاً، كل ذلك يعرض عنه حذيفة. ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة! تنجيهم من النار (ثلاثاً).
قلت: فسوّدا في تضعيف هذا الحديث ثلاث صفحات كبار في الرد عليَّ لتصحيحي إياه، لم يجدا ما يتعلقان به لتضعيفه؛ إلا أنه من رواية أبي معاوية محمد بن خازم الضرير؛ بحجة أنه كان يرى الإرجاء! وأن الحديث موافق لبدعة الإرجاء!! وهذا من الجهل البالغ، ولا مجال الآن لبيانه إلا مختصراً، فإن أبا معاوية مع كونه ثقة محتجاً به عند الشيخين؛ فإنه قد توبع من ثقة مثله، ثم إن الحديث لا صلة له بالإرجاء مطلقاً، وهما إنما ادعيا ذلك لجهلهما بالعلم، وكيف يكون كذلك وقد صححه الحاكم والذهبي، وكذا ابن تيمية والعسقلاني والبوصيري؟! ولئن جاز في عقلهما أنهم كانوا في تصحيحهم إياه جميعاً مخطئين فهل وصل الأمر بهما أن يعتقدا بأنهم يصححون ما يؤيد الإرجاء؟! تالله إنها لإحدى الكبر؛ أن يتسلط على هذا العلم من لا يحسنه، وأن يضعف ما يصححه أهل العلم! وهذا الحديث الصحيح يستفاد منه؛ أن الجهل قد يبلغ ببعض الناس أنهم لا يعرفون من الإسلام إلا الشهادة، وهذا لا يعني أنهم يعرفون وجوب الصلاة وسائر الأركان ثم هم لا يقومون بها؛ كلا، ليس في الحديث شيء من ذلك، بل هم في ذلك ككثير من أهل البوادي والمسلمين حديثاً في بلاد الكفر لا يعرفون من الإسلام إلا الشهادتين، وقد يقع شيء من ذلك في بعض العواصم، فقد سألني أحدهم هاتفياً عن امرأة تزوجها، وكانت تصلي دون أن تغتسل من الجماع! وقريباً سألني إمام مسجد ينظر إلى نفسه أنه على شيء من العلم يسوغ له
стр. 1906
أن يخالف العلماء! سألني عن ابنه أنه كان يصلي جنباً بعد أن بلغ مبلغ الرجال واحتلم؛ لأنه كان لا يعلم وجوب الغسل من الجنابة! وقد قال ابن تيمية ﵀ في " مجموع الفتاوى " (٢٢/ ٤١): " ومن علم أن محمداً رسول الله فآمن بذلك، ولم يعلم كثيراً مما جاء به؛ لم يعذبه الله على ما لم يبلغه؛ فإنه إذا لم يعذر على ترك الإيمان بعد البلوغ، فإنه [أن] لا يعذبه على بعض شرائطه إلا بعد البلوغ أولى وأحرى، وهذه سنة رسول الله ﵌ المستفيضة عنه في أمثال ذلك ".
ثم ذكر أمثلة طيبة؛ منها: المستحاضة؛ قالت: إني أستحاض حيضة شديدة تمنعني الصلاة والصوم؟ فأمرها بالصلاة زمن دوام الاستحاضة، ولم
يأمرها بالقضاء.
قلت: وهذه المستحاضة هي فاطمة بنت أبي حبيش ﵂، وحديثها في "الصحيحين " وغيرهما، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (٢٨١).
ومثلها: أم حبيبة بنت جحش زوجة عبد الرحمن بن عوف، واستحيضت سبع سنين، وحديثها عند الشيخين أيضاً، وهو مخرج في "صحيح أبي داود"
أيضاً (٢٨٣).
وثمة ثالثة؛ وهي حمنة بنت جحش، وهي التي أشار إليها ابن تيمية؛ فإن في حديثها: "إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة؛ فما ترى فيها؛ قد منعتني الصلاة والصوم .. " الحديث. أخرجه أبو داود وغيره من أصحاب "السنن " بإسناد حسن، وصححه جمع، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (٢٩٣) و"الإرواء" (٨٨١).
هذا؛ وهناك نص آخر للإمام أحمد كان ينبغي أن يضم إلى ما سبق نقله عنه؛ لشديد ارتباطه به ودلالته أيضاً على أن تارك الصلاة لا يكفر بمجرد الترك، ولكن
стр. 1907
هكذا قُدِّر؛ قال عبد الله بن أحمد في "مسائله " (ص ٥٦/ ١٩٥):
"سألت أبي عن رجل فرط في صلوات شهرين؟ فقال: يصلي ما كان في وقت يحضره ذكر تلك الصلوات؛ فلا يزال يصلي حتى يكون آخر وقت الصلاة التي ذكر فيها هذه الصلوات التي فرط فيها؛ فإنه يصلي هذه التي يخاف فوتها؛ ولا يضيع مرتين؛ ثم يعود فيصلي أيضاً حتى يخاف فوت الصلاة التي بعدها؛ إلا إن كثر عليه؛ ويكون ممن يطلب المعاش؛ ولا يقوى أن يأتي بها؛ فإنه يصلي حتى يحتاج إلى أن يطلب ما يقيمه من معاشه؛ ثم يعود إلى الصلاة؛ لا تجزئه صلاة وهو ذاكر الفرض المتقدم قبلها، فهو يعيدها أيضاً إذا ذكرها وهو في صلاة ".
فانظر أيها القارئ الكريم! هل ترى في كلام الإمام أحمد هذا إلا ما يدل على ما سبق تحقيقه؛ أن المسلم لا يخرج من الإسلام بمجرد ترك الصلاة؛ بل صلوات شهرين متتابعين! بل وأذن له أن يؤجل قضاء بعضها لطلب المعاش.
وهذا عندي يدل على شيئين: أحدهما - وهو ما سبق -: أنه يبقى على إسلامه، ولو لم تبرأ ذمته بقضاء كل ما عليه من الفوائت.
والآخر: أن حكم القضاء دون حكم الأداء؛ لأنني لا أعتقد أن الإمام أحمد - بل ولا من هو دونه في العلم- يأذن بترك الصلاة حتى يخرج وقتها لعذر طلب المعاش. والله أعلم.
