← Акыда

Акыда · id 36190

جامع تراث العلامة الألباني في العقيدة = موسوعة العقيدة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (4 534 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

أحدهما: متعلق بالله تعالى؛ وهو الإيمان بأنه على كل شيء قدير. والثاني: متعلق باليوم الآخر؛ وهو الإيمان بأن الله يعيد هذا الميت، ويجزيه على أعماله. ومع هذا فلما كان مؤمناً بالله في الجملة، ومؤمناً باليوم الآخر في الجملة، وهو أن الله يثيب ويعاقب بعد الموت، وقد عمل عملاً صالحاً- وهو خوفه من الله أن يعاقبه على ذنوبه-؛ غفر الله له بما كان منه من الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح ". ولهذا؛ فإني أنصح أولئك الشباب أن يتورعوا عن تبديع العلماء وتكفيرهم، وأن يستمروا في طلب العلم حتى ينبغوا فيه، وأن لا يغتروا بأنفسهم، ويعرفوا حق العلماء وأسبقيتهم فيه، وبخاصة من كان منهم على منهج السلف الصالح كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية، وأَلْفِتُ نظرهم إلى "مجموع الفتاوى" فإنه "كُنَيْف مُلِىءَ علماً"، وبخاصة إلى فصول خاصة في هذه المسالة الهامة "التكفير"، حيث فَرَّقَ بين التكفير المطلق وتكفير المعين، وقال في أمثال أولئك الشباب: "ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين؛ إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه ". يعني الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق. ومن قال: إن الله لا يرى في الآخرة؛ وأمثالهم. فأقول: وملاحظة هذا الفرق هو الفيصل في هذا الموضوع الهام، ولذلك

стр. 2312

فإني أحث الشباب على قراءته وتفهمه من "المجموع " (١٢/ ٤٦٤ - ٥٠١) الذي ختمه بقوله:"وإذا عُرف هذا؛ فتكفير (المعين) من هؤلاء الجهال وأمثالهم- بحيث يحكم عليه أنه من الكفار- لا يجوز الإقدام عليه؛ إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية التي يتبين بها أنهم مخالفون للرسل، وإن كانت مقالتهم لا ريب أنها كفر، (يعني: الدعاة إلى البدعة). وهكذا الكلام في تكفير جميع (المعينين)؛ مع أن بعض هذه البدع أشد من بعض، وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان ما ليس في بعض، فليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين- وإن أخطأ وغلط- حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك؛ بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة ". هذا؛ وفي الحديث دلالة قوية على أن الموحد لا يخلد في النار؛ مهما كان فعله مخالفاً لما يستلزمه الإيمان ويوجبه من الأعمال؛ كالصلاة ونحوها من الأركان العملية، وإن مما يؤكد ذلك ما تواتر في أحاديث الشفاعة؛ أن الله يأمر الشافعين بأن يخرجوا من النار من كان في قلبه ذرة من الإيمان. ويؤكد ذلك حديث أبي سعيد الخدري أن الله ﵎ يخرج من النار ناساً لم يعملوا خيراً قط، ويأتي تخريجه وبيان دلالته على ذلك، وأنه من الأدلة الصريحة الصحيحة على أن تارك الصلاة المؤمن بوجوبها يخرج من النار أيضاً ولا يخلد فيها، فانظره بالرقم (٣٠٥٤). "الصحيحة" (٧/ ١/١٠٥ - ١١٦).

стр. 2313

[٧٣٥] باب هل يحشر قول عائشة: «مهما يكتم الناس يعلمه الله» في أبواب العذر بالجهل ؟ مداخلة: .... يا شيخ في الحديث يا شيخ لما عائشة تقول في رواية البخاري، يقول الرسول ﵌ قال: «أما خفت أن يحيف الله عليك ورسوله ... » المهم فقالت: أو كلما يفعله (١) الناس يعلمه الله؟ ... الحديث. بلفظ البخاري. وفي لفظ مسلم: «كل ما يعمله الناس يعلمه الله» .. فشيخي هذا دليل على أن عائشة ﵂ شَكَّت هنا في علم الله ﵎، وشيخ الإسلام أقر بذلك، وبين أن الرسول ﵌ عذرها، وارتكاب عائشة لهذا النوع من الكفر كان لجهل ... ، ولذلك يقول فأعطاها، يعني شيء مقابل ما تلفظت به، هل يقال هذا شيخنا؟ الشيخ: لا أعتقد هذا. مداخلة: لماذا؟ الشيخ: لأن هناك استفهام استنكاري، واستفهام استقراري. يعني: يقول الإنسان وهو يعتقد بهذا الذي يستفهمه وليس يعني استنكاره. مداخلة: شيخي عائشة ﵂، هذا ليس كلامي، ولكن شيخ الإسلام ... يقول في مجموع الفتاوى: وعائشة قبل قولها لهذا الكلام لم تكن كافرة، وصرح بموضع آخر، وهذا كفر صدر من عائشة ﵂، كان شيخ

стр. 2314

الإسلام يتكلم حول العذر بالجهل، يستدل بهذا الحديث على أن الذي ينكر صفة ... الشيخ: أنت يا أبا حذيفة تعلم أننا لسنا تيميين، وأراك تلهج كثيراً بالاحتجاج بكلام ابن تيمية ... هناك قاعدة عن العلماء المتأخرين، حينما كثر فيهم إطلاق لفظة التكفير لأدنى سبب. قال بعض المتأنين منهم: إذا كان هناك أقوال كثيرة، بل تسعة وتسعون قولاً في تكفير رجل مسلم بسببٍ صدر منه قول أو فعل، وهناك قول آخر أن هذا لا يكفر به، أخذ بهذا القول الذي يقابله تسعة وتسعون قولاً؛ لأن القول بأن المسلم كفر -ولو فيما بعد نحن عذرناه- فيه خطورة. فكلام السيدة عائشة، لماذا أنا وجهت لك السؤال: هل هو نص بأنها كفرت لجهلها؟ ليس نصاً يحتمل الكلام هذا، ويحتمل ما قلناه آنفاً. فإذا دار الأمر بين أن يحمل كلام المسلم وبخاصة زوجة الرسول والمبشرة بالجنة على المعنى الأسلم، هذا الحمل هو الأسلم، ولا نحمله على المعنى الأنكر. هذا أقل ما يقال في الموضوع. ومع ذلك فأنا لما أسمع هذه العبارة من السيدة عائشة ليس فيها إشعار بأنها كانت لا تعتقد من قبل بأن الله يعلم كل شيء، وهل يخفى هذا الأمر على رجل من عامة الناس؟ الآن على سبيل التذكير، ﴿أءله مَعَ الله﴾ (النمل:٦٠). ماذا يعني هذا؟

стр. 2315

مداخلة: استفهام إنكاري. الشيخ: هذا استفهام. مداخلة: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ (يوسف:٣٩). الشيخ: كثير في القرآن، هذا أسلوب قرآني، هذا لا يعني إقرار الألوهية لغير الله، وإنما يعني الإنكار تماماً. الشاهد: اللغة العربية واسعة، فإذا تَحَمَّلَ كلامُ مسلمٍ معنىً سليماً ومعنى غير سليم، وجب حمله على المعنى السليم، وليس على المعنى غير السليم، والحمد لله رب العالمين. "الهدى والنور" (١٦٤/ ٥٠: ٢١: ٠٠) و (١٦٤/ ٢٩: ٣٦: ٠٠) [٧٣٦] باب هل العذر بالإكراه كان موجوداً في شريعة من سبقنا ؟ مداخلة: قلتم في أحد الأشرطة في شريط الحج ١٤١٠هـ في أثر سلمان: "دخل رجل الجنة في ذبابة، ودخل رجل النار في ذبابة", قلتم إن إسناده صحيح برواية أحمد لكن فيه نكارة من حيث أن الإكراه، فهذا مكره فكيف يدخل النار، أليس كذلك؟ الشيخ: قبل أن أقول هو كذلك أو ليس كذلك، لما قلت إسناده صحيح مرفوعاً أم موقوفاً؟ مداخلة: موقوفاً، أنا قلت أثراً.

