أن هدانا الله إلى الإسلام بعامة هي أعظم النعم؛ أن هدانا الله ﵎ إلى أن نفهم الإسلام على أساس الكتاب والسنة، هذا الأساس الذي هو الضمان لكي لا ينحرف المسلمون يميناً ويساراً، وأن يكونوا على هدى من ربهم في كل زمان وفي كل مكان، ما دام أنهم قد تمسكوا بحفظ الكتاب والسنة، مصداقاً لقول النبي صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض» لا أريد أن أطيل الكلام في هذه القضية لأنني أعتقد بأنكم لستم بحاجة إلى مثل هذا الكلام، ولكني أريد أن أدير كلامي أو أن أدندن على قضية قد تخفى على كثير ممن قد يشتركون معنا في هذه الدعوة - دعوة الحق- ألا وهي الكتاب والسنة قد يخفى على كثير من الذين يشتركون معنا في هذه الدعوة حقيقة جاء الكتاب والسنة يؤكدانها ويلفتان النظر إلى ضرورة التمسك بها ألا وهي ضرورة فهم الكتاب والسنة على منهج سلفنا الصالح ﵁.
هذه الغنيمة وهي أن يكون فهمنا لكتاب ربنا ولسنة نبينا ﵌ على ما كان عليه السلف الصالح، ذلك لأننا في زمان قد صحا فيه كثير من الجماعات الإسلامية التي كانت من قبل في سبات عميق وفي غفوة شديدة عن ضرورة الاعتماد في المسائل الخلافية حول الكتاب والسنة، لما تجلت لهم هذه الحقيقة أو هذه القضية لم يسعهم أن يظلوا مصرين على مخالفتهم في دعوتنا القائمة على الكتاب والسنة، ولكنهم لا يزالون بعيدين عنا في منهجنا الذي نلتزمه في فهمنا لكتاب ربنا وسنة نبينا، وذلك أن يكون الفهم لهذين النظيرين على ما كان عليه السلف الصالح.
ذلك أن كل الجماعات الإسلامية الموجودة اليوم على وجه الأرض لا
стр. 247
يمكن لأحدٍ منها أو واحدة منها أن يعلن عدم اعتزازه بدعوة على الكتاب والسنة، ولكنهم مع هذا الاعتزاز يفسرون النصوص من الكتاب والسنة حسب ما تقتضيه تكتلاتهم وحزبياتهم، ولا يرجعون في ذلك إلى فهم النصوص على ما كان فهمها سلفنا الصالح، أكرر على مسامعكم ثم أؤيد ما أقول لكم: لا ينبغي أن تقتصر دعوتنا على الكتاب والسنة فقط بل يجب أن نضم لذلك ما أشار الله ﵎ إليه في كتابه الكريم، ثم تولى نبينا صلوات الله وسلامه عليه بيان ذلك في سنته الصحيحة، انطلاقاً منه وتجاوباً مع قول ربنا حين خاطبه بقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل:٤٤) مما ينبه ﵊ من كلام رب الأنام قوله في القرآن: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:١١٥) الشاهد من هذه الآية قوله فيها ويتبع غير سبيل المؤمنين فإن هذه الآية تُلفت النظر، أن على المسلمين في كل زمان وفي كل مكان ألا يخرجوا عن سبيل المؤمنين، حيث قال رب العالمين ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النساء:١١٥) فما حكمة هذه الجملة المعطوفة على ما قبلها، وهي ويتبع غير سبيل المؤمنين، كان من المفيد أن تكون الآية دون هذه الجملة «ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا»، لو كانت الآية هكذا بهذا الاختصار لكان معنىً سليماً مستقيماً لا غبار عليه إطلاقا؛ لكن الله حينما عطف على قوله ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ وقال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أراد بذلك أن يلفت نظر المؤمنين الذين يحذرون من أن يشاققوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى، أيضاً يجب عليهم أن يحذروا من أن يخالفوا سبيل المؤمنين.
стр. 248
وكيف يمكن مخالفة سبيل المؤمنين مع إتباع سنة سيد المرسلين؟ الأمر
عند أهل العلم معروف جيداً؛ لأن نصوص الكتاب والسنة يمكن في بعض الأحوال أن تفسر تفسيراً، ويظهر هذا التفسير للمؤمنين بالكتاب والسنة على أن هذا هو المعنى المراد منهما، ويكون هذا التفسير خطأ؛ لأنه خالف سنة المؤمنين وسبيل المؤمنين.
وتأكيداً لهذا المعنى المتضمن في هذه الجملة المعطوفة ألا وهي قول تعالى: ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ نجد نبينا صلوات الله وسلامه عليه قد ضم هذه الضميمة في بعض الأحاديث الصحيحة تفسيراً منه لهذه الآية الكريمة، أنتم مثلا قرأتم أو سمعتم حديث الفرق الثلاث وسبعين فرقة التي قال فيها رسول الله ﵌: «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة،» قالوا: من هي يا رسول الله، هنا الشاهد - من هي يا رسول الله هذه الفرقة الناجية من بين ثلاث وسبعين فرقة، فرقة واحدة منها هي الناجية قال ﵇: «هي التي ما أنا عليه وأصحابي»، فهنا تجدون أن النبي ﵌ لم يقتصر على قوله: «على ما أنا عليه»، وإنما عطف على ذلك قوله: «وأصحابي»، ما السر في ذلك هذا الحديث يعتبر تفسيراً للآية التي ذكرناها آنفاً وكررناها على مسامعكم مراراً لترسخ في أذهانكم؛ إن المعنى المقصود من قوله فيها: «ويتبع غير سبيل المؤمنين» فقد جاء النبي ﵌ في حديث الفرق، وفي بيان الفرقة الناجية ووصفها بوصفين اثنين وليس بوصف واحد، وهي: أنها تكون على ما كان عليه الرسول هذا هو الوصف الأول، ولكنه جاء بوصف ثاني وأخير وهو قوله ﵊: «وأصحابي» هذا الحديث وهذا اللفظ تفسيره بالرواية الأخرى وهي
стр. 249
الأشهر والأقوى سنداً، وهي التي تقول جواباً عن سؤال السائلين عن الفرقة الناجية قال ﵊: «هي الجماعة»، «هي الجماعة»، فقوله هذا تفسير للآية السابقة «ويتبع غير سبيل المؤمنين» فسبيل المؤمنين هي الجماعة والجماعة هي سبيل المؤمنين
ومعنى هذا أنه ويجب على علماء المسلمين خاصة في هذه الأزمنة المتأخرة ألا يُعْمَل فقط بدراسة السنة ومعرفة ما كان عليه الرسول ﵌ وهذا أمر لا بد منه لأن تفسير القرآن لا يستقيم ولا سبيل إليه إلا بطريق السنة التي هي بيان القرآن كما ذكرنا آنفا، لا يمكن للعالم أن يكتفي على دراسة الكتاب والسنة في العصر الحاضر، بل لا بد أن يضم لذلك دراسةً ثالثةً؛ وهي: أن يعرف ما كان عليه أصحاب النبي ﵌ من الهدى والنور؛ لأنهم قد تلقوا البيان من النبي ﵌ بالقرآن، وبيان الرسول ﵇ بالسنة القولية في كثير من الأحيان لفهمه أو لتقريبه هذه الأمور التي لا يمكن الوصول إليها إلا بمعرفة أثار السلف الصالح.
فلذلك فالحديث هذا أيضا يلتقي مع حديث آخر طالما سمعتموه أو قرأتموه في كتب الحديث، ألا وهو حديث العرباض ابن سارية رضي الله وتعالى عنه الذي قال: «وعظنا رسول الله ﵌ موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا يا رسول الله أوصنا وصية لا نحتاج إلى أحد بعدك أبدا؛ فقال ﵊: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن ولي عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي» - هنا الشاهد - لم يقتصر ﵊ على كلمته هذه فعليكم بسنتي بل عطف عليها أيضا كما فعل في حديث الفرق: «وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» زاد
стр. 250
في حديث جابر ﵁ «وكل ضلالة في النار» الشاهد أنكم تسمعون في هذا الحديث أن النبي ﵌ جعل النجاة والخلاص من الافتراق الذي سيقع فيما بعد الرسول ﵇ إنما هو التمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده؛ ذلك لأن طريقة هؤلاء الخلفاء الراشدين كطريقة عامة الصحابة الذي أَطْلَق عليهم في الحديث السابق لفظة: «الجماعة» هم اللذين فهموا من النبي ﵌ المعاني الصحيحة للآيات والأحاديث القولية.
