لا ينفي أنهم
الشيخ: نحن مو هذا دليلنا، دليلنا أن الذين كانوا يصلون أخرجوا أول وجبة.
الملقي: أيوه، والآخرين اللي بينهم، هل ينفي ...
الشيخ: ما فيهم مصلين طبعاً؛ لأنه الذين قالوا: هؤلاء إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون وما نراهم معنا، أيش فعلوا له: فأخرجوهم، فلما أذن لهم بأن يشفعوا بجماعة ثانية هؤلاء ليس فيهم أولئك المصلون، ولذلك أنا بتساءل أيش علاقة هذا الحديث بذاك.
الملقي: إذاً هنا
الشيخ: التصنيف والترتيب هو الذي جعلنا نحن نستدل بالحديث على أن تارك الصلاة إذا كان مؤمناً كما قلنا آنفاً في التفصيل بين الكفر الاعتقادي والكفر العملي، إذا كان مؤمناً بالصلاة ولكنه لم يكن يصلي كسلاً أو عملاً، وليس عن عناد أو إنكار فهؤلاء يشفع لهم فيشفعون فيهم.
الملقي: إذاً انقطع عني الإشكال، إنما السؤال الآن توجيه هذه العبارة بحيث أنه لم يعمل خيراً قط ولا يدخل الجنة إلا المؤمن.
الشيخ: إيه أيش معنى: لا يدخل الجنة إلا مؤمن؛ كامل؟
مداخلة: لا، لا شك.
الشيخ: وأنا بقول: تارةً بلى، تارةً لا، لا يدخل الجنة إلا مؤمن مع السابقين الأولين مؤمناً كاملاً، أو على الأقل رجحت سيئاته على، حسناته على سيئاته، أما إذا كان مؤمناً لكن له سوابق، له سيئات إلى آخره، فإذاً إن لم تشمله مشيئة الله
стр. 1962
بالمغفرة كما قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨)، إن لم تشمله مغفرة الله فيدخل النار ويعذب ما يشاء، حينئذٍ كما قلنا في الحديث السابق: «من قال لا إله إلا الله نفعته يوماً من دهره»، أي تكون هذه الشهادة مش الشهادة بمقتضياتها، «إلا بحقها» كما جاء في حديث: «أمرت أن أقاتل الناس» هذا بالنسبة للمؤمنين الكاملين، أما بالنسبة للمؤمنين العصاة فتنجيهم شهادة أن لا إله إلا الله، هذا هو الإيمان، وهذا هو أقل ذرة إيمان، أي لم يكن هنا يعني التزام لحقوق شهادة لا إله إلا الله ومحمد رسول الله، هذه الحقوق إذا التزمها الإنسان قد يدخل الجنة ترانزيت مع السابقين الأولين، قد يدخلها بعد الحساب، ويكون الحساب نوع من العذاب، ولكنه لا يدخل النار إلى آخره.
فهناك المهم يعني درجات، أما إذا افترضنا أشقى الناس مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله، فهذه الشهادة تنفعه وتخرجه ولا تجعله من المخلدين في النار، فحينما نحن نقول إنه تارك الصلاة كافر، أي مرتد عن دينه، ما هو الكفر، الكفر ما هو؟ لا يمكن أن أتصور عالماً حقاً لا يوافق على هذا التفصيل الذي استفدناه من شيخي الإسلام ابن تيمية وابن قيم الجوزية، كفر عملي وكفر اعتقادي، لا بد من هذا التقسيم، وإلا ألحق من لا يتبنى هذا التقسيم بالخوارج ولا بد، فالذين يكفرون تارك الصلاة ليس عندهم حجة إطلاقاً قاطعة في الموضوع سوى ظاهر نصوص، طيب هذه الظواهر من النصوص معارضة بظواهر من نصوص أخرى، فلا بد من التوفيق بينها، فبماذا نوفق، نوفق من ترك الصلاة مؤمناً بها معترفاً بشرعيتها، معترفاً في قرارة نفسه بأنه مقصر مع الله ﵎ في إضاعته إياها، فهو بلا شك يوماً ما يخرج من النار، أما أن نسوي بين هذا وبين ذاك المشرك الذي لا يعترف لا بصلاة ولا بزكاة يعني أنا مستغرب جداً كيف بين من كفره كفر
стр. 1963
اعتقادي وعملي، المشرك كافر كفراً اعتقادياً وعملياً، أي: هو ينكر الشريعة الإسلامية بحذافيرها ومنها الصلاة فهو إذاً لا يصلي، فهو إذاً كافر كفر اعتقادي وكفر عملي، وهناك مسلم وقد يصلي أحياناً كما هو الواقع في كثير من المبتلين بترك الصلاة، كيف نقول هذا كهذا، هذا يخالف هذا تماماً في العقيدة، هذا المشرك لا يشهد بـ لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولا بلوازمها، لا يؤمن بذلك كله، أما هذا المسلم الفاسق الخارج عن طاعة الله وعن طاعة رسول الله يخالفه مخالفة جذرية، فهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويؤمن بكل لوازمها، ولكن غلبه هوى النفس، غلبه حب المال، غلبه ووو إلى آخره، من معاذير ليست معاذير له تشفع في أن يترك الصلاة، لكنها معاذير تشفع له عند الله يوم القيامة، إنه أنا آمنت بالله ورسوله، لكني قصرت، فالتسوية بين هذا وهذا، بلا شك أنه ظلم وأنه ميزان جائر غير عادل.
هذا مع الأدلة الأخرى الكثيرة والكثيرة جداً التي أشرنا إليها في الجلسة السابقة، أنه مجرد: «من ترك الصلاة فقد كفر» مش معناها يعني ارتد عن دينه؛ لأنه من حلف بغير الله فقد كفر مش معناها إنه ارتد عن دينه، مثل هذا التعبير كثير وكثير جداً في أحاديث الرسول ﵇، فما الذي يحملنا على أن نفسر: «من ترك الصلاة فقد كفر» أي: ارتد عن دينه، «من حلف بغير الله فقد كفر» ما ارتد عن دينه؟ ما هو؟! أنا بقول: هذا وهذا قد يلتقيان وقد يختلفان ويفترقان: «من ترك الصلاة فقد كفر» جحوداً فقد ارتد عن دينه، «من حلف بغير الله فقد كفر» جحوداً لهذا الحكم ألحق بالأول أي فهو كافر، «من ترك الصلاة فقد كفر» معترفاً بأنه ترك الصلاة حرام ولا يجوز وكفر عملي، فهذا لا نلحقه بالكافر، «من حلف بغير الله» ، معذرةً أنا ما أعرف هذا، طيب مو ذكرناك؟ أي والله غلبت علي العادة،
стр. 1964
هذا لا يكفر كفراً اعتقادياً، هذا يكفر كفر عملي، فالأحاديث والنصوص كلها تتجاوب بعضها مع بعض، وتضطرنا اضطراراً فكرياً عقدياً أنه ما نقع في حيص بيص، هنا كفر ارتد عن دينه، وهنا ما ارتد عن دينه، هو يؤمن بأنه هذا شريعة الله، وهون لا كَفَرَ يعني عصى الله وكفر كفراً عملياً إلى آخر ما هنالك من أشياء كثيرة وكثيرة جداً.
ولذلك فأنا استغربت قولك: إنه هذا لم يعمل خيراً قط، ربط بموضوع حديث الشفاعة، لا نحن لاحظنا التصنيف المذكور في هذا الحديث الصحيح، الذي يشعرنا تماماً أن هناك معذبين في النار كانوا مصلين أخرجوا، دخلوا النار ليس بسبب تركهم للصلاة، وإنما قد يزني قد يسرق قد يأكل الربا إلى آخره، فدخلوا النار كما جاء في بعض الأحاديث بذنوب اجترحوها، لكن في الوقت نفسه كانوا مع المصلين، ولذلك إخوانهم المصلون الصالحون قالوا: يا ربنا لا نرى معنا إخواننا الذين كانوا يصلون معنا، فالله تفضل وأمرهم بأن يشفعوا فشفعوا لهم، قالوا: إخواننا، ما ذكروا كما ذكروا في الأولين يصلون معنا ويصومون، فأخرجوا من عرفتم منهم، فأخرجوهم، وهكذا، هذا التصنيف هو الذي جعلنا نحتج بالحديث ونحن لم نكن من قبل نحتج بهذا الحديث، عندنا أشياء كثيرة وكثيرة جداً، لكن الحديث هذا في الحقيقة جاء نوراً على نور، أوضح لمن كان غافلاً إنه هذه المسألة فيها غلو من بعض المشايخ والعلماء، ويكفي في ذلك أن تعلموا أن جماهير العلماء المجتهدين حتى الإمام أحمد حتى الإمام أحمد الذي ينسب إليه القول بتكفير تارك الصلاة كسلاً، في روايات كثيرة أنا ذكرتها أظن ذكرتها في كتابي. مو هيك.