стр. 2316

الشيخ: أنا أتثبت خشية أن أفهم منك ما لا تريد. مداخلة: طيب. الشيخ: فبعد هذا التحفظ أقول لك الآن هو كذلك. مداخلة: عندي إشكال في ذلك يا شيخ. الشيخ: هاته. مداخلة: وهو أني قرأت لبعض الكتاب أن العذر بالإكراه لم يكن موجوداً في شريعة من سبقنا، بدليل قوله تعالى في سورة الكهف عن أصحاب الكهف: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ في مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا] (الكهف:٢٠)، وغير ذلك من الأدلة التي نستفيد منها أن العذر بالإكراه لم يكن موجوداً في الأمم السابقة بخلاف أمتنا ففيه الآية في سورة النحل: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ (النحل:١٠٦)، فماذا تقولون في هذا يا شيخ؟ الشيخ: بعد التسليم بما ذكرت من اختلاف الحكم بين شريعتنا وشريعة من قبلنا، نقول: ما الذي يستفاد من حديث سلمان مع التسليم بهذا التفريق حينذاك؟ مداخلة: يستفاد منه ما يستفاد من الآية في سورة الكهف. الشيخ: وهو؟ مداخلة: وهو العذر بالإكراه لم يكن مرخصاً فيه ... الشيخ: لا أنا أقول بالنسبة إلينا الآن، يعني ما الذي يستفيده المسلم وما الذي يستفيده المؤلف اليوم في شريعة الإسلام وأحكام الإسلام حينما يورد هذا الأثر؟

стр. 2317

مداخلة: يستفيد منه الذي ذكرته لك أن العذر بالإكراه غير موجود في تلك الأمة أما بالنسبة إلينا لا نستفيد منه حكماً بالنسبة إلينا. الشيخ: واقع هذا الأثر في أي مناسبة يذكر؟ هل هو لتذكير الناس بهذا الذي سلمت لك به جدلاً؛ لأن الأمر يحتاج إلى بحث، هل هم يوردون هذا الأثر لتنبيه الغافل مثلي أقولها صريحة؛ ليفهم أن الحكم بالإكراه يختلف سابقاً عن لاحقاً أم هم يسوقونه لشيء آخر؟ مداخلة: هم يسوقونه لأن هناك من الناس من يستدل بهذا الأثر على تكفير المسلم إذا قام بما يضاد التوحيد، فيردون عليهم بالكلام الذي ذكرته لك آنفاً. الشيخ: كيف؟ غير واضح. مداخلة: يعني هناك ناس يستدلون بهذا الأثر على أن المسلم إذا قام ... الشيخ: على أن المسلم اليوم. مداخلة: اليوم نعم، لو قام بشيء يضاد التوحيد لا يلزم بذلك. الشيخ: وهل هذا صحيح الاستدلال. مداخلة: لا، غير صحيح طبعاً. الشيخ: فإذاً ما هو الإشكال الذي أنت بدأت كلامك أنه عرض لك إشكال، نحن حريصون على بيان مرتبة هذا الأثر أولاً أنه ليس مرفوعاً كما يوهمه كلام ابن القيم ومن قلده كالشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيره، أنه ليس مرفوعاً إلى النبي ﵌، وثانياً نريد أن نقول أن هذا يمكن أن يكون معذوراً، فإذا كان الكلام الآن فلا يجوز أن يذكر هذا الأثر مطلقاً؛ لأنك تسلم بأن الحكم اختلف، المكره اليوم لا

стр. 2318

يؤاخذ، كان في ذلك الزمان يؤاخذ، هذه تعود مسألة تاريخية وليست مسألة شرعية بالنسبة إلينا اليوم، وأنت تعلم جيداً بأنهم يذكرون هذا الأثر لتعلقه بالشرع وليس بالتاريخ القديم. مداخلة: نعم. الشيخ: فإذاً الإشكال لا أراه ضرورياً. مداخلة: هو الإشكال يا شيخ كلمة نكارة التي قلتموها، هذه التي أشكلت علي. الشيخ: هذه بارك الله فيك النكارة بالنسبة لشرعنا. مداخلة: لا بد من تقييدها. الشيخ: هي مقيدة؛ لأننا نتكلم بشرعنا، ونحن حينما نجد نصاً صريحاً في عدم جواز شيء ما في شريعة من قبلنا أو على العكس من ذلك، نقول شريعة من قبلنا ليست شريعة لنا، لو كان النص صريحاً فكيف والمسألة لا تزال في موضع البحث أن هذه المسألة مسألة الإكراه كان فيما قبل لو أكره على الكفر ففعل الكفر فهو كافر مرتد مخلد في النار، لو سلمنا جدلاً فهذه شريعة من قبلنا، لكن الحقيقة أنا أرجو منك أن تتابع البحث في هذه الجزئية لتوفر علينا الوقت في البحث فيها. مداخلة: إن شاء الله. الشيخ: لأني أراه بعيداً جداً عن القاعدة الإسلامية أن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، فالخروج عن هذه القاعدة تحتاج إلى نص مقطوع الثبوت والدلالة كما يقولون.

стр. 2319

مداخلة: نعم. الشيخ: فلعلك تبحث إن شاء الله أو تتمم البحث. مداخلة: إن استطعت إن شاء الله. الشيخ: وجزاك الله خيراً. مداخلة: وإياك. " الهدى والنور" (٤٣٨/ ٣٥: ١٠: ٠٠) [٧٣٧] باب بيان ضعف حديث: «دخل رجل الجنة في ذبابة» [روي عن النبي ﵌]: «دخل رجل الجنة في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب. قالوا: وكيف ذلك؛ قال: مر رجلان [مسلمان] [ممن كان قبلكم] على قوم لهم صنم (وفي رواية: يعكفون على صنم لهم) لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا، فقالوا لأحدهما: قرب [شيئاً]، قال: ليس عندي شيء. فقالوا له: قرب ولو ذبابا. فقرب ذبابا. فخلوا سبيله. قال: فدخل النار. وقالوا للآخر: قرب ولو ذبابا. قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله . قال فضربوا عنقه، قال: فدخل الجنة» (موقوف) [قال الإمام]: ولقد كان الداعي إلى تخريجه هنا وبيان كونه موقوفاً: أنه كثر السؤال عنه في كثير من البلاد الإسلامية، وشاع تداوله؛ وذلك لأنه ذكره الإمام محمد بن عبد

стр. 2320

الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه النافع " التوحيد " مرفوعا معزواًّ لأحمد! فقال: " وعن طارق بن شهاب: أن رسول الله ﵌ قال ... (فذكره). رواه أحمد ". وقال شارحه الشيخ سليمان: حفيد محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله ﵎ في " التيسير " (ص ١٦٠): " هذا الحديث ذكره المصنف معزوا لأحمد، وأظنه تبع ابن القيم في عزوه لأحمد؛ قال ابن القيم: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية ... عن طارق بن شهاب يرفعه .. وقد طالعت " المسند " فما رأيته فيه، فلعل الإمام رواه في " كتاب الزهد " أو غيره ". قلت: وفي هذا العزو أمور: أولا: قوله: " يرفعه " خطأ واضح كما يتبين من تخريجنا هذا. ثانيا: إطلاق العزو لأحمد فيه نظر! لأنه يوهم بإطلاقه أنه في " مسنده "، وليس فيه كما قال الشيخ سليمان رحمه الله تعالى، ولو كان فيه؛ لأورده الهيثمي في " مجمع الزوائد "، وليس فيه أيضاً، وإنما هو في " الزهد " له كما تقدم. ثالثا: لم يتعد في إسناده طارق بن شهاب، فأوهم أنه من مسنده! وإنما هو من روايته عن سلمان موقوفاً؛ كما رأيت عند مخرجيه ومن جميع طرقه. هذا؛ وإني لأستنكر من هذا الحديث: دخول الرجل النار في ذباب؛ لأن ظاهر سياقه أنه إنما فعل ذلك خوفاً من القتل الذي وقع لصاحبه، كما أنني استنكرت قول الإمام محمد بن عبد الوهاب في المسألة: " الحادية عشر: أن الذي دخل النار مسلم؛ لأنه لو كان كافراً؛ لم يقل: " دخل النار في ذباب " "! فأقول: وجه الاستنكار أن هذا الرجل لا يخلو حاله من أمرين:

стр. 2321

الأول: أنه لما قدم الذباب للصنم، إنما قدمه عبادةً له وتعظيماً، فهو في هذه الحالة لا يكون مسلماً؛ بل هو مشرك، وهو ظاهر كلام الشارح الشيخ سليمان ﵀ (ص ١٦١): " في هذا بيان عظمة الشرك ولو في شيء قليل وأنه يوجب النار، ألا ترى إلى هذا لما قرب لهذا الصنم أرذل الحيوان وأخسه وهو الذباب كان جزاؤه النار؛ لإشراكه في عبادة الله " إذ الذبح على سبيل القربة والتعظيم عبادة، وهذا مطابق لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ (المائدة:٧٢). والآخر: أنه فعل ذلك خوفاً من القتل كما تقدم مني، وهو في هذه الحالة لا تجب له النار، فالحكم عليه بأنه مسلم دخل النار في ذباب يأباه قوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ... ﴾ (النحل:١٠٦) الآية، وقد نزلت في عمار بن ياسر حين عذبه المشركون حتى يكفر به ﵌، فوافقهم على ذلك مكرهاً، وجاء معتذراً إلى النبي ﵌؛ كما في " تفسير ابن كثير " وغيره، وأخرجها في " الدر " (٤/ ١٣٢) من طرق. فإن قيل: إنما أراد الإمام أنه كان مسلماً ثم كفر بتقديمه الذباب كما تقدم في الأمر الأول؛ وحينئذ يرد عليه ما ذكرته في الأمر الآخر، وقصة عمار. ويشبهها ما روى ابن أبي شيبة (١٢/ ٣٥٧ - ٣٥٨) بسند صحيح عن الحسن - وهو البصري -: أن عيونا لمسيلمة أخذوا رجلين من المسلمين فأتوه بهما، فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدا رسول الله؛ قال: نعم. فقال: أتشهد أن محمدا رسول الله؛ قال: نعم. قال: أتشهد أني رسول الله؛ قال: فأهوى إلى أذنيه فقال: إني أصم! قال: ما لك إذا قلت لك: تشهد أني رسول الله قلت: إني أصم؟! فأمر به فقتل. وقال