ونقولها إلى الأمة بيضاء نقية ليلها كنهارها: إذا لم يهتم العلماء بخاصة بهذا الجانب الثالث مما سبقت الإشارة إليه في هذه النصوص صار الكتاب والسنة هوى متبعاً، ونحن نجد اليوم خلافات كثيرة وكل هؤلاء المختلفين يدعون أنهم على الكتاب والسنة مهما كانت كتاباتهم وكانت تجمعاتهم، يدندنون حول الكتاب والسنة، لكنكم لا تجدون على وجه الأرض اليوم وعلى الساحة الإسلامية في هذه الجماعات من ارتضت لنفسها في فهم كتاب ربها وسنة نبيها منهج السلف الصالح، إلا جماعة واحدة على وجه الأرض لهم أسماء مختلفة والمسمى واحد؛ ففي بعض البلاد يسمى هؤلاء انتماءً إلى الجماعة المشار إليها وهي جماعة السلف، ويقولون دعوتنا دعوة السلف الصالح ونحن ننتسب إليهم ونقول: إننا سلفيون، أو نقول: نحن من أهل الحديث، أو يقولون: نحن أنصار السنة ... ولابد من التنبيه معتذراً لإطالة الكلام في هذه المسألة الهامة لأني أتصور أن بيننا لقاءات ولقاءات كثيرة يمكن أن يَصْدْقَ فيها ما يقال اليوم إننا سنتمكن هناك من وضع النقاط على الحروف كما يقولون اليوم، لكن لا بد لي في ختام هذه الكلمة من لفتة نظر إلى أن كثيراً من الجماعات الإسلامية الأخرى التي تنتسب إلى أسماء إما أسماء لجماعة معينة من الخلف، أو أسماء إلى حزب معين من الخلف، أو إلى أشخاص معروفين
стр. 251
أو نحو ذلك هؤلاء؛ كلهم يكادون يجمعون على إنكار استعمال كلمة السلف أو الانتساب إليهم، كأن يقال نحن أتباع السلف أو الفرد الواحد من يقول: أنا سلفي إنهم منكرون هذه النسبة، وفي اعتقادي أنهم لو تنبهوا لمعنى هذه النسبة لما استطاعوا أن يبادروا إلى إنكار هذه النسبة؛ لأن معناها الانتساب إلى السلف الصالح الذين شهد لهم رسول الله ﵌ بالخيرية في الحديث المتواتر الذي قال فيه رسول الله ﵌: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم». هؤلاء هم السلف، وعلى رأسهم محمد المصطفى ﵌ فمن من المسلمين يستطيع إذا ما تنبه لمعنى هذه الكلمة السلف أو السلفي المنسوب للسلف الصالح من المسلمين بعد هذا يستطيع أن يتبرأ من أن يكون تابعاً للسلف؟! وبالتالي من أن يكون بشخصه سلفياً إنما يبادر إلى إنكار هذه النسبة أولئك الذين لا يعرفون قدر السلف وقيمة السلف، والسبيل التي ذكرها ربنا في الآية الأولى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:١١٥) لذلك نحن دعوتنا ليست محصورة في الكتاب والسنة - وهذا لا بد منه لكل مسلم - لكننا نضيف إلى ذلك؛ صيانةً لنا من أن ننحرف يمينا أو يساراً، وأن نكون فرقة من الفرق الاثنين وسبعين.
لو ضربنا مثلاً: من أخطر الفرق الإسلامية الموجودة اليوم الحديثة على وجه الأرض كالطائفة القاديانية مثلاً، والذين ينتسبون إلى الأحمدية تضليلاً لجماهير المسلمين هؤلاء لو قلنا لهم ما مذهبكم؟ لقالوا: الكتاب والسنة، ولكنهم يتلاعبون ويفسرون الكتاب والسنة على خلاف ما كان عليه السلف الصالح، والأمثلة في هذا المجال كثيرة وكثيرة جداً لعل لبيان ... هذا مجال آخر، فبهذا القدر كفاية والحمد لله رب العالمين.
"الهدى والنور" (٣٧٧/ ٤٢: ٠٠: ٠٠)
стр. 252
[٢٤] باب مذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم
[قال الإمام]:
مذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم، وليس العكس؛ خلافاً لما اشتهر عند المتأخرين من علماء الكلام.
"الضعيفة" (١١/ ١/٥٠٧).
стр. 253
جماع أبواب بيان منزلة السنة بجانب القرآن
وكونها مصدرًا رئيسًا من مصادر الاستدلال عند أهل السنة
стр. 254
[٢٥] باب وجوب الرجوع إلى السنة وتحريم مخالفتها
[قال الإمام]:
إن من المتفق عليه بين المسلمين الأولين كافة، أن السنة النبوية - على صاحبها أفضل الصلاة والسلام - هي المرجع الثاني والأخير في الشرع الإسلامي، في كل نواحي الحياة من أمور غيبية اعتقادية - أو أحكام عملية، أو سياسية، أو تربوية وأنه لا يجوز مخالفتها في شيء من ذلك لرأي أو اجتهاد أو قياس، كما قال الإمام الشافعي ﵀ في آخر " الرسالة ": " لا يحل القياس والخبر موجود "، ومثله ما اشتهر عند المتأخرين من علماء الأصول:" إذا ورد الأثر بطل النظر "،" لا اجتهاد في مورد النص " ومستندهم في ذلك الكتاب الكريم، والسنة المطهرة.
أما الكتاب ففيه آيات كثيرة، أجتزىء بذكر بعضها في هذه المقدمة على سبيل الذكرى ﴿فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾.
١ - قال تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً﴾ (الأحزاب: ٣٦).
٢ - وقال : ﴿يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم﴾ (الحجرات: ١).
٣ - وقال: ﴿قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين﴾ (آل عمران:٣٢).
стр. 255
٤ - وقال عز من قائل: ﴿وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيداً. من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً﴾ (النساء:٨٠).
٥ - وقال: ﴿يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً﴾ (النساء:٥٩).
٦ - وقال: ﴿وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين﴾ (الأنفال: ٤٦).
٧ - وقال: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا، فإن توليتم فاعملوا أنما على رسولنا البلاغ المبين﴾ (المائدة: ٩٢).
٨ - وقال: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً، قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ (النور: ٦٣).
٩ - وقال: ﴿يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم، واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون﴾ (الأنفال: ٢٤).
١٠ - وقال: ﴿ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم. ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين﴾ (النساء١٣ - ١٤).
١١ - وقال: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً. وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت
стр. 256
المنافقين يصدون عنك صدوداً﴾ (النساء:٦٠ - ٦١).
١٢ - وقال سبحانه: ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون﴾ (النور:٥٢).
١٣ - وقال: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا، واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾ (الحشر: ٧).
١٤ - وقال تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً﴾ (الأحزاب:٢١).
١٥ - وقال: ﴿والنجم إذا هوى. ما ضل صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى﴾ (النجم:١ - ٤).
١٦ - وقال ﵎: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ (النحل:٤٤).
إلى غير ذلك من الآيات المباركات.
-[أما] الأحاديث الداعية إلى اتباع النبي ﵌ في كل شيء [فمنها]:
١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى «أخرجه البخاري في "صحيحه - كتاب الاعتصام ".
٢ - عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «جاءت ملائكة إلى النبي ﵌ وهو نائم، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة، والقلب يقظان،
стр. 257
فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلا، فاضربوا له مثلا، فقالوا: مثله كمثل رجل بنى داراً، وجعل فيه مأدبة، وبعث داعياً، فمن أجاب الداعي دخل الدار، وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة، فقالوا: أولوها يفقهها، فقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا فالدار الجنة، والداعي محمد ﵌، فمن أطاع محمداً ﵌ فقد أطاع الله، ومن عصى محمداً ﵌ فقد عصى الله، ومحمد ﵌ فرق (١) بين الناس» أخرجه البخاري أيضاً.
٣ - عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﵌ قال: «إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوماً فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا، فأنطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق». أخرجه البخاري ومسلم.
٤ - عن أبي رافع ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته، يأتيه الأمر من أمري، مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه (وإلا فلا) ". رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه وابن ماجة والطحاوي وغيرهم بسند صحيح.