مداخلة: صحيح.
стр. 1965
الشيخ: فيقولون: لو كان هذا مرتد عن دينه بترك الصلاة، متى يؤمن متى يسلموا إذاً إذا كان ارتد عن دينه لا بد أن يجدد إيمانه، لا هو بيقول يأمره بقضاء الصلاة وبس يعني، حتى أذكر في رواية وأنا أنسى كثيراً، أنه إذا كان عنده عمل مضطر يعتاش، به يسمح له بأن يترك الصلاة أي قضاءها حينما يتفرغ لها، هذا الإمام أحمد إمام السنة، ولذلك فأنا أرى أنه المسألة أخذت بشيء من الشدة أكثر من اللازم،
شقرة: وأظن هذا والله أعلم المشهور عند الحنابلة هذا القول، لكن أريد تعقيباً على سؤال الأخ عبد الله.
الشيخ: أبو عبد الرحمن.
شقرة: أبو عبد الرحمن أقول بأنه أولاً العذاب الذي يمس أولئك العصاة ممن لم ينج من النار، هناك طبعاً العذاب متفاوت في درجاته، ولا نعرف كم يمكثون، آخر من يخرج من النار كم يمكث في العذاب، فيا ترى يعني أولاً هذا العذاب الذي مس أولئك ربما يبقى أو يمتد إلى وقت طويل جداً لا يدرى
الشيخ: أحقاباً
شقرة: أحقاباً؛ لأن الله ما حدد لنا الوقت، أو الرسول ﵊ ما حدد لنا الأزمنة التي يتفاوت فيها الخارجون من النار بها أبداً، فلذلك هؤلاء الذين ذاقوا مس النار عياذاً بالله، وهم آخر من يخرج من النار من المؤمنين، ألا يكفيهم ذلك العذاب، أولاً، نسأل الله العافية.
الشيخ: آمين.
стр. 1966
شقرة: يعني هل نقول بأن تخليد هؤلاء في النار هو الذي نرجوه لهم، أم نرجو للذين يقولون لا إله إلا الله ما نرجو لمن ينطق بالشهادة، والشهادة كما قال شيخنا يكفي أنها كما قال ﵊: «من قال لا إله إلا الله خالصاً بها قلبه نفعته يوماً من الدهر» أو «يوماً من دهره»، هذه واحدة، أما المسألة الثانية فإن برضه شيخنا أشار إلى هذه المسألة، لكن أنا أقول حتى يعني بصورة مختلفة أو بلفظ آخر، بأن الذي لم يعمل خيراً قط، الذي لم يعمل خيراً، أي لم يعمل عملاً صالحاً غير لا إله إلا الله، فلا إله إلا الله هي العمل الذي نفعه وهي القول الذي قاله، لأنه هي لسانه يتحرك بها فهو عمل، وقلب يعتقد فهو عمل أيضاً، لكن الرسول ﵊ أراد أنه لم يعمل خيراً قط، أي من الأعمال التي كان يعملها سائر المؤمنين.
مداخلة: مقتضياتها.
شقرة: مقتضياتها مثل ما قال شيخنا، فهذه مسألة مهمة جداً الحقيقة، ونحن المسلمين طبعاً ما ينبغي أن يفرطوا؛ لأنه كل مسلم معرض نسأل الله العافية، إذا انتكس أمره في أول عمره في وسطه في آخره ألا يبقى له إلا هذا الذي يقوله، أو هذه الكلمة التي يقولها وهي: لا إله إلا الله، فكيف نرضى لمن يقول: لا إله إلا الله أن نسوي بينه وبين من يقول غيرها أو من يجحدها حقها، أو من يجحدها
هي أصلاً.
مداخلة: هذه الزيادة .. يعني الأخيرة لم يعمل خيراً قط، نحن استثينا لفظ الإيمان الذي هو والشهادة، ألا تكفي وحدها لرد الحكم بكفر تارك الصلاة؟
الشيخ: يكفي من طريق دلالة العموم.
стр. 1967
مداخلة: هاه، يعني كيف شيخنا هذا.
الشيخ: لم يعمل قط، هلا نحنا حسبما شرح الأستاذ أبو مالك لم يعمل خيراً قط استثنينا نحن.
مداخلة: أيوه وهذا يمكن يكون استثني أيضاً ..
الشيخ: عرفت كيف، أما حديث الشفاعة خاص، نص في الموضوع.
مداخلة: أستاذ، لعل في زيادة في مسند أحمد من حديث ابن مسعود: لم يعمل خيراً قط إلا التوحيد.
الشيخ: هذا هو.
مداخلة: بهذا النص جاءت.
الشيخ: نعم.
علي حسن: الإشكال .. شيخنا هنا هذا اللفظ الذي أشار إليه أخونا أبو
عبد الرحمن: «لم يعملوا خيراً قط» أصل من الأصول العظيمة التي استدل بها أهل السنة على قاعدة كلية تجيب على الإشكال من أصله أن أعمال الجوارح ليست شرط صحة في أصل الإيمان، ولكنها شرط كمال
الشيخ: كمال الإيمان، نعم
علي حسن: من شرط كمال الإيمان، هذا أحد الأدلة على ذلك.
الشيخ: صحيح.
علي حسن: هذا نقطة أولى، بعدين نقطة ثانية شيخنا، تفضلتم بإشارة غالية
стр. 1968
عزيزة منكم في التفريق، أولئك الذين لا يفرقون بين الذي عنده إيمان بالصلاة وبالتالي التوحيد، والذي عنده جحود وإنكار للألوهية وكذا، أنا أقول هذه نقطة شيخنا، وهنا ملحظ اجتهادي أرجو منكم تقويمي فيها.
الشيخ: تفضل.
علي حسن: إنه هؤلاء يخشى أن يكون قولهم بعدم التفريق هذا سبباً في أن يجعلوا الصلاة أهم من كلمة التوحيد؛ لأن كلمة التوحيد هي الأساس الذي تقبل تحته الصلاة، وليس العكس.
الشيخ: تمام.
علي حسن: فقط.
الشيخ: تمام. يعطيك العافية.
علي حسن: الله يبارك فيك.
الشيخ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (الأعراف:٤٣).
"الهدى والنور" (٦٧٢/ ٢٤: ٥٣: ٠٠) و (٦٧٣/ ١٤: ٢٢: ٠٠)
[٦١٩] باب بيان ضعف أحد أدلة كفر تارك الصلاة
عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: أوصاني خليلي رسول الله ﵌ بسبع خصال: فقال: لا تشركوا بالله شيئاً، وإن قطعتم، أو حرقتم، أو صلبتم، ولا تتركوا الصلاة متعمدين، فمن تركها متعمداً فقد خرج من الملة، ولا تركبوا المعصية فإنها سخط الله، ولا تشربوا الخمر فإنها رأس الخطايا كلها. الحديث.
стр. 1969
(ضعيف).
[قال المنذري في «الترغيب والترهيب»: رواه الطبراني ومحمد بن نصر في «كتاب الصلاة» بإسنادين لا بأس بهما «فعلق الإمام قائلاً]:
قلت: إنما هو إسناد واحد! وفيه عندهما سلمة بن شريح, قال الذهبي: لا يعرف! وهو مخرج في الضعيفة (٥٩٩١) , وفيه الرد على من احتجّ بالحديث على تكفير تارك الصلاة كسلاً.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (١/ ٢٥٥)
стр. 1970
جماع أبواب الكلام حول الحكم بغير ما أنزل الله وموقع ذلك من الكفر (١) وغير ما تقدم
стр. 1971
[٦٢٠] باب خطورة ما وقع فيه الحكام والمحكومين من استباحة المعاصي وأثر ذلك في مصاب المسلمين
[قال الإمام]:
لقد أصاب أكثر المسلمين - حكاماً ومحكومين - ما أصابهم, فأكثرهم لا يحكّمون كتاب الله؛ وهو بين أيديهم, فحكامهم استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير, فحكموا القوانين, وأعرضوا عن كتاب رب العالمين, واتبعهم المحكومين إلا القليل, فهم يستبيحون الربا والغناء وكثيراً من المعاصي, والقليل فيهم من يؤثر التقليد على كتاب الله وسنة نبيه ﵌ , والله المستعان.
"صحيح موارد الظمآن" (١/ ١٣٥).