стр. 2322

للآخر: أتشهد أن محمداً رسول الله؛ قال: نعم. فقال: أتشهد أني رسول الله؛ قال: نعم. فأرسله. فأتى النبي ﵌ فقال: يا رسول الله! هلكت. قال: "وما شأنك"؛ فأخبروه بقصته وقصة صاحبه، فقال: " أما صاحبك؛ فمضى على إيمانه، وأما أنت؛ فأخذت بالرخصة ". قلت: وهذه قصة جيدة، لولا أنها من مراسيل الحسن البصري؛ لكن الآية السابقة وسبب نزولها يشهدان لصحتها، والله أعلم. وقد روى الشطر الأول منها ابن إسحاق في " السيرة " (٢/ ٧٤ - ٧٥) بسند حسن عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة مرسلاً أيضاً، وسمى صاحبها حبيب بن زيد؛ أي: ابن عاصم الأنصاري المازني شهد العقبة، وقد ذكرها ابن كثير في تفسير الآية، وابن حجر في ترجمة حبيب من " الإصابة " جازمين بها. والله أعلم. "الضعيفة" (١٢/ ٢/٧٢١ - ٧٢٥). [٧٣٨] باب بيان نكارة متن حديث الذبابة لمخالفته لقوله تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ سؤال: هل في كتاب التوحيد للشيخ ابن عبد الوهاب حديث ضعيف؟ الشيخ: والله هو ليس بصحيح البخاري ففيه. مداخلة: بعضهم يقول أنه ليس فيه حديث ضعيف، فأحببنا أن نسمع منكم الجواب. الشيخ: أنا لا أستطيع الآن أن أجزم بالجواب سلباً أو إيجاباً، لكني أتردد في

стр. 2323

حديث فإن كنت تذكره هل هو في كتاب التوحيد أم في شرح من شروحه وهو حديث الذبابة، هل هو في المتن أم في الشرح؟ مداخلة: في المتن. الشيخ: في المتن، فإذاً: صدق من قال: ليس هو بصحيح البخاري، فحديث الذبابة لا يصح رفعه إلى النبي ﵌، وإن كان هو نقله من كتاب ابن القيم ﵀، وابن القيم ذكره ولم يتكلم عن إسناده، ولما بحثنا عنه وجدناه حديثاً موقوفاً على سلمان الفارسي، وإسناده إليه صحيح، ولكنه موقوف، والموقوفات - هنا أمامنا بحث مهم جداً بالنسبة لكل طالب علم يريد أن يكون على بصيرة من دينه، الأحاديث الموقوفة تارةً لها حكم الرفع، وتارةً ليس لها هذا الحكم، أما الحالة الأولى أي: متى يكون للحديث الموقوف حكم الرفع؟ شرطان لا بد منهما أن يجتمعا وأحدهما شرط في كل حديث وهو: الثبوت، فإذا ثبت حديث ما عن صحابي ما موقوفاً عليه، وجب الشرط الثاني ألا وهو: أن يكون مما لا يقال بمجرد الرأي والاجتهاد والاستنباط، وإنما يقطع الواقف على معناه أنه لا بد أن يكون بتوقيف من رسول الله ﵌ الذي كان هذا الصحابي مصاحباً له، فإذا وجد هذان الشرطان: الثبوت أولاً، وأن يكون معناه مما لا يقال بالاجتهاد والرأي والاستنباط ثانياً، فهو في حكم المرفوع. ومن الأمثلة على ذلك حديث: «أحلت لنا ميتتان ودمان: الحوت والجراد، والكبد والطحال» (١) هذا الحديث جاء عن ابن عمر ﵄ مرفوعاً ولكن إسناده ضعيف، ولو كان حديثاً عادياً لم تقم به الحجة لما ذكرت من ضعف سنده،

стр. 2324

لكن هذا الحديث قد جاء بإسناد قوي موقوفاً على ابن عمر، حينئذ لو صرفنا النظر عن السند الأول المرفوع عن ابن عمر عن رسول الله ﵌، لو صرفنا النظر عنه بالكلية، ووقفنا عند حديثه الموقوف الثابت عنه لم نخسر شيئاً؛ لأن هذا الحديث الموقوف على ابن عمر يغنينا عن ذاك الحديث المرفوع الضعيف إسناده، كيف كان هذا الحديث الموقوف في حكم المرفوع؛ لأنه يقول: «أحلت لنا ميتتان» فمن الذي يحلل ويحرم، إنما هو الله ﵎ تارة في كتابه، وتارة في سنة نبيه صلى الله عليه وآله سلم، وعلى ذلك قال أهل العلم بالحديث: إذا قال الصحابي من السنة كذا، فهو في حكم المرفوع، بخلاف ما إذا قال التابعي: من السنة كذا، فليس له حكم المرفوع. هذا مثال للحديث الموقوف الذي هو في حكم المرفوع، وصدق فيه أنه لا يقال بمجرد الرأي والاجتهاد. مثال آخر وهو أدق وأبعد عن أن يكون من موارد الاجتهاد، ذاك هو حديث ابن عباس الموقوف أيضاً عليه والذي قال: «نزل القرآن إلى بيت العزة في السماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل أنجماً حسب الحوادث» فهذا حديث موقوف، ولم نجده مرفوعاً إطلاقاً، جاء بالسند الصحيح عن ابن عباس موقوفاً عليه، فقال العلماء: إن هذا الحديث في حكم المرفوع؛ لأنه يتحدث عن أمر غيبي، وهو أنه يقول: نزل كلام الله القرآن الكريم جملة واحدة إلى السماء الدنيا، وهذا لا يستطيع العقل البشري أن يتحدث به إلا من إنسان لا يبالي ما يخرج من فيه، أما ابن عباس وهو صحابي جليل ابن صحابي ابن عم الرسول ﵌، فلا يخطر في بال إنسان أن يتحدث رجل بالغيب. فإذاً: قوله أن القرآن نزل جملة واحدة .. إلى آخر الحديث، فيه من الدقائق ما

стр. 2325

يبعد أن يكون هذا الحديث قد قاله بالرأي، فيقول مثلاً بعد أن ذكر نزل جملة واحدة إلى بيت العزة، ما هو بيت العزة، وهل يستطيع الإنسان أن يعين مكاناً في السماء ويسميه باسم من عنده، هذا أبعد عن أن يكون قد حصل من رأي الصحابي، ثم هو يعين مكان بيت العزة هذا في السماء لا يقول لا السابعة، ولا .. ولا .. وإنما يقول السماء الدنيا. فإذاً: هذا حديث موقوف في حكم المرفوع. إذا عرفنا هذين المثالين فكان ذلك تمهيداً للوصول إلى الحكم على حديث الذبابة، دخل رجل النار في ذبابة، هل هذا وقد صح إسناده عن سلمان الفارسي موقوفاً، هل هو في حكم المرفوع؟ كان يمكن أن يقال إنه في حكم المرفوع؛ لأنه يتحدث أيضاً عن أمر غيبي تقدم على بعثة النبي ﵌، لكن يحول بيننا وبين أن نقول إنه أيضاً في حكم المرفوع أنه يحتمل أن يكون من الإسرائيليات، والإسرائيليات هي منبعها أهل الكتاب، وأهل الكتاب ولا شك نزل عليهم الكتاب التوراة والإنجيل وبعث الله إلى إسرائيل الأنبياء الكثيرين، فقد كانوا يحدثونهم بأشياء من الأمور الغيبية، ولكن قد دخل في هذه الأخبار التي نزلت على أنبياء الله من وحي السماء، دخل فيها ما لم يكن منها أشبه ما يكون - وهو بلا تشبيه كما يقولون، كما دخل في السنة بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة، كذلك دخل على بني إسرائيل كثير من الأحاديث التي لا أصل لها في شرائعهم المتقدمة، مع فرق كبير جداً بين أحاديث نبينا ﵌ وأحاديث أنبيائهم، فأحاديث نبينا قد سخر الله ﵎ لها من يخدمها ويميز صحيحها من ضعيفها كما جاء في بعض الآثار عن بعض أئمة الحديث أنه لما ألقي القبض على أحد الزنادقة وحكم الخليفة بقطع رأسه،

стр. 2326

لزندقته، أروى غيظ قلبه بقوله لا أموت إلا وقد دسست في أحاديث نبيكم خمسة آلاف حديث، فهو مرتاح بهذا الميتة، فقال له أحد العلماء من أهل الحديث الحاضرين: خسئت، ما تمشي هذه الأحاديث بين المسلمين وفيهم فلان لعله قال: ابن المبارك أو غيره، وقد أخذ الغربال بيده فهو يغربل هذه الأحاديث ويصفيها ويخرجها عن أحاديث النبي ﵌ الصحيحة. الشاهد أن أحاديث الأنبياء الأولين قد دخلها ما ليس منها وهي التي تعرف عند المسلمين اليوم بالإسرائيليات، ولذلك فلا يجوز للمسلم أن يروي شيئاً مما وقع فيمن قبلنا من الأحاديث إذا جاءت من غير طريق النبي ﵌، الإسرائيليات تنقسم من حيث روايتها إلى قسمين: قسم وهو الأقل ما تحدث رسول الله ﵌ بها، فهذا إذا صح السند إلى النبي ﵌ فيكون من الإسرائيليات الصحيحة كمثل مثلاً حديث ذاك الرجل الذي قال عنه ﵊: كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، ثم أراد أن يتوب فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب -أي: على جاهل متعبد ليس بعالم- فذهب إليه وقال له: إني قتلت تسعة وتسعين نفساً بغير حق، فهل لي من توبة؟ قال له: قتلت تسعة وتسعين نفساً وتريد أن تتوب، لا توبة لك، فقتله وأتم به العدد المائة لكن الرجل يبدو من سياق الحديث أنه كان مخلصاً، كان حريصاً في أن يتوب إلى ربه ﵎، ولكنه يريد عالماً بحق أن يدله على الطريق، فلم يزل يسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على عالم، هذه المرة وفق بعالم، فذهب إليه وقال: إني قتلت مائة نفس بغير حق، فهل لي من توبة؟ قال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ولكنك بأرض سوء، من هنا يظهر علم هذا الرجل العالم-ولكنك بأرض سوء، لو كنت في أرض صالحة أهلها ما تمكنت من قتل مائة نفس بغير