٥ - عن المقدام بن معدي كرب ﵁ قال: قال رسول الله ﵌:» ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حرام فحرموه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم
стр. 258
الله، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه (١)، فإن لم يقروه، فله أن يعقبهم بمثل قراه». رواه أبو داود والترمذي والحاكم وصححه وأحمد بسند صحيح.
٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌:: «تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهم (ما تمسكتم بهما) كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض». أخرجه مالك مرسلاً، والحاكم مسنداً وصححه.
- ما تدل عليه النصوص السابقة:
وفي هذه النصوص من الآيات والأحاديث أمور هامة جداً يمكن إجمالها فيما يلي:
١ - أنه لا فرق بين قضاء الله وقضاء رسوله، وأن كلا منهما، ليس للمؤمن الخيرة في أن يخالفهما، وأن عصيان الرسول ﵌ كعصيان الله تعالى، وأنه
ضلال مبين.
٢ - أنه لا يجوز التقدم بين يدي الرسول ﵌ كما لا يجوز التقدم بين يدي الله تعالى، وهو كناية عن عدم جواز مخالفة سنته ﵌، قال الإمام ابن القيم في "إعلام الموقعين" (١/ ٥٨):" أي لا تقولوا حتى يقول، وتأمروا حتى يأمر، ولا تفتوا حتى يفتي، ولا تقطعوا أمراً حتى يكون هو الذي يحكم فيه ويمضي ".
٣ - أن التولي عن طاعة الرسول ﵌ إنما هو من شأن الكافرين.
стр. 259
٤ - أن المطيع للرسول ﵌ مطيع لله تعالى.
٥ - وجوب الرد والرجوع عند التنازع والاختلاف في شيء من أمور الدين إلى الله وإلى الرسول ﵌، قال ابن القيم (١/ ٥٤):
"فأمر تعالى بطاعته وطاعة رسوله، وأعاد الفعل -يعني قوله: وأطيعوا الرسول- إعلاماً بأن طاعته تجب استقلالاً من غير عرض ما أمر به على الكتاب، بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقاً سواء كان ما أمر به في الكتاب، أو لم يكن فيه، فإنه " أوتي الكتاب ومثله معه "، ولم يأمر بطاعة أولي الأمر استقلالاً، بل حذف الفعل وجعل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول " ومن المتفق عليه عند العلماء أن الرد إلى الله إنما هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول، هو الرد إليه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته، وأن ذلك من شروط الإيمان.
٦ - أن الرضى بالتنازع، بترك الرجوع إلى السنة للخلاص من هذا التنازع سبب هام في نظر الشرع لإخفاق المسلمين في جميع جهودهم، ولذهاب قوتهم وشوكتهم.
٧ - التحذير من مخالفة الرسول ﵌ لما لها من العاقبة السيئة في الدنيا والآخرة.
٨ - استحقاق المخالفين لأمره ﵌ الفتنة في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة.
٩ - وجوب الاستجابة لدعوة الرسول ﵌ وأمره، وأنها سبب الحياة الطيبة، والسعادة في الدنيا والآخرة.
١٠ - أن طاعة النبي ﵌ سبب لدخول الجنة والفوز العظيم، وأن معصيته
стр. 260
وتجاوز حدوده سبب لدخول النار والعذاب المهين.
١١ - أن من صفات المنافقين الذين يتظاهرون بالإسلام ويبطنون الكفر أنهم إذا دعوا إلى أن يتحاكموا إلى الرسول ﵌ وإلى سنته، لا يستجيبون لذلك، بل يصدون عنه صدوداً.
١٢ - وأن المؤمنين على خلاف المنافقين، فإنهم إذا دعوا إلى التحاكم إلى الرسول ﵌ بادروا إلى الاستجابة لذلك، وقالوا بلسان حالهم وقالهم: " سمعنا وأطعنا "، وأنهم بذلك يصيرون مفلحين، ويكونون من الفائزين بجنات النعيم.
١٣ - كل ما أمرنا به الرسول ﵌ يجب علينا اتباعه فيه، كما يجب علينا أن ننتهي عن كل ما نهانا عنه.
١٤ - أنه ﵌ أسوتنا وقدوتنا في كل أمور ديننا إذا كنا ممن يرجو الله واليوم الآخر.
١٥ - وأن كل ما نطق به رسول الله ﵌ مما لا صلة بالدين والأمور الغيبية التي لا تعرف بالعقل ولا بالتجربة فهو وحي من الله إليه. لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
١٦ - وأن سنته ﵌ هي بيان لما أنزل إليه من القرآن.
١٧ - وأن القرآن لا يغني عن السنة، بل هي مثله في وجوب الطاعة والاتباع، وأن المستغني به عنها مخالف للرسول ﵊ غير مطيع له، فهو بذلك مخالف لما سبق من الآيات.
١٨ - أن ما حرم رسول الله ﵌ مثل ما حرم الله، وكذلك كل شيء جاء به
стр. 261
رسول الله ﵌ مما ليس في القرآن، فهو مثل ما لو جاء في القرآن لعموم قوله: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه».
١٩ - أن العصمة من الانحراف والضلال إنما هو التمسك بالكتاب والسنة، وأن ذلك حكم مستمر إلى يوم القيامة، فلا يجوز التفريق بين كتاب الله وسنة نبيه ﵌ تسلمياً كثيرا.
"الحديث حجة بنفسه" (ص٢٥ - ٣٤).
[٢٦] باب لزوم اتباع السنة على كل جيل في العقائد والأحكام
[قال الإمام معلقاً على النصوص المتقدمة]:
هذه النصوص المتقدمة من الكتاب والسنة كما أنها دلت دلالة قاطعة على وجوب اتباع السنة اتباعاً مطلقاً في كل ما جاء به النبي ﵌، وأن من لم يرض بالتحاكم إليها والخضوع لها فليس مؤمناً، فإني أريد أن ألفت نظركم إلى أنها تدل بعموماتها وإطلاقاتها على أمرين آخرين هامين أيضاً:
الأول: أنها تشمل كل من بلغته الدعوة إلى يوم القيامة، وذلك صريح في قوله تعالى: ﴿لأنذركم به ومن بلغ﴾، وقوله: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً﴾ وفسره ﵌ بقوله في حديث:
« ... وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة» متفق عليه، وقوله: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي رجل من هذه الأمة ولا يهودي ولا
نصراني ثم لا يؤمن بي إلا كان من أهل النار» رواه مسلم وابن منده وغيرهما " الصحيحة" (١٥٧).
стр. 262
والثاني: أنها تشمل كل أمر من أمور الدين، لا فرق بين ما كان منه عقيدة علمية، أو حكماً عملياً، أو غير ذلك، فكما كان يجب على كل صحابي أن يؤمن بذلك كله حين يبلغه من النبي ﵌ أو من صحابي آخر عنه كان يجب كذلك على التابعي حين يبلغه عن الصحابي، فكما لا يجوز للصحابي مثلاً أن يرد حديث النبي ﵌ إذا كان في العقيدة بحجة أنه خبر آحاد سمعه عن صحابي مثله عنه ﵌، فكذلك لا يجوز لمن بعده أن يرده بالحجة نفسها مادام أن المخبر به ثقة عنده، وهكذا ينبغي أن يستمر الأمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد كان الأمر كذلك في عهد التابعين والأئمة المجتهدين كما سيأتي النص بذلك عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.
"الحديث حجة بنفسه" (ص٣٤ - ٣٥)
[٢٧] باب وظيفة السنة في القرآن
[قال الإمام]:
إن الله ﵎ اصطفى محمداً ﵌ بنبوته واختصه برسالته، فأنزل عليه كتابه القرآن الكريم وأمره فيه في جملة ما أمره به أن يبينه للناس فقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: ٤٤). والذي أراه أن هذا البيان المذكور في هذه الآية الكريمة يشتمل على نوعين من البيان:
الأول: بيان اللفظ ونظمه وهو تبليغ القرآن وعدم كتمانه وأداؤه إلى الأمة كما أنزله الله ﵎ على قلبه ﵌. وهو المراد بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ (المائدة: ٦٧) وقد قالت السيدة عائشة ﵂ في حديث لها: "ومن حدثكم أن محمدا كتم شيئا أمر بتبليغه فقد أعظم على الله
стр. 263
الفرية. ثم تلت الآية المذكورة" [أخرجه الشيخان]. وفي رواية لمسلم: "لو كان رسول الله ﵌ كاتما شيئا أمر بتبليغه لكتم قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي في نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ (الأحزاب: ٣٧) ".