[٦٢١] باب هل الحكم بغير ما أنزل الله كفر ؟
[سئل الشيخ عن الحكم بغير ما أنزل الله هل هو كفر فأجاب]:
الشيخ: الكفر عند علماء أهل السنة ينقسم إلى قسمين، وكذلك النفاق: فأحد القسمين هو الكفر الاعتقادي والنفاق الاعتقادي، والقسم الأخر الكفر العملي والنفاق العملي، الكفر الاعتقادي واضح من هذه الصفة كفراً اعتقادياً واضح المقصود منه تماماً، أي: له علاقة بالعقيدة أما الكفر العملي ليس له علاقة بالعقيدة وإنما له علاقة بالعمل فأنت مثلاً لا بد أنك قرأت أو على الأقل سمعت مثل قوله ﵊: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (١) نعم سمعت بهذا الحديث ولا بد.
стр. 1972
السائل: نعم يا شيخ
الشيخ: حسناً هل لهذا الحديث معنى مفهوم عندك خاصة ما يتعلق بالشطر الثاني منه: «وقتاله كفر» هل هذا الكفر يعني المسلم إذا قاتل المسلم يكفر.
السائل: لا.
الشيخ: هه إذاً هذا الكفر أطلق على المسلم الذي يقاتل أخاه المسلم هذا لا يجوز أن نسميه كفراً اعتقادياً فإذاً هو كفر عملي، هذا الكفر العملي هل يخرج صاحبه عن دائرة الإسلام بل عن دائرة الإيمان؟
السائل: كلا.
الشيخ: كلا حسناً إذا هذه النقطة ما تحتاج إلى بحث لأنها واضحة عندك والحمد لله، نعود إلى الكفر الاعتقادي ونقف عند المثال ذاته السابق ذكره فنقول إذا استحل مسلم قتل مسلمٍ غير متأول استحل بقلبه بعقيدته قتل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله هل هذا كفر عملي أم كفر اعتقادي؟ فكر ثم بعد قليل أجب.
السائل: كفراً عملياً وإن لم يكن متأولاً فهو كفر اعتقادي، والله تعالى أعلم.
الشيخ: حسناً إذاً هناك كفر عملي، وهناك كفر اعتقادي، ووضح لك الفرق بين الكفرين: ما كان متعلقاً بالعقيدة تخالف الشريعة فهو كفر اعتقادي، وما كان متعلقاً بالعمل ليس بالعقيدة فهذا كفر عملي وليس كفراً اعتقادياً، الآن يسهل علينا أن نجيبك عن سؤالك أي إنسان يحكم بغير ما أنزل الله كلاً أو جزءاًً وهذا مستحيل لأنه لابد من ... أحكام هناك تطابق الشريعة وأحكام تخالف الشريعة،
стр. 1973
وإنما الفرق قد يكون قلةً وكثرة، واضح هذا حينئذ نقول الذي يحكم بغير ما أنزل الله إما أن يكون عن عقيدة فهو كافر مرتد عن دينه، وإنما أن يكون عملاً كأي قاضي شرعي يتبع هواه ويقضي مخالفاً لدينه فهذا كفر عملي وليس كفراً
اعتقادياً، واضح؟
السائل: نعم.
الشيخ: طيب هذا هو الجواب عن مثل هذا السؤال وما أكثر ما سئلناه وما أكثر ما أجبنا عليه.
السائل: بارك الله فيك.
الشيخ: طيب وفيك.
سائل آخر: شيخنا لتمام الفائدة طالما أنه تفضلتم بهذا الجواب المختصر المفيد كما يقال لو تجيبون شيخنا على شبهة تطرح حديثاً قد أفلس المخالفون عن إتيان أو عن الإتيان بجديد فبدؤوا يعني يأتونا بالقديم بثوب جديد فيقولون مثلاً: إن هؤلاء الذين يحكمون بغير ما أنزل الله يستبدلون الشريعة، فالاستبدال استبدال الشريعة منهم نوع من الاستحلال غير مجرد الحكم بما أنزل الله.
الشيخ: الجواب هو نفس الجواب السابق؛ لأن الحقيقة العبارة التي نقلتها اليوم أو الآن عن أولئك الناس هو من نوع التلاعب بالألفاظ وإلا نحن سنقول هذا الذين يسمونه بالاستبدال إما أن يكون عن قناعة بأن الحكم بما أنزل الله لا يصلح في هذا الزمان فقد انتهى الحكم فهذا كفر ردة، وإما أن يكون ليس بهذه العقيدة المكفرة، وإما إتباعاً لهوى النفس يعني هو متمسك بالكرسي والكرسي لا
стр. 1974
يستطيع أن يثبت عليه إلا بأن يحكم هذا القانون الذي وجده وتلقاه من قبله إما كافراً متحكماً في البلاد الإسلامية أو ممن خلفه من بعده ممن يعدون أنفسهم مسلمين، فالمهم أن هذا الاستبدال إما أن يكون عن عقيدة فهو كفر ليخرج به صاحبة عن الملة وإما أن يكون ليس عن عقيدة وإنما يعمل عمل الكفار أن يحكم بغير ما أنزل الله وهذا مما انطبع عليه الكفار حين قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ﴾ ﴿فأولئك هم الظالمون﴾ ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾ ولذلك ذكر علماء التفسير أن هذه الآيات هي نزلت في حق اليهود الذين كانوا يدسون بعض أفرادهم ليسألوا الرسول فإن كان جوابه موافقاً لهواهم تبنوه، وإلا قالوا نحن لا نؤمن بهذا الكلام، فالجواب هو نفس الجواب الحقيقة لكن في لفت نظر هو تلاعب بالألفاظ.
"الهدى والنور" (٥٦٣/ ٤١: ٠٠: ٠٠)
[٦٢٢] باب سبب نزول ومن لم يحكم بما أنزل الله
وأن الكفر العملي غير الاعتقادي وأمثلة ذلك
-" إن الله أنزل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ﴾ و ﴿أولئك هم الظالمون﴾ و ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾.
قال ابن عباس: أنزلها الله في الطائفتين من اليهود، وكانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتله (العزيزة) من (الذليلة) فديته خمسون وسقا، وكل قتيل قتله (الذليلة) من (العزيزة) فديته مائة وسق، فكانوا على ذلك، حتى قدم النبي ﵌ المدينة، فذلت الطائفتان كلتاهما لمقدم رسول الله ﵌، ويؤمئذ لم يظهر ولم يوطئهما عليه وهو في الصلح، فقتلت
стр. 1975
الذليلة من العزيزة قتيلاً، فأرسلت (العزيزة) إلى (الذليلة) أن ابعثوا إلينا بمائة وسق، فقالت (الذليلة): وهل كان هذا في حيين قط دينهما واحد، ونسبهما واحد، وبلدهما واحد، دية بعضهم نصف دية بعض؟! إنا إنما أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا، وفرقاً منكم، فأما إذ قدم محمد فلا نعطيكم ذلك، فكادت الحرب تهيج بينهما، ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله ﵌ بينهما، ثم ذكرت (العزيزة) فقالت: والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم، ولقد صدقوا، ما أعطونا هذا إلا ضيماً منا وقهرا لهم، فدسوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه، إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه وإن لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه. فدسوا إلى رسول الله ﵌ ناسا من المنافقين ليخبروا لهم رأي رسول الله ﵌، فلما جاء رسول الله ﵌ أخبر الله رسوله بأمرهم كله وما أرادوا، فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ في الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا ... ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾، ثم قال: فيهما والله نزلت، وإياهما عنى الله ".
[قال الإمام]:
(فائدة هامة): إذا علمت أن الآيات الثلاث: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون﴾، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون﴾، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾ نزلت في اليهود وقولهم في حكمه ﵌: " إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه، وإن لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه "، وقد أشار القرآن إلى قولهم هذا قبل هذه الآيات فقال: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ﴾، إذا عرفت هذا، فلا يجوز حمل هذه الآيات على بعض الحكام المسلمين وقضاتهم الذين يحكمون بغير ما أنزل الله من القوانين الأرضية، أقول: لا يجوز تكفيرهم بذلك،
стр. 1976
وإخراجهم من الملة إذا كانوا مؤمنين بالله ورسوله، وإن كانوا مجرمين بحكمهم بغير ما أنزل الله، لا يجوز ذلك، لأنهم وإن كانوا كاليهود من جهة حكمهم المذكور، فهم مخالفون لهم من جهة أخرى، ألا وهي إيمانهم وتصديقهم بما أنزل الله، بخلاف اليهود الكفار، فإنهم كانوا جاحدين له كما يدل عليه قولهم المتقدم: " ... وإن لم يعطكم حذرتموه فلم تحكموه "، بالإضافة إلى أنهم ليسوا مسلمين أصلاً، وسر هذا أن الكفر قسمان: اعتقادي وعملي، فالاعتقادي مقره القلب، والعملي محله الجوارح، فمن كان عمله كفراً لمخالفته للشرع، وكان مطابقا لما وقر في قلبه من الكفر به، فهو الكفر الاعتقادي، وهو الكفر الذي لا يغفره الله، ويخلد صاحبه في النار أبداً، وأما إذا كان مخالفا لما وقر في قلبه، فهو مؤمن بحكم ربه، ولكنه يخالفه بعمله، فكفره كفر عملي فقط، وليس كفراً اعتقادياً، فهو تحت مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، وعلى هذا النوع من الكفر تحمل الأحاديث التي فيها إطلاق الكفر على من فعل شيئاً من المعاصي من المسلمين، ولا بأس من ذكر بعضها:
١ - «اثنتان في الناس هما بهم كفر، الطعن في الأنساب والنياحة على الميت». رواه مسلم (١).