стр. 2327

حق، ولكنك بأرض موبوءة بالفساد والقتل وسفك الدماء بغير حق، فأخرج منها إلى القرية الفلانية الصالح أهلها. فانطلق الرجل يمشي تائباً إلى الله ، قاصداً القرية الصالح أهلها، فجاءه الموت في الطريق، فتنازعته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، كل يدعي أنه من اختصاصه، وملائكة العذاب لما يعلمون من سفكه الدماء بغير حق، ملائكة الرحمة؛ لأنهم علموا أنه خرج تائباً إلى الله ، فأرسل الله إليهم حكماً، فقال لهم: قيسوا ما بين موضع موته وما بينه وبين القرية التي خرج منها، والقرية التي قصد إليها، فقاسوا ووجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بنحو شبر فتولته ملائكة الرحمة، وقبضت روحه وألحق بالصالحين لتوبته. هذا حديث أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌ ... فهذا حديث مرفوع ويتعلق ببني إسرائيل، فهو من الأحاديث القليلة الصحيحة التي تتعلق بالإسرائيليات، أما القسم الثاني من الأحاديث وهي الأكثر، فهي التي تروي ولو موقوفة على بعض الصحابة، ولو بالسند الصحيح، حينئذ لا تأخذ حكم المرفوع (حصل هنا انقطاع صوتي). لا تصدقوهم ولا تكذبوهم؛ لأننا إن صدقناهم من الممكن أن نصدقهم بما كذبوا، وإن كذبناهم يمكن أن نكذبهم فيما توارثوه عن أنبيائهم، لذلك لا نصدقهم ولا نكذبهم إلا إذا جاء من طريق الرسول ﵇ الذي من صفاته أنه ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. إذا عرفنا هذا التفصيل في الحديث الموقوف، وأنه لا يكون مرفوعاً أو لا

стр. 2328

يكون في حكم المرفوع إلا إذا كان يتحدث بما يتعلق بالشريعة الإسلامية، أما إذا كان الحديث يتعلق بما وقع فيمن كان قبلنا فحينئذ لا نتحدث به، وإذا كان الأمر كذلك عدنا إلى حديث الذبابة فهو موقوف ويتحدث عما وقع فيمن قبلنا، حينئذ لا نصدقه ولا نكذبه، لما ذكرته آنفاً من قوله ﵇: «فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم». ولكن في حديث الذبابة في حد تعبير علماء الحديث نكارة في المتن؛ ذلك أن الرجل الأول دخل الجنة في ذبابة؛ لأنه مر بالمشركين فطلبوا منه أن يقدم قرباناً ذبابة لصنمهم فأبى؛ فدخل الجنة، ثم جاء الرجل الثاني فطلبوا منه أن يقدم ذبابة فقدم؛ فدخل النار. نحن نعلم أن الله استثنى من الكفر المخلد لصاحبه في النار، فقال: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ (النحل:١٠٦). ونعلم مما ذكره علماء التفسير في سبب نزول هذه الآية، وإن كان في الرواية شيء من الضعف من الناحية الحديثية، ولكن السبب يتناسب مع هذه الآية، ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ (النحل:١٠٦). قالوا: بأن هذه الآية نزلت في عدي بن حاتم الطائي رضي الله تعالى عنه، فإنه كان من أوائل الأصحاب الذين عذبوا في سبيل الله كبلال الحبشي ﵃ جميعاً. عذب عمار بن ياسر عذاباً شديداً، وكأن المشركين قتلهم الله لاحظوا فيه أنه انهارت قواه، فعرضوا عليه أن ينال من النبي ﵌ وأن يسبه وأن يقول فيه ساحر شاعر كذاب، إذا هو أراد أن يطلقوا سبيله، فقال ما أرادوا منه، ولما شعر بالراحة

стр. 2329

وزوال العذاب الشديد عنه كأنه رجع إلى نفسه معاتباً لها، كيف أن نفسه طاوعته على أن يصف النبي ﵌ بما هو الكفر بعينه، فلم يجد توبة له إلا أن يذهب إلى النبي ﵌ وأن يحدثه بما وقع له لعله يجد له مخرجاً، فلما جاء إليه ﵌ وقص عليه القصة، قال له ﵊: «كيف تجد قلبك؟ قال: أجده مطمئناً بالإيمان» فأنزل الله هذه الآية: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ (النحل:١٠٦)، وقال له ﵊: «فإن عادوا فعد» إن عادوا إلى تعذيبك، فعد أنت إلى الخلاص من هذا العذاب بهذا الكلام الذي التلفظ به كفر، ولكن ليس كفراً ما دام أن قلبك مطمئن بالإيمان، فإذا لاحظنا هذا التفصيل في حكم من فعل الكفر أو نطق بالكفر وأنه لا يؤاخذ، حينذاك نجد في حديث الذبابة شيئاً من الغلو والمبالغة ... "الهدى والنور" (٤١٠/ ٥٩: ٣٦: ٠٠) [٧٣٩] باب من شذ في مسألة عقدية هل يعد ضالاًّ أم مجتهداً ؟ سؤال: إذا شذ إمام من الأئمة في أمر من أمور العقيدة كان في بعض الصفات فهل يكون ضالاً أم مجتهداً وله أجر؟ الشيخ: يعني بالإمام العالم؟ مداخلة: أي نعم. الشيخ: الجواب عن هذا السؤال يتعلق بمثل قوله ﵊: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد» ذلك أن هذا الحديث وإن اشتهر عند العلماء استعماله في الأحكام الشرعية والمسائل التي

стр. 2330

يسمونها بالمسائل الفرعية دون استعمال هذا الحديث في المسائل الأصولية أو الاعتقادية، وإن كان هذا اشتهر عند الأصوليين؛ فإنه مما لا شك ولا ريب فيه أن الحديث يشمل الاجتهاد في كلٍّ من الأمرين المذكورين، أي: سواء كان فرعاً أو أصلاً .. سواء كان عقيدة أو حكماً فقهياً، المهم: أن العالم المسلم لا يلقي هكذا الكلام على عواهنه، وإنما يجتهد في معرفة حكم ربه في كل ما كلف الله به عباده سواء كان فرعاً أو أصلاً .. سواء كان فقهاً أو عقيدةً. ومعلوم أن الله يقول في صريح القرآن الكريم: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥) والآية ينبغي أن نتنبه للمعنى الحقيقي منها؛ لأن ظاهر الآية: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥) أي: بشخصه، وهذا بلا شك هو الخطوة الأولى من بعثة الرسول، ولكن ليس المقصود هو شخص الرسول بذاته وإنما المقصود دعوة الرسول ﵇ أكثر من الشخص. ونحن نقرب لكم القضية بمثلين سمحين سهلين جداً: بُعِثَ رسول ما إلى قوم ما، وفي هؤلاء القوم شخص أصم فهو لم يسمع دعوة الرسول، هذا بعث إليه الرسول إلى قومه لكنه لم يسمع دعوة هذا الرسول فهو لم تقم حجة الله عليه، وقيسوا على ذلك الشيخ الفاني بمعنى الخَرْفَان ونحو ذلك .. الأطفال الصغار، فهؤلاء بالرغم أنهم كانوا في الوقت الذي بعث الرسول إلى قومهم فهم لم تبلغهم الدعوة هذا هو المثال الأول. واعكسوا الآن: دعوة هذا الرسول جاء إلى الجيل الثاني وهم لم يروا الرسول ولا سمعوا دعوته منه مباشرةً ولكن الدعوة بلغتهم فهل تشملهم الآية الكريمة؟ الجواب: نعم: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥). فإذاً: إما أن تكون الحجة تقوم بواسطة الرسول مباشرةً، أو بواسطة غيره ممن