والآخر: بيان معنى اللفظ أو الجملة أو الآية الذي تحتاج الأمة إلى بيانه، وأكثر ما يكون ذلك في الآيات المجملة أو العامة أو المطلقة فتأتي السنة
فتوضح المجمل وتخصص العام وتقيد المطلق. وذلك يكون بقوله ﵌ كما يكون بفعله وإقراره.
"منزلة النسة في الإسلام" (ص٦ - ٧).
[٢٨] باب ضرورة السنة لفهم القرآن
وبيان ضلال المستغنين بالقرآن عن السنة
[قال الإمام]:
قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ (المائدة: ٣٨) مثال صالح [لبيان وظيفة السنة بجانب القرآن] فإن السارق فيه مطلق كاليد، فبينت السنة القولية الأول منهما وقيدته بالسارق الذي يسرق ربع دينار بقوله ﵌: «لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا» (أخرجه الشيخان)، كما بينت الآخر بفعله ﵌ أو فعل أصحابه وإقراره فإنهم كانوا يقطعون يد السارق من عند المفصل كما هو معروف في كتب لحديث وبينت السنة القولية اليد المذكورة في آية التيمم: ﴿فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ (النساء:٤٣، المائدة: ٦) بأنها الكف أيضا بقوله ﵌: «التيمم ضربة للوجه والكفين» (أخرجه أحمد والشيخان وغيرهم من حديث عمار بن
стр. 264
ياسر ﵄.
وإليكم بعض الآيات الأخرى التي لم يمكن فهمها فهماً صحيحاً على مراد الله تعالى إلا من طريق السنة:
١ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُون﴾ (الأنعام: ٨٢) فقد فهم أصحاب النبي ﵌ قوله: (بظلم) على عمومه الذي يشمل كل ظلم ولو كان صغيرا ولذلك استشكلوا الآية فقالوا: يا رسول الله أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال ﵌: «ليس بذلك إنما هو الشرك ألا تسمعوا إلى قول لقمان: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ (لقمان: ١٣)؟» (أخرجه الشيخان وغيرهما).
٢ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ في الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ (النساء: ١٠١) فظاهر هذه الآية يقتضي أن قصر الصلاة في السفر مشروط له الخوف ولذلك سأل بعض الصحابة رسول الله ﵌ فقالوا: ما بالنا نقصر وقد أمنا؟ قال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" (رواه مسلم).
٣ - قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ﴾ (المائدة: ٣) فبينت السنة القولية أن ميتة الجراد والسمك والكبد والطحال من الدم حلال فقال ﵌: «أحلت لنا ميتتان ودمان: الجراد والحوت (أي السمك بجميع أنواعه) والكبد والطحال» (أخرجه البيهقي وغيره مرفوعا وموقوفا وإسناد الموقوف صحيح وهو في حكم المرفوع لأنه لا يقال من قبل الرأي).
٤ - قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ في مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾
стр. 265
(الأنعام: ١٤٥). ثم جاءت السنة فحرمت أشياء لم تذكر في هذه الآية كقوله ﵌: «كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير حرام». وفي الباب أحاديث أخرى في النهي عن ذلك. كقوله ﵌ يوم خيبر: «إن الله ورسوله ينهيانكم عن الحمر الإنسية فإنها رجس» (أخرجه الشيخان).
٥ - قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (الأعراف: ٣٢) فبينت السنة أيضاً أن من الزينة ما هو محرم فقد ثبت عن النبي ﵌ أنه خرج يوما على أصحابه وفي إحدى يديه حرير وفي الأخرى ذهب فقال: «هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم» (أخرجه الحاكم وصححه).
والأحاديث في معناه كثيرة معروفة في " الصحيحين " وغيرهما. إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة المعروفة لدى أهل العلم بالحديث والفقه. ومما تقدم يتبين لنا أيها الإخوة أهمية السنة في التشريع الإسلامي فإننا إذا أعدنا النظر في الأمثلة المذكورة فضلا عن غيرها مما لم نذكر نتيقن أنه لا سبيل إلى فهم القرآن الكريم فهما إلا مقرونا بالسنة.
ففي المثال الأول فهم الصحابة «الظلم» المذكور في الآية على ظاهره ومع أنهم كانوا ﵃ كما قال ابن مسعود: " أفضل هذه الأمة أبرها قلوباً وأعمقها علماً وأقلها تكلفاً " فإنهم مع ذلك قد أخطؤوا في ذلك الفهم فلولا أن النبي ﵌ ردهم عن خطئهم وأرشدهم إلى أن الصواب في "الظلم" المذكور إنما هو الشرك لاتبعناهم على خطئهم ولكن الله ﵎ صاننا عن ذلك. بفضل إرشاده ﵌ وسنته.
وفي المثال الثاني: لولا الحديث المذكور لبقينا شاكين على الأقل في قصر
стр. 266
الصلاة في السفر في حالة الأمن إن لم نذهب إلى اشتراط الخوف فيه كما هو ظاهر الآية وكما تبادر ذلك لبعض الصحابة لولا أنهم رأوا رسول الله ﵌ يقصر ويقصرون معه وقد أمنوا.
وفي المثال الثالث: لولا الحديث أيضا لحرمنا طيبات أحلت لنا: الجراد والسمك والكبد والطحال.
وفي المثال الرابع: لولا الأحاديث التي ذكرنا بعضها لاستحللنا ما حرم الله علينا على لسان نبيه ﵌ من السباع وذوي المخلب من الطير.
وكذلك المثال الخامس: لولا الأحاديث التي فيه لاستحللنا ما حرم الله على لسان نبيه من الذهب والحرير ومن هنا قال بعض السلف: السنة تقضي على الكتاب.
ومن المؤسف أنه قد وجد في بعض المفسرين والكُتَّاب المعاصرين من ذهب إلى جواز ما ذُكر في المثالين الأخيرين من إباحة أكل السباع ولبس الذهب والحرير اعتماداً على القرآن فقط بل وجد في الوقت الحاضر طائفة يتسمون بـ "القرآنيين" يفسرون القرآن بأهوائهم وعقولهم دون الاستعانة على ذلك بالسنة الصحيحة، بل السنة عندهم تبع لأهوائهم فما وافقهم منها تشبثوا به وما لم يوافقهم منها نبذوه وراءهم ظهريّاً.
وكأن النبي ﵌ قد أشار إلى هؤلاء بقوله في الحديث الصحيح: «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» (رواه الترمذي). وفي رواية لغيره: «ما وجدنا فيه حراماً حرمناه ألا وإني أتيت القرآن ومثله معه». وفي أخرى: «ألا إن ما حرم
стр. 267
رسول الله مثل ما حرم الله».
بل إن من المؤسف أن بعض الكُتاب الأفاضل ألف كتاباً في شريعة الإسلام وعقيدته وذكر في مقدمته أنه ألفه وليس لديه من المراجع إلا القرآن. فهذا الحديث الصحيح يدل دلالة قاطعة على أن الشريعة الإسلامية ليست قرآناً فقط وإنما قرآن وسنة فمن تمسك بأحدهما دون الآخر لم يتمسك بأحدهما لأن كل واحد منهما يأمر بالتمسك بالآخر كما قال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ (النساء:٨٠) وقال: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ في أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ (النساء: ٦٥) وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِينًا﴾ (الأحزاب: ٣٦) وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (الحشر: ٧).
وبمناسبة هذه الآية يعجبني ما ثبت عن ابن مسعود ﵁ وهو أن امرأة جاءت إليه فقالت له: أنت الذي تقول: لعن الله النامصات والمتنمصات والواشمات .. الحديث؟ قال: نعم قالت: فإني قرأت كتاب الله من أوله إلى آخره فلم أجد فيه ما تقول فقال لها: إن كنت قرأتيه لقد وجدتيه أما قرأت: «وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا» قالت: بلى قال: فقد سمعت رسول الله ﵌ يقول: «لعن الله النامصات .... » الحديث (متفق عليه).