واعلم أخي المسلم! أن هذه الرواية عن الإمام أحمد- وما في معناها- هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه كل مسلم لذات نفسه أولاً؛ ولخصوص الإمام أحمد.
ثانياً؛ لقوله ﵀: " إذا صح الحديث فهو مذهبي "؛ وبخاصة أن الأقوال الأخرى المروية عنه على خلاف ما تقدم مضطربة جداً؛ كما تراها في كتاب
стр. 1908
" الإنصاف " (١٠/ ٣٢٧ - ٣٢٨) وغيره من الكتب المعتمدة؛ ومع اضطرابها؛ فليس في شيء منها التصريح بأن المسلم يكفر بمجرد ترك الصلاة؛ وإذ الأمر كذلك؛ فيجب حمل الروايات المطلقة عنه على الروايات المقيدة والمبنية لمراده ﵀؛ وهي ما تقدم نقله عن ابنه عبد الله.
ولو فرضنا أن هناك رواية صريحة عنه في التكفير بمجرد الترك؛ وجب تركها والتمسك بالروايات الأخرى؛ لموافقتها لهذا الحديث الصحيح الصريح في خروج تارك الصلاة من النار بإيمانه ولو مقدار ذرة. وبهذا صرح كثير من كبار علماء الحنابلة المحققين؛ كابن قدامة المقدسي -كما تقدم في نقل أبي الفرج عنه-، ونص كلام ابن قدامة: " وإن ترك شيئاً من العبادات الخمس تهاوناً؛ لم يكفر".
كذا في كتابه "المقنع "، ونحوه في "المغني " (٢/ ٢٩٨ - ٣٠٢) في بحث طويل له؛ ذكر الخلاف فيه وأدلة كل فريق؛ ثم انتهى إلى هذا الذي في " المقنع"؛ وهو الحق الذي لاريب فيه؛ وعليه مؤلف " الشرح الكبير" و" الإنصاف " كما تقدم وإذا عرفت الصحيح من قول أحمد؛ فلا يرد عليه ما ذكره السبكي في ترجمة الإمام الشافعي؛ من " طبقات الشافعية الكبرى " (١/ ٢٢٠)، قال: " حكي أن أحمد ناظر الشافعي في تارك الصلاة؛ فقال له الشافعي: يا أحمد! تقول: إنه يكفر؟ قال: نعم. قال: إذا كان كافراً فبم يسلم؟ قال: يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله. قال: فالرجل مستديم لهذا القول لم يتركه!! قال: يسلم بأن يصلي. قال: صلاة الكافر لا تصح ولا يحكم بالإسلام بها. فانقطع أحمد وسكت ".
فأقول: لا يرد هذا على أحمد ﵀ لأمرين:
أحد هما: أن الحكاية لا تثبت، وقد أشار إلى ذلك السبكي رحمه الله
стр. 1909
بتصديره إياها بقوله: " حُكي"، فهي منقطعة. والآخر: أنه ذكر بناءً على القول بأن أحمد يكفر المسلم بمجرد ترك الصلاة؛ وهذا لم يثبت عنه كما تقدم بيانه؛ وإنما يرد هذا على بعض المشايخ الذين لا يزالون يقولون بالتكفير بمجرد الترك! وأملي أنهم سيرجعون عنه بعد أن يقفوا على هذا الحديث الصحيح؛ وعلى قول أحمد وغيره من كبار أئمة الحنابلة الموافق له؛ فإنه لا يجوز تكفير المسلم الموحد بعمل يصدر منه؛ حتى يتبين منه أنه جاحد ولو بعض ما شرع الله؛ كالذي يدعى إلى الصلاة فإن استجاب وإلا قتل كما تقدم. ويعجبني بهذه المناسبة ما نقله الحافظ في "الفتح " (١٢/ ٣٠٠) عن الغزالي أنه قال:
"والذي ينبغي الاحتراز منه: التكفير؛ ما وجد إليه سبيلاً، فإن استباحة دماء المسلمين المقرِّين بالتوحيد خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم لمسلم واحد ".
هذا؛ وقد بلغني أن بعضهم لما أُوِقف على هذا الحديث؛ شك في دلالته على نجاة المسلم التارك للصلاة من الخلود في النار مع الكفار، وزعم أنه ليس له ذكر في كل الدفعات التي أخرجت من النار. وهذه مكابرة عجيبة تذكرنا بمكابرة متعصبة المذاهب في رد دلالات النصوص انتصاراً للمذهب، فإن الحديث صريح في أن الدفعة الأولى شملت المصلين بعلامة أن النار لم تأكل وجوههم، فما بعدها من الدفعات ليس فيها مصلون بداهة، فإن لم ينفع مثل هذا بعض المقلدين الجامدين؛ فليس لنا إلا أن نقول: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِين﴾.
(تنبيه): ابن قدامة ﵀ من جملة الذين فاتهم الاستدلال بهذا الحديث الصحيح للمذهب الصحيح في عدم تكفير تارك الصلاة كسلاً. لكن العجيب أنه
стр. 1910
ذكر حديثاً آخر لو صح لكان قاطعاً للخلاف؛ لأن فيه أن مولى للأنصار مات وكان يصلي ويدع، ومع ذلك أمر ﵌ بغسله والصلاة عليه ودفنه، وهو وإن كان قد سكت عنه؛ فإنه قد أحسن بذكره مع إسناده من رواية الخلال، الأمر الذي مكنني من دراسته والحكم عليه بما يستحق من الضعف والنكارة، ولذلك أودعته في الكتاب الآخر: " الضعيفة " (٦٠٣٦).