стр. 2331

يبلغ رسالته كما بلغها هو قومه، إذاً: الحجة تقوم ببلوغ الدعوة إلى المكلف، الدعوة كما ذكرنا آنفاً قد تكون متعلقة بالعقيدة وقد تكون متعلقة بحكم شرعي، فإذا افترضنا إنساناً بلغته دعوة نبيٍّ على الوجه الصحيح في حكم فرعي فقهي، ومع ذلك هو أنكر هذا الحكم فإنكاره وأؤكد ما قلت آنفاً: بلغه الحكم كما لو كان سمع الحكم من النبي أو الرسول مباشرةً ومع ذلك فهو أنكره فهذا يكفر. على العكس من ذلك إنسان آخر لم تبلغه دعوة الرسول فيما يتعلق بعقيدةٍ ما، ولنضرب على ذلك مثلاً: فنقول: مثل عقيدة عذاب القبر، أو سؤال منكر ونكير، ونحو ذلك من الغيبيات التي تدخل في عموم قوله تعالى: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة:١ - ٣) فهذا المثال الثاني الرجل الثاني لم تبلغه دعوة الرسول فيما يتعلق بمثالنا هذا عذاب القبر، فهذا ليس مكلفاً .. ليس مسئولاً فيما إذا لم يؤمن بعذاب القبر؛ لأن الحجة لم تبلغه ولم تقم عليه، إذا عرفنا هذه الحقيقة حينئذٍ نعود إلى أصل السؤال: أي إمام من أئمة المسلمين سواء كان خطؤه متعلقاً بعقيدة أو كان خطؤه متعلقاً بحكم فقهيٍ فهو غير مؤاخذ إذا لم تبلغه الحجة، والعكس بالعكس تماماً كل من بلغته الحجة سواء في العقيدة أو في الفقه وأنكرها فهو الذي قامت عليه حجة الله فذاك نادم وهذا هالك. فلا فرق إذاً بين من يقع في خطأ إنكار صفة من الصفات مثلاً إلهية إذا كان إنكار هذا ليس عناداً وليس جحوداً وإنما كان باجتهاد منه، ولو أن هذا الاجتهاد كان منه خطئاً، هنا يرد الحديث الذي ابتدأنا الجواب به عن هذا السؤال: «إذا حكم الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد» لذلك ما يشاع في هذا الزمان أن من أخطأ في الأصول أو في العقيدة فهو غير معذور هذا الإطلاق خطأ

стр. 2332

جلي جداً لا يصح أن يتبناه المسلم. مداخلة: شيخ بارك الله فيك! بالنسبة لقضية الاجتهاد في العقيدة فهنالك قاعدة عند أهل السنة أن الأمور السمعية لا يجتهد فيها، وقد سألت الشيخ مشهوراً جزاه الله خيراً فقال لي هذه القاعدة. الشيخ: سألت ماذا؟ مداخلة: الشيخ مشهور. الشيخ: نعم. مداخلة: وقال لي هذه القاعدة، لكن هنا الذي نريد أن نستوضحه هو: أنه إذا جاء إلى عالم من العلماء قول وقد أجمع السلف عليهم جميعاً من الصحابة والتابعين إلى غيرهم، إلى عصره، ثم هذا القول رَدَّهُ، وقد أضرب على ذلك مثلاً في قضايا الصفات، وهو عالم ومعروف له بالعلم ومشهود له بالعلم، عند كافة أهل العلم فرد هذا القول بعقله أو برأيه أو باجتهاد منه لنقل ذلك! وأطلق على هؤلاء القوم بكلام من اجتهاده وبذلك أنكر الصفات فهل نقول: هل هو فعلاً هنا اجتهد مع أن الصحابة هنا كلهم مجمعون على ذلك؟ الشيخ: يا أخي بارك الله فيك! نحن ما نستطيع أن ندخل إلى قلوب الناس حينما قلنا ما قلنا آنفاً إنما نعني بذلك، هل هذا الإنسان مؤاخذ عند الله أو غير مؤاخذ؟ هل هو مؤاخذ عند الله بمعنى: أقيمت الحجة عليه فهو مؤاخذ أو غير مؤاخذ؟ البشر لا يستطيع أن يتعمق ويصل إلى ما في القلب، ما يعلم ما في القلوب إلا علام الغيوب كما هو معلوم، الآن أنت دندنت حول ما نقلت عن قضية الإجماع، هل الإجماع إذا صح عند شخص لازمه أن يصح عند كل شخص؟

стр. 2333

مداخلة: الجواب لا طبعاً. الشيخ: طبعاً! طبعاً لا ولذلك حينما أنت تفترض أن السلف الصالح كلهم أجمعوا على كذا، وجاء رجل عالم وأنكر هذا الإجماع وقال قولاً مخالفاً لهم، نحن نستطيع أن نخطئ هذا المخالف؛ لكن لا نستطيع أن نكفره، أي: لا نستطيع أن ندخل إلى قلبه ونحكم عليه بأنه كما قال تعالى في بعض المشركين: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ (النمل:١٤) لا نستطيع أن نصل إلى هذه النقطة، نحن كل الذي نستطيعه أن نحكم بأن هذا أخطأ وإن شئتَ أو شئتُ، قلتَ أو قلتُ: ضل، أما أنه كفر وجحد هذا أمر قلبي لا نستطيع نحن أن نتوصل إليه. مداخلة: شيخنا بارك الله فيك! أنا لا أقصد بكلامي التكفير أو التفسيق أو التضليل، لكن الذي أقصده: هل بِرَدِّه مثلاً للعلماء قد يتبنى إجماع عند عالم لا يرى الإجماع عند عالم آخر، لكن هل فعلاً هو اجتهد؟ الشيخ: مكانك راوح! لا يوجد شيء جديد في كلامك، الاجتهاد بالنسبة للمكلف يتعلق بالقلب والعمل، أما بالنسبة للآخرين فلا يستطيعون أن يحكموا عليه بأنه اجتهد أو لم يجتهد صحيح هذه البديهية أم لا؟ يعني: أنت ما تستطيع أن تحكم علي أنني اجتهدت أو لم أجتهد .. أنني تابعت البحث متابعةً بحيث يصدق علي قوله ﵇: «إذا حكم الحاكم فاجتهد» أنت ما تستطيع أن تحكم على أي إنسان أنه اجتهد أو لم يجتهد حتى تبني على اجتهاده أنه معذور أو تبني على عدم اجتهاده أنه غير معذور، لكن هو يدري ماذا يفعل، فهو إذا أفرغ جهده لمعرفة الحق بالطرق التي تتيسر له، وعلم الله منه الصدق والإخلاص في معرفة الحق لكنه لم يوفق إليه وهنا يأتي الحديث: «وإن أخطأ فله أجر واحد». إذا كان الحديث الواحد يختلف عالمان في تصحيحه وتضعيفه، الذي

стр. 2334

يضعفه أنكر صحته فإن أنكر وهو معذور فهو معذور، وإن أنكر نكايةً وجحداً لجهد ذلك المجتهد الأول المصيب فهو الضلال المبين، لا يوجد فرق بين الفقه وبين العقيدة وبين الحديث تصحيحاً وتضعيفاً، تعرف أنت أن الحديث قد يكون صحيحاً عندهم جميعاً، ولكن قد يبلغ مبلغ التواتر عند بعضهم دون بعض آخر إلى آخره، فالقضية نسبية والحكم عند علام الغيوب هو الذي يعلم ما في القلوب، فهو الذي سيحكم ويدين كل إنسان بما فعل: «إن اجتهد فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد» على كل حال: أنا يعني: لا تكن في حرج صف ما عندك حتى أفهم جيداً وأعطيك ما عندي إن كان عندي. مداخلة: شيخ هذه القضية: الأسماء والصفات معروف أنها قضية سمعية، يعني: أهل السنة متفقين عليها ومسلمين بها، لكن نحن كما قلت: نحن لا نريد أن نطلق هذه الألفاظ نحن نقول: أنه اجتهد أو أخطأ أو ضل أو مثل هذه الألفاظ، نحن لا نريد أن نكفر أحداً في هذه القضية، لكن أنا قصدي أنه مثل هذه مثل قضية أصولية عند أهل السنة والجماعة عندما يأتي مثلاً شخص ويرد الصفات كلها، نحن نقول: لو أنه مثلاً رد صفة واحدة أو أول صفة واحدة أو أنكر صفة واحدة نقول مثلاً اجتهد في فرعية من الفرعيات، لكن عندما مثلاً يرد جميع الصفات وينكر على غيره ويستعمل ألفاظاً لا تجوز، هذا الذي أريد أن أستوضحه. الشيخ: أنا أرى الآن تطورت المسألة، كان السؤال: في إمام أنكر صفةً، الآن أنت قفزت قفزة الغزلان أنكر كل الصفات. مداخلة: أنا قصدي هذا أنكر كلها. الشيخ: معليش، أنت كنت سئلت السؤال الأول؟ مداخلة: لا، ليس أنا.

стр. 2335

الشيخ: طيب يا أخي! لكل سؤال جواب، أنا لا أتصور الآن كما يقال نضع النقاط على الحروف أنا ما أتصور إماماً من أئمة المسلمين أنكر الصفات هذه كلها، هذا إما أن يكون الجهمي الأول الجهم بن صفوان أو الجعد أو أمثاله، أما إمام من أئمة المسلمين ينكر الصفات كلها هذا لا يتصور، الآن أنت تقول أنكر كل الصفات طيب! دعنا نحدد رجل أنكر الصفات كلها ما هو السؤال حتى أعطيك الجواب بأوجز عبارة؟ مداخلة: السؤال. الشيخ: نعم، أنكر كل الصفات ما هو السؤال؟ مداخلة: هل يكون هو في هذه الحالة اجتهد أم لا؟ الشيخ: لا، لا يكون اجتهد. مداخلة: لا يكون اجتهد. الشيخ: طبعاً! لكن يعود البحث السابق: ما أنكر كل الصفات آمن بالبعض وأنكر البعض، ممكن أن يكون مجتهداً؟ مداخلة: في هذه الحالة ممكن. الشيخ: طيب إذاً؟! مداخلة: لكن أنا كان قصدي - عفواً أعتذر - أنه كان قصدي عن مسألة الصفات كلها. الشيخ: خير إن شاء الله. "الهدى والنور" (٨٢٠/ ٤١: ٢٢: ٠٠) و (٨٢٠/ ٤١: ٣١: ٠٠)

стр. 2336

[٧٤٠] باب متى يكفر من أنكر شيئًا معلومًا من الدين بالضرورة ؟ [قال الإمام]: الحق الذي لا ريب فيه أن من أنكر شيئاً ثابتاً في الدين، سواء كان في الأصول أو الفروع فهو كافر إذا علم كونه من الدين، ومع ذلك أنكر، فبهذا الشرط يكفر؛ لأن معنى ذلك أنه لا يصدق الرسول ﵌ في كل ما جاء به، وما جاء به كله صواب، فجحد أي شيء منه يعتبر طعناً فيه ﵌. وذلك كفر بين. وعلى ذلك إذا أنكر شيئاً وهو لا يعلم أن النبي ﵌ جاء به، فلا سبيل إلى تكفيره إلا بعد تبليغه وإقامة الحجة عليه لقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، ولا مجال بعد ذلك للتردد في تكفيره، ولو زعم أنه يقتنع بذلك أو لم تطمئن نفسه به فإنه ينافي الإيمان به ﵌ كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. "تحقيق كتاب: التوحيد والعقائد الإسلامية" (ص١٢ - ١٣).