٢ - «الجدال في القرآن كفر» (٢).
٣ - «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». رواه مسلم (٣).
стр. 1977
٤ - كفر بالله تبرؤ من نسب وإن دق (١).
٥ - «التحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر» (٢).
٦ - لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض. متفق عليه (٣).
إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي لا مجال الآن لاستقصائها. فمن قام من المسلمين بشيء من هذه المعاصي، فكفره كفر عملي، أي إنه يعمل عمل الكفار، إلا أن يستحلها، ولا يرى كونها معصية فهو حينئذ كافر حلال الدم، لأنه شارك الكفار في عقيدتهم أيضاً، والحكم بغير ما أنزل الله، لا يخرج عن هذه القاعدة أبداً، وقد جاء عن السلف ما يدعمها، وهو قولهم في تفسير الآية: " كفر دون كفر "، صح ذلك عن ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵁، ثم تلقاه عنه بعض التابعين وغيرهم، ولابد من ذكر ما تيسر لي عنهم لعل في ذلك إنارة للسبيل أمام من ضل اليوم في هذه المسألة الخطيرة، ونحا نحو الخوارج الذين يكفرون المسلمين بارتكابهم المعاصي، وإن كانوا يصلون ويصومون!
١ - روى ابن جرير الطبري (١٠/ ٣٥٥/١٢٠٥٣) بإسناد صحيح عن ابن عباس: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون﴾ قال: هي به كفر، وليس كفرا بالله وملائكته وكتبه ورسله.
٢ - وفي رواية عنه في هذه الآية: إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه (٤)، إنه
стр. 1978
ليس كفراً ينقل عن الملة، كفر دون كفر. أخرجه الحاكم (٢/ ٣١٣) وقال: "صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي، وحقهما أن يقولا: على شرط الشيخين، فإن إسناده كذلك، ثم رأيت الحافظ ابن كثير نقل في "تفسيره" (٦/ ١٦٣) عن الحاكم أنه قال: "صحيح على شرط الشيخين"، فالظاهر أن في نسخة "المستدرك" المطبوعة سقطاً، وعزاه ابن كثير لابن أبي حاتم أيضا ببعض اختصار.
٣ - وفي أخرى عنه من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق. أخرجه ابن جرير (١٢٠٦٣). قلت: وابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس، لكنه جيد
في الشواهد.
٤ - ثم روى (١٢٠٤٧ - ١٢٠٥١) عن عطاء بن أبي رباح قوله:
(وذكر الآيات الثلاث): كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم.
وإسناده صحيح.
٥ - ثم روى (١٢٠٥٢) عن سعيد المكي عن طاووس (وذكر الآية) قال: ليس بكفر ينقل عن الملة. وإسناده صحيح، وسعيد هذا هو ابن زياد الشيباني المكي، وثقه ابن معين والعجلي وابن حبان وغيرهم، وروى عنه جمع.
٦ - وروى (١٢٠٢٥ و١٢٠٢٦) من طريقين عن عمران بن حدير قال: أتى أبا مجلز (١) ناس من بني عمرو بن سدوس (وفي الطريق الأخرى: نفر من الإباضية) (٢) فقالوا: أرأيت قول الله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
стр. 1979
الْكَافِرُون﴾ أحق هو؟ قال: نعم. قالوا: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون﴾ أحق هو؟ قال: نعم. قالوا: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾ أحق هو؟ قال: نعم.
قال: فقالوا: يا أبا مجلز فيحكم هؤلاء بما أنزل الله؟ قال: هو دينهم الذي يدينون به، وبه يقولون وإليه يدعون -[يعني الأمراء]- فإن هم تركوا شيئاً منه عرفوا أنهم أصابوا ذنباً. فقالوا: لا والله، ولكنك تفرق (١). قال: أنتم أولى بهذا مني! لا أرى، وإنكم أنتم ترون هذا ولا تحرجون، ولكنها أنزلت في اليهود والنصارى وأهل الشرك، أو نحواً من هذا، وإسناده صحيح.
وقد اختلف العلماء في تفسير الكفر في الآية الأولى على خمسة أقوال ساقها ابن جرير (١٠/ ٣٤٦ - ٣٥٧) بأسانيده إلى قائليها، ثم ختم ذلك بقوله (١٠/ ٣٥٨): " وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال: نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت، وهم المعنيون بها، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم، فكونها خبراً عنهم أولى.
فإن قال قائل: فإن الله تعالى ذكره قد عم بالخبر بذلك عن جميع من لم يحكم بما أنزل الله، فكيف جعلته خاصاًّ؟ قيل: إن الله تعالى عم بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم - على سبيل ما تركوه - كافرون، وكذلك القول في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به هو بالله كافر، كما قال ابن عباس؛ لأنه بجحوده حكم الله بعد علمه أنه أنزله في كتابه، نظير جحوده نبوة نبيه بعد علمه أنه نبي "، وجملة القول أن الآية
стр. 1980
نزلت في اليهود الجاحدين لما أنزل الله، فمن شاركهم في الجحد، فهو كافر كفراً اعتقاديا، ومن لم يشاركهم في الجحد فكفره عملي لأنه عمل عملهم، فهو بذلك مجرم آثم، ولكن لا يخرج بذلك عن الملة كما تقدم عن ابن عباس ﵁.
وقد شرح هذه وزاده بيانا الإمام الحافظ أبو عبيد القاسم ابن سلام في " كتاب الإيمان " " باب الخروج من الإيمان بالمعاصي " (ص ٨٤ - ٨٧ - بتحقيقي)، فليراجعه من شاء المزيد من التحقيق.
وبعد كتابة ما سبق، رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول في تفسير آية الحكم المتقدمة في " مجموع الفتاوي " (٣/ ٢٦٨): " أي هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله ". ثم ذكر (٧/ ٢٥٤) أن الإمام أحمد سئل عن الكفر المذكور فيها؟ فقال: كفر لا ينقل عن الإيمان مثل الإيمان بعضه دون بعض، فكذلك الكفر، حتى يجيء من ذلك أمر لا يختلف فيه.
وقال (٧/ ٣١٢): " وإذا كان من قول السلف أن الإنسان يكون فيه إيمان ونفاق، فكذلك في قولهم أنه يكون فيه إيمان وكفر، وليس هو الكفر الذي ينقل عن الملة، كما قال ابن عباس وأصحابه في قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون﴾، قالوا: كفرا لا ينقل عن الملة. وقد اتبعهم على ذلك أحمد وغيره من أئمة السنة ".
"الصحيحة" (٦/ ١/١٠٩ - ١١٦).
[٦٢٣] باب في تفسير آيات ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ ... ﴾
[قال رسول الله ﵌]:
«قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون﴾، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا
стр. 1981
أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون﴾، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾، قال: هي في الكفار كلها».
[ترجم له الإمام بما ترجمناه به، ثم قال]:
أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٦): حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة عن البراء بن عازب عن النبي ﵌ قوله: ... قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
والحديث دليل صريح في أن المقصود بهذه الآيات الثلاث الكفار من اليهود والنصارى، وأمثالهم الذين ينكرون الشريعة الإسلامية وأحكامها، ويلحق بهم
كل من شاركهم في ذلك ولو كان يتظاهر بالإسلام، حتى ولو أنكر حكماً
واحداً منها.
ولكن مما ينبغي التنبه له، أنه ليس كذلك من لا يحكم بشيء منها مع عدم إنكاره ذلك، فلا يجوز الحكم على مثله بالكفر وخروجه عن الملة لأنه مؤمن، غاية ما في الأمر أن يكون كفره كفراً عملياً. وهذه نقطة هامة في هذه المسألة يغفل عنها كثير من الشباب المتحمس لتحكيم الإسلام، ولذلك فَهُم في كثير من الأحيان يقومون بالخروج على الحكام الذين لا يحكمون بالإسلام، فتقع فتن كثيرة، وسفك دماء بريئة لمجرد الحماس الذي لم تعد له عدته، والواجب عندي تصفية الإسلام مما ليس منه كالعقائد الباطلة، والأحكام العاطلة، والآراء الكاسدة المخالفة للسنة، وتربية الجيل على هذا الإسلام المصفى. والله المستعان.