بعد كتابة ما تقدم بأيام أطلعني بعض إخواني على كتاب بعنوان هام: "فتح من العزيز الغفار بإثبات أن تارك الصلاة ليس من الكفار" تأليف عطاء بن عبد اللطيف بن أحمد، ففرحت به فرحاً كبيراً، وازداد سروري حينما قرأته، وتصفحت بعض فصوله، وتبين لي أسلوبه العلمي وطريقته في معالجة الأدلة المختلفة التي منها- بل هي أهمها- تخريج الأحاديث وتتبع طرقها وشواهدها، وتمييز صحيحها من ضعيفها؛ ليتسنى له بعد ذلك إسقاط ما لا يجوز الاشتغال به لضعفه، والاعتماد على ما ثبت منها، ثم الاستدلال به أو الجواب عنه، وهذا ما صنعه الأخ المؤلف جزاه الله خيراً؛ خلافاً لبعض المؤلفين الذي يحشرون كل ما يؤيدهم دون أن يتحروا الصحيح فقط؛ كما فعل الذين ردوا علي في مسألة وجه المرأة من المؤلفين في ذلك من السعوديين والمصريين وغيرهم. أما هذا الأخ (عطاء)؛ فقد سلك المنهج العلمي في الرد على المكفرين؛ فتتبع أدلتهم، وذكر ما لها وما عليها، ثم ذكر الأدلة المخالفة لها على المنهج نفسه، ووفق بينها وبين ما يخالفها بأسلوب رصين متين، وإن كان يصحبه أحياناً شيء من التساهل في التصحيح باعتبار الشواهد، ثم التكلف في التوفيق بينه وبين الأحاديث الصحيحة الدالة على عدم كفر تارك الصلاة؛ كما فعل في حديث أبي الدرداء في الصلاة: " فمن تركها فقد خرج من الملة ". فإنه بعد أن تكلم عليه وبين ضعف إسناده؛ عاد فقواه بشواهده،
стр. 1911
وهي في الحقيقة شواهد قاصرة لا تنهض لتقوية هذا الحديث، ثم أغرب فتأول الخروج المذكور فيه بأنه خروج دون الخروج!! وله غير ذلك من التساهل والتأويل؛ كالحديث المخرج في " الضعيفة " (٦٠٣٧).
والحق؛ أن كتابه نافع جداً في بابه؛ فقد جمع كل ما يتعلق به سلباً أو إيجاباً، قبولاً أو رفضاً؛ دون تعصب ظاهر منه لأحد أو على أحد، وأحسن ما فيه الفصل الأول من الباب الثاني؛ وهو كما قال: " في ذكر أدلة خاصة تدل على أن تارك الصلاة لا يخرج من الملة "! وعدد أدلته المشار إليها (١٢) دليلاً، ولقد ظننت حين قرأت هذا العنوان في مقدمة كتابه أن منها حديث الشفاعة هذا؛ لأنه قاطع للنزاع كما سبق بيانه، ولكنه- مع الأسف- قد فاته كما فات غيره من المتقدمين على ما سلف ذكره.
غير أنه لابد لي من التنويه بدليل من أدلته لأهميته وغفلة المكفرين عنه؛ ألا وهو قوله ﵌: " إن للإسلام صُوىً ومناراً كمنار الطريق .. " الحديث، وفيه ذكر التوحيد، والصلاة وغيرها من الأركان الخمسة المعروفة والواجبات، ثم قال ﵌: «فمن انتقص مِنْهُنَّ شيئاً؛ فهو سهم من الإسلام تركه؛ ومن تركهن؛ فقد نبذ الإسلام وراءه».
وقد خرجه المومى إليه تخريجاً جيداً، وتتبع طرقه؛ وبين أن بعضه صحيح الإسناد، ثم بين دلالته الصريحة على عدم خروج تارك الصلاة من الملة. فراجعه وراجع الكتاب كله؛ إن كان عندك شك في المسألة.
وقد كنت خرجته قديماً برقم (٣٣٣) منذ أكثر من ثلاثين سنة، واستفاد هو منه- كما هو شأن المتأخر مع المتقدم- ولكنه لم يشر إلى ذلك أدنى إشارة، ولقد كان يحسن به ذلك؛ ولا سيما أنه خصني بالنقد في بعض الأحاديث، وذلك مما
стр. 1912
لا يضرني البتة؛ بل إنه لينفعني أصاب أم أخطأ، وليس الآن مجال تفصيل القول في ذلك.
والخلاصة؛ أن حديثنا هذا حديث الشفاعة حديث عظيم، ومن ذلك دلالته القاطعة على أن تارك الصلاة- مع إيمانه بوجوبها- لا يخرج من الملة، وأنه لا يخلد في النار مع الكفرة الفجرة.
ولذلك؛ فإني أرجو مخلصاً كل من وقف على هذا الحديث وغيره مما في معناه أن يتراجع عن تكفير المسلمين التاركين للصلاة مع إيمانهم بها، والموحدين لله ﵎؛ فإن تكفير المسلم أمر خطير جداً كما تقدم. وعليهم فقط أن يذكروا بعظمة منزلة الصلاة في الإسلام بما جاء في ذلك في الكتاب والأحاديث النبوية، والآثار السلفية الصحيحة، فإن الحكم قد خرج- مع الأسف- من أيدي العلماء، فهم لذلك لا يستطيعون أن ينفذوا حكم الكفر والقتل في تارك واحد للصلاة؛ بله جمع من التاركين؛ ولو في دولتهم فضلاً عن الدول الإسلامية الأخرى! فإن قتل التارك للصلاة بعد دعوته إليها إنما كان لحكمة ظاهرة، وهو لعله يتوب إذا كان مؤمناً بها، فإذا آثر القتل عليها؛ دل ذلك على أن تركه كان عن جحد، فيموت- والحالة هذه- كافراً؛ كما تقدم عن ابن تيمية، فامتناعه منها في هذه الحالة دليل عملي على خروجه من الملة. وهذا مما لا سبيل إلى تحقيقه اليوم مع الأسف، فليقنع العلماء- إذن من الوجهة النظرية- على ما عليه جمهور أئمة المسلمين؛ بعدم تكفير تارك الصلاة مع إيمانه بها، وقد قدمنا الدليل القاطع على ذلك من السنة الصحيحة؛ فلا عذر لأحد بعد ذلك ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾ (النور:٦٣).
стр. 1913
ثم طَبَعْتُ هذا البحث في رسالة خاصة بعنوان " حكم تارك الصلاة " فنفع الله بها من شاء من عباده، واستنكر بعض المؤلفين ما فيه من الحكم: أن تارك الصلاة كسلاً- مع إيمانه بها- ليس بكافر؛ لمخالفته إياه عقيدة، فهو بهذا الاعتبار مخالف له؛ وهو عمل قلبي؛ والله ضمن أن لا يضيعه؛ كما قال أبو سعيد في الحديث هذا: " فمن لم يصدق بهذا الحديث؛ فليقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ... ﴾.