стр. 2337

جماع أبواب أحكام أهل الفترة ومن في حكمهم والكلام على مصير أبوي النبي ﵌ -غير ما تقدم -

стр. 2338

[٧٤١] باب بيان من هم أهل الفترة سؤال: شيخ من أهل الفترة؟ وما حكمهم في الآخرة؟ وهل أهل الجاهلية يعتبرون من أهل الفترة؟ الشيخ: نعم. المراد بأهل الفترة كل من لم تبلغه الدعوة على الوجه الصحيح الذي جاء في الشرع، ولكن ليس من المستطاع تحديد كل فرد من أفراد أهل الفترة؛ لأن هذا أولاً ليس بالمستطاع بالنسبة للبشر، وثانياً لم يرد مثل هذا التحديد عن الله ورسوله. ثم هذه التسمية أهل الفترة وإطلاقها على من لم تبلغهم الدعوة هو اصطلاح علمي لا مانع منه؛ لأن لكل قوم أن يصطلحوا على ما شاؤوا بشرط أن لا يكون في اصطلاحهم شيء من المخالفة لنص من نصوص الكتاب أو السنة، نحن نجد في القرآن مثل قوله ﵊، مثل قول رب الأنام: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥)، ولله الحجة البالغة ولو شاء الله لهدى الناس جميعاً. أما أن نقول: إن العصر الفلاني أو الزمن الفلاني هم كلهم أفراداً وجماعات هم من أهل الفترة هذا أمر مستحيل، لكننا نقول: من كان من أهل الفترة بالمعنى الذي أشارت إليه الآية أي لم تبلغه الدعوة ولن تبلغه دعوة نبي أو رسول فهو الذي نستطيع أن نقول: إنه لا يعذب يوم القيامة من لم تبلغه الدعوة، أما من هم وفي أي زمن هم؟ هذا لا سبيل إلى تحديده، بل قد يمكن أن يوجد أهل فترة في كل زمان سواء كان هذا الزمان قبل الإسلام أو بعد الإسلام.

стр. 2339

أما الذين كانوا قبل بعثة النبي ﵊ من العرب في الجاهلية فهو مما يدخل في كلامي السابق لا يمكن أن نقول: إنهم جميعاً ليسوا من أهل الفترة الذين لم تبلغهم الدعوة أو إنهم من أهل الفترة كلهم لم تبلغهم الدعوة، لا يمكن أن يقال: لا هذا ولا هذا بهذا الإطلاق والعموم والشمول، ولكننا نعتقد أن كلاً من النوعين كان موجوداً، أي كان في العرب من بلغتهم الدعوة وكان فيهم من لم تبلغهم الدعوة، فإذا جاء النص عن الله ورسوله يحدد أن فلاناً لم تبلغه الدعوة قلنا في عينه بأنه لم تبلغه الدعوة، والعكس بالعكس تماماً، إذا جاء النص عن شخص معين إما أنه لم تبلغه الدعوة أو جاءنا لازم ذلك أي: إنه من أهل النار فذلك يستلزم أن يكون قد بلغته الدعوة؛ لأن الله يقول كما ذكرنا آنفاً: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥)، فقبل بعثة النبي ﵌ كانت هناك رسالة إبراهيم وإسماعيل وكانت آثارها في العرب لا تزال قائمة وبخاصة في مكة المشرفة والمقدسة من الله ﵎ ببناء إبراهيم الكعبة فيها وعبادته لله فيها هو وابنه إسماعيل ومن استجاب لدعوتهما، فإسماعيل ﵇ كان قد أرسل إلى العرب ودعوته استمرت ظاهرة جلية في البلاد العربية وبخاصة في عاصمتها مكة، واستمرت هذه الدعوة في العرب ما شاء الله وكان فيهم إلى قدوم بعثة الرسول ﵇ من يعبد الله وحده لا شريك له وإن كان غالبية العرب قد وقعوا في الشرك وهذا أمر أعني وقوعهم في الشرك وعبادتهم لغير الله هذا أمر لا يحتاج إلى كثير من البحث، وإنما البحث الذي ينبغي أن نوجه الكلام فيه هو: هل كل من كان قبل الرسول ﵇ لم تبلغه الدعوة من هؤلاء العرب فهم غير مؤاخذين وغير مخلدين في النار؟ الجواب: هذه الكلية باطلة لا يجوز إطلاقها، أن يقول قائل: كل من كان قبل بعثة النبي ﵌ فهو من أهل الفترة، ذلك لأن لدينا أحاديثاً كثيرة وكثيرة جداً تصرح بأن بعض من كانوا في الجاهلية قبل بعثة

стр. 2340

الرسول عليه ﵌ هم من أهل النار، وأظن أن مثل هذه الأحاديث لا تخفى على أحد من الحاضرين، بل ولا على أحد من طلاب العلم من غيرهم. إلا أن بعض هؤلاء المشار إليهم من غير الحاضرين إن شاء الله عندهم بعض الشبه والإشكالات حول هذه النصوص التي أشرت إليها بأن النبي ﵌ قد أخبر عن بعض من كان قبل بعثته من العرب وقد يكونون أو يكون بعضهم من أقاربه ﵊ بل من أقرب الناس إليه وقد شهد النبي ﵌ بأنه في النار، فيأتي هنا الإشكال ويحاول بعض الناس بالإطاحة بالإشكال من أصله بالحكم على الأحاديث التي وردت بعدم صحة ذلك بزعمهم لأنها تتنافى مع كون العرب الذين كانوا قبل النبي ﵌ هم من أهل الفترة. فلذلك فأنا أريد أن ألفت النظر إلى شيئين قد سبق أن ذكرت آنفاً أحدهما وهو أنه لا يمكن أن يقال قولاً مطلقاً بأن كل من كانوا قبل بعثة الرسول ﵇ من العرب كانوا من أهل الفترة أي من الذين لم تبلغهم الدعوة، وحين ذاك لا يصح الاستنزال لرد هذه الأحاديث التي أشرت إليها وسيأتي التنصيص على بعضها لا يجوز ردها بمثل الآية السابقة ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥)؛ لأننا سنقول: هذه الآية محكمة، ولكن تطبيقها على كل فرد من الأفراد الذين كانوا في أمة قد أرسل إليهم رسول لا يمكن إلا أن نقول: إن كل فرد لم تبلغه الدعوة أو على العكس من ذلك والعكس ليس موضع إشكال وهو أن كل فرد قد بلغتهم الدعوة، لا نقول بلغتهم الدعوة فرداً فرداً كما أننا لا نقول: لم تبلغهم الدعوة فرداً فرداً، من لم تبلغه الدعوة فهو من أهل الفترة الذين لا يعذَّبون بكفرهم وضلالهم فحينئذ إنما نقف أمام أحاديث صحيحة يصرح فيها النبي ﵌ بأن فلاناً وفلاناً من أهل النار فلا يجوز أن يقال في هذه الحالة: بأن هذا ليس صحيحاً لأنه

стр. 2341

كان من أهل الفترة؛ لأننا سنقول: ما يدريك أنه من أهل الفترة وقد قال ﵊ فيهم: أنهم من أهل النار. كما جاء في الصحيحين مثلاً: «أن النبي ﵌ مر ذات يوم راكباً على دابته فشمست به وكادت أن ترميه فنظر فوجد قبرين فسأل من كان معه من الصحابة: متى مات هؤلاء؟ قالوا: في الجاهلية، فقال ﵊: لولا أن تدافنوا لأسمعتكم عذاب القبر» (١). والشاهد من هذا الحديث أن النبي ﵌ شهد بأن هذين المقبورين ماتا في الجاهلية ومع ذلك فإنهما يعذبان ولو قال ﵇: «لولا أن تدافنوا لأسمعتكم عذاب القبر» هذا العذاب الذي شمست به دابته خوفاً من هذا العذاب الذي سمعته الدابة وهذا العذاب كان منصباً على رجلين ماتا في الجاهلية. فحينئذ لازم هذا الحديث وأمثاله أنهما ماتا على الشرك وعلى الضلال من جهة وأنهما ليسوا ممن لم تبلغهم الدعوة؛ لأنهم لو كانوا كذلك لم يستحقوا العذاب بصريح الآية السابقة ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥). كذلك قد جاء في غير ما حديث: «أن النبي ﵌ سئل عن بعض الأجواد الكرماء الذين كان يضرب بهم المثل بجودهم وكرمهم ممن ماتوا في الجاهلية، هل نفعهم شيء من ذلك؟ قال: لا إنه لم يقل يوماً ما: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» (٢). وأخيراً: نأتي إلى مشكلة المشاكل بالنسبة لبعض الكتاب المعاصرين الذين