"الصحيحة" (٦/ ١/٤٥٧ - ٤٥٨).
стр. 1982
[٦٢٤] باب منه
سؤال: في بعض العلماء يقولون على قول الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤) ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (المائدة:٤٥) ... إلى آخره.
يقولون: حين يقولون: هذا يخرج من الملة، وفي منهم من يقول: ليس مخرجاً من الملة، مع العلم اليوم أكثر البلدان إلا من رحم الله يحكمون بالقوانين، فهل هؤلاء الذين يحكمون بالقوانين يخرجون من الملة والعياذ بالله، أم لا يخرجوا من الملة؟
الجواب: تفسير الآيات الثلاث هذه التي أشرت إليها ذكر إمام المفسرين وهو: محمد بن جرير الطبري أن معنى هذه الآية: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤) إذا استحل الحكم بغير ما أنزل الله، فيكون شأنه شأن الكفار، لكن يجب أن يلاحظ أن الاستحلال قسمان: استحلال قلبي، واستحلال عملي.
الذي يخرج من الملة هو: الاستحلال القلبي، أما الاستحلال العملي فكل الأوساط واقعون فيه، الذي يسرق والذي يزني، والذي يغش والذي .. إلى آخره، كلهم يواقعون هذه المعاصي، ويرتكبونها ويستحلونها عملياً، ولا فرق بين هؤلاء، وبين من يحكم بغير ما أنزل الله كلهم مجرمون، كل الأوساط ولكن كما قيل: حنانيك بعض الشر أهون من بعض.
ذاك الذي يرابي والربا من أكبر الكبائر كما تعلمون إن استحل ذلك بقلبه ارتد عن دينه! وإذا اعترف بمعصيته فهو فاسق أمره إلى الله، وداخل في عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨).
стр. 1983
كذلك كل من يحكم بغير ما أنزل الله إن حكم بما حكم به، ولو في حكومة واحدة مش ضروري في كل الأحكام، ولو في حكومة واحدة إذا رأى أن هذا الحكم هو الذي يصلح لهذا الزمان بخلاف حكم الإسلام فقد ارتد عن دينه، ليس في كل الأحكام ولو في حكم واحد، فما بالك إذا كان يستحسن الحكم بكل القوانين التي هو يطبقها على الأمة، فإن استحل ذلك قلبياً فهو مرتد عن دينه، أما لو حوسب ونوقش فقيل له: لماذا أنت تفعل هكذا، وهذا خلاف الشرع؟ الله يتوب علينا وإن شاء الله نتمكن من الحكم بما أنزل الله، فهذا ليس كفره كفر ملة، وإنما هو كفر عملي.
لذلك فمما استفدناه من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه تقسيم الكفر إلى قسمين بل إلى أربعة أقسام، لكن هما في النتيجة قسمان: كفر عملي، وكفر اعتقادي، كفر لفظي وكفر قلبي، كفر لفظي وكفر قلبي، الكفر اللفظي لا يخرج من الملة الذي يخرج هو الكفر القلبي.
"الهدى والنور" (٨٥/ ٠٠:٥٥:٥٣)
[٦٢٥] باب منه
السائل: يقول السائل: ما هو التفسير الصحيح لقول ربنا ﵎ في كتابه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤).
الجواب: نعم. التفسير الصحيح هو ما جاء في تفسير ابن جرير الطبري وتفسير ابن كثير الدمشقي أن المقصود بالكافرون هنا: هم الذين لا يؤمنون بشريعة الله ﵎ أي: لا يحكمون بما أنزل الله؛ لأنهم لا يرون ما أنزل الله شرعاً صالحاً للحكم به في كل زمان، وفي كل مكان، فكل من اعتقد هذا الاعتقاد
стр. 1984
كاليهود الذين في حقهم نزلت هذه الآية الكريمة، يكون كافراً مرتداً عن دينه.
ولكن هنا شيء لابد من ذكره: إن آمن بشريعة الله ﵎، وأنها صالحة لكل زمان، ولكل مكان، ولكنه لا يحكم فعلاً بها، إما كلاً وإما بعضاً أو جزأً فله نصيب من هذه الآية، له نصيب من هذه الآية، لكن هذا النصيب لا يصل به إلى أن يخرج عن دائرة الإسلام، فيجب أن نعلم أن هناك إيماناً وهناك إسلاماً، الإيمان هو الذي استقر في القلب، والإسلام: هو أثر هذا الإيمان الذي يظهر على الجسد والأبدان، وبنسبة قوة الإيمان الذي يكون لقلب المؤمن يكون صلاح ظاهر هذا الإنسان واستقامة جوارحه وبدنه.
كما أشار ﵊ إلى هذه الحقيقة بقوله في حديث النعمان بن بشير الذي أوله: «إن الحلال بين والحرام بين ... » إلى أن يقول ﵊: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي: القلب».
فصلاح الظاهر مرتبط بصلاح الباطن بشهادة هذا الحديث وبعض الأحاديث الأخرى التي سبق ذكرها في ابتداء هذه الجلسة، لكن إذا كان بنسبة قوة الإيمان يكون نسبة الصلاح في البدن كما ذكرنا، هذا الصلاح الظاهر هو الإسلام، فإذا المسلم أخل بشيء من الأحكام الإسلامية، فالإخلال هذا لا يخرجه عن دائرة الإسلام قد يخرجه عن دائرة الإيمان، المطلق أي: الكامل، بعض العلماء يفسرون قوله ﵊ في الحديث الصحيح: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» هل الزاني إذا زنى كفر وارتد عن دينه؟ الجواب: لا أحد من المسلمين الذين هم على طريقة أهل السنة والجماعة يقولون بأن الزنا أو غير الزنا من
стр. 1985
المعاصي، بل ومن الكبائر يخرج المسلم من دائرة الإسلام.
إذاً: ما معنى قوله ﵇: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن؟» أي: لا يكون مؤمناً كامل الإيمان، لكن هو بذلك لا يخرج عن دائرة الإسلام، وشبه بعضهم الإيمان بدائرة وحول هذه الدائرة دائرة أخرى تحيط بالدائرة الأولى، فحينما زنى الزاني خرج من الدائرة الأولى أي: الإيمان الكامل، لكنه ما خرج من الدائرة الأخرى وهي: دائرة الإسلام فهو لا يزال مسلماً.
كذلك كل من يعصي الله أي معصية كانت، لا يجوز إخراجه من الدائرة الأخرى الكبرى وهي: دائرة الإسلام إلا إذا جحد شيئاً مما يتعلق بالدائرة الأولى أي: دائرة الإيمان، فإذا أنكر ما جاء في الشرع، وهذا الإنكار له علاقة بالإيمان حينئذ خرج عن دائرة الإيمان، وعن دائرة الإسلام.
فالآية السابقة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤) إن كان الذي لا يحكم ينكر صلاح الشريعة أن يحكم بها في كل زمان ومكان، فقد خرج عن الدائرتين: دائرة الإيمان، ودائرة الإسلام أي: صار مرتداً عن دين الله ﵎.
أما إن كان يؤمن بما في الدائرة الأولى وهو: وجوب الحكم بما أنزل الله، لكن هو فعلاً كما قلنا آنفاً لا يحكم بما أنزل الله إما كلاً وإما جزءاً، فحينئذ خرج عن دائرة الإيمان الدائرة الكاملة، ولكنه لا يزال داخل الدائرة الأخرى وهي دائرة الإسلام؛ لذلك قال ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄ قال: ليس الأمر في تفسير هذه الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤) كما يقولون: أي: كما يقولون الغلاة قديماً، ويقول بعضهم اليوم حديثاً:
стр. 1986
إنه الكفر بعينه؟ قال: لا ابن عباس يقول: لا إنما هو كفر دون كفر، إنما هو كفر دون كفر، وهذه الجملة التي نطق بها ترجمان القرآن وفسر بها تلك الآية الكريمة عليها شواهد عديدة جداً من السنة بل ومن القرآن الكريم.
في الحديث الصحيح المتفق على صحته بين الشيخين: أنه ﵇ قال: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر».
فالمسلم حينما يقاتل أخاه المسلم كفر بنص هذا الحديث كفراً، لكن احفظوا جيداً كلمة عبد الله بن عباس كفر دون كفر، ما الدليل على ذلك؟ أدلة كثيرة كما قلت آنفاً منها: قوله ﵎: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (الحجرات:٩).