وبالنظر إلى تركه الصلاة فهو مشابه للكفار عملاً؛ الذين يتحسرون يوم القيامة؛ فيقولون وهم في سقر: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّين، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِين﴾ (المدثر:٤٣، ٤٤)؛ فكفره كفر عملي؛ لأنه عمل عمل الكفار؛ فهو كالتارك للزكاة؛ وقد صح الحديث أيضاً أن مانع الزكاة يعذب يوم القيامة بماله الذي كان منعه، ثم يساق إما إلى الجنة وإما إلى النار، ولكن المؤلف المشار إليه- هدانا الله وإياه-تأول هذا الحديث كما تأول حديث المانع للزكاة تأويلاً عطل دلالته الصريحة على ما ذهبنا إليه من الفرق بين الكفر الاعتقادي والكفر العملي؛ مع أنه قد صح هذا عن ابن عباس وبعض تلامذته، وجرى عليه من بعدهم من أتباع السلف؛ كابن القيم وشيخه؛ كما تقدم في هذا البحث؛ ومع ذلك لم يعرج عليه المومى إليه مطلقاً ولو لرده؛ ولا سبيل له إليه! والله يقول: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِين، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون﴾ (القلم:٣٥، ٣٦)؟ وكذلك صرف المؤلف المذكور نظره عن حديث:" إن للإسلام صوى .. " الصريح في التفريق بين: "من ترك سهماً؛ فهو سهم من الإسلام تركه "؛ وبين " من ترك الأسهم كلها؛ فقد نبذ الإسلام كله "؛ فلم يتعرض له بجواب. ولا أستبعد أن يحاول تأويله أو تضعيفه؛ كما فعل بغيره من الأحاديث الصحيحة.
стр. 1914
وبالجملة؛ فمجال الرد عليه واسع جداً، ولا أدري متى تسنح لي الفرصة للرد عليه، وبيان ما يؤخذ عليها فقهاً وحديثاً؟ وإن كنت أشكر له أدبه ولطفه وتبجيله لكاتب هذه الأحرف، ودفاعه عن عقيدة أهل الحديث في أن الإيمان يزيد وينقص؛ وإن كان قد اقترن به أحياناً شيء من الغلو والمخالفة؛ والاتهام بالإرجاء؛ مع أنه يعلم أنني أخالفهم مخالفة جذرية؛ فأقول: الإيمان يزيد وينقص؛ وإن الأعمال الصالحة من الإيمان، وإنه يجوز الاستثناء فيه؛ خلافاً للمرجئة، ومع ذلك رماني أكثر من مرة بالإرجاء! فقلب بذلك وصية النبي ﵌: " وأتبع السيئة الحسنة تمحها .. "! فقلت: ما أشبه اليوم بالبارحة! فقد قال رجل لابن المبارك: " ما تقول فيمن يزني ويشرب الخمر؛ أمؤمن هو؟ قال: لا أخرجه من الإيمان. فقال الرجل: على كبر السن صرت مرجئاً! فقال له ابن المبارك: إن المرجئة لا تقبلني! أنا أقول: الإيمان يزيد وينقص. والمرجئة لا تقول ذلك. والمرجئة تقول: حسناتنا متقبلة. وأنا لا أعلم تُقبلت مني حسنة؟ وما أحوجك إلى أن تأخذ سبورة فتجالس العلماء ". رواه ابن راهويه في "مسند هـ " (٣/ ٦٧٠ - ٦٧١).
قلت: ووجه المشابهة بين الاتهامين الظالمين هو الإشراك بالقول مع المرجئة في بعض مايقوله المرجئة؛ أنا بقولي بعدم تكفير تارك الصلاة كسلاً؛ وابن المبارك في عدم تكفير مرتكب الكبيرة ولو أردت أن أقابله بالمثل لرميته بالخروج؛ لأن الخوارج يكفرون تارك الصلاة وبقية الأركان الأربعة! و ﴿أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِين﴾.
"السلسلة الصحيحة" (٧/ ١/١٢٧ - ١٥٤).
стр. 1915
[٦٠٣] باب منه
[قال رسول الله ﵌]:
«يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: " لا إله إلا الله " فنحن نقولها».
[قال الإمام]:
هذا وفي الحديث فائدة فقهية هامة، وهي أن شهادة أن لا إله إلا الله تنجي قائلها من الخلود في النار يوم القيامة، ولو كان لا يقوم بشيء من أركان الإسلام الخمسة الأخرى كالصلاة وغيرها، ومن المعلوم أن العلماء اختلفوا في حكم تارك الصلاة خاصة، مع إيمانه بمشروعيتها، فالجمهور على أنه لا يكفر بذلك، بل يفسق وذهب أحمد إلى أنه يكفر وأنه يقتل ردة، لا حداًّ، وقد صح عن الصحابة أنهم كانوا لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. رواه الترمذي والحاكم، وأنا أرى أن الصواب رأي الجمهور، وأن ما ورد عن الصحابة ليس نصا على أنهم كانوا يريدون بـ (الكفر) هنا الكفر الذي يخلد صاحبه في النار ولا يحتمل أن يغفره الله له، كيف ذلك وهذا حذيفة بن اليمان - وهو من كبار أولئك الصحابة - يرد على صلة بن زفر وهو يكاد يفهم الأمر على نحو فهم أحمد له، فيقول: ما تغني عنهم لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صلاة .... " فيجيبه حذيفة بعد إعراضه عنه: «يا صلة تنجيهم من النار. ثلاثاً».
فهذا نص من حذيفة ﵁ على أن تارك الصلاة، ومثلها بقية الأركان
стр. 1916
ليس بكافر، بل هو مسلم ناج من الخلود في النار يوم القيامة، فاحفظ هذا فإنه قد لا تجده في غير هذا المكان.