стр. 2342

يتكؤون على قاعدة أن أهل الفترة غير معذبين فيردون هذا الحديث الأخير، مع ما سبق ذكره من أحاديث فلا يهمهم أن يتعرضوا لذكرها سلباً أو إيجاباً؛ لأنها لا علاقة لها بعواطفهم بخلاف الحديث الذي سأذكره آتياً ألا وهو قوله ﵊: «إني أستأذنت ربي في أن أزور قبر أمي فأذن لي واستأذنته في أن أستغفر لها فلم يأذن لي» (١) فهذا الحديث باعتباره يتعلق بوالدة النبي ﵌ الذي هو سيد البشر فكثير من الناس الذين يستسلمون لعواطفهم دون أن يحكموا فيها شريعة ربهم وأن يسلموا لها تسليما يكبر عليهم جداً أن يتقبلوه كما هو واجب كل مسلم في أن يكون موقفه تجاه حكم من أحكام الله كما قال ﵎: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء:٦٥)، فهم لا يسلمون لهذا الحديث تسليماً كما أمرهم الله في الآية المذكورة؛ لأنهم لا تتسع عقولهم لأن يعتقدوا بأن أم سيد البشر هي من أهل النار، مع علمهم أن النبي ﵌ كان يقول في حديث معروف في صحيح مسلم من: «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه» (٢) والله يقول: ﴿فَإِذَا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (المؤمنون:١٠١)، فالأنساب يوم القيامة بالنسبة لمن مات على الشرك فلا فائدة منه إطلاقاً، وهذا الحديث بخصوصه يدخل في هذا العموم أن النسب لا يفيد صاحبه إذا لم يكن مؤمناً بالله ورسوله. فقوله ﵌: «واستأذنت ربي في أن أستغفر لها» فلم يأذن لي دليل واضح

стр. 2343

جداً أن والدة النبي ﵌ هي من أهل النار مع أنها ماتت قبل أن يشب النبي ﵌ فضلاً عن أنها ماتت قبل بعثته ﵌ فهي إذاً ماتت في الجاهلية فهل هي من أهل الفترة أي: الذين لم تبلغهم الدعوة؟ الجواب: لو كانت كذلك لمَا أبى الله ﵎ أن يأذن للنبي ﵌ بأن يستغفر لها، فإذاً هي ماتت على الشرك ومن مات على الشرك فلا تنفعه شفاعة الشافعين. كذلك الحديث الآخر ولعله عند بعض الناس أشهر وهو أيضاً في صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: «أن رجلاً جاء إلى النبي ﵌ فقال: يا رسول الله! أين أبي؟ قال: في النار، ثم انصرف الرجل». قال ﵊: «هاتوا الرجل، فلما رجع قال له ﵌: إن أبي وأباك في النار» (١)، فحكمه أيضاً ﵊ في هذا الحديث على والده الذي كان سبب وجوده أنه من أهل النار لدليل واضح أنه ليس من أهل الفترة الذين لم تبلغهم الدعوة؛ لأنه لو كان كذلك لم يكن أيضاً من أهل النار. لهذه الأحاديث لا يجوز لنا أن نقول: إن كل من كان قبل بعثة الرسول ﵇ من المشركين هو من أهل الفترة؛ لأننا بذلك نضرب أحاديث الرسول ﵌ دونما حجة من عند أنفسنا إلا التمسك بعمومات لا تفيد بالنسبة للنصوص الخاصة، وحينئذ وجب الجمع بين ما دلت عليه الآية وما في معناها، أن الله لا يعذب أحداً من عباده إلا بعد إرسال الرسول إليه. ولعل من المفيد أن نذكر هنا شبهة أخرى تعترض سبيل أولئك الشاكِّين في بعض هذه الأحاديث المقطوع بصحتها عند أهل العلم حينما يقولون: إن هؤلاء

стр. 2344

الأفراد الذين جاءت الأحاديث لتصرح بأنهم من أهل النار لم تبلغهم الدعوة، فنقول حين ذاك: ما هو الدليل عندكم أن هذا الجنس من الناس المعذبين ممن ماتوا في الجاهلية، ما هو الدليل عندكم في النفي الذي تذكرونه أي: قولهم: لم تبلغهم الدعوة؛ لا يجدون جواباً إلا أن يقولوا: نحن نعلم يقيناً إن أبوي الرسول مثلاً وبعض أولئك الكرام الذين ماتوا في الجاهلية نعلم يقيناً أنه ما أرسل إليهم رسولاً، هنا لا بد من أن نقف قليلاً: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥) هل المقصود ببعثة الرسول التي تقوم الحجة بها على الناس الذين جحدوها وكفروا بها أن يأتيهم الرسول بشخصه ومعه الدعوة من ربه إليهم، أم يكفي أن تصل دعوة الرسول إلى أولئك الناس ولو بواسطة بعض أصحاب ذلك الرسول أو الذين جاءوا من بعدهم، هنا دقة في الموضوع، وأظن أنه لا يستطيع أحد أن يفسر الآية: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥) أن المقصود بعثة الرسول بشخصه فقط، أي: بمعنى أنه إذا مات الرسول ماتت الدعوة، وأن هذه الدعوة لو بلغت ناساً بواسطة أتباع الرسول الأولين أو أتباع أتباعهم وهكذا فلا تقوم حجة الله على الناس إلا في حالة بعثة الرسول بشخصه فقط. لا أعتقد أن أحداً يضيق معنى هذه الآية فيقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:١٥) بشخصه، أي: كل قوم لا بد أن يأتيهم الرسول بشخصه وبدعوته، ذلك؛ لأن من المعلوم أولاً بالنص قوله ﵊: «فضلت على الأنبياء قبلي بخمس خصال -وذكر فيها ﵊ قوله: وأنه كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة» (١)، قوله ﵇: «وبعثت

стр. 2345

إلى الناس كافة» مع قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سبأ:٢٨)، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:١٠٧)، كل هذا وذاك يدل على أن بعثة الرسول ﵇ ليست فقط بشخصه بل وببلوغ الدعوة إلى من بعد وفاته ﵊. كذلك نقول حينما قال ﵇: «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة» لا يعني: يبعث بشخصه فقط بل وبدعوته بعد وفاته ﵊. هذه حقائق باعتقادي لا يمكن لأحد أن يماري أو يجادل فيها؛ لأنه سيلزمه محظوران اثنان: المحظور الأول: أن يعتقد أن بعثة الرسول ﵌ إلى الناس كافة محصورة بالعرب الذين دعاهم الرسول ﵊ مباشرًة إلى الإسلام، أما بعد وفاته فقد انتهت دعوته ﵇ وبعثته ورسالته، وهذا بلا شك باطل. والشيء الآخر مثله وهو: أن يعتقد أولئك الشاكين المرتابين في صحة تلك الأحاديث وهي صحيحة دون خلاف بين العلماء أن يعتقدوا أننا نحن اليوم معشر المسلمين وعددهم يبلغ عشرات الملايين، لم تبلغنا الدعوة، لماذا؟ لأنه ما جاءنا رسول مباشرةً، فهل من عاقل يقول بمثل هذا القول الذي يلزمهم أن يقولوا به إذا ما قالوه في العرب الذين كانوا قبيل بعثة الرسول ﵇؛ لأنهم يقولون: هؤلاء ما جاءهم رسول لكنهم يعلمون أنهم جاءتهم دعوة إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام، وهي دعوة التوحيد فكفر من كفر بها وآمن من آمن بها، فإذًا: لا فرق بين دعوة إبراهيم وإسماعيل من حيث شمولها لكل من بلغته الدعوة ولو بعد وفاة الرسول المرسل إليهم مباشرةً؛ لأنه ليس المقصود من بعثة الرسول