فإذاً: هنا طائفتان من المؤمنين اقتتلوا إحداهما: باغية، إحداهما معتدية أمرت الطائفة المسلمين المحقة أن يقاتلوا الطائفة الباغية، لكن نحن نرى هنا في نص الآية أن الله ما رفع عنهم اسم الإيمان، وهو قوله ﵎: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (الحجرات:٩).
فإذاً: هؤلاء البغاة الذين يقاتلون أهل الحق هم مؤمنون من جهة، ولكن وقعوا في الكفر من جهة أخرى، ذلك هو معنى قول ابن عباس: كفر دون كفر.
فإذاً: الآية المسئول عنها: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤).
إنما تعني كفر جحود أو كفر عمل، فمن جحد شرعية العمل بالقرآن فهو كافر مرتد عن دينه، ومن اعترف وأقر بذلك فهو مؤمن، ولكنه إيمانه ناقص؛ لأنه لا
стр. 1987
يعمل بما يؤمن به، من هنا قال أهل العلم: بأن الإيمان يزيد، وينقص وزيادته الطاعة، ونقصانه المعصية.
"الهدى والنور" (٢١٨/ ٠١: ٢٨: ٠٠)
[٦٢٦] باب رد فهم مغلوط لقوله تعالى:
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ .. ﴾
سؤال: يا شيخنا بارك الله فيكم، بعض أفراد الجماعات الإسلامية كحزب التحرير مثلاً، يؤولون قول الله ﷻ : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤)، وهناك آيات أخرى مشابهة لهذا التكفير: كالظالمون، والفاسقون مثلاً، يؤولون هذا التأويل على أن هذه الآيات بين قوسين يكون معناها للحاكم فقط دون غيره ممن يصنع ما يصنع الحاكم من الفسوق والعصيان، فأرجو بيان ذلك بارك الله فيكم. جزاكم الله خير؟
الشيخ: عفواً يبدو لي توضيح: هل يعنون بالحاكم مطلق حاكم، أم يعنون بالحاكم يعني الملك أو الخليفة؟
مداخلة: هو كذلك يعني الملك أو الخليفة أو الرئيس الدولة.
الشيخ: رئيس الدولة؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: يعني مثلاً: واحد مثلي أنا ابتلي بأن يتصدر هذا المكان فسئل عن حكم الله في مسألة ما، فخالف حكم الله وهو يعلم، لا ينطبق عليه الآية السابقة فيما تنقل عنهم؟
стр. 1988
مداخلة: فيما أنقل عنهم لا ينطبق.
الشيخ: لا ينطبق بس؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: هذا الذي أردت استيضاحه.
لا شك أن قصر الآية أو قصر دلالة الآية على الملوك والرؤساء وحكام الشعوب والدول الذين يحكمون بغير ما أنزل الله، لا شك أن في هذا القصر للآية شطب وضرب للقسم الأكبر من معناها، ذلك أن الآية أولاً من حيث دلالتها تشمل كل حاكم، سواء كان رئيساً أو كان مرؤوساً، سواء كان والياً على المسلمين ولاه المسلمون أو كان والياً من طرف هذا الملك أو هذا الإمام الأعلى، كما هو شأن مثلاً القضاة في كل زمان ومكان هم يأتمرون بأمر الحاكم الأعلى من البشر أو الرئيس أو الملك أو الخليفة، فقوله ﵎: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ (المائدة:٤٤) يشمل كل هؤلاء الحكام، سواء الأعلى أو الأدنى، أولاً: لعموم الدلالة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ (المائدة:٤٤)، وهناك ما هو أقوى في الدلالة أيضاً من عموم النص ألا وهو سبب ورود النص، هناك مقولة للفقهاء تعتبر قاعدة علمية فقهية ينبغي على طلاب العلم أن يكونوا أولاً على معرفة بها، وثانياً: على التزام منهم لها، وهي: قولهم: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهنا عموم اللفظ يشمل كل حاكم، ولو كان السبب ورد بالنسبة للحاكم الأعلى لقلنا: العبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب، لكن الواقع هنا على العكس تماماً، أي: أن سبب ورود هذه الآية ليس بالنسبة للرئيس الأعلى الحاكم الأعلى، وإنما هو بالنسبة لبعض أفراد الشعب، ذلك أنه جاء في سبب ورود هذه الآية: أن اليهود
стр. 1989
كانوا طائفتين: طائفة تنظر إلى نفسها أنها طائفة عليا، وطائفة أخرى ينظر إليها من الطائفة الأولى بأنها طائفة دنيا، يعني: أشبه ما يكون بالأحرار والعبيد لكن كلهم أحرار، إلا أنهم كانوا ينظرون إلى طائفة نظرة أرستقراطية كما يقولون اليوم، والأخرى نظرة شعبية، يعني: دون أولئك، وترتب من وراء هذا التمايز بين هذه الطائفة وتلك بعض الأحكام في القصاص، فلو أن الطائفة العليا قتلت قتيلاً من الطائفة الدنيا فلا يؤخذ بثأر هذا القتيل، وبالعكس يؤخذ، عاش اليهود ما شاء الله وهم على هاتين القسمتين، إلى أن بعث الله محمداً ﵌ رحمة للعالمين، فوقع في اليهود مشكلة من هذه النوعية، فتنازعت الطائفتان، فبعد أن تناقشوا في الموضوع وتدابروا وتباغضوا اتفقوا على أن يحكموا رسول الله ﵌، وهذا من خبثهم وضلالهم؛ لأنهم أولاً: كما قال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (البقرة:١٤٦)، ومع ذلك لم يؤمنوا به، وثانياً: مع كفرهم به أرادوا أن يحكموه فما وقع بينهم الخلاف، ولكن فيما بينهم ماذا قالوا؟ هنا الشاهد: قالوا: إن حكم لنا قبلنا حكمه، وإن حكم علينا رفضناه، فأنزل الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤).
إذاً: الآية بدلالتيها: بدلالة عموم اللفظ، ودلالة سبب الورود، تدل أنه ليس المقصود بها فقط الملوك والرؤساء، وإنما كل من يحكم بغير ما أنزل الله؛ لأن هؤلاء لما لجؤوا إلى رئيسهم، فالرئيس قال: نحكم محمداً فإن حَكَمَ لنا قبلنا وإلا رفضنا، لا هي الطائفة التي ترى نفسها أعلم من الأخرى هي التي قالت
هكذا. نعم.
مداخلة: يشمل هذا بارك الله فيكم أرباب الأسر وأرباب العمل مثلاً؟
стр. 1990
الشيخ: بلا شك، لكن أنا أريد أن أقول: المسألة هي خاصة من ناحية وهي عامة من ناحية أخرى، هي خاصة في الحكم في .. الحكم، ليست خاصة في التطبيق، فمن حكم .. مثلاً: المعروف، ماذا يسمونه هؤلاء البدو لما يصطلحوا بين بعضهم البعض على ..
مداخلة: عشائري.
الشيخ: نعم؟
مداخلة: صلح عشائري.
الشيخ: صلح عشائري، فهؤلاء يصطلحون على أحكام ما أنزل الله بها من سلطان، هؤلاء بلا شك تشملهم الآية، لكن مثلاً الذي يسرق .. الذي ينهب .. والذي يفعل كل ما يخالف الشرع هذا لا يقال فيه: حكم بغير ما أنزل الله، ..
مداخلة: مثلاً: رب الأسرة يطلب من بناته أن يتزين وأن يلبسن القصير، وأنه ينبذ المتحجبات ويقول لبناته: هذا لباس قبيح، فيأمرهم بالمنكر، يعني هذه صورة من الصور يا شيخنا بارك الله فيك هل يشمل هذا؟
الشيخ: لا لا، هذا ما يدخل في الحكم، هذا يدخل في ..
مداخلة: القضاء.
الشيخ: لا، في اتباع الهوى، يدخل في اتباع الهوى، الحكم كما قلنا هو القضاء كما قال يعني؛ ولذلك قال ﵇ في الحديث الذي في البخاري: «إذا شهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد» (١)، هذا له علاقة
стр. 1991
في الحكم وهو القضاء.
مداخلة: نعم.
الشيخ: أما أن يعرف الإنسان حكم الله وشريعة الله ثم يتبع هواه مخالفاً لشريعة الله، هنا تأخذ المسألة طوراً آخر كما تعرفون من تقسيم الكفر: إلى كفر اعتقادي، وكفر عملي، فإذا كان هذا الشخص الذي أشرت إليه بأنه يقبح الحجاب الشرعي، ويزين التبرج للنساء .. وما شابه ذلك، هو في قرارة قلبه يرى هذا، فهذا مرتد عن دينه، أما إذا كان يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، والله هذا يريد جهاد ويريد صبر وو .. إلى آخره.
مداخلة: والبنات تتأخر حتى يتزوجوا مثلاً.