"منزلة السنة في الإسلام" (ص٧ - ١٢)
[٢٩] باب من أصول الخلف التي تركت السنة بسببها
[قال الإمام]:
لقد خَلَفَ [سلفَ الأمة] خَلَفٌ أضاعوا السنة النبوية وأهملوها، بسبب أصول
стр. 268
يتبناها بعض علماء الكلام، وقواعد زعمها بعض علماء الأصول والفقهاء المقلدين، كان من نتائجها الإهمال المذكور الذي أدى بدوره إلى الشك في قسم كبير منها، ورد قسم آخر منها لمخالفتها لتلك الأصول والقواعد، فتبدلت الآية عند هؤلاء، فبدل أن يرجعوا بها إلى السنة ويتحاكموا إليها، فقد قلبوا الأمر، ورجعوا بالسنة إلى قواعدهم وأصولهم، فما كان منها موافقاً لقواعدهم قبلوه، وإلا رفضوه، وبذلك انقطعت الصلة التامة بين المسلم وبين النبي ﵌، وخاصة عند المتأخرين منهم، فعادوا جاهلين بالنبي ﵌ وعقيدته وسيرته وعبادته، وصيامه وقيامه وحجة وأحكامه وفتاويه، فإذا سئلوا عن شيء من ذلك أجابوك إما بحديث ضعيف أو لا أصل له، أو بما في المذهب الفلاني، فإذا اتفق أنه مخالف للحديث الصحيح وذكروا به لا يذكرون، ولا يقبلون الرجوع إليه لشبهات لا مجال لذكرها الآن، وكل ذلك سببه تلك الأصول والقواعد المشار إليها، وسيأتي قريباً ذكر بعضها إن شاء الله تعالى.
ولقد عم هذا الوباء وطم كل البلاد الإسلامية، والمجلات العلمية والكتب الدينية إلا نادراً، فلا تجد من يفتي فيها على الكتاب والسنة إلا أفراداً قليلين غرباء، بل جماهيرهم يعتمدون فيها على مذهب من المذاهب الأربعة، وقد يتعدونها إلى غيرها إذا وجدوا في ذلك مصلحة - كما زعموا - وأما السنة فقد أصبحت عندهم نسياً منسياً، إلا إذا اقتضت المصلحة عندهم الأخذ بها، كما فعل بعضهم بالنسبة لحديث ابن عباس في الطلاق بلفظ ثلاث وأنه كان على عهد النبي ﵌ طلقة واحدة، فقد أنزلوها منزلة بعض المذاهب المرجوحة! وكانوا قبل أن يتبنوه يحاربونه ويحاربون الداعي إليه!
وإن مما يدل على غربة السنة في هذا الزمان وجهل أهل العلم والفتوى
стр. 269
بها، جواب إحدى المجلات الإسلامية السيارة عن سؤال: "هل تبعث الحيوانات ... " ونصه:
" قال الإمام الآلوسي في تفسيره: " ليس في هذا الباب - يعني بعث الحيوانات - نص من كتاب أو سنة يعول عليه يدل على حشر غير الثقلين من الوحوش والطيور ".
هذا كل ما أعتمده المجيب، وهو شيء عجيب يدلكم على مبلغ إهمال أهل العلم - فضلاً عن غيرهم- لعلم السنة، فقد ثبت فيها أكثر من حديث واحد يصرح بأن الحيوانات تحشر، ويقتص لبعضها من بعض، من ذلك حديث مسلم في "صحيحه": «لتؤدون الحقوق إلى أهلها حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء». وثبت عن ابن عمرو وغيره أن الكافر حين يرى هذا القصاص يقول: "ياليتني كنت ترابا".
فما هي تلك الأصول والقواعد التي أقامها الخلف، حتى صرفتهم عن السنة دراسة واتباعاً؟ وجواباً عن ذلك أقول:
يمكن حصرها في الأمور الآتية:
الأول: قول بعض علماء الكلام: إن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، وصرح بعض الدعاة الإسلاميين اليوم بأنه لا يجوز أخذ العقيدة منه، بل يحرم.
الثاني: بعض القواعد التي تبنتها بعض المذاهب المتبعة في " أصولها " يحضرني الآن منها ما يلي:
أ- تقديم القياس على خبر الآحاد. (الإعلام ١/ ٣٢٧و٣٠٠ شرح المنارص٦٢٣).
стр. 270
ب- رد خبر الآحاد إذا خالف الأصول. (الإعلام ١/ ٣٢٩، شرح المنارص٦٤٦).
ج - رد الحديث المتضمن حكماً زائداً على نص القرآن بدعوى أن ذلك نسخ له، والسنة لا تنسخ القرآن (شرح المنار ص٦٤٧، الأحكام٢/ ٦٦).
د - تقديم العام على الخاص عند التعارض، أو عدم جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد! (شرح المنار ص٢٨٩ - ٢٩٤، إرشاد الفحول ١٣٨ - ١٣٩ - ١٤٣ - ١٤٤).
هـ - تقديم عمل أهل المدينة على الحديث الصحيح.
الثالث: التقليد، واتخاذه مذهباً وديناً.
"الحديث حجة بنفسه" (ص٣٥ - ٣٨)
[٣٠] باب ضعف حديث معاذ في الرأي وما يستنكر منه
[قال الإمام]:
[أود أن] أُلفت (الانتباه) إلى حديث مشهور قلَّما يخلو منه كتاب من كتب أصول الفقه لضعفه من حيث إسناده ولتعارضه مع ما انتهينا إليه .. من عدم جواز التفريق في التشريع بين الكتاب والسنة ووجوب الأخذ بهما معا ألا وهو حديث معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﵌ قال له حين أرسله إلى اليمن:
بم تحكم؟
قال: بكتاب الله قال: " فإن لم تجد؟ " قال: بسنة رسول الله قال: " فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد رأيي ولا آلو. قال: " الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يحب رسول الله "
стр. 271
أما ضعف إسناده فلا مجال لبيانه الآن وقد بينت ذلك بياناً شافياً ربما لم أسبق إليه في السلسلة السابقة الذكر (١)، وحسبي الآن أن أذكِّر أن أمير المؤمنين في الحديث الإمام البخاري رحمه الله تعالى قال فيه: "حديث منكر ". وبعد هذا يجوز لي أن أشرع في بيان التعارض الذي أشرت إليه فأقول:
إن حديث معاذ هذا يضع للحاكم منهجاً في الحكم على ثلاث مراحل لا يجوز أن يبحث عن الحكم في الرأي إلا بعد أن لا يجده في السنة، ولا في السنة إلا بعد أن لا يجده في القرآن، وهو بالنسبة للرأي منهج صحيح لدى كافة العلماء وكذلك قالوا: «إذا ورد الأثر بطل النظر». ولكنه بالنسبة للسنة ليس صحيحاً؛ لأن السنة حاكمة على كتاب الله ومبينة له فيجب أن يبحث عن الحكم في السنة ولو ظن وجوده في الكتاب لما ذكرنا فليست السنة مع القرآن كالرأي مع السنة كلا ثم كلا، بل يجب اعتبار الكتاب والسنة مصدرِاً واحداً لا فصل بينهما أبداً كما أشار إلى ذلك قوله ﵌: «ألا إني أُتيت القرآن ومثله معه» يعني السنة وقوله: «لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض».
فالتصنيف المذكور بينهما غير صحيح؛ لأنه يقتضي التفريق بينهما وهذا باطل لما سبق بيانه
فهذا هو الذي أردت أن أنبه إليه فإن أصبت فمن الله. وإن أخطأت فمن نفسي والله تعالى أسأل أن يعصمنا وإياكم من الزلل ومن كل ما لا يرضيه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
"منزلة السنة في القرآن" (ص١٧ - ١٨)
стр. 272
[٣١] باب بطلان تقديم القياس وغيره على الحديث
[قال الإمام]:
إن رد الحديث الصحيح بالقياس أو غيره من القواعد التي سبق ذكرها مثل رده بمخالفة أهل المدينة له، لهو مخالفة صريحة لتلك الآيات والأحاديث المتقدمة القاضية بوجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة عند الاختلاف والتنازع، ومما لا شك فيه عند أهل العلم أن رد الحديث لمثل ما ذكرنا من القواعد، ليس مما اتفق عليه أهل العلم كلهم، بل إن جماهير العلماء يخالفون تلك القواعد، ويقدمون عليها الحديث الصحيح اتباعاً للكتاب والسنة، كيف لا، مع أن الواجب العمل بالحديث ولو مع ظن الاتفاق على خلافه أو عدم العلم بمن عمل به، قال الإمام الشافعي في "الرسالة" (ص٤٦٣/ ٤٦٤): " ويجب أن يقبل الخبر في الوقت الذي ثبت فيه، وإن لم يمض عمل من الأئمة بمثل الخبر ".