وفي الحديث المرفوع ما يشهد له، ولعلنا نذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى. ثم وقفت على " الفتاوى الحديثية " (٨٤/ ٢) للحافظ السخاوي، فرأيته يقول بعد أن ساق بعض الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصلاة وهي مشهورة معروفة: "ولكن كل هذا إنما يحمل على ظاهره في حق تاركها جاحداً لوجودها مع كونه ممن نشأ بين المسلمين، لأنه يكون حينئذ كافراً مرتداًّ بإجماع المسلمين، فإن رجع إلى الإسلام قبل منه، وإلا قتل، وأما من تركها بلا عذر، بل تكاسلاً مع اعتقاد وجوبها، فالصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور أنه لا يكفر، وأنه - على الصحيح أيضاً - بعد إخراج الصلاة الواحدة عن وقتها الضروري، كأن يترك الظهر مثلا حتى تغرب الشمس أو المغرب حتى يطلع الفجر - يستتاب كما يستتاب المرتد، ثم يقتل إن لم يتب، ويغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، مع إجراء سائر أحكام المسلمين عليه، ويؤول إطلاق الكفر عليه لكونه شارك الكافر في بعض أحكامه. وهو وجوب العمل، جمعا بين هذه النصوص وبين ما صح أيضاً عنه ﵌ أنه قال: «خمس صلوات كتبهن الله -» فذكر الحديث. وفيه: «إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له» وقال أيضا: «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة» إلى غير ذلك. ولهذا لم يزل المسلمون يرثون تارك الصلاة ويورثونه ولو كان كافرا لم يغفر له، ولم يرث ولم يورث ".
وقد ذكر نحو هذا الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله في "حاشيته على المقنع" (١/ ٩٥ - ٩٦) وختم البحث بقوله: "ولأن ذلك إجماع المسلمين، فإننا لا نعلم في عصر من الأعصار أحداً من تاركي الصلاة، ترك تغسيله والصلاة عليه، ولا منع
стр. 1917
ميراث موروثه مع كثرة تاركي الصلاة، ولو كفر لثبتت هذه الأحكام، وأما الأحاديث المتقدمة، فهي على وجه التغليظ والتشبيه بالكفار لا على الحقيقة، كقوله ﵊: " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر "، وقوله "من حلف بغير الله فقد أشرك " وغير ذلك. قال الموفق: وهذا أصوب القولين ".
أقول: نقلت هذا النص من " الحاشية " المذكورة، ليعلم بعض متعصبة الحنابلة، أن الذي ذهبت إليه، ليس رأيا لنا تفردنا به دون أهل العلم، بل هو مذهب جمهورهم، والمحققين من علماء الحنابلة أنفسهم، كالموفق هذا، وهو ابن قدامة المقدسي، وغيره، ففي ذلك حجة كافية على أولئك المتعصبة، تحملهم إن شاء الله تعالى، على ترك غلوائهم، والاعتدال في حكمهم.
بيد أن هنا دقيقة، قل من رأيته تنبه لها، أو نبه عليها، فوجب الكشف
عنها وبيانها.
فأقول: إن التارك للصلاة كسلاً إنما يصح الحكم بإسلامه، ما دام لا يوجد هناك ما يكشف عن مكنون قلبه، أو يدل عليه، ومات على ذلك، قبل أن يستتاب كما هو الواقع في هذا الزمان، أما لو خير بين القتل والتوبة بالرجوع إلى المحافظة على الصلاة، فاختار القتل عليها، فقتل، فهو في هذه الحالة يموت كافرا، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا تجري عليه أحكامهم، خلافا لما سبق عن السخاوي لأنه لا يعقل - لو كان غير جاحد لها في قلبه - أن يختار القتل عليها، هذا أمر مستحيل، معروف بالضرورة من طبيعة الإنسان، لا يحتاج إثباته إلى برهان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في " مجموعة الفتاوى " (٢/ ٤٨): " ومتى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل، لم يكن في الباطن مقراًّ
стр. 1918
بوجوبها ولاملتزما بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين، كما استفاضت الآثار عن الصحابة بكفر هذا، ودلت عليه النصوص الصحيحة .... فمن كان مصراًّ على تركها حتى يموت، لا يسجد لله سجدة قط، فهذا لا يكون قط مسلماً مقرا بوجوبها، فإن اعتقاد الوجوب واعتقاد أن تاركها يستحق القتل، هذا داع تام إلى فعلها، والداعي مع القدرة يوجب وجود المقدور، فإذا كان قادراً ولم يفعل قط، علم أن الداعي في حقه لم يوجد ".
قلت: هذا منتهى التحقيق في هذه المسألة، والله ولي التوفيق.
"الصحيحة" (١/ ١/١٧١، ١٧٥ - ١٧٨).
[٦٠٤] باب منه
[قال رسول الله ﵌]:
«إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار أمر الله الملائكة أن يخرجوا
من يعبد الله فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود وحرم الله على النار أن تأكل
أثر السجود فيخرجون من النار فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود» رواه البخاري ومسلم.
[قال الإمام]:
فيه أن عصاة المصلين لا يخلدون في النار، وكذلك لو كان الموحد تاركًا للصلاة كسلاً فإنه لا يخلد.
"صفة الصلاة" (ص١٤٩).
стр. 1919
[٦٠٥] باب منه
سؤال: بالنسبة جزاك الله خير لتارك الصلاة: الآن كثير من أهل العلم بعضهم يقول: هو كافر وبعضهم يقول: هو فاسق، فما حكمه في هذه المسألة وهل هو كفر دون كفر أو كفر يخرج من الملة؟
الشيخ: نحن ذكرنا هذه المسألة في سلسلة الأحاديث الصحيحة وذكرنا بأن من ترك الصلاة عامداً متعمداً جاحداً لها فهو كفر بإجماع الأمة، أما من تركها كسلاً معترفاً بوجوبها ويتمنى من الله أن يهديه وأن يوفقه للصلاة فهذا ليس بكافر كفراً يرتد به ويخرج به من الملة؛ لأن الكفر الذي يخرج به صاحبه من الملة مَقَرُّهُ القلب فإذا كان هذا التارك للصلاة مؤمناً في قلبه معترفاً بما فرض الله عليه من فرائض لكنه يعرف بأن الشيطان والنفس الأمارة بالسوء والتجارة وإلى آخره لا شك أن هذا التعلل مردود عليه، ولكن يشفع له أن لا يُكفَّر ما دام أنه يؤمن بما شرع الله ﵎.