الشيخ: إلى آخره، فهذا يكون كفره كفراً عملياً وليس كفراً اعتقادياً.
مداخلة: نعم.
الشيخ: خلاصة المثال الأخير الذي طرحته لا يدخل فيما نحن في صدده، إنما الذي يجب أن نفهمه هو ما ذكرته آنفاً وخلاصته، وأذيل عليه بشيء آخر، الخلاصة: أن هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤) تشمل كل حاكم، سواء كان رئيساً أو مرؤوساً، ما دام أنه يخالف شرع الله وهو يعلم.
أما التذييل الذي أشرت إليه فهو: أننا وجدنا في زمن أصبنا فيه بمختلف الفتن التي ما كان المسلمون الأولون على ما كان بينهم من خلافات وفتن يعرفون هذه الأنواع من الفتن.
стр. 1992
لا شك أنكم تعلمون أن المسلمين اختلفوا منذ القرن الأول من الخوارج ومن دونهم وتفرقوا في دينهم شيعاً وأحزاباً، لكن المصيبة اليوم تضخمت جداً بحيث أن المسلمين بالإضافة إلى ما توارثوه من مذهب وطرق مختلفة ومتدابرة ومتباغضة، وكل حزب بما لديهم يفرحون، فقد تجدد فيهم التحزب وتكتل جديد اقترن به أنه أصبح كل فرد ينتمي إلى حزب يتبنى أفكاراً معينة، ليس لأنه على علم بالكتاب والسنة، وإنما بأن حزبه الذي هو ينتمي إليه يرى هذا الرأي.
فأنا أردت أن أذيل بهذا التذييل بناء على ما سمعت آنفاً من السؤال، حزب التحرير يتبنى رأياً مثلاً، أو جماعة التبليغ أو الإخوان المسلمين .. إلى آخره، هذا التحزب وهذا التكتل الذي طرأ على الجماعات الإسلامية اليوم هو توسيع لدائرة التفرق الذي ورثناه خلفاً عن سلف، فأصبح الفرد الواحد الذي ينتمي إلى حزب قد يعد الألوف بل الملايين يتبنى رأي الرئيس الذي أسس هذه الجماعة أو رئس على هذه الجماعة دون أن يكون على علم من كتاب الله ومن حديث رسول الله ﵌، والأمثلة كثيرة، ولا أريد الخوض إنما أردت التذكير، فالمثال بين أيديكم الآن، الآية مطلقة لكن الحزب الفلاني قصر معناها على الحاكم الرئيس الأعلى؛ لماذا؟ لأن هذا الحزب أو ذاك نصب نفسه لمحاربة الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله، ثم نسي أن الحكم بغير ما أنزل الله لا ينكر فقط على هذا الرئيس، وإنما ينكر أيضاً على كل من له حكم على طائفة أو جماعة، لنقل: رئيس الحزب الفلاني، فهو أيضاً يصدق عليه مثل تلك الآية إذا ما حكم بغير ما أنزل الله ، فهذا الفرد من أفراد الحزب تبنى فهم الآية على خلاف ما عليه علماء المسلمين كما ذكرت لكم آنفاً، عموم النص يدل على أن من لم يحكم بما أنزل الله يشمل كل حاكم، وسبب ورود النص كذلك يشمل من هو دون الحاكم الأعلى.
стр. 1993
فلهذا نحن ننصح المسلمين كافة أن يتذكروا مثل قوله ﵎: لهذا نحن ننصح المسلمين كافة أن يتذكروا مثل قوله ﵎: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (الروم:٣١، ٣٢)، كل مسلم واجب عليه أن يفهم هذه الآية كما جاءت في كتب التفسير، أما أن نسلط على هذه الآية أو غيرها الآراء الحزبية الشخصية فهذا هو مما يصدق عليه نفس الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤). هذا ما أردت التنبيه عليه.
" الهدى والنور" (٧٢٨/ ٥٢: ٠٠: ٠٠)
[٦٢٧] باب الرد على من تأول قول ابن عباس: كفر دون كفر، بأنه أراد بذلك تغيير نظام الحكم لا استبدال الشرع
سؤال: يتأولون تفسير قول ابن عباس رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤) تأدباً أن ابن عباس لم يقصد في قوله هذا فيمن ضاهى بتشريعه أحكام وتشريع الله تعالى، وأتى بتشريعات مضاهية لتشريعات الله، بل قصد هذا فيمن غير وبدل في نظام الحكم من شورى أو خلافة إلى ملكي وإلى آخره فقط، فأرجوا الجواب عن هذا فقط.
الشيخ: لا يفيدهم شيئاً إطلاقاً هذا التأويل الهزيل؛ ذلك لأنه أولاً كأي تأويل من تأويلاتهم؛ لأننا سنقول لهم: ما دليلكم على هذا التأويل؟ فسوف لا يحيرون جواباً هذا أولاً.
ثانياً: الآية التي قال فيها عبد الله بن عباس هذه الكلمة معروفة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤) بماذا فسرها علماء التفسير
стр. 1994
سيعود للمناقشة من أولها.
مداخلة: نعم.
الشيخ: علماء التفسير اتفقوا على أن الكفر قسمان:
كفر اعتقادي وكفر عملي، وقالوا في هذه الآية بالذات: من لم يعلم بحكم أنزله الله فهو في حالة من حالتين: إما أنه لم يعمل بهذا الحكم كفراً به فهذا من أهل النار خالداً فيها ... وإما اتباعاً لهواه لا عقيدة إنما عملاً كهؤلاء الكفار الذين لا يؤمنون بالإسلام فلا كلام فيهم، هذا بالنسبة للكفر الاعتقادي، وكهؤلاء المسلمين الذين فيهم المرابي وفيهم الزاني، وفيهم السارق وو إلى آخره ..
هؤلاء لا يطلق عليهم كلمة الكفر بمعنى الردة إذا كانوا يؤمنون بشرعية تحريم هذه المسائل؛ لذلك علماء التفسير في هذه الآية صرحوا بخلاف ما تأولوا فقالوا: الحكم الذي أنزله الله إن لم يعمل به اعتقاداً فهو كافر، وإن لم يعمل به إيماناً بالحكم لكنه تساهل في تطبيقه فهذا كفره كفر عملي، إذاً: هم خالفوا ليس السلف الأولين بل وأتباعهم من المفسرين والفقهاء والمحدثين، إذاً هم خالفوا الفرقة الناجية.
"الهدى والنور" (٨٣٠/ ٠٥: ٥٧: ٠٠).
[٦٢٨] باب الرد على من أدعى أن تبديل الشرع كفرٌ مطلقاً
سؤال: مكفرا الحكام يستدلون على إطلاق تكفير الحكام بأدلة، كانوا أولاً عندما يتكلمون معنا في قضية تكفير الحكام، قلنا لهم: هل أنتم تقولون أن كل من حكم بغير ما أنز الله يكفر؟ فإذا قالوا: نعم، فكنا نقول لهم: ماذا تقولون مثلاً في حكام بني أمية الذين حكموا بغير ما أنز الله، وحكام بني العباس وأمراء الجور؟
стр. 1995
والذين أمر النبي ﵊ بالصبر عليهم إلا نرى كفراً بواحاً، معنى ذلك: أن الذي فعلوه ليس كفراً بواحاً، فلجئوا إلى تغيير العبارة فبدل ما يقولون: يحكم بغير ما أنزل الله، قالوا: يبدل شرع الله ويبدل حكم الله، فقالوا: نحن نسلم بتفصيل السلف أن من حكم بغير ما أنزل الله معتقداً أن حكم الله هو الحق وما دونه هو الباطل .. يحل الحلال ويحرم الحرام باعتقاده وبلسانه، وإن كان بفعله يخالف ذلك ويعتقد أنه لا يجوز أن يحكم مع الله شيء، نحن نقول: أن هذا كفره كفر عملي، وأما إذا اعتقد أن حكمه أفضل من حكم الله، أو يساوي حكم الله، أو يجوز له أن يحكم مع الله، فهو كفر اعتقادي، قالوا: نسلم لكم بتفصيل السلف في قضية الحكم، أما قضية التشريع فلا نسلم لكم فإن من شرع في جزئية واحدة يكون كافراً.
الشيخ: عملاً أم اعتقاداً؟
مداخلة: لا يعني: اعتقاداً وخروجاً من الإسلام.
الشيخ: لا، أقول عملاً أم اعتقاداً؟
مداخلة: هم يقولون: لا يصرف بذلك الاستحلال، وكافر يعني: كافر
بمجرد عمله.
الشيخ: عفواً، نحن نرد عليهم الآن.
مداخلة: نعم.