وقد قال العلامة ابن القيم في "إعلام الموقعين" (١/ ٣٢ - ٣٣):
" ولم يكن الإمام أحمد رحمه الله تعالى يقدم على الحديث الصحيح عملا ولا رأيا ولا قياساً ولا قول صاحب، ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعاً، ويقدمونه على الحديث الصحيح وقد كذب أحمد من ادعى هذا الإجماع، ولم يسوغ تقديمه على الحديث الثابت، وكذلك الشافعي أيضاً نص في "رسالته الجديدة" على أن ما لا يعلم فيه بخلاف لا يقال له إجماع ... ونصوص رسول الله ﵌ أجل عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها ما توهم إجماع، مضمونه عدم العلم بالمخالف، ولو ساغ لتعطلت النصوص، وساغ لكل من لم يعلم مخالفاً في حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص ".
стр. 273
وقال ابن القيم أيضاً (٣/ ٤٦٤ - ٤٦٥):
" وقد كان السلف الطيب يشتد نكيرهم وغضبهم على من عارض حديث رسول الله ﵌ برأي أو قياس، أو استحسان، أو قول أحد من الناس كائناً من كان، ويهجرون فاعل ذلك وينكرون على من ضرب له الأمثال، ولا يسوغون غير الانقياد له ﵌ والتسليم، والتلقي بالسمع والطاعة، ولا يخطر بقلوبهم التوقف في قبوله حتى يشهد له عمل أو قياس، أو يوافق قول فلان وفلان بل كانوا عاملين بقوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ وأمثاله "مما تقدم" فدفعنا إلى زمان إذا قيل لأحدهم: ثبت عن النبي ﵌ أنه قال: كذا، وكذا، يقول: من قال بهذا؟ دفعاً في صدر الحديث، ويجعل جهله بالقائل حجة له في مخالفته وترك العمل به، ولو نصح نفسه لعلم أن هذا الكلام من أعظم الباطل، وأنه لا يحل له دفع سنن رسول الله ﵌ بمثل هذا الجهل، وأقبح من ذلك عذره في جهله، إذ يعتقد أن الإجماع منعقد على مخالفة تلك السنة، وهذا سوء ظن بجماعة المسلمين، إذ ينسبهم إلى اتفاقهم على مخالفة سنة رسول الله ﵌، وأقبح من ذلك عذره في دعوى هذه الإجماع، وهو جهله وعدم علمه بمن قال بالحديث، فعاد الأمر إلى تقديم جهله على السنة والله المستعان ".
قلت: وإذا كان هذا حال من يخالف السنة، وهو يظن أن العلماء اتفقوا على خلافها، فكيف يكون حال من يخالفها، إذا كان يعلم أن كثيراً من العلماء قد قالوا بها، وأن من خالفها لا حجة له
إلا من مثل تلك القواعد المشار إليها، أو التقليد على ما سيأتي في الفصل الرابع.
стр. 274
- سبب الخطأ في تقديم القياس وأصولهم على الحديث:
ومنشأ الخطأ في تقديمهم القواعد المشار إليها على السنة في نظري إنما هو نظرتهم إلى السنة أنها في مرتبة دون المرتبة التي أنزلها الله ﵎ فيها من جهة، وفي شكهم في ثبوتها من جهة أخرى،
وإلا كيف جاز لهم تقديم القياس عليها، علماً بأن القياس قائم على الرأي والاجتهاد، وهو معرض للخطأ كما هو معلوم، ولذلك لا يصار إليه إلا عند الضرورة كما تقدم في كلمة الشافعي ﵀:
" لا يحل القياس والخبر موجود "، وكيف جاز لهم تقديم عمل أهل بعض البلاد عليها، وهم يعلمون أنهم مأمورون بالتحاكم إليها عند التنازع كما سلف؟ وما أحسن قول الإمام السبكي في صدد المتمذهب بمذهب يجد حديثاً لم يأخذ به مذهبه، ولا علم قائلاً به من غير مذهبه:
" والأولى عندي اتباع الحديث، وليفرض الإنسان نفسه بين يدي النبي ﵌، وقد سمع ذلك منه أيسعه التأخر عن العمل به؟! لا والله، وكل أحد مكلف بحسب فهمه" (١).
قلت: وهذا يؤيد ما ذكرنا من أن الشك في ثبوت السنة هو مما رماهم في ذلك الخطأ، وإلا فلو كانوا على علم بها وأن رسول الله ﵌ قد قالها، لم يتفوهوا بتلك القواعد فضلا عن أن يطبقوها، وأن يخالفوا بها مئات الأحاديث الثابتة عن النبي ﵌ ولا مستند لهم في ذلك إلا الرأي والقياس واتباع عمل طائفة من الناس
стр. 275
كما ذكرنا، وإنما العمل الصحيح ما وافق السنة، والزيادة على ذلك زيادة في الدين، والنقص منه نقص في الدين، قال ابن القيم (١/ ٢٩٩) مفسراً للزيادة والنقص المذكورين:
" فالأول القياس، والثاني التخصيص الباطل، وكلاهما ليس من الدين، ومن لم يقف مع النصوص، فإنه تارة يزيد في النص ما ليس منه، ويقول هذا قياس، ومرة ينقص منه بعض ما يقتضيه، ويخرجه عن حكمه ويقول: هذا تخصيص ومرة يترك النص جملة، ويقول: ليس العمل عليه، أو يقول: هذا خلاف القياس، أو خلاف الأصول. (قال): ونحن نرى أنه كلما اشتد توغل الرجل في القياس اشتدت مخالفته للسنن، ولا نرى خلاف السنن والآثار عند أصحاب الرأي والقياس، فلله كم من سنة صحيحة صريحة قد عطلت به، وكم من أثر درس حكمه بسببه، فالسنن والآثار عند الآرائيين والقياسيين خاوية على عروشها، معطلة أحكامها، معزولة عن سلطانها وولايتها، لها الاسم، ولغيرها الحكم، لها السكة والخطبة ولغيرها الأمر والنهي، وإلا فلماذا تُرِكَ (١)؟
"الحديث حجة بنفسه" (ص٣٩ - ٤٣)
[٣٢] باب أهمية السنة بجانب القرآن
[قال الإمام]:
[في] حقيقة الأمر: إن ادعاء أن القرآن هو فقط المرجع الوحيد وليس للسنة دخل في بيان القرآن فهو كفر بالقرآن، الذي يقول بأني لا أؤمن إلا بالقرآن هو
стр. 276
يكفر بالقرآن؛ ذلك لأن القرآن مما قال فيه رب الأنام: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل:٤٤) ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ﴾ (النحل:٤٤) ها نحن ذكرنا آنفاً الصلوات الخمس وكيف أنها تنقسم إلى أقسام، من أين أخذت هذه الأقسام? لا شيء منها بهذا التوضيح في القرآن الكريم، لكن هو بيان الرسول ﵇ الذي أشار الله إليه في الآية السابقة ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل:٤٤). أي إن هذه الآية تعني أن بيان الرسول ﵇ ينقسم إلى قسمين: بيان لفظي وهو تبليغ القرآن إلى الأمة .. تبليغ القرآن للأمة، والبيان الآخر هو بيان بمعنى التفصيل .. ولذلك جاء حديث الرسول ﵇ في الصحيح، وأنا بهذه المناسبة أقول: ينبغي انتقاء هذه الأحاديث، وتقديمها لطلابكم هناك حتى تستقيم العقيدة الصحيحة ويعرفون قدر السنة، وأهمية الرجوع إليها مع القرآن الكريم، ذكرت حديثاً وهو قوله ﵇: «لا يقعدن أحدكم متكئاً على أريكته يقول هذا كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالاً حللناه، وما وجدنا فيه حراماً حرمناه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه .. ألا إنما حرم رسول الله مثلما حرم الله»؛ ذلك لأن الله يقول في القرآن الكريم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم:١ - ٤).
إذاً السنة علم من العلوم يجب أن يؤخذ من أهل الاختصاص فيه، وكل من قال هذا صحيح وهذا ضعيف نقول له: هل أنت عالم بعلم الحديث? إن ادعى ذلك نقول: هات نشوف أثبت صحة هذا الحديث، بطريقة علماء الحديث، الأصل هو السند كما تعلمون .. الأصل في معرفة الأحاديث الصحيحة من الضعيفة إنما هو السند.