والعلماء والمحققون كابن تيمية وابن القيم الجوزية وغيره قد وضعوا قاعدة عامة ألا وهي التفريق بين الكفر العملي والكفر الاعتقادي، فمن وقع في الكفر الاعتقادي فهو الذي ارتد عن الدين، أما من وقع في الكفر العملي فهذا لا يحكم بردته وإنما بفسقه وفجوره، فتارك الصلاة هكذا لا يحكم بأنه كافر إلا إذا جحد ذلك جحداً فحينئذٍ يكفر؛ ولذلك كان مذهب جماهير العلماء عدم تكفير تارك الصلاة إلا مع الجحد، وهذه رواية عن الإمام أحمد نفسه فهو وافق فيه جماهير الأئمة على أن الترك إن كان ليس عن جحد فهو فسق وليس كفر.
مداخلة: طيب! بالنسبة للحديث بارك الله فيك: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» يا ليت تشرح الحديث؟
стр. 1920
الشيخ: هو بارك الله فيك! ليس هذا هو أول حديث يقال فيه من فعل كذا فقد كفر، عندكم الحديث المشهور: «من حلف بغير الله فقد أشرك، كفر» ألا نقول نحن من قال: «وحياة أبي» إنه ارتد عن دينه.
وأنتم تعلمون مثلاً حديث عمر بن الخطاب في صحيح البخاري لما سمعه الرسول ﵇ يحلف بأبيه فقال ﵇: «لا تحلفوا بآبائكم من كان منكم حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت» (١) وفي حديث ابنه عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﵌: «من حلف بغير الله فقد أشرك» (٢) وفي رواية أخرى: فقد كفر، فلا يلزم من مجيء لفظة من فعل كذا فقد كفر أي: أنه كفر كفر ردة وإنما له معان كثيرة، منها مثلاً: كفر أي أشرف على الكفر .. كفر كفراً عملياً ونحو ذلك من المعاني التي يضطر إليها أهل العلم بالتوفيق بين النصوص: «من ترك الصلاة فقد كفر» نقول: «من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة» .. من قال: «لا إله إلا الله نفعته يوماً من دهره» كما جاء في حديث البزار وغيره، «أيما عبد أبق من مولاة فقد كفر» (٣) هذه الألفاظ كثيرة وكثيرة جداً فقد كفر فقد كفر ولا يوجد حديث يُفَسَّر هكذا على ظاهره إذا جاء بلفظ فقد كفر.
هذا الحديث حديث: «من ترك الصلاة فقد كفر» يعامل نفس المعاملة التي تعامل بها الأحاديث الأخرى التي تشترك مع حديث الصلاة في لفظة «فقد كفر»، فهنا تأتي تآويل كثيرة لهذا النص فكثير من الأحاديث مثلاً: «لا يدخل الجنة قتات» (٤) .. «لا يدخل الجنة نمام» هل معنى ذلك أنه كفر بسبب نميمته؟ الجواب:
стр. 1921
إن كان يستحل ذلك بقلبه فقد حرمت عليه الجنة .. إن كان يعترف بتحريم ذلك ويعترف بأنه مخطئ وأنه مذنب ومجرم؛ فهو أمره إلى الله كما قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨).
فترك الصلاة هو فعل يعرض صاحبه أن يموت والعياذ على غير الإيمان، وترك الصلاة هو من شيم الكفار الذين لا يصلون .. لا يؤتون الزكاة ولا يصلون، فالمسلم إذا لم يصل فقد شابه الكفار، فكفره هنا كفر عملي والأحاديث كثيرة وكثيرة جداً التي لا بد من تأويلها، مثلاً: قال ﵊ في حجة الوداع وقد خطب فيهم أمر جرير بن عبد الله البجلي أن يستنصت الناس، فقال ﵇: «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» ..
ومثل قوله ﵇: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» فإذا قتل مسلم مسلماً أو قاتله فهل هذا يرتد عن دينه؟ الجواب: لا؛ لأن الله قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (الحجرات:٩) فاعتبر كلاًّ من الطائفتين الباغية والمبغي عليها من المؤمنين مع أن الرسول يقول في الحديث السابق: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» فبماذا يفسر هنا الكفر؟ كفر دون كفر .. كفر عملي .. وهكذا أيضاً أحاديث الصلاة التي فيها التصريح بأن من ترك الصلاة فقد كفر، إما أن يقال أشرف على الكفر الاعتقادي .. أشرف أن يموت على غير ملة الإسلام، أو أنه كفر كفراً عملياً، هذا التأويل لا بد منه حتى لا نضرب أحاديث الرسول ﵇ بعضها ببعض.
"الهدى والنور" (٨١/ ٢٩: ٢٥: ٠٠)
стр. 1922
[٦٠٦] باب منه
سؤال: ما حكم تارك الصلاة وهو موحد ويعرف حدود الله وقد ألهته الدنيا عن ذكر ربه، ومات على ذلك وما حكم تارك الصلاة خوفاً من حاكم ظالم ولا يصلي إلا عندما يصبح بأمان ومات على ذلك؟
الشيخ: يصلي خوفاً من الحاكم الظالم وحين لا يكون في أمان لا يصلي؟
مداخلة: هو تارك للصلاة خوفاًَ من الحاكم الظالم ولا يصلي إلا إذا أمن الحاكم؟
الشيخ: كيف تارك الصلاة خوفاً من الحاكم؟
مداخلة: لا يصلي خوفاً من الحكام، هو تارك للصلاة إذا علموا أنه يصلي يؤذونه.
الشيخ: هم كفار يعني؟
مداخلة: والأول هو موحد يعرف حدود الله وقد ألهته الدنيا عن ذكر ربه؟
الشيخ: والثاني أيش الفرق بينه وبين الأول يعني غير موحد؟
مداخلة: الثاني يعني نفس الشيء لكن ترك الصلاة خوفاً من الحاكم؟
الشيخ: المهم أن المسلم إذا كان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حقاً ولكنه يرتكب كثيراً من المعاصي الكبائر والصغائر كأكل الربا والزنا ونحو ذلك، ومن ذلك تركه للصلاة، فهو إن فعل كل ذلك جحداً بحكم الله فيها فهو كافر مرتد، فمن جحد مثلاً شرعية الصلاة فهو كافر، من جحد تحريم الربا والزنا والسرقة وغير ذلك من المعاصي فهو كافر؛ لأن هذا الجحد يتعلق بالقلب وهو
стр. 1923
الكفر الاعتقادي فحينئذ مثل هذا لا يكون مسلماً إطلاقاً.