الشيخ: أنت لم تُقَصِّرْ، بينت وجهة نظرك، نحن نقول: هم يقولون: ليس كذلك من شرع حكماً، نحن نقول: شَرَّعَ إما قولاً وإما اعتقاداً، فلا نزال نحن في النقطة التي هم التقوا معنا.
стр. 1996
مداخلة: في الأولى التقوا معنا فيها؟
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: وبدلوا اسمها ونحن لا نزال على هذه التسوية.
الشيخ: أي نعم، فنحن نسألهم الآن: شرَعوا أو شرّعوا اعتقاداً أم عملاً؟ فإن كان قالوا اعتقاداً فهم معنا كما كانوا من قبل، وإن قالوا: لا، قولاً، إذاً: هم خرجوا عما كانوا معنا، إن قالوا: شرعوا عملاً وليس اعتقاداً، لم يستفيدوا كما أشرت أنت في كلامكم أنهم بدلوا الألفاظ.
يعني: تفنن في التعبير للتضليل، وإلا لماذا الفرق بين شرع معناها: أنه سيحكم بهذا الذي شرع، فكلمة شرع رجع إلى الحكم، والحكم يرجع إلى العمل، والعمل إما أن يقترن به عقيدة وإما أن لا يقترن به عقيدة، فلم يستفيدوا شيئاً من هذا التلاعب بالألفاظ؛ لأننا سنلزمهم بهذا التسلسل المنطقي الذي لا مجال له من التهرب منه.
رجل وضع نظاماً حبر على ورق، وآخر لم يضع نظاماً حبر على ورق، وكل منهما التقيا في العمل بهذا النظام أحدهما سود به، والآخر ترك الصحيفة بيضاء لكنهما يشتركان في العمل، هل يختلفان؟ قد يختلفان وقد يلتقيان، قد يلتقيان كل منهما وقد اختلفا في الوسيلة فأحدهما كتب والآخر لم يكتب واتفقا في العمل فاختلفا في الوسيلة.
قد يتفقان في الغاية، كل منهما لا يستحل في قرارة قلبه هذا الذي عملوا به أحدهما كتب والآخر لم يكتب، كل منهما لا يستحل ذلك بقلبه والله أعلم بما في نفسه.
стр. 1997
بل لعله يقول: الله يتوب علينا، مضطرين نحافظ على الكرسي .. نريد أن نحافظ على جاهنا .. على منزلتنا إلى آخره، هذا كفر عملي.
قد يختلفان أحدهما يستحل ذلك بقلبه فيكون كفره اعتقاداً، ولو لم يكتب ولا كلمة واحدة .. الذي عمل بما كتب أحدهما استحل ذلك بقلبه، وقال: الشرع هذا الذي جاء به الإسلام كان ومضى زمانه، ونحن الآن في زمان غير ذاك الزمان، هذا أكفر من الذي كتب؛ لأنه استحل ما فعل بقلبه ذاك الذي لم يستحل ما فعل وما كتب بقلبه، فإذاً: هذا تلاعب بالألفاظ يا أستاذ.
مداخلة: نعم.
الشيخ: النتيجة واحدة.
سؤال: طيب! هم يا شيخنا يستدلون على كلامهم .. وقبل ما أذكر استدلالهم هناك: بعضهم قد تكلمت معه في بعض الأدلة أذكرها لكم وأعرف قولكم فيها حفظكم الله.
الشيخ: تفضل.
مداخلة: قلت لهم: بنو أمية قد شرعوا بدلوا بعض الأشياء التي كانت موجود على عهد النبوة كما ألزموا الناس بالحكم الوراثي وأن من رفع رأسه ضربت عنقه في هذا الأمر.
الشيخ: أي نعم.
الشيخ: فقالوا: أن بني أمية لم يبدلوا؛ لأنهم عندما حكموا بالحكم الوراثي كان الأمير قرشياً والشرط أن يكون قرشياً: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى:٣٨)
стр. 1998
هذه لا التفات إليها، فقلت لهم: إذا كانوا لم يبدلوا ماذا تقولون في حديث النبي ﵊: «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء، ثم تكون مُلكاً عاضاً .. » (١) إذا كان الملك العاض هو نفسه على الحالة التي كانت على منهاج النبوة الأولى، لماذا يقول النبي ﵊: «ثم يرفعها ثم تكون ملكاً عاضاً» إذاً: هناك تبديل وهناك تغيير!
الشيخ: لا شك.
مداخلة: وهم يقولون في مثل هذا، يقولون: هذا شيء خفيف .. شيء هين لو بدلوا فيه .. قلت لهم: الكفر لا يوجد فيه خفيف وهين، من ثبت كفره .. والكفر هو درجات.
الشيخ: من أنكر اللفظ من القرآن كما لو أنكر آية من القرآن، أو أنكر سورة من القرآن، أو أنكر القرآن كله.
مداخلة: أذكر لك شيخ ماذا يستدلون به؟ في الحديث الصحيح في قصة حديث أنس في قصة اليهوديين الذين زنيا، وقد بدلا حكم الرجم بالتجبية والتحميم وغير ذلك .. فيقولون: أن الله حكم بكفرهم - وانظر؛ الكلام في اليهود شيخنا بارك الله فيك - أن الله حكم بكفرهم؛ لأنهم بدلوا شرع الله في هذا الأمر.
الشيخ: من أين لهم هذا التعليل؟
стр. 1999
مداخلة: يقولون: الحديث قصة سياق الحديث أن الله حكم بكفرهم حينما فعلوا ذلك.
الشيخ: الحديث يعلل هكذا؟
مداخلة: قصة حديث أنس حينما ذكر يعني ..
الشيخ: لا، لا أنا أسأل سؤالاً؛ لأني بعيد عهد لكن.
مداخلة: فيه فنزل، يعني: بعدما ذكر القصة كان ذلك تم في نزول الآية.
الشيخ: طيب!
مداخلة: نعم.
الشيخ: لكن هذا لا يعني أن التكفير كان بسبب هذه الجزئية، وإنما كانت سبب نزول الآية هو هذه الجزئية.
مداخلة: نعم.
الشيخ: يعني: لا يمكننا أن نوافقهم على قولهم بأنهم كفروا؛ لأنهم حكموا بخلاف ما حكم الله على أنه يأتي هنا ولا شك ولا ريب التفصيل الذي لا بد أن نذكرهم به؛ نقول: لا بد من التذكير هنا بأن الاستحلال إما أن يكون عملياً وإما أن يكون قلبياً، فإذا كان في الحديث تعليل كفرهم بسبب هذا الحكم وهذا الجزء من الأحكام الشرعية فلا يكون ذلك نصاً على أن الكفر العملي - وهم متفقون معنا - على أن الكفر العملي يخرج عن الملة، يعني: استدلالهم بهذا لا يفيدهم شيئاً إطلاقاً؛ لأننا سنقول لهم: اليهود في هذه المسألة التي غيروا فيها حكم الرجم هل
стр. 2000
كان ذلك استحلالاً قلبياً أم عملياً؟ لا بد لهم من أن يقولوا واحدة من الاثنتين: إن قالوا بدلوا قولاً عملاً وليس اعتقاداً؛ فاستدلالهم خطأ على أن الله كفرهم بسبب تغييرهم هذا الحكم، وإن قالوا: لأنهم غيروا وبدلوا عقيدةً؛ التقوا معنا كما التقوا معنا هناك، فما يفيدهم شيء الاستدلال بهذا الحديث.
مداخلة: نعم، بارك الله فيكم، هو هذا شيخنا؛ لأني أنا قلت لهم أيضاً: نحن نريد معرفة محل النزاع .. محل النزاع فيمن يقول بلسانه: إني أؤمن بأن حكم الله هو الحق وإن شرعت خلاف حكم الله ، فهل لكم أن اليهود كانوا مقرين أن حكم الله هو الحق وهم مخطئون في فعلهم هذا؟ فإن قلتم: ليس لنا دليل على ذلك، قلنا إذاً: هذا دليلكم ليس في محل النزاع، فقال لي قائلهم: وأنتم أيضاً ليس معكم دليل أنهم كفرهم الاعتقادي، قلت: وأنا يعني .. لم أدعِ هذا إنما هو دليلك أنت ليس لي.
الشيخ: لا يهمنا نحن، نعم.
مداخلة: هو دليلك أنت فدليلك تطرق إليه الاحتمال فيسقط به الاستدلال.
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: والشيء الثاني: اليهود كفار بدون ما يحكموا بهذا الحكم، يعني: كفرهم سابق لهذا الشيء.
الشيخ: هو كذلك، بارك الله فيك.
مداخلة: أيضاً يستدلون بقصة الياسق وكلام الحافظ ابن كثير في ياسق جنكيز خان وقضيته مع التتار بأن من شرع حكماً غير حكم الله فقد كفر.