стр. 2346

هو الشخص، وإنما المقصود دعوته ورسالته. ذلك لأننا لو فرضنا إنسانًا في زمن الرسول المبعوث مباشرةً إلى قومٍ ما كان أصم أبكم، التقى مع الرسول المبعوث ولكنه هو لا يفقه شيئًا مما يقول لما به من صمم وبكم، فهذا لم تبلغه الدعوة وإن كان قد بلغه الرسول بشخصه، والعكس كذلك حينما نتصور قومًا جاءتهم دعوة الرسول ﵇ دون أن يروا الرسول وبعينه وشخصه فقد قامت الحجة عليهم. إذا كان الأمر كذلك وهو كذلك دون خلاف بين مسلمين فحينئذٍ لا محظور بالنسبة لتلك الأحاديث الصحيحة التي تشهد بأن أولئك الأشخاص هم من أهل النار، فلازم ذلك أنهم قد بلغتهم الدعوة، وأقيمت عليهم الحجة، فلا جرم أن النبي ﵌ حكم عليهم بأنهم من أهل النار، فقول من يقول بدفع هذه الأحاديث أن إسماعيل أو إبراهيم أو غيرهما من الأنبياء الذين أرسلوا إلى العرب ما جاءهم رسول مباشرةً، هذا كما لو قال قائل اليوم: أن التابعين وأتباع التابعين إلى هذا الزمان وإلى آخر الزمان الذي لا يبقى على وجه الأرض من يشهد ألا إله إلا الله إلا جاءت ريح طيبة وقبضت أرواحهم، كل هؤلاء من المسلمين أتباع الصحابة ومن بعدهم نقول: لم تبلغهم الدعوة؛ لأنهم ما جاءهم الرسول، فهل من عاقل يقول بمثل هذه الكلمة؟ ظني أن لا أحد يقول، إذًا: نحن نلزمهم بأن يقولوا نفس الكلمة معنا: بأنه ليس المقصود من إرسال الرسل فيما قبل الرسول ﵇ هو أشخاصهم فقط، بل المقصود: دعوتهم أيضًا، فسواء لا فرق بين قوم جاءهم الرسول مباشرةً بدعوته، وبين قوم أو أقوام آخرين جاءتهم دعوة الرسول بوساطة أتباع الرسول،

стр. 2347

فكل من هؤلاء وهؤلاء قد قامت حجة الله على الناس جميعًا بطريق من هاتين الطريقتين: إما وصول دعوة الرسول بواسطته هو مباشرةً، أو وصول دعوة الرسول بواسطة غيره من أتباعه الذين آمنوا به، فحينئذٍ نعرف من هم أهل الفترة. وخلاصة ذلك: أن أهل الفترة هم الذين لم تبلغهم دعوة الرسول ﵌ مباشرةً منه إليهم، أو بواسطة أحد أتباع هذا الرسول. إلى هنا فيما يبدو لي ينتهي الجواب عن السؤال السابق، ولكن لا بد لي من كلمة قصيرة حول الدعوة التي يجب أن تبلغ ناسًا لتكون حجة الله قائمةً عليه؛ لأنهم قد تكون جاءتهم الدعوة بطريق غير طريق الرسول، فلا تكون الحجة قائمةً في هذه الحالة، لتقصير وقع من هؤلاء المبلغين، فقد ذكرت آنفًا أن الرسالة قد تبلغ بطريق من طريقتين: الطريقة الأولى: بشخص الرسول، وهذه بلا شك ولا ريب أقوى من الطريقة الأخرى. وهي: أن تصل الدعوة إلى قوم ما بواسطة أتباع الرسول، سواء كان هؤلاء الأتباع من أتباع الرسول مباشرًة، أو على التسلسل كما نقول في فهم حديث الرسول: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» فخير الناس أصحابه ﵇؛ لأنهم هم الذين أرسل إليهم الرسول مباشرةً، ثم التابعون لهؤلاء الأصحاب، ثم أتباعه. فالطريقة الأخرى أن تصل الدعوة إلى ناس ما بطريق أتباع الرسول، سواء التابعين للصحابة أو أتباعهم، أو من جاءوا من بعدهم كما هو واقعنا اليوم. الذي أريد الآن أن أذكر به إتمامًا للفائدة: أن الدعوة التي تصل إلى قوم ما

стр. 2348

بالطريقة الأخرى، ليس بطريقة الرسول مباشرةً يجب أن تكون هذه الدعوة قد بلغتهم صافيةً نقية، لا تغيير فيها ولا تبديل ولا تحوير، لأنها في هذه الحالة إذا بلغتهم كذلك تكون بلوغ الدعوة إليهم بواسطة الأتباع كما لو كانت وصلت إليهم بواسطة الرسول مباشرةً، أما إذا كان الأمر على خلاف ذلك، أي: إن قومًا ما أو ناسًا ما بلغتهم دعوة الإسلام محرفةً .. مغيرةً .. مبدلةً، وبخاصة ما كان منها متعلقًا في أصولها وفي عقيدتها، فهؤلاء الناس أنا أول من يقول إنهم لم تبلغهم الدعوة؛ لأن المقصود ببلوغ الدعوة على صفائها وبياضها ونقائها، أما والفرض الآن أنها بلغتهم مغيرةً مبدلة، فهؤلاء لم تبلغهم الدعوة وبالتالي لم تقم حجة الله ﵎ عليهم. هذا الذي أردت أن أضيفه إلى ما سبق من البيان لتتم الفائدة إن شاء الله. مداخلة: ... هو لا شك بأن الدعوة وصلت إلى كثير من الناس ... ولكن هؤلاء الناس يختلفوا، إذا عرب درسوا إلى جانب هذه الدعوة المحرفة .. درسوا القرآن واللغة العربية بعلومها من بلاغة وبيان وإلى آخر والنحو والصرف، فهموا اللغة فهمًا واضحًا يعني: فهموا أيضًا القرآن .. اطلعوا على شيء من تفاسير السلف، هناك دعوة قائمة أيضًا تؤكد المبادئ وقواعد التوحيد التي جاء بها القرآن الكريم، كل هذا تتوفر لكثير من الناس خصوصًا العرب منهم، فهل نقول في هؤلاء: إنهم ما قامت عليهم الحجة وما بلغتهم الدعوة؟ الشيخ: من يقول بهذا؟ مداخلة: أخشى أن يتبادر فهم .. الشيخ: لكن اعكس تصل الطرف الثاني بلغتهم الدعوة؟

стр. 2349

مداخلة: أي طرف ثاني؟ الشيخ: الذي يقابل هذا الطرف الذي وصفته. مداخلة: لا لا. الشيخ: هذا هو المهم بارك الله فيك. مداخلة: لا أقول بهذا، مثلاً الآن: مدرسة الأزهر تدرس العلوم الإسلامية بلغاتها وعقائدها وتراثها وكذا وكذا .. مثلهم بعض المدارس ... أيضًا يدرسون هذه العلوم، يدرسون القرآن وعلومه ولغته بأصنافها، فهل نقول في هؤلاء فعلًا وصلتهم الدعوة المحرفة أو بطريق الأشعرية أو غيرهم، لكن بقي هناك ما تقوم به عليهم الحجة من فهمهم اللغة العربية وبفهمهم لعلوم القرآن وعلوم الحديث وتراث السلف الصالح، هل نقول في هؤلاء: بلغتهم الحجة فعلًا وقامت عليهم أو نقول: إن هناك احتمال أنه ما بلغتهم الحجة أو بعضهم ما بلغته الحجة. الشيخ: أنا أعتقد بارك الله فيك أننا في كل المسائل يجب أن نأخذ أوضح الأمثلة وليس أغمضها، فالآن لنقل عن المسلمين الأعاجم، لا نتحدث عن علمائه، بل لنقل عن العرب أمة العرب الذين ليسو من العلماء، هل بلغتهم الدعوة؛ لأن المهم أن نتكلم في الأمة التي نقول عنها إنها أمة مسلمة سواء كانوا عربًا أو كانوا عجمًا، لا نريد أن نتكلم عن نخبة منها .. عن خاصة هذه الأمة العربية أو الأعجمية، وإنما نتكلم عن عامة هذه الأمة، هل بلغتهم الدعوة في هذا العصر؟ أنت ذكرت الأزهريين بخاصة، ترى! المصريين هل المصريون كشعب هل بلغتهم الدعوة كما جاء بها رسول الله ﵌ إلى الصحابة، وكما نقلها الصحابة إلى التابعين وهكذا؟

стр. 2350

أنا أقطع بأن هذا الشعب كشعب لم تبلغهم الدعوة كما جاءت وكما أنزلت، لكن بلا شك بعض الخاصة من أولئك كما شرحتم آنفًا قد بلغتهم الدعوة وأقيمت عليهم الحجة، ونحن غرضنا من هذا البيان هو أن نخلص عامة المسلمين وبخاصة منهم الأعاجم من أن نبادر إلى تسليط سيف التكفير عليهم، ونحن نعرف أنهم يعيشون بين علماء كثير منهم من لم يفهم الدعوة كما يجب، وقسم منهم كما أشرت فهمها كما جاءت ولكنه اتبع هواه كما وقع مع العرب الأولين تمامًا الذين بعث إليهم الرسول مباشرًة، ولذلك أنا فرقت بين الدعوة بالطريقة الأولى حيث يأتي الرسول فيبلغ قومه مباشرًة، هنا ليس هناك مجال أن يكون التبليغ فيه سوء تبليغ .. فيه تقصير، بينما نقل الدعوة بالطريقة الأخرى يمكن أن يرد عليها شيء من هذا التقصير، أو من ذاك السوء سوء التبليغ. فهناك فرق بين الطريقة الأولى والطريقة الأخرى تمامًا، وما دمنا نحن نعيش اليوم وقد بلغنا الدعوة بالوسائط، وبخاصة وبيننا وبين الرسول الذي أرسل مباشرةً إلى الصحابة أربعة عشر قرنًا فيجب أن نتصور أن الدعوة إلى جمهور الأمة الإسلامية اليوم حتى العرب لم تبلغهم الدعوة كما جاءت أو كما أنزلت من العلماء؛ لأنهم من علماء السوء ومن الذين وصفهم الرسول ﵇ في الحديث الصحيح حين قال: «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعًا من صدور العلماء، ولكنه يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» (١). غرضي من هذا ليس أن نقدم عذرًا لمن لا عذر له وهم الأقلية، وإنما أن نقدم
следующие страницы →