المنزلة الثانية أو المرتبة الثانية في النقد ونقد المتن الذي يسمى في
стр. 277
الاصطلاح العصري اليوم بالنقد الداخلي، يسمون نقد الأسانيد بالنقد الخارجي، ونقد المتون في الاصطلاح الحديثي بالنقد الداخلي .. هذا النقد الداخلي إذا ما سلط عليه عقول البشر أصبح القرآن الكريم محل انتقاد؛ لأن القرآن الكريم لا يؤمن به الكفار مثلاً فلو قيل للكافر قصة ضرب موسى للحجر وانبثق منه اثنتا عشرة عيناً، وضرب البحر فكان كل فرق كالطود العظيم .. هذه الأشياء لا يؤمن بها الكفار وسيكون هذا غير صحيح مع أنه ثابت بالقرآن الكريم وبطريقة التواتر، القرآن الكريم لا يخضع لنقد مطلقاً، وإنما ينبغي على المسلمين أن يفهموه، وهذه مناسبة نتعرض لذكرها أيضاً بطريقتين اثنتين سبقت الإشارة إليهما وهي: الرجوع إلى بيان الرسول ﵇ ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل:٤٤) أنتم تعلمون مثلاً (أنه) مُسَطَّر في كتب الفقه بعض الأحكام لا نجدها في القرآن الكريم مثلاً تحريم البنت من الرضاعة .. تحريم البنت من الرضاعة، هذا ليس مذكوراً في القرآن الكريم لكنه مذكور في الحديث، بل الأحاديث الصحيحة، ومن أصحها قوله ﵇: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (١)، فهذا الحديث هو من بيان الرسول ﵇ الذي ذكر في القرآن ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ (النساء:٢٣) ثم ضم الرسول ﵇
إلى هذا التحريم المذكور في القرآن الكريم هذا التحريم المذكور في حديثه: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، هنا يظهر أهمية: إن ما حرم رسول الله مثلما حرم الله.
إذا رجعنا الآن وفهمنا أن الذين يدعون بأنهم لا يؤمنون بشيء من السنة إنما القرآن فهم كفروا بالقرآن؛ لأن القرآن يأمرنا بالرجوع إلى الرسول ﵇ في
стр. 278
عديد من الآيات الكريمة ذكرنا بعضها آنفاً، ومن ذلك: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء:٦٥).
فإذاً كل من يزعم بأنه مسلم ولكنه لا يؤمن إلا بالقرآن فليس مسلماً؛ لأنه كفر بكثير من نصوص القرآن وعلماء المسلمين كما تعلمون جميعاً يقولون: من أنكر حرفاً من القرآن فليس بمسلم، فكيف إذا أنكر كثيراً من الآيات التي تتضمن الرجوع إلى سنة الرسول ﵊.
"الهدى والنور" (٨١١/ ٠٠: ٥٦: ٠٠)
[٣٣] باب منزلة السنة مع القرآن، وبيان حجية خبر الآحاد في العقيدة
[تكلم الشيخ مع رجل يُدعي أبا سليمان أتى له ابنه الذي يدرس في روسيا بشبهات حول الإسلام، منها عدم حجية السنة فاستمر البحث حتى قال الشيخ]:
الشيخ: ... القرآن تاركين له جانباً؛ لأنه ما في فيه موضع خلاف ..
مداخلة: شيء مُسَلَّم فيه.
الشيخ: نعم، لكن الرسول إذا أردنا نعرف كيف كانت حياته .. كيف كانت أخلاقه .. كيف كانت معاملته للناس .. كيف كانت معاشرته للنساء .. ووو إلى آخره ما يتعلق بكل الحياة التي يسموها اليوم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، من أين نعرف هذا من القرآن؟
مداخلة: من السنة.
стр. 279
الشيخ: من السنة، فإذا سلمنا للجماعة الذين ضربوا لنا السنة معناه: صرنا أحمق من الكفار الذين يقدِّسون عظماءَهم بتاريخٍ الله أعلم بصحته، ما في عندهم أسانيد مثل ما هو عندنا، أنا الآن في القرن الرابع عشر بقول لك هذا الحديث صحيح وهذا ضعيف وهذا موضوع وهذا مكذوب إلى آخره، هذا صح عن عمر وهذا ما صح عن عمر .. كل الشعوب الذين عندهم عظماء ليس عندهم هذه الدقة إطلاقاً.
مع ذلك كل عظيم عندهم له تاريخ .. له كتاب .. إلى آخره، هؤلاء الأخباث ينسون أن تاريخهم أهزل تاريخ وأضعف تاريخ على وجه الأرض، ويأتون يضربون تاريخنا نحن بأن هذا لم يأت في القرآن، إنما أتى بالسنة، والسنة ما دونت في عهد الرسول ﵇ .. طيب! متى دونتم أنتم التوراة .. متى دونتم الإنجيل .. متى دونتم الشيوعية؟ أليس بعد وفاة هؤلاء إلى آخره.
لذلك كن على حذر وكن على إيمانك بالله ورسوله .. ولا تتأثر بغير ما تسمع، والأمر كما قال ﵇: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم
بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض» أنا كنت أقرأ كتاب موجود هنا؟
طيب! الحق الدامغ انظر الاسم هذا، الحق دامغ، هذا مؤلفه شخص إباضي، إباضي يعني: خارجي من الخوارج، نعم، ويدافع عن مذهب الخوارج كل المدافعة لكن يا ألله، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
متعرض هنا لعدة بحوث، من جملتها: لأن الإباضية الخوارج ينكرون أكبر نعمة ينعم الله بها على عباده في الجنة: رؤيتهم له ﵎ حتى إذا رأوه نسوا
стр. 280
نعيم الجنة، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ (القيامة:٢٢) ناضرة: نَضِرَة ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة:٢٣) انظر إذاً: كيف يؤولون لك، وهؤلاء مسلمون، فماذا ستقول عن الكافرين؟! قالوا: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة:٢٣) يعني: منتظرة، أين ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة:٢٣) وأين منتظرة؟! ...
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ (القيامة:٢٢) ناضرة ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة:٢٣) كيف أولّوها؟ منتظرة، هؤلاء مسلمين لكنهم ضالين عن السنة.
الشاهد لم يتم بعد، قالوا: سيحتجون بالحديث، ما هو الحديث؟ قال: «إذ دخل أهل الجنة الجنة ناداهم ربنا ﵎: أي عبادي! هل أزيدكم شيئاً؟ قالوا: يا ربنا! ماذا تزيدنا؟!» لقد أدخلتنا الجنة، وأنعمت علينا .. قال: لا، عندي زيادة وهي أن أريكم وجهي فيرفع الحجاب، فيرون الله ﵎ (١)، هذا الخبيث مؤلف هذا الكتاب، ماذا فعل بالحديث؟ قال: هذا الحديث أولاً حديث آحاد، وهل سمعت هذه الفلسفة؟
مداخلة: سمعت منك أن هناك حديث آحاد، وسمعت أن هناك حديث غريب ..
الشيخ: نعم، لكن لم تسمع مني أن الأحاديث الصحيحة منها ما نردها ومنها ما نقبلها؟ كله مقبول عندنا، أما عند الخوارج والشيعة فالحديث ولو كان صحيحاً فهو مرفوض إذا كان آحاداً يعني: غير متواتر.
فهذا حديث آحاد قال هذا أولاً أولاً، ثانياً: قال: هذا مخالف للقرآن، هنا إذاً: كيف مخالف للقرآن؟ القرآن يقول: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ
стр. 281
مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ (الأعراف:١٤٣) أول الآية هناك أنه حتى في الآخرة بينما هي في الدنيا، فلما أتى الحديث يتحدث عن الآخرة ضرب بمفهومه الخاطئ للآية فَرَدَّ الحديث الصحيح، وهكذا الأمة تحارب منذ ألف سنة وزيادة ليس فقط من الأعداء بل ومن الأصدقاء من المسلمين أنفسهم، لماذا؟ لأن الأهواء مختلفة، أهواء تجعل بعض الناس كفار لا يعترفون لا بالرب ولا بالنبي ﵇، وناس منهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض؛ لذلك كما قال .. وأنهي كلامي .. كما قال عبد الله بن مسعود: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم عليكم بالأمر العتيق" عليك بالأمر العتيق يا أبو سليمان، لا تسمع لابنك الروسي ..