وعلى العكس من ذلك من كان مؤمناً بالله ورسوله وكل ما جاء عنهما ولكنه يواقع شيئاً من تلك الكبائر فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وحينئذ فالصورتان تُعَالجان بهذا الجواب: الكفر الذي يساوي الخروج عن الملة هو الكفر الاعتقادي، أما إذا كان هناك كفر عملي كترك الصلاة فهذا لا يخرج صاحبه عن الملة؛ لأنه مؤمن بشرعيتها؛ فلا يكفر إلا إذا جحد شرعيتها.
"الهدى والنور" (٩٧/ ٠٩: ٢٣: ٠٠)
[٦٠٧] باب منه
[سئل الشيخ عمن يصلي الفجر بعد طلوع الشمس، ثم قال السائل]:
فهذه الصلاة التي يصليها دائماً وأبداً بعد طلوع الشمس لا قيمة لها في
الشرع أبداً.
هل تجزي هذه الصلاة وما يترتب عليها من إثم أم يعتبر كافراً؟
الشيخ: أقول: هذه الصلاة لا تجزيه، أي: لا تبرأ ذمته بأدائه صلاة الفجر دائماً وأبداً بعد طلوع الشمس إلا في الحالة التي ذكرتها آنفاً.
وخلاصة ذلك أنه ينام بعد صلاة العشاء، فإذا غلبه النوم وما استيقظ إلا بعد الشمس، فلا مؤاخذة نائم.
لكن أن يظل في منهجه السابق ما يجوز ولا تجزئه هذه الصلاة.
أما أنه يعتبر كافراً أم مقصراً فقط؟
стр. 1924
أقول: لا يعتبر كافراً إذا كان معترفاً بشرعية هذه الصلاة كل في وقتها، وضميره كما يقولون اليوم يؤنبه على تقصيره، فهذا لا يعتبر كافراً ..
مداخلة: بخلاف المنهج.
الشيخ: بخلاف المنهج.
لا يعتبر كافراً وإنما يعتبر مقصراً أشد التقصير، وأخيراً: أدى فريضة الحج فهل تعتبر صحيحة؟
نقول: إذا كان قد أدى فريضة الحج بشروطها وبأركانها فهي صحيحة، واضح؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: وهل تجوز أم لا؟ الجواب: نعم.
مداخلة: ...
الشيخ: هو يصلي أو لا يصلي؟
مداخلة: بعد التوبة؟
الشيخ: نعم.
مداخلة: مكث ثلاث سنوات يصلي.
الشيخ: يصلي، طيب ما اغتسل؟
مداخلة: نعم، بعدما رجع إلى الله صار له ثلاث سنوات يقول ما أغتسل، جاهلاً فيه.
الشيخ: كل هذه السنين.
مداخلة: نعم يغتسل، ولكن اغتسال الرجوع إلى الله مثل مثلاً المسيحيين لما
стр. 1925
يدخل الإسلام يغتسل
الشيخ: هل كان كافراً؟
مداخلة: لا.
الشيخ: هو كان ضالاً.
مداخلة: ضالاً تاركاً للصلاة وسائر العبادات.
الشيخ: إذاً: ليس كافراً، عندما كان تاركاً للصلاة كان مؤمناً بها كما قلنا في المرة الأولى.
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب هذا ليس كافراً، ولذلك لا يجب أن يغتسل، كما يجب على الكافر إذا أسلم أن يغتسل، لكن هو لما مثلاً تاب إلى الله توبة نصوحة، وفاجأته أول صلاة، فإن كان جنباً مثلاً فعليه أن يغتسل، وإن كان محدثاً حدثاً أصغر عليه أن يتوضأ.
لا بد أنه فعل هذا وهذا، أما اغتسال لأنه ارتد، هذا إنما يجب على قول من يقول من مشايخكم في هذه البلاد، أن تارك الصلاة كسلاً كافر مرتد عن دينه، وهذا ليس صواباً.
ولذلك فهو ضال؛ أسلم منذ ثلاث سنوات، لا يجب عليه إلا ما فعله، أن يغتسل غسل الجنابة عند اللزوم، وأن يتوضأ لكل صلاة، ونسأل الله أن يثبتنا وإياكم جميعاً.
"الهدى والنور" (٤٠٢/ ٢٠: ١١: ٠٠)
стр. 1926
[٦٠٨] باب منه
السؤال: حكم تارك الصلاة قطعياً؟
الشيخ: حكم تارك الصلاة إن كان تركها كسلاً وهو يؤمن بشرعيتها فهو مسلم فاسق، أما إذا كان ينكر شرعيتها فهو كافر مرتد عن دينه.
" الهدى والنور" (٤٣٧/ ٢٨: ١٤: ٠٠)
[٦٠٩] باب منه
السؤال: ما حكم تارك الصلاة، وماذا يفعل من كان أبوه أو أخوه أو ابنه تارك لصلاته؟
الجواب:
بالنسبة للشطر الأول:
تارك الصلاة له حالتان: إما أن يتركها كسلاً وإما أن يتركها جحداً لشرعيتها، فإن تركها كسلاً فجمهور العلماء أيضاً على أنه لا يكفر، ومذهب أحمد في رواية عنه تخالف الرواية الأخرى التي توافقه توافق الجمهور، يقول بأنه يكفر بترك الصلاة ولو كسلاً، لكن الرواية التي رجحها كبار فقهاء الحنابلة كابن قدامة المقدسي في المغني وغيره، رجحوا روايته الأخرى الموافقة لرواية الجمهور وهي أن تارك الصلاة كسلاً يفسق ولا يكفر، أما إن تركها جحداً لشرعيتها، فهذا كافر بالإجماع.
لكن هنا صورة لا بد من التنبيه إليها؛ لأنها تذكر في فروع الجمهور الذين لا يكفرون تارك الصلاة؛ لأنه تركها كسلاً، فما جزاء تارك الصلاة كسلاً.
стр. 1927
هناك مذهبان: مذهب أبي حنيفة أنه يحبس حتى يتوب، ومذهب الإمام الشافعي وغيره أنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.
الخطأ أن تمام الجواب فإن لم يتب قتل، قالوا: وغسل وصلي عليه ودفن في مقابر المسلمين، هذا خطأ.
مداخلة: .. كفر ..
الشيخ: لا، هم ما يقولون كفر.
مداخلة: قتل حدًّا.