مداخلة: الله يثبتنا ...
الشيخ: .... ، هذا أتى موبوءاً انتبه، اجعل بينك وبينه حصن؛ لأنه يحمل أفكار لينين وستالين، وهو سيجادلك وليس عنده علم لا بالكتاب ولا بالسنة، عنده علم بالشبهات التي لقنوها إياه فقط، لا تسمع منه حتى تدركنا وإياك إن شاء الله المنية ونحن على العهد القديم.
" الهدى والنور" (٢٤١/ ٣٨: ٠٠: ٠٠)
[٣٤] باب هلاك من يفسر القرآن بغير السنة
[قال رسول الله ﵌]:
«هلاك أمتي في الكتاب واللبن. قالوا: يا رسول الله ما الكتاب واللبن؟ قال: يتعلمون القرآن فيتأولونه على غير ما أنزل الله ، ويحبون اللبن فيدعون الجماعات والجمع، ويبدون».
стр. 282
[ترجم له الإمام بما ترجمناه به ثم قال]:
(فائدة): ترجم ابن عبد البر لهذا الحديث بقوله: " باب فيمن تأول القرآن أو تدبره وهو جاهل بالسنة ". ثم قال تحته: " أهل البدع أجمع أضربوا عن السنن، وتأولوا الكتاب على غير ما بينت السنة، فضلوا وأضلوا. نعوذ بالله من الخذلان، ونسأله التوفيق والعصمة ".
قلت: ومن ضلالهم تغافلهم عن قوله تعالى في كتابه موجهاً إلى نبيه ﵌: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل:٤٤).
"الصحيحة" (٦/ ١/٦٤٧، ٦٤٩).
[٣٥] باب عدم كفاية اللغة لفهم القرآن
[قال الإمام]:
لا مجال لأحد، مهما كان عالما باللغة العربية وآدابها أن يفهم القرآن الكريم دون الاستعانة على ذلك بسنة النبي ﵌ القولية والفعلية، فإنه لم يكن أعلم في اللغة من أصحاب النبي ﵌ الذين نزل القرآن بلغتهم ولم تكن قد شابتها لوثة العجمة والعامية واللحن ومع ذلك فإنهم غلطوا في فهم الآيات السابقة حين اعتمدوا على لغتهم فقط.
وعليه فمن البدهي أن المرء كلما كان عالماً بالسنة كان أحرى بفهم القرآن واستنباط الأحكام منه ممن هو جاهل بها فكيف بمن هو غير معتد بها ولا ملتفت إليها أصلاً؟
ولذلك كان من القواعد المتفق عليها بين أهل العلم: أن يفسر القرآن بالقرآن
стр. 283
والسنة (١) ثم بأقوال الصحابة .. إلخ
ومن ذلك يتبين لنا ضلال علماء الكلام قديما وحديثا ومخالفتهم للسلف ﵃ قي عقائدهم فضلاً عن أحكامهم وهو بعدهم عن السنة والمعرفة بها وتحكيمهم عقولهم وأهواءهم في آيات الصفات وغيرها. وما أحسن ما جاء في " شرح العقيدة الطحاوية " (ص ٢١٢ الطبعة الرابعة):
"وكيف يتكلم في أصول الدين من لا يتلقاه من الكتاب والسنة وإنما يتلقاه من قول فلان؟ وإذا زعم أنه يأخذه من كتاب الله. لا يتلقى تفسير كتاب الله من أحاديث الرسول ﵌ ولا ينظر فيها ولا فيما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان المنقول إلينا عن الثقات الذي تخيرهم النقاد؛ فإنهم لم ينقلوا نظم القرآن وحده بل نقلوا نظمه ومعناه ولا كانوا يتعلمون القرآن كما يتعلم الصبيان بل يتعلمونه بمعانيه. ومن لا يسلك سبيلهم فإنما يتكلم برأيه. ومن يتكلم برأيه وبما يظنه دين الله ولم يتلق ذلك من الكتاب فهو مأثوم (!) وإن أصاب. ومن أخذ من الكتاب والسنة فهو مأجور وإن أخطأ. لكن إن أصاب يضاعف أجره".
ثم قال (ص ٢١٧):
"فالواجب كمال التسليم للرسول ﵌ والانقياد لأمره وتلقي خبره بالقبول والتصديق دون أن نعارضه بخيال باطل نسميه معقولاً، أو نحمله شبهةً أو شكاًّ، أو نقدم عليه آراء الرجال وزبالة أذهانهم، فنوحده ﵌ بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان كما نوحد المرسل بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل".
стр. 284
وجملة القول: أن الواجب على المسلمين جميعاً أن لا يفرقوا بين القرآن والسنة من حيث وجوب الأخذ بهما كليهما وإقامة التشريع عليهما معاً. فإن هذا هو الضمان لهم أن لا يميلوا يميناً ويساراً وأن لا يرجعوا القهقرى ضُلالاً كما أفصح عن هذا رسول الله ﵌ بقوله: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض» (رواه مالك بلاغاً والحاكم موصولاً بإسناد حسن).
"منزلة السنة في الأسلام" (ص١٢ - ١٤).
[٣٦] باب خطأ حصر أخذ العقيدة بالقرآن وحده
والتعرض لحجية خبر الآحاد
[قال محمد العدوي في كتابه "التوحيد أو العقائد الإسلامية": كتاب الله ... هو عصمة للمعقول لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ولا يزال قائمًا.
فوجب أن نأخذ منه العقائد ونعول عليه في أصول الدين].
[فعلق الإمام على ذلك قائلا]:
هذا يوهم حصر أخذ العقائد من القرآن الكريم، وليس ذلك بصواب لأنه مخالف لسبيل المؤمنين، فإننا نعلم بالضرورة أن الصحابة ﵃، كانوا لا يفرقون في العقيدة - شأنهم في الأحكام والمعاملات - بين القرآن والحديث. وجرى على ذلك التابعون فمن بعدهم، وتبعوا سبيلهم، لا يفرقون في ذلك بين أصول الدين وفروعه، بل إن التفريق بينهما تفريق مبتدع لا أصل له في الشرع، بل هو مخالف لنصوص كثيرة منه في القرآن والسنة. ولقد كان في الآثار السيئة لهذا التفريق أن استحل كثير من المتأخرين إنكار كثير من الأحاديث الصحيحة بدعوى
стр. 285
أنها آحاد وبمثلها لا تثبت العقيدة زعموا، ورتبوا على ذلك أن المسلم مهما أنكر ما هو ثابت في الشرع، فإنه لا يكفر إلا إذا كان الذي أنكره أصلاً من أصول الدين، ولم يقيدوا ذلك بما إذا عُلِم ثبوت ذلك عنده. والحق الذي لا ريب فيه أن من أنكر شيئاً ثابتاً في الدين سواء كان في الأصول أو الفروع فهو كافر إذا عُلم كونه من الدين، ومع ذلك أنكر. فبهذا الشرط يكفر، لأن معنى ذلك أنه لا يصدق الرسول ﵌ في كل ما جاء به، وما جاء به كله صواب، فجحد أي شيء منه يعتبر طعناً فيه ﵌. وذلك كفر بين.
وعلى ذلك إذا أنكر شيئاً وهو لا يعلم أن النبي ﵌ جاء به، فلا سبيل إلى تكفيره إلا بعد تبليغه وإقامة الحجة عليه لقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، ولا مجال بعد ذلك للتردد في تكفيره، ولو زعم أنه لم يقتنع بذلك أو لم تطمئن نفسه به فإنه ينافي الإيمان به ﵌ كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
"تحقيق كتاب: التوحيد أو العقائد الإسلامية" (ص١٢ - ١٣)
[٣٧] باب ضلال منكري حجية السنة
[قال الإمام في تحقيقه على كتاب " العلم " لابن أبي خيثمة]:
اعلم أنه قد كان هناك خلاف قديم بين السلف في كتابة الحديث النبوي، فمنهم المانع، ومنهم المبيح، وستأتي في الكتاب آثار غير قليلة من النوعين، ثم استقر الأمر على جواز الكتابة، بل وجوبها، لأمر النبي ﵌ بها في غير ما حديث واحد، كقوله:"اكتبوا لأبي شاه" أخرجه البخاري.
ومن المعلوم أن الحديث هو الذي تولى بيان ما أجمل من القرآن، وتفصيل