الشيخ: لا في دقة هنا، ما يأتي بيانه وتجاوباً مع قول أهل العلم الذي أخل به أكثر طلاب العلم في هذا الزمان، من بركة العلم أن يعزى كل قول لقائلهن فأنا استفدت ما يأتي من كلام ابن تيمية لم يسبقه إليه أحداً إطلاقاً.
يقول: من عرض على النطع -على القتل- وهو تارك صلاة، قيل له: إما أن تتوب وتصلي وإلا قتلناك فآثر القتل على الصلاة، هذا يموت كافراً؛ لأنه لا يتصور أن يكون يدين الله بشرعية الصلاة وأمامه القتل ويعاند ويختار القتل على الصلاة، هذا مستحيل، لذلك فهذا قول خطأ يا أبا عبد الرحمن، هذا القول خطأ، لا يقتل حداً مثل هذا الرجل.
مداخلة: هم يقولون ..
الشيخ: سامحك الله، وأنا أقول ماذا؟ أنا أقول إنما يقولون قول باطل
لا يجوز.
إذاً: تارك الصلاة كسلاً لا يحكم عليه بالكفر، لكن يستتاب فإن تاب فبها.
стр. 1928
فما الفرق بين القولين الذي يحكم بالكفر والذي يقول لا، ليس بكافر، تارك الصلاة كافر طلقت زوجته بانت منه، فلا بد أن يعقد من جديد ويجدد إيمانه من جديد، أما الذي يقول تارك الصلاة كسلاً لا يكفر لا يترتب عليه هذه الأمور الأخرى، لكن إذا ما جيء به أمام القاضي الشرعي، وقيل له: صل وإلا قتلناك، فآثر القتل على الصلاة هذا يموت كافراً، لا يتصور أن يكون إلا عقائدياً كما يقولون اليوم، لا يرى الصلاة، فهذا يموت كافراً.
"الهدى والنور" (٦٤٢/ ٠٠:٢٧:٢١)
[٦١٠] باب حكم من ترك الصلاة عنادًا واستكبارًا
عن أبي الدرداء ﵁ قال:
«لا إيمان لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له»
رواه ابن عبد البر وغيره موقوفاً.
(صحيح موقوف).
وقال ابن أبي شيبة قال النبي ﵌: «من ترك الصلاة فقد كفر».
وقال محمد بن نصر المروزي: سمعت إسحاق يقول: «صح عن النبي ﵌ أن تارك الصلاة كافر, وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي ﵌ أن تارك الصلاة عمداً من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر».
[قال الإمام]:
قلت: وزاد ابن عبد البر في التمهيد (٤/ ٢٢٦) عن إسحاق: إذا أبي من قضائها وقال: لا أصلي. ففي قوله هذا ما يشعر أنه لا يصلي عناداً واستكباراً عن
стр. 1929
الخضوع لله بها, فهو في هذه الحالة ونحوها كافر. وليس كذلك من يقول مثلاً في هذا الزمان الذي عطلت فيها إقامة الحدود الشرعية - حين ينكر عليه ترك الصلاة قال -: الله يتوب علي, والله يعلم أنه صادق فيما يقول ... فليس الكفر هو لمجرد الترك, بل ما اقترن به من العمل الدال على الكفر القلبي, فعليه تحمل أحاديث الباب وآثاره. والله أعلم.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (١/ ٢٥٩).
[٦١١] باب نقاش حول حكم تارك الصلاة
السائل: سؤال على أساس نحن نعلم بأن من ينكر شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة يعني تذاكرنا بهذا الكلام عند كثير من المشايخ الله يجزيهم خيراً، ولكن الله يجزيك الخير تفصل لنا، واحد ينكر شيء معلوم من الدين بالضرورة نزل من الله سلطان بأنه كافر من فعل ذلك، مثلاً: آتي لحديث صحيح رواه مثلاً البخاري ومسلم بين الرجل والكفر ترك الصلاة، ومن تركها فقد كفر، وأيضاً ورد بأن البعث واجب الإيمان به وورد بأنه مثلاً أحاديث متواترة عن عذاب القبر أو المسيح الدجال كذا .. إلخ، طيب أحد أنكر شيئاً من هذه المعلومات بالضرورة، ما حكمه، وكيف نتعامل معه، ألا يكفر بهذا الكلام.
الشيخ: أنت حشرت أموراً اعتقادية بأمور عملية، مثلاً: إنكار البعث والنشور قرنت معها ترك الصلاة، وأنت تعرف أن ترك الصلاة عمل يقترن به نية، أما البعث فهو مجرد إيمان وقر في القلب أو خرج من القلب، فالأحكام أحكام العبادات والمعاملات لا يمكن أن تقرن مع الغيبيات، فالآن حدد كلامك حتى يتضح لك الجواب، هل أنت في موضوع الإيمانيات والغيبيات كالبعث والنشور ونحو ذلك،
стр. 1930
أم أنت في العمليات كالصلاة والزكاة ونحو ذلك؟
السائل: حددت السؤال يا شيخ، قلت: معلومات من الدين بالضرورة، أمور معلومة من الدين بالضرورة.
الشيخ: معلوم من الدين بالضرورة الصلاة مثلاً معلوم من الدين بالضرورة، هل سؤالك أنه أنكرها أم تركها؟
السائل: تركها.
الشيخ: وما أنكرها؟
السائل: وما أنكرها.
الشيخ: طيب، فالمعلوم من الدين بالضرورة العلماء يسوقوه في مساق الغيبيات أم الأحكام؟
السائل: نريد منك التفصيل.
الشيخ: العلماء لما يقولوا العبارة يقصدون بمن أنكر شيئاً معلوم من الدين بالضرورة فهو كافر، «من أنكر»، ليس من ترك العمل، فيجب أن تفرق.
السائل: ورد بالنص يا شيخ: من تركها.
الشيخ: يجب أن تفرق الله يهديك، الآن نحن نبحث في اصطلاح العلماء ومن هو الكافر عندهم، ما نبحث بخصوص تارك الصلاة، هذه لها حجرة لوحدها، بحث لوحده، فمن أنكر شيئاً معلوم من الدين بالضرورة، هو الذي يكفره العلماء، أما من ترك شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة وهو يؤمن أنه من الدين بالضرورة فهذا لا يدخل في قاعدة من أنكر شيئاً من الدين بالضرورة